٤ - عرضت لنا أثناء أحداث هذه السنة وعرض لنا من قبل وسيعرض لنا من بعد أبيات من الشعر تقال بمناسبة ما، وهذا الموضوع لم نشأ أن نتوسع فيه لقلة ما يرد منه في الروايات الصحيحة، مع أنه من أخطر المواضيع على الإطلاق ولذلك نكتفي بالتنبيه إليه ليضعه العاملون على ذكر منهم: إن الجهاد باللسان هو شطر الجهاد، وإن كان شطره الأقل كلفة، ولكنه في بعض الأحيان يكون أكثر نجاعة ولذلك ذكره الرسول ﷺ في أكثر من حديث: "ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن" (١)، "جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم" (٢).
وهذا الجهاد باللسان له صور متعددة فقد يكون خطبة وقد يكون قصيدة وقد يكون كتاباً أو رسالة أو مقالة ...
والشعر قديماً في حياة العرب هو الإعلام كله فهو الحرب النفسية، وهو الدعوة والدعاية، وهو التعبير عن الذات، وهو الدفاع عن الحق فمن غلب فيه غلب، وقد أعطى الرسول ﷺ هذه المعاني كلها مداها، وبالنسبة للشعر فقد كان له أكثر من شاعر: حسان، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة ... وكل أحداث السيرة كانت تغطى شعراً، وكل قصيدة للكافرين كانت تقابل بقصيدة أو قصائد، وكان لغلبة شعرائه في معاركهم الشعرية أثر قوي على أعدائه، لقد طرد كعب بن الأشرف بسبب هجاء من حسان لمن أنزله عنده، وكان ﵊ يقول لحسان عن شعره: (لهو أشد عليهم من نضح النبل) (٣) ولقد كانت العرب في الماضي إذا نبغ فيهم الشاعر تعاهدوه، وكان هذا من شأن رسول الله ﷺ ، وعلى الحركة الإسلامية المعاصرة أن تفطن لهذا وما يحيط به فترعى شعراءها وتشجعهم، وترعى منشديها وكتابها وعلماءها ودعاتها وتشجعهم، وجماعة على أرض العرب
стр. 632
لا ترعى شاعراً ولا تشجع منشداً لا تصلح أن تسوس العرب ولا أن تقودهم.
* * *
تقويم الموقف في نهاية السنة الرابعة
لقد كانت خسائر أحد كبيرة وجاءت خسارة الرجيع وبئر معونة فزادت الطين بلة، ومع أن رسول الله ﷺ حاول تلافي آثار ذلك كله مباشرة، ولكن الآثار أكبر، فلا قريش أصيبت ولا الذين أساءوا في الرجيع وبئر معونة نالهم القصاص، وأصبح لليهود أكثر من ثأر، وعواطف المشركين متأججة، وما حدث في أحد وما بعدها شجعهم، وهذا كله جعل الأيام حبلى بالعواصف، وجاءت ذروة العواصف في السنة الخامسة حيث كانت غزوة الأحزاب، فغزوة الأحزاب كانت ذروة تصاعد الخط البياني للمشركين ثم بدأ الانحدار، وهي بالنسبة للمسلمين كانت ذروة الشدة ثم بدأ الانفراج. ونستطيع أن نقول إن الخط البياني بالنسبة للمسلمين كان يرتفع بصعوبة منذ أحد، ولكنه ما توقف أبداً عن الارتفاع فالمسلمون يتكاثرون بدليل أن مقاتليهم يوم أحد كانوا سبعمائة بينما عبأ الرسول ﷺ لبدر الآخرة ألفا وخمسمائة، فلنر كيف ستسير الخطوط البيانية في السنة الخامسة.
* * *
стр. 633
السنة الخامسة للهجرة
стр. 634
السنة الخامسة في سطور
* قبل خمسة أيام من نهاية شهر ربيع الأول خرج رسول الله ﷺ في ألف من المسلمين نحو دومة الجندل القريبة من بلاد الشام، بعد أن بلغه أن القبائل حولها تنهب ما يمر، وأنها قد حشدت جمعاً كثيراً تريد أن تهاجم به المدينة، ففاجأهم وأصاب من أصاب منهم وفر الباقون. وأقام هناك أياماً يبث السرايا ويرسل الجيوش ههنا وهناك ثم رجع إلى المدينة بعد أن وادع عيينة ابن حصن.
* وفي شوال من السنة الخامسة غزا أكبر جيش أفرزته الجزيرة العربية حتى ذلك الحين المدينة بزعامة قريش وبتواطؤ مع يهود المدينة، واستطاعت قريش أن تحشد حوالي عشرة آلاف مقاتل حاصرت بها المدينة، وأحكم الطوق على المدينة بخيانة بني قريظة واستمر الحصار أكثر من شهر - إلى نهاية ذي القعدة إلى سبع بقين منه على رواية ابن سعد - وقد رد الله كيدهم في نحورهم.
* وفي اليوم الذي رجع فيه رسول الله ﷺ إلى المدينة من الحصار عبأ لبني قريظة وحاصرهم بثلاثة آلاف مسلم حتى نزلوا على حكمه بعد حصار دام خمساً وعشرين ليلة.
* وفي ذي الحجة من هذه السنة أرسل رسول الله ﷺ مفرزة إلى خيبر فقتلت سلام بن أبي الحقيق الذي كان له دور في تأليب الأحزاب وإمدادهم، وكان كثير الأذى لرسول الله ﷺ .
* وفي هذه السنة تم زواج رسول الله ﷺ من أم حبيبة بنت أبي سفيان ومن زينب بنت جحش ﵄ ونزل الحجاب صبيحة عرس زينب، فكان ذلك خطوة اجتماعية كبيرة تؤكد نوعاً من الحجز بين الرجال والنساء.
* * *
وكانت غزوة دومة الجندل استمراراً للحركة العسكرية في السنة الرابعة فاستكملت بذلك الحركة العسكرية كل الجهات المحيطة بالمدينة فلم تبق جهة إلا وأحست بحركة المسلمين
стр. 635
العسكرية، وبموادعة عيينة بن حصن في هذه الغزوة اجتمع مع الحركة العسكرية العمل السياسي، ولكن ما حدث يوم أحد ويوم الرجيع ويوم بئر معونة من ناحية، وهذه التحركات من ناحية أخرى، والتفكير الذي أورثته الأوضاع الجديدة أوجد حركة مناوئة قوية، هذه الحركة استهدفت تجميع غير المسلمين على هدف واحد هو استئصال الإسلام والمسلمين، وكان الذي قاد هذا التحرك هم اليهود، وصادف ذلك استعداداً عند كل الأطراف، فقريش لم تخرج إلى موعدها في بدر السنة الرابعة، وغطفان وغيرها من قبائل العرب استهدفتها حملات الرسول ﷺ أكثر من مرة، واليهود أصبحت لهم تارات، وهكذا وفجأة تتحد قوى الشرك والكفر ضد رسول الله ﷺ وتسير نحوه في أعظم حشد صادفه رسول الله ﷺ ، وههنا يبلغ الخط البياني للكافرين ذروته، وتبلغ المحنة بالنسبة للمسلمين ذروتها. ولقد كان رسول الله ﷺ حريصاً ألا يعطي لأعدائه فرصة للتجمع ضده، وها هم هؤلاء يجتمعون، فحاول تفريقهم من خلال إغراء بعضهم، ثم فرقهم خلال خدعة، وجاء الله بالفرج، وههنا نجد جديداً في السياسة العسكرية لرسول الله ﷺ فقد تجنب رسول الله ﷺ القتال التصادمي لقلة جنده وكثرة العدو، وهذا الموقف يثير أمامنا مجموعة من المسائل، وبعد أن فشلت حملة الأحزاب توجه رسول الله ﷺ إلى قريظة التي نقضت عهدها في أحرج لحظة وكان من أمرها ما سنراه، وكذلك فإن هذه الحادثة تضعنا أمام مجموعة من المسائل.
* * *
وقد سجل القرآن غزوتي الأحزاب وقريظة، والقرآن كعهدنا به يسجل الخالدات التي تسع الزمان والمكان، فأن يسجل غزوتي الأحزاب وقريظة فذلك شأنه، فالمسلمون معرضون دائماً لأن يغزوا في عقر دارهم وفي عواصم بلدانهم، ومعرضون لأن يتكالب عليهم الأعداء جميعاً، والأعداء دائماً يعتبرون غير المسلمين على الأرض الإسلامية مظنة طمع وغدر، فأن يسجل القرآن حادثتي الأحزاب وقريظة فذلك كما قلنا في هاتين الحادثتين من سمة القابلية للتكرار على مدى العصور.
* * *
стр. 636
وبجانب هذا نجد حركة البناء التشريعي والاجتماعي للأمة الإسلامية تتكامل فنظام التبني يهدم، والحجاب يفرض.
هذه هي أهم أحداث السنة الخامسة ونحن سنعقد لأهم أحداثها فصولاً:
فصل: في غزوة دومة الجندل.
فصل: في غزوتي الأحزاب وقريظة.
فصل: في سرية عبد الله بن عتيك ﵁ لقتل أبي رافع.
فصل: في زواجه ﵊ من زينب بنت جحش ﵂.
* * *
стр. 637
فصل: في غزوة دومة الجندل
قال ابن القيم في زاد المعاد:
وهي بضم الدال، وأما دومة بالفتح، فمكان آخر. خرج إليها رسول الله ﷺ في ربيع الأول سنة خمس. وذلك أنه بلغه أن بها جمعاً كثيراً يريدون أن يدنوا من المدينة، وبينها وبين المدينة خمس عشرة ليلة. وهي من دمشق على خمس ليال، فاستعمل على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري، وخرج في ألف من المسلمين، ومعه دليل من بني عذرة، يقال له: مذكور، فلما دنا منهم، إذا هم مغربون. وإذا آثار النعم والشاء فهجم على ماشيتهم ورعاتهم، فأصاب من أصاب، وهرب من هرب، وجاء الخبر أهل دومة الجندل، فتفرقوا، ونزل رسول الله ﷺ بساحتهم فلم يجد فيها أحداً، فأقام بها أياماً، وبث السرايا، وفرق الجيوش. فلم يصب منهم أحداً، فرجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، ووادع في تلك الغزوة عيينة بن حصن. أهـ.
وقال ابن كثير في البداية والنهاية:
فلما دنا من دومة الجندل أخبره دليله بسوائم بني تميم، فسار حتى هجم على ماشيتهم ورعائهم فأصاب من أصاب وهرب من هرب في كل وجه، وجاء الخبر أهل دومة الجندل فتفرقوا، فنزل رسول الله ﷺ بساحتهم فلم يجد فيها أحداً، فأقام بها أياماً، وبث السرايا ثم رجعوا وأخذ محمد بن مسلمة رجلاً منهم فأتى به رسول الله ﷺ ، فسأله عن أصحابه فقال هربوا أمس، فعرض عليه رسول الله ﷺ الإسلام فأسلم، ورجع رسول الله ﷺ إلى المدينة. قال الواقدي: وكان خروجه ﵇ إلى دومة الجندل في ربيع الآخر سنة خمس. قال: وفيه توفيت أم سعد بن عبادة، وابنها مع رسول الله ﷺ في هذه الغزوة، وقد قال أبو عيسى الترمذي في جامعه (١): حدثنا محمد بن بشار حدثنا يحيى بن سعيد عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب: أن أم سعد ماتت والنبي ﷺ غائب،
стр. 638
فلما قدم صلى عليها وقد مضى لذلك شهر وهذا مرسل جيد، وهو يقتضي أنه ﵇ غاب في هذه الغزوة شهراً فما فوقه على ما ذكره الواقدي ﵀. أهـ.
* * *
стр. 639
فصل: في غزوتي الأحزاب وقريظة
١ - من تحقيقات كتاب السير:
قال ابن القيم في زاد المعاد:
وكان سبب غزوة الخندق أن اليهود لما رأوا انتصار المشركين على المسلمين يوم أحد، وعلموا بميعاد أبي سفيان لغزو المسلمين، فخرج لذلك، ثم رجع للعام المقبل؛ خرج أشرافهم، كسلام بن أبي الحقيق، وسلام بن مشكم، وكنانة بن الربيع وغيرهم إلى قريش بمكة يحرضونهم على غزو رسول الله ﷺ ، ويؤلبونهم عليه، ووعدوهم من أنفسهم بالنصر لهم، فأجابتهم قريش، ثم خرجوا إلى غطفان فدعوهم، فاستجابوا لهم، ثم طافوا في قبائل العرب، يدعونهم إلى ذلك، فاستجاب لهم من استجاب، فخرجت قريش وقائدهم أبو سفيان في أربعة آلاف، ووافتهم بنو سليم بمر الظهران، وخرجت بنو أسد وفزارة، وأشجع، وبنو مرة، وجاءت غطفان وقائدهم عيينة بن حصن. وكان من وافى الخندق من الكفار عشرة آلاف.
فلما سمع رسول الله ﷺ بمسيرهم إليه، استشار الصحابة، فأشار عليه سلمان الفارسي بحفر خندق يحول بين العدو وبين المدينة، فأمر به رسول الله ﷺ ، فبادر إليه المسلمون، وعمل بنفسه فيه، وبادروا هجوم الكفار عليهم، وكان في حفره من آيات نبوته، وأعلام رسالته ما قد تواتر الخبر به، وكان حفر الخندق أمام سلع، وسلع: جبل خلف ظهور المسلمين، والخندق بينهم وبين الكفار.
وقال الشيخ أبو الحسن الندوي:
وقد تم حفر الخندق من شمالي المدينة الشرقي إلى غربيها، وكان حده الشرقي طرف حرة واقم، وحده الغربي غربي وادي بطحان، حيث طرف الحرة الغربية (حرة الوبرة) - انظر الخارطة بعد صفحات.
وقسم رسول الله ﷺ الخندق بين أصحابه، لكل عشرة منهم أربعين ذراعاً، وقد
стр. 640
بلغ طول الخندق حوالي خمسة آلاف ذراع، وعمقه من سبعة أذرع إلى عشرة، والعرض من تسعة إلى ما فوقها. أهـ.
قال ابن القيم: "ونقضت قريظة العهد واشتد الأمر على المسلمين. وخرج رسول الله ﷺ في ثلاثة آلاف من المسلمين، فتحصن بالجبل من خلفه، وبالخندق أمامهم.
وأقام المشركون محاصرين رسول الله ﷺ شهراً، ولم يكن بينهم قتال لأجل ما حال الله به من الخندق بينهم وبين المسلمين، إلا أن فوارس من قريش، منهم عمرو بن عبد ود وجماعة معه أقبلوا نحو الخندق، فلما وقفوا عليه، قالوا: إن هذه مكيدة ما كانت العرب تعرفها، ثم تيمموا مكاناً ضيقاً من الخندق، فاقتحموه، وجالت بهم خيلهم في السبخة بين الخندق وسلع، ودعوا إلى البراز، فانتدب لعمرو علي بن أبي طالب ﵁، فبارزه، فقتله الله على يديه، وكان من شجعان المشركين وأبطالهم، وانهزم الباقون إلى أصحابهم، وكان شعار المسلمين يومئذ (حم لا ينصرون). أهـ.
قال الغزالي في فقه السيرة: قال موسى بن عقبة: وأحاط المشركون بالمسلمين حتى جعلوهم في مثل الحصن من كتائبهم. فحاصروهم قريباً من عشرين ليلة، وأخذوا بكل ناحية حتى لا يدرى: أثم هم أم لا؟ - هل احتلوا البلد أم لا؟ قال: ووجهوا نحو منزل (١) رسول الله ﷺ كتيبة غليظة فقاتلها المسلمون يوماً إلى الليل، فلما حانت صلاة العصر دنت الكتيبة - من المنزل - فلم يقدر النبي ﵊ ولا أحد من أصحابه، أن يصلوا الصلاة على نحو ما أرادوا.
وانكفأت الكتيبة المشركة مع الليل، وقال رسول الله ﷺ : "شغلونا عن صلاة العصر ملأ الله بطونهم وقلوبهم ناراً (٢). أهـ.
стр. 641
قال ابن القيم: ولما طالت هذه الحال على المسلمين، أراد رسول الله ﷺ أن يصالح عيينة بن حصن، والحارث بن عوف رئيسي غطفان، على ثلث ثمار المدينة، وينصرفا بقومهما، وجرت المراوضة على ذلك، فاستشار السعدين في ذلك، فقالا: يا رسول الله! إن كان الله أمرك بهذا، فسمعاً وطاعة، وإن كان شيئاً تصنعه لنا، فلا حاجة لنا فيه. أهـ.
ثم إن الله أنهى هذا الابتلاء العظيم بخدعة من نعيم بن مسعود وبإلقاء الرعب وتسليط الريح فانسحبت الأحزاب.
قال ابن القيم: وأرسل الله على المشركين جنداً من الريح، فجعلت تقوض خيامهم، ولا تدع لهم قدراً إلا كفأتها، ولا طنباً، إلا قلعته، ولا يقر لهم قرار، وجند الله من الملائكة يزلزلونهم. ويلقون في قلوبهم الرعب والخوف، وأرسل رسول الله ﷺ حذيفة بن اليمان يأتيه بخبرهم، فوجدهم على هذه الحال، وقد تهيؤوا للرحيل. فرجع إلى رسول الله ﷺ ، فأخبره برحيل القوم. فأصبح رسول الله ﷺ ، وقد رد الله عدوه بغيظه، لم ينالوا خيراً، وكفاه الله قتالهم، فصدق وعده، وأعز جنده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، فدخل المدينة ووضع السلاح، فجاءه جبريل ﵇، وهو يغتسل في بيت أم سلمة، فقال: أوضعتم السلاح؟! إن الملائكة لم تضع بعد أسلحتها، انهض إلى غزوة هؤلاء، يعني بني قريظة، فنادى رسول الله ﷺ : "من كان سامعاً مطيعاً، فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة"، فخرج المسلمون سراعاً، واستشهد يوم الخندق ويوم قريظة نحو عشرة من المسلمين.
وأما قريظة، فكانت أشد اليهود عداوة لرسول الله ﷺ ، وأغلظهم كفراً ولذلك جرى عليهم ما لم يجر على إخوانهم.
وكان سبب غزوهم أن رسول الله ﷺ لما خرج إلى غزوة الخندق والقوم معه صلح، جاء حيي بن أخطب إلى بني قريظة في ديارهم، فقال: قد جئتكم بعز الدهر، جئتكم بقريش على سادتها، وغطفان على قادتها، وأنتم أهل الشوكة والسلاح، فهلم حتى نناجز محمداً ونفرغ منه. فقال له رئيسهم: بل جئتني والله بذل الدهر، جئتني بسحاب قد أراق ماءه. فهو
стр. 642
يرعد ويبرق، فلم يزل حيي يخادعه ويعده ويمنيه حتى أجابه بشرط أن يدخل معه في حصنه، يصيبه ما أصابهم، ففعل، ونقضوا عهد رسول الله ﷺ ، وأظهروا سبه، فبلغ رسول الله ﷺ الخبر، فأرسل يستعلم الأمر، فوجدهم قد نقضوا العهد، فكبر وقال: "أبشروا يا معشر المسلمين" أهـ.
تم جلا الأحزاب كما مر، وحاصر رسول الله ﷺ قريظة حتى نزلوا على حكم رسول الله ﷺ ، فحكم فيهم رسول الله ﷺ سعد بن معاذ مراعاة للأوس حلفائهم في الجاهلية فحكم أن يقتل الرجال وتسبى الذرية وتقسم الأموال ونفذ رسول الله ﷺ الحكم.
وبمناسبة الكلام عن غزوة قريظة ذكر الشيخ أبو الحسن الندوي بالعهود التي كانت بين يدي رسول الله ﷺ وبين بني قريظة، كما ذكر أن أحكام التوراة الحالية لا تخرج عما فعله رسول الله ﷺ بهم وإنما يذكر بذلك - حفظه الله - من باب الرد على احتمالات النقد التي يمكن أن يشنها اليهود أو من يتأثر بهم. قال:
كان رسول الله ﷺ لما قدم المدينة، كتب كتاباً بين المهاجرين والأنصار، وادع فيه يهود وعاهدهم، وأقرهم على دينهم وأموالهم، وشرط لهم، واشترط عليهم، وجاء فيه: "أنه من تبعنا من يهود، فإن له النصرة والأسوة غير مظلومين ولا متناصرين عليهم، وأنه لا يجير مشرك مالاً لقريش ولا نفساً، ولا يحول دونه على مؤمن، وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وأن قبائل يهود أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم".
وجاء فيه: "أن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة وأن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم، وأن بينهم النصر على من دهم يثرب".
ولكن حيي بن أخطب اليهودي - سيد بني النضير - نجح في حمل بني قريظة على نقض العهد، وممالأة قريش، بعد ما قال سيدهم كعب بن أسد القرظي: لم أر من محمد إلا صدقاً ووفاء ونقض كعب بن أسد عهده، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله ﷺ .
وكان ما عامل به رسول الله ﷺ بني قريظة مما اقتضته سياسة الحرب وطبيعة
стр. 643
القبائل العربية واليهودية، وكان لابد من عقوبة صارمة تكون درساً للعابثين بالعهود والمحالفات ونكالاً لما بين يديها وما خلفها، يقول R. V. C, Bodley في كتابه "حياة محمد الرسول":
"كان محمد وحيداً في بلاد العرب وكانت هذه البلاد نم حيث المساحة ثلث الولايات المتحدة الأمريكية، وكان عدد النفوس فيها يبلغ خمسة ملايين نفس ... ولم يكن عنده من الجيوش التي تحمل الناس على امتثال أمره إلا الجيش الذي لا يزيد على ثلاثة آلاف جندي، ولم يكن هذا الجيش مسلحاً تسليحاً كاملاً، فإذا وهن محمد في هذه القضية أو ترك جريمة غدر بني قريظة من غير أن يعاقبهم عليها، لم يكن للإسلام في جزيرة العرب بقاء، غنه لا شك أن عملية قتل اليهود كانت عنيفة، ولكن لم يكن ذلك حادثاً فريداً من نوعه في تاريخ الديانات، وقد كان لهذا العمل مبرر من وجهة نظر المسلمين، وقد تحتم الآن على القبائل العربية واليهود أن يتأملوا مرة بعد مرة قبل أن يقدموا إلى غدر أو نقض عهد، لأنهم قد عرفوا عواقبه الوخيمة وشاهدوا أن محمداً يستطيع أن ينفذ ما يريده.
وقد كان من فوائد القضاء على آخر حصن من حصون اليهود في المدينة الضعف الذي طرأ على معسكر النفاق، ونشاط المنافقين، فقد اثر ذلك في معنويتهم، وأفقدهم الشيء الكثير من الثقة، والآمال الواسعة، فقد كانوا آخر معقل من معاقلهم الكبيرة، يقول الدكتور إسرائيل ولفنسون معلقاً على غزوة بني قريظة:
"وأما المنافقون فقد خفت صوتهم بعد يوم قريظة، ولم نعد نسمع لهم أعمالاً أو أقوالاً تناقض إرادة النبي وأصحابه، كما كان يفهم ذلك من قبل".
وقد وافق ذلك قانون الحرب في شريعة بني إسرائيل، فقد جاء في سفر التثنية (الإصحاح العشرون ١٠ - ١١ - ١٢ - ١٣):
"حين تقرب من مدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح، فإن أجابتك إلى الصلح، وفتحت لك فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير، ويستعبد لك، وإن لم تسالمك، بل عملت معك حرباً، فحاصرها، وإذا دفع الرب إلهك إلى يدك، فاضرب جميع
стр. 644
ذكورها بحد السيف، وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة كل غنيمتها فتغتنمها لنفسك، وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب إلهك".
وهذه كانت العادة المتبعة في بني إسرائيل في عهد أنبيائهم، فقد جاء في التوراة:
"فتجندوا على مديان كما أمر الرب، وقتلوا كل ذكر وملوك مديان قتلوهم فوق قتلاهم، أوى وراقم، وصور، وحور، ورابع خمسة ملوك مديان،، وبلعام بن باعور قتلوه بالسيف وسبى بنو إسرائيل نساء كل مديان وأطفالهم، ونهبوا جميع بهائمهم وجميع مواشيهم وكل أملاكهم، وأحرقوا جميع مدنهم بمساكنهم وجميع حصونهم بالنار". سفر العدد، الإصحاح الحادى والثلاثون ٧ - ٨ - ٩ - ١٠.
وذلك في عهد موسى ﵇ وبموافقة منه، وقد جاء في التوراة:
"فخرج موسى والعازار الكاهن وكل رؤساء الجماعة لاستقبالهم إلى خارج المحلة، فسخط موسى على وكلاء الجيش رؤساء الألوف ورؤساء المئات القادمين من جند الحرب، وقال لهم موسى: هل أبقيتم كل أنثى حية" سفر العدد، الإصحاح الحادي والثلاثون ١٣ - ١٦. أهـ.
* * *
٢ - روايات في غزوة الأحزاب:
٤٤٧ - * روى الطبراني عن ابن عباس قال: احتفر رسول الله ﷺ الخندق، وأصحابه قد شدوا الحجارة على بطونهم من الجوع، فلما رأى ذلك رسول الله ﷺ قال: "هل دللتم على أحد يطعمنا أكلة" قال رجل: نعم قال: "أما لا فتقدم فدلنا عليه" فانطلقوا إلى الرجل فإذا هو في الخندق يعالج نصيبه منه، فأرسلت امرأته أن جئ فإن رسول الله ﷺ قد أتانا، فجاء الرجل يسعى فقال: بأبي وأمي، وله معزة ومعها جديها فوثب إليها، فقال النبي ﷺ : "الجدي من ورائنا" فذبح الجدي وعمدت امرأته على طحينة
стр. 645
لها فعجنتها وخبزت فأدركت القدر فثردت قصعتها فقربتها إلى رسول الله ﷺ وأصحابه، فوضع النبي ﷺ أصبعه فيها فقال: "بسم الله اللهم بارك فيها، اطعموا" فأكلوا منها حتى صدروا ولم يأكلوا منها إلا ثلثها وبقي ثلثاها، فسرح أولئك العشرة الذين كانوا معه "أن اذهبوا وسرحوا إلينا بعدتكم"، فذهبوا وجاء أولئك العشرة فأكلوا منها حتى شبعوا، ثم قام ودعا لربة البيت وسمت عليها وعلى أهل بيتها ثم تمشوا إلى الخندق فقال: "اذهبوا بنا إلى سلمان" فإذا صخرة بين يديه قد ضعف عنها، فقال النبي ﷺ لأصحابه: "دعوني فأكون أول من ضربها، فقال: بسم الله" فضربها فوقعت فلقة ثلثهما فقال: "الله أكبر قصور الروم ورب الكعبة" ثم ضرب بأخرى فوقعت فلقة فقال: "الله أكبر قصور فارس ورب الكعبة" فقال عندها المنافقون: نحن نخندق على أنفسنا وهو يعدنا قصور فارس والروم.
٤٤٨ - * وروى الطبراني عن عبد الله بن عمرو قال: أمر رسول الله ﷺ بالخندق فخندق على المدينة فقالوا: يا رسول الله إنا وجدنا صفاة لا نستطيع حفرها، فقام النبي ﷺ وقمنا معه فلما أتى أخذ المعول فضرب به ضربة وكبر فسمعت هدة لم أسمع مثلها قط، فقال: "فتحت فارس" ثم ضرب أخرى وكبر فسمعت هدة لم أسمع مثلها قط، قال: "فتحت الروم" ثم ضرب أخرى وكبر فسمعت هدة لم أسمع مثلها قط، فقال: "وجاء الله بحمير أعواناً وأنصارا".
٤٤٩ - * روى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: أخبرني من هو خير
стр. 646
مني - أبو قتادة - أن رسول الله ﷺ قال لعمار حين جعل يحفر الخندق، وجعل يمسح رأسه، ويقول: "بؤس ابن سمية، تقتلك فئة باغية" وفي رواية (١): من هو خير مني، ولم يسمه، وفي أخرى ويقول: "ويس، أو يا ويس ابن سمية".
لقد وقع عدد من المعجزات في غزوة الخندق منها الذي ظهرت المعجزات فيه فيما بعد، ومنه ما كان معجزة مرئية شاهدها أصحاب رسول الله ﷺ ، وهذه المعجزات كانت تثبيتاً للمؤمنين وقتذاك، وهي تثبيت للمؤمنين إلى قيام الساعة، ومن معجزات الخندق تكثير الطعام عند جابر وسنراه في باب المعجزات، ومنها فلقه ﵊ الصخرة وما قاله أثناءها ومنها الإخبار عمن يقتل عماراً ومنها إخباره أن قريشاً لن تغزوهم مرة أخرى.
٤٥٠ - * روى البخاري عن أنس ﵁ قال: جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق حول المدينة، وينقلون التراب على متونهم ويقولون.
نحن الذين بايعوا محمداً ... على الجهاد ما بقينا أبداً
قال: يقول النبي ﷺ وهو يجيبهم ويقول: "اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة، فبارك في الأنصار والمهاجرة".
وروى البخاري (٢) أيضاً عن أنس ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ إلى الخندق، فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال: "اللهم إن العيش عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة" فقالوا مجيبين له:
نحن الذين بايعوا محمداً ... على الجهاد ما بقينا أبداً
стр. 647
٤٥١ - * روى البخاري عن أنس ﵁ قال: جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق حول المدينة، وينقلون التراب على متونهم وهم يقولون:
نحن الذين بايعوا محمداً ... على الإسلام ما بقينا أبداً
قال يقول النبي ﷺ وهو يجيبهم: "اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة، فبارك في الأنصار والمهاجرة" قال: يؤتون بملء كفين من الشعير، فيصنع لهم بإهالة سنخة توضع بين يدي القوم والقوم جياع وهي بشعة في الحلق ولها ريح منتن".
٤٥٢ - * روى البخاري ومسلم عن البراء بن عازب ﵁ قال: رأيت النبي ﷺ يوم الخندق ينقل معنا التراب، وهو يقول:
والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا صمنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا
والمشركين قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة ابينا
ويرفع بها صوته.
- وفي رواية (١): ولقد وارى التراب بياض بطنه.
- وللبخاري (٢) قال: كان رسول الله ينقل التراب يوم الخندق حتى اغبر بطنه - زاد في رواية (٣): حتى وارى عني التراب جلدة بطنه، وكان كثير الشعر، فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة، ثم اتفقا - ويقول: "والله لولا الله ما اهتدينا" وذكر الحديث.
стр. 648
قال: ويرفع بها صوته: "أبَيْنا، أبينا".
فوائد:
١ - إن مواساة القادة جندهم بمشاركتهم إياهم مهامهم، ومعاونتهم فيما هم مكلفون به لم يزل من أخلاق القادة العظام الواثقين بأنفسهم، على أن هؤلاء القادة لهم ملاحظ من هذه المشاركات أما محمد ﷺ فلقد كان هذا هديه وسنته ﵊ مع أن تاريخ العالم لم يشهد حباً ولا ثقة كالحب والثقة اللذين أعطاهما أصحاب محمد ﷺ لمحمد مما كان يغنيه أن يفعل شيئاً تكلفاً، لكنها العبودية لله والإخلاص له والطبع الصافي، والفطرة المستقيمة التي تأبى التمييز وتكره التصنع.
٢ - ومن حسن الإدارة توزيع العمل، وتنشيط العاملين، وترويحهم بحيث يقومون بأعلى الجهد وهم لا يشعرون بمشقة ذلك، وإنك لترى هذا كله في حفر الخندق، فالتوزيع حاصل، والإنشاد يخفف أعباء العمل، فكيف إذا كان رسول الله ﷺ يشارك في العمل والنشيد وهذا درس للقادة.
٣ - ولكن قل لي: كم من الرؤساء لو شاركوا جندهم العمل والنشيد وأكثروا من مخالطتهم تزداد محبتهم ويبقى احترامهم، إن أكثر الخلق لو خالطتهم تنزل رتبتك عندهم، ويقل احترامهم لك، ولقد فطنت العرب لذلك فقالت (وجدت الناس: اخبره تقله (١)) لكن رسول الله ﷺ كلما ازداد خلطة زادت محبته وعظم احترامه، إنها النبوة وإنه الكمال فهو كما وصفه علي ﵁ من رآه بديهة هابه ومن خالطه معرفة أحبه (٢)).
٤ - ما الهدف الاستراتيجي من الخندق؟.
عندما ندرس مخطط المدينة المنورة - والخريطة اللاحقة تعطيك صورة عنه - فإنك تجد أن جهة وحيدة هي التي يمكن أن يدخل فيها جيش المشركين معركة مواجهة كاملة هي
стр. 649
جهة الشمال من المدينة المنورة أما المناطق الأخرى فإن بعض هذا الجيش أو أفراداً منه يمكن أن يهاجموا ويدخلوا معركة مواجهة على شيء من المشقة وهذا وحده لا يشكل إشكالاً في المعركة، فبحفره ﵊ الخندق أخرج جيش المشركين من المعركة في الحقيقة لأن أي محاولة جزئية للهجوم يمكن ردها من خلال السهام وسرعة الحركة. تصور الآن مجموعات سريعة الحركة مع جيش منتشر على أطراف المدينة، إن هذا وحده كاف لأن يجهض أي محاولة اقتحام مع وجود الخندق، وهذا الذي حدث يوم الأحزاب، هجوم الجيش كله مستحيل، هجوم أفراد منه يسهل صدهم، ولذلك فمع كثرة المحاولات لاقتحام الخندق أو لاقتحام جزء منه أو للهجوم على المدينة فإن ذلك كله باء بالفشل بسبب الخندق وسهر القيادة ومرونة الحركة، ولكن هذا كله أصبح معرضاً للخطر بسبب غدر قريظة فعندما تصبح أرض قريظة مرتكز انطلاق، أو عندما تهاجم قريظة من الخلف فكل الوضع الاستراتيجي سيتغير، لن هذا يعطي جيش المشركين كله فرصة عبور الخندق وفرصة القتال ويصبح المسلمون مطوقين من كل جانب بأعداد هائلة، ولذلك كانت غدرة قريظة بالمكان الأفظع، فلقد عرضت الإسلام والمسلمين لخطر الاستئصال، ولعلك من خلال هذه الصورة تدرك دقة الأمر وخطورة الموقف، وتعرف مع ذلك أنها النبوة والرسالة في كفاءتها العالية وتأييد الله لرسوله ﷺ وللمسلمين، فلقد ربح المسلمون المعركة.
* * *
стр. 650
[خريطة غزوة الأحزاب]
стр. 651
روايات في يوم الخندق
٤٥٣ - * روى أحمد عن سعد بن أبي وقاص قال: كان يوم الخندق ورجل يترس جعل يقول بالترس هكذا فوضعه فوق أنفه، ثم يقول هكذا يسفله بعد قال: فأهويت إلى كنانتي فأخرجت منها سهماً مدمى فوضعته في كبد القوس، فلما قال هكذا يسفل الترس رميت، فما نسيت وقع القدح على كذا وكذا من الترس، قال: وسقط فقال برجله فضحك نبي الله ﷺ ، أحسبه قال: حتى بدت نواجذه قال: قلت: لم؟ قال: لفعل الرجل.
- وفي رواية البزار (١) قال: كان رجل معه ترسان وكان سعد رامياً فكان يقول كذا وكذا بالترسين يغطي جبهته فنزع له سعد بسهم فلما رفع رأسه رماه فلم يخط هذه منه يعني جبهته. والباقي بنحو رواية أحمد.
٤٥٤ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن الزبير ﵄ قال: كنت يوم الأحزاب جعلت أنا وعمر بن أبي سلمة في النساء فنظرت، فإذا أنا بالزبير على فرسه يختلف إلى بني قريظة مرتين أو ثلاثاً، فلما رجعت قلت: يا أبت، رأيتك تختلف؟ قال: أو هل رأيتني يا بني؟ قلت: نعم، قال: كان رسول الله ﷺ قال: "من يأتي بني قريظة فيأتيني بخبرهم؟ " فانطلقت، فلما رجعت جمع لي رسول الله صلى الله عليه
стр. 652
وسلم أبويه. فقال: "فداك أبي وأمي".
- ولمسلم (١) في رواية: أطم حسان، فكان يطأطئ لي مرة فأنظر، وأطأطئ له مرة فينظر .. وذكره.
وأخرج منه الترمذي (٢): قال جمع لي رسول الله ﷺ أبويه يوم قريظة، فقال: "بأبي وأمي".
٤٥٥ - * روى البخاري عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب: "من يأتينا بخبر القوم؟ " فقال الزبير: أنا، ثم قال: "من يأتينا بخبر القوم" فقال الزبير: أنا ثم قال: "إن لكل نبي حوارياً، وإن حواري الزبير".
وللبخاري ومسلم (٤) في رواية قال: ندب رسول الله ﷺ الناس يوم الخندق، فانتدب الزبير ... " وذكره.
٤٥٦ - * روى الحاكم عن صفية بنت عبد المطلب أن رسول الله ﵌ لما خرج إلى الخندق جعل نساءه في أطم يقال له: فارع وجعل معهن حسان بن ثابت،
стр. 653
فجاء اليهود إلى الأطم يلتمسون غرة نساء النبي ﵌، فترقى إنسان من الأطم علينا، فقلت له: يا حسان قم إليه فاقتله، فقال: والله ما كان ذلك في ولو كان ذلك في لكنت مع النبي ﷺ فقلت له: اربط هذا السيف على ذراعي فربطه فقمت إليه، فضربت رأسه حتى قطعته، فقلت له: خذ بأذنيه فارم به عليهم فقال: والله ما ذلك في فأخذت برأسه فرميت به عليهم فتضعضعوا وهم يقولون: قد علمنا أن محمداً لم يكن ليترك أهله خلوفاً ليس معهن أحد. قالت: وكان رسول الله ﷺ إذا اشتد على المشركين شد حسان مع رسول الله ﷺ وهو معنا في الحصن. فإذا رجع رجع وراءه كما يرجع رسول الله ﷺ وهو ثم فمر بنا سعد بن معاذ وقد أخذ صفرة وهو معرس قبل ذلك بأيام وهو يرتجز:
مهلاً قليلاً يلحق الهيجا جمل ... لا بأس بالموت إذا حل الأجل
قالت عائشة ﵂: فما رأيت رجلاً أجمل منه في ذلك اليوم.
أقول: ومع تصحيح الحاكم للحديث، وإقرار الذهبي، وحفاظاً على حرمة الصحابة أنقل ما قال السهيلي في الروض الأنف:
وذكر حديث حسان حين جعل في الآطام مع النساء والصبيان، وما قالت له صفية في أمر اليهودي حين قتلته، وما قال لها؛ ومحمل هذا الحديث عند الناس على أن حساناً كان جباناً شديد الجبن، وقد دفع هذا بعض العلماء، وأنكره، وذلك أنه حديث منقطع الإسناد، وقال: لو صح هذا لهجي به حسان، فإنه كان يهاجي الشعراء كضرار وابن الزبعري، وغيرهما، وكانوا يناقضونه ويردون عليه، فما عيره أحد منهم بجبن، ولا وسمه به، فدل هذا على ضعف حديث ابن إسحاق، وإن صح فلعل حسان أن يكون معتلاً في ذلك اليوم بعلة منعته من شهود القتال، وهذا أولى ما تأول وممن أنكر أن يكون هذا صحيحاً أبو عمر ﵀ في كتاب الدرر له أهـ.
٤٥٧ - * روى الطبراني عن رافع بن خديج: لم يكن حصن أحصن من حصن بني حارث
стр. 654
فجعل النبي ﷺ النساء والصبيان والذراري فيه فقال: إن ألم بكن أحد فألمعن بالسيف، فجاءهن رجل من بني ثعلبة بن سعد يقال له بجدان أحد بني جحاش على فرس حتى كان في أصل الحصن، ثم جعل يقول للنساء: انزلن إلى خير لكن فحركن السيف فأبصره أصحاب النبي ﷺ فابتدر الحصن قوم فيهم رجل من بني حارثة يقال له: ظهير بن رافع، فقال: يا بجدان ابرز فبرز إليه، فحمل عليه فرسه فقتله، وأخذ رأسه فذهب به إلى النبي ﷺ .
٤٥٨ - * روى الطبراني عن نافع قال: قيل لابن عمر: أين كان رسول الله ﷺ يصلي يوم الأحزاب؟ قال: كان يصلي في بطن الشعب عند خربة هناك، ولقد أذن رسول الله ﷺ في الانصراف للناس ثم أمرني أن أدعوهم فدعوتهم.
٤٥٩ - * روى البخاري ومسلم أن عمر بن الخطاب ﵁ جاء يوم الخندق بعد ما غربت الشمس جعل يسب كفار قريش وقال: يا رسول الله ما كدت أصلي حتى كادت الشمس أن تغرب قال النبي ﷺ : "والله ما صليتها" فنزلنا مع رسول الله ﷺ بطحان فتوضأنا لها، فصلى العصر بعد ما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب.
٤٦٠ - * روى الدارمي وابن خزيمة عن أبي سعيد الخدري: حبسنا يوم الخندق حتى ذهب هوي من الليل حتى كفينا وذلك قوله (وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قوياً عزيزاً) (١) قال: فدعا رسول الله ﷺ بلالاً فأمره فأقام فصلى الظهر كما كان يصليها في
стр. 655
وقتها، ثم أقام العصر فصلاها كذلك ثم أقام المغرب فصلاها كذلك ثم أقام العشاء فصلاها كذلك وذلك قبل أن ينزل (فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً) (١).
والجمع بين الروايات القائلة بتأخير العصر وحدها والروايات القائلة بتأخير الظهر والعصر والمغرب، أن هذا كان في يوم، وهذا كان في يوم، على رأي النووي ﵀.
فقه هذه الروايات:
وفي فقه هذه الروايات يقول ابن كثير في البداية والنهاية:
وقد استدل طائفة من العلماء بهذه الأحاديث على كون الصلاة الوسطى هي صلاة العصر كما هو منصوص عليه في هذه الأحاديث وألزم القاضي الماوردي مذهب الشافعي بهذا لصحة الحديث وقد حررنا ذلك نقلاً واستدلالاً عند قوله تعالى: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين) (٢)، وقد استدل طائفة بهذا الصنيع على جواز تأخير الصلاة لعذر القتال كما هو مذهب مكحول والأوزاعي وقد بوب البخاري ذلك واستدل بهذا الحديث وبقوله ﷺ يوم أمرهم بالذهاب إلى بني قريظة - كما سيأتي - "لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة" (٣) وكان من الناس من صلى العصر في الطريق ومنهم من لم يصل إلا في بني قريظة بعد الغروب ولم يعنف واحداً من الفريقين، واستدل بما ذكره عن الصحابة ومن معهم في حصار تستر سنة عشرين في زمن عمر حين صلوا الصبح بعد طلوع الشمس لعذر القتال واقتراب فتح الحصن.
وقال الدكتور البوطي: لقد فاتت النبي ﷺ صلاة العصر كما قد رأيت في هذه الموقعة،
стр. 656
لشدة انشغاله، حتى صلاها قضاء بعد ما غربت الشمس، وفي روايات أخرى غير الصحيحين أن الذي فاته، أكثر من صلاة واحدة، صلاها تباعاً بعدما خرج وقتها وفرغ لأدائها.
وهذا يدل على مشروعية قضاء الفائتة. ولا ينقض هذه الدلالة ما ذهب إليه البعض من أن تأخير الصلاة لمثل ذلك الانشغال كان جائزاً إذ ذاك ثم نسخ حينما شرعت صلاة الخوف للمسلمين رجالاً وركباناً عند التحام القتال بينهم وبين المشركين، إذ النسخ - على فرض صحته - ليس وارداً على مشروعية القضاء، وإنما هو وارد على صحة تأخير الصلاة بسبب الانشغال. أي أن نسخ صحة التأخير ليس نسخاً لما كان قد ثبت من مشروعية القضاء أيضاً، بل هي مسكوت عنها، فتبقى على مشروعيتها السابقة.
ومن أدلة هذه المشروعية أيضاً ما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال عند منصرفه إلى المدينة من غزوة الأحزاب "لا يصلين أحد العصر - أو الظهر - إلا في بني قريظة" فأدرك بعضهم وقت الصلاة في الطريق فقال البعض: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي، لم يرد منا ذلك. فصلاها الفريق الأول بعد وصولهم إلى بني قريظة قضاء.
إذا ثبت وجوب قضاء المكتوبة بعد فواتها، فسيان أن يكون سبب الفوات نوماً أو إهمالاً وتركاً متعمداً، إذ لم يرد - بعد ثبوت الدليل العام على وجوب قضاء الفائتة عموماً - أي دليل يخصص مشروعية القضاء ببعض أسباب التفويت دون بعضها الآخر، والذين تركوها في طريقهم إلى بني قريظة، لم يكونوا نائمين ولا ناسين. فمن الخطأ إذاً أن تخصص مشروعية قضاء الفائتة المكتوبة - مع ذلك - بما عدا التفويت المتعمد. وهو أشبه ما يكون بمن يخصصها ببعض المكتوبات دون بعض، بدون أي مخصص شرعي.
وربما توهم البعض أنه قد ثبت دليل يخصص عموم أدلة مشروعية القضاء، وهو المفهوم المخالف لحديث: "من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها، ولكن هذا وهم لا ينبغي أن يدخل على طالب علم متبصر. فالمقصود بالحديث ليس هو أمر الناسي والنائم بقضاء الصلاة، دون غيرهما، ولكن المقصود التركيز على القيد، وهو "إذا ذكرها" وذلك
стр. 657
للتنبيه إلى أنه لا يشترط لمن فاتته صلاة وأراد تداركها أن ينتظر حلول وقتها من اليوم الثاني ثم يؤديها إذ ذاك. بل عليه أن يبادر إلى قضائها بمجرد التذكر، في أي وقت كان. فإذا عرفت أن هذا هو مقصود رسول الله ﷺ كما تدل على ذلك صيغة الحديث نفسها وكما ذكر ذلك علماء الحديث وشراحه عرفت أنه لا دلالة تشريعية تتعلق بالمفهوم المخالف للنوم أو النسيان في الحديث. أهـ.
أقول: ثم إن المذاهب الأربعة اتفقت على وجوب القضاء على الناسي والنائم والمتعمد.
٤٦١ - * روى البزار عن أبي هريرة قال: جاء الحارث الغطفاني إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد! ناصفنا تمر المدينة وإلا ملأناها عليك خيلاً ورجالاً فقال: "حتى أستأمر السعود" - سعد بن عبادة وسعد بن معاذ يعني يشاورهما -، فقالا: لا والله ما أعطينا الدنية من أنفسنا في الجاهلية، فكيف وقد جاء الله بالإسلام؟ فرجع إليه الحارث فأخبره، فقال: غدرت يا محمد قال: فقال حسان:
يا حار من يغدر بذمة جاره ... منكم فإن محمداً لا يغدر
إن تغدروا فالغدر من عاداتكم ... واللؤم ينبت في أصول السخبر
وأمانة النهدي حيث لقيتها ... مثل الزجاجة صدعها لا يجبر
قال: فقال الحارث: كف عنا يا محمد لسان حسان فلو مزج به ماء البحر لمزجه.
ورواه الطبراني (٢) ولفظه عن أبي هريرة قال: جاء الحارث الغطفاني إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد شاطرنا تمر المدينة فقال: "حتى أستأمر السعود" فبعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وسعد بن الربيع وسعد بن خيثمة وسعد بن مسعود، فقال: "إني قد
стр. 658
علمت أن العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وإن الحارث سألكم تشاطروه تمر المدينة فإن أردتم أن تدفعوه عامكم هذا ثم تنظروا في أمركم بعد".
فقالوا: يا رسول الله أوحي من السماء فالتسليم لأمر الله أو عن رأيك وهواك فرأينا تبع لهواك ورأيك وإن كنت إنما تريد الإبقاء علينا فوالله لقد رأيتنا وإياهم على سواء ما ينالون منا تمرة إلا شراء أو قرى. فقال رسول الله ﷺ : "هو ذا تسمعون ما يقولون" قالوا: غدرت يا محمد. فقال حسان بن ثابت ﵁:
يا حار من يغدر بذمة جاره ... منكم فإن محمداً لا يغدر
وأمانة المري حين لقيتها ... كسر الزجاجة صدعها لا يجبر
إن تغدروا فالغدر من عاداتكم ... واللؤم ينبت في أصول السخبر
هذا الحديث يطرح ثلاثاً من أخطر القضايا التي تواجه الأمة الإسلامية دائماً:
القضية الأولى: قضية المصالحة على مال.
والقضية الثانية: قضية الشورى.
والقضية الثالثة: تفتيت الصف المعادي.
(١)
فلو أن كيان المسلمين في قطر أو في العالم تعرض لخطر الاستئصال، أو أن أمنهم أصبح في خطر فهل لهم في هذه الحالة أن يعطوا تنازلات مادية ولو بأن يدفعوا مالاً؟ الظاهر من الحديث أن ذلك جائز ولكنه ليس مفروضاً، وقد نص فقهاء الحنفية على هذه المسألة فأجازوا دفع المال للعدو إذا أصبح يهدد الوجود الإسلامي.
والمسألة في عصرنا قد تأخذ طابعاً أكثر تعقيداً فقد تصبح في خطر خفي أو تتعرض لخطر خفي وجهة ما هي القادرة على الإنقاذ، وهي لا تفعل إلا بشروط، فإذا كانت الشروط مادية بحتة فللمسلمين ذلك، ولهم ألا يفعلوا والفتوى من أهلها، والشورى والمصلحة هي التي تحكم هذه الأمور، وقد تشتبك المصالح وتتعارض مصالح الأمة
стр. 659
والأفراد. والحاكم والمحكوم، وكل ذلك ينبغي أن يخضع إلى موازنات عند أهل التقوى لتقرير ما هو المصلحة في النهاية.
(٢)
والقضية الثانية هي إلزامية الشورى، فههنا نرى أن رسول الله ﷺ نزل على رأي السعدين وهما ممثلا الأنصار، وبعض الروايات تذكر أن هذا النزول كان بعد أن كتب رسول الله ﷺ العقد ولكنه لم يمضه، وكذلك نزل ﵊ على رأي الأكثرية يوم أحد، هذا النزول على رأي ممثلين لجهة أو على رأي الأكثرية يجعلنا نقول بإلزامية الشورى للأمير ولكنها إلزامية تخضع لقواعد فصلناها في أكثر من مكان في كتبنا، فالشورى ينبغي أن تعطى لأهلها وإذا أعطيت لأهلها فرأي أكثريتهم ملزم في نفي الضرر أو في استجلاب المصلحة، ومع ذلك يعطي الأمير فرصة تعميم الشورى على دائرة أدنى أو أعلى، ولكن يبقى رأي الأكثرية هو الملزم، وكل ذلك على ضوء القواعد الدستورية أو النظامية المتفق عليها بين المسلمين، وإنما نشترط هذا لأن بعض العلماء لا يرى إلزامية الشورى للأمير، فإذا ما وجد شرط الإلزامية لم يعد لأحد متكأ في رفض شورى الأكثرية من أهلها (فالمسلمون عند شروطهم) (١)، وعندئذ فللمرشح للإمرة الحق في أن يقبل الإلزامية فيكون أميراً أو يرفض فلا يكون، وللذين يرفضون إلزامية الشورى نقول: إن رسول الله ﷺ نزل على رأي الأكثرية يوم أحد وهو يعلم أن رأيهم خطأ، وها هو هنا نزل على رأي ممثلي الأنصار وهم أصحاب العلاقة مع أنه كان مقتنعاً بوجهة النظر الأخرى، أليس هذا يدل في حده الأدنى على سنية النزول على رأي الأكثرية صاحبة العلاقة، فإذا كانت المسألة في حدها الأدنى سنة، ألا يحق للمسلمين أن يعتمدوها؟ ألم يشترط الخضر على موسى وهو - أي الخضر - دونه؟ والتزم موسى، ألا يكفي هذا للقول: بأن المسلمين إذا اشترطوا على أميرهم أن ينزل على شوراهم فلهم ذلك! أليس مصلحة المسلمين في عصرنا تستدعي ذلك؟ وهل يسع عصرنا
стр. 660
إلا هذا؟ على أنه لا مانع أن يفوض المسلمون من شاؤوا في أمر أو حكم فضلاً عن أن يفوضوا أميرهم، وفي حادثة حكم سعد في بني قريظة مأنس لمن يرى ذلك.
(٣)
قوله ﵊ في تعليل مفاوضته لغطفان على ثلث ثمار المدينة (إني قد علمت أن العرب قد رمتكم عن قوس واحدة) دليل لما ذكر من قبل أن رسول الله ﷺ كان يستهدف في عمله السياسي ألا يجتمع الأعداء عليه صفاً واحداً وموقفه ههنا دليل على أن هذا كان هدفاً له، وهذا يصل بنا إلى عدد من الأمور:
١ - أن تحاول الحركة الإسلامية التفتيش عن ثغرات القوى المعادية.
٢ - أن محاولة التحالفات مع بعض الأطراف لا حرج منها، فالهدف الاستراتيجي حيد من تستطيع تحييده، اجعل في جانبك من تستطيع كسبه، فتش عن المتعاطفين معك مهما كانت الأسباب، واجعل ثقتك في هذا بالله أولاً واحكم التوكل عليه، ولا تنس الفتوى والشورى والمصلحة الآنية والمستقبلية للإسلام والمسلمين.
* * *
هزيمة الله للأحزاب:
٤٦٢ - * روى أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: قلنا يوم الخندق: يا رسول الله هل من شيء نقوله فقد بلغت القلوب الحناجر؟ قال: "نعم: اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا". قال فضرب الله وجوه أعدائه بالريح.
٤٦٣ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن أبي أوفى قال: دعا رسول الله ﷺ على الأحزاب فقال: "اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اهزم الأحزاب. اللهم اهزمهم
стр. 661
وزلزلهم" وفي (١) رواية: "اللهم اهزمهم وانصرنا عليهم".
٤٦٤ - * روى البزار عن حذيفة أن الناس تفرقوا عن رسول الله ﷺ ليلة الأحزاب، فلم يبق معه إلا اثنا عشر رجلاً، فأتاني رسول الله ﷺ وأنا جاثم من النوم، فقال: "يا ابن اليمان! قم فانطلق إلى عسكر الأحزاب. فانظر إلى حالهم" قلت: يا رسول الله! والذي بعثك بالحق ما قمت إليك إلا حياء من البرد. قال: "انطلق يا ابن اليمان، فلا بأس عليك من برد ولا حر، حتى ترجع إلي" فانطلقت حتى آتي عسكرهم. فوجدت أبا سفيان يوقد النار في عصبة حوله، وقد تفرق الأحزاب عنه، فجئت حتى أجلس فيهم، فأحس أبو سفيان أنه قد دخل فيهم من غيرهم، فقال: ليأخذ كل رجل منكم بيد جليسه، قال: فضربت بيدي على الذي عن يميني فأخذت بيده، ثم ضربت بيدي على الذي عن يساري فأخذت بيده. فلبثت فيهم هنيهة، ثم قمت، فأتيت النبي ﷺ وهو قائم يصلي، فأومأ إلي أن أدنو. فدنوت حتى أرسل علي من الثوب الذي كان عليه ليدفئني، فلما فرغ من صلاته قال: "يا ابن اليمان! اقعد، ما خبر الناس؟ " قلت: يا رسول الله! تفرق الناس عن أبي سفيان فلم يبق إلا في عصبة يوقد النار، وقد صب الله عليهم من البرد مثل الذي صب علينا، ولكنا نرجو من الله ما لا يرجون.
٤٦٥ - * روى الطبراني عن ابن عمر قال: بعثني خالي عثمان بن مظعون لآتيه بلحاف فأتيت النبي ﷺ فاستأذنته وهو بالخندق فأذن لي، وقال: "من لقيت، فقل لهم إن
стр. 662
رسول الله ﷺ يأمركم أن ترجعوا" وكان ذلك في برد شديد فخرجت ولقيت الناس فقلت لهم: إن رسول الله ﷺ يأمركم أن ترجعوا، قال، فلا والله ما عطف علي منهم اثنان أو واحد.
الظاهر أن الناس لم يلتفتوا لكلمة ابن عمر لصغره؛ ولأن الإذن كان قد حصل مباشرة قبل ذلك، والبرد شديد.
٤٦٦ - * روى مسلم عن يزيد بن شريك ﵀ قال: كنا عند حذيفة، فقال رجل: لو أدركت رسول الله ﷺ ، قاتلت معه وأبليت، فقال حذيفة: أنت كنت تفعل ذلك؟ لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ ليلة الأحزاب، وأخذتنا ريح شديدة وقر، فقال رسول الله ﷺ : "ألا رجل يأتينا بخبر القوم، جعله الله معي يوم القيامة؟ " فسكتنا، فلم يجبه منا أحد، ثم قال: "ألا رجل يأتينا بخبر القوم، جعله الله معي يوم القيامة؟ " فسكتنا، فلم يجبه منا أحد ثم قال: "ألا رجل يأتينا بخبر القوم، جعله الله معي يوم القيامة؟ " فسكتنا فلم يجبه منا أحد ثم قال: "ألا رجل يأتينا بخبر القوم، جعله الله معي يوم القيامة؟ " فسكتنا، فلم يجبه منا أحد، فقال: "قم يا حذيفة فائتنا بخبر القوم" فلم أجد بداً إذ دعاني باسمي أن أقوم، قال: "اذهب، فائتني بخبر القوم، ولا تذعرهم علي"، فلما وليت من عنده جعلت كأنما أمشي في حمام حتى أتيتهم، فرأيت أبا سفيان يصلى ظهره بالنار، فوضعت سهماً في كبد القوس، فأردت أن أرميه، فذكرت قول رسول الله ﷺ : ولا تذعرهم علي، ولو رميته لأصبته، فرجعت وأنا أمشي في مثل الحمام، فلما أتيته فأخبرته بخبر القوم، وفرغت، قررت،
стр. 663
فألبسني رسول الله ﷺ من فضل عباءة كانت علي يصلي فيها. فلم أزل نائماً حتى أصبحت، فلما أصبحت قال: "قم يا نومان".
٤٦٧ - * روى البخاري عن سليمان بن صرد ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: - حين أجلى الأحزاب عنه - "الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم".
قال الحافظ في "الفتح": وفيه علم من أعلام النبوة، فإنه ﷺ اعتمر في السنة المقبلة، فصدته قريش عن البيت، ووقعت الهدنة بينهم إلى أن نقضوها، فكان ذلك سبب فتح مكة، فوقع الأمر كما قال ﷺ .
وروي (١) عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال يوم الأحزاب، وقد جمعوا له جموعاً كثيرة فقال رسول الله ﷺ : "ولا يغزوكم بعدها أبداً، ولكن تغزوهم".
٤٦٨ - * روى الطبراني عن ابن شهاب قال: استشهد يوم الخندق من الأنصار أنس بن معاذ بن أوس بن عبد عمرو. ومن الأنصار ثم من بني سلمة: ثعلبة بن غنمة.
قال ابن كثير في البداية والنهاية:
قال ابن إسحاق: واستشهد من المسلمين يوم الخندق ثلاثة من بني عبد الأشهل، وهم: سعد بن معاذ وأنس بن أوس بن عتيك بن عمرو، وعبد الله بن سهل. والطفيل بن النعمان، وثعلبة بن غنمة الجشيمان السلميان وكعب بن زيد النجاري أصابه سهم غرب فقتله قال: وقتل من المشركين ثلاثة وهم: منبه بن عثمان بن عبيد بن السباق بن عبد الدار أصابه سهم فمات منه بمكة ونوفل بن عبد الله بن المغيرة اقتحم الخندق بفرسه فتورط فقتل هناك وطلبوا جسده بثمن كبير وعمرو بن عبد ود العامري قتله علي بن أبي طالب
стр. 664
قال ابن هشام: وحدثني الثقة أنه حدث عن الزهري أنه قال: قتل علي يومئذ عمرو بن عبد ود وابنه حسل بن عمرو. قال ابن هشام: ويقال عمرو بن عبد ود ويقال: عمرو بن عبد أهـ.
٤٦٩ - * روى أحمد عن عائشة قالت: خرجت يوم الخندق أقفو آثار الناس، قالت: فسمعت وئيد الأرض ورائي - يعني حس الأرض - قالت: فالتفت فإذا أنا بسعد بن معاذ ومعه ابن أخيه الحارث بن أوس يحمل مجنة قالت: فجلست إلى الأرض فمر سعد وعليه درع من حديد خرجت منها أطرافه فأنا أتخوف على أطراف سعد، قالت: وكان سعد من أعظم الناس وأطولهم، قالت: فمر وهو يرتجز ويقول:
لبث قليلاً يدرك الهيجا جمل ... ما أحسن الموت إذا حان الأجل
قالت: فقمت فاقتحمت حديقة، فإذا فيها نفر من المسلمين، وإذا فيهم عمر بن الخطاب وفيهم رجل عليه سبغة له يعني مغفراً، فقال عمر: ما جاء بك؟ لعمري والله إنك لجريئة، وما يؤمنك أن يكون بلاء أو يكون تحوز؟ قالت: فما زال يلومني حتى تمنيت أن الأرض انشقت لي ساعتئذ فدخلت فيها، قالت: فرفع الرجل السبغة عن وجهه فإذا طلحة بن عبيد الله، فقال: يا عمر ويحك، إنك قد أكثرت منذ اليوم: وأين التحوز أو الفرار إلا إلى الله ، قالت ويرمي سعداً رجل من المشركين من قريش يقال له ابن العرقة بسهم له فقال له خذها وأنا ابن العرقة فأصاب أكحله فقطعه فدعا الله
стр. 665
سعد فقال اللهم لا تمتني حتى تقر عيني من قريظة، قالت: وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهلية، قالت فرقأ كلمه وبعث الله الريح على المشركين فكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قوياً عزيزاً، فلحق أبو سفيان ومن معه بتهامة، ولحق عيينة بن بدر ومن معه بنجد ورجعت بنو قريظة فتحصنوا في صياصيهم، ورجع رسول الله ﷺ إلى المدينة فوضع السلاح، وأمر بقبة من أدم فضربت على سعد في المسجد، قالت: فجاءه جبريل ﵇ وإن على ثناياه لنقع الغبار، فقال: أقد وضعت السلاح؟ والله ما وضعت الملائكة بعد السلاح، اخرج إلى بني قريظة فقاتلهم. قالت: فلبس رسول الله ﷺ لأمته، وأذن في الناس بالرحيل أن يخرجوا فخرج رسول الله ﷺ فمر على بني غنم وهم جيران المسجد حوله، فقال: "من مر بكم؟ " فقالوا: مر بنا دحية الكلبي. وكان دحية الكلبي تشبه لحيته وسنه ووجهه جبريل ﵇، فقالت: فأتاهم رسول الله ﷺ فحاصرهم خمساً وعشرين ليلة، فلما اشتد حصرهم واشتد البلاد قيل لهم. انزلوا على حكم رسول الله ﷺ ، فاستشاروا أبا لبابة بن عبد المنذر، فأشار إليهم أنه الذبح قالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ، فقال رسول الله ﷺ "انزلوا على حكم سعد بن معاذ" فنزلوا وبعث رسول الله ﷺ إلى سعد بن معاذ فأتي به على حمار عليه إكاف من ليف قد حمل عليه وحف به قومه، فقالوا: يا أبا عمرو حلفاؤك ومواليك وأهل النكاية ومن قد علمت، قالت: وإنه لا يرجع إليهم شيئاً ولا يلتفت إليهم، حتى إذا دنا من دورهم التفت إلى قومه فقال: قد أنى لي أن لا أبالي في الله لومة لائم، قال: قال أبو سعيد: فلما طلع على (١)
стр. 666
رسول الله ﷺ قال: "قوموا إلى سيدكم فأنزلوه" فقال عمر: سيدنا الله ، قال: أنزلوه فأنزلوه قال رسول الله ﷺ : "احكم فيهم" قال سعد: فإني أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم وتقسم أموالهم. وقال يزيد ببغداد: ويقسم: فقال رسول الله ﷺ : "لقد حكمت فيهم بحكم الله وحكم رسوله" قالت: ثم دعا سعد قال: اللهم إن كنت أبقيت على نبيك ﷺ من حرب قريش شيئاً فأبقني لها، وإن كنت قطعت الحرب بينه وبينهم فاقبضني إليك، قالت: فانفجر كلمه وكان قد برئ حتى ما يرى منه إلا مثل الخرص، ورجع إلى قبته التي ضرب عليه رسول الله ﷺ قالت عائشة: فحضره رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر، قالت: فوالذي نفس محمد بيده إني لأعرف بكاء عمر من بكاء أبي بكر وأنا في حجرتي، وكانوا كما قال الله (رحماء بينهم) قال علقمة قلت: أي أمة فكيف كان رسول الله ﷺ يصنع؟ قالت: كانت عينه لا تدمع على أحد ولكنه كان إذا وجد فإنما هو آخذ بلحيته.
قال في فتح الباري:
واختلف في عدة مقاتلي بني قريظة: فعند ابن إسحاق أنهم كانوا ستمائة وبه جزم أبو عمرو في ترجمة سعد بن معاذ، وعند ابن عائذ من مرسل قتادة، كانوا سبعمائة، وقال السهيلي: المكثر يقول إنهم ما بين الثمانمائة إلى التسعمائة. وفي حديث جابر عند الترمذي والنسائي وابن حبان بإسناد صحيح أنهم كانوا أربعمائة مقاتل، فيحتمل في طريق الجمع أن يقال إن الباقين كانوا أتباعاً، وقد حكى ابن إسحاق أنه قيل إنهم كانوا تسعمائة.
وفي قصة بني قريظة من الفوائد وخبر سعد بن معاذ جواز تمني الشهادة، وهو مخصوص من عموم النهي عن تمني الموت. وفيها تحكيم الأفضل من هو مفضول. وفيها جواز الاجتهاد في زمن النبي ﷺ ، وهي خلافية في أصول الفقه. والمختار الجواز سواء كان بحضور النبي (١)
стр. 667
صلى الله عليه وسلم أم لا، وإنما استبعد المانع وقوع الاعتماد على الظن مع إمكان القطع، ولا يضر ذلك، لأنه بالتقرير يصير قطعياً، وقد ثبت وقوع ذلك بحضرته ﷺ كما في هذه القصة وقصة أبي بكر الصديق ﵁ في قتيل أبي قتادة كما سيأتي في غزوة حنين وغير ذلك.
ومن فوائد هذه القصة ما ذكره البوطي: القيام إكراماً للقادم، أمر النبي ﷺ الأنصار حينما أقبل نحوهم سعد بن معاذ راكباً دابته أن يقوموا إليه تكريماً له، ودل على هذا التعليل قوله: لسيدكم أو خيركم، وقد استدل عامة العلماء بهذا وغيره على مشروعية إكرام الصالحين والعلماء بالقيام إليهم في المناسبات الداعية إلى ذلك عرفاً.
يقول الإمام النووي تعليقاً على هذا الحديث: فيه إكرام أهل الفضل وتلقيهم بالقيام لهم إذا أقبلوا، هكذا احتج به جماهير العلماء لاستحباب القيام. قال القاضي: وليس هذا من القيام المنهي عنه، وإنما ذلك فيمن يقومون عليه وهو جالس ويمثلون قياماً طول جلوسه. قلت: القيام للقادم من أهل الفضل مستحب، وقد جاء فيه أحاديث، ولم يصح في النهي عنه شيء صريح.
ومن الأحاديث الثابتة الدالة أيضاً على ذلك، ما جاء في حديث كعب بن مالك المتفق عليه، وهو يقص خبر تخلفه عن غزوة تبوك، قال: فانطلقت أتأمم رسول الله ﷺ ، فتلقاني الناس فوجاً فوجاً يهنئوني بالتوبة، ويقولون لي لتهنك توبة الله عليك، حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله ﷺ جالس حوله الناس، فقام غلي طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام رجل من المهاجرين غيره - فكان كعب لا ينساها لطلحة -.
ومن ذلك أيضاً ما رواه الترمذي وأبو داود (١) والبخاري في الأدب المفرد عن عائشة ﵂ قالت: ما رأيت أحداً من الناس كان أشبه بالنبي ﷺ كلاماً ولا حديثاً ولا جلسة من فاطمة، قالت: وكان النبي ﷺ إذا رآها أقبلت رحب بها ثم قام إليها فقبلها، ثم
стр. 668
أخذ بيدها فجاء بها حتى يجلسها في مكانه، وكانت إذا أتاها النبي ﷺ رحبت به ثم قامت غليه فقبلته.
واعلم أن هذا كله لا يتنافى مع ما صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من أحب أن يتمثل له الناس قياماً فليتبوأ مقعده من النار" لأن مشروعية إكرام الفضلاء وتوقيرهم لا تستدعي السعي منهم إلى ذلك أو تعلق قلوبهم بمحبته، بل إن من أبرز صفات الصالحين والفضلاء أن يكونوا متواضعين لإخوانهم زهاداً في طلب هذا الشيء. أرأيت إلى الفقير المحتاج؟ إن الأدب الإسلامي يوصيه ويعلمه الترفع عن المسألة وإظهار الفاقة والحاجة للناس، ولكن هذا الأدب الإسلامي نفسه يوصي الأغنياء بالبحث عن هؤلاء الفقراء المتعففين ويأمرهم بإكرامهم وإعطائهم من فضول أموالهم. أهـ.
٤٧٠ - * روى الترمذي عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه قال: رمي يوم الأحزاب سعد بن معاذ، فقطعوا أكحله - أو أبجله - فحسمه رسول الله ﷺ بالنار، فانتفخت يده، فتركه، فنزفه الدم، فحسمه أخرى، فانتفخت يده، فلما رأى ذلك قال: اللهم لا تخرج نفسي حتى تقر عيني من بني قريظة، فاستمسك عرقه، فما قطر قطرة حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأرسل إليه فحكم: أن يقتل رجالهم، ويستحيا نساؤهم، يستعين بهن المسلمون، فقال رسول الله ﷺ : "أصبت حكم الله فيهم". وكانوا أربعمائة، فلما فرغ من قتلهم انفتق عرقه، فمات.
٤٧١ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: حاربت
стр. 669
قريظة والنضير، فأجلى بني النضير، وأقر قريظة، ومن عليهم، حتى حاربت قريظة، فقتل رجالهم وقسم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين، إلا بعضهم، لحقوا بالنبي ﷺ ، فآمنهم وأسلموا، وأجلى يهود المدينة كلهم: بني قينقاع - وهم رهط عبد الله بن سلام - ويهود بني حارثة، وكل يهود المدينة.
٤٧٢ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: كأني أنظر إلى الغبار ساطعاً في زقاق بني غنم، موكب جبريل، حين سار رسول الله ﷺ إلى بني قريظة.
٤٧٣ - * روى الطبراني عن كعب بن مالك أن رسول الله ﷺ لما رجع من طلب الأحزاب نزع لمته واغتسل واستجمر، زاد دحيم في حديثه: قال رسول الله ﷺ : "فتبدا لي جبريل ﵇، فقال: عذيرك من محارب، ألا أراك قد وضعت اللأمة وما وضعناها بعد" فوثب رسول الله ﷺ فزعاً، فعزم على الناس ألا يصلوا العصر إلا في بني قريظة، فلبس السلاح وخرجوا، فلم يأتوا بني قريظة حتى غابت الشمس، فاختصم الناس في غزوتها في صلاة العصر، فقال بعضهم: قد عزم علينا أن لا نصلي العصر حتى نأتي بني قريظة، وإنما نحن في عزمة من رسول الله ﷺ فليس علينا إثم، فصلت طائفة منهم العصر إيماناً واحتساباً، وطائفة أخرى لم تصل حتى أتوا بني قريظة بعد ما غابت الشمس فصلوها إيماناً واحتساباً، فلم يعنف رسول الله ﷺ واحدة من الطائفتين.
وروي (١) عن ابن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ يوم الأ؛ زاب: "لا
стр. 670
يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة" فأدرك بعضهم العصر في الطريق فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيهم، وقال بعضهم: بل نصلي، لم يرد منا ذلك. فذكر ذلك للنبي ﷺ فلم يعنف واحداً منهم.
قال في الفتح:
قوله (لا يصلين أحد العصر) كذا وقع في جميع النسخ عند البخاري، ووقع في جميع النسخ عند مسلم "الظهر" مع اتفاق البخاري ومسلم على روايته عن شيخ واحد بإسناد واحد، وقد وافق مسلماً أبو يعلى وآخرون.
وقد جمع بعض العلماء بين الروايتين باحتمال أن يكون بعضهم قبل الأمر كان صلى الظهر وبعضهم لم يصلها فقيل لمن لم يصلها لا يصلين أحد الظهر ولمن صلاها لا يصلين أحد العصر. وجمع بعضهم باحتمال أن تكون طائفة منهم راحت بعد طائفة فقيل للطائفة الأولى الظهر، وقيل للطائفة التي بعدها العصر، وكلاهما جمع لا بأس به.
قال السهيلي وغيره: في هذا الحديث من الفقه: أنه لا يعاب على من أخذ بظاهر حديث أو آية، ولا على من استنبط من النص معنى يخصصه.
وفيه: أن كل مختلفين في الفروع من المجتهدين مصيب. قال السهيلي: ولا يستحيل أن يكون الشيء صواباً في حق إنسان وخطأ في حق غيره، وإنما المحال أن يحكم في النازلة بحكمين متضادين في حق شخص واحد، قال: والأصل في ذلك أن الحظر والإباحة صفات أحكام لا أعيان قال: فكل مجتهد وافق اجتهاده وجهاً من التأويل فهو مصيب انتهى. والمشهور أن الجمهور ذهبوا إلى أن المصيب في القطعيات واحد، وخالف الجاحظ والعنبري. وأما ما لا قطع فيه فقال الجمهور أيضاً: المصيب واحد، وقد ذكر ذلك الشافعي وقرره، ونقل عن الأشعري أن كل مجتهد مصيب وأن حكم الله تابع لظن المجتهد. وقال بعض الحنفية وبعض الشافعية: هو مصيب باجتهاده، وإن لم يصب ما في نفس الأمر فهو مخطئ وله أجر واحد. ثم الاستدلال بهذه القصة على أن كل مجتهد مصيب على الإطلاق ليس بواضح، وإنما فيه ترك تعنيف من بذل وسعه واجتهد، فيستفاد منه عدم تأثيمه.