رسول الله ﷺ قال: "قوموا إلى سيدكم فأنزلوه" فقال عمر: سيدنا الله ، قال: أنزلوه فأنزلوه قال رسول الله ﷺ : "احكم فيهم" قال سعد: فإني أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم وتقسم أموالهم. وقال يزيد ببغداد: ويقسم: فقال رسول الله ﷺ : "لقد حكمت فيهم بحكم الله وحكم رسوله" قالت: ثم دعا سعد قال: اللهم إن كنت أبقيت على نبيك ﷺ من حرب قريش شيئاً فأبقني لها، وإن كنت قطعت الحرب بينه وبينهم فاقبضني إليك، قالت: فانفجر كلمه وكان قد برئ حتى ما يرى منه إلا مثل الخرص، ورجع إلى قبته التي ضرب عليه رسول الله ﷺ قالت عائشة: فحضره رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر، قالت: فوالذي نفس محمد بيده إني لأعرف بكاء عمر من بكاء أبي بكر وأنا في حجرتي، وكانوا كما قال الله (رحماء بينهم) قال علقمة قلت: أي أمة فكيف كان رسول الله ﷺ يصنع؟ قالت: كانت عينه لا تدمع على أحد ولكنه كان إذا وجد فإنما هو آخذ بلحيته.
قال في فتح الباري:
واختلف في عدة مقاتلي بني قريظة: فعند ابن إسحاق أنهم كانوا ستمائة وبه جزم أبو عمرو في ترجمة سعد بن معاذ، وعند ابن عائذ من مرسل قتادة، كانوا سبعمائة، وقال السهيلي: المكثر يقول إنهم ما بين الثمانمائة إلى التسعمائة. وفي حديث جابر عند الترمذي والنسائي وابن حبان بإسناد صحيح أنهم كانوا أربعمائة مقاتل، فيحتمل في طريق الجمع أن يقال إن الباقين كانوا أتباعاً، وقد حكى ابن إسحاق أنه قيل إنهم كانوا تسعمائة.
وفي قصة بني قريظة من الفوائد وخبر سعد بن معاذ جواز تمني الشهادة، وهو مخصوص من عموم النهي عن تمني الموت. وفيها تحكيم الأفضل من هو مفضول. وفيها جواز الاجتهاد في زمن النبي ﷺ ، وهي خلافية في أصول الفقه. والمختار الجواز سواء كان بحضور النبي (١)
стр. 667
صلى الله عليه وسلم أم لا، وإنما استبعد المانع وقوع الاعتماد على الظن مع إمكان القطع، ولا يضر ذلك، لأنه بالتقرير يصير قطعياً، وقد ثبت وقوع ذلك بحضرته ﷺ كما في هذه القصة وقصة أبي بكر الصديق ﵁ في قتيل أبي قتادة كما سيأتي في غزوة حنين وغير ذلك.
ومن فوائد هذه القصة ما ذكره البوطي: القيام إكراماً للقادم، أمر النبي ﷺ الأنصار حينما أقبل نحوهم سعد بن معاذ راكباً دابته أن يقوموا إليه تكريماً له، ودل على هذا التعليل قوله: لسيدكم أو خيركم، وقد استدل عامة العلماء بهذا وغيره على مشروعية إكرام الصالحين والعلماء بالقيام إليهم في المناسبات الداعية إلى ذلك عرفاً.
يقول الإمام النووي تعليقاً على هذا الحديث: فيه إكرام أهل الفضل وتلقيهم بالقيام لهم إذا أقبلوا، هكذا احتج به جماهير العلماء لاستحباب القيام. قال القاضي: وليس هذا من القيام المنهي عنه، وإنما ذلك فيمن يقومون عليه وهو جالس ويمثلون قياماً طول جلوسه. قلت: القيام للقادم من أهل الفضل مستحب، وقد جاء فيه أحاديث، ولم يصح في النهي عنه شيء صريح.
ومن الأحاديث الثابتة الدالة أيضاً على ذلك، ما جاء في حديث كعب بن مالك المتفق عليه، وهو يقص خبر تخلفه عن غزوة تبوك، قال: فانطلقت أتأمم رسول الله ﷺ ، فتلقاني الناس فوجاً فوجاً يهنئوني بالتوبة، ويقولون لي لتهنك توبة الله عليك، حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله ﷺ جالس حوله الناس، فقام غلي طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام رجل من المهاجرين غيره - فكان كعب لا ينساها لطلحة -.
ومن ذلك أيضاً ما رواه الترمذي وأبو داود (١) والبخاري في الأدب المفرد عن عائشة ﵂ قالت: ما رأيت أحداً من الناس كان أشبه بالنبي ﷺ كلاماً ولا حديثاً ولا جلسة من فاطمة، قالت: وكان النبي ﷺ إذا رآها أقبلت رحب بها ثم قام إليها فقبلها، ثم
стр. 668
أخذ بيدها فجاء بها حتى يجلسها في مكانه، وكانت إذا أتاها النبي ﷺ رحبت به ثم قامت غليه فقبلته.
واعلم أن هذا كله لا يتنافى مع ما صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من أحب أن يتمثل له الناس قياماً فليتبوأ مقعده من النار" لأن مشروعية إكرام الفضلاء وتوقيرهم لا تستدعي السعي منهم إلى ذلك أو تعلق قلوبهم بمحبته، بل إن من أبرز صفات الصالحين والفضلاء أن يكونوا متواضعين لإخوانهم زهاداً في طلب هذا الشيء. أرأيت إلى الفقير المحتاج؟ إن الأدب الإسلامي يوصيه ويعلمه الترفع عن المسألة وإظهار الفاقة والحاجة للناس، ولكن هذا الأدب الإسلامي نفسه يوصي الأغنياء بالبحث عن هؤلاء الفقراء المتعففين ويأمرهم بإكرامهم وإعطائهم من فضول أموالهم. أهـ.
٤٧٠ - * روى الترمذي عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه قال: رمي يوم الأحزاب سعد بن معاذ، فقطعوا أكحله - أو أبجله - فحسمه رسول الله ﷺ بالنار، فانتفخت يده، فتركه، فنزفه الدم، فحسمه أخرى، فانتفخت يده، فلما رأى ذلك قال: اللهم لا تخرج نفسي حتى تقر عيني من بني قريظة، فاستمسك عرقه، فما قطر قطرة حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأرسل إليه فحكم: أن يقتل رجالهم، ويستحيا نساؤهم، يستعين بهن المسلمون، فقال رسول الله ﷺ : "أصبت حكم الله فيهم". وكانوا أربعمائة، فلما فرغ من قتلهم انفتق عرقه، فمات.
٤٧١ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: حاربت
стр. 669
قريظة والنضير، فأجلى بني النضير، وأقر قريظة، ومن عليهم، حتى حاربت قريظة، فقتل رجالهم وقسم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين، إلا بعضهم، لحقوا بالنبي ﷺ ، فآمنهم وأسلموا، وأجلى يهود المدينة كلهم: بني قينقاع - وهم رهط عبد الله بن سلام - ويهود بني حارثة، وكل يهود المدينة.
٤٧٢ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: كأني أنظر إلى الغبار ساطعاً في زقاق بني غنم، موكب جبريل، حين سار رسول الله ﷺ إلى بني قريظة.
٤٧٣ - * روى الطبراني عن كعب بن مالك أن رسول الله ﷺ لما رجع من طلب الأحزاب نزع لمته واغتسل واستجمر، زاد دحيم في حديثه: قال رسول الله ﷺ : "فتبدا لي جبريل ﵇، فقال: عذيرك من محارب، ألا أراك قد وضعت اللأمة وما وضعناها بعد" فوثب رسول الله ﷺ فزعاً، فعزم على الناس ألا يصلوا العصر إلا في بني قريظة، فلبس السلاح وخرجوا، فلم يأتوا بني قريظة حتى غابت الشمس، فاختصم الناس في غزوتها في صلاة العصر، فقال بعضهم: قد عزم علينا أن لا نصلي العصر حتى نأتي بني قريظة، وإنما نحن في عزمة من رسول الله ﷺ فليس علينا إثم، فصلت طائفة منهم العصر إيماناً واحتساباً، وطائفة أخرى لم تصل حتى أتوا بني قريظة بعد ما غابت الشمس فصلوها إيماناً واحتساباً، فلم يعنف رسول الله ﷺ واحدة من الطائفتين.
وروي (١) عن ابن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ يوم الأ؛ زاب: "لا
стр. 670
يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة" فأدرك بعضهم العصر في الطريق فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيهم، وقال بعضهم: بل نصلي، لم يرد منا ذلك. فذكر ذلك للنبي ﷺ فلم يعنف واحداً منهم.
قال في الفتح:
قوله (لا يصلين أحد العصر) كذا وقع في جميع النسخ عند البخاري، ووقع في جميع النسخ عند مسلم "الظهر" مع اتفاق البخاري ومسلم على روايته عن شيخ واحد بإسناد واحد، وقد وافق مسلماً أبو يعلى وآخرون.
وقد جمع بعض العلماء بين الروايتين باحتمال أن يكون بعضهم قبل الأمر كان صلى الظهر وبعضهم لم يصلها فقيل لمن لم يصلها لا يصلين أحد الظهر ولمن صلاها لا يصلين أحد العصر. وجمع بعضهم باحتمال أن تكون طائفة منهم راحت بعد طائفة فقيل للطائفة الأولى الظهر، وقيل للطائفة التي بعدها العصر، وكلاهما جمع لا بأس به.
قال السهيلي وغيره: في هذا الحديث من الفقه: أنه لا يعاب على من أخذ بظاهر حديث أو آية، ولا على من استنبط من النص معنى يخصصه.
وفيه: أن كل مختلفين في الفروع من المجتهدين مصيب. قال السهيلي: ولا يستحيل أن يكون الشيء صواباً في حق إنسان وخطأ في حق غيره، وإنما المحال أن يحكم في النازلة بحكمين متضادين في حق شخص واحد، قال: والأصل في ذلك أن الحظر والإباحة صفات أحكام لا أعيان قال: فكل مجتهد وافق اجتهاده وجهاً من التأويل فهو مصيب انتهى. والمشهور أن الجمهور ذهبوا إلى أن المصيب في القطعيات واحد، وخالف الجاحظ والعنبري. وأما ما لا قطع فيه فقال الجمهور أيضاً: المصيب واحد، وقد ذكر ذلك الشافعي وقرره، ونقل عن الأشعري أن كل مجتهد مصيب وأن حكم الله تابع لظن المجتهد. وقال بعض الحنفية وبعض الشافعية: هو مصيب باجتهاده، وإن لم يصب ما في نفس الأمر فهو مخطئ وله أجر واحد. ثم الاستدلال بهذه القصة على أن كل مجتهد مصيب على الإطلاق ليس بواضح، وإنما فيه ترك تعنيف من بذل وسعه واجتهد، فيستفاد منه عدم تأثيمه.
стр. 671
وحاصل ما وقع في القصة أن بعض الصحابة حملوا النهي على حقيقته، ولم يبالوا بخروج الوقت ترجيحاً للنهي الثاني على النهي الأول وهو ترك تأخير الصلاة عن وقتها، واستدلوا بجواز التأخير لمن اشتغل بأمر الحرب بنظير ما وقع في تلك الأيام بالخندق فقد تقدم حديث جابر المصرح بأنهم صلوا العصر بعد ما غربت الشمس وذلك لشغلهم بأمر الحرب، فجوزوا أن يكون ذلك عاماً في كل شغل يتعلق بأمر الحرب ولاسيما والزمان زمان التشريع، والبعض الآخر حملوا النهي على غير الحقيقة وأنه كناية عن الحث والاستعجال والإسراع إلى بني قريظة، وقد استدل به الجمهور على عدم تأثيم من اجتهد لأنه ﷺ لم يعنف أحداً من الطائفتين، فلو كان هناك من إثم لعنف من أثم، أهـ.
٤٧٤ - * روى أبو داود والترمذي عن عطية القرظي ﵁ قال: عرضنا على رسول الله ﷺ يوم قريظة فكان من أنبت قتل، ومن لم ينبت خلي سبيله، فكنت ممن لم ينبت، فخلي سبيلي.
وللنسائي (١) قال: كنت يوم حكم سعد في بني قريظة غلاماً، فشكوا في، فلم يجدوني أنبت، فاستبقيت، فها أنا ذا بين أظهركم.
(أنبت) أراد بالإنبات: نبات شعر العانة، فجعله علامة على البلوغ، وليس ذلك حداً إلا في أهل الشرك عند الأكثرين، وقال أحمد بن حنبل ﵀: الإنبات حد يقام به الحد على من أنبت، ويحكى مثل ذلك عن مالك ﵀، فأما من جعله مخصوصاً بأهل الشرك فيشبه أن يكون أن أهل الشرك لا يوقف على بلوغهم من جهة السن، ولا يمكن الرجوع إلى قولهم لأنهم متهمون في ذلك لدفع القتل عنهم، وأداء الجزية، وغير ذلك من الأحكام، بخلاف المسلمين، فإنهم يمكن أن تعرف أوقات بلوغهم وولادتهم.
стр. 672
٤٧٥ - * روى أبو داود عن عائشة ﵂ قالت: لم يقتل من نسائهم - تعني بني قريظة إلا امرأة، إنها لعندي تحدث، تضحك ظهراً وبطناً، ورسول الله ﷺ يقتل رجالهم بالسيوف، إذ هتف هاتف باسمها: أين فلانة؟ قالت: أنا، قلت: وما شأنك؟ قالت: حدث أحدثته، قالت فانطلق بها فضربت عنقها، فما أنسى عجباً منها: أنها تضحك ظهراً وبطناً، وقد علمت أنها تقتل.
٤٧٦ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ في قوله تعالى: (إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر) (١) قالت: كان ذلك يوم الخندق.
* * *
فوائد من غزوتي الأحزاب وقريظة
١ - في هاتين الغزوتين تظهر لك الكفاءة النبوية العالية، وتظهر المعجزات الخارقات، والمعجزات والكمالات هما النبوة والرسالة، وكثيرون من الناس وهم يتحدثون عن محمد ﵊ لا يحسنون العرض المتكامل فهم إما يبرزون الكفاءة على حساب المعجزة، وإما يظهرون المعجزة على حساب الكفاءة، مع أن الكفاءة والمعجزة توأمان في حق الأنبياء جميعاً، وذلك كله مظهر الحكمة الربانية في اختيار الرسل، ومظهر التأييد الرباني للرسل عليهم الصلاة والسلام، فهم بين توفيق وتأييد معجز أو سببي، ولكن يبقى لعالم الأسباب في حياة الرسل عليهم الصلاة والسلام محله العريض لأن الأصل في
стр. 673
التكليف ليس الخارق وإنما هو عالم الأسباب، والرسل هم القدوة، والناس عامة محكومون بعالم الأسباب، ولذلك فأنت عندما تدرس المعجزات التي حدثت في هذه المرحلة لا تجدها تؤثر على قضايا الاقتداء المرتبطة بعالم الأسباب، بمعنى أن ما حدث في هاتين الغزوتين يمكن إدخاله في دائرة التفكير والتدبير والاستعانة بالله أولاً وأخيراً، وبعضه لرسول الله ﷺ معجزة خاصة، وبعضه معجزة لرسول الله ﷺ ويمكن أن تطلبه من الله، وفضل الله واسع، مثال ذلك: تكثير الطعام القليل هو لرسول الله ﷺ معجزة ونحن علينا أن ندبر الطعام لجندنا وهذا جزء من القدوة، والريح كانت معجزة لرسول الله ﷺ ونحن ندعو الله أن يؤيدنا بما لا نحتسب، وفضل الله واسع.
٢ - وحول الخندق قال السباعي ﵀:
وفي قبوله ﷺ إشارة سلمان بحفر الخندق، وهو أمر لم تكن تعرفه العرب من قبل، دليل على أن الإسلام لا يضيق ذرعاً بالاستفادة مما عند الأمم الأخرى من تجارب تفيد الأمة وتنفع المجتمع، فلا شك أن حفر الخندق أفاد إفادة كبرى في دفع خطر الأحزاب عن المدينة، وقبول رسول الله هذه المشورة، دليل على مرونته ﷺ . واستعداده لقبول ما يكون عند الأمم الأخرى من أمور حسنة، وقد فعل الرسول مثل ذلك أكثر من مرة، فلما أراد إنفاذ كتبه إلى الملوك والأمراء والرؤساء قيل له: إن من عادة الملوك ألا يقبلوا كتاباً إلا إذا كان مختوماً باسم مرسله، فأمر على الفور بنقش خاتم له كتب عليه: محمد رسول الله، وصار يختم به كتبه، ولما جاءته الوفود من أنحاء العرب فتح مكة تعلن إسلامها، قيل له: يا رسول الله إن من عادة الملوك والرؤساء أن يستقبلوا الوفود بثياب جميلة فخمة، فأمر رسول الله ﷺ أن تشترى له حلة يستقبل بها الوفود، وهذا هو صنيع الرسول الذي أرسل بآخر الأديان وأبقاها إلى أبد الدهر، فإن مما تحتمه مصلحة أتباعه في كل زمان وفي كل بيئة أن يأخذوا بأحسن ما عند الأمم الأخرى، مما يفيدهم، ولا يتعارض مع أحكام شريعتهم وقواعدها العامة، والامتناع عن ذلك جمود لا تقبله طبيعة الإسلام الذي يقول في دستوره الخالد: (فبشر عباد * الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه) (١) ولا طبيعة
стр. 674
رسوله الذي رأينا أمثلة عما أخذ من الأمم الأخرى، ولهذا قيل: (الحكمة ضالة المؤمن يلتمسها أنى وجدها) (١) ويوم غفل المسلمون في العصور الأخيرة، وخاصة بعد عصر النهضة الأوربية عن هذا المبدأ العظيم في الإسلام، وقاوموا كل إصلاح مأخوذ عن غيرهم مما هم في أشد الحاجة إليه، أصيبوا بالانهيار، وتأخروا من حيث تقدم غيرهم (ولله عاقبة الأمور) (٢). أهـ.
٣ - قال الشيخ الغزالي حفظه الله:
إن معركة الأحزاب لم تكن معركة خسائر بل معركة أعصاب فقتلى الفريقين من المؤمنين والكفار يعدون على الأصابع. ومع تلك الحقيقة فهي من أحسم المعارك في تاريخ الإسلام إذ إن مصير هذه الرسالة العظمى كان فيها أشبه بمصير رجل يمشي على حافة قمة سامقة، أو حبل ممدود، فلو اختل توازنه لحظة وفقد السيطرة على موقفه، لهوى من مرتفعه إلى واد سحيق، ممزق الأعضاء، ممزع الأشلاء! ولقد أمسى المسلمون وأصبحوا فإذا هم كالجزيرة المنقطعة وسط طوفان يتهددها بالغرق ليلاً أو نهاراً. وبين الحين والحين يتطلع المدافعون: هل اقتحمت خطوطهم في ناحية ما من منطقة الدفاع؟ وكان المشركون يدورون حول المدينة غضاباً يتحسسون نقطة ضعيفة لينحدروا منها فينفسوا عن حنقهم المكتوم، ويقطعوا أوصال هذا الدين الثائر.
وعرف المسلمون ما يتربص بهم وراء هذا الحصار، فقرروا أن يرابطوا في مكانهم ينضحون بالنبل كل مقترب، ويتحملون لأواء هذه الحراسة التي تنتظم السهل والجبل، وتتسع ثغورها يوماً بعد يوم وهم كما وصف الله تعالى: (إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا * هنالك ابتلي
стр. 675
المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً) (١) أهـ.
٤ - وقال الدكتور البوطي:
لقد كان من جملة الوسائل الحربية التي استعملها المسلمون في هذه الغزوة حفر الخندق، ولقد كانت غزوة الأحزاب أول غزوة في التاريخ العربي والإسلامي يحفر فيها الخنادق، إذ هو مما كان متعارفاً بين الأعاجم فقط، وقد رأيت أن الذي اقترح ذلك في غزوة الأحزاب إنما هو سلمان الفارسي، وقد رأيت أن النبي ﷺ أعجب بهذه الوسيلة الحربية وسرعان ما دعا أصحابه إلى القيام بتحقيقها.
وهذا من جملة الأدلة الكثيرة التي تدل على أن الحكمة هي ضالة المؤمن، فحيثما وجدها التقطها بل هو أولى بها من غيره، وأن الشريعة الإسلامية بمقدار ما تكره للمسلمين اتباع غيرهم وتقليدهم على غير بصيرة، تحب لهم أن يجمعوا لأنفسهم أطراف الخير كله والمبادئ المفيدة جميعها، أينما لاح لهم ذلك، وحيثما وجد. فالقاعدة الإسلامية العامة في هذا الصدد، هي أن لا يعطل المسلم عقله الحر وتفكيره الدقيق في سلوكه وعامة شؤونه وأحواله، وإذا كان المسلم كذلك، فهو ولا ريب، لا يمكن أن يربط في عنقه زماماً يسلم طرفه للآخرين فيقودوه حيثما أرادوا بدون وعي ولا بصيرة، وهو أيضاً لا يمكن أن يتجاهل أي مبدأ أو عمل أو نظام يسلم به العقل النير والفكر الحر وينسجم مع مبادئ الشريعة الإسلامية، ليتجاوزه ولا يتعب نفسه بأخذه والاستفادة منه.
وقد استنبط علماء الحديث والسيرة من قصة بني قريظة هذه أحكاماً هامة نجملها فيما يلي:
أولاً - (جواز قتال من نقض العهد)، وقد جعل الإمام مسلم ﵀ هذا الحكم عنواناً لغزوة بني قريظة، فالصلح والمعاهدة والاستئمان بين المسلمين وغيرهم، كل ذلك ينبغي احترامه والتزامه على المسلمين، ما لم ينقض الآخرون العهد أو الصلح أو الأمان
стр. 676
وحينئذ يجوز للمسلمين قتالهم إن رأوا المصلحة في ذلك.
ثانياً - (جواز التحكيم في أمور المسلمين ومهامهم)، قال النووي ﵀: فيه جواز التحكيم في أمور المسلمين وفي مهامهم العظام والرجوع في ذلك إلى حكم مسلم عادل صالح للحكم، وقد أجمع العلماء عليه في شأن الخوارج، فإنهم أنكروا على علي التحكيم، وأقام الحجة عليهم.
وفيه جواز مصالحة أهل قرية أو حصن على حكم حاكم مسلم عدل صالح للحكم أمين على هذا الأمر، وعليه الحكم بما فيه مصلحة للمسلمين، وإذا حكم بشيء لزم حكمه، ولا يجوز للإمام ولا لهم الرجوع، ولهم الرجوع قبل الحكم.
ثالثاً - (مشروعية الاجتهاد في الفروع وضرورة وقوع الخلاف فيها)، وفي اختلاف الصحابة في فهم كلام رسول الله ﷺ : "ألا لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة (١) " على النحو الذي روينا، مع عدم تعنيف النبي ﷺ أحداً نهم أو معاتبته - دلالة هامة على أصل من الأصول الشرعية الكبرى، وهو تقرير مبدأ الخلاف في مسائل الفروع، واعتبار كل من المتخالفين معذوراً ومثاباً، سواء قلنا إن المصيب واحد أو متعدد كما أن فيه تقريراً لمبدأ الاجتهاد في استنباط الأحكام الشرعية. وفيه ما يدل على أن استئصال الخلاف في مسائل الفروع التي تنبع من دلالات ظنية، أمر لا يمكن أن يتصور أو يتم، فالله تعبد عباده بنوعين من التكاليف:
أحدهما: تطبيق أوامر معينة واضحة تتعلق بالعقيدة أو السلوك.
ثانيهما: البحث وبذل الجهد ابتغاء فهم المبادئ والأحكام الفرعية من أدلتها العامة المختلفة، فليس المطلوب ممن أدركته الصلاة في بادية التبست عليه جهة القبلة فيها، أكثر من أن تتجلى عبوديته لله تعالى في أن يبذل كل ما لديه من وسع لمعرفة جهة القبلة حسب فهمه وما يبدو له من أدلة، حتى إذا سكنت نفسه إلى جهة ما، استقبلها فصلى إليها.
стр. 677
ثم إن هنالك حكماً باهرة لمجيء كثير من الأدلة والنصوص الشرعية ظنية الدلالة غير قطعية. من أبرزها، أن تكون الاجتهادات المختلفة في مسألة ما، كلها وثيقة الصلة بالأدلة المعتبرة شرعاً، حتى يكون للمسلمين متسع في الأخذ بأيها شاءوا حسبما تقتضيه ظروفهم ومصالحهم المعتبرة وتلك من أجلى مظاهر رحمة الله بعباده، في كل عصر وزمن.
وإذا تأملت هذا، علمت أن السعي في محاولة القضاء على الخلاف في مسائل الفروع، معاندة للحكمة الربانية والتدبير الإلهي في تشريعه، عدا أنه ضرب من العبث الباطل. إذ كيف تضمن انتزاع الخلاف في مسألة ما ما دام دليلها ظنياً محتملاً؟ لو أمكن ذلك أن يتم في عصر ما، لكان أولى العصور به عصر رسول الله ﷺ ، ولكان أولى الناس بأن لا يختلفوا هم أصحابه، فما بالهم اختلفوا مع ذلك كما قد رأيت؟! أهـ.
* * *
стр. 678
فصل: في قتل أبي رافع
هو زعيم يهودي اسمه سلام بن أبي الحقيق رحل من المدينة مع بني النضير وأقام بخيبر.
قال ابن القيم: قدمنا أن أبا رافع كان ممن ألب الأحزاب على رسول الله ﷺ ، ولم يقتل مع بني قريظة كما قتل صاحبه حيي بن أخطب، ورغبت الخزرج في قتله مساواة للأوس في قتل كعب بن الأشرف، وكان الله قد جعل هذين الحيين يتصاولان بين يدي رسول الله ﷺ في الخيرات، فأستأذنوه في قتله، فأذن لهم، فانتدب له رجال كلهم من بني سلمة، وهم عبد الله بن عتيك، وهو أمير القوم، وعبد الله بن أنيس، وأبو قتادة الحارث بن ربعي، ومسعود بن سنان، وخزاعي بن أسود، فساروا حتى أتوه في خيبر فقتلوه.
٤٧٧ - * روى البخاري عن البراء بن عازب ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ إلى أبي رافع فدخل عليه عبد الله بن عتيك بيته ليلاً وهو نائم، فقتله.
وفي رواية (١) قال: بعث رسول الله ﷺ إلى أبي رافع اليهودي رجالاً من الأنصار، فأمر عليهم عبد الله بن عتيك، وكان أبو رافع يؤذي رسول الله ﷺ ، ويعين عليه، وكان في حصن له بأرض الحجاز، فلما دنوا منه - وقد غربت الشمس وراح الناس بسرحهم - فقال عبد الله لأصحابه: اجلسوا مكانكم، فإني منطلق ومتلطف للبواب، لعلي أن أدخل، فأقبل حتى دنا من الباب، ثم تقنع بثوبه، كأنه يقضي حاجة، وقد دخل الناس، فهتف به البواب: يا عبد الله إن كنت تريد أن تدخل فادخل، فإني أريد أن أغلق الباب، فدخلت فكمنت، فلما دخل الناس أغلق الباب، ثم علق الأغاليق على ود، قال: فقمت
стр. 679
إلى الأقاليد فأخذتها، ففتحت الباب - وكان أبو رافع يسمر عنده، وكان في علالي له - فلما ذهب عنه أهل سمره صعدت إليه، فجعلت كلما فتحت باباً أغلقت علي من داخل، قلت: إن القوم نذروا بي، لم يخلصوا إلي حتى أقتله، فانتهيت إليه، فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله، لا أدري أين هو من البيت؟ فقلت: أبا رافع، قال: من هذا؟ فأهويت نحو الصوت، فأضربه ضربة بالسيف، وأنا دهش، فما أغنيت شيئاً، وصاح، فخرجت من البيت، فأمكث غير بعيد، ثم دخلت إليه، فقلت: ما هذا الصوت يا أبا رافع؟ فقال: لأمك الويل، عن رجلاً في البيت ضربني قبل بالسيف، قال: فأضربه ضربة أثخنته، ولم أقتله، ثم وضعت صبيب السيف في بطنه، حتى أخذ في ظهره، فعرفت أني قتلته فجعلت أفتح الأبواب باباً باباً، حتى انتهيت إلى درجة له،. فوضعت رجلي، وأنا أرى أني قد انتهيت إلى الأرض، فوقعت في ليلة مقمرة، فانكسرت ساقي، فعصبتها بعمامة، ثم انطلقت حتى جلست على الباب، فقلت: لا أخرج الليلة حتى أعلم: أقتلته؟ فلما صاح الديك: قام الناعي على السور فقال: أنعى أبا رافع تاجر أهل الحجاز، فانطلقت إلى أصحابي، فقلت: النجاء، فقد قتل الله أبا رافع فانتهيت إلى النبي ﷺ ، فحدثته، فقال: لي: "ابسط رجلك" فبسطت رجلي، فمسحها، فكأنها لم أشتكها قط.
وفي رواية (١) قال: بعث رسول الله ﷺ إلى أبي رافع عبد الله بن عتيك وعبد الله بن عتبة في ناس معهم، فانطلقوا حتى دنوا من الحصن، فقال لهم عبد الله بن عتيك: امكثوا
стр. 680
أنتم، حتى أنطلق أنا فأنظر، قال: فتلطفت أن أدخل الحصن، ففقدوا حماراً لهم، قال: فخرجوا بقبس يطلبونه، قال: فخشيت أن أعرف قال: فغطيت رأسي كأني أقضى حاجة، ثم نادى صاحب الباب: من أراد أن يدخل فليدخل قبل أن أغلقه، فدخلت، ثم اختبأت في مربط حمار عند باب الحصن، فتعشوا عند أبي رافع، وتحدثوا حتى ذهب ساعة من الليل، ثم رجعوا إلى بيوتهم، فلما هدأت الأصوات، ولا أسمع حركة خرجت، قال: ورأيت صاحب الباب حيث وضع مفتاح الحصن في كوة فأخذته، ففتحت به باب الحصن، قال: قلت: إن نذر بي القوم انطلقت على مهل، ثم عمدت إلى أبواب بيوتهم، فغلقتها عليهم من ظاهر، ثم صعدت إلى أبي رافع في سلم، فإذا البيت مظلم قد طفئ سراجه، فلم أدر أين الرجل؟ فقلت: يا أبا رافع، قال: من هذا؟ قال: فعمدت نحو الصوت فأضربه وصاح فلم تغن شيئاً. قال: ثم جئت كأني أغيثه، فقلت: مالك يا أبا رافع، وغيرت صوتي، فقال: ألا أعجبك؟ لأمك الويل، دخل علي رجل فضربني بالسيف، قال: فعمدت له أيضاً فأضربه أخرى فلم تغن شيئاً، فصاح، وقام أهله قال: ثم جئت، وغيرت صوتي كهيئة المغيث، فإذا هو مستلق على ظهره، فأضع السيف في بطنه، ثم أنكفئ عليه، حتى سمعت صوت العظم، ثم خرجت دهشاً، حتى أتيت السلم، أريد أن أنزل، فأسقط منه، فانخلعت رجلي، فعصبتها، ثم أتيت أصحابي أحجل، فقلت: انطلقوا، فبشروا رسول الله ﷺ ، فإني لا أبرح حتى أسمع الناعية، فلما كان في وجه الصبح صعد الناعية، فقال: أنعى أبا رافع، قال: فقمت أمشي ما بي قلبة، فأدركت أصحابي قبل أن يأتوا النبي ﷺ فبشرته.
وفي رواية (١): بعث رسول الله ﷺ رهطاً من الأنصار إلى أبي رافع ليقتلوه .......
стр. 681
فخرجت فيمن خرج، أريهم أنني أطلبه معهم، فوجدوا الحمار، فدخلوا ودخلت، فأغلقوا باب الحصن ليلاً، فوضعوا المفاتيح في كوة حيث أراها، فلما ناموا أخذت المفاتيح، ففتحت باب الحصن، ثم دخلت عليه ... ثم ذكر نحوه في قتل أبي رافع ووقوعه من السلم، قال: فوثئت رجلي، فخرجت إلى أصحابي، فقلت: ما أنا ببارح حتى أسمع الناعية، فما برحت حتى سمعت نعايا أبي رافع تاجر أهل الحجاز، قال: فقمت وما بي قلبة، حتى أتينا النبي ﷺ فأخبرناه.
قال ابن حجر: وفي هذا الحديث من الفوائد جواز اغتيال المشرك الذي بلغته الدعوة وأصر، وقتل من أعان على رسول الله ﷺ بيده أو ماله أو لسانه، وجواز التجسيس (١) على أهل الحرب وتطلب غرتهم، والأخذ بالشدة في محاربة المشركين، وجواز إبهام القول للمصلحة، وتعرض القليل من المسلمين للكثير من المشركين؛ والحكم بالدليل والعلامة لاستدلال ابن عتيك على أبي رافع بصوته، واعتماده على صوت الناعي بموته، والله أعلم.
٤٧٨ - * روى مالك عن عبد الرحمن بن كعب ﵄ أنه قال: نهى رسول الله ﷺ الذين قتلوا ابن أبي الحقيق عن قتل النساء والولدان؟ قال: فكان رجل منهم يقول: برحت بنا امرأة ابن أبي الحقيق بالصياح، فأرفع السيف عليها، ثم أذكر نهي رسول الله ﷺ ، فأكف ولولا ذلك استرحنا منها.
* * *
стр. 682
فصل: في زواجه ﵊ بزينب بنت جحش
زينب بنت جحش بن رئاب الأسدية بنت عمة رسول الله ﷺ ، أمها أميمة بنت عبد المطلب وهي التي زوجها الله بنبيه لمصلحة تشريع، بينه في سورة الأحزاب.
٤٧٩ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما انقضت عدة زينب قال رسول الله ﷺ لزيد: "اذكرها علي" قال: فانطلق زيد حتى أتاها وهي تخمر عجينها، قال: فلما رأيتها عظمت في صدري، حتى ما أستطيع أن أنظر إليها: أن رسول الله ﷺ ذكرها، فوليتها ظهري، ونكصت على عقبي، فقلت: يا زينب أرسل رسول الله ﷺ يذكرك قالت: ما أنا بصانعة شيئاً حتى أوامر ربي، فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن، وجاء رسول ﷺ فدخل عليها بغير إذن قال: فقال: ولقد رأيتنا أن رسول الله ﷺ أطعمنا الخبز واللحم حين امتد النهار، فخرج الناس، وبقي رجال يتحدثون في البيت بعد الطعام، فخرج رسول الله ﷺ واتبعته، فجعل يتتبع حجر نسائه، يسلم عليهن، ويقلن: يا رسول الله، كيف وجدت أهلك؟ قال: فما أدري، أنا أخبرته: أن القوم قد
стр. 683
خرجوا، أو أخبرني، قال: فانطلق حتى دخل البيت، فذهبت أدخل معه، فألقى الستر بيني وبينه فنزل الحجاب، قال: ووعظ القوم بما وعظوا به.
زاد في رواية: ذكر الآية (لا تدخلوا بيوت النبي) إلى قوله - (لا يستحيي من الحق) (١).
ولمسلم في رواية (٢) أبي كامل، قال: سمعت أنسا يقول: ما رأيت رسول الله ﷺ أولم على امرأة من نسائه ما أولم على زينب، فإنه ذبح شاة.
٤٨٠ - * روى الحاكم عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما تزوج النبي ﵌ زينب بعثت أم سليم حيساً في تور من حجارة، قال أنس: فقال لي النبي ﷺ : "اذهب فادع من لقيت من المسلمين" فذهبت فما رأيت أحداً إلا دعوته قال: ووضع النبي ﵌ يده في الطعام ودعا فيه، وقال: "ما شاء الله" قال فجعلوا يأكلون ويخرجون، وبقيت طائفة في البيت فجعل النبي ﵌ يستحيي منهم وأطالوا الحديث فخرج رسول الله ﷺ ، وتركهم في البيت، فأنزل الله (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه) يعني غير متحينين، حتى بلغ (ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن) (٣).
جوانب من كمال شخصيته ﵇:
ذكرنا قصة زواجه ﵊ من زينب ﵂ ههنا لإدراك جانب
стр. 684
من شخصيته ﵊ وكمالاتها، فهذا الرسول الأعظم ﷺ الذي رأيته في الغزوات والعمل السياسي أعظم ما يمكن أن يكون إنسان تجده في قضاياه الشخصية على مثل هذا الحياء والتحمل لأصحابه، حتى إنه لا يواجههم بطلب شخصي يذكرهم بواجب ذوقي ما دام هذا الأمر مرتبطاً به.
بل إنك لتجد أن حسن الأدب معه ﵊ وأدب التعامل يتنزل به القرآن. فيخرج بذلك رسول الله ﷺ من الإحراجات في شؤون كانت تضايقه ويحرج بالتنبيه عليها.
كما أنه في قصة زينب نجد مظهراً من مظاهر الكمال ودليلاً من أدلة الرسالة فكثيراً ما يحدث أن تغيير تشريع أو سن قانون أو إنهاء عادة يحتاج إلى مقدمات وتمهيدات، وقد يوافق الغرض وقد لا يوافق، وقد ينجح وقد لا ينجح، وههنا تجد أن نظام التبني وهو نظام عميق الجذور في حياة العرب وفي حياة البشر يهدم بضربة واحدة بنزول آيات فيه، وبزواج محمد ﷺ ممن كانت زوجة لمتبناه، فينتهي بذلك نظام التبني من المجتمع الإسلامي الحق، إلى الأبد.
* * *
стр. 685
فوائد عامة من أحداث السنة الخامسة
١ - لقد برز لنا في أحداث هذه السنة ومن قبل كان بارزاً وسنرى ذلك دائماً أن رسول الله ﷺ كانت تأتيه أخبار تحشدات الأعداء في أوائلها فلم يكن يفاجأ بحادثة ولا تدبير يدبره الأعداء، وهذا يجعلنا أمام أهم قضية في الحرب والسلم، وهي قضية أجهزة المخابرات، إن العالم كله قد أدرك اليوم أنه بقدر ما يكون جهاز المخابرات قوياً فإن ذلك يعوض عليك أشياء كثيرة ويجنبك أشياء خطيرة، صحيح أن ذلك قد يكلف ولكن مهما كانت التكلفة فالربح أكبر، إنه بالنسبة لأي نظام يشكل جهاز المخابرات عينه التي تكشف الخطأ والخطر فتتلافى الأخطاء وتستأصل الأخطار قبل وقوعها، ومهما يقال بالنسبة لأجهزة المخابرات فالمسألة أخطر وأكبر، وكل ما يمكن أن تحققه أجهزة المخابرات في العالم كان يتحقق لرسول الله أحياناً عن طريق عالم الأسباب وأحياناً عن طريق الغيب، فكم من مؤامرة كشفها جبريل، ولكن رسول الله ﷺ مع هذا لم يكن ليغفل فذلك تكليفه ولقد كانت تتجمع عند رسول الله ﷺ المعلومات من مصادر متعددة، سراياه الاستطلاعية، المسلمون المتخفون، المتعاطفون مع المسلمين، المعاهدون، الفراسة واستكشاف ما وراء السطور، المهم أن رسول الله ﷺ ما كان يفاجأ بتآمر داخلي أو تهديد خارجي وهذا يجعل المسلمين في عصرنا أمام قضية يجب أن يعطوها كامل الاعتبار، مع ملاحظة الضوابط الشرعية.
٢ - لقد قرر رسول الله ﷺ أن يدافع عن عاصمته، فهي معقله الأول والأخير على قلة العدد وكثرة العدو، وهذا يجعلنا أمام قاعدة مهمة أنه لا خيار في القتال عندما يصل العدو إلى العاصمة أو المعقل الأخير، أما إذا كان الانسحاب إلى معقل أو قيادة فهذا يدخل في التحيز إلى فئة. ولكن مع هذا فقد حرص الرسول ﷺ ألا يدخل في قتال تصادمي مع جيوش تفوق جيشه، وهذا يوصلنا إلى فكرة البحث عن أجدى الوسائل لتجنب الاستئصال، فليست مهمات القيادة أن تقاتل أو تجهز للقتال فقط بل من مهماتها أن تفكر في أن تكون خسائرها أقل إن فاتها أن تجعل خسائرها معدومة. فإذا عرفنا أنه لم يقتل من المسلمين في غزوة الأحزاب إلا ستة أدركنا كيف أن مبدأ الاقتصاد في القوى كان مطبقاً على أرقاه عند رسول الله ﷺ وفي ذلك درس للقيادات التي لا تبالي بعدد الضحايا
стр. 686
في المعارك الرئيسية أو الجانبية.
٣ - أسوأ القادة هم الذين لا يستطيعون أن يسيطروا على العصبيات، فضلاً عن أن ينزلوا في حمأتها، وأفضل القادة هم الذين يعرفون خصائص الناس ويعرفون لكل حقه ويستطيعون أن يضعوا الإنسان المناسب في المكان المناسب ويحسنون توجيه الطاقات، ولقد كان رسول الله ﷺ في كل شيء هو الأرقى، ومن ذلك هذا الجانب، فالجزيرة العربية مهد العصبيات، العصبية للأسرة وللشعب وللقبيلة، ورسول الله ﷺ محل قيادته المباشرة هم العرب، فكان لابد أن يسيطر على العصبيات، وأن يصهرها بعصبية واحدة هي العصبية للإسلام وأهله، وأن يستفيد بعد ذلك من خصائص الناس ومن تنافسهم، وإنك لتجد كيف أن هذا كله قد تهيأ لرسول الله ﷺ فلم يفلت الزمام من يده مرة واحدة على كثرة المحاولات من يهود ومن المنافقين لإركاس الناس في هذه الحمأة، تجد ذلك في مواقف كثيرة وسنرى في أحداث السنة السادسة نموذجاً على ذلك، وفي تنافس الأوس والخزرج على الفضائل بما يخدم الإسلام نموذج على الجانب الآخر، ومقتل أبي رافع الذي فعلته الخزرج لتكافئ الأوس في قتلها لكعب بن الأشرف بيان لهذا الجانب من حياته ﵊ في الاستفادة من العصبية بما يخدم الإسلام.
٤ - المبادرة في العمل السياسي تشكل جانباً مهماً منه أو ركناً من أركانه، والسياسي الناجح هو الذي يبادر في الوقت المناسب إذا وجد استعداداً، ويفسد مبادرة خصمه إذا بادر الخصم إلى ما يضره، والسياسي المسلم مقيد دائماً بالحق والعدل والحكم الشرعي والمصلحة، ولكن لابد أن يمتلك في حدود ذلك قوة المبادرة وقوة تجنب مبادرة الخصوم الضارة وما أصعب ذلك، والملاحظ أن حياة رسول الله ﷺ مليئة بالمبادرات، فمبادرته بكتابة العهود بينه وبين سكان المدينة، ومبادراته بالعقود، ومبادرته ضد استعدادات الآخرين نماذج، وفي قصة الأحزاب تجد الذين أقدموا على مبادرة التجميع ضد رسول الله ﷺ هم اليهود، واليهود في كل زمان ومكان يمتلكون الجرأة على المبادرات، ولكن مبادرتهم تلك ضد رسول الله ﷺ كانت كارثة عليهم، وهذا من توفيق الله له ﵊ ثم من كمالاته، على كل الأحوال فإن على الحركة الإسلامية أن تبادر. وأن تمتلك القدرة على التصرف أمام
стр. 687
مبادرات الخصوم.
٥ - في كثير من الأحيان تضطر القيادات السياسية والعسكرية لمواقف لابد منها، وفي مثل هذه المواقف لا يفرق بين الخائن والأمين إلا الثقة، فمن وثق قال عن قائده أمين ومن لم يثق قال عنه خائن، ولذلك لا يصح بالنسبة للقيادات الإسلامية أن تخدش الثقة، والقيادات الإسلامية في هذه الحالة بين أمرين: إما أن تستقيل، أو تتنزه عن مواطن الشبهات، وما عدا ذلك فإنه خيار صعب وقد يكون فاسداً، وعلى كل الأحوال فهذا يجعلنا نؤكد على أنه يجب أن تبذل كافة الجهود لتبنى الثقة في القيادات على أرقاها، فذلك هو الطريق الوحيد للوصول إلى القرار الحكيم، نقول هذا بمناسبة أن رسول الله ﷺ عرض على غطفان ثلث ثمار المدينة في مقابل أن يتميزوا عن قريش. صحيح أن ذلك لم يبرم، ولكن هل أثر عرض رسول الله على الثقة فيه؟ ترى من يستطيع الآن من القيادات الإسلامية أن يعرض عروضاً ما على الكافرين بسبب ظروف صعبة ثم لا يكون محل تهمة لدى إخوانه؟ هذا الوضع يجب أن تتحرر الحركة الإسلامية منه، يجب أن يكون تقديرها للموقف سليماً وعلى ضوء ذلك تتخذ قرارها المناسب، كائناً ما كان ما دام شرعياً وفيه مصلحة، وعليها أن تربي الصف على الثقة، وعلى القيادات أن تكون جديرة بهذه الثقة.
* * *
تقويم الموقف في نهاية السنة الخامسة
لقد انتهت غزوة الأحزاب في الظاهر بسلامة الفريقين وتكافئهما، ولكن الأمر في حقيقته كان غير ذلك، فلقد سجل رسول الله ﷺ في هذه الغزوة انتصاراً من أعظم انتصاراته، لقد كان هو المنتصر الأكبر على الساحة جميعها سياسياً وعسكرياً وإعلامياً ونفسياً، فعندما يرجع جيش مقداره عشرة آلاف وهو أضخم جيش عرفته الجزيرة العربية حتى يومها، دون أن يحقق شيئاً ضد جيش قوامه ثلاثة آلاف فذلك وحده خسارة لهذا الجيش، فإذا ما أضيف إلى ذلك أن هذه أول تجربة لتجميع العرب المشركين ضد محمد ﷺ وكانت تجربة فاشلة فهذا يعني أنها لن تتكرر وذلك ربح آخر، ولئن ترتب على هذه الغزوة استئصال قريظة بسبب غدرها فذلك يعني أن المسلمين لن يؤتوا مرة أخرى من
стр. 688
داخلهم وذلك ربح، فإذا ما اجتمع مع ذلك أن قريشاً رجعت يائسة لأنها مع غيرها لن تستطيع أن تفعل شيئاً فكيف بها وحدها؟ وإذن فقريش لن تعيد الكرة وذلك كذلك ربح وهكذا نجد رسول الله ﷺ وهو يدلف إلى السنة السادسة في أفضل وضع سياسياً وعسكرياً وسنرى كيف أنه استفاد من هذه الظروف كلها أيما استفادة فحقق في السنة السادسة أعظم انتصار في تاريخ الدولة الإسلامية الناشئة.
* * *
стр. 689
السنة السادسة للهجرة
стр. 690
أحدث السنة السادسة في سطور
كان الموقف الذي تمخضت عنه أحداث السنة الخامسة يحتاج إلى استثمار، ولا أعرف في تاريخ العالم أحداً يستطيع أن يستثمر وضعاً كما يفعل رسول الله ﷺ وما جرى في السنة السادسة نموذج على ذلك، فلقد صعد رسول الله ﷺ زخم (١) السرايا والبعوث كما لم يفعل من قبل وبذلك ثبت القبائل كلها، كل في مكانه، وفي هذا الجو أعلن أنه يريد العمرة وبهذا بلغ ﷺ قمة الموقف، فالقبائل مثبتة، وشعار العمرة لا يرفضه أحد، وبهذا دخلت قريش في أكبر إحراج سياسي وعسكري، فلو شاءت أن تستنفر العرب لقتال لا تجد من يستجيب، فمن يقاتل من يريد العمرة؟! ولو أرادت أن تتحد لقتال فإنها لا تستطيع لأنه لا يمكن أن يجتمع أهل مكة على قتال العمار فلم يكن أمامها إلا أن تصالح، وبهذا الصلح حقق رسول الله ﷺ أكبر انتصار سياسي، فبهذا الصلح ترك الشرك بلا رأس ولا قيادة، وبهذا أصبح وحده سيد الموقف، وأصبح بإمكانه أن يضرب حيث شاء دون أن يخشى تجمع الأطراف ضده، فقد أصبح أبناء الجزيرة أمامه أفراداً أو فئات قليلة، وهذا أعطاه فرصاً كبيرة منها: فتح خيبر وغيرها كما سنرى في أحداث السنة السابعة، وفي خضم هذه الإنجازات الهائلة نجد مشكلات في غاية الضخامة، ومتاعب كثيرة، وكل ذلك كان رسول الله ﷺ يتعامل معه على أقوى ما يكون التعامل ولا نستبق الأحداث.
فلنبدأ بما اعتدنا أن نبدأ به من ذكر أحداث السنة في سطور، ولعلك من هذه السطور تتعرف على بعض ما ذكرناه.
* * *
стр. 691
أهم أحداث هذه السنة في سطور
* في عشر من المحرم سنة ست للهجرة أرسل الرسول ﷺ سرية على رأسها محمد بن مسلمة في ثلاثين راكباً قبل نجد فسارت بناحية القرطاء بناحية ضرية (١) بالبكرات من أرض نجد، وداهمت بطناً من بني بكر بن كلاب، فلما أغارت عليهم هربوا واستاق المسلمون نعمهم وشاءهم وأسروا ثمامة بن أثال سيد بني حنيفة الذي كان قادماً لاغتيال رسول الله ﷺ ثم كان عاقبة أمره أن أسلم.
* وفي ربيع الأول أو الآخر سنة ٦ هـ، أرسل رسول الله ﷺ عكاشة بن محصن في أربعين رجلاً إلى الغمر ماء لبني أسد! ففر القوم وأصاب المسلمون مائتي بعير ساقوها إلى المدينة، ثم كانت السرايا التالية:
قال المباركفوري:
* سرية محمد بن مسلمة إلى ذي القصة في ربيع الأول أو الآخر سنة ٦ هجرية خرج ابن مسلمة في عشرة رجال إلى القصة في ديار بني ثعلبة، فكمن القوم لهم - وهم مائة فلما ناموا قتلوهم إلا ابن مسلمة فإنه أفلت منهم جريحاً.
* سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى ذي القصة في ربيع الآخر سنة ٦ هـ، وقد بعثه النبي ﷺ على إثر مقتل أصحاب محمد بن مسلمة، فخرج ومعه أربعون رجلاً إلى مصارعهم، فساروا ليلتهم مشاة، ووافوا بني ثعلبة مع الصبح فأغاروا عليهم، فأعجزوهم هرباً في الجبال، وأصابوا رجلاً واحداً فأسلم. وغنموا نعماً وشاء.
* سرية زيد بن حارثة إلى الجموم في ربيع الآخر سنة ٦ هـ. والجموم ماء لبني سليم في مر الظهران، خرج إليهم زيد فأصاب امرأة من مزينة يقال لها حليمة، فدلتهم على محلة من بني سليم أصابوا فيها نعماً وشاء وأسرى، فلما قفل بما أصاب، وهب رسول الله ﷺ للمزينية نفسها وزوجها.
стр. 692
* سرية زيد أيضاً إلى العيض في جمادى الأولى سنة ٦ هـ في سبعين ومائة راكب، وفيها أخذت أموال عير لقريش كان قائدها أبو العاص ختن (١) رسول الله ﷺ . وأفلت أبو العاص، فأتى زينب فاستجار بها، وسألها أن تطلب من رسول الله ﷺ رد أموال العير عليه، ففعلت، وأشار رسول الله ﷺ على الناس برد الأموال من غير أن يكرههم، فردوا الكثير والقليل والكبير والصغير حتى رجع أبو العاص إلى مكة، وأدى الودائع إلى أهلها، ثم أسلم وهاجر فرد عليه رسول الله ﷺ زينب بالنكاح الأول بعد ثلاث سنين ونيف كما ثبت في الحديث الصحيح ردها بالنكاح الأول لأن آية تحريم المسلمات على الكفار لم تكن نزلت إذ ذاك (٢).
* سرية زيد أيضاً إلى الطرف أو الطرق في جمادى الآخرة سنة ٦ هـ خرج زيد في خمسة عشر رجلاً إلى بني ثعلبة فهربت الأعراب، وخافوا أن يكون رسول الله ﷺ سار إليهم، فأصاب من نعمهم عشرين بعيراً، وغاب أربع ليال.
* سرية زيد أيضاً إلى وادي القرى في رجب سنة ٦ هـ خرج زيد في اثني عشر رجلاً إلى وادي القرى لاستكشاف حركات العدو إن كانت هناك، فهجم عليهم سكان وادي القرى. فقتلوا تسعة وأفلت ثلاثة فيهم زيد بن حارثة.
* سرية الخبط (٣) - تذكر هذه السرية في رجب سنة ٨ هـ. ولكن السياق يدل على أنها كانت قبل الحديبية، قال جابر: بعثنا النبي ﷺ في ثلاثمائة راكب أميرنا أبو عبيدة بن الجراح نرصد عيراً لقريش، فأصابنا جوع شديد حتى أكلنا الخبط، فسمى جيش الخبط، فنحر رجل ثلاث جزائر، ثم نحر ثلاث جزائر، ثم نحر ثلاث جزائر، ثم إن أبا عبيدة نهاه، فألقى إلينا البحر دابة يقال لها: العنبر، فأكلنا منه نصف شهر. وادهنا (٤) منه حتى
стр. 693
ثابت منه أجسامنا، وصلحت، وأخذ أبو عبيدة ضلعاً من أضلاعه، فنظر إلى أطول رجل في الجيش وأطول جمل، فحمل عليه، ومر تحته، وتزودنا من لحمه وشائق (١)، فلما قدمنا المدينة، أتينا رسول الله ﷺ فذكرنا له ذلك فقال: "هو رزق أخرجه الله لكم فهل معكم من لحمه شيء، تطعمونا" فأرسلنا إلى رسول الله ﷺ (٢) منه.
وإنما قلنا: إن سياق هذه السرية يدل على أنها كانت قبل الحديبية لأن المسلمين لم يكونوا يتعرضون لعير قريش بعد صلح الحديبية.
* وفي ٢ شعبان سنة ٦ للهجرة خرج رسول الله ﷺ نحو بني المصطلق، بعد أن بلغه أن الحارث بن أبي ضرار يحشد له يريد غزو المدينة، وكانت معركة قصيرة هرب فيها المشركون وانتصر المسلمون، وفي هذه الغزوة حدثت حادثة الإفك، كما حاول المنافقون أن يحدثوا فتنة بين المسلمين ولكن الله سلم، وتمخضت هذه الغزوة عن زواج رسول الله ﷺ بجويرية بنت الحارث ﵂.
ثم والى رسول الله ﷺ إرسال السرايا: قال المباركفوري:
* سرية عبد الرحمن بن عوف إلى ديار بني كلب بدومة الجندل، في شعبان سنة ٦ هـ. أقعده رسول الله ﷺ بين يديه، وعممه بيده، وأوصاه بأحسن الأمور في الحرب، وقال له: "إن أطاعوك فتزوج ابنة ملكهم" فمكث عبد الرحمن بن عوف ثلاثة أيام يدعوهم إلى الإسلام، فأسلم القوم وتزوج عبد الرحمن تماضر بنت الأصبع، وهي أم أبي سلمة، وكان أبوها رأسهم وملكهم.
* سرية علي بن أبي طالب إلى بني سعد بن بكر بفدك في شعبان سنة ٦ هـ وذلك أنه بلغ رسول الله ﷺ أن بها جمعاً يريدون أن يمدوا اليهود. فبعث إليهم علياً في مائتي رجل،
стр. 694
وكان يسير الليل ويكمن النهار، فأصاب عيناً لهم فأقر أنهم بعثوه إلى خيبر يعرضون عليهم نصرتهم على أن يجعلوا لهم تمر خيبر. ودل العين على موضع تجمع بني سعد، فأغار عليهم علي، فأخذ خمسمائة بعير وألفي شاة، وهربت بنو سعد بالظعن، وكان رئيسهم وبر بن عليم.
* سرية أبي بكر الصديق أو زيد بن حارثة إلى وادي القرى في رمضان سنة ٦ هـ. كان بطن فزارة يريد اغتيال النبي ﷺ ، فبعث رسول الله ﷺ أبا بكر الصديق فأغار عليهم وقتل وأسر وسبى وكان من شياطينهم أم قرفة التي جهزت ثلاثين فارساً من أهل بيتها لاغتيال رسول الله ﷺ ، فقتلوا وسبيت ابنتها ففدى بها رسول الله ﷺ بعض أسارى المسلمين في مكة.
* سرية كرز بن جابر الفهري إلى العرنيين في شوال سنة ٦ هـ وذلك أن رهطاً من عكل وعرينة أظهروا الإسلام، وأقاموا بالمدينة فاستوخموها، فبعثهم رسول الله ﷺ في ذود في المرعى، وأمرهم أن يشربوا من ألبانها وأبوالها، فلما صحوا قتلوا راعي رسول الله ﷺ ، واستاقوا الإبل وكفروا بعد غسلامهم، فبعث في طلبهم كرزاً الفهري في عشرين من الصحابة، ودعا على العرنيين: "اللهم اعم عليهم الطريق، واجعلها عليهم أضيق من مسك" فعمى الله عليهم السبيل فأدركوا، فقطعت أيديهم وأرجلهم وسملت أعينهم، جزاء وقصاصاً بما فعلوا فقد جمعوا بين قتل الراعي وسمل عينيه، ثم تركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا. وحديثهم في الصحيح عن أنس (١).
وبعد هذا الزخم من العمليات المتواصلة، قام رسول الله ﷺ بأعظم ضربة سياسية إذ أعلن أنه يريد العمرة إلى بيت الله الحرام غرة ذي القعدة، وقد تمخض ذلك عن صلح الحديبية الذي يعتبر نصراً ساحقاً من وجهة النظر السياسية كما سنرى.
стр. 695
وبعد أن آب إلى مدينته المباركة وجه مباشرة رسائل إلى الملوك المعروفين في عصره يدعوهم فيها إلى الله، ثم توجه في بداية السنة السابعة نحو تصفية السلطان السياسي لليهود في جزيرة العرب فكانت غزوة خيبر في أوائل السنة السابعة، وذكر ابن كثير أنه في سنة ست هذه فرض الحج على رأي الشافعي ﵀.
ولقد درجنا في هذا القسم على أن نعقد فصولاً لأهم الأحداث أو لأحداث نريد أن نعلق عليها تاركين بعض الموضوعات إلى محالها من هذه السلسلة، كما درجنا أن نقف وقفات خاصة عند أحداث السيرة التي نزل بسببها أو فيها قرآن، ولقد نزل قرآن في حادثتين وقعتا في غزوة بني المصطلق ونزل قرآن في حادثة الحديبية ومراعاة لهذا كله فسنعقد خمسة فصول لهذه السنة:
فصل: في غزوة نجد وإسلام ثمامة بن أثال.
فصل: في غزوة المريسيع وبني المصطلق.
فصل: في العرنيين.
فصل: في صلح الحديبية.
فصل: في مراسلات رسول الله ﷺ إلى الملوك والرؤساء والأمراء.
* * *
стр. 696
فصل: في غزوة نجد وإسلام ثمامة بن أثال
٤٨١ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: "بعث النبي ﷺ خيلاً قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي ﷺ فقال: "ماذا عندك يا ثمامة؟ " فقال: عندي خير يا محمد إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تُنْعِمْ تُنْعِمْ على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت. فترك حتى كان الغد ثم قال له: "ما عندك يا ثمامة؟ " فقال: ما قلت لك: إن تنعم تنعم على شاكر. فتركه حتى كان بعد الغد فقال: "ما عندك يا ثمامة؟ " فقال: عندي ما قلت لك. فقال: أطلقوا ثمامة. فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل، ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله. يا محمد، والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي. والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك، فأصبح دينك أحب الدين إلي. والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد إلي. وإن خيلك أخذتني، وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ فبشره رسول الله ﷺ ، وأمره أن يعتمر. فلما قدم مكة قال له قائل: صبوت؟ قال: لا والله، ولكن أسلمت مع رسول الله، ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي ﷺ .
* * *
стр. 697
فصل: في غزوة المريسيع
٤٨٢ - * روى الطبراني عن سنان بن وبرة قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة المريسيع غزوة بني المصطلق، فكان شعارهم يا منصور أمت أمت.
٤٨٣ - * روى الطبراني عن محمد بن إسحاق قال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بكر ومحمد بن يحيى بن حيان كل قد حدثني بعض حديث بني المصطلح قال: بلغ رسول الله ﷺ أن بني المصطلق، يجمعون له وقائدهم الحارث بن أبي ضرار أبو جويرية بنت الحارث زوج رسول الله ﷺ فلما سمع بهم رسول الله ﷺ خرج إليهم، حتى لقيهم على ماء لهم يقال له: المريسيع من ناحية قديد إلى الساحل فتزاحم الناس، واقتتلوا، فهزم الله بني المصطلق وقتل الحارث بن أبي ضرار أبو جويرية، وقتل من قتل منهم، ونفل الله رسوله ﷺ أبناءهم ونساءهم، وكان رسول الله ﷺ أصاب منهم سبياً كثيراً، قسمه في المسلمين وكان فيما أصاب يومئذ من النساء جويرية بنت أبي ضرار سيدة نساء قومها.
٤٨٤ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عون ﵀ قال: كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال، قال: فكتب إلي: إنما كان ذلك في أول الإسلام، وقد أغار رسول الله ﷺ على بني المصطلق وهم غارون، وأنعامهم تسقى على الماء، فقتل مقاتلتهم، وسبى
стр. 698
سبيهم وأصاب يومئذ جويرية. وحدثني هذا الحديث عبد الله بن عمر، وكان في ذلك الجيش.
قال النووي في شرح مسلم:
وفي هذا الحديث: جواز الإغارة على الكفار الذين بلغتهم الدعوة من غير إنذار بالإغارة، وفي هذه المسألة ثلاثة مذاهب حكاها المازري والقاضي، أحدها: يجب الإنذار مطلقاً، قاله مالك وغيره، وهذا ضعيف. والثاني: لا يجب مطلقاً، وهذا أضعف منه أو باطل. والثالث: يجب إن لم تبلغهم الدعوة، ولا يجب إن بلغتهم، لكن يستحب، وهذا هو الصحيح، وبه قال نافع مولى ابن عمر والحسن البصري والثوري والليث والشافعي وأبو ثور وابن المنذر والجمهور. قال ابن المنذر: وهو قول أكثر أهل العلم، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة على معناه.
١ - وفي هذه الغزوة حدثت حادثة الإفك:
٤٨٥ - * روى الطبراني عن محمد بن إسحاق قال: كانت غزوة بني المصطلق في شعبان سنة ست وفي تلك الغزوة خرج رسول الله ﷺ بعائشة معه، أقرع بين نسائه فخرج سهمها. وفي تلك الغزوة قال فيها أهل الإفك ما قالوا، فأنزل الله براءتها.
قال البخاري (١): وهي غزوة المريسيع، قال ابن إسحاق: وذلك سنة ست، وقال النعمان بن راشد عن الزهري: كان حديث الإفك في غزوة المريسيع.
٤٨٦ - * روى البخاري ومسلم عن الزهري: أخبرني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير
стр. 699
وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن حديث عائشة، زوج النبي ﷺ . ين قال لها أهل الإفك ما قالوا. فبرأها الله مما قالوا. وكلهم حدثني طائفة من حديثها. وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض. وأثبت اقتصاصاً. وقد وعيت عن كل واحد منهم الحديث. الذي حدثني. وبعض حديثهم يصدق بعضاً. ذكروا؛ أن عائشة، زوج النبي ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج سفراً، أقرع بين نسائه. فأيتهن خرج سهمها، خرج بها رسول الله ﷺ معه.
قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها. فخرج فيها سهمي. فخرجت مع رسول الله ﷺ . وذلك بعدما أنزل الحجاب. فأنا أحمل في هودجي، وأنزل فيه، مسيرنا. حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ من غزوه، وقفل، ودنونا من المدينة، آذن ليلة بالرحيل. فقمت حين آذنوا بالرحيل. فمشيت حتى جاوزت الجيش. فلما قضيت من شأني أقبلت إلى الرحل. فلمست صدري فإذا عقدي من جزع ظفار قد انقطع. فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه. وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون لي فحملوا هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب. وهم يحسبون أني فيه.
قالت: وكانت النساء إذ ذاك خفافاً. لم يهبلن ولم يغشهن اللحم. إنما يأكلن العلقة من الطعام. فلم يستنكر القوم ثقل الهودج حين رحلوه ورفعوه. وكنت جارية حديثة (١)
стр. 700
السن فبعثوا الجمل وساروا. ووجدت عقدي بعد ما استمر الجيش. فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب. فتيممت منزلي الذي كنت فيه. وظننت أن القوم سيفقدوني فيرجعون إلي. فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت. وكان صفوان بن المعطل السلمي، ثم الذكواني، قد عرس من وراء الجيش فادلج. فأصبح عند منزلي. فرأى سواد إنسان نائم. فأتاني فعرفني حين رآني. وقد كان يراني قبل أني ضرب الحجاب علي. فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني. فخمرت وجهي بجلبابي. ووالله! ما يكلمني كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه. حتى أناخ راحلته فوطئ على يدها فركبتها. فانطلق يقود بي الراحلة. حتى أتينا الجيش. بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة. فهلك من هلك في شأني. وكان الذي تولى كبره. عبد الله بن أبي ابن سلول. فقدمنا المدينة. فاشتكيت، حين قدمنا المدينة، شهراً. والناس يفيضون في قول أهل الإفك. ولا أشعر بشيء من ذلك. وهو يربني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله ﷺ اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي. إنما يدخل رسول الله ﷺ فيسلم ثم يقول (١)
стр. 701
"كيف تيكم؟ " فذاك يريبني.
ولا أشعر بالشر. حتى خرجت بعد ما نقهت وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع. وهو متبرزنا. ولا نخرج إلا إلى ليل. وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريباً من بيوتنا. وأمرنا أمر العرب الأول في التنزه. وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا. فانطلقت أنا وأم مسطح، وهي بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف. وأمها ابنة صخر بن عامر، خالة أبي بكر الصديق. وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب. فأقبلت أنا وبنت أبي رهم قبل بيتي. حين فرغنا من شأننا. فعثرت أم مسطح في مرطها. فقالت: تعس مسطح. فقلت لها: بئس ما قلت. أتسبين رجلاً قد شهد بدراً. قالت: أي هنتاه! أو لم تسمعي ما قال؟ قلت: وماذا قال؟ قالت، فأخبرتني بقول أهل الإفك. فازددت مرضاً إلى مرضي. فلما رجعت إلى بيتي، فدخل علي رسول الله ﷺ : فسلم ثم قال "كيف تيكم؟ " قلت: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ قالت، وأنا حينئذ أريد أن أتيقن الخبر من قبلهما. فأذن لي رسول الله ﷺ . فجئت أبوي فقلت لأمي: يا أمتاه! ما يتحدث الناس؟ فقالت: يا بنية! هوني عليك. فوالله! لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها، ولها ضرائر، إلا كثرن عليها. قالت قلت: سبحان الله! وقد تحدث الناس (١)
стр. 702
بهذا؟ قالت، فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم. ثم أصبحت أبكي. ودعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي. يستشيرهما في فراق أهله. قالت: فأما أسامة بن زيد فأشار على رسول الله ﷺ بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم في نفسه لهم من الود فقال: يا رسول الله! هم أهلك ولا نعلم إلا خيراً. وأما علي بن أبي طالب فقال: لم يضيق الله عليك. والنساء سواها كثير. وإن تسأل الجارية تصدقك. قالت فدعا رسول الله ﷺ بريرة فقال "أي بريرة! هل رأيت من شيء يريبك من عائشة؟ " قالت له بريرة: والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمراً قط أغمصه عليها، أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن فتأكله. قالت: فقام رسول الله ﷺ على المنبر. فاستعذر من عبد الله بن أبي، ابن سلول. قالت: فقال رسول الله ﷺ وهو على المنبر: (١)
стр. 703
"يا معشر المسلمين! من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهل بيتي. فوالله! ما علمت على أهلي إلا خيراً. ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً. وما كان يدخل على أهلي إلا معي" فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: أنا أعذرك منه. يا رسول الله! إن كان من الأوس ضربنا عنقه. وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك قالت: فقام سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج، وكان رجلاً صالحاً. ولكن اجتهلته الحمية. فقال لسعد بن معاذ: كذبت. لعمر الله! لا تقتله ولا تقدر على قتله. فقام أسيد بن حضير، وهو ابن عم سعد بن معاذ، فقال لسعد بن عبادة: كذبت. لعمر الله! لنقتلنه. فإنك منافق تجادل عن المنافقين. فثار الحيان الأوس والخنزرج. حتى هموا أن يقتتلوا. ورسول الله ﷺ قائم على المنبر. فلم يزل رسول الله ﷺ يخفضهم حتى سكتوا وسكت. قالت: وبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم ثم بكيت ليلتي المقبلة لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم. وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي فبينما هما جالسان عندي، وأنا أبكي، استأذنت علي امرأة من الأنصار فأذنت لها. فجلست تبكي. قالت: فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله ﷺ . فسلم ثم جلس: ولم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل. وقد لبث شهراً لا (١)
стр. 704
يوحى إليه في شأني بشيء. قالت: فتشهد رسول الله ﷺ حين جلس ثم قال: "أما بعد. يا عائشة! فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا. فإن كنت بريئة فسيبرئك الله. وإن كنت ألممت بذنب. فاستغفري الله وتوبي إليه. فإن العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب، تاب الله عليه" قالت: فلما قضى رسول الله ﷺ مقالته، قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة. فقلت لأبي: أجب عني رسول الله ﷺ فيما قال. فقال: والله! ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ . فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله ﷺ . فقالت: والله! ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ . فقلت، وأنا جارية حديثة السن، لا أقرأ كثيراً من القرآن: إني، والله! لقد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا حتى استقر في نفوسكم وصدقتم به. فإن قلت لكم إني بريئة، والله يعلم أني بريئة، لا تصدقوني بذلك. ولئن اعترفت لكم بأمر، والله يعلم أني بريئة، لتصدقونني. وإني، والله! ما أجد لي ولكم مثلاً إلا كما قال أبو يوسف: فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون.
قالت: ثم تحولت فاضجعت على فراشي. قالت وأنا، والله! حينئذ أعلم أني بريئة. وأن الله مبرئي ببراءتي. ولكن، والله! ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي (١)
стр. 705
يتلى. ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله في بأمر يتلى. ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في النوم رويا يبرئني الله بها. قالت: فوالله: ما رام رسول الله ﷺ مجلسه، ولا خرج من أهل البيت أحد، حتى أنزل الله على نبيه ﷺ . فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي. حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق، في اليوم الشات، من ثقل القول الذي أنزل عليه. قالت: فلما سري عن رسول الله ﷺ ، وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال: "أبشري يا عائشة! أما الله فقد برأك" فقالت لي أمي: قومي إليه. فقلت: والله! لا أقوم إليه. ولا أحمد إلا الله. هو الذي أنزل براءتي. قالت: فأنزل الله (إن الذين جاؤا بالإفك عصبة منكم) (١) عشر آيات. فأنزل الله هؤلاء الآيات براءتي. قالت: فقال أبو بكر وكان ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره: والله! لا أنفق عليه شيئاً أبداً. بعد الذي قال لعائشة. فأنزل الله (ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى) (٢) على قوله (ألا تحبون أن يغفر الله لكم).