"كيف تيكم؟ " فذاك يريبني.
ولا أشعر بالشر. حتى خرجت بعد ما نقهت وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع. وهو متبرزنا. ولا نخرج إلا إلى ليل. وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريباً من بيوتنا. وأمرنا أمر العرب الأول في التنزه. وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا. فانطلقت أنا وأم مسطح، وهي بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف. وأمها ابنة صخر بن عامر، خالة أبي بكر الصديق. وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب. فأقبلت أنا وبنت أبي رهم قبل بيتي. حين فرغنا من شأننا. فعثرت أم مسطح في مرطها. فقالت: تعس مسطح. فقلت لها: بئس ما قلت. أتسبين رجلاً قد شهد بدراً. قالت: أي هنتاه! أو لم تسمعي ما قال؟ قلت: وماذا قال؟ قالت، فأخبرتني بقول أهل الإفك. فازددت مرضاً إلى مرضي. فلما رجعت إلى بيتي، فدخل علي رسول الله ﷺ : فسلم ثم قال "كيف تيكم؟ " قلت: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ قالت، وأنا حينئذ أريد أن أتيقن الخبر من قبلهما. فأذن لي رسول الله ﷺ . فجئت أبوي فقلت لأمي: يا أمتاه! ما يتحدث الناس؟ فقالت: يا بنية! هوني عليك. فوالله! لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها، ولها ضرائر، إلا كثرن عليها. قالت قلت: سبحان الله! وقد تحدث الناس (١)
стр. 702
بهذا؟ قالت، فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم. ثم أصبحت أبكي. ودعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي. يستشيرهما في فراق أهله. قالت: فأما أسامة بن زيد فأشار على رسول الله ﷺ بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم في نفسه لهم من الود فقال: يا رسول الله! هم أهلك ولا نعلم إلا خيراً. وأما علي بن أبي طالب فقال: لم يضيق الله عليك. والنساء سواها كثير. وإن تسأل الجارية تصدقك. قالت فدعا رسول الله ﷺ بريرة فقال "أي بريرة! هل رأيت من شيء يريبك من عائشة؟ " قالت له بريرة: والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمراً قط أغمصه عليها، أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن فتأكله. قالت: فقام رسول الله ﷺ على المنبر. فاستعذر من عبد الله بن أبي، ابن سلول. قالت: فقال رسول الله ﷺ وهو على المنبر: (١)
стр. 703
"يا معشر المسلمين! من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهل بيتي. فوالله! ما علمت على أهلي إلا خيراً. ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً. وما كان يدخل على أهلي إلا معي" فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: أنا أعذرك منه. يا رسول الله! إن كان من الأوس ضربنا عنقه. وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك قالت: فقام سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج، وكان رجلاً صالحاً. ولكن اجتهلته الحمية. فقال لسعد بن معاذ: كذبت. لعمر الله! لا تقتله ولا تقدر على قتله. فقام أسيد بن حضير، وهو ابن عم سعد بن معاذ، فقال لسعد بن عبادة: كذبت. لعمر الله! لنقتلنه. فإنك منافق تجادل عن المنافقين. فثار الحيان الأوس والخنزرج. حتى هموا أن يقتتلوا. ورسول الله ﷺ قائم على المنبر. فلم يزل رسول الله ﷺ يخفضهم حتى سكتوا وسكت. قالت: وبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم ثم بكيت ليلتي المقبلة لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم. وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي فبينما هما جالسان عندي، وأنا أبكي، استأذنت علي امرأة من الأنصار فأذنت لها. فجلست تبكي. قالت: فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله ﷺ . فسلم ثم جلس: ولم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل. وقد لبث شهراً لا (١)
стр. 704
يوحى إليه في شأني بشيء. قالت: فتشهد رسول الله ﷺ حين جلس ثم قال: "أما بعد. يا عائشة! فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا. فإن كنت بريئة فسيبرئك الله. وإن كنت ألممت بذنب. فاستغفري الله وتوبي إليه. فإن العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب، تاب الله عليه" قالت: فلما قضى رسول الله ﷺ مقالته، قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة. فقلت لأبي: أجب عني رسول الله ﷺ فيما قال. فقال: والله! ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ . فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله ﷺ . فقالت: والله! ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ . فقلت، وأنا جارية حديثة السن، لا أقرأ كثيراً من القرآن: إني، والله! لقد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا حتى استقر في نفوسكم وصدقتم به. فإن قلت لكم إني بريئة، والله يعلم أني بريئة، لا تصدقوني بذلك. ولئن اعترفت لكم بأمر، والله يعلم أني بريئة، لتصدقونني. وإني، والله! ما أجد لي ولكم مثلاً إلا كما قال أبو يوسف: فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون.
قالت: ثم تحولت فاضجعت على فراشي. قالت وأنا، والله! حينئذ أعلم أني بريئة. وأن الله مبرئي ببراءتي. ولكن، والله! ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي (١)
стр. 705
يتلى. ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله في بأمر يتلى. ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في النوم رويا يبرئني الله بها. قالت: فوالله: ما رام رسول الله ﷺ مجلسه، ولا خرج من أهل البيت أحد، حتى أنزل الله على نبيه ﷺ . فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي. حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق، في اليوم الشات، من ثقل القول الذي أنزل عليه. قالت: فلما سري عن رسول الله ﷺ ، وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال: "أبشري يا عائشة! أما الله فقد برأك" فقالت لي أمي: قومي إليه. فقلت: والله! لا أقوم إليه. ولا أحمد إلا الله. هو الذي أنزل براءتي. قالت: فأنزل الله (إن الذين جاؤا بالإفك عصبة منكم) (١) عشر آيات. فأنزل الله هؤلاء الآيات براءتي. قالت: فقال أبو بكر وكان ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره: والله! لا أنفق عليه شيئاً أبداً. بعد الذي قال لعائشة. فأنزل الله (ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى) (٢) على قوله (ألا تحبون أن يغفر الله لكم).
стр. 706
قال حبان بن موسى: قال عبد الله بن المبارك: هذه أرجى آية في كتاب الله.
فقال أبو بكر: والله! إني لأحب أني غفر الله لي. فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه. وقال: لا أنزعها منه أبداً.
قالت عائشة: وكان رسول الله ﷺ سأل زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ عن أمري: "ما علمت؟ أو ما رأيت؟ " فقالت: يا رسول الله! أحمي سمعي وبصري. والله! ما علمت إلا خيراً.
قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي ﷺ . فعصمها الله بالورع. وطفقت أختها حمنة بنت جحش تحارب لها. فهلكت فيمن هلك.
قال الزهري: فهذا ما انتهى إلينا من أمر هؤلاء الرهط.
ومن رواياته (١): قالت عائشة: والله إن الرجل الذي قيل له ما قيل ليقول: سبحان الله فوالذي نفسي بيده ما كشفت من كنف أنثى قط، قالت: ثم قتل بعد ذلك في سبيل الله.
ومنها (٢): قام رسول الله ﷺ في خطيباً فتشهد ثم قال: "أما بعد فأشيروا علي في أناس أبنوا أهلي، وأيم الله ما علمت على أهلي من سوء قط، وأبنوهم بمن والله ما علمت عليه
стр. 707
من سوء قط ولا دخل بيتي قط إلا وأنا حاضر، ولا غبت في سفر إلا غاب معي".
فقام سعد بن معاذ بنحوه* وفيه: فلما كان مساء ذلك اليوم خرجت لبعض حاجتي ومعي أم مسطح، فعثرت، وقالت: تعس مسطح، فقلت لها: أي أم أتسبين ابنك؟ فسكتت، ثم عثرت الثانية فقالت: تعس مسطح، فقلت لها: أي أم أتسبين ابنك؟ فسكتت، ثم عثرت الثالثة فقالت: تعس مسطح، فانتهرتها، فقالت: والله ما أسبه إلا فيك، فقلت: في أي شأني؟ فبقرت لي الحديث فقلت: وقد كان هذا؟ قالت: نعم والله فرجعت إلى بيتي كأن الذي خرجت له لا أجد منه قليلاً ولا كثيراً ووعكت* وفيه: وبكيت فسمع أبو بكر صوتي وهو فوق البيت يقرأ فنزل فقال لأمي: ما شأنها؟ فقالت: بلغها الذي ذكر من شأنها، ففاضت عيناه، وقال: أقسمت عليك يا بنية إلا رجعت إلى بيتك فرجعت، ولقد جاء رسول الله ﷺ بيتي، فسأل عني خادمي، فقالت: لا والله ما علمت عليها عيباً إلا أنها كانت ترقد حتى تدخل الشاة فتأكل خبزها أو عجينها، وانتهرها بعض أصحابه فقال: اصدقي رسول الله ﷺ حتى أسقطوا لها به، فقالت: سبحان الله والله ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر* وفيه فأصبح أبواي عندي فلم يزالا حتى دخل رسول الله ﷺ بنحوه* وفيه: والتمست اسم يعقوب فلم أقدر عليه إلا أبا يوسف * وفيه: أبشري يا عائشة فقد أنزل الله براءتك، قالت: وكنت أشد ما كنت غضباً، فقال لي أبواي: قومي إليه فقلت: لا والله لا أقوم إليه ولا أحمده ولا
стр. 708
أحمدكما ولكن أحمد الله الذي أنزل براءتي لقد سمعتموه فما أنكرتموه ولا غيرتموه.
ومنها (١): قال الزهري: قال لي الوليد بن عبد الملك: أبلغك أن علياً كان فيمن قذف عائشة؟ قلت: لا، ولكن قد أخبرني رجلان من قومك أبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو بكر ابن عبد الرحمن بن الحارث أن عائشة قالت لهما: كان علي مسلماً في شأنها.
ومنها (٢): أنه لم يسم من أهل الإفك إلا ابن أبي، وحسان ومسطح وحمنة وأن عائشة كانت تكره أن يسب عندها حسان وتقول: إنه الذي قال:
فإن أبي ووالدتي وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء
ومنها (٣): قال مسروق: دخلت على عائشة وعندها حسان بن ثابت ينشدها شعراً يشبب بأبيات له، فقال: حصان رزان ما تزن بريبة * وتصبح غرثي من لحوم الغوفل فقالت له عائشة: لكنك لست كذلك، قال مسروق: فقلت: لم تأذنين له أن يدخل عليك وقد قال الله تعالى: (والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم) (٤) فقالت: فأي عذاب أشد من العمى؟ إنه كان ينافح أو يهاجي عن رسول الله ﷺ .
стр. 709
وللبخاري (١) عن أم رومان: بينا أنا قاعدة وعائشة إذ ولجت امرأة من الأنصار فقالت: فعل الله بفلان وفعل بفلان، فقالت أم رومان: وما ذاك؟ قالت: ابني فيمن حدث الحديث، قالت: وما ذاك؟ قالت: كذا وكذا، قالت عائشة: سمع رسول الله ﷺ ؟ قالت: نعم، قالت: وأبو بكر؟ قالت: نعم، فخرت مغشياً عليها، فما أفاقت إلا عليها حمى بنافض، فطرحت عليها ثيابها فغطيتها، فجاء رسول الله ﷺ فقال "ما شأن هذه" قلت: يا رسول الله، أخذتها الحمى بنافض، قال: "فلعل في حديث تحدث به؟ " قالت: نعم، فقعدت عائشة فقالت: والله لئن حلفت لا تصدقوني، ولئن قلت لا تعذروني، مثلي ومثلكم كيعقوب وبنيه، والله المستعان على ما تصفون، بنحوه.
فوائد من حديث الإفك
قال محقق الجامع: قال العلماء: في هذا الحديث من الفوائد:
جواز الحديث عن جماعة ملفقاً مجملاً. وفيه مشروعية القرعة حتى بين النساء، وفي المسافرة بهن، والسفر بالنساء حتى في الغزو. وجواز حكاية ما وقع للمرء من الفضل ولو كان فيه مدح ناس وذم ناس إذا تضمن ذلك إزالة توهم النقص عن الحاكي إذا كان بريئاً عند قصد نصح من يبلغه ذلك لئلا يقع فيما وقع فيه من سبق، وأن الاعتناء بالسلامة من وقوع الغير في الإثم أولى من تركه يقع في الإثم، وتحصيل الأجر للموقوع فيه، وفيه استعمال التوطئة فيما يحتاج إليه من الكلام، وأن الهودج يقوم مقام البيت في حجب المرأة وجواز ركوب المرأة الهودج على ظهر البعير، ولو كان ذلك مما يشق عليه حيث يكون مطيقاً لذلك. وفيه خدمة الأجانب للمرأة من وراء الحجاب، وجواز تستر المرأة بالشيء المنفصل عن البدن، وتوجه المرأة لقضاء حاجتها وحدها وبغير إذن خاص من زوجها، بل اعتماداً على الإذن العام المستند إلى العرف العام، وجواز تحلي المرأة في السفر بالقلادة ونحوها، وصيانة المال ولو قل للنهي عن إضاعة المال، فإن عقد عائشة لم يكن من ذهب ولا
стр. 710
جوهر، وفيه شؤم الحرص على المال لأنها لو لم تظل في التفتيش لرجعت بسرعة. فلما زاد على قدر الحاجة أثر ما جرى. وتوقف رحيل الجند على إذن الأمير، والاسترجاع عند المصيبة، وتغطية المرأة وجهها عن نظر الأجنبي، وإغاثة الملهوف، وعون المنقطع، وإنقاذ الضائع، وإكرام ذوي القدر وإيثارهم بالركوب، وتجشم المشقة لأجل ذلك، وحسن الأدب مع الأجانب خصوصاً النساء، ولا سيما في الخلوة، والمشي أمام المرأة ليستقر خاطرها وتأمن مما يتوهم من نظره لما عساه ينكشف منها في حركة المشي، وفيه ملاطفة الزوجة وحسن معاشرتها، والتقصير من ذلك عند إشاعة ما يقتضي النقص وإن لم يتحقق، وفائدة ذلك أن تتفطن لتغير الحال فتعتذر أو تعترف، وأنه لا ينبغي لهل المريض أن يعلموه بما يؤذي باطنه لئلا يزيد ذلك في مرضه، وفيه السؤال عن المريض والإشارة إلى مراتب الهجران بالكلام والملاطفة، وفيه أن المرأة إذا خرجت لحاجة تستصحب من يؤنسها أو يخدمها ممن يؤمن عليها، وفيه ذب المسلم عن المسلم خصوصاً من كان من أهل الفضل، وردع من يؤذيهم ولو كان منهم بسبيل، وبيان مزيد فضيلة أهل بدر. وفيه البحث عن الأمر القبيح إذا أشيع، وتعرف صحته وفساده بالتنقيب على من قيل منه، واستصحاب حال من اتهم بسوء إذا كان قبل ذلك معروفاً بالخير إذا لم يظهر عنه بالبحث ما يخالف ذلك، وفيه فضيلة قوية لأم مسطح لأنها لم تحاب ولدها في وقوعه في حق عائشة، بل تعمدت سبه على ذلك، وفيه مشروعية التسبيح عند سماع ما يعتقد السامع أنه كذب، وفيه توقف خروج المرأة من بيتها على إذن زوجها ولو كانت إلى أبويها، وفيه البحث عن الأمر المقول ممن يدل عليه المقول فيه، والتوقف في خبر الواحد ولو كان صادقاً، وطلب الارتقاء من مرتبة الظن إلى مرتبة اليقين، وأن خبر الواحد إذا جاء شيئاً بعد شيء أفاد القطع، لقول عائشة: لأستيقن الخبر من قبلهما، وأن ذلك لا يتوقف على عدد معين، وفيه استشارة المرء أهل بطانته ممن يلوذ به بقرابة وغيرها، وتخصيص من جربت صحة رأيه منهم بذلك ولو كان غيره أقرب، والبحث عن حال من اتهم بشيء، وحكاية ذلك للكشف عن أمره، ولا يعد ذلك غيبة، وفيه استعمال "لا نعلم إلا خيراً" في التزكية، وأن ذلك كاف في حق من سبقت عدالته ممن يطلع على خفي أمره، وفيه التثبت في الشهادة، وفطنة الإمام عند الحادث المهم، والاستنصار بالأخصاء على الأجانب، وتوطئة العذر لمن يراد إيقاع العقاب
стр. 711
به أو العتاب له، واستشارة الأعلى لمن هو دونه، وأن من استفسر عن حال شخص فأراد بيان ما فيه من عيب فليقدم ذكر عذره في ذلك إن كان يعلم، كما قالت بريرة في عائشة حيث عابتها بالنوم عن العجين فقدمت قبل ذلك أنها جارية حديثة السن، وفيه أن النبي ﷺ كان لا يحكم لنفسه إلا بعد نزول الوحي، لأنه ﷺ لم يجزم في القصة بشيء قبل نزول الوحي، وأن الحمية لله ورسوله لا تذم، وفيه فضائل جمة لعائشة ولأبويها ولصفوان ولعلي ابن أبي طالب وأسامة وسعد بن معاذ وأسيد بن حضير، وفيه أن التعصب لأهل الباطل يخرج عن اسم الصلاح، وجواز سب من يتعرض للباطل، ونسبته إلى ما يسوؤه وإن لم يكن ذلك في الحقيقة فيه، وإطلاق الكذب على الخطأ، والقسم بلفظ (لعمر الله) وفيه الندب إلى قطع الخصومة وتسكين ثائرة الفتنة، وسد ذريعة ذلك. واحتمال أخف الضررين بزوال أغلظهما، وفضل احتمال الأذى، وفيه مباعدة من خالف الرسول ولو كان قريباً حميماً، وفيه أن من آذى النبي ﷺ بقول أو فعل يقتل، لأن سعد بن معاذ أطلق ذلك ولم ينكره النبي ﷺ ، وفيه مساعدة من نزلت فيه بلية بالتوجع والبكاء والحزن، وفيه تثبت أبي بكر الصديق في الأمور لأنه لم ينقل عنه في هذه القصة مع تمادي الحال فيها شهراً كلمة فما فوقها، وفيه ابتداء الكلام في الأمر المهم بالتشهد والحمد والثناء وقول: (أما بعد)، وتوقيف من نقل عنه ذنب على ما قيل فيه بعد البحث عنه، وأن قول: (كذا وكذا) يكنى بها عن الأحوال كما يكنى بها عن الأعداد ولا تختص بالأعداد، وفيه مشروعية التوبة، وأنها تقبل من المعترف المقلع المخلص، وأن مجرد الاعتراف لا يجزئ فيها، وأن الاعتراف بما لم يقع لا يجوز ولو عرف أنه يصدق في ذلك، ولا يؤاخذ على ما يترتب على اعترافه، بل عليه أن يقول الحق أو يسكت، وأن الصبر تحمد عاقبته ويغبط صاحبه، وفيه تقديم الكبير في الكلام، وتوقف من اشتبه عليه الأمر في الكلام، وفيه تبشير من تجددت له نعمة، أو اندفعت عنه نقمة، وفيه الضحك والفرح والاستبشار عند ذلك، ومعذرة من انزعج عند وقوع الشدة لصغر سن ونحوه وإدلال المرأة على زوجها وأبويها، وتدريج من وقع في مصيبة فزالت عنه لئلا يهجم على قلبه الفرح من أول وهلة فيهلكه، وفيه أن الشدة إذا اشتدت أعقبها الفرج، وفضل من يفوض الأمر لربه، وأن من قوي على ذلك خف عنه الهم والغم، وفيه الحث على الإنفاق في سبيل الخير خصوصاً في صلة الرحم، ووقوع المغفرة
стр. 712
لمن أحسن إلى من أساء إليه أو صفح عنه، وأن من حلف أن لا يفعل شيئاً من الخير استحب له الحنث، وجواز الاستشهاد بآي القرآن في النوازل، والتأسي بما وقع للأكابر من الأنبياء وغيرهم، وفيه التسبيح عند التعجب واستعظام الأمر، وذم الغيبة وذم سماعها، وزجر من يتعاطاها لاسيما إن تضمنت تهمة المؤمن بما لم يقع منه، وذم إشاعة الفاحشة وتحريم الشك في براءة عائشة ﵂.
وقال الزمخشري: لم يقع في القرآن من التغليظ في معصية ما وقع في قصة الإفك بأوجز عبارة وأشبعها، لاشتماله على الوعيد الشديد، والعقاب البليغ، والزجر العنيف، واستعظام القول في ذلك، واستشناعه بطرق مختلفة، وأساليب متقنة، كل واحد منها كاف في بابه، بل ما وقع من وعيد عبدة الأوثان، إلا بما هو دون ذلك، وما ذاك إلا لإظهار علو منزلة رسول الله ﷺ وتطهير من هو منه بسبيل. أهـ.
تحقيق حول وجود سعد بن معاذ في قصة الإفك:
وحول ورود ذكر سعد بن معاذ في حادثة الإفك قال ابن حجر في الفتح:
قوله (فقال سعد بن معاذ الأنصاري) كذا هنا وفي رواية معمر وأكثر أصحاب الزهري، ووقع في رواية صالح بن كيسان "فقام سعد أخو بني عبد الأشهل" وفي رواية فليح "فقام سعد" ولم ينسبه، وقد تعين أنه سعد بن معاذ لما وقع في رواية الباب وغيره. وأما قول شيخ شيوخنا القطب الحلبي: وقع في نسخة سماعنا "فقام سعد بن معاذ" وفي موضع آخر "فقام سعد أخو بني عبد الأشهل" فيحتمل أن يكون آخر غير سعد بن معاذ، فإن في بني عبد الأشهل جماعة من الصحابة يسمى كل منهم سعداً، منهم سعد بن زيد الأشهلي شهد بدراً وكان على سبايا قريظة الذين بيعوا بنجد، وله ذكر في عدة أخبار منها في خطبة النبي ﷺ في مرض وفاته، قال فيحتمل أن يكون هو المتكلم في قصة الإفك. قلت: وحمله على ذلك ما حكاه عياض وغيره من الإشكال في ذكر سعد بن معاذ في هذه القصة، والذي جوزه مردود بالتصريح بسعد بن معاذ في هذه الرواية الثالثة، فأذكر كلام عياض وما تيسر من الجواب عنه، قال عياض: في ذكر سعد بن معاذ في هذا الحديث
стр. 713
إشكال لم يتكلم الناس عليه ونبهنا عليه بعض شيوخنا، وذلك أن الإفك كان في المريسيع وكانت سنة ست فيما ذكر ابن إسحاق؛ وسعد بن معاذ مات من الرمية التي رميها بالخندق فدعا الله فأبقاه حتى حكم في بني قريظة ثم انفجر جرحه فمات منها، وكان ذلك سنة أربع عند الجميع إلا ما زعم الواقدي أن ذلك كان سنة خمس، قال: وعلى كل تقدير فلا يصح ذكر سعد بن معاذ في هذه القصة، والأشبه أنه غيره، ولهذا لم يذكره ابن إسحاق في روايته، وجعل المراجعة أولاً وثانياً بين أسيد بن حضير وبين سعد بن عبادة، قال: وقال لي بعض شيوخنا: يصح أن يكون سعد موجوداً في المريسيع بناء على الاختلاف في تاريخ غزوة المريسيع، وقد حكى البخاري عن موسى بن عقبة أنها كانت سنة أربع، وكذلك الخندق كانت سنة أربع، فيصح أن تكون المريسيع قبلها لأن ابن إسحاق جزم بأن المريسيع كانت في شعبان وأن الخندق كانت في شوال، فإن كانا من سنة واحدة استقام أن تكون المريسيع قبل الخندق فلا يمتنع أن يشهدها سعد بن معاذ انتهى.
وقد قدمنا في المغازي أن الصحيح في النقل عن موسى بن عقبة أن المريسيع كانت سنة خمس وأن الذي نقله عنه البخاري من أنها سنة أربع سبق قلم، نعم والراجح أن الخندق أيضاً كانت في سنة خمس خلافاً لابن إسحاق فيصح الجواب المذكور. وممن جزم بأن المريسيع سنة خمس الطبري، لكن يعكر على هذا شيء لم يتعرضوا له أصلاً، وذلك أن ابن عمر ذكر أنه كان معهم في غزوة بني المصطلق وهو المريسيع كما تقدم من حديثه في المغازي، وثبت في الصحيحين أيضاً أنه عرض في يوم أحد فلم يجزه النبي ﷺ وعرض في الخندق فأجازه، فإذا كان أول مشاهده الخندق وقد ثبت أنه شهد المريسيع لزم أن تكون المريسيع بعد الخندق فيعود الإشكال، ويمكن الجواب بأنه لا يلزم من كون ابن عمر كان معهم في غزوة بني المصطلق أن يكون أجيز في القتال، فقد يكون صحب أباه ولم يباشر القتال كما ثبت عن جابر أنه كان يمنح الماء لأصحابه يوم بدر وهو لم يشهد بدراً باتفاق. وقد سلك البيهقي في أصل الإشكال جواباً آخر بناءً على أن الخندق قبل المريسيع فقال: يجوز أن يكون جرح سعد بن معاذ لم ينفجر عقب الفراغ من بني قريظة بل تأخر زماناً ثم انفجر بعد ذلك وتكون مراجعته في قصة الإفك في أثناء ذلك، ولعله لم يشهد غزوة المريسيع
стр. 714
لمرضه، وليس ذلك مانعاً له أن يجيب النبي ﷺ في قصة الإفك بما أجابه، وأما دعوى عياض أن الذين تقدموا لم يتكلموا على الإشكال المذكور فما أدري من الذين عناهم، فقد تعرض له من القدماء إسماعيل القاضي فقال: الأولى أن تكون المريسيع قبل الخندق للحديث الصحيح عن عائشة، واستشكله ابن حزم لاعتقاده أن الخندق قبل المريسيع، وتعرض له ابن عبد البر فقال: رواية من روى أن سعد بن معاذ راجع في قصة الإفك سعد ابن عبادة وهم وخطأ، وإنما راجع سعد بن عبادة أسيد بن حضير كما ذكره ابن إسحاق، وهو الصحيح فإن سعد بن معاذ مات في منصرفهم من غزوة بني قريظة لا يختلفون في ذلك، فلم يدرك المريسيع ولا حضرها. وبالغ ابن العربي على عادته فقال: اتفق الرواة على أن ذكر ابن معاذ في قصة الإفك وهم، وتبعه على هذا الإطلاق القرطبي. أهـ.
٤٨٧ - * روى الطبراني عن عائشة قالت: وقعد صفوان بن المعطل لحسان بن ثابت بالسيف فضربه ضربة، فقال صفوان لحسان في الشعر حين ضربه:
تلق ذباب السيف مني فإنني ... غلام إذا هوجيت ليس بشاعر
ولكنني أحمي حماي وأنتقم ... من الباهت الرامي البراة الطواهر
ثم صاح حسان، فاستغاث الناس على صفوان، فلما جاء الناس فر صفوان، فجاء حسان إلى النبي ﷺ فاستعداه على صفوان في ضربته إياه، فسأله النبي ﷺ أن يهب له ضربة صفوان إياه فوهبها للنبي ﷺ ، فعاضه ﷺ حائطاً من نخل عظيم وجارية رومية، ويقال قبطية تدعى سيرين فولدت لحسان ابنه عبد الرحمن الشاعر.
٤٨٨ - * روى البزار عن عائشة أنه لما نزل عذرها قبل أبو بكر رأسها فقالت: ألا عذرتني؟ فقال: أي سماء تظلني أو أي أرض تقلني إن قلت ما لا أعلم.
стр. 715
٤٨٩ - * روى البزار والطبراني في الأوسط عن عائشة قالت: لما رميت به بما رميت به، أردت أن ألقي نفسي في قليب.
٢ - وفي هذه الغزوة قامت فتنة بين المهاجرين والأنصار:
٤٩٠ - * روى البخاري ومسلم عن جابر ﵁ قال: غزونا مع النبي ﷺ ، وقد ثاب معه ناس من المهاجرين حتى كثروا. وكان من المهاجرين رجل لعاب، فكسع أنصارياً، فغضب الأنصاري غضباً شديداً حتى تداعوا، وقال الأنصاري يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فخرج النبي ﷺ فقال: "ما بال دعوى أهل الجاهلية؟ " ثم قال: "ما شأنهم؟ " فأخبر بكسعة المهاجري الأنصاري قال فقال النبي ﷺ : "دعوها فإنها خبيثة" وقال عبد الله بن أبي بن سلول: أقد تداعوا علينا؟ لئن رجعنا إلى المدين ليخرجن الأعز منها الأذل، فقال عمر: ألا نقتل يا نبي الله هذا الخبيث؟ لعبد الله. فقال النبي ﷺ : "لا يتحدث الناس أنه كان يقتل أصحابه".
وفي رواية (٣): فقال له ابنه عبد الله بن عبد الله: لا تنفلت حتى تقر أنك الذليل، ورسول الله ﷺ العزيز. ففعل.
٤٩١ - * روى البخاري ومسلم عن زيد بن أرقم: خرجنا مع النبي ﷺ في
стр. 716
سفر أصاب الناس فيه شدة، فقال عبد الله بن أبي لأصحابه. لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله، وقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فأتيت النبي ﷺ فأخبرته، فأرسل إلى عبد الله بن أبي فسأله فاجتهد يمينه ما فعل، قالوا: كذب زيد رسول الله ﷺ ، فوقع في نفسي مما قالوا شدة، حتى أنزل الله تصديقى في: (إذا جاءك المنافقون) (١) فدعاهم ﷺ ليستغفر لهم فلووا رءوسهم، وقوله: (خشب مسندة) (٢) قال: كانوا رجالاً أجمل شيء.
وفي رواية (٣): غزونا مع النبي ﷺ ، وكان معنا أناس من الأعراب، فكنا نبتدر الماء، وكان الأعراب يسبقونا إليه، فسبق أعرابي أصحابه فيملأ الحوض ويجعل حوله حجارة، ويجعل النطع عليه، حتى يجيء أصحابه، قال: فأتى رجل من الأنصار أعرابياً فأرخى زمام ناقته لتشرب فأبى أن يدعه، فانتزع قباض الماء فرفع الأعرابي خشبته فضرب بها رأس الأنصاري فشجه، فأتى عبد الله بن أبي رأس المنافقين فأخبره، فغضب، عبد الله بن أبي ثم قال: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله، يعني الأعراب، وكانوا يحضرون النبي ﷺ عند الطعام، فقال عبد الله: إذا انفضوا من عند محمد فأتوا محمداً بالطعام فليأكل هو ومن معه، ثم قال لأصحابه: لئن رجعتم إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. قال زيد: وأنا ردف رسول الله ﷺ قال: فسمعت عبد الله بن أبي، فأخبرت عمي، فانطلق فأخبر رسول الله ﷺ ،
стр. 717
فأرسل إليه رسول الله ﷺ ، فحلف وجحد، فصدقه رسول الله ﷺ ، وكذبني، فجاء عمي إلي، فقال: ما أردت إلا أن مقتك رسول الله ﷺ ، وكذبك المسلمون، قال: فوقع علي من الهم ما لم يقع على أحد، قال: فبينا أنا أسير مع النبي ﷺ في سفر قد خفقت برأسي من الهم، إذ أتاني النبي ﷺ فعرك أذني، وضحك في وجهي، فما كان يسرني أن لي بها الخلد في الدنيا، ثم إن أبا بكر لحقني، فقال: ما قال لك النبي ﷺ ؟ قلت: ما قال شيئاً إلا أنه عرك أذني، وضحك في وجهي، فقال: أبشر ثم لحقني عمر، فقلت له مثل قولي لأبي بكر، فلما أصبحنا قرأ رسول الله ﷺ سورة المنافقين.
وفي رواية (١): أن ذلك في غزوة بني المصطلق.
* * *
стр. 718
فصل: في غزوة فزارة
٤٩٢ - * روى مسلم عن سلمة بن الأكوع قال: غزونا فزارة وعلينا أبو بكر أمره رسول الله ﷺ فلما كان بيننا وبين الماء ساعة أمرنا أبو بكر فعرسنا، ثم شن الغارة فورد الماء فقتل من قتل عليه وسبا، وأنظر إلى عنق من الناس فيهم الذراري، فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل، فرميت بسهم بينهم وبين الجبل، فلما رأوا السهم وقفوا، فجئت بهم أسوقهم، وفيهم امرأة من بني فزارة عليها قشع من أدم (قال: القشع النطع)، معها ابنة لها من أحسن العرب، فسقتهم حتى أتيت بهم أبا بكر فنفلني أبو بكر ابنتها، فقدمنا المدينة وما كشفت لها ثوباً، فلقيني رسول الله ﷺ في السوق فقال: "يا سلمة هب لي المرأة" فقلت: يا رسول الله والله لقد أعجبتني وما كشفت لها ثوباً، ثم لقيني من الغد في السوق، فقال لي: "يا سلمة هب لي المرأة لله أبوك" فقلت: هي لك يا رسول الله، فوالله ما كشفت لها ثوباً، فبعث بها رسول الله ﷺ إلى أهل مكة ففدى بها ناساً من المسلمين كانوا أسروا بمكة.
قال النووي: فيه جواز المفاداة وجواز فداء الرجال بالنساء الكافرات، وفيه جواز التفريق بين الأم وولدها البالغ، ولا خلاف في جوازه عندنا، وفيه جواز استيهاب الإمام أهل جيشه بعض ما غنموه ليفادي به مسلماً أو يصرفه في مصالح المسلمين أو يتألف به من في تألفه مصلحة كما فعل ﷺ هنا وفي غنائم حنين وفيه جواز قول الإنسان للآخر لله أبوك ولله درك.
وسبب هذه الغزوة أنه كان بطن فزارة يريد اغتيال النبي ﷺ فبعث رسول الله ﷺ أبا بكر فأغار عليهم وقتل واسر وسبى، وكان من شياطينهم أم قرفة التي جهزت ثلاثين فارساً من أهل بيتها لاغتيال رسول الله ﷺ فقتلوا وسبيت ابنتها، (راجع الرحيق المختوم)
стр. 719
فصل: في سرية كرز بن جابر الفهري إلى العرنيين
قال ابن كثير في البداية والنهاية:
قال الواقدي: في شوال سنة ست كانت سرية كرز بن جابر الفهري إلى العرنيين الذين قتلوا راعي رسول الله ﷺ واستاقوا النعم، فبعث رسول الله ﷺ في آثارهم كرز بن جابر في عشرين فارساً فردوهم.
٤٩٣ - * روى البخاري ومسلم عن أنس ﵁ حدثهم أن ناساً من عكل وعرينة قدموا المدينة على النبي ﷺ وتكلموا بالإسلام، فقالوا: يا نبي الله إنا كنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف، واستوخموا المدينة. فأمر لهم رسول الله ﷺ بذود وراع، وأمرهم أن يخرجوا فيه فيشربوا من ألبانها وأبوالها. فانطلقوا، حتى إذا كانوا ناحية الحرة كفروا بعد إسلامهم، وقتلوا راعي النبي ﷺ ، واستاقوا الذود. فبلغ النبي ﷺ ، فبعث الطلب في آثارهم، فأمر بهم فسمروا أعينهم وقطعوا أيديهم، وتركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا على حالهم.
وفي رواية للبخاري (١): فأتى النبي ﷺ الصريخ، فبعث الطلب في آثارهم، فما ترجل النهار حتى أتى بهم، فأمر بمسامير، فأحميت فكحلهم وقطع أيديهم وأرجلهم وما حسمهم ثم ألقوا في الحرة يستسقون، فما سقوا حتى ماتوا.
وفي رواية (٢) عن أنس قال: فلقد رأيت أحدهم يكدم الأرض بفيه عطشاً حتى ماتوا.
стр. 720
قال أبو قلابة (١): فهؤلاء قتلوا وسرقوا وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله ورسوله ﷺ .
وفي صحيح مسلم (٢) إنما سمل النبي ﷺ أعين أولئك؛ لأنهم سملوا أعين الرعاء.
* * *
стр. 721
فصل: في صلح الحديبية
١ - النصوص:
٤٩٤ - * روى البخاري عن المسور بن مخرمة ومروان - يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه - قالا: خرج رسول الله ﷺ زمن الحديبية حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي ﷺ : "إن خالد بن الوليد بالنميم في خيل لقريش طليعة، فخذوا ذات اليمين" فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش، فانطلق يركض نذيراً لقريش، وسار النبي ﷺ ، حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته، فقال الناس: حل حل. فألحت. فقالوا خلات القصواء. فقال النبي ﷺ : "ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل" ثم قال: "والذي نفسي بيده، لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها" ثم زجرها فوثبت. قال: فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء يتبرضه الناس تبرضاً، فلم يلبثه الناس حتى نزحوه، وشكي إلى رسول الله ﷺ العطش، فانتزع سهماً من كنانته،
стр. 722
ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه. فبينما هم كذلك، إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة - وكانوا عيبة نصح رسول الله ﷺ من أهل تهامة - فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية، ومعهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت. فقال رسول الله ﷺ : "إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشاً قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاءوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس، فإن أظهر فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جموا. وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، ولينفذن الله أمره" فقال بديل: سأبلغهم ما تقول. قال فانطلق حتى أتى قريشاً قال: إنا جئناكم من هذا الرجل، وسمعناه يقول قولاً، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا. فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرونا عنه بشيء. وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته يقول: قال: سمعته يقول كذا وكذا. فحدثهم بما قال النبي ﷺ . فقام عروة بن مسعود فقال: أي قوم، ألستم بالوالد؟ قالوا بلى. قال: أولست بالولد؟ قالوا: بلى. قال: فهل تتهموني؟ قالوا: لا. قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ، فلما بلحوا علي
стр. 723
جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى. قال: فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد اقبلوها ودعوني آته. قالوا ائته. فأتاه، فجعل يكلم النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ نحواً من قوله لبديل. فقال عروة عند ذلك: أي محمد، أرأيت إن استأصلت أمر قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى، فإني والله لا أرى وجوهاً، وإني لأرى أشواباً من الناس خليقاً أن يفروا ويدعوك. فقال له أبو بكر: امصص بظر اللات، أنحن نفر عنه وندعه؟ فقال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر. قال: أما والذي نفسي بيده، لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك. قال: وجعل يكلم النبي ﷺ ، فكلما تكلم كلمة أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي ﷺ ومعه السيف وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي ﷺ ، ضرب يده بنعل السيف وقال له: أخر يدك عن لحية رسول الله ﷺ . فرفع عروة رأسه فقال: من هذا؟ قال: المغيرة بن شعبة. فقال: أي غدر، ألست أسعى في غدرتك؟ وكان المغيرة صحب قوماً في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم. فقال النبي ﷺ : "أما الإسلام فأقبل وأما المال فلست منه في شيء" ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي ﷺ بعينيه. قال: فوالله ما تنخم رسول الله ﷺ نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا (١)
стр. 724
خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيماً له. فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت مليكاً قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد ﷺ محمداً، والله إن يتنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيماً له. وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها. فقال رجل من بني كنانة: دعوني آتيه فقالوا: ائته. فلما أشرف على النبي ﷺ وأصحابه قال رسول الله ﷺ : "هذا فلان، وهو من قوم يعظمون البدن، فابعثوها له" فبعثت له، واستقبله الناس يلبون. فلما رأى ذلك قال: سبحان الله، ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت. فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت، فما أرى أن يصدوا عن البيت. فقام رجل منهم يقال له: مكرز بن حفص فقال: دعوني آتهز فقالوا: ائته فلما أشرف عليهم قال النبي ﷺ : "هذا مكرز، وهو رجل فاجر" فجعل يكلم النبي ﷺ ، فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو. قال معمر: فأخبرني أيوب عن عكرمة أنه لما جاء سهيل بن عمرو قال النبي ﷺ : "قد سهل لكم من أمركم" قال معمر: قال الزهري في حديثه: فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات اكتب بيننا وبينكم كتاباً. فدعا النبي ﷺ الكاتب، فقال النبي ﷺ "بسم الله الرحمن الرحيم"، فقال سهيل: أما "الرحمن" فوالله ما أدري ما هي، ولكن اكتب: باسمك اللهم كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا "بسم الله الرحمن الرحيم"، فقال النبي ﷺ : اكتب: "باسمك اللهم". ثم قال: "هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله" فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب "محمد بن عبد الله"،
стр. 725
فقال النبي ﷺ : "والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب محمد بن عبد الله" قال الزهري: وذلك لقوله: "لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها" فقال له النبي ﷺ : "على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به" فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة، ولكن ذلك من العام المقبل، فكتب، فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل - وإن كان على دينك - إلا رددته إلينا. قال المسلمون: سبحان الله، كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلماً؟ فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده، وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده إلي. فقال النبي ﷺ : "إنا لم نقض الكتاب بعد" قال: فوالله إذاً لم أصالحك على شيء أبداً. قال النبي ﷺ : "فأجزه لي" قال: ما أنا بمجيزه لك، قال: بلى فافعل، قال: ما أنا بفاعل. قال مكرز: بل قد أجزناه لك. قال أبو جندل: أي معشر المسلمين، أرد على المشركين وقد جئت مسلماً؟ ألا ترون ما قد لقيت؟ وكان قد عذب عذاباً شديداً في الله. قال: فقال عمر بن الخطاب: فأتيت نبي الله ﷺ فقلت: ألست نبي الله حقاً؟ قال: "بلى" قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: "بلى" قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذاً؟ قال: "إني رسول الله ولست أعصيه، وهو ناصري" قلت: أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: "بلى، فأخبرتك أنا نأتيه العام؟ " قال قلت: لا. قال: "فإنك آتيه ومطوف به". قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر، أليس هذا نبي الله حقاً؟ قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذاً؟ قال: أيها الرجل إنه لرسول الله ﷺ ، وليس يعصي ربه، وهو ناصره، فاستمسك بغرزه فوالله إنه على الحق. قلت: أليس كان
стр. 726
يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به. قال الزهري: قال عمر: فعملت لذلك أعمالاً. قال: فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله ﷺ لأصحابه: "قوموا فانحروا ثم احلقوا" قال: فوالله ما قام منهم رجل، حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج، ثم لا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك. فخرج فلم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك: نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه. فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضاً، حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غماً. ثم جاءه نسوة مؤمنات، فأنزل الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن) - حتى بلغ - (بعصم الكوافر) (١) فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان والأخرى صفوان بن أمية، ثم رجع النبي ﷺ إلى المدينة، فجاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين فقالوا: العهد الذي جعلت لنا، فدفعه إلى الرجلين، فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيداً، فاستله الآخر فقال: أجل والله إنه لجيد، لقد جربت به ثم جربت به ثم جربت. فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه، فأمكنه منه، فضربه حتى برد، وفر الآخر حتى أتى المدينة، فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله ﷺ حين رآه: "لقد رأى هذا ذعراً" فلما انتهى إلى النبي ﷺ قال: قتل والله صاحبي وإني لمقتول. فجاء أبو بصير فقال: يا نبي الله، قد والله أوفى الله ذمتك قد رددتني إليهم، ثم أنجاني الله منهم. قال النبي ﷺ : "ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد" فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم؛ فخرج حتى أتى سيف البحر. قال: وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير، فجعل لا
стр. 727
يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشأم إلا اعترضوا لها. فقتلوهم وأخذوا أموالهم. فأرسلت قريش إلى النبي ﷺ تناشده الله والرحم لما أرسل فمن أتاه فهو آمن فأرسل النبي ﷺ إليهم، فأنزل الله تعالى: (وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم) حتى بلغ (الحمية حمية الجاهلية) (١) وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبي الله، ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينهم وبين البيت.
وقال عقيل عن الزهري: (٢) "قال عروة: فأخبرتني عائشة أن رسول الله ﷺ كان يمتحنهن. وبلغنا أنه لما أنزل الله تعالى أن يردوا إلى المشركين ما أنفقوا على من هاجر من أزواجهم، وحكم على المسلمين أن لا يمسكوا بعصم الكوافر، أن عمر طلق امرأتين - قريبة بنت أبي أمية. وابنة جرول الخزاعي فتزوج قريبة معاوية وتزوج الأخرى أبو جهم. فلما أبى الكفار أن يقروا بأداء ما أنفق المسلمون على أزواجهم أنزل الله تعالى: (وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم) (٣) والعقب ما يؤدي المسلمون إلى من هاجرت امرأته من الكفار، فأمر أن يعطى من ذهب له زوج من المسلمين ما أنفق من صداق نساء الكفار اللائي هاجرن، وما نعلم أحداً من المهاجرات ارتدت بعد إيمانها. وبلغنا أن أبا بصير بن أسيد الثقفي قدم على النبي ﷺ مؤمناً مهاجراً في المدة، فكتب الأخنس بن شريق إلى النبي ﷺ يسأله أبا بصير" فذكر الحديث.
وأخرج أبو داود (٤) أيضاً عن المسور ومروان: "أنهم اصطلحوا على وضع الحرب عشر سنين، يأمن فيهن الناس، وعلى أن بيننا عيبة مكفوفة وأنه لا إسلال ولا إغلال".
стр. 728
وذكر رزين في رواية زيادة في حديث البخاري بعد قوله: اكتب: باسمك اللهم" قال: وفي رواية قال رسول الله ﷺ : "اكتب الشرط بيننا وبينهم: بسم الله الرحمن الرحيم .. " وذكر مثل ما تقدم. وزاد بعد قوله: "كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلماً؟ " قال: وفي رواية زيادة "فكيف نكتب هذا؟ قال: رسول الله ﷺ : "نعم، من ذهب منا إليهم أبعده الله، ومن جاءنا منهم ورددناه: سيجعل الله له فرجاً" وزاد بعد قوله: "وقد كان عذب عذاباً شديداً في الله" قال: "فقال عمر بن الخطاب: فأمكنت يده من السيف ليضرب به أباه، فضن به، وعلم بذلك رسول الله ﷺ ، فقال لي: يا عمر، لعله أن يقوم في الله مقاماً يحمده عليه".
قال في الفتح:
قال المحب الطبري: الحديبية: قرية قريبة من مكة أكثرها في الحرم، ووقع في رواية ابن إسحاق في المغازي عن الزهري "خرج عام الحديبية يريد زيارة البيت لا يريد قتالاً" ووقع عند ابن سعد "أنه ﷺ خرج يوم الاثنين لهلال ذي القعدة"، زاد سفيان عن الزهري في الرواية الآتية في المغازي وكذا في رواية أحمد عن عبد الرزاق "في بضع عشرة مائة، فلما أتى ذا الحليفة قلد الهدي وأشعره وأحرم منها بعمرة، وبعث عينا له من خزاعة" وروى عبد العزيز الإمامي عن الزهري في هذا الحديث عند ابن أبي شيبة "خرج ﷺ في ألف وثمانمائة، وبعث عينا له من خزاعة يدعى ناجية يأتيه بخبر قريش" كذا سماه ناجية، والمعروف أن ناجية اسم الذي بعث معه الهدى كما صرح به ابن إسحق وغيره، وأما الذي بعثه عينا لخبر قريش فاسمه بسر بن سفيان كذا سماه ابن إسحق، وهو بضم الموحدة وسكون المهملة على الصحيح، وسأذكر الخلاف في عدد أهل الحديبية في المغازي إن شاء الله تعالى. قوله: (حتى إذا كانوا ببعض الطريق) اختصر المصنف صدر هذا الحديث
стр. 729
الطويل مع أنه لم يسقه بطوله إلا في هذا الموضع، وبقيته عنده في المغازي من طريق سفيان بن عيينة عن الزهري قال: "ونبأنيه معمر عن الزهري: وسار النبي ﷺ حتى كان بغدير الأشطاط أتاه عينه فقال: إن قريشاً جمعوا جموعاً وقد جمعوا لك الأحابيش، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ومانعوك. فقال: "أشيروا أيها الناس علي، أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت، فإن يأتونا كان الله قد قطع عيناً من المشركين، وإلا تركناهم محروبين" قال أبو بكر: يا رسول الله خرجت عامداً لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد، فتوجه له، فمن صدنا عنه قاتلناه. قال: "امضوا على اسم الله" إلى ههنا ساق البخاري في المغازي من هذا الوجه، وزاد أحمد عن عبد الرزاق وساقه ابن حبان من طريقه قال: "قال معمر قال الزهري: وكان أبو هريرة يقول: ما رأيت أحداً قط كان أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله ﷺ اهـ" وهذا القدر حذفه البخاري لإرساله لأن الزهري لم يسمع من أبي هريرة، وفي رواية أحمد المذكورة "حتى إذا كانوا بغدير الأشطاط قريباً من عسفان اهـ" وغدير بفتح الغين المعجمة والأشطاط بشين معجمة وطاءين مهملتين جمع شط وهو جانب الوادي كذا جزم به صاحب "المشارق"، ووقع في بعض نسخ أبي ذر بالظاء المعجمة فيهما، وفي رواية أحمد أيضاً: "أترون أن نميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم فإن قعدوا قعدوا موتورين محروبين، وإن يجيئوا تكن عنقاً قطعها الله" ونحوه لابن إسحاق في روايته في المغازي عن الزهري، والمراد أنه ﷺ استشار أصحابه هل يخالف الذين نصروا قريشاً إلى مواضعهم فيسبي أهلهم، فإن جاءوا إلى نصرهم اشتغلوا بهم وانفرد هو وأصحابه بقريش، وذلك المراد بقوله "تكن عنقاً قطعها الله" فأشار عليه أبو بكر الصديق بترك القتال والاستمرار على ما خرج له من العمرة حتى يكون بدء القتال منهم فرجع إلى رأيه. وزاد أحمد في روايته "فقال أبو بكر: الله ورسوله أعلم. يا نبي الله، إنما جئنا معتمرين إلخ" والأحابيش بالحاء المهملة والموحدة وآخره معجمة واحدها أحبوش بضمتين. وهم بنو الهون ابن خزيمة بن مدركة وبنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة، وبنو المصطلق من خزاعة، كانوا تحالفوا مع قريش قيل تحت جبل يقال له الحبشي أسفل مكة، وقيل سموا بذلك لتحبشهم أي تجمعهم والتحبش التجمع والحباشة الجماعة.
стр. 730
وقوله (وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بالثنية) وفي رواية ابن إسحاق "فقال ﷺ : من يخرجنا على طريق غير طريقهم التي هم بها؟ " قال: فحدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم أن رجلاً من أسلم قال: أنا يا رسول الله، فسلك بهم طريقاً وعراً فأخرجوا منها بعد أن شق عليهم، وأفضوا إلى أرض سهلة، فقال لهم: استغفروا الله، ففعلوا. فقال: والذي نفسي بيده إنها للحطة التي عرضت على بني إسرائيل فامتنعوا، قال ابن إسحاق عن الزهري في حديثه "فقال: اسلكوا ذات اليمين بين ظهري الحمص في طريق تخرجه على ثنية المرار مهبط الحديبية أهـ.
قوله (وما ذاك لها بخلق) أي بعادة، قال ابن بطال وغيره: في هذا الفصل جواز الاستتار عن طلائع المشركين ومفاجأتهم بالجيش طلباً لغرتهم، وجواز السفر وحده للحاجة وجواز التنكيب عن الطريق السهلة إلى الوعرة للمصلحة. وجواز الحكم على الشيء بما عرف من عادته وإن جاز أن يطرأ عليه غيره، فإذا وقع من شخص هفوة لا يعهد منه مثلها لا ينسب إليها ويرد على من نسبه إليها، ومعذرة من نسبه إليها ممن لا يعرف صورة حاله، لأن خلاء القصواء لولا خارق العادة لكان ما ظنه الصحابة صحيحاً ولم يعاتبهم النبي ﷺ على ذلك لعذرهم في ظنهم، قال: وفيه جواز التصرف في ملك الغير بالمصلحة بغير إذنه الصريح إذا كان سبق منه ما يدل على الرضا بذلك، لأنهم قالوا حل حل فزجروها بغير إذن، ولم يعاتبهم عليه.
وفي المغازي من حديث البراء بن عازب في قصة الحديبية "أنه ﷺ جلس على البئر ثم دعا بإناء فمضمض ودعا الله ثم صبه فيها ثم قال: "دعوها ساعة ثم إنهم ارتووا بعد ذلك" ويمكن الجمع بأن يكون الأمران معاً وقعا. وقد روى الواقدي من طريق أوس بن خولي "أنه ﷺ توضأ في الدلو ثم أفرغه فيها وانتزع السهم فوضعه فيها" وهكذا ذكر أبو الأسود في روايته عن عروة: أنه ﷺ تمضمض في دلو وصبه في البئر ونزع سهماً من كنانته فألقاه فيها ودعا ففارت" وهذه القصة غير القصة الآتية في المغازي أيضاً من حديث جابر قال "عطش الناس بالحديبية وبين يدي رسول الله ﷺ ركوة فتوضأ منها فوضع يده فيها. فجعل الماء يفور من بين أصابعه" الحديث، وكأن ذلك كان قبل قصة البئر والله أعلم. وفي
стр. 731
هذا الفصل معجزات ظاهرة، وفيه بركة سلاحه وما ينسب إليه. وقد وقع نبع الماء من بين أصابعه في عدة مواطن غير هذه، سيأتي في أول غزوة الحديبية حديث زيد بن خالد "أنهم أصابهم مطر بالحديبية" الحديث، وكأن ذلك وقع بعد القصتين المذكورتين والله أعلم.
زاد ابن إسحاق في روايته "وكانت خزاعة عيبة (١) رسول الله ﷺ مسلمها ومشركها لا يخفون عليه شيئاً كان بمكة" ووقع عند الواقدي (أن بديلاً قال للنبي ﷺ : لقد غزوت ولا سلاح معك، فقال: "لم نجئ لقتال" فتكلم أبو بكر، فقال له بديل: أنا لا أتهم ولا قومى أهـ" وكان الأصل في موالاة خزاعة للنبي ﷺ أن بني هاشم في الجاهلية كانوا تحالفوا مع خزاعة فاستمروا على ذلك في الإسلام. وفيه جواز استنصاح بعض المعاهدين وأهل الذمة إذا دلت القرائن على نصحهم وشهدت التجربة بإيثارهم أهل الإسلام على غيرهم ولو كانوا من أهل دينهم، ويستفاد منه جواز استنصاح بعض ملوك العدو استظهاراً على غيرهم، ولا يعد ذلك من موالاة الكفار ولا موادة أعداء الله بل من قبيل استخدامهم وتقليل شوكة جمعهم وإنكاء بعضهم ببعض، ولا يلزم من ذلك جواز الاستعانة بالمشركين على الإطلاق.
قوله (قائم على رأس النبي ﷺ بالسيف) فيه جواز القيام على رأس الأمير بالسيف بقصد الحراسة ونحوها من ترهيب العدو، ولا يعارضه النهي عن القيام على رأس الجالس لأن محله ما إذا كان على وجه العظمة والكبر.
وقد اختلف العلماء في المدة التي تجوز المهادنة فيها مع المشركين: فقيل: لا تجاوز عشر سنين على ما في هذا الحديث وهو قول الشافعي والجمهور. وقيل تجوز الزيادة، وقيل لا تجاوز أربع سنين، وقيل ثلاثاً، وقيل سنتين، والأول هو الراجح والله أعلم.
قال الخطابي: تأول العلماء ما وقع في قصة أبي جندل على وجهين: أحدهما: أن الله قد أباح التقية للمسلم إذا خاف الهلاك، ورخص له أن يتكلم بالكفر مع إضمار الإيمان إن لم يمكنه التورية، فلم يكن رده إليهم إسلاماً لأبي جندل إلى الهلاك مع وجوده السبيل إلى
стр. 732
الخلاص من الموت بالتقية. والوجه الثاني: إنه إنما رده إلى أبيه، والغالب أن أباه لا يبلغ به الهلاك، وإن عذبه أو سجنه فله مندوحة بالتقية أيضاً، وأما ما يخاف عليه من الفتنة فإن ذلك امتحان من الله يبتلي به صبر عباده المؤمنين. واختلف العلماء هل يجوز الصلح مع المشركين على أن يرد إليهم من جاء مسلماً من عندهم على بلاد المسلمين أم لا؟ فقيل: نعم على ما دلت عليه قصة أبي جندل وأبي بصير، وقيل لا، وأن الذي وقع في القصة منسوخ، وأن ناسخه حديث "أنا بريء من مسلم بين مشركين" وهو قول الحنفية. وعند الشافعية تفصيل بين العاقل والمجنون والصبي فلا يردان. وقال بعض الشافعية: ضابط جواز الرد أن يكون المسلم بحيث لا تجب عليه الهجرة من دار الحرب والله أعلم ...
قال الزهري: فما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم من فتح الحديبية، إنما كان القتال حيث التقى الناس، ولما كانت الهدنة ووضعت الحرب وأمن الناس، كلم بعضهم بعضاً والتقوا وتفاوضوا في الحديث والمنازعة ولم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئاً في تلك المدة إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر. يعني من صناديد قريش، ومما ظهر من مصلحة الصلح المذكور غير ما ذكره الزهري أنه كان مقدمة بين يدي الفتح الأعظم الذي دخل الناس عقبه في دين الله أفواجاً، وكانت الهدنة مفتاحاً لذلك. ولما كانت قصة الحديبية مقدمة للفتح سميت فتحاً كما سيأتي في المغازي، فإن الفتح في اللغة فتح المغلق، والصلح كان مغلقاً حتى فتحه الله، وكان من أسباب فتحه صد المسلمين عن البيت، وكان في الصورة الظاهرة ضيماً للمسلمين وفي الصورة الباطنة عزاً لهم. فإن الناس لأجل الأمن الذي وقع بينهم اختلط بعضهم ببعض من غير نكير، وأسمع المسلمون المشركين القرآن، وناظروهم على الإسلام جهرة آمنين، وكانوا قبل ذلك لا يتكلمون عندهم بذلك إلا خفية، وظهر من كان يخفي إسلامه فذل المشركون من حيث أرادوا العزة وأفهروا (١) من حيث أرادوا الغلبة.
قوله (حتى اجتمعت منهم عصابة) أي جماعة ولا واحد لها من لفظها، وهي تطلق على الأربعين فما دونها. وهذا الحديث يدل على أنها تطلق على أكثر من ذلك، ففي رواية ابن
стр. 733
إسحاق أنهم بلغوا نحواً من سبعين نفساً، وفي رواية أبي المليح: بلغوا أربعين أو سبعين. وجزم عروة في المغازي بأنهم بلغوا سبعين، وزعم السهيلي أنهم بلغوا ثلثمائة رجل، وزاد عروة "فلحقوا بأبي بصير وكرهوا أن يقدموا المدينة في مدة الهدنة خشية أن يعادوا إلى المشركين" وسمى الواقدي منهم الوليد بن الوليد بن المغيرة. وفي رواية موسى بن عقبة عن الزهري "فكتب رسول الله ﷺ إلى أبي بصير يستقدمه وأصحابه إلى المدينة بطلب قريش، فقدم كتابه وأبو بصير يموت، فمات وكتاب رسول الله ﷺ في يده، فدفنه أبو جندل مكانه وجعل عند قبره مسجداً. قال: وقدم أبو جندل ومن معه إلى المدينة فلم يزل بها إلى أن خرج إلى الشام مجاهداً فاستشهد في خلافة عمر، قال: فعلم الذين كانوا أشاروا بأن لا يسلم أبا جندل إلى أبيه أن طاعة رسول الله ﷺ خير مما كرهوا، وفي قصة أبي بصير من الفوائد جواز قتل المشرك المعتدي غيلة، ولا يعد ما وقع من أبي بصير غدراً لأنه لم يكن في جملة من دخل في المعاقدة التي بين النبي ﷺ وبين قريش. لأنه إذ ذاك كان محبوساً بمكة، لكنه لما خشي أن المشرك يعيده على المشركين درأ عن نفسه بقتله، ودافع عن دينه بذلك، ولم ينكر النبي قوله ذلك. وفيه أن من فعل مثل فعل أبي بصير لم يكن عليه قود ولا دية، وقد وقع عند ابن إسحاق "أن سهيل بن عمرو لما بلغه قتل العامري طالب بديته لأنه من رهطه، فقال له أبو سفيان: ليس على محمد مطالبة بذلك لأنه وفى بما عليه وأسلمه لرسولكم، ولم يقتله بأمره. ولا على آل أبي بصير أيضاً شيء لأنه ليس على دينهم". وفيه أنه كان لا يرد على المشركين من جاء منهم إلا بطلب منهم، لأنهم لما طلبوا أبا بصير أول مرة أسلمه لهم، ولما حضر إليه ثانياً لم يرسله لهم، بل لو أرسلوا إليه وهو عنده لأرسله، فلما خشي أبو بصير من ذلك نجا بنفسه. وفيه أن شرط الرد أن يكون الذي حضر من دار الشرك باقياً في بلد الإمام. ولا يتناول من لم يكن تحت يد الإمام ولا متحيزاً إليه. واستنبط منه بعض المتأخرين أن بعض ملوك المسلمين مثلاً لو هادن بعض ملوك الشرك فغزاهم ملك آخر من المسلمين فقتلهم وغنم أموالهم جاز له ذلك، لأن عهد الذي هادنهم لم يتناول من لم يهادنهم، ولا يخفى أن محل ذلك ما إذا لم يكن هناك قرينة تعميم.
وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم أشياء تتعلق بالمناسك: منها أن تقليد الهدي
стр. 734
وسوقه سنة للحاج والمعتمر فرضاً كان أو سنة، وأن الإشعار سنة لا مثلة، وأن الحلق أفضل من التقصير، وأنه نسك في حق المعتمر محصوراً كان أو غير محصور، وأن المحصر ينحر هديه حيث أحصر ولو لم يصل إلى الحرم، ويقاتل من صده عن البيت، وأن الأولى في حقه ترك المقاتلة إذا وجد إلى المسالمة طريقاً، وغير ذلك مما تقدم بسط أكثره في كتاب الحج وفيه أشياء تتعلق بالجهاد: منها جواز سبي ذراري الكفار إذا انفردوا عن المقاتلة ولو كان قبل القتال. وفيه الاستتار عن طلائع المشركين، ومفاجأتهم بالجيش لطلب غرتهم، وجواز التنكب عن الطريق السهل إلى الطريق الوعر لدفع المفسدة وتحصيل المصلحة، واستحباب تقديم الطلائع والعيون بين يدي الجيش، والأخذ بالحزم في أمر العدو لئلا ينالوا غرة المسلمين، وجواز الخداع في الحرب، والتعريض بذلك من النبي ﷺ وإن كان من خصائصه أنه منهي عن خائنة الأعين - وفي الحديث أيضاً فضل الاستشارة لاستخراج وجه الرأي واستطابة قلوب الأتباع، وجواز بعض المسامحة في أمر الدين، واحتمال الضيم فيه ما لم يكن قادحاً في أصله إذا تعين ذلك طريقاً للسلامة في الحال والصلاح في المآل، سواء كان ذلك في حال ضعف المسلمين أو قوتهم، وأن التابع لا يليق به الاعتراض على المتبوع بمجرد ما يظهر في الحال بل عليه التسليم لأن المتبوع أعرف بمآل الأمور غالباً بكثرة التجربة، ولا سيما مع من هو مؤيد بالوحي. وفيه جواز الاعتماد على خبر الكافر إذا قامت القرينة على صدقه، قاله الخطابي مستدلاً بأن الخزاعي الذي بعثه النبي ﷺ عيناً له ليأتيه بخبر قريش كان حينئذ كافراً، قال: وغنما اختاره لذلك مع كفره ليكون أمكن له في الدخول فيهم والاختلاط بهم والاطلاع على أسرارهم، قال: ويستفاد من ذلك جواز قبول قول الطبيب الكافر. قلت: ويحتمل أن يكون الخزاعي المذكور كان قد أسلم ولم يشهر إسلامه حينئذ، فليس ما قاله دليلاً على ما ادعاه، والله أعلم بالصواب أ. هـ الفتح.
٤٩٥ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ أن ثمانين رجلاً من أهل مكة، هبطوا على رسول الله ﷺ من جبل التنعيم متسلحين - يريدون غرة رسول الله ﷺ وأصحابه فأخذهم سلماً، فاستحياهم، فأنزل الله : (وهو الذي كف أيديهم عنكم
стр. 735
وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم) (١).
وفي رواية الترمذي (٢)، أن ثمانين هبطوا على رسول الله ﷺ وأصحابه من جبل التنعيم، عند صلاة الصبح، يريدون أن يقتلوه، فأخذوا أخذاً، فأعتقهم رسول الله ﷺ فأنزل الله (وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ...) الآية.
٤٩٦ - * وروى مسلم عن سلمة بن الأكوع قال: قدمنا الحديبية مع رسول الله ﷺ . ونحن أربع عشرة مائة وعليها خمسون شاة لا ترويها. قال: فقعد رسول الله ﷺ على جبا الركية. فإما دعا وإما بسق فيها. قال: فجاشت. فسقينا واستقينا. قال: ثم إن رسول الله ﷺ دعانا للبيعة في أصل الشجرة. قال: فبايعته أول الناس. ثم بايع وبايع. حتى إذا كان في وسط من الناس قال: "بايع. يا سلمة! " قال: قلت: قد بايعتك يا رسول الله! في أول الناس. قال: "وأيضاً" قال: ورآني رسول الله ﷺ عزلاً (يعني ليس معه سلاح). قال: فأعطاني رسول الله ﷺ حجفة أو درقة. ثم بايع حتى إذا كان في آخر الناس، قال: "ألا تبايعني؟ يا سلمة! " قال: قلت: قد بايعتك يا رسول الله في أول الناس وفي أوسط الناس. قال: "وأيضاً" قال: فبايعته الثالثة. ثم قال لي: "يا سلمة أين جحفتك أو درقتك التي أعطيتك؟ " قال قلت: يا رسول الله! لقيني عمي عامر عزلاً. فأعطيته إياها قال: فضحك رسول الله ﷺ وقال: "إنك كالذي
стр. 736
قال الأول: اللهم أبغنى حبيباً هو أحب إلي من نفسي" ثم إن المشركين راسلونا الصلح حتى مشى بعضنا في بعض واصطلحنا. قال: وكنت تبيعاً لطلحة بن عبيد الله. أسقي فرسه، وأحسه. وأخدمه. وآكل من طعامه. وتركت أهلي ومالي، مهاجراً إلى الله ورسوله ﷺ . قال: فلما اصطلحنا نحن وأهل مكة، واختلط بعضنا ببعض، أتيت شجرة فكسحت شوكها. فاضطجعت في أصلها. قال فأتاني أربعة من المشركين من أهل مكة. فجعلوا يقعون في رسول الله ﷺ . فأبغضتهم. فتحولت إلى شجرة أخرى. وعلقوا سلاحهم. واضطجعوا. فبينما هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل الوادي: يا للمهاجرين! قتل ابن زنيم قال: فاخترطت سيفي. ثم شددت على أولئك الأربعة وهم رقود. فأخذت سلاحهم. فجعلته ضغثاً في يدي. قال: ثم قلت: والذي كرم وجه محمد! لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه. قال: ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله ﷺ : قال: وجاء عمي عامر برجل من العبلات - يقال له مكرز - يقوده على رسول الله ﷺ . على فرس مجفف. في سبعين من المشركين. فنظر غليهم رسول الله ﷺ فقال: (١)
стр. 737
"دعوهم. يكن لهم بدء الفجور وثناه" فعفا عنهم رسول الله ﷺ . وأنزل الله (وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم) (١) الآية كلها.
قال: ثم خرجنا راجعين إلى المدينة. فنزلنا منزلاً. بيننا وبين بني لحيان جبل. وهم المشركون فاستغفر رسول الله ﷺ لمن رقي هذا الجبل الليلة. كأنه طليعة للنبي ﷺ وأصحابه، قال سلمة: فرقيت تلك الليلة مرتين أو ثلاثاً. ثم قدمنا المدينة. فبعث رسول الله ﷺ بظهره مع رباح غلام رسول الله ﷺ . وأنا معه. وخرجت معه بفرس طلحة. أنديه مع الظهر. فلما أصبحنا إذا عبد الرحمن الفزاري قد أغار على ظهر رسول الله ﷺ . فاستاقه أجمع. وقتل راعيه.
وهذه القصة الطويلة، سنذكر قسماً منها في الفصل اللاحق وقسماً في غزوة خيبر من السنة السابعة.
٤٩٧ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: رجعنا من العام المقبل، فما اجتمع منا اثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها، كانت رحمة من الله فسألنا نافعاً: على أي شيء بايعهم؟ على الموت؟ قال: لا. بل بايعهم على الصبر.
قال في الفتح: وبيان الحكمة في ذلك وهو أن لا يحصل بها افتتان لما وقع تحتها من الخير، فلو بقيت لما أمن تعظيم بعض الجهال لها حتى ربما أفضى بهم إلى اعتقاد أن لها قوة نفع أو ضر كما نراه الآن مشاهداً فيما هو دونها، وإلى ذلك أشار ابن عمر بقوله "كانت رحمة من الله" أي كان خفاؤها عليهم بعد ذلك رحمة من الله تعالى. ويحتمل أن يكون معنى
стр. 738
قوله رحمة من الله أي كانت الشجرة موضع رحمة الله ومحل رضوانه لنزول الرضا عن المؤمنين عندها.
٤٩٨ - * روى البخاري ومسلم عن يزيد بن أبي عبيد قال: قلت لسلمة: على أي شيء بايعتم رسول الله ﷺ يوم الحديبية؟ قال: على الموت.
وفي رواية (٢) قال: بايعنا النبي ﷺ تحت الشجرة، فقال لي: "يا سلمة: ألا تبايع؟ " قلت: يا رسول الله، قد بايعت في الأول، قال: "وفي الثاني".
وفي أخرى (٣) قال: بايعت النبي ﷺ ، ثم عدلت إلى ظل شجرة، فلما خف الناس قال: "يا ابن الأكوع: ألا تبايع" قال: قلت: قد بايعت يا رسول الله قال: "وأيضاً" فبايعته الثانية، فقلت له: يا أبا مسلم، على أي شيء كنتم تبايعون يومئذ؟ قال: على الموت.
٤٩٩ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: إن الناس كانوا مع النبي ﷺ يوم الحديبية، تفرقوا في ظلال الشجر، فإذا الناس، محدقون بالنبي ﷺ ، فقال عمر: يا عبد الله، انظر ما شأن الناس قد أحدقوا برسول الله ﷺ ؟ فوجدهم يبايعون، فبايع، ثم رجع إلى عمر، فخرج فبايع.
٥٠٠ - * روى البخاري عن نافع - مولى ابن عمر ﵀ قال: إن الناس يتحدثون
стр. 739
أن ابن عمر أسلم قبل عمر، وليس كذلك، ولكن عمر عام الحديبية أرسل عمر عام الحديبية أرسل عبد الله إلى فرس له عند رجل من الأنصار يأتي به ليقاتل عليه، ورسول الله ﷺ عند الشجرة، وعمر لا يدري بذلك، فبايعه عبد الله، ثم ذهب إلى الفرس، فجاء به إلى عمر وعمر يستلئم للقتال، فأخبره أن رسول الله ﷺ يبايع تحت الشجرة، قال: فانطلق فذهب معه حتى بايع رسول الله ﷺ فهي التي يتحدث الناس أن ابن عمر أسلم قبل عمر.
٥٠١ - * روى مسلم عن أبي الزبير أنه سمع جابراً يسأل: كم كانوا يوم الحديبية؟ قال: كنا أربع عشرة مائة، فبايعناه، وعمر آخذ بيده تحت الشجرة، وهي سمرة، فبايعناه، غير جد بن قيس الأنصاري اختبأ تحت بطن بعيره.
زاد في رواية (١): وقال: بايعناه على أن لا نفر، ولم نبايعه على الموت.
(قال العلماء): هذه الرواية تجمع المعاني كلها وتبين مقصود كل الروايات فالبيعة على أن لا نفر معناه الصبر حتى نظفر بعدونا أو نقتل، وهو معنى البيعة على الموت، أي نصبر وإن آل منا ذلك إلى الموت لا أن الموت مقصود في نفسه وكذا البيعة على الجهاد أي والصبر فيه، والله أعلم.
٥٠٢ - * وروى مسلم عن أبي الزبير أنه سمع جابراً يسأل: هل بايع النبي ﷺ بذي الحليفة؟ فقال: لا، ولكن صلى بها، ولم يبايع عند شجرة، إلا الشجرة التي بالحديبية.
قال ابن جريج: وأخبرني أبو الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: دعا النبي ﷺ على بئر الحديبية.
٥٠٣ - * روى البخاري ومسلم عن طارق بن عبد الرحمن قال: انطلقت حاجاً، فمررت
стр. 740
بقوم يصلون، قلت: ما هذا المسجد؟ قالوا: هذه الشجرة حيث بايع رسول الله ﷺ بيعة الرضوان، فأتيت سعيد بن المسيب فأخبرته، فقال سعيد حدثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة، قال: فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها، فلم تقدر عليها، فقال سعيد: إن أصحاب محمد ﷺ لم يعلموها وعلمتموها أنتم؟ فأنتم أعلم!.
وفي رواية (١) قال: ذكرت عند سعيد بن المسيب الشجرة فضحك فقال: أخبرني أبي، وكان شهدها.
وفي رواية (٢) عن ابن المسيب عن أبيه قال: لقد رأيت الشجرة ثم أتيتها بعد فلم أعرفها.
٥٠٤ - * روى الترمذي عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما أمر رسول الله ﷺ ببيعة الرضوان، كان عثمان بن عفان رسول رسول الله ﷺ إلى أهل مكة، قال: فبايع الناس، قال فقال رسول الله ﷺ : "إن عثمان في حاجة الله وحاجة رسوله" فضرب بإحدى يديه على الأخرى، فكانت يد رسول الله ﷺ لعثمان خيراً من أيديهم لأنفسهم.
ذكر ابن إسحاق: أن النبي ﷺ أرسل عثمان بن عفان إلى مكة ليبلغ أبا سفيان وأشراف قريش أن رسول الله ﷺ لم يأت لحرب وإنما جاء زائراً لهذا البيت ومعظماً لحرمته. ففعل ذلك عثمان ﵁، فقال له أهل مكة: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف، فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله ﷺ ، واحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول الله