← Сира

Сира · id 18332

الأساس في السنة وفقهها - السيرة النبوية

سعيد حوى

Полный текст (2 129 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

قال الأول: اللهم أبغنى حبيباً هو أحب إلي من نفسي" ثم إن المشركين راسلونا الصلح حتى مشى بعضنا في بعض واصطلحنا. قال: وكنت تبيعاً لطلحة بن عبيد الله. أسقي فرسه، وأحسه. وأخدمه. وآكل من طعامه. وتركت أهلي ومالي، مهاجراً إلى الله ورسوله ﷺ . قال: فلما اصطلحنا نحن وأهل مكة، واختلط بعضنا ببعض، أتيت شجرة فكسحت شوكها. فاضطجعت في أصلها. قال فأتاني أربعة من المشركين من أهل مكة. فجعلوا يقعون في رسول الله ﷺ . فأبغضتهم. فتحولت إلى شجرة أخرى. وعلقوا سلاحهم. واضطجعوا. فبينما هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل الوادي: يا للمهاجرين! قتل ابن زنيم قال: فاخترطت سيفي. ثم شددت على أولئك الأربعة وهم رقود. فأخذت سلاحهم. فجعلته ضغثاً في يدي. قال: ثم قلت: والذي كرم وجه محمد! لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه. قال: ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله ﷺ : قال: وجاء عمي عامر برجل من العبلات - يقال له مكرز - يقوده على رسول الله ﷺ . على فرس مجفف. في سبعين من المشركين. فنظر غليهم رسول الله ﷺ فقال: (١)

стр. 737

"دعوهم. يكن لهم بدء الفجور وثناه" فعفا عنهم رسول الله ﷺ . وأنزل الله (وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم) (١) الآية كلها. قال: ثم خرجنا راجعين إلى المدينة. فنزلنا منزلاً. بيننا وبين بني لحيان جبل. وهم المشركون فاستغفر رسول الله ﷺ لمن رقي هذا الجبل الليلة. كأنه طليعة للنبي ﷺ وأصحابه، قال سلمة: فرقيت تلك الليلة مرتين أو ثلاثاً. ثم قدمنا المدينة. فبعث رسول الله ﷺ بظهره مع رباح غلام رسول الله ﷺ . وأنا معه. وخرجت معه بفرس طلحة. أنديه مع الظهر. فلما أصبحنا إذا عبد الرحمن الفزاري قد أغار على ظهر رسول الله ﷺ . فاستاقه أجمع. وقتل راعيه. وهذه القصة الطويلة، سنذكر قسماً منها في الفصل اللاحق وقسماً في غزوة خيبر من السنة السابعة. ٤٩٧ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: رجعنا من العام المقبل، فما اجتمع منا اثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها، كانت رحمة من الله فسألنا نافعاً: على أي شيء بايعهم؟ على الموت؟ قال: لا. بل بايعهم على الصبر. قال في الفتح: وبيان الحكمة في ذلك وهو أن لا يحصل بها افتتان لما وقع تحتها من الخير، فلو بقيت لما أمن تعظيم بعض الجهال لها حتى ربما أفضى بهم إلى اعتقاد أن لها قوة نفع أو ضر كما نراه الآن مشاهداً فيما هو دونها، وإلى ذلك أشار ابن عمر بقوله "كانت رحمة من الله" أي كان خفاؤها عليهم بعد ذلك رحمة من الله تعالى. ويحتمل أن يكون معنى

стр. 738

قوله رحمة من الله أي كانت الشجرة موضع رحمة الله ومحل رضوانه لنزول الرضا عن المؤمنين عندها. ٤٩٨ - * روى البخاري ومسلم عن يزيد بن أبي عبيد قال: قلت لسلمة: على أي شيء بايعتم رسول الله ﷺ يوم الحديبية؟ قال: على الموت. وفي رواية (٢) قال: بايعنا النبي ﷺ تحت الشجرة، فقال لي: "يا سلمة: ألا تبايع؟ " قلت: يا رسول الله، قد بايعت في الأول، قال: "وفي الثاني". وفي أخرى (٣) قال: بايعت النبي ﷺ ، ثم عدلت إلى ظل شجرة، فلما خف الناس قال: "يا ابن الأكوع: ألا تبايع" قال: قلت: قد بايعت يا رسول الله قال: "وأيضاً" فبايعته الثانية، فقلت له: يا أبا مسلم، على أي شيء كنتم تبايعون يومئذ؟ قال: على الموت. ٤٩٩ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: إن الناس كانوا مع النبي ﷺ يوم الحديبية، تفرقوا في ظلال الشجر، فإذا الناس، محدقون بالنبي ﷺ ، فقال عمر: يا عبد الله، انظر ما شأن الناس قد أحدقوا برسول الله ﷺ ؟ فوجدهم يبايعون، فبايع، ثم رجع إلى عمر، فخرج فبايع. ٥٠٠ - * روى البخاري عن نافع - مولى ابن عمر ﵀ قال: إن الناس يتحدثون

стр. 739

أن ابن عمر أسلم قبل عمر، وليس كذلك، ولكن عمر عام الحديبية أرسل عمر عام الحديبية أرسل عبد الله إلى فرس له عند رجل من الأنصار يأتي به ليقاتل عليه، ورسول الله ﷺ عند الشجرة، وعمر لا يدري بذلك، فبايعه عبد الله، ثم ذهب إلى الفرس، فجاء به إلى عمر وعمر يستلئم للقتال، فأخبره أن رسول الله ﷺ يبايع تحت الشجرة، قال: فانطلق فذهب معه حتى بايع رسول الله ﷺ فهي التي يتحدث الناس أن ابن عمر أسلم قبل عمر. ٥٠١ - * روى مسلم عن أبي الزبير أنه سمع جابراً يسأل: كم كانوا يوم الحديبية؟ قال: كنا أربع عشرة مائة، فبايعناه، وعمر آخذ بيده تحت الشجرة، وهي سمرة، فبايعناه، غير جد بن قيس الأنصاري اختبأ تحت بطن بعيره. زاد في رواية (١): وقال: بايعناه على أن لا نفر، ولم نبايعه على الموت. (قال العلماء): هذه الرواية تجمع المعاني كلها وتبين مقصود كل الروايات فالبيعة على أن لا نفر معناه الصبر حتى نظفر بعدونا أو نقتل، وهو معنى البيعة على الموت، أي نصبر وإن آل منا ذلك إلى الموت لا أن الموت مقصود في نفسه وكذا البيعة على الجهاد أي والصبر فيه، والله أعلم. ٥٠٢ - * وروى مسلم عن أبي الزبير أنه سمع جابراً يسأل: هل بايع النبي ﷺ بذي الحليفة؟ فقال: لا، ولكن صلى بها، ولم يبايع عند شجرة، إلا الشجرة التي بالحديبية. قال ابن جريج: وأخبرني أبو الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: دعا النبي ﷺ على بئر الحديبية. ٥٠٣ - * روى البخاري ومسلم عن طارق بن عبد الرحمن قال: انطلقت حاجاً، فمررت

стр. 740

بقوم يصلون، قلت: ما هذا المسجد؟ قالوا: هذه الشجرة حيث بايع رسول الله ﷺ بيعة الرضوان، فأتيت سعيد بن المسيب فأخبرته، فقال سعيد حدثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة، قال: فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها، فلم تقدر عليها، فقال سعيد: إن أصحاب محمد ﷺ لم يعلموها وعلمتموها أنتم؟ فأنتم أعلم!. وفي رواية (١) قال: ذكرت عند سعيد بن المسيب الشجرة فضحك فقال: أخبرني أبي، وكان شهدها. وفي رواية (٢) عن ابن المسيب عن أبيه قال: لقد رأيت الشجرة ثم أتيتها بعد فلم أعرفها. ٥٠٤ - * روى الترمذي عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما أمر رسول الله ﷺ ببيعة الرضوان، كان عثمان بن عفان رسول رسول الله ﷺ إلى أهل مكة، قال: فبايع الناس، قال فقال رسول الله ﷺ : "إن عثمان في حاجة الله وحاجة رسوله" فضرب بإحدى يديه على الأخرى، فكانت يد رسول الله ﷺ لعثمان خيراً من أيديهم لأنفسهم. ذكر ابن إسحاق: أن النبي ﷺ أرسل عثمان بن عفان إلى مكة ليبلغ أبا سفيان وأشراف قريش أن رسول الله ﷺ لم يأت لحرب وإنما جاء زائراً لهذا البيت ومعظماً لحرمته. ففعل ذلك عثمان ﵁، فقال له أهل مكة: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف، فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله ﷺ ، واحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول الله

стр. 741

صلى الله عليه وسلم أن عثمان قد قتل فقال رسول الله ﷺ "لا نبرح حتى نناجز القوم فدعا إلى البيعة". ٥٠٥ - * روى البخاري عن عباد بن تميم قال: لما كان يوم الحرة، والناس يبايعون لعبد الله بن حنظلة، فقال ابن زيد على ما يبايع ابن حنظلة الناس؟ قيل له: على الموت، قال: لا أبايع على ذلك أحداً بعد رسول الله ﷺ ، وكان شهد معه الحديبية. ٥٠٦ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁: أن قريشاً صالحوا النبي ﷺ ، وفيهم سهيل بن عمرو، فقال النبي ﷺ لعلي: "اكتب بسم الله الرحمن الرحيم" قال سهيل: أما بسم الله، فما ندري ما "بسم الله الرحمن الرحيم؟ " ولكن اكتب ما نعرف: باسمك اللهم، فقال: اكتب: "من محمد رسول الله" قالوا: لو علمنا أنك رسول الله لاتبعناك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فقال النبي ﷺ اكتب: "من محمد بن عبد الله" فاشترطوا على النبي ﷺ : أن من جاء منكم، لم نرده عليكم، ومن جاءكم منا رددتموه علينا فقالوا: يا رسول الله، أنكتب هذا؟ قال: "نعم، إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله، ومن جاءنا منهم، سيجعل الله له فرجاً ومخرجاً". قال العلماء في شرح هذا الحديث: وافقهم النبي ﷺ في ترك كتابة بسم الله الرحمن الرحيم وأنه كتب باسمك اللهم، وكذا وافقهم في محمد بن عبد الله وترك كتابة رسول الله ﷺ ، وكذا وافقهم في رد من جاء منهم إلينا دون من ذهب منا إليهم، وإنما وافقهم في هذه الأمور للمصالح المهمة الحاصلة بالصلح مع أنه لا مفسدة في هذه الأمور.

стр. 742

٥٠٧ - * روى الطبراني عن عبد الله بن السائب أن النبي ﷺ عام الحديبية حين أخبره عثمان أن سهيلاً أرسله إليه قومه فصالحوه على أن يرجع عنهم هذا العام ويخلوها قابلاً ثلاثاً فقال النبي ﷺ : "سهيل سهل عليكم الأمر". ٥٠٨ - * روى البخاري عن البراء ﵁ قال: لما اعتمر النبي ﷺ في ذي القعدة فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة حتى قاضاهم على أن يقيم بها ثلاثة أيام فلما كتبوا الكتاب كتبوا: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، قالوا: لا نقر لك بهذا، لو نعلم أنك رسول الله ما منعناك شيئاً، ولكن أنت محمد بن عبد الله. فقال: "أنا رسول الله، وأنا محمد بن عبد الله" ثم قال لعلي: "امح رسول الله" قال علي: لا والله لا أمحوك أبداً. فأخذ رسول الله ﷺ الكتاب - وليس يحسن يكتب - فكتب: هذا ما قاضى محمد ابن عبد الله، لا يدخل مكة السلاح إلا السيف في القراب، وأن لا يخرج من أهلها بأحد إن أراد أن يتبعه، وان لا يمنع من أصحابه أحداً إذا أراد أن يقيم بها. فلما دخلها ومضى الأجل أتوا علياً فقالوا: قل لصاحبك اخرج عنا فقد مضى الأجل. فخرج النبي ﷺ ، فتبعته ابنة حمزة تنادي: يا عم يا عم، فتناولها علي فأخذ بيدها وقال لفاطمة ﵍: دونك ابنة عمك حمليها. فاختصم فيها علي وزيد وجعفر: قال علي: أنا أخذتها وهي بنت عمي. وقال جعفر: ابنة عمي وخالتها تحتي. وقال زيد: ابنة أخي. فقضى بها النبي ﷺ لخالتها وقال: "الخالة بمنزلة الأم" وقال لعلي: "أنت مني وأنا منك" وقال: لجعفر: "أشبهت خلقي وخلقي" وقال لزيد: "أنت أخونا ومولانا" وقال علي: ألا تتزوج بنت حمزة؟ قال: "إنها ابنة أخي من الرضاعة". قال في الفتح حول "فأخذ رسول الله ﷺ الكتاب ... فكتب": قوله (فأخذ رسول الله ﷺ الكتاب وليس يحسن يكتب، فكتب. هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله) تقدم هذا الحديث في الصلح عن عبيد الله بن موسى بهذا الإسناد وليست

стр. 743

فيه هذه اللفظة "ليس يحسن يكتب" ولهذا أنكر بعض المتأخرين على أبي مسعود نسبتها إلى تخريج البخاري وقال: ليس في البخاري هذه اللفظ ولا في مسلم، وهو كما قال عن مسلم فإنه أخرجه من طريق زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق بلفظ "فأراه مكانها فمحاها وكتب: ابن عبد الله" انتهى وقد عرفت ثبوتها في البخاري في مظنة الحديث، وكذلك أخرجها النسائي عن أحمد بن سليمان عن عبيد الله بن موسى مثل ما هنا سواء، وكذا أخرجها أحمد عن حجين بن المثنى عن إسرائيل ولفظه (فأخذ الكتاب - وليس يحسن أن يكتب - فكتب مكان رسول الله ﷺ : هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله) وقد تمسك بظاهر هذه الرواية أبو الوليد الباجي فادعى أن النبي ﷺ كتب بيده بعد أن لم يكن يحسن يكتب. فشنع عليه علماء الأندلس في زمانه ورموه بالزندقة، وأن الذي قاله مخالف القرآن حتى قال قائلهم: برئت ممن شرى دنيا بآخرة ... وقال إن رسول الله قد كتبا فجمعهم الأمير فاستظهر الباجي عليهم بما لديه من المعرفة وقال للأمير: هذا لا ينافي القرآن، بل يؤخذ من مفهوم القرآن لأنه قيد النفي بما قبل ورود القرآن فقال (وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك) وبعد أن تحققت أميته وتقررت بذلك معجزته وأمن الارتياب في ذلك لا مانع من أن يعرف الكتابة بعد ذلك من غير تعليم فتكون معجزة أخرى. وذكر ابن دحية أن جماعة من العلماء وافقوا الباجي في ذلك، منهم شيخه أبو ذر الهروي وأبو الفتح النيسابوري وآخرون من علماء إفريقية وغيرها، واحتج بعضهم لذلك بما أخرجه ابن أبي شيبة وعمر بن شبة من طريق مجاهد عن عون بن عبد الله قال: "ما مات رسول الله ﷺ حتى كتب وقرأ" قال مجاهد: فذكرته للشعبي فقال: صدق قد سمعت من يذكر ذلك. ومن طريق يونس بن ميسرة عن أبي كبشة السلولي عن سهل ابن الحنظلية "أن النبي ﷺ أمر معاوية أن يكتب للأقرع وعيينة، فقال عيينة: أتراني أذهب بصحيفة المتلمس؟ فأخذ رسول الله ﷺ الصحيفة فنظر فيها فقال: "قد كتب لك بما أمر لك" قال يونس فنرى أن رسول الله ﷺ كتب بعد ما أنزل عليه. قال عياض: وردت آثار تدل على معرفة حروف الخط وحسن تصويرها كقوله لكاتبه "ضع القلم على

стр. 744

أذنك فإنه أذكر لك" وقوله لمعاوية "ألق الدواة وحرف القلم وأقم الباء وفرق السين ولا تعور الميم" وقوله "لا يمد بسم الله" قال: وهذا وإن لم يثبت أنه كتب فلا يبعد أن يرزق علم وضع الكتابة، فإنه أوتي علم كل شيء. وأجاب الجمهور بضعف هذه الأحاديث. وعن قصة الحديبية بأن القصة واحدة والكاتب فيها علي وقد صرح في حديث المسور بأن عليا هو الذي كتب، فيحمل على أن النكتة في قوله (فأخذ الكتاب وليس يحسن يكتب) لبيان أن قوله (أرني إياها) أنه ما احتاج إلى أن يريه موضع الكلمة التي امتنع علي من محوها إلا لكونه كان لا يحسن الكتابة، وعلى أن قوله بعد ذلك (فكتب) فيه حذف تقديره فمحاها فأعادها لعلي فكتب. وبهذا جزم ابن التين وأطلق كتب بمعنى أمر بالكتابة، وهو كثير كقوله: كتب إلى قيصر وكتب إلى كسرى، وعلى تقدير حمله على ظاهره فلا يلزم من كتابة اسمه الشريف في ذلك اليوم وهو لا يحسن الكتابة أن يصير عالماً بالكتابة ويخرج عن كونه أمياً، فإن كثيراً ممن لا يحسن الكتابة يعرف تصور بعض الكلمات ويحسن وضعها بيده وخصوصاً الأسماء ولا يخرج بذلك عن كونه أمياً ككثير من الملوك. ويحتمل أن يكون جرت يده بالكتابة حينئذ وهو لا يحسنها فخرج المكتوب على وفق المراد فيكون معجزة أخرى في ذلك الوقت خاصة، ولا يخرج بذلك عن كونه أمياً. وبهذا أجاب أبو جعفر السمناني أحد أئمة الأصول من الأشاعرة وتبعه ابن الجوزي وتعقب ذلك السهيلي وغيره بأن هذا وإن كان ممكناً ويكون آية أخرى لكنه يناقض كونه أمياً لا يكتب، وهي الآية التي قامت بها الحجة وأفحم الجاحد وانحسمت الشبهة فلو جاز أن يصير يكتب بعد ذلك لعادت الشبهة، وقال المعاند: كان يحسن يكتب لكنه كان يكتم ذلك، قال السهيلي: والمعجزات يستحيل أن يدفع بعضها بعضاً، والحق أن معنى قوله (فكتب) أي أمر عليا أن يكتب انتهى. وفي دعوى أن كتابة اسمه الشريف فقط على هذه الصورة تستلزم مناقضة المعجزة وتثبت كونه غير أمي نظر كبير، والله أعلم. أهـ من الفتح. ٥٠٩ - * روى البخاري ومسلم عن البراء بن عازب ﵄ قال: لما صالح

стр. 745

رسول الله ﷺ أهل الحديبية كتب علي بن أبي طالب رضوان الله عليه بينهم كتاباً، فكتب "محمد رسول الله" فقال المشركون: لا تكتب محمد رسول الله، لو كنت رسولاً لم نقاتلك. فقال لعلي: "امحه" فقال علي: ما أنا بالذي أمحاه، فمحاه رسول الله ﷺ بيده، وصالحهم على أن يدخل هو وأصحابه ثلاثة أيام، ولا يدخلوها إلا بجلبان السلاح، فسألوه: ما جلبان السلاح؟ فقال: "القراب بما فيه". ٥١٠ - * روى البخاري عن عروة أنه سمع مروان والمسور يخبران عن أصحاب رسول الله ﷺ قال: "لما كاتب سهيل بن عمرو يومئذ، كان فيما اشترط سهيل بن عمرو على النبي ﷺ : أنه لا يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، وخليت بيننا وبينه، فكره المؤمنون ذلك، وامتعضوا منه، وأبى سهيل إلا ذلك، فكاتبه النبي ﷺ على ذلك، فرد يومئذ أبا جندل إلى أبيه سهيل بن عمرو، ولم يأته أحد من الرجال إلا رده في تلك المدة وإن كان مسلماً، وجاء المؤمنات مهاجرات، وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول الله ﷺ يومئذ وهي عاتق، فجاء أهلها يسألون النبي ﷺ أن يرجعها إليهم، فلم يرجعها إليهم لما أنزل الله فيهن (إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن) (١). - قال عروة: فأخبرتني عائشة: أن رسول الله ﷺ كان يمتحنهن بهذه الآية: (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم

стр. 746

الكوافر واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم * وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون * يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم) (١). قال عروة: قالت عائشة: فمن أقر بهذا الشرط منهن، قال لها رسول الله ﷺ : قد بايعتك كلاماً يكلمها به، والله ما مست يده يد امرأة قط في المبايعة، ما بايعهن إلا بقوله. ٥١١ - * روى الحاكم عن عبد الله بن مغفل المزني ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﵌ بالحديبية في أصل الشجرة التي قال تعالى في القرآن وكان غصن من أغصان تلك الشجرة على ظهر رسول الله ﵌، فرفعته عن ظهره، وعلي بن أبي طالب وسهيل بن عمرو جالسان بين يدي رسول الله ﵌، فقال رسول الله ﵌ لعلي: "اكتب" فذكر من الحديث أسطراً مخرجة في الكتابين من ذكر سهيل بن عمرو: قال عبد الله بن مغفل: فبينا نحن كذلك، إذ خرج علينا ثلاثون شاباً عليهم السلاح فثاروا في وجوهنا فدعا عليهم النبي ﵌، فأخذ الله بأبصارهم فقمنا إليهم، فأخذناهم فقال لهم رسول الله ﵌: "هل جئتم في عهد أحد؟ أو هل جعل لكم أحد أمانا" فقالوا: اللهم لا. فخلى سبيلهم فأنزل الله (وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا) (٣).

стр. 747

٥١٢ - * روى البخاري ومسلم عن أبي وائل قال: قام سهل بن حنيف يوم صفين، فقال: أيها الناس، اتهموا أنفسكم لقد كنا مع رسول الله ﷺ يوم الحديبية، ولو نرى قتالاً لقاتلنا. وذلك في الصلح الذي كان بين رسول الله ﷺ وبين المشركين فجاء عمر بن الخطاب، فأتى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، ألسنا على حق وهم على باطل؟ قال: "بلى" قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: "بلى" قال: ففيم نعطي الدنية في ديننا، ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال: "يا ابن الخطاب، إني رسول الله، ولن يضيعني الله أبداً" قال: فانطلق عمر فلم يصبر متغيظاً، فأتى أبا بكر، فقال: "يا أبا بكر، ألسنا على حق وهم على باطل؟ قال: بلى، قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى، قال فعلام نعطي الدنية، ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ " فقال: "يا ابن الخطاب إنه رسول الله ولن يضيعه الله أبداً وقال: فنزل القرآن على رسول الله ﷺ بالفتح، فأرسل إلى عمر، فأقرأه، إياه، فقال: يا رسول الله، أو فتح هو؟ قال: "نعم" فطابت نفسه ورجع. وفي رواية (١): فنزلت سورة الفتح، فقرأها رسول الله ﷺ على عمر. وفي أخرى (٢) أنه سمع سهل بن حنيف يقول: يا أيها الناس اتهموا رأيكم على دينكم، لقد رأيتني يوم أبي جندل، ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله ﷺ لرددته، وما وضعنا سيوفنا على عواتقنا إلى أمر يفظعنا إلا أسهلن بنا إلى أمر نعرفه، غير هذا الأمر. قال: وقال أبو وائل: شهدت صفين وبئست صفين.

стр. 748

زاد في رواية (١): ما نسد منه خصماً إلا تفجر علينا خصم، ما ندري كيف نأتي له؟ وفي أخرى (٢): لما قدم سهل بن حنيف من صفين أتيناه نستخبره فقال: اتهموا الرأي ... وذكر نحوه. وفي أخرى (٣): أتيت أبا وائل أسأله؟ فقال: كنا بصفين، فقال رجل: ألم تر إلى الذين يدعون إلى كتاب الله؟ فقال علي: نعم، فقال سهل بن حنيف: اتهموا أنفسكم ... وذكر الحديث. ٥١٣ - * روى أحمد عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ لما كان يوم الحديبية، قال: "لا توقدوا ناراً بليل" فلما كان بعد ذلك، قال: "أوقدوا واصطنعوا فإنه لا يدرك قوم بعدكم صاعكم ولا مدكم". ٥١٤ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ خرج معتمراً، فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه، وحلق رأسه بالحديبية،

стр. 749

وقاضاهم على أن يعتمر العام المقبل، ولا يحمل سلاحاً عليهم إلا سيوفاً، ولا يقيم بها إلا ما أحبوا، فاعتمر من العام المقبل، فدخلها كما كان صالحهم، فلما أن أقام بها ثلاثاً، أمروه أن يخرج، فخرج. قال في الفتح تعليقاً على قول البخاري: (باب النحر قبل الحلق في الحصر): ذكر فيه حديث المسور "أن رسول الله ﷺ نحر قبل أن يحلق وأمر أصحابه بذلك" وهذا طرف من الحديث الطويل الذي أخرجه المصنف في الشروط من الوجه المذكور هنا، ولفظه في أواخر الحديث (فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله ﷺ لأصحابه قوموا فانحروا ثم احلقوا) فذكر بقية الحديث وفيه قول أم سلمة للنبي ﷺ (اخرج، ثم لا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بدنك، فخرج فنحر بدنه ودعا حالقه فحلقه) وعرف بهذا أن المصنف أورد القدر المذكور هنا بالمعنى، وأشار بقوله في الترجمة "في الحصر" إلى أن هذا الترتيب يختص بحال من أحصر، وقد تقدم أنه لا يجب في حال الاختيار في (باب إذا رمى بعد ما أمسى أو حلق قبل أن يذبح" ولم يتعرض المصنف لما يجب على من حلق قبل أن ينحر، وقد روى ابن أبي شيبة من طريق الأعمش عن إبراهيم عن علقمة قال: عليه دم. قال إبراهيم: وحدثني سعيد بن جبير عن ابن عباس مثله. ثم أورد المصنف حديث ابن عمر الماضي قبل بباب مختصراً وفيه (فنحر بدنه وحلق رأسه)، وقد أورده البيهقي من طريق أبي بدر شجاع بن الوليد - وهو الذي أخرجه البخاري من طريقه بإسناده المذكور - ولفظه (أن عبد الله بن عبد الله وسالم بن عبد الله كلما عبد الله ابن عمر ليالي نزل الحجاج بابن الزبير وقالا: لا يضرك أن لا تحج العام، إنا نخاف أن يحال بينك وبين البيت. فقال: خرجنا فذكر مثل سياق البخاري وزاد في آخره (ثم رجع)، وكذا ساقه الإسماعيلي من طريق أبي بدر إلا أنه لم يذكر القصة التي في أوله، وساقه من طريق أخرى عن أبي بدر أيضاً فقال فيها عن ابن عمر أنه قال (إن حيل بيني وبين البيت فعلت كما فعل رسول الله ﷺ وأنا معه، فأهل بالعمرة) الحديث. قال ابن التيمي: ذهب مالك إلى أنه لا هدي على المحصر، والحجة عليه هذا الحديث لأنه نقل فيه حكم وسبب، فالسبب الحصر والحكم النحر، فاقتضى الظاهر تعلق الحكم بذلك السبب. والله أعلم.

стр. 750

٥١٥ - * روى أبو داود والترمذي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: خرج عبدان إلى رسول الله ﷺ يعني يوم الحديبية - قبل الصلح، فكتب إليه مواليهم فقالوا: يا محمد، والله ما خرجوا إليك رغبة في دينك، وإنما خرجوا هرباً من الرق، فقال ناس: صدقوا يا رسول الله ردهم إليهم، فغضب رسول الله ﷺ وقال: "ما أراكم تنتهون يا معشر قريش، حتى يبعث الله عليكم من يضرب رقابكم على هذا" وأبى أن يردهم، وقال: "هم عتقاء الله ". قال في الفتح الرباني: إنما تغير وجه رسول الله ﷺ لكونهما لم يوافقا الطواب، ويستفاد من ذلك أن من ادعى الإسلام يقبل منه مطلقاً كما يدل على ذلك القرآن والسنة، وأنه لا يجوز البحث عن الدوافع التي دفعته إلى الإسلام سواء أسلم مخلصاً أو متعوذاً أو طامعاً، وقد جاء عند أبي داود بدل قوله فتغير وجه رسول الله ﷺ (قال فغضب رسول الله ﷺ وقال: ما أراكم تنتهون يا معشر قريش حتى يبعث الله عليكم من يضرب رقابكم على هذا، وأبى أن يردهم وقال هم عتقاء الله قال الخطابي. هذا أصل في أن من خرج من دار الكفر مسلماً وليس لأحد عليه يد قدرة فإنه حر، وإنما يعتبر أمره بوقت الخروج منها إلى دار الإسلام. ٥١٦ - * روى البخاري ومسلم عن عمرو بن دينار قال: سمعت جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال لنا رسول الله ﷺ يوم الحديبية: "أنتم خير أهل الأرض" وكنا ألفاً وأربعمائة ولو كنت أبصر اليوم، لأريتكم مكان الشجرة.

стр. 751

٥١٧ - * روى مسلم عن أم مبشر الأنصارية ﵂ أنها سمعت النبي ﷺ يقول عند حفصة: "لا يدخل النار - إن شاء الله - من أصحاب الشجرة أحد. الذين بايعوا تحتها" قالت: بلى يا رسول الله، فانتهرها فقالت حفصة: (وإن منكم إلا واردها) (١) فقال النبي ﷺ : قد قال الله تعالى: (ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثياً) (٢). قال النووي: قوله: "لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد". الخ قال العلماء: معناه: لا يدخلها أحد منهم قطعاً: كما صرح به في غير هذا الحديث، وإنما قال: "إن شاء الله" للتبرك، لا للشك، وأما قول حفصة "بلى" وانتهار النبي ﷺ لها، فقالت: (وإن منكم إلا واردها) فقال ﵊: وقد قال: " (ثم ننجي الذين اتقوا) " ففيه دليل للمناظرة والاعتراض، والجواب على وجه الاسترشاد، وهو مقصود حفصة، لا أنها أرادت رد مقالته ﷺ . والصحيح: أن المراد بالورود في الآية: المرور على الصراط، وهو جسر منصوب على جهنم، فيقع فيها أهلها، وينجو الآخرون. أ. هـ ٥١٨ - * روى الترمذي عن جابر بن عبد الله ﵄ عن النبي ﷺ قال: "ليدخلن الجنة من بايع تحت الشجرة، إلا صاحب الجمل الأحمر". ٥١٩ - * روى مالك والبخاري عن أسلم مولى عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يسير في بعض أسفاره، وعمر بن الخطاب يسير معه ليلاً فسأله عمر عن شيء فلم يجبه،

стр. 752

ثم سأله فلم يجبه، ثم سأله فلم يجبه، فقال عمر: ثكلتك أمك عمر، نزرت رسول الله ﷺ ثلاث مرات، كل ذلك لا يجيبك، قال عمر: فحركت بعيري، حتى إذا كنت أمام الناس، وخشيت أن ينزل في قرآن، فما نشبت أن سمعت صارخاً يصرخ بي، قال: فقلت: لقد خشيت أن يكون نزل في قرآن، قال: فجئت رسول الله ﷺ ، فسلمت عليه، فقال: "لقد أنزلت علي هذه الليلة سورة، لهي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس، ثم قرأ: (إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً) " (١). وأخرجه الترمذي (٢) عن أسلم، قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: كنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره ... الحديث. ٥٢٠ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ (إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً) قال: الحديبية. قال أصحابه: هنيئاً مريئاً، فما لنا؟ فأنزل الله: (ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار) (٤) قال شعبة: فقدمت الكوفة، فحدثت بهذا كله عن قتادة، ثم رجعت فذكرت له، فقال: أما (إنا فتحنا لك) فعن أنس، وأما "هنيئاً مريئاً" فعن عكرمة. وأخرجه مسلم (٥) عن قتادة عن أنس قال: لما نزلت (إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك الله) إلى قوله (فوزاً عظيماً) (٦) مرجعه من الحديبية - وهم يخالطهم الحزن والكآبة وقد نحر الهدي بالحديبية، فقال: "لقد أنزلت علي آية هي أحب إلي من

стр. 753

الدنيا جميعاً". وأخرجه الترمذي (١) عن قتادة عن أنس ﵁ قال: نزلت على النبي ﷺ (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) مرجعه من الحديبية، فقال النبي ﷺ : "لقد نزلت علي آية أحب إلي مما على الأرض" ثم قرأها النبي ﷺ عليهم فقالوا: هنيئاً مريئاً يا نبي الله قد بين الله لك ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فنزلت عليه (ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار) حتى بلغ: (فوزاً عظيماً). ٥٢١ - * روى الحاكم عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا: أنزلت سورة الفتح بين مكة والمدينة في شأن الحديبية من أولها إلى آخرها. ٥٢٢ - * روى الحاكم عن مجمع بن جارية الأنصاري وكان أحد القراء الذين قرأوا القرآن قال: شهدنا الحديبية مع رسول الله ﵌ فلما انصرفنا نها إذ الناس يهزون بالأباعر، فقال بعض الناس لبعض: ما للناس؟ قالوا: أوحي إلى رسول الله ﵌، فخرجنا مع الناس نوجف فوجدنا النبي ﵌ واقفاً على راحلته عند كراع الغميم، فلما اجتمع عليه الناس قرأ عليهم (إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً) فقال رجل: يا رسول الله أفتح هو؟ قال: "نعم والذي نفس محمد بيده إنه لفتح" فقسمت خيبر على اهل الحديبية، فقسمها رسول الله ﵌ على ثلاثة عشر سهماً وكان الجيش ألفاً وخمس مائة فيهم ثلاث مائة فارس، فأعطى الفارس سهمين وأعطى الراجل سهماً.

стр. 754

٢ - في الصلح: بنوده وحكمه: قال في الرحيق المختوم ذاكراً بنود الصلح: ١ - الرسول ﷺ يرجع من عامه، فلا يدخل مكة، وإذا كان العام القابل دخلها المسلمون فأقاموا بها ثلاثاً، معهم سلاح الراكب، السيوف في القرب، ولا نتعرض لهم بأي نوع من أنواع التعرض. ٢ - وضع الحرب بين الطرفين عشر سنين، يأمن فيها الناس، ويكف بعضهم عن بعض. ٣ - من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه، وتعتبر القبيلة التي تنضم إلى أي الفريقين جزءاً من ذلك الفريق، فأي عدوان تتعرض له أي من هذه القبائل يعتبر عدواناً على ذلك الفريق. ٤ - من أتى محمداً من قريش من غير إذن وليه - أي هارباً منهم - رده عليهم، ومن جاء قريشاً ممن مع محمد - أي هارباً منه - لم يرد عليه. وقد علق صاحب الرحيق المختوم على هذه البنود وهذا بعض كلامه: هذه هي هدنة الحديبية، ومن سبر أغوار بنودها مع خلفياتها لا يشك أنها فتح عظيم للمسلمين، فقريش لم تكن تعترف بالمسلمين أي اعتراف، بل كانت تهدف استئصال شأفتهم، وتنتظر أن تشهد يوماً ما نهايتهم، وكانت تحاول بأقصى قوتها الحيلولة بين الدعوة الإسلامية، وبين الناس، بصفتها ممثلة الزعامة الدينية والصدارة الدنيوية في جزيرة العرب، ومجرد الجنوح إلى الصلح اعتراف بقوة المسلمين، وأن قريشاً لا تقدر على مقاومتهم، ثم البند الثالث يدل بفحواه على أن قريشاً نسيت صدارتها الدنيوية وزعامتها الدينية، وأنها لا تهمها الآن إلا نفسها، أما سائر الناس وبقية جزيرة العرب فلو دخلت في الإسلام بأجمعها، فلا يهم ذلك قريشاً، ولا تتدخل في ذلك بأي نوع من أنواع التدخل. أليس هذا فشلاً ذريعاً بالنسبة إلى قريش؟ وفتحاً مبيناً بالنسبة إلى المسلمين؟، وقد كسب المسلمون لأجل هذه الحرية نجاحاً كبيراً في الدعوة، فبينما كان عدد المسلمين لا يزيد

стр. 755

على ثلاثة آلاف قبل الهدنة صار عدد الجيش الإسلامي في سنتين عند فتح مكة عشرة آلاف. أما البند الثاني فهو جزء ثان لهذا الفتح المبين، فالمسلمون لم يكونوا بادئين بالحروب، وإنما بدأتها قريش، يقول الله تعالى (وهم بدءوكم أول مرة) (١). أما البند الأول فهو حد لصد قريش عن المسجد الحرام، فهو أيضاً فشل لقريش، وليه فيه ما يشفي سوى أنها نجحت في الصد لذلك العام الواحد فقط. أعطت قريش هذه الخلال الثلاث للمسلمين، وحصلت بإزائها خلة واحدة فقط، وهي ما في البند الرابع، ولكن تلك الخلة تافهة جداً، ليس فيها شيء يضر بالمسلمين، فمعلوم أن المسلم ما دام مسلماً لا يفر عن الله ورسوله، وعن مدينة الإسلام، ولا يفر إلا إذا ارتد عن الإسلام ظاهراً أو باطناً، فإذا ارتد فلا حاجة إليه للمسلمين وانفصاله من المجتمع الإسلامي خير من بقائه فيه. أهـ. قال ابن القيم بمناسبة ذكره لبعض حكم صلح الحديبية: فمنها: أنها كانت مقدمة بين يدي الفتح الأعظم الذي أعز الله به رسوله وجنده، ودخل الناس به في دين الله أفواجاً، فكانت هذه الهدنة باباً له. ومفتاحاً. ومؤذناً بين يديه، وهذه عادة الله سبحانه في الأمور العظام التي يقضيها قدراً وشرعاً، أن يوطئ لها بين يديها مقدمات وتوطئات، تؤذن بها، وتدل عليها. ومنها: أن هذه الهدنة كانت من أعظم الفتوح، فإن الناس أمن بعضهم بعضاً، واختلط المسلمون بالكفار، وبادؤوهم بالدعوة، وأسمعوهم القرآن وناظروهم على الإسلام مهرة آمنين وظهر من كان مختفياً بالإسلام ودخل في مدة الهدنة من شاء الله أن يدخل ولهذا سماه الله فتحاً مبيناً. أهـ. ٣ - فقهيات قال ابن القيم بمناسبة ذكره لبعض الفوائد الفقهية المستخرجة من حادثة الحديبية:

стр. 756

ومنها: استحباب مغايظة أعداء الله، فإن النبي ﷺ أهدى في جملة هديه جملاً لأبي جهل في أنفه برة من فضة يغيظ به المشركين. وقد قال تعالى في صفة النبي ﷺ وأصحابه: (ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار) (١)، وقال : (ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤون موطئاً يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلاً إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين) (٢). ومنها: أن أمير الجيش ينبغي له أن يبعث العيون أمامه نحو العدو. ومنها: أن الاستعانة بالمشرك المأمون في الجهاد جائزة عند الحاجة، لأن عينه الخزاعي كان كافراً إذا ذاك، وفيه من المصلحة أنه أقرب إلى اختلاطه بالعدو، وأخذه أخبارهم. ومنها: استحباب مشورة الإمام رعيته وجيشه، استخراجاً لوجه الرأي، واستطابة لنفوسهم، وأمناً لعتبهم، وتعرفاً لمصلحة يختص بعلمها بعضهم دون بعض، وامتثالاً لأمر الرب في قوله تعالى: (وشاورهم في الأمر) (٣)، وقد مدح عباده بقوله: (وأمرهم شورى بينهم) (٤). ومنها: جواز سبي ذراري المشركين إذا انفردوا عن رجالهم قبل مقاتلة الرجال. ومنها: أن تسمية ما يلابسه الرجل من مراكبه ونحوها سنة. ومنها: جواز الحلف، بل استحبابه على الخبر الديني الذي يريد تأكيده، وقد حفظ عن النبي ﷺ الحلف في أكثر من ثمانين موضعاً وأمره الله تعالى بالحلف على تصديق ما أخبر به في ثلاثة مواضع: في (سورة يونس)، و (سبأ)، و (التغابن). ومنها: أن المشركين، وأهل البدع والفجور، والبغاة، والظلمة، إذا طلبوا أمراً

стр. 757

يعظمون فيه حرمة من حرمات الله تعالى. أجيبوا إليه وأعطوه، وأعينوا عليه، وإن منعوا غيره، فيعاونون على ما فيه تعظيم حرمات الله تعالى، لا على كفرهم وبغيهم، ويمنعون مما سوى ذلك، فكل من التمس المعاونة على محبوب لله تعالى مرض له، أجيب إلى ذلك كائناً من كان، ما لم يترتب على إعانته على ذلك المحبوب مبغوض لله أعظم منه، وهذا من أدق المواضع وأصعبها. وأشقها على النفوس. ومنها: جواز ابتداء الإمام بطلب صلح العدو إذا رأى المصلحة للمسلمين فيه. ولا يتوقف ذلك على أن يكون ابتداء الطلب منهم. ومنها: استحباب التفاؤل، وأنه ليس من الطيرة المكروهة. لقوله لما جاء سهيل: "سهل أمركم". ومنها: أن مصالحة المشركين ببعض ما فيه ضيم على المسلمين جائزة للمصلحة الراجحة، ودفع ما هو شر منه، ففيه دفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما. ومنها: جواز صلح الكفار على رد من جاء منهم إلى المسلمين وألا يرد من ذهب من المسلمين غليهم. هذا في غير النساء. وأما النساء. فلا يجوز اشتراط ردهن إلى الكفار. وهذا موضع النسخ خاصة في هذا العقد بنص القرآن، ولا سبيل إلى دعوى النسخ في غيره بغير موجب. ومنها: أن رد من جاء من الكفار إلى الإمام لا يتناول من خرج منهم مسلماً إلى غير بلد الإمام. وأنه إذا جاء إلى بلد الإمام. لا يجب عليه رده بدون الطلب. فإن النبي ﷺ لم يرد أبا بصير حين جاءه. ولا أكرهه على الرجوع. ولكن لما جاؤوا في طلبه. مكنهم من أخذه ولم يكرهه على الرجوع. ومنها: أن المعاهدين إذا تسلموه وتمكنوا منه فقتل أحداً منهم لم يضمنه بدية ولا قود. ولم يضمنه الإمام. بل يكون حكمه في ذلك حكم قتله لهم في ديارهم حيث لا حكم للإمام عليهم. فإن أبا بصير قتل أحد الرجلين المعاهدين بذي الحليفة. وهي من حكم المدينة. ولكن كان قد تسلموه.

стр. 758

ومنها: أن المعاهدين إذا عاهدوا الإمام. فخرجت منهم طائفة، فحاربتهم، وغنمت أموالهم. ولم يتحيزوا إلى الإمام. لم يجب على الإمام دفعهم عنهم. ومنعهم منهم. وسواء دخلوا في عقد الإمام وعهده ودينه. أو لم يدخلوا. والعهد الذي كان بين النبي ﷺ وبين المشركين، لم يكن عهداً بين أبي بصير وأصحابه وبينهم، وعلى هذا فإذا كان بين بعض ملوك المسلمين وبعض أهل الذمة من النصارى وغيرهم عهد، جاز لملك آخر من ملوك المسلمين أن يغزوهم، ويغنم أموالهم إذا لم يكن بينه وبينهم عهد. كما أفتى به شيخ الإسلام في نصارى ملطية وسبيهم، مستدلاً بقصة أبي بصير مع المشركين. اهـ. ومن الأحكام الفقهية كذلك المستنبطة من حادثة الحديبية ما ذكره الدكتور البوطي بقوله: (الاستعانة بغير المسلمين فيما دون القتال)، قلنا أن النبي ﷺ أرسل بسر بن سفيان عيناً إلى قريش ليأتيه بأخبارهم، وبسر بن سفيان كان مشركاً من قبيلة خزاعة. وفي هذا تأكيد لما كنا قد ذكرناه سابقاً من أن أمر الاستعانة بغير المسلم يتبع الظرف وحالة الشخص الذي يستعان به. فإن كان ممن يطمأن إليه ولا تخشى منه بادرة غدر أو خديعة، جازت وإلا فلا. وعلى كل فإن النبي ﷺ ، في كل الحالات، إنما استعان بغير المسلمين بما دون القتال، كإرساله عيناً على الأعداء أو استعارة أسلحة منهم وما شابه ذلك. والذي يبدو أن الاستعانة بغير المسلمين في القضايا السلمية أشبه بالجواز منها في أعمال القتال والحرب. (التبرك بآثار النبي ﷺ ، قلنا، إن عروة بن مسعود، جعل يرمق أصحاب النبي ﷺ بعينيه، قال: فوالله ما تنخم رسول الله ﷺ نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده. وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، ما يحدون النظر إليه تعظيماً له. إنها لصورة بارزة حية، وأوضحها عروة بن مسعود لمدى محبة أصحاب رسول الله ﷺ له. وإن فيها لدلالات هامة يجب أن يقف عليها كل مسلم. إنها تدل أولاً على أنه لا إيمان برسول الله ﷺ بدون محبة له، وليست المحبة له معنى

стр. 759

عقلانياً مجرداً، وإنما هي الأثر الذي يستحوذ على القلب فيطبع صاحبه بمثل الطابع الذي وصف به عروة بن مسعود أصحاب رسول الله ﷺ . وهي تدل ثانياً، على أن التبرك بآثار رسول الله ﷺ أمر مندوب إليه ومشروع. ولقد وردت أحاديث صحيحة ثابتة عن تبرك الصحابة ﵃ بشعر النبي ﷺ ، وعرقه ووضوئه، وبصاقه، والقدح الذي كان يشرب فيه. أهـ. تعليقات على قصة الحديبية: ١ - من أول ما يطالعك في قصة الحديبية إحكام التدبير، أولاً: في الشعار الذي رفع. وثانياً: في الطريق الذي سلك. وثالثاً: في الحوار الذي تم والمفاوضات التي جرت والحجج التي قيلت. ورابعاً: في أخذ البيعة على عدم الفرار أو الموت. وخامساً: في ضبط النفس عن القتال مع وجود أسبابه. وسادساً: في الاحتياطات الأمنية التي اتخذت. وسابعاً: في الجو الذي أحيطت به المفاوضات. وثامناً: في بنود الصلح. ٢ - هناك صورتان متكاملتان في هذه القصة: فمن أجل الثأر لعثمان عندما أشيع نبأ قتله أخذت البيعة على الموت، ومن أجل مجموعة من المؤمنين والمؤمنات المستضعفين في مكة صرف الله المسلمين عن القتال (ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم .......) (١). ومن هاتين الصورتين ندرك كم للمسلم من قيمة عند الله وعند إخوانه، فلا تفريط فيه بل حرص عليه، بل قد يتخذ قرار حرب من أجله، وهذا يعطينا عبراً كثيرة، أبسطها: أن نعرف للمسلم حرمته، وأن نعرف له قيمته فلا نضيعه بل نحاول القيام بحقوقه كاملة. ٣ - في هذه القصة موقف لم يستطع أصحاب رسول الله ﷺ إدراك أبعاده، وهذا يعطينا درساً في العمل الإسلامي: أن نستشرف دائماً أبعاد معركتنا، وأن نتفهم الآراء المطروحة أمامنا، وأن نتأنى في الحكم على تصرفات القادة الذين يكرمهم الله بتحمل المسؤولية، فكثيراً ما نصدر أحكاماً مستعجلة، ظاهرها الصواب وباطنها الخطأ.

стр. 760

٤ - ومن أعظم دروس الحديبية أن على القائد أن يمتلك القدرة على الحرب والسلام، وكثيراً ما يحدث أن القائد يستطيع السيطرة في الحرب فإذا ما أراد السلام ظهرت أمامه عقبات، فالمتحمسون، والمتشددون، وبالنسبة لغير الصحابة المزايدون، وههنا تحدث أزمات ومآس إن علينا أن ندرك أنه ليس الهدف هو الحرب أو السلم، إنما الهدف أن يتقدم هذا الدين، فحيثما رأت القيادات الرشيدة والشورى المبصرة أن المصلحة في شيء فههنا محط الرحال، ولا يصلح أحد للقيادة إذا لم يكن قادراً على قراري السلم والحرب بآن واحد، ولقد كان رسول الله ﷺ هو النموذج الأرقى في هذا وفي غيره. ٥ - وفي قصة الحديبية تجد المستوى الرفيع من الأدب والانضباط اللذين وصل إليهما أصحاب رسول الله ﷺ بفضل تربيته: فعثمان لا يطوف بالبيت على حبه لذلك ما دام رسول الله ﷺ لم يطف، والصحابة كانا كالسكارى عند توقيع الصلح وتأخير العمرة، ولكن لم يقولوا هجراً ولم يخرجوا عن انضباط. ومن مظاهر ما ذكرناه ههنا ما أشار إليه الشيخ الغزالي في كتابه فقه السيرة: (ومن السكينة التي تنزلت على المسلمين أن رسل قريش كانت تغدو على رسول الله ﷺ وتروح، فلا يعترضهما أحد، أما رسل المسلمين إلى قريش فقد تعرضت للهلاك، كاد خراش بن أمية الخزاعي يقتل، لولا أن أنقذه الأحابيش، فرجع وقد عقر جمله وكان النبي ﵊ أرسله ليبلغ أهل مكة حقيقة مجيئه، وانه يريد العبادة لا الحرب ... والرسل لا تقتل، بيد أن غليان قريش أفقدها الوعي. * * *

стр. 761

وصل هجوم عبد الرحمن الفزاري على المدينة المنورة سمى ابن هشام هذا الهجوم بغزوة ذي قرد. وكان ذلك مقفله ﵊ من الحديبية كما ذكر سلمة بن الأكوع في رواية مسلم - وقد ذكرنا قسماً من رواية سلمة من قبل وأخرنا بعضها إلى هنا، والسطور الأوائل مذكورة هنا وهناك لربط ما له علاقة بهذه الغزوة بسياقها الذي مر معنا من قبل. ٥٢٣ - * روى مسلم عن سلمة بن الأكوع قال: فلما أصبحنا إذا عبد الرحمن الفزاري قد أغار على ظهر رسول الله ﷺ فاستاقه أجمع وقتل راعيه قال فقلت: يا رباح! خذ هذا الفرس فأبلغه طلحة بن عبيد الله. وأخبر رسول الله ﷺ أن المشركين قد أغاروا على سرحه، قال: ثم قمت على أكمة فاستقبلت المدينة. فناديت ثلاثاً: يا صباحاه! ثم خرجت في آثار القوم أرميهم بالنبل. وأرتجز. أقول: أنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضع فألحق رجلاً منهم. فأصك سهماً في رحله حتى خلص نصل السهم إلى كتفه. قال قلت: خذها وأنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضع قال! فوالله ما زلت أرميهم وأعقر بهم. فإذا رجع إلي فارس أتيت شجرة فجلست في أصلها، ثم رميته فعقرت به. حتى إذا تضايق الجبل فدخلوا في تضايقه، علوت الجبل،

стр. 762

فجعلت أرديهم بالحجارة. قال: فما زلت كذلك أتبعهم حتى ما خلق الله من بعير من ظهر رسول الله ﷺ إلا خلفته وراء ظهري. وخلوا بيني وبينه. ثم اتبعتهم أرميهم، حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بردة وثلاثين رمحاً يستخفون، ولا يطرحون شيئاً إلا جعلت عليه آراماً من الحجارة، يعرفها رسول الله ﷺ وأصحابه. حتى أتوا متضايقاً من ثنية. فإذا هم قد أتاهم فلان بن بدر الفزاري فجلسوا يتضحون (يعني يتغدون). وجلست على رأس قرن. قال الفزاري: ما هذا الذي أرى؟ قالوا: لقينا، من هذا، البرح. والله! ما فارقنا منذ غلس يرمينا، حتى انتزع كل شيء في أيدينا. قال: فليقم إليه نفر منكم، أربعة. قال: فصعد إلي منهم أربعة في الجبل. قال: فلما أمكنوني من الكلام قال قلت: هل تعرفوني؟ قالوا: لا. ومن أنت؟ قال قلت: أنا سلمة بن الأكوع. والذي كرم وجه محمد ﷺ ! لا أطلب رجلاً منكم إلا أدركته. ولا يطلبني رجل منكم

стр. 763

فيدركني قال أحدهم: أنا أظن. قال: فرجعوا. فما برحت مكاني حتى رأيت فوارس رسول الله ﷺ يتخللون الشجر. قال: فإذا أولهم الأخرم الأسدي. على إثره أبو قتادة الأنصاري. وعلى إثره المقداد بن الأسود الكندي. قال: فأخذت بعنان الأخرم. قال: فولوا مدبرين. قلت: يا أخرم! احذرهم. لا يقتطعوك حتى يلحق رسول الله ﷺ وأصحابه. قال: يا سلمة! إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر، وتعلم أن الجنة حق والنار حق، فلا تحل بيني وبين الشهادة. قال: فخليته، فالتقى هو وعبد الرحمن. قال: فعقر بعبد الرحمن فرسه. وطعنه عبد الرحمن فقتله. وتحول على فرسه. ولحق أبو قتادة، فارس رسول الله ﷺ بعبد الرحمن. فطعنه فقتله. فوالذي كرم وجه محمد ﷺ ! لتبعتهم أعدو على رجلي. حتى ما أرى ورائي، من أصحاب محمد ﷺ ولا غبارهم، شيئاً. حتى يعدلوا قبل غروب الشمس إلى شعب فيه ماء. يقال له ذا قرد. ليشربوا منه وهم عطاش. قال: فنظروا إلي أعدو وراءهم. فحليتهم عنه (يعني أجليتهم عنه) فما ذاقوا منه قطرة. قال: ويخرجون فيشتدون في ثنية. قال: فأعدو فألحق رجلاً منهم. فأصكه بسهم في نغض كتفه. قال قلت: خذها وأنا ابن الأكوع. واليوم يوم الرضع. قال: يا ثكلته أمه! أكوعه بكرة. قال قلت: نعم. يا عدو نفسه! أكوعك بكرة. قال: وأردوا فرسين على ثنية. قال: فجئت بهما أسوقهما إلى رسول الله

стр. 764

صلى الله عليه وسلم. قال: ولحقني عامر بسطيحة فيها مذقة من لبن وسطيحة فيها ماء. فتوضأت وشربت. ثم أتيت رسول الله ﷺ وهو على الماء الذي حلأتهم. عنه. فإذا رسول الله ﷺ قد أخذ تلك الإبل وكل شيء استقذته من المشركين وكل رمح وبردة وإذا بلال نحر ناقة من الإبل الذي استنقذت من القوم إذا هو يشوي لرسول الله ﷺ من كبدها وسنامها. قال قلت: يا رسول الله! خلني فأنتخب من القوم مائة رجل، فأتبع القوم فلا يبقى منهم مخبر إلا قتلته قال: فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه في ضوء النار. فقال: "يا سلمة! أتراك كنت فاعلاً؟ " قلت: نعم. والذي أكرمك! فقال: "إنهم الآن ليقرون في أرض غطفان" قال: فجاء رجل من غطفان فقال: نحر لهم فلان جزوراً، فلما كشفوا جلدها رأوا غباراً. فقالوا: أتاكم القوم، فخرجوا هاربين. فلما أصبحنا قال رسول الله ﷺ : "كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة. وخير رجالتنا سلمة" قال: ثم أعطاني رسول الله ﷺ سهمين: سهم الفارس وسهم الراجل. فجمعهما لي جميعاً. ثم أردفني رسول الله ﷺ وراءه على العضباء راجعين إلى المدينة. قال: فبينما نحن نسير. قال: وكان رجل من الأنصار لا يسبق شداً، قال: فجعل يقول: ألا مسابق إلى المدينة؟ هل من مسابق؟ فجعل يعيد ذلك. قال: فلما سمعت كلامه قلت: أما تكرم كريماً، ولا تهاب شريفاً؟ قال: لا إلا أن يكون رسول الله ﷺ . قال قلت: يا رسول الله! بأبي وأمي! ذرني فلأسابق الرجل. قال: "إن

стр. 765

شئت" قال. قلت: اذهب إليك. وثنيت رجلي فظفرت فعدوت. قال: فربطت عليه شرفاً أو شرفين أستبقي نفسي. ثم عدوت في إثره. فربطت عليه شرفاً أو شرفين. ثم رفعت حتى ألحقه. قال: فأصكه بين كتفيه. قال قلت: قد سبقت والله! قال: أنا أظن. قال: فسبقته إلى المدينة. وللحديث تتمة متعلقة بخيبر سنذكرها في أحداث السنة السابعة. * * *

стр. 766

فصل في: مكاتبته ﵊ الملوك والأمراء قال المباركفوري: في أواخر السنة السادسة حين رجع رسول الله ﷺ من الحديبية كتب إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام. ولما أراد أن يكتب إلى هؤلاء الملوك قيل له: إنهم لا يقبلون إلا وعليه خاتم، فاتخذ النبي ﷺ خاتماً من فضة، نقشه: محمد رسول الله، وكان هذا النقش ثلاثة أسطر: محمد سطر، رسول سطر، والله سطر، هكذا: الله ... رسول ... محمد. واختار من أصحابه رسلاً لهم معرفة وخبرة، وأرسلهم إلى الملوك، وقد جزم العلامة المنصور فوري أن النبي ﷺ أرسل هؤلاء الرسل غرة المحرم سنة سبع من الهجرة قبل الخروج إلى خيبر بأيام. أقول: الذي يبدو لي أن المكاتبة بدأت في أواخر السنة السادسة واستمرت بعد ذلك فمنها ما وقع في السنة السادسة ومنها ما وقع بعدها، ويصعب تحديد الزمن لكل مراسلة، وأصل المراسلة ثابت في الصحيحين وغيرهما، أما نصوص هذه الرسائل فبعضها موجود في الصحيحين وغيرهما من كتب السنة وبعضها موجود في كتب السير وهناك مراسلات لا شك فيها كرسالته ﵊ إلى المقوقس لكن تفصيلاتها موجودة في كتب السيرة، ومن أجود ما استوعب هذا الموضوع من المحققين قديماً ابن القيم ﵀، وممن استوعبه حديثاً المباركفوري في الرحيق المختوم مستفيداً من تحقيقات المحدثين ونحن سننقل من التحقيقين لتكمل صورة الحركة في السنة السادسة. ذكر ابن القيم رسائله ﵊ إلى هرقل، والكتاب معروف محفوظ حتى الآن، وإلى كسرى وقد أشار إليه البخاري ومسلم، وإلى النجاشي وهو غير الأول الذي توفي في حياته ﵊ وصلى عليه صلاة الغائب، وقد أشار إلى هذه الرسالة مسلم، وإلى المقوقس عظيم مصر والإسكندرية، وإلى المنذر بن ساوى عظيم البحرين، وإلى ابني الجلندي عظيمي عمان، وإلى هوذة بن علي عظيم اليمامة، وإلى الحارث بن أبي شمر

стр. 767

الغساني عظيم دمشق. قال المباركفوري: وبهذه الكتب كان النبي ﷺ قد أبلغ دعوته إلى أكثر ملوك الأرض. فمنهم من آمن به ومنهم من كفر. ولكن شغل فكر هؤلاء الكافرين، وعرف لديهم باسمه ودينه. وقد عثر على أكثر من رسالة من رسائله ﵊ وألفت في ذلك كتب، وهذا جهد مشكور مأجور إن شاء الله تعالى، ونحن هنا نذكر ما ورد في أصول كتابنا على شرطنا: ٥٢٤ - * روى مسلم عن أنس أن نبي الله ﷺ كتب إلى كسرى، وإلى قيصر، وإلى النجاشي، وإلى كل جبار، يدعوهم إلى الله تعالى، وليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبي ﷺ . ٥٢٥ - * روى البخاري عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ بعث بكتابه إلى كسرى مع عبد الله بن حذافة السهمي، فأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قرأه، مزقه، فحسبت (القائل: هو الزهري) أن ابن المسيب قال: فدعا عليه رسول الله ﷺ أن يمزقوا كل ممزق. ٥٢٦ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: حدثني أبو سفيان بن حرب من فيه إلى في، قال: انطلقت في المدة التي كانت بيني وبين رسول الله ﷺ ، قال: فبينا أنا بالشام، إذ جيء بكتاب من النبي إلى هرقل، قال: وكان دحية الكلبي جاء به، فدفعه إلى عظيم بصرى، فدفعه عظيم بصرى إلى هرقل، قال فقال هرقل: هل ها هنا أحد من قوم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقالوا: نعم، قال فدعيت في نفر

стр. 768

من قريش، فدخلنا على هرقل، فأجلسنا بين يديه، فقال: أيكم أقرب نسباً من هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: فقلت: أنا، فأجلسوني بين يديه، وأجلسوا أصحابي خلفي، ثم دعا بترجمانه، فقال: قل لهم: إني سائل هذا عن هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي، فإن كذبني فكذبوه، قال أبو سفيان: وايم الله، لولا أن يؤثروا علي الكذب لكذبت، ثم قال لترجمانه، سله: كيف حسبه فيكم؟ قال: قلت: هو فينا ذو حسب، قال: فهل كان من آبائه من ملك؟ قال قلت: لا، قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا، قال أيتبعه أشراف الناس أم ضعفاؤهم؟ قال: قلت: لا بل ضعفاؤهم، قال: يزيدون أو ينقصون؟ قلت: لا، بل يزيدون، قال: هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له؟ قال: قلت: لا، قال: فهل قاتلتموه؟ قال قلت نعم، قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قال: قلت: تكون الحرب بيننا وبينه سجالاً، يصيب منا ونصيب منه، قال: فهل يغدر؟ قال: قلت: لا، ونحن منه في هذه المدة، لا ندري ما هو صانع فيها؟ - قال: والله ما أمكنني من كلمة أدخل فيها شيئاً غير هذه - قال: فهل قال هذا القول أحد قبله؟ قلت: لا، ثم قال لترجمانه: قل له: إني سألتك عن حسبه فيكم، فزعمت أنه فيكم ذو حسب، وكذلك الرسل تبعث في أحساب قومها، وسألتك: هل كان في آبائه ملك؟ فزعمت أن لا، فقلت: لو كان من آبائه ملك، قلت: رجل يطلب ملك آبائه، وسألتك عن أتباعه: أضعفاؤهم، أم أشرافهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم، وهم أتباع الرسل، وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال: فزعمت: أن لا، فعرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس، ثم يذهب فيكذب على الله، وسألتك: هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له؟ فزعمت: أن لا، وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشة القلوب، وسألتك: هل يزيدون أم ينقصون؟ فزعمت: أنهم يزيدون وكذلك الإيمان حتى يتم، وسألتك: هل قاتلتموه؟

стр. 769

فزعمت: أنكم قاتلتموه، فتكون الحرب بينكم وبينه سجالاً، ينال منكم وتنالون منه، وكذلك الرسل تبتلى، ثم تكون لها العاقبة، وسألتك: هل يغدر؟ فزعمت: أنه لا يغدر، وكذلك الرسل لا تغدر، وسألتك: هل قال أحد هذا القول قبله؟ فزعمت: أن لا، فقلت: لو كان قال هذا القول أحد قبله، قلت: رجل ائتم بقول قيل قبله، قال: ثم قال: بم يأمركم؟ قال: قلت: يأمرنا بالصلاة، والزكاة، والصلة، والعفاف، قال: إن يك ما تقول حقاً، فإنه نبي، وقد كنت أعلم أنه خارج، ولم أك أظنه منكم، ولو أني أعلم أني أخلص إليه لأحببت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه، وليبلغن ملكه ما تحت قدمي، ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ ، فقرأه، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله، إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين، و (يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا أشهدوا بأنا مسلمون) (١). فلما فرغ من قراءة الكتاب ارتفعت الأصوات عنده، وكثر اللغط، وأمر بنا فأخرجنا، قال: فقلت لأصحابي حين خرجنا: لقد أمِر أمْرُ ابن أبي كبشة، إنه ليخافه

стр. 770

ملك بني الأصفر، فما زلت موقناً بأمر رسول الله ﷺ أنه سيظهر، حتى أدخل الله علي الإسلام. قال الزهري: فدعا هرقل عظماء الروم، فجمعهم في دار له، فقال: يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد آخر الأبد، وأن يثبت لكم ملككم؟ قال: فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب فوجدوها قد غلقت، فقال: علي بهم، فدعا بهم، فقال: إني إنما اختبرت شدتكم على دينكم، فقد رأيت منكم الذي أحببت، فسجدوا له ورضوا عنه. وللبخاري في رواية (١) أخرى نحو حديث معمر، وفيه: قال: ماذا يأمركم؟ قلت: يقول: اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئاً، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة، والصدق، والعفاف، والصلة. وقال في الجواب أيضاً إعادة هذا الحديث. وفي أخرى (٢): والله فما زلت ذليلاً مستيقناً بأن أمره سيظهر، حتى أدخل الله قلبي الإسلام وأنا كاره. وقال في رواية (٣): وكان ابن الناطور - صاحب إيلياء وهرقل - سقفاً على نصارى الشام يحدث: أن هرقل حين قدم إيلياء أصبح يوماً خبيث النفس، فقال بعض بطارقته: قد استنكرنا هيئتك، قال ابن الناطور: وكان هرقل حزاء، ينظر في النجوم، فقال لهم حين سألوه: إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختان قد ظهر، فمن يختتن من هذه الأمة؟ قالوا: ليس يختتن إلا اليهود، فلا يهمنك شأنهم، واكتب إلى مدائن ملكك فيقتلوا من فيهم من اليهود، فبينما هم على أمرهم أتي هرقل برجل أرسل به ملك غسان يخبر عن خبر رسول الله ﷺ ، فلما استخبره هرقل، قال: اذهبوا،

стр. 771

فانظروا: أمختتن هو أم لا؟ فنظروا إليه، فحدثوه أنه مختتن، وسأله عن العرب؟ فقال: هم يختتنون، فقال هرقل: هذا ملك هذه الأمة قد ظهر، ثم كتب هرقل إلى صاحب له برومية - وكان نظيره في العلم - وسار هرقل إلى - حمص، فلم يرم حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه، يوافق رأي هرقل على خروج النبي ﷺ ، وأنه نبي، فأذن هرقل لعظماء الروم في دسكرة له بحمص ثم أمر بأبوابها فغلقت، ثم اطلع فقال: يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد، وأن يثبت ملككم، فتبايعوا هذا النبي؟ فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب، فوجدوها قد غلقت ... ثم ذكر نحو ما في حديث معمر إلى آخر هذا الفصل - ثم قال: فكان ذلك آخر شأن هرقل. تعليقاً على ما ذكره ابن سعد في طبقاته أن رسول الله ﷺ اتخذ خاتماً لمراسلة الملوك عندما أبلغ أن الملوك لا يقبلون رسالة غير مختومة. قال البوطي: دل عمل رسول الله ﷺ هذا على مشروعية اتخاذ الخاتم، وكان خاتمه ﷺ من فضة، كما دل على مشروعية نقش اسم صاحبه عليه. وقد استدل كثير من العلماء بذلك على استحباب وضع خاتم من فضة في الأصبع التي كان ﷺ يضع خاتمه فيها، وهي أصبع الخنصر. أقول: وهذا أصل في مراعاة البروتوكول العالمي. * * *

стр. 772

فوائد عامة من أحداث السنة السادسة ١ - حسن التعامل مع النفس البشرية شرط النجاح في العمل السياسي أو العسكري أو التربوي أو التعليمي أو الإداري أو الإعلامي، بل عمم ذلك على كل شيء في الحياة البشرية فمن لا يحسن التعامل مع النفس البشرية ساقط حكماً في القيادة. والذين يحسنون التعامل مع النفس البشرية نوعان: فنوع يتعامل معها من خلال أهوائها وغرائزها وشهواتها وهؤلاء هم الأخس من القادة، ونوع يحسن التعامل معها من خلال معرفتها وإدراك جوانب الخير فيها والارتقاء بهذه الجوانب، ومحمد ﷺ من بين هؤلاء هو المثل الأعلى، فهو أكثر خلق الله إدراكاً للنفوس ومعرفة بها، وهو أكثر خلق الله معرفة بالتعامل مع النفوس في أي موطن، وبذلك نجح في إيصال دعوته إلى القلوب ونجح في الانتقال بالأنفس من طور إلى طور على مستوى الأفراد وعلى مستوى الأمة، وهذا شيء تلحظه في الصغيرة والكبيرة من تصرفاته، ولقد مرت معنا في أحداث هذه السنة أكثر من حادثة تعتبر نموذجاً على ما ذكرناه، فحادثة ثمامة بن أثال واستخراج الإيمان منه، وحادثة إثارة الإبل في وجه سيد الأحابيش تعتبران نموذجين كاملين على ما ذكرناه، ففي حادثة ثمامة تجد طريقة من التعامل مع عدو شديد العداوة وتتمخض عن إيمان وحب، ومع أنه ﵊ في الظاهر لم يدعه ولم يناقشه، وحادثة إثارة البدن في وجه سيد الأحابيش نقلت الأحابيش كلهم من الضدية إلى المعية دون أن يجري أي حوار، إنك عندما تتأمل حياته ﵊ تجد من أبرز معانيها القدرة العليا على التعامل مع النفس البشرية ومن ثم نجح رسول الله ﷺ النجاح الذي لم يعرفه غيره إلا لماما، ولا غرابة فمن جملة مهماته ﵊ كما حددها القرآن: ﴿ويزكيكم﴾ وكيف يستطيع التزكية من لا يعرف النفس البشرية ويحسن التعامل معها، انظر كيف تعامل مع فتنة المنافقين يوم قال قائل يا للأنصار وقال الآخر يا للمهاجرين، وكيف أنه أنهى هذه الفتنة الكبيرة من خلال الحركة السريعة المباشرة المتقنة فصرف الأذهان عما حدث. إن حسن التعامل مع النفس البشرية يقتضي من صاحبه أن يتصرف مع كل نفس بما

стр. 773

يناسب وضعها وبما يحقق مردوداً على الجماعة وبما ترتقي به هذه النفس وأن يتصرف القائد مع كل الناس التصرف المناسب للمقام بما يلائم الحال وبما تتقبله النفوس وبما يحقق مردوداً للأمة وبما يقرب من الهدف القريب والبعيد دنيا وأخرى فهذا شيء فوق الطلاقة، ولا أعرف أحداً في تاريخ هذا العالم وصل في هذا كله إلى بعض ما وصل فيه محمد رسول الله ﷺ وذلك من توفيق الله. ٢ - القادة قسمان: فقسم لا يستشير وهذا مآله إلى الدمار أو التدمير، وقسم يستشير وهؤلاء نوعان: نوع يستفيد من الشورى، ونوع تضيعه الشورى، فالذي يستفيد من الشورى هو الذي يستطيع أن يدرك بسرعة الرأي الصحيح فيأخذ به ويرجحه من أين أتى هذا الرأي، أما النوع الآخر فهؤلاء تتجاذبهم الآراء ذات اليمين وذات الشمال، وكثيراً ما يفرطون وكثيراً ما تذهب أوقاتهم سدى وكثيراً ما يتبنون الرأي الأضعف. أما رسول الله ﷺ فلقد كان أكثر الناس استشارة - هذا مع أنه يوحى إليه - وفي الوقت نفسه كان أكثر خلق الله إدراكاً لسلامة الرأي، وأكثر خلق الله مسارعة للأخذ بالرأي الراجح ولعل موقفه من رأى أم سلمة يوم الحديبية يمثل هذا الجانب الذي ذكرناه، ولكنه ليس موقفاً يتيماً، فموقفه من رأي الحباب بن المنذر يوم بدر، وموقفه من اقتراح سلمان يوم الخندق كل ذلك نماذج على ما ذكرناه. ٣ - يكثر الكلام في عصرنا على الاستراتيجية والتكتيك، والمراد بالاستراتيجية الموقف الأحكم في قضية ما على ضوء النظرة الشاملة والبعيدة المدى، والمراد بالتكتيك الحركة الآنية التي تناسب المقام، والقائد الناجح هو الذي يدرك الموقف الاستراتيجي الأجود ويتحرك حركة آنية مناسبة على ضوء ذلك ومن فاته إدراك الموقف الاستراتيجي الأحكم أو التكتيك المناسب الأسلم في موقف ما خسر أو فشل، وكثيراً ما يسقط قادة في التكتيك، أو في الاستراتيجية، وبعض القادة تطريهم النجاحات الجزئية فيسقطون في النهاية لتفضيلهم ما هو تكتيكي على ما هو استراتيجي، ومحمد ﷺ من بين القادة - كان أعظم الخلق على الإطلاق في الرؤية الشاملة البعيدة المدى وكان أعظم خلق الله في الإدارة الناجحة والحركة الصحيحة في كل موقف، وصلح الحديبية والتحرك قبله وبعده يعطيك نموذجاً على ذلك، فلقد مهد

стр. 774

لهذا الصلح وتجنب الصدام المباشر مع خالد وغيره قبله وتنازل لقريش حتى أرضاها فيما ظاهره ضعف وباطنه قوة، وبما أنهى قريشاً من الناحية الاستراتيجية وأعطاه مركز القيادة إلى الأبد، ذلك بعض مظاهر الكمال في شخصيته ﵊ وكيف لا يكون كذلك وهو رسول الله ﷺ الخاتم. ٤ - نلاحظ أن رسول الله ﷺ قد أمضى صلح الحديبية على كره من أصحابه فهل هذا دليل لمن يقول بعدم إلزامية الشورى؟ والذي نقوله في هذا المقام ما يلي: لقد استشار رسول الله ﷺ أصحابه في الطريق في تثبيت الأحابيش فلما أشار أبو بكر عليه بألا يفعل ترك ذلك، فهناك طرح الأمر على الشورى ونزل على رأي مستشاره الأول، لكن نلاحظ أنه في صلح الحديبية فاوض وأمضى الأمر ولم يطرح المسألة على الشورى أصلاً فما السبب في ذلك؟ الأمر يدور عندنا على ثلاثة محامل: المحمل الأول: أن ذلك كان بوحي وعندئذ فلا محل للشورى. وفي النصوص ما يشير إلى هذا من مثل (إني عبد الله لن أعصيه ...). وقد تكون المسألة من باب الفهم عن الله دون وحي، ويشير إلى مثل هذا فهمه ﵊ لبروك ناقته وأنه حبسها حابس الفيل، وتعليقه على ذلك أنه لن تدعوه قريش إلى أمر تعظم فيه حرمات الله إلا فعل. المحمل الثاني: أنه أراد رسول الله ﷺ أن يفهم الأمة أن هناك حالات ينبغي أن يعطى الإمام فيها فرصة البت في الأمور، وعلى هذا فعلى الأمة أن تستخرج من مجموع أفعاله وأقواله ﵊ صلاحيات الإمام، ومتى تلزمه الشورى ومتى لا تلزمه، إن التفاوض مع العدو له أحكامه، فإن يظهر القائد التردد، أو أن يظهر في كل لحظة أنه بحاجة إلى استشارة خاصة والقائد هو رسول الله الذي يدعوهم إلى الإيمان بنبوته، كل ذلك له وزنه في فهم هذه الحادثة. المحمل الثالث: أن الأمة الإسلامية وقتذاك في طور التأسيس والصحابة كلهم في حجر التربية ونحن نرى أنه ما دامت الجماعات الإسلامية في طور التأسيس، والأفراد في حجر

стр. 775

التربية؛ فالشورى وقتذاك معلمة لا ملزمة كما ذكرنا ذلك في كتابنا: (دروس في العمل الإسلامي) وبعد هذا نقول: لا أرى أخطر على حاضر الإسلام ومستقبله من الفكرة التي تقول بعدم إلزامية الشورى دون تفصيل، بل إني أقول: إن المسلمين لم يؤتوا خلال تاريخهم إلا من هذه الفكرة، فبسبب هذه الفكرة انتقلت الأمة الإسلامية من خلافة راشدة إلى ملك عضوض، ومن توزيع عادل للأموال إلى تبديد للثروات في غير ما حق، ومن أنظمة ترضي الله ورسوله والمؤمنين إلى أنظمة يلعنها الله ورسوله والمؤمنون. إنه لابد من تقعيد لتنفيذ أمر الله ﴿وشاورهم في الأمر﴾ (١) ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ (٢) سواء لمرحلة ما قبل الحكم أو للحكم، وعلى ضوء ما يتفق عليه أهل الإسلام يكون السير. إن هذا وحده هو الذي يسع عصرنا، ويسع العاملين للإسلام، نجد عشرة من الناس يلتقون على أمير، وشوراهم لأميرهم غير ملزمة، وآراء هؤلاء الأمراء متناقضة، فكيف يتحد المسلمون؟ وإذا اتحد المسلمون فهل يتحدون على مبادئ وقواعد؟ أو يتحدون على شخص؟ وإذا اتحدوا على شخص وليس بيده سلطة تنفيذية فهل آراؤه وحدها تسعهم إذا كانت الشورى غير ملزمة؟ وإذا وصل الإسلاميون إلى الحكم فهل الأمر يناط بشخص بلا قيد ولا شرط؟ أو أن الأمر يحتاج إلى ضوابط وقواعد؟ إن الذين يقولون بعدم إلزامية الشورى يضعون الأمة الإسلامية - وهي الآن في أخطر مرحلة - في إطار قدرات الأفراد وأمزجتهم؟ فأي سير للإسلام والمسلمين في عصرنا المعقد إذا ما سير على مثل هذا الاجتهاد؟!. ترى هل يصل واحد من الناس الآن إلى مثل فضل معاوية بن أبي سفيان وهو صحابي؟ ومع ذلك جعل ابنه يزيد خليفة للمسلمين، من الذي يضمن ما دامت الشورى غير ملزمة أن يتصرف أمير مثل هذه التصرفات؟ ويا مسلمون اسمعوا وأطيعوا. ٥ - عندما يتهادن فريقان فهناك ثلاث صور:
следующие страницы →