فانظروا: أمختتن هو أم لا؟ فنظروا إليه، فحدثوه أنه مختتن، وسأله عن العرب؟ فقال: هم يختتنون، فقال هرقل: هذا ملك هذه الأمة قد ظهر، ثم كتب هرقل إلى صاحب له برومية - وكان نظيره في العلم - وسار هرقل إلى - حمص، فلم يرم حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه، يوافق رأي هرقل على خروج النبي ﷺ ، وأنه نبي، فأذن هرقل لعظماء الروم في دسكرة له بحمص ثم أمر بأبوابها فغلقت، ثم اطلع فقال: يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد، وأن يثبت ملككم، فتبايعوا هذا النبي؟ فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب، فوجدوها قد غلقت ... ثم ذكر نحو ما في حديث معمر إلى آخر هذا الفصل - ثم قال: فكان ذلك آخر شأن هرقل.
تعليقاً على ما ذكره ابن سعد في طبقاته أن رسول الله ﷺ اتخذ خاتماً لمراسلة الملوك عندما أبلغ أن الملوك لا يقبلون رسالة غير مختومة. قال البوطي:
دل عمل رسول الله ﷺ هذا على مشروعية اتخاذ الخاتم، وكان خاتمه ﷺ من فضة، كما دل على مشروعية نقش اسم صاحبه عليه. وقد استدل كثير من العلماء بذلك على استحباب وضع خاتم من فضة في الأصبع التي كان ﷺ يضع خاتمه فيها، وهي أصبع الخنصر.
أقول: وهذا أصل في مراعاة البروتوكول العالمي.
* * *
стр. 772
فوائد عامة من أحداث السنة السادسة
١ - حسن التعامل مع النفس البشرية شرط النجاح في العمل السياسي أو العسكري أو التربوي أو التعليمي أو الإداري أو الإعلامي، بل عمم ذلك على كل شيء في الحياة البشرية فمن لا يحسن التعامل مع النفس البشرية ساقط حكماً في القيادة. والذين يحسنون التعامل مع النفس البشرية نوعان: فنوع يتعامل معها من خلال أهوائها وغرائزها وشهواتها وهؤلاء هم الأخس من القادة، ونوع يحسن التعامل معها من خلال معرفتها وإدراك جوانب الخير فيها والارتقاء بهذه الجوانب، ومحمد ﷺ من بين هؤلاء هو المثل الأعلى، فهو أكثر خلق الله إدراكاً للنفوس ومعرفة بها، وهو أكثر خلق الله معرفة بالتعامل مع النفوس في أي موطن، وبذلك نجح في إيصال دعوته إلى القلوب ونجح في الانتقال بالأنفس من طور إلى طور على مستوى الأفراد وعلى مستوى الأمة، وهذا شيء تلحظه في الصغيرة والكبيرة من تصرفاته، ولقد مرت معنا في أحداث هذه السنة أكثر من حادثة تعتبر نموذجاً على ما ذكرناه، فحادثة ثمامة بن أثال واستخراج الإيمان منه، وحادثة إثارة الإبل في وجه سيد الأحابيش تعتبران نموذجين كاملين على ما ذكرناه، ففي حادثة ثمامة تجد طريقة من التعامل مع عدو شديد العداوة وتتمخض عن إيمان وحب، ومع أنه ﵊ في الظاهر لم يدعه ولم يناقشه، وحادثة إثارة البدن في وجه سيد الأحابيش نقلت الأحابيش كلهم من الضدية إلى المعية دون أن يجري أي حوار، إنك عندما تتأمل حياته ﵊ تجد من أبرز معانيها القدرة العليا على التعامل مع النفس البشرية ومن ثم نجح رسول الله ﷺ النجاح الذي لم يعرفه غيره إلا لماما، ولا غرابة فمن جملة مهماته ﵊ كما حددها القرآن:
﴿ويزكيكم﴾ وكيف يستطيع التزكية من لا يعرف النفس البشرية ويحسن التعامل معها، انظر كيف تعامل مع فتنة المنافقين يوم قال قائل يا للأنصار وقال الآخر يا للمهاجرين، وكيف أنه أنهى هذه الفتنة الكبيرة من خلال الحركة السريعة المباشرة المتقنة فصرف الأذهان عما حدث.
إن حسن التعامل مع النفس البشرية يقتضي من صاحبه أن يتصرف مع كل نفس بما
стр. 773
يناسب وضعها وبما يحقق مردوداً على الجماعة وبما ترتقي به هذه النفس وأن يتصرف القائد مع كل الناس التصرف المناسب للمقام بما يلائم الحال وبما تتقبله النفوس وبما يحقق مردوداً للأمة وبما يقرب من الهدف القريب والبعيد دنيا وأخرى فهذا شيء فوق الطلاقة، ولا أعرف أحداً في تاريخ هذا العالم وصل في هذا كله إلى بعض ما وصل فيه محمد رسول الله ﷺ وذلك من توفيق الله.
٢ - القادة قسمان: فقسم لا يستشير وهذا مآله إلى الدمار أو التدمير، وقسم يستشير وهؤلاء نوعان: نوع يستفيد من الشورى، ونوع تضيعه الشورى، فالذي يستفيد من الشورى هو الذي يستطيع أن يدرك بسرعة الرأي الصحيح فيأخذ به ويرجحه من أين أتى هذا الرأي، أما النوع الآخر فهؤلاء تتجاذبهم الآراء ذات اليمين وذات الشمال، وكثيراً ما يفرطون وكثيراً ما تذهب أوقاتهم سدى وكثيراً ما يتبنون الرأي الأضعف. أما رسول الله ﷺ فلقد كان أكثر الناس استشارة - هذا مع أنه يوحى إليه - وفي الوقت نفسه كان أكثر خلق الله إدراكاً لسلامة الرأي، وأكثر خلق الله مسارعة للأخذ بالرأي الراجح ولعل موقفه من رأى أم سلمة يوم الحديبية يمثل هذا الجانب الذي ذكرناه، ولكنه ليس موقفاً يتيماً، فموقفه من رأي الحباب بن المنذر يوم بدر، وموقفه من اقتراح سلمان يوم الخندق كل ذلك نماذج على ما ذكرناه.
٣ - يكثر الكلام في عصرنا على الاستراتيجية والتكتيك، والمراد بالاستراتيجية الموقف الأحكم في قضية ما على ضوء النظرة الشاملة والبعيدة المدى، والمراد بالتكتيك الحركة الآنية التي تناسب المقام، والقائد الناجح هو الذي يدرك الموقف الاستراتيجي الأجود ويتحرك حركة آنية مناسبة على ضوء ذلك ومن فاته إدراك الموقف الاستراتيجي الأحكم أو التكتيك المناسب الأسلم في موقف ما خسر أو فشل، وكثيراً ما يسقط قادة في التكتيك، أو في الاستراتيجية، وبعض القادة تطريهم النجاحات الجزئية فيسقطون في النهاية لتفضيلهم ما هو تكتيكي على ما هو استراتيجي، ومحمد ﷺ من بين القادة - كان أعظم الخلق على الإطلاق في الرؤية الشاملة البعيدة المدى وكان أعظم خلق الله في الإدارة الناجحة والحركة الصحيحة في كل موقف، وصلح الحديبية والتحرك قبله وبعده يعطيك نموذجاً على ذلك، فلقد مهد
стр. 774
لهذا الصلح وتجنب الصدام المباشر مع خالد وغيره قبله وتنازل لقريش حتى أرضاها فيما ظاهره ضعف وباطنه قوة، وبما أنهى قريشاً من الناحية الاستراتيجية وأعطاه مركز القيادة إلى الأبد، ذلك بعض مظاهر الكمال في شخصيته ﵊ وكيف لا يكون كذلك وهو رسول الله ﷺ الخاتم.
٤ - نلاحظ أن رسول الله ﷺ قد أمضى صلح الحديبية على كره من أصحابه فهل هذا دليل لمن يقول بعدم إلزامية الشورى؟ والذي نقوله في هذا المقام ما يلي:
لقد استشار رسول الله ﷺ أصحابه في الطريق في تثبيت الأحابيش فلما أشار أبو بكر عليه بألا يفعل ترك ذلك، فهناك طرح الأمر على الشورى ونزل على رأي مستشاره الأول، لكن نلاحظ أنه في صلح الحديبية فاوض وأمضى الأمر ولم يطرح المسألة على الشورى أصلاً فما السبب في ذلك؟ الأمر يدور عندنا على ثلاثة محامل:
المحمل الأول: أن ذلك كان بوحي وعندئذ فلا محل للشورى. وفي النصوص ما يشير إلى هذا من مثل (إني عبد الله لن أعصيه ...). وقد تكون المسألة من باب الفهم عن الله دون وحي، ويشير إلى مثل هذا فهمه ﵊ لبروك ناقته وأنه حبسها حابس الفيل، وتعليقه على ذلك أنه لن تدعوه قريش إلى أمر تعظم فيه حرمات الله إلا فعل.
المحمل الثاني: أنه أراد رسول الله ﷺ أن يفهم الأمة أن هناك حالات ينبغي أن يعطى الإمام فيها فرصة البت في الأمور، وعلى هذا فعلى الأمة أن تستخرج من مجموع أفعاله وأقواله ﵊ صلاحيات الإمام، ومتى تلزمه الشورى ومتى لا تلزمه، إن التفاوض مع العدو له أحكامه، فإن يظهر القائد التردد، أو أن يظهر في كل لحظة أنه بحاجة إلى استشارة خاصة والقائد هو رسول الله الذي يدعوهم إلى الإيمان بنبوته، كل ذلك له وزنه في فهم هذه الحادثة.
المحمل الثالث: أن الأمة الإسلامية وقتذاك في طور التأسيس والصحابة كلهم في حجر التربية ونحن نرى أنه ما دامت الجماعات الإسلامية في طور التأسيس، والأفراد في حجر
стр. 775
التربية؛ فالشورى وقتذاك معلمة لا ملزمة كما ذكرنا ذلك في كتابنا: (دروس في العمل الإسلامي) وبعد هذا نقول:
لا أرى أخطر على حاضر الإسلام ومستقبله من الفكرة التي تقول بعدم إلزامية الشورى دون تفصيل، بل إني أقول: إن المسلمين لم يؤتوا خلال تاريخهم إلا من هذه الفكرة، فبسبب هذه الفكرة انتقلت الأمة الإسلامية من خلافة راشدة إلى ملك عضوض، ومن توزيع عادل للأموال إلى تبديد للثروات في غير ما حق، ومن أنظمة ترضي الله ورسوله والمؤمنين إلى أنظمة يلعنها الله ورسوله والمؤمنون. إنه لابد من تقعيد لتنفيذ أمر الله ﴿وشاورهم في الأمر﴾ (١) ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ (٢) سواء لمرحلة ما قبل الحكم أو للحكم، وعلى ضوء ما يتفق عليه أهل الإسلام يكون السير.
إن هذا وحده هو الذي يسع عصرنا، ويسع العاملين للإسلام، نجد عشرة من الناس يلتقون على أمير، وشوراهم لأميرهم غير ملزمة، وآراء هؤلاء الأمراء متناقضة، فكيف يتحد المسلمون؟ وإذا اتحد المسلمون فهل يتحدون على مبادئ وقواعد؟ أو يتحدون على شخص؟ وإذا اتحدوا على شخص وليس بيده سلطة تنفيذية فهل آراؤه وحدها تسعهم إذا كانت الشورى غير ملزمة؟ وإذا وصل الإسلاميون إلى الحكم فهل الأمر يناط بشخص بلا قيد ولا شرط؟ أو أن الأمر يحتاج إلى ضوابط وقواعد؟ إن الذين يقولون بعدم إلزامية الشورى يضعون الأمة الإسلامية - وهي الآن في أخطر مرحلة - في إطار قدرات الأفراد وأمزجتهم؟ فأي سير للإسلام والمسلمين في عصرنا المعقد إذا ما سير على مثل هذا الاجتهاد؟!.
ترى هل يصل واحد من الناس الآن إلى مثل فضل معاوية بن أبي سفيان وهو صحابي؟ ومع ذلك جعل ابنه يزيد خليفة للمسلمين، من الذي يضمن ما دامت الشورى غير ملزمة أن يتصرف أمير مثل هذه التصرفات؟ ويا مسلمون اسمعوا وأطيعوا.
٥ - عندما يتهادن فريقان فهناك ثلاث صور:
стр. 776
الصورة الأولى: أن يكون لكل من الفريقين دعوة ورسالة.
الصورة الثانية: أن يكون لأحد الفريقين دعوة ورسالة وفكرة.
الصورة الثالثة: ألا يكون لكل من الفريقين دعوة ورسالة.
في الصورة الأولى: الفكر الأقوى هو الذي سينتصر إذا أتيح له دعاة متحمسون أقوياء، وفي الصورة الثانية: أصحاب الدعوة هم الرابحون إذا عملوا، وفي الصورة الثالثة: يتساوى الربح والخسارة عند الطرفين إذا تعادلوا باليقظة والسهر. من هنا نقول: إن يوم الحديبية كان ربحاً كله؛ لأنه كان هدنة بين أصحاب دعوة ورسالة وبين ناس ورثوا معاني وألفوها، ولذلك فإن الصف الإسلامي كان يتنامى على حساب الصف الآخر ومن هنا نرى أن أعداد المسلمين تضاعفت مرات بعد صلح الحديبية، وكل ذلك كان على حساب الصف الآخر، وهذه قضية ندر من يفطن لها، بل الغفلة عنها كانت عاملاً من عوامل انحسار الإسلام في عصرنا، فلقد وجدت على الأرض الإسلامية دعوات باطلة، في وقت خبت فيه روح الدعوة عند المسلمين وسكت المسلمون على هذه الدعوات وهادنتها حكومات فكان أن سجلت كثير من هذه الدعوات انتصارات على الأرض الإسلامية وقد ورثنا نحن ذلك والله المستعان.
أما رسول الله ﷺ فذلك شأن آخر بأبي هو وأمي.
٦ - من وجهة النظر السياسية كان صلح الحديبية اعترافاً من مكة بدولة المدينة، واعترافاً من قريش بسلطان رسول الله ﷺ ، وقد أتبع رسول الله ﷺ هذا الأمر مباشرة إرساله الرسائل للملوك والأمراء فحقق بهذا أكثر من هدف: دعا هؤلاء إلى الله وهذا هو الهدف الأكبر، أشعر من لم يشعر من هؤلاء بوجوده، ليفكروا بتحديد موقف من الدين الجديد والدولة الناشئة، وضع أساساً للحركة السياسية والعسكرية المقبلتين في حياته أو بعد وفاته ﵊، أخرج الدعوة من إطارها العربي إلى إطارها العالمي.
٧ - ليس هناك من واجب على الحاكم يعدل واجب توفير الأمن للمواطن على عرضه وماله وحياته، ومن عرف جزيرة العرب في الجاهلية وطبيعة بداوتها وقسوة الحياة فيها
стр. 777
أدرك أن فكرة الأمن المعروفة تكاد تكون معدومة، ولكن انظر إلى الدولة التي أقامها رسول الله ﷺ كيف أنها استطاعت أن تحقق أكبر قدر ممكن من الأمن بأقصر فترة متصورة فأصبحت حوادث القتل داخل المجتمع الإسلامي قليلة، والمعاهدون محميين ما داموا لا يخلون بعهدهم ثم إن أي خطر خارجي كان يرد عليه بسرعة وأي إخلال داخلي بالأمن كان يعامل بحزم وكان لا يسكت على غدر، وفي أحداث هذه السنة نجد حادثتين بارزتين تعتبران نموذجاً على بعض ما ذكرناه، معاملته ﵊ للعرنيين الذين قتلوا راعيه وسملوا عينيه وسلبوا الأموال، واسترجاع ما أخذته بنو فزارة في هجومها على سرح المدينة. لقد كان المجتمع المدني يتوسع كثيراً؛ لأن الهجرة كانت مفروضة على كل من أسلم، ومع ذلك فكم هي حوادث الإخلال بالأمن التي حدثت داخل هذا المجتمع؟ إنها لقليلة جداً وذلك كله أثر من آثار السياسة النبوية التي قللت دوافع الجريمة ووسعت حوافز الفضيلة واجتمع فيها حزم القانون وعدالة القضاء، وحزم الحاكم وهدي النبوة.
* * *
تقويم الموقف في نهاية السنة السادسة
بالصلح بين رسول الله ﷺ وبين قريش لم يعد هناك رأس يتجمع حوله المشركون جميعاً وبذلك ماتت إلى الأبد فكرة أن تتجمع الجزيرة العربية ضد رسول الله ﷺ ، وهكذا أصبح رسول الله ﷺ أمام وضع يعطيه فرصاً في الحرب وفي السلم، في الدعوة داخل الجزيرة العربية وخارجها، ولم يكن الأمر يحتاج إلى تفكير كثير لاستثمار هذا الوضع فالوحي يتنزل ويسدد ويرشد، ورسول الله ﷺ هو القائد ولقد تحرك رسول الله ﷺ سلماً وحرباً، وكان من آثار ذلك العجب الكبير:
خلال فترة وجيزة كسبت الدعوة أضعافاً مضاعفة، فقد خرج رسول الله ﷺ يوم الحديبية بألف وخمسمائة بينما انطلق إلى مكة عام الفتح بعشرة آلاف، وفي السنة السابعة أنهى الكيان السياسي لليهود إنهاءً تاماً في جزيرة العرب. ليست هناك لحظة تمر إلا بعمل هادف.
فإلى أحداث السنة السابعة.
* * *
стр. 778
السنة السابعة للهجرة
стр. 779
أهم أحداث هذه السنة في سطور
* في المحرم وصفر من السنة السابعة تمت غزوتا خيبر ووادي القرى، فسقطت بذلك آخر معاقل يهود في الجزيرة العربية بعد أن استسلم يهود تيماء ودخلوا في صلح مع رسول الله ﷺ .
* وفي هذه السنة قدم جعفر بن أبي طالب ﵁ ومن معه من مهاجري الحبشة وبعض الأشعريين الذين كانوا معه وكان ذلك على إثر فتح خيبر كما تزوج رسول الله ﷺ من صفية بنت حيي ﵂، وعلى إثر خيبر حاولت اليهودية زينب بنت الحارث أن تسمه ﷺ ولكن الله عصمه.
* وفي صفر سنة سبع للهجرة أرسل رسول الله ﷺ أبان بن سعيد بن العاص في سرية إلى نجد لإرهاب أعرابها فلا يفكرون في غزو المدينة وهو يصارع اليهود في خيبر ووادي القرى.
* وفي شهر ربيع الأول غزا رسول الله ﷺ نجدا ولقي جمعاً من غطفان فتوافقوا ولم يكن بينهم قتال، وهي الغزوة التي لف بها بعض الصحابة على أرجلهم الخرق عندما نقبت فاختلطت بغزوة ذات الرقاع التي كانت سنة أربع، فلنسم هذه غزوة الرقاع وتلك غزوة ذات الرقاع.
* وفي صفر أو ربيع الأول أرسل رسول الله ﷺ سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى بني الملوح بقديد.
* وفي جمادى الأولى لسنة سبع أسلم باذان عامل كسرى على اليمن بعد أن قتل شيرويه ابن كسرى أباه وأخبر بذلك رسول الله ﷺ رسولي باذان في اليوم التالي فكانت معجزة أسلم بسببها باذان ومن معه من أهل فارس في اليمن.
* وفي هذه السنة أرسل رسول الله ﷺ زيد بن حارثة إلى حسمى وراء وادي القرى في خمسمائة رجل فشن زيد الغارة على جذام التي سلبت دحية بن خليفة الكلبي رسول رسول
стр. 780
الله ﷺ إلى هرقل فقتل فيهم زيد قتلاً ذريعاً .....
* ومن سرايا هذا العام:
- سرية عمر بن الخطاب إلى تربة في شعبان سنة ٧ هـ. ومعه ثلاثون رجلاً كانوا يسيرون الليل ويستخفون في النهار، وأتى الخبر إلى هوازن فهربوا، وجاء عمر إلى محالهم فلم يلق أحداً فانصرف راجعاً إلى المدينة.
- سرية بشير بن سعد الأنصاري إلى بني مرة بناحية فدك في شعبان سنة ٧ هـ في ثلاثين رجلاً. خرج إليهم واستاق الشاء والنعم، ثم رجع فأدركه الطلب عند الليل، فرموهم بالنبل حتى فني نبل بشير وأصحابه، فقتلوا جميعاً إلا بشير فإنه ارتث إلى فدك، فأقام عند يهود، حتى برأت جراحه، فرجع إلى المدينة.
- سرية غالب بن عبد الله الليثي في رمضان سنة ٧ هـ إلى بني عوال، وبني عبد بن ثعلبة بالميفعة، وقيل إلى الحرقات من جهينة في مائة وثلاثين رجلاً، فهجموا عليهم جميعاً، وقتلوا من أشرف لهم، واستاقوا نعماً وشاء، وفي هذه السرية قتل أسامة بن زيد نهيك بن مرادس بعد أن قال: لا إله إلا الله. فقال النبي ﷺ "هلا شققت عن قلبه فتعلم أصادق هو أم كاذب؟ ".
- سرية عبد الله بن رواحة إلى خيبر في شوال سنة ٧ هـ في ثلاثين راكباً. وذلك أن أسير أو بشير بن زارم كان يجمع غطفان لغزو المسلمين، فأخرجوا أسيراً في ثلاثين من أصحابه، وأطمعوه أن الرسول ﷺ يستعمله على خيبر، فلما كانوا بقرقرة ثبار وقع بين الفريقين سوء ظن أفضى إلى قتل أسير وأصحابه الثلاثين.
- سرية بشير بن سعد الأنصاري إلى يمن وجبار (بالفتح، أرض لغطفان وقيل لفزارة وعذرة) في شوال سنة ٧ هـ في ثلاثمائة من المسلمين، للقاء جمع كبير تجمعوا للإغارة على أطراف المدينة، فساروا الليل وكمنوا النهار، فلما بلغهم مسير بشير هربوا، وأصاب بشير نعماً كثيرة، وأسر رجلين، فقدم بهما إلى المدينة، إلى رسول الله ﷺ فأسلما.
- سرية أبي حدرد الأسلمي إلى الغابة، ذكرها ابن القيم في سرايا السنة السابعة قبل عمرة
стр. 781
القضاء، وملخصها أن رجلاً من جشم بن معاوية أقبل في عدد كبير إلى الغابة، يريد أن يجمع قيساً على محاربة المسلمين. فبعث رسول الله ﷺ أبا حدرد مع رجلين فاختار أبو حدرد خطة حربية حكيمة، وهزم العدو هزيمة منكرة، واستاق الكثير من الإبل والغنم.
* ولما أهل هلال ذي القعدة خرج رسول الله ﷺ لعمرة القضاء في ألفين من أصحابه سوى النساء والصبيان، وقد خرج معه كل من شهد الحديبية إلا من استشهد، وفي هذه العمرة تزوج رسول الله ﷺ بميمونة بنت الحارث العامرية ﵂.
* وفي ذي الحجة من سنة سبع أرسل رسول الله ﷺ ابن أبي العوجاء في سرية قوامها خمسون رجلاً إلى بني سليم ليدعوهم إلى الإسلام فقالوا: لا حاجة لنا إلى ما دعوتنا ثم قاتلوا قتالاً شديداً جرح فيه ابن أبي العوجاء وأسر رجلان من العدو.
* ومن أحداث هذه السنة رده ﵊ ابنته زينب على زوجها أبي العاص ابن الربيع بعدما أسلم.
وكعادتنا في هذا القسم نذكر فيه ما هو ألصق بما اصطلح على تسميته بالسيرة النبوية ونركز على ما ورد فيه قرآن أو ما ورد له ذكر في أصول هذا الكتاب أو ما اشتهر من أحداث السيرة بحيث لا يليق بالكتاب ألا يعرج عليه، ولقد أشير في القرآن إلى غزوة خيبر وعمرة القضاء وإلى حادثة أسامة فنحن عاقدون لهذه ثلاثة فصول، وقد ذكرت في أصولنا غزوة الرقاع وقدوم جعفر وسرية أبان بن سعيد ونحن عاقدون لكل منها فصلاً على تسلسل وقوعها:
فصل: في سرية أبان بن سعيد إلى خيبر.
فصل: في غزوة خيبر.
فصل: في غزوة الرقاع.
فصل: في سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى بني الملوح.
فصل: في عمرة القضاء.
стр. 782
و لنلق قبل البدء نظرة كلية على أحداث هذه السنة:
بعد صلح الحديبية أمن الرسول ﷺ أمناً مباشراً من قريش ومن دخل معها في هذا الصلح، وأمن بالتالي من أن تجتمع عليه الجزيرة العربية كلها مرة ثانية، ولم يعد هناك ما يمكن أن يشكل تهديداً مباشراً للدولة إلا جهة واحدة وهي جهة الشمال، ففي هذه الجهة أربع تجمعات لليهود في خيبر ووادي القرى وفدك وتيماء، وهذه التجمعات متصلة اتصالاً مباشراً بعدد من القبائل العربية أهمها غطفان، فلو أنها اتحدت لشكلت خطراً أما من عدا هؤلاء وإلى دائرة واسعة حول المدينة المنورة فلا خطر فهناك قبائل متفرقة لا تفكر إلا في السلب والنهب وكانت سياسة الرسول مع هذه القبائل تقوم على إشعارها بالحركة المستمرة من خلال البعوث والسرايا، وهذه البعوث والسرايا كانت تحقق هدفين: إشعار هؤلاء بالإسلام ليفكروا، وتثبيتهم حتى لا يهاجموا، وتحركات رسول الله ﷺ وصلت في هذا العام إلى الطائف (تربة) وإلى نجد (غزوة الرقاع)، أما خيبر ووادي القرى وفدك وتيماء فقد قرر السيطرة عليها وكانت خطته ألا يعطيها فرصة التجمع مع غطفان وقد نجح في إنهاء خيبر ولم تستطع غطفان أن تفعل شيئاً ثم ذابت بعد ذلك في الإسلام.
وهكذا أصبحت دائرة أمن المدينة ممتدة غرباً حتى الساحل وجنوباً حتى الطائف وشمالاً حتى حدود الشام وشرقاً حتى حدود نجد، وأما الدائرة التي تلي هذا فقد اخترقتها الدعوة الإسلامية السلمية بواسطة الرسائل والدعاة فأصبح قسم كبير من الخليج مسلماً وقسم كبير من اليمن مسلماً، وبقيت جهات كثيرة تفكر وتنتظر، وكل يوم يأتي كان يدنيها من الإسلام والطاعة والانقياد، وجاءت ضربة خيبر فأزالت الكثير من التردد، ثم جاء فتح مكة في السنة الثامنة منه فكانت الضربة النهائية.
* * *
стр. 783
فصل: في سرية أبان بن سعيد إلى خيبر
٥٢٧ - * روى البخاري وأبو داود عن عنبسة بن سعيد أن أبا هريرة ﵁ أتى النبي ﷺ فسأله، قال له بعض بني سعيد بن العاص: لا تعطه، فقال أبو هريرة: هذا قاتل ابن قوقل، فقال: واعجباً لوبر تدلى من قدوم الضأن.
وفي رواية (١): "أن أبان بن سعيد أقبل إلى النبي ﷺ فسلم عليه، فقال أبو هريرة: يا رسول الله، هذا قاتل ابن قوقل. وقال أبان لأبي هريرة: واعجباً لك وبر تدأدأ من قدوم ضأن، ينعى علي امرءاً أكرمه الله بيدي، ومنعه أن يهينني بيده.
قال البخاري (٢) ويذكر عن الزبيدي عن الزهري قال: أخبرني عنبسة بن سعيد أنه سمع أبا هريرة يخبر سعيد بن العاص قال: بعث رسول الله ﷺ أبان على سرية من المدينة قبل نجد، قال أبو هريرة: فقدم أبان وأصحابه على النبي ﷺ بخيبر بعدما افتتحها وإن حزم خيلهم لليف. قال أبو هريرة: قلت يا رسول الله، لا تقسم لهم. قال أبان: وأنت بهذا يا وبر تحدر من رأس ضأن. فقال النبي ﷺ : "يا أبان أجلس" فلم يقسم لهم.
قال في الفتح: وأما أبان فهو ابن سعيد بن العاص بن أمية، وهو عم سعيد بن العاص الذي حدثه أبو هريرة، وكان إسلام أبان بعد غزوة الحديبية، وقد ذكرنا أولاً في قصة
стр. 784
الحديبية في الشروط وغيرها أن أبان هذا أجاز عثمان بن عفان في الحديبية حتى دخل مكة وبلغ رسالة رسول الله ﷺ ، وتقدم في هذه الغزوة أن غزوة خيبر كانت عقب الرجوع من الحديبية، فيشعر ذلك بأن أبان أسلم عقب الحديبية حتى أمكن أن يبعثه النبي ﷺ في سرية، وقد ذكر الهيثم بن علي في الأخبار سبب إسلام أبان، فروى من طريق سعيد بن العاص قال: قتل أبي يوم بدر، فرباني عمي أبان، وكان شديداً على النبي ﷺ يسبه إذا ذكر، فخرج إلى الشام فرجع فلم يسبه، فسئل عن ذلك، فذكر أنه لقي راهباً فأخبره بصفته ونعته، فوقع في قلبه تصديقه، فلم يلبث أن خرج إلى المدينة فأسلم، فإن كان هذا ثابتاً احتمل أن يكون خروج أبان إلى الشام كان قبل الحديبية.
قيل وقع في إحدى الطريقين ما يدخل في قسم المقلوب، فإن في رواية ابن عيينة أن أبا هريرة السائل أن يقسم له، وأن أبان هو الذي أشار بمنعه. وفي رواية الزبيدي أن أبان هو الذي سأل، وأن أبا هريرة هو الذي أشار بمنعه، وقد رجح الذهلي رواية الزبيدي. ويؤيد ذلك وقوع التصريح في روايته بقول النبي ﷺ يا أبا اجلس. ولم يقسم لهم، ويحتمل أن يجمع بينهما بأن يكون كل من أبان وأبي هريرة أشار أن لا يقسم للآخر، ويدل عليه أن أبا هريرة احتج على أبان بأنه قاتل ابن قوقل، وأبان احتج على أبي هريرة بأنه ليس ممن له في الحرب يد يستحق بها النفل، فلا يكون فيه قلب، وقد سلمت رواية السعيدي من هذا الاختلاف، فإنه لم يتعرض في حديثه لسؤال القسمة أصلاً. والله أعلم. ا. هـ فتح.
فائدة: الذي يبدو لي أن هذه السرية كانت للفت الأنظار عن غزوة خيبر، وتثبيت بعض القبائل التي يحتمل أن تمد خيبر، فقد ورد في ابن هشام عن ابن إسحاق:
فبلغني أن غطفان لما سمعت بمنزل رسول الله ﷺ من خيبر جمعوا له، ثم خرجوا ليظاهروا يهود عليه، حتى إذا ساروا منقلة - مرحلة - سمعوا خلفهم في أموالهم وأهليهم حسا، وظنوا أن القوم قد خالفوا إليهم، فرجعوا على أعقابهم، فأقاموا في أهليهم وأموالهم، وخلوا بين رسول الله ﷺ وبين خيبر.
* * *
стр. 785
فصل: في غزوة خيبر ووادي القرى
تقديم:
- في شمال المدينة المنورة وفي الطريق إلى الشام تقع خيبر وفدك ووادي القرى وتيماء وهي مناطق خصبة وتتشابك هذه المناطق الأربعة بصلات واسعة مع بدو المنطقة غطفان.
- ولو أن الرسول ﷺ سيطر على هذه المنطقة لترتب على ذلك أن تتوسع دائرة نفوذ الدولة ويصبح الطريق إلى الشام مفتوحاً ويقوى اقتصاد الدولة الناشئة ويسقط السلطان السياسي لمركز من مراكز التجمع، وينتهي احتمال من احتمالات خطر التألب.
- ولكن الخصوم أقوياء والحصون كثيرة فهناك ثمانية حصون رئيسية في منطقة خيبر وحدها ومع ذلك فقد سيطر رسول الله ﷺ على خيبر وفدك ووادي القرى وتيماء وأنهى أي تطلع عند القبائل للإمداد فدخلت في سلطانه بعد ذلك. وكانت خسائره في هذا كله على أعلى تقدير ثلاثة وعشرين شهيداً، وكانت وسائله في ذلك إحكام الخطة والسرية والمفاجأة، فلقد ثبت القبائل فلا تمد خيبر من خلال عمليات بسيطة أشعر بها هذه القبائل أنها مستهدفة وأن غزوة متجهة إليها فقطع بذلك الإمداد وفاجأ خيبر دون أن يعطيها فرصة فلما انتهت انتهى كل شيء تقريباً، وخيبر هذه سمها منطقة أو مقاطعة أو بلداً، لكنها في كل الأحوال تتألف من مجموعة حصون وقلاع.
قال المباركفوري:
وكانت خيبر منقسمة إلى شطرين، شطر فيها خمسة حصون:
١ - حصن ناعم.
٢ - حصن الصعب بن معاذ.
٣ - حصن قلعة الزبير.
٤ - حصن أبي.
٥ - حصن النزار.
стр. 786
والحصون الثلاثة الأولى تقع في منطقة يقال لها النطاة، وأما الحصنان الآخران فيقعان في منطقة تسمى بالشق.
أما الشطر الثاني، ويعرف بالكتيبة. ففيه ثلاثة حصون فقط:
١ - حصن القموص (كان حصن بني أبي الحقيق من بني النضير).
٢ - حصن الوطيح.
٣ - حصن السلالم.
وفي خيبر حصون وقلاع غير هذه الثمانية، إلا أنها كانت صغيرة لا تبلغ إلى درجة هذه القلاع في مناعتها وقوتها. أهـ.
وقد افتتح رسول الله ﷺ هذه المنطقة كلها مع وادي القرى بأبسط جهد وأقل خسارة. قال المباركفوري:
وجملة من استشهد من المسلمين في معارك خيبر ستة عشر رجلاً، أربعة منق ريش وواحد من أشجع، وواحد من أسلم، وواحد من أهل خيبر، والباقون من الأنصار.
ويقال: إن شهداء المسلمين في المعارك ١٨ رجلاً وذكر العلامة المباركفوري ١٩ رجلاً ثم قال: إني وجدت بعد التفحص ٢٣ اسماً، واحد منها في الطبري فقط، وواحد عند الواقدي فقط، وواحد مات لأجل أكل الشاة المسمومة وواحد اختلفوا هل قتل في بدر أو خيبر، والصحيح أنه قتل في بدر.
أما قتلى اليهود فعددهم ثلاثة وتسعون قتيلاً. أهـ.
وفي ذلك درس للذين يقودون العمل الإسلامي أن يعرفوا كيف يحققون أعظم الأهداف من أقرب طريق وهاك خريطة تعينك على الرؤية البصيرة للحركة العسكرية بما فيها التحرك نحو خيبر ووادي القرى نقلاً عن السيرة النبوية لأبي الحسن الندوي.
стр. 787
[خريطة مساكن القبائل الهامة ومواقع الغزوات الإسلامية]
стр. 788
٥٢٨ - * روى مسلم عن سلمة بن الأكوع بعد أن تحدث عن مطاردته لعبد الرحمن الفزاري قال: فوالله! ما لبثنا إلا ثلاث ليال حتى خرجنا إلى خيبر مع رسول الله ﷺ قال: فجعل عمي عامر يرتجز بالقوم:
تالله! لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا
ونحن عن فضلك ما استغنينا ... فثبت الأقدام إن لاقينا
وأنزلن سكينة علينا
فقال رسول الله ﷺ "من هذا؟ " قال: أنا عامر. قال: "غفر لك ربك" قال: وما استغفر رسول الله ﷺ لإنسان يخصه إلا استشهد. قال: فنادى عمر بن الخطاب، وهو على جمل له: يا نبي الله! لولا ما متعتنا بعامر. قال: فلما قدمنا خيبر قال: خرج ملكهم مرحب يخطر بسيفه ويقول:
قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب
إذ الحروب أقبلت تلهب
قال: وبرز له عمي عامر، فقال:
قد علمت خيبر أني عامر ... شاكي السلاح بطل مغامر
قال: فاختلفا ضربتين. فوقع سيف مرحب في ترس عامر. وذهب عامر يسفل له. فرجع سيفه على نفسه. فقطع أكحله. فكانت فيها نفسه.
стр. 789
قال سلمة: فخرجت فإذا نفر من أصحاب النبي ﷺ يقولون: بطل عمل عامر. قتل نفسه. قال: فأتيت النبي ﷺ وأنا أبكي. فقلت: يا رسول الله! بطل عمل عامر؟. قال رسول الله ﷺ "من قال ذلك؟ " قال قلت: ناس من أصحابك. قال: "كذب من قال ذلك، بل له أجره مرتين". ثم أرسلني إلى علي، وهو أرمد. فقال: "لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله، أو يحبه الله ورسوله" قال: فأتيت علياً فجئت به أقوده، وهو أرمد. حتى أتيت به رسول الله ﷺ . فبسق في عينيه فبرأ وأعطاه الراية. وخرج مرحب فقال:
قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب
إذا الحروب أقبلت تلهب
فقال علي:
أنا الذي سمتني أمي حيدره ... كليث غابات كريه المنظره
أوفيهم بالصاع كيل السندره
قال: فضرب رأس مرحب فقتله. ثم كان الفتح على يديه.
قال النووي في تهذيب الأسماء واللغات:
اختلفوا في قاتل مرحب فقيل علي بن أبي طالب، وقال ابن عبد البر في كتابه مختصر السيرة قال محمد بن إسحاق: إن محمد بن مسلمة هو الذي قتل مرحبا اليهودي بخيبر، قال وخالفه غيره فقال بل قتله علي بن أبي طالب (قال ابن عبد البر) هذا هو الصحيح عندنا. ثم روى ذلك بإسناده عن بريدة وسلمة بن الأكوع، (قال الشافعي) في المختصر: نفل النبي
стр. 790
صلى الله عليه وسلم يوم خيبر محمد بن مسلمة سلب مرحبا ذكره في أول باب جامع السير، وهذا تصريح منه بأن قاتله محمد بن مسلمة، (وقال ابن الأثير) الصحيح الذي عليه أكثر أهل السير والحديث أن علياً هو قاتله، قال المصنف ﵀: قلت: وفي صحيح مسلم بإسناده عن مسلمة بن الأكوع التصريح بأن علياً هو الذي قتله انتهى ما ذكره النووي في التهذيب. أهـ.
٥٢٩ - * روى البخاري عن سويد بن النعمان ﵁ أنه خرج مع النبي ﷺ عام خيبر حتى إذا كنا بالصهباء - وهي أدنى خيبر - صلى العصر، ثم دعا بالأزواد، فلم يؤت إلا بالسويق، فأمر به، فثري فأكل وأكلنا، ثم قام إلى المغرب، فمضمض ومضمضنا، ثم صلى ولم يتوضأ.
٥٣٠ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ أتى خيبر ليلاً، وكان إذا أتى قوماً بليل لم يقربهم حتى يصبح، فلما أصبح خرجت اليهود بمساحيهم ومكاتلهم، فلما رأوه قالوا: محمد والله، محمد والخميس، فقال النبي ﷺ : "خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين".
٥٣١ - * روى الإمام أحمد عن أبي طلحة قال: صبح نبي الله ﷺ خيبر وقد أخذوا مساحيهم وغدوا إلى حروثهم فلما رأوا نبي الله ﷺ معه الجيش نكصوا مدبرين. فقال نبي الله
стр. 791
صلى الله عليه وسلم: "الله أكبر الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين".
٥٣٢ - * روى البخاري عن عبد الله بن مغفل ﵁ قال: كنا محاصري خيبر، فرمى إنسان بجراب فيه شحم، فنزوت لآخذه، فالتفت، فإذا النبي ﷺ ، فاستحييت.
ولمسلم (١) قال: أصبت جراباً من شحم يوم خيبر، قال: فالتزمته، فقلت، لا أعطي اليوم أحداً من هذا شيئاً، فالتفت، فإذا رسول الله ﷺ متبسماً.
وفي رواية أبي داود والنسائي (٢) قال: دلي جراب من شحم عمرو يوم خيبر، فأتيته فالتزمته، قال: ثم قلت ... وذكر رواية مسلم - وقال: يتبسم إلي.
٥٣٣ - * روى الإمام أحمد عن أبي اليسر كعب بن عمرو قال: والله إنا لمع رسول الله ﷺ عشية، إذ أقبلت غنم لرجل من يهود تريد حصنهم، ونحن محاصروهم، إذ قال رسول الله ﷺ "من رجل يطعمنا من هذه الغنم" قلت: أنا يا رسول الله، قال: "فافعل": فخرجت اشتد مثل الظليم، فلما نظر إلى رسول الله ﷺ مولياً، قال: "اللهم أمتعنا به" قال فأدركت الغنم وقد دخلت أوائلها الحصن، فأخذت شاتين من أخراها فاحتضنتهما تحت يدي، ثم أقبلت بهما أشتد، كأنه ليس معي شيء حتى ألقيتهما عند رسول الله ﷺ فذبحوهما وأكلوهما، فكان أبو اليسر من آخر أصحاب رسول الله ﷺ هلاكاً، فكان إذا حدث بهذا الحديث بكى، ثم يقول: أمتعوا بي لعمري كنت آخرهم.
стр. 792
توفي أبو اليسر بالمدينة سنة خمس وخمسين وقد زاد على المائة.
٥٣٤ - * روى البخاري عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: خرجنا مع النبي ﷺ إلى خيبر، فسرنا ليلاً، فقال رجل من القوم لعامر يا عامر ألا تسمعنا من هنيهاتك؟ وكان عامر رجلاً شاعراً، فنزل يحدو بالقوم، يقول:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا
فاغفر فداء لك ما اتقينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا
وألقين سكينة علينا ... إنا إذا صيح بنا أبينا
وبالصياح عولوا علينا
فقال رسول الله ﷺ : "من هذا السائق؟ " قالوا: عامر بن الأكوع، قال: "يرحمه الله" قال رجل من القوم: وجبت يا نبي الله؛ لولا أمتعتنا به! قال: فأتينا خيبر، فحاصرناهم، حتى أصابتنا مخمصة شديدة، ثم إن الله تعالى فتحها عليهم، فلما أمسى الناس مساء اليوم الذي فتحت عليهم أوقدوا نيراناً كثيرة، فقال النبي ﷺ : "ما هذه النيران؟ على أي شيء توقدون؟ " قالوا: على لحم، قال: "على أي لحم؟ " قالوا: لحم حمر الإنسية فقال النبي ﷺ : "أهريقوها واكسروها" فقال رجل: يا رسول الله، أو نهريقها ونغسلها؟ قال: "أو ذاك" فلما تصاف القوم كان سيف عامر فيه قصراً، فتناول به ساق يهودي ليضربه، ويرجع ذباب سيفه، فأصاب عين ركبة عامر فمات منه، فلما قفلوا، قال سلمة: رآني رسول الله ﷺ وهو آخذ بيدي قال:
стр. 793
"مالك؟ " قلت له: فداك أبي وأمي، زعموا أن عامراً حبط عمله، قال رسول الله ﷺ : "كذب من قاله، إن له لأجرين" وجمع بين إصبعيه "إنه لجاهد مجاهد، قل عربي مشى بها مثله" وفي رواية: "نشأ بها".
ولم يقل مسلم: "نشأ بها".
ولمسلم (١) قال سلمة: لما كان يوم خيبر قاتل أخي قتالاً شديداً مع رسول الله ﷺ ، فارتد عليه سيفه فقتله، فقال أصحاب رسول الله ﷺ في ذلك - وشكوا فيه - رجل مات في سلاحه وشكوا في بعض أمره قال سلمة: فقفل رسول الله ﷺ من خيبر، فقلت: يا رسول الله، ائذن لي أن أرجز بك، فأذن له رسول الله ﷺ ، فقال عمر بن الخطاب: أعلم ما تقول، فقلت:
والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا
فقال رسول الله ﷺ : صدقت.
فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا
والمشركون قد بغوا علينا
فلما قضيت رجزي، قال رسول الله ﷺ : "من قال هذا؟ " قلت: قاله أخي، فقال رسول الله ﷺ : "يرحمه الله" قال: فقلت: يا رسول الله إن ناساً ليهابون الصلاة عليه، يقولون: رجل مات بسلاحه، فقال رسول الله ﷺ : "كذبوا، مات جاهداً مجاهداً".
قال ابن شهاب: ثم سألت ابناً لسلمة بن الأكوع؟ فحدثني عن أبيه مثل ذلك، غير أنه قال - حين قلت: إن ناساً يهابون الصلاة عليه فقال رسول الله ﷺ : "كذبوا، مات
стр. 794
جاهداً مجاهداً، فله أجره مرتين، وأشار بإصبعيه".
وأخرجه أبو داود (١) مختصراً قال: لما كان يوم خيبر قاتل أخي قتالاً شديداً، فارتد عليه سيفه فقتله، فقال أصحاب رسول الله ﷺ في ذلك - وشكوا فيه: رجل مات بسلاحه، فقال رسول الله ﷺ : "مات جاهداً مجاهداً".
قال ابن شهاب: ثم سألت ابناً لسلمة بن الأكوع. وذكر باقي الحديث إلى آخره.
وأخرجه النسائي (٢) مثل رواية مسلم المفردة بطولها، وزاد: واشار بإصبعيه.
٥٣٥ - * روى البخاري عن يزيد بن أبي عبيد قال: رأيت أثر ضربة في ساق سلمة، فقلت: يا أبا مسلم، ما هذه الضربة فقال: هذه ضربة أصابتها يوم خيبر، فقال الناس: أصيب سلمة، فأتيت النبي ﷺ ، فنفثت فيه ثلاث نفثات، فما اشتكيت حتى الساعة.
٥٣٦ - * روى الحاكم عن الأسود بن سريع ﵁، أن رسول الله ﵌ بعث سرية يوم خيبر فقاتلوا المشركين فأمضى بهم القتل إلى الذرية فلما جاءوا قال النبي ﵌: "ما حملكم على قتل الذرية" فقالوا: يا رسول الله إنما كانوا أولاد المشركين قال: "وهل خياركم إلا أولاد المشركين، والذي نفس محمد بيده ما من نسمة تولد إلا على الفطرة، حتى يعرب عنها لسانها".
٣٥٧ - * روى الإمام أحمد عن بريدة قال: حاصرنا خيبر، فأخذ اللواء أبو بكر، فانصرف ولم يفتح له، ثم أخذه من الغد عمر، فخرج فرجع ولم يفتح له، وأصاب الناس يومئذ شدة وجهد، فقال رسول الله ﷺ : "إني دافع اللواء غداً إلى رجل يحبه الله
стр. 795
ورسوله ويحب الله ورسوله، لا يرجع حتى يفتح له" فبتنا طيبة أنفسنا أن الفتح غداً، فلما أصبح رسول الله ﷺ صلى الغداة، ثم قام قائماً، فدعا باللواء والناس على مصافهم، فدعا علياً وهو أرمد، فتفل في عينيه، ودفع إليه اللواء، وفتح له قال بريدة. وأنا فيمن تطاول لها.
٥٣٨ - * روى الطبراني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: خرج علينا علي بن أبي طالب في الحر الشديد وعليه ثياب الشتاء وخرج علينا في الشتاء وعليه ثياب الصيف ثم دعا بما نشد به ثم مسح العرق عن جبهته، ثم رجع إلى بيته، فقلت لأبي: يا أبتاه، أما رأيت ما صنع أمير المؤمنين خرج علينا في الشتاء عليه ثياب الصيف، وخرج علينا في الصيف وعليه ثياب الشتاء فقال أبو ليلى: ما فطنت، فأخذ بيد ابنه، فأتى علياً فقال له الذي صنع، فقال له علي: إن رسول الله ﷺ كان بعثني وأنا أرمد، فبزق في عيني، ثم قال: افتح عينيك، ففتحتها فما اشتكيتها حتى الساعة، ودعا لي فقال: "اللهم أذهب عنه الحر والبرد" فما وجدت حراً ولا برداً حتى يومي هذا.
وفي رواية أخرى عنده عن سويد بن غفلة قال: لقينا علياً وعليه ثوبان في الشتاء فقلنا لا تغتر بأرضنا هذه فإن أرضنا هذه مقرة ليست مثل أرضك. قال: فإني كنت مقروراً، فلما بعثني رسول الله ﷺ إلى خيبر قلت إني أرمد فتفل في عيني فما وجدت حراً ولا برداً ولا رمدت عيناي.
٥٣٩ - * روى أحمد عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ أخذ الراية فهزها ثم قال: "من: يأخذها بحقها؟ " فجاء فلان فقال: أنا قال: "أمط"، ثم جاء رجل فقال: "أمط" ثم قال النبي ﷺ : "والذي كرم وجه محمد لأعطينها رجلاً لا يفر، هاك يا علي" فانطلق حتى فتح الله عليه خيبر وفدك وجاء بعجوتهما وقديدهما.
стр. 796
٥٤٠ - * روى البخاري عن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: "لأعطين الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله" قال: فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها، فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله ﷺ ، كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: "أين علي بن أبي طالب؟ " فقيل: هو يا رسول الله يشتكي عينيه قال: "فأرسلوا إليه" فأتي به فبصق في عينيه ودعا له، فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال علي: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ قال: "انفذ على رسلك، حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حمر النعم".
٥٤١ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: "لأعطين هذه الراية رجلاً يحب الله ورسوله، يفتح الله على يديه" قال عمر ابن الخطاب: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ، قال: فتساورت لها رجاء أن أدعى لها، فدعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب فأعطاه إياها، وقال: "امش ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك"، قال: فسار علي شيئاً، ثم وقف ولم يلتفت، فصرخ: يا رسول الله، على ماذا أقاتل الناس؟ قال: "قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله".
стр. 797
٥٤٢ - * روى الطبراني عن أم سلمة وكانت في غزوة خيبر قالت: سمعت وقع السيف في أسنان مرحب.
٥٤٣ - * روى النسائي عن أنس أن النبي ﷺ غزا خيبر فصلينا عندها الغداة بغلس، فركب النبي ﷺ وركب أبو طلحة، وأنا رديف أبي طلحة، فأخذ نبي الله ﷺ في زقاق خيبر وإن ركبتي لتمس فخذ رسول الله ﷺ وإني لأرى بياض فخذ نبي الله ﷺ . فلما دخل القرية قال: "الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين" قالها ثلاث مرات. وخرج القوم إلى أعمالهم. قال عبد العزيز: فقالوا: محمد والخميس وأصبناها عنوة، فجمع السبي، فجاء دحية فقال: يا رسول الله أعطني جارية من السبي فقال: "اذهب فخذ جارية" فأخذ صفية بنت حيي فجاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا نبي الله أعطيت دحية صفية بنت حيي سيدة قريظة والنضير ما تصلح إلا لك قال: "ادعوه بها" فجاء بها، فلما نظر إليه ﷺ قال: "خذ جارية من السبي غيرها" وأن نبي الله ﷺ أعتقها وتزوجها.
٥٤٤ - * روى الطبراني عن ابن شهاب في تسمية من استشهد يوم خيبر مع رسول الله ﷺ من الأنصار ثم بني حارثة: محمود بن مسلمة فذكروا أن رسول الله ﷺ قال لمحمد بن مسلمة: "أخوك له أجر شهيدين" ومن بني زريق: مسعود بن سعد بن قيس.
٥٤٥ - * روى أبو داود عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ غزا خيبر، فأصبناها عنوة، فجمع السبي.
стр. 798
٥٤٦ - * روى مسلم عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: حدثني عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم خيبر أقبل نفر من صحابة النبي ﷺ ، فقالوا: فلان شهيد، فلان شهيد، حتى مروا على رجل فقالوا: فلان شهيد، فقال رسول الله ﷺ : "كلا، إني رأيته في النار في بردة غلها - أو عباءة" - ثم قال رسول الله ﷺ : "يا ابن الخطاب، اذهب فناد في الناس: إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون" - قال: فخرجت، فناديت: ألا إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون.
٥٤٧ - * روى أبو داود عن زيد بن خالد الجهني ﵁؛ أن رجلاً من أصحاب النبي ﷺ توفي يوم خيبر، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: "صلوا على صاحبكم" فتغيرت وجوه الناس لذلك، فقال: "إن صاحبكم غل في سبيل الله" ففتشنا متعه، فوجدنا خرزاً من خرز يهود، لا يساوي درهمين.
فائدة: اعتذر النبي ﷺ من الصلاة عليه وسمح لهم أن يصلوا عليه زجراً للناس عن فعله.
٥٤٨ - * روى الترمذي عن عمير، مولى آبي اللحم قال: شهدت خيبر مع سادتي، فكلموا في رسول الله ﷺ وكلموه أني مملوك قال: فأمرني فقلدت سيفاً، فإذا أنا أجره، فأمر لي بشيء من خرتي المتاع، وعرضت عليه رقية كنت أرقي بها المجانين، فأمرني بطرح بعضها، وحبس بعضها.
والعمل على هذا عند بعض أهل العلم لا يسهم للمملوك ولكن يرضخ له بشيء وهو قول الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق.
стр. 799
٥٤٩ - * روى أبو داود عن ابن عمر، أن النبي ﷺ قاتل أهل خيبر فغلب على النخل والأرض، وألجأهم إلى قصرهم، فصالحوه على أن لرسول الله ﷺ الصفراء والبيضاء والحلقة، ولهم ما حملت ركابهم، على أن لا يكتموا ولا يغيبوا شيئاً، فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد، فغيبوا مسكاً لحيي بن أخطب، وقد كان قتل قبل خيبر، كان احتمله معه يوم بني النضير حين أجليت النضير، فيها حليهم، قال: فقال النبي ﷺ لسعية: "أين مسك حيي بن أخطب؟ " قال: أذهبته الحروب والنفقات، فوجدوا المسك، فقتل ابن الحقيق وسبى نساءهم وذراريهم، واراد أن يجليهم، فقالوا: يا محمد، دعنا نعمل في هذه الأرض ولنا الشطر ما بدا لك، ولكم الشطر، وكان رسول الله ﷺ يعطي كل امرأة من نسائه ثمانين وسقاً من تمر وعشرين وسقا من شعير.
وفي أخرى لأبي داود (١) قال: إن عمر قال: أيها الناس، إن رسول الله ﷺ كان عامل يهود خيبر على أن يخرجهم إذا شاء، فمن كان له مال فليلحق به، فإني مخرج يهود، فأخرجهم.
٥٥٠ - * روى البخاري عن نافع مولى ابن عمر ﵄ قال: لما فدع أهل خيبر عبد الله بن عمر، قام عمر خطيباً، فقال: إن رسول الله ﷺ عامل يهود خيبر على أموالهم، وقال: "نقركم ما أقركم الله" وإن عبد الله بن عمر: خرج إلى ماله هناك، فعدي عليه من الليل، ففدعت يداه ورجلاه، وليس له هناك عدو غيرهم، هم عدونا
стр. 800
وتهمتنا، وقد رأيت إجلاءهم، فلما أجمع عمر على ذلك، أتاه أحد بني أبي الحقيق، فقال: يا أمير المؤمنين، أتخرجنا وقد أقرنا محمد ﷺ وعاملنا على الأموال، وشرط ذلك لنا فقال عمر: أظننت أني نسيت قول رسول الله ﷺ : "كيف بك إذا أخرجت من خيبر، تعدو بك قلوصك ليلة بعد ليلة؟ " فقال: كان ذلك هزيلة من أبي القاسم، فقال: كذبت يا عدو الله فأجلاهم عمر، وأعطاهم قيمة ما كان لهم من الثمر: مالاً وإبلاً، وعروضاً من أقتاب، وحبال، وغير ذلك.
٥٥١ - * روى أبو داود عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قيل له: هل كنتم تخمسون - يعني الطعام - في عهد رسول الله ﷺ ؟ فقال أصبنا طعاماً يوم خيبر، فكان الرجل يجيء، فيأخذ منه مقدار ما يكفيه ثم ينصرف.
٥٥٢ - * روى أبو داود عن عبد الرحمن بن غنم قال: رابطنا مدينة قنسرين مع شرحبيل بن السمط، فلما فتحها أصاب فيها غنماً وبقراً، فقسم فينا طائفة منها، وجعل بقيتها في المغنم، فلقيت معاذ بن جبل، فحدثته فقال معاذ: غزونا مع رسول الله ﷺ خيبر، فأصبنا فيها غنماً، فقسم فينا رسول الله ﷺ طائفة، وجعل بقيتها في المغنم.
٥٥٣ - * روى الترمذي عن أبي موسى الأشعري قال: قدمت على رسول الله ﷺ في
стр. 801
نفر من الأشعريين خيبر، فأسهم لنا مع الذين افتتحوها.
وفي رواية أبي داود (١) قال: قدمنا فوافقنا رسول الله ﷺ ، حين افتتحوا خيبر، فأسهم لنا - أو قال: فأعطانا منها - وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر منها شيئاً، إلا لمن شهد معه، إلا أصحاب سفينتنا: جعفر وأصحابه، فأسهم لهم معهم.
والعمل على هذا عند بعض أهل العلم. قال الأوزاعي، من لحق بالمسلمين قبل أن يسهم للجيش أسهم له.
٥٥٤ - * روى أبو داود عن سهل بن أبي حثمة قال: قسم رسول الله خيبر نصفين: نصفاً لنوائبه وحاجته ونصفاً بين المسلمين، قسمها بينهم على ثمانية عشر سهماً.
قال ابن الأثير.
(لنوائبه) النوائب: جمع نائبة، وهو ما ينوب الإنسان، أي ينزل به من المهمات والحوائج، والظاهر من أمر خيبر: أنها فتحت عنوة، إذا كانت عنوة فهي مغنومة، وحصة النبي ﷺ من الغنيمة خمس الخمس فكيف جعل نصيبه منها النصف حتى يصرفه في حوائجه ومهامه؟ ووجه ذلك عند من تتبع الأخبار المروية في فتح خيبر واضح.
٥٥٥ - * روى مسلم عن ابن عمر. قال: أعطى رسول الله ﷺ خيبر بشطر ماي خرج من ثمر أو زرع. فكان يعطي أزواجه كل سنة مائة وسق: ثمانين وسقاً من تمر، وعشرين وسقاً من شعير. فلما ولي عمر قسم خيبر. خير أزواج النبي ﷺ ، أن يقطع لهن الأرض والماء، أو يضمن لهن الأوساق كل عام فاختلفن. فمنهن من اختار الأرض والماء. ومنهن من اختار الأوساق كل عام. فكانت عائشة وحفصة ممن اختارتا الأرض والماء.
وفي رواية (٢) أبي داود قال: لما: افتتحت خيبر سألت يهود رسول الله ﷺ : أن يقرهم
стр. 802
على النصف مما خرج منها. فقال رسول الله ﷺ : "أقركم فيها على ذلك ما شئنا" فكانوا على ذلك، وكان التمر يقسم على السهمان من نصف خيبر، ويأخذ رسول الله ﷺ الخمس، وكان رسول الله ﷺ أطعم كل امرأة من أزواجه من الخمس مائة وسق تمراً وعشرين وسقاً شعيراً، فلما أراد عمر إخراج اليهود، أرسل إلى أزواج النبي ﷺ ، فقال لهن: من أحب منكن أن أقسم لهن نخلاً بخرصها مائة وسق، فيكون لها أصلها وأرضها وماؤها، ومن الزرع مزرعة خرص عشرين وسقاً فعلنا، ومن أحب أن نعزل الذي لها في الخمس كما هو، فعلنا.
وذلك: أن خيبر كانت لها قرى. وضياع خارجة عنها، مثل: الوطيحة، والكتيبة، والشق. والنطاة، والسلاليم، فكان بعضها مغنوماً، وهو ما غلب عليه رسول الله ﷺ والناس. وسبيل ذلك القسمة، وكان بعضها فيئاً لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب. وذلك خاص لرسول الله ﷺ ، يضعه حيث شاء، فنظروا إلى مبلغ ذلك كله، فكان نصفه بقدر ما يخص النبي ﷺ من الفيء، وسهمه من الغنيمة، فجعل النصف له، والنصف للغانمين، وقد بين ذلك ابن شهاب، قال: "إن خيبر كان بعضها عنوة وبعضها صلحاً".
٥٥٦ - * روى أبو داود عن بشير بن يسار ﵀ قال: لما أفاء الله على نبيه ﷺ خيبر قسمها على ستة وثلاثين سهماً، جمع كل سهم مائة سهم، فعزل نصفها لنوائبه وما ينزل به: من الوطيحة والكتيبة، وما أحيز معهما، وعزل النصف الآخر، فقسمه بين المسلمين: الشق والنطاة، وما أحيز معهما، وكان سهم رسول الله ﷺ فيما أحيز معهما.
стр. 803
وفي رواية (١): أنه سمع نفراً من أصحاب النبي ﷺ ، قالوا فذكر هذا الحديث - قال: فكان النصف سهام المسلمين، وسهم رسول الله ﷺ ، وعزل النصف للمسلمين لما ينوبه من الأمور والنوائب.
وفي أخرى (٢) عن رجال من أصحاب النبي ﷺ : أن رسول الله ﷺ : لما ظهر على خيبر، قسمها على ستة وثلاثين سهماً، جمع كل سهم مائة سهم، فكان لرسول الله ﷺ وللمسلمين النصف من ذلك، وعزل النصف الباقي لمن نزل به من الوفود والأمور ونوائب الناس.
وفي رواية (٣) أن رسول الله ﷺ لما أفاء الله عليه خيبر، قسمها ستة وثلاثين سهماً جمع، فعزل للمسلمين الشطر: ثمانية عشر سهماً، يجمع كل سهم مائة النبي ﷺ معهم، له سهم كسهم أحدهم، وعزل رسول الله ﷺ ثمانية عشر سهماً، وهو الشطر لنوائبه وما ينزل به من أمر المسلمين، فكان ذلك: الوطيح، والكتيبة، والسلالم وتوابعها فلما صارت الأموال بيد النبي ﷺ والمسلمين، لم يكن لهم عمال يكفونهم عملها، فدعا رسول الله ﷺ اليهود، فعاملهم.
قال ابن حجر: قوله (بشطر ما يخرج منها) هذا الحديث هو عمدة من أجاز المزارعة والمخابرة لتقرير النبي ﷺ لذلك واستمراره على عهد أبي بكر إلى أن أجلاهم عمر كما سيأتي بعد أبواب. واستدل به على جواز المساقاة في النخل والكرم وجميع الشجر الذي من شأنه أن يثمر بجزء معلوم يجعل للعامل من الثمرة، وبه قال الجمهور. وخصه الشافعي في الجديد بالنخل والكرم، وألحق المقل (٤) بالنخل لشبهه به. وخصه داود بالنخل، وقال أبو حنيفة وزفر: لا يجوز بحال لأنها إجارة بثمرة معدومة أو مجهولة، وأجاب من جوزه بأنه عقد على عمل في المال ببعض نمائه فهو كالمضاربة، لأن المضارب يعمل في المال بجزء من نمائه وهو معدوم ومجهول، وقد صح عقد الإجارة مع أن المنافع معدومة فكذلك هنا. وأيضاً فالقياس في
стр. 804
إبطال نص أو إجماع مردود. وأجاب بعضهم عن قصة خيبر بأنها فتحت صلحاً، وأقروا على أن الأرض ملكهم بشرط أن يعطوا نصف الثمرة، فكان ذلك يؤخذ بحق الجزية فلا يدل على جواز المساقاة. وتعقب بأن معظم خيبر فتح عنوة كما سيأتي في المغازي، وبأن كثيراً منها قسم بين الغانمين ما سيأتي. وبأن عمر أجلاهم منها. فلو كانت الأرض ملكهم ما أجلاهم عنها. واستدل من أجازه في جميع الثمر بأن في بعض طرق حديث الباب "بشطر ما يخرج منها من نخل وشجر" وفي رواية حماد بن سلمة عن عبيد الله بن عمر في حديث الباب "على أن لهم الشطر من كل زرع ونخل وشجر" وهو عند البيهقي من هذا الوجه، واستدل بقوله على شطر ما يخرج منها لجواز المساقاة بجزء معلوم لا مجهول، واستدل به على جواز إخراج البذر من العامل أو المالك لعدم تقييده في الحديث بشيء من ذلك، واحتج من منع بأن العامل حينئذ كأنه باع البذر من صاحب الأرض بمجهول من الطعام نسيئة وهو لا يجوز، وأجاب من أجازه بأنه مستثنى من النهي عن بيع الطعام بالطعام نسيئة جمعاً بين الحديثين وهو أولى من إلغاء أحدهما. قوله (فكان يعطي أزواجه مائة وسق: ثمانون وسق تمر وعشرون وسق شعير) كذا للأكثر بالرفع على القطع، والتقدير: منها ثمانون ومنها عشرون. وللكشمهيني "ثمانين وعشرين" على البدل، وإنما كان عمر يعطيهن ذلك لأنه ﷺ قال: "ما تركت بعد نفقة نسائي فهو صدقة" وسيأتي في بابه.
٥٥٧ - * روى النسائي عن عبد الله بن الزبير أنه كان يقول: ضرب رسول الله ﷺ عام خيبر للزبير بن العوام أربعة أسهم: سهماً للزبير وسهماً لذي القربى لصفية بنت عبد المطلب أم الزبير وسهمين للفرس.
٥٥٨ - * روى الحاكم عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﵌ قسم لمائتي فرس يوم خيبر سهمين سهمين.
٥٥٩ - * روى الطبراني عن زينب امرأة عبد الله الثقفية أن النبي ﷺ أعطاها بخيبر خمسين وسقاً تمراً وعشرين وسقاً شعيراً بالمدينة.
стр. 805
٥٦٠ - * روى الحاكم عن ابن عباس ﵄ قال: نهى رسول الله، ﵌ يوم خيبر عن بيع المغانم حتى تقسم.
٥٦١ - * روى الحاكم عن ابن عباس ﵄ قال: نهى رسول الله ﵌ يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، وعن النساء الحبالى أن يوطئن حتى يضعن ما في بطونهن، وعن كل ذي ناب من السباع، وعن بيع الخمس حتى يقسم.
٥٦٢ - * روى البخاري عن أسلم مولى عمر ﵁ أنه سمع عمر يقول: أما والذي نفسي بيده، لولا أن أترك آخر الناس بباناً، ليس لهم شيء، ما فتحت علي قرية إلا قسمتها، كما قسم النبي ﷺ خيبر، ولكني أتركها خزانة لهم يقتسمونها.
وفي رواية أخرى (١): قال عمر: لولا آخر المسلمين، ما فتحت عليهم قرية إلا قسمتها كما قسم النبي ﷺ خيبر.
٥٦٣ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: ما شبعنا حتى فتحنا خيبر.
٥٦٤ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: لما فتحت خيبر، قلنا: الآن نشبع من التمر.
стр. 806
٥٦٥ - * روى مالك عن سعيد بن المسبب ﵀ أن رسول الله ﷺ قال ليهود خيبر - يوم افتتح خيبر - أقركم فيها ما أقركم الله على أن الثمر بيننا وبينكم قال: فكان رسول الله ﷺ يبعث عبد الله بن رواحة فيخرص بينه وبينهم، ثم يقول: إن شئتم فلكم، وإن شئتم فلي، فكانوا يأخذونه.
٥٦٦ - * روى مالك عن سليمان بن يسار: أن رسول الله ﷺ كان يبعث عبد الله بن رواحة ﵁ إلى خيبر، فيخرص بينه وبين يهود خيبر قال: فجمعوا له حلياً من حلي نسائهم، فقالوا: هذا لك، وخفف عنا وتجاوز في القسم، فقال عبد الله بن رواحة: يا معشر اليهود والله إنكم لمن أبغض خلق الله إلي، وما ذلك بحاملي على أن أحيف عليكم، فأما ما عرضتم من الرشوة فإنها سحت، وإنا لا نأكلها، فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض.
٥٦٧ - * روى مسلم عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: أصابتنا مجاعة ليالي خيبر، فلما كان يوم خيبر وقعنا في الحمر الأهلية، فانتحرناها. فلما غلت بها القدور نادى منادي رسول الله ﷺ : أن أكفئوا القدور، ولا تأكلوا من لحم الحمر شيئاً فقال ناس: إنما نهى عنها رسول الله ﷺ لأنهالم تخمس، وقال آخرون: نهى عنها ألبتة.
وفي رواية النسائي (١) قال: أصبنا يوم خيبر حمراً خارجاً من القرية، فطبخناها،
стр. 807
فنادى منادي النبي ﷺ : إن رسول الله ﷺ قد حرم لحوم الحمر، فأكفئوا القدور بما فيها، فأكفأناها.
٥٦٨ - * روى الحاكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه ﵁ قال: شهدت فتح خيبر مع رسول الله عليه وآله وسلم فلما انهزم القوم وقعنا في رحالهم فأخذ الناس ما وجدوا من جزر قال زيد: وهي المواشي فلم يكن بأسرع من أن فارت القدور فلما رأى ذلك رسول الله ﵌ أمر بالقدور فأكفئت ثم قسم بيننا فجعل لكل عشرة شاة.
٥٦٩ - * روى الطبراني عن الشعبي قال: لما أتى رسول الله ﷺ فتح خيبر قيل له: قد قدم جعفر من عند النجاشي، فقال النبي ﷺ : "لا أدري بأيهما أنا أشد فرحاً بقدوم جعفر أو فتح خيبر" فأتاه فقبل ما بين عينيه فقط.
٥٧٠ - عن أسماء بنت عميس ﵂ قالت: قال لي النبي ﵌: "للناس هجرة، ولكم هجرتان".
٥٧١ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: خرجنا مع النبي ﷺ إلى خيبر، ففتح الله علينا فلم نغنم ذهباً ولا ورقاً غنمنا المتاع والطعام والثياب، ثم انطلقنا إلى الوادي - يعني: وادي القرى - ومع رسول الله ﷺ عبد له، وهبه له رجل من جذام يدعى رفاعة بن زيد، من بني الضبيب، فلما نزلنا الوادي قام عبد رسول الله ﷺ يحل رحله، فرمي بسهم، فكان فيه حتنه، فقلنا: هنيئاً له الشهادة يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : "كلا، والذي نفس محمد بيده، إن الشملة لتلتهب عليه ناراً، أخذها
стр. 808
من الغنائم يوم خيبر، لم تصبها المقاسم" قال: ففزع الناس، فجاء رجل بشراك، أو شراكين، فقال: أصبته يوم خيبر، فقال رسول الله ﷺ : "شراك من نار، أو شراكان من نار".
وفي رواية (١) نحوه، وفيه: ومعه عبد يقال له: مدعم، أهداه له أحد بني الضباب، إذ جاءه سهم عائر.
٥٧٢ - * روى الإمام أحمد عن عقبة بن سويد الأنصاري أنه سمع أباه وكان من أصحاب النبي ﷺ قال: قفلنا مع النبي ﷺ من غزوة خيبر فلما بدا له أحد قال النبي ﷺ : "الله أكبر جبل يحبنا ونحبه".
٥٧٣ - * روى أبو داود عن العرباض بن سارية السلمي ﵁ قال: نزلنا مع رسول الله ﷺ خيبر - ومعه من معه من أصحابه - وكان صاحب خيبر رجلاً مارداً منكراً، فأقبل إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد، ألكم أن تذبحوا حمرنا، وتأكلوا ثمرنا، وتضربوا نساءنا؟ فغضب رسول الله ﷺ ، وقال: "يا ابن عوف، اركب فرسك، ثم ناد ألا إن الجنة لا تحل إلا لمؤمن وأن اجتمعوا للصلاة" قال: فاجتمعوا، ثم صلى بهم النبي ﷺ ثم قام فقال: "أيحسب أحدكم - متكئاً على أريكته - قد يظن أن الله لم يحرم شيئاً إلا ما في هذا القرآن؟ ألا وإني والله، قد وعظت وأمرت ونهيت عن أشياء، إنها لمثل القرآن أو أكثر، وإن الله لم يحل لكم أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب إلا بإذن، ولا ضرب نسائهم، ولا أكل ثمارهم، إذا أعطوكم الذي عليهم".
* * *
стр. 809
فقهيات
من تعليقات الدكتور البوطي على غزوة خيبر هذه المسائل:
(جواز الإغارة على من بلغتهم الدعوة الإسلامية وحقيقتها، بدون إنذار مسبق أو دعوة مجددة)، وهو مذهب الشافعية وجمهور الفقهاء، فذلك ما فعله رسول الله ﷺ في إغارته على خيبر. وأما بلوغ الدعوة وتفهم الإسلام فهماً صحيحاً على وجهه فهو شرط بالاتفاق.
(جواز إشراك غير المقاتلين في الغنيمة ممن حضر مكان القتال)، وذلك بعد استئذان أصحاب الحق فيها. فقد أشرك النبي ﷺ جعفر بن أبي طالب ومن معه في الغنائم، بإذن من الصحابة. حينما عادوا من الحبشة واليمن.
واعلم أن رواية البخاري في هذا خالية عن التقييد باستئذان المسلمين، ولكن زاد البيهقي في روايته أن النبي ﷺ قبل أن يقسم لهم كلم المسلمين فأشركوهم، وزيادة العدل مقبولة والذي زاد من قيمة القيد الذي رواه البيهقي أن النبي ﷺ لم يسهم لأبان بن سعيد، وقد كان أرسله على سرية قبل نجد فعاد منها إلى خيبر بعد انتهاء القتال، وقال له ﷺ : اقسم لنا يا رسول الله. فلم يقسم له، وإنما يجمع بين الخبرين بحمل الأول منهما على إذن الجماعة في القسمة. والثاني على عدمه.
ولعلك تسأل: فما مصير حكم الغنائم هذا، مع ما تطورت إليه اليوم حالة الحروب والجند وسياسة عطاءاتهم ومرتباتهم؟
والجواب: أنك قد علمت مما سبق أن الأموال غير المنقولة من الغنائم لا توزع بين المحاربين عند مالك وأبي حنيفة على ما نحو ما مر بيانه إلا إذا دعت المصلحة أو الضرورة. أما الأموال المنقولة منها فيجب أن توزع على الغانمين بنفس الطريقة التي كان يسلكها رسول الله ﷺ مع ملاحظة ما تطورت إليه وسائل القتال وطرائقه في تفاوت درجات المقاتلين.
ولا مانع من أن توزع عليهم حصصهم على شكل علاوات أو مرتبات متلاحقة إنما المهم أن الدولة لا يجوز لها أن تستملك شيئاً من هذه الأموال لنفسها.
أقول: لابد من التفريق بين ما إذا كان الجيش نظامياً يأخذ الفرد فيه مرتباً من
стр. 810
الدولة فهذا حكمه حكم الأجير فليس ههنا إلزام على الدولة أن تدفع له سهمه من أربعة أخماس الغنيمة.
وقال: (مشروعية تقبيل القادم والتزامه). وهو مما لا نعلم فيه خلافاً معتداً به إذا كان قادماً من سفر أو طال العهد به، واستدل العلماء في ذلك بتقبيل رسول الله ﷺ جعفر بن أبي طالب بين عينيه والتزامه إياه عند قدومه من الحبشة. والحديث رواه أبو داود بسند صحيح. وروى الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: قدم زيد بن حارثة المدينة ورسول الله ﷺ في بيتي فأتاه فقرع الباب. فقام إليه النبي ﷺ يجر ثوبه. فاعتنقه وقبله.
ويشكل عليه في الظاهر ما رواه الترمذي أيضاً عن أنس ﵁ قال: قال رجل: يا رسول الله. الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له؟ قال: لا. قال: أفيلتزمه ويقبله؟ قال: لا. قال فيأخذ بيده ويصافحه؟ قال: نعم.
وجواب الإشكال أن سؤال الرجل في هذا الحديث عن اللقاءات العادية المتكررة بين الرجل وصاحبه. والتقبيل أو الالتزام أمر غير مرغوب فيه في مثل هذه الحال. أما ما فعله رسول الله ﷺ من ذلك بالنسبة لجعفر وزيد فإنما كان ذلك - كما قد علمت على أثر قدوم من سفر فالحالتان مختلفتان.
* * *