← Сира

Сира · id 18332

الأساس في السنة وفقهها - السيرة النبوية

سعيد حوى

Полный текст (2 129 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

٥٦٥ - * روى مالك عن سعيد بن المسبب ﵀ أن رسول الله ﷺ قال ليهود خيبر - يوم افتتح خيبر - أقركم فيها ما أقركم الله على أن الثمر بيننا وبينكم قال: فكان رسول الله ﷺ يبعث عبد الله بن رواحة فيخرص بينه وبينهم، ثم يقول: إن شئتم فلكم، وإن شئتم فلي، فكانوا يأخذونه. ٥٦٦ - * روى مالك عن سليمان بن يسار: أن رسول الله ﷺ كان يبعث عبد الله بن رواحة ﵁ إلى خيبر، فيخرص بينه وبين يهود خيبر قال: فجمعوا له حلياً من حلي نسائهم، فقالوا: هذا لك، وخفف عنا وتجاوز في القسم، فقال عبد الله بن رواحة: يا معشر اليهود والله إنكم لمن أبغض خلق الله إلي، وما ذلك بحاملي على أن أحيف عليكم، فأما ما عرضتم من الرشوة فإنها سحت، وإنا لا نأكلها، فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض. ٥٦٧ - * روى مسلم عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: أصابتنا مجاعة ليالي خيبر، فلما كان يوم خيبر وقعنا في الحمر الأهلية، فانتحرناها. فلما غلت بها القدور نادى منادي رسول الله ﷺ : أن أكفئوا القدور، ولا تأكلوا من لحم الحمر شيئاً فقال ناس: إنما نهى عنها رسول الله ﷺ لأنهالم تخمس، وقال آخرون: نهى عنها ألبتة. وفي رواية النسائي (١) قال: أصبنا يوم خيبر حمراً خارجاً من القرية، فطبخناها،

стр. 807

فنادى منادي النبي ﷺ : إن رسول الله ﷺ قد حرم لحوم الحمر، فأكفئوا القدور بما فيها، فأكفأناها. ٥٦٨ - * روى الحاكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه ﵁ قال: شهدت فتح خيبر مع رسول الله عليه وآله وسلم فلما انهزم القوم وقعنا في رحالهم فأخذ الناس ما وجدوا من جزر قال زيد: وهي المواشي فلم يكن بأسرع من أن فارت القدور فلما رأى ذلك رسول الله ﵌ أمر بالقدور فأكفئت ثم قسم بيننا فجعل لكل عشرة شاة. ٥٦٩ - * روى الطبراني عن الشعبي قال: لما أتى رسول الله ﷺ فتح خيبر قيل له: قد قدم جعفر من عند النجاشي، فقال النبي ﷺ : "لا أدري بأيهما أنا أشد فرحاً بقدوم جعفر أو فتح خيبر" فأتاه فقبل ما بين عينيه فقط. ٥٧٠ - عن أسماء بنت عميس ﵂ قالت: قال لي النبي ﵌: "للناس هجرة، ولكم هجرتان". ٥٧١ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: خرجنا مع النبي ﷺ إلى خيبر، ففتح الله علينا فلم نغنم ذهباً ولا ورقاً غنمنا المتاع والطعام والثياب، ثم انطلقنا إلى الوادي - يعني: وادي القرى - ومع رسول الله ﷺ عبد له، وهبه له رجل من جذام يدعى رفاعة بن زيد، من بني الضبيب، فلما نزلنا الوادي قام عبد رسول الله ﷺ يحل رحله، فرمي بسهم، فكان فيه حتنه، فقلنا: هنيئاً له الشهادة يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : "كلا، والذي نفس محمد بيده، إن الشملة لتلتهب عليه ناراً، أخذها

стр. 808

من الغنائم يوم خيبر، لم تصبها المقاسم" قال: ففزع الناس، فجاء رجل بشراك، أو شراكين، فقال: أصبته يوم خيبر، فقال رسول الله ﷺ : "شراك من نار، أو شراكان من نار". وفي رواية (١) نحوه، وفيه: ومعه عبد يقال له: مدعم، أهداه له أحد بني الضباب، إذ جاءه سهم عائر. ٥٧٢ - * روى الإمام أحمد عن عقبة بن سويد الأنصاري أنه سمع أباه وكان من أصحاب النبي ﷺ قال: قفلنا مع النبي ﷺ من غزوة خيبر فلما بدا له أحد قال النبي ﷺ : "الله أكبر جبل يحبنا ونحبه". ٥٧٣ - * روى أبو داود عن العرباض بن سارية السلمي ﵁ قال: نزلنا مع رسول الله ﷺ خيبر - ومعه من معه من أصحابه - وكان صاحب خيبر رجلاً مارداً منكراً، فأقبل إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد، ألكم أن تذبحوا حمرنا، وتأكلوا ثمرنا، وتضربوا نساءنا؟ فغضب رسول الله ﷺ ، وقال: "يا ابن عوف، اركب فرسك، ثم ناد ألا إن الجنة لا تحل إلا لمؤمن وأن اجتمعوا للصلاة" قال: فاجتمعوا، ثم صلى بهم النبي ﷺ ثم قام فقال: "أيحسب أحدكم - متكئاً على أريكته - قد يظن أن الله لم يحرم شيئاً إلا ما في هذا القرآن؟ ألا وإني والله، قد وعظت وأمرت ونهيت عن أشياء، إنها لمثل القرآن أو أكثر، وإن الله لم يحل لكم أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب إلا بإذن، ولا ضرب نسائهم، ولا أكل ثمارهم، إذا أعطوكم الذي عليهم". * * *

стр. 809

فقهيات من تعليقات الدكتور البوطي على غزوة خيبر هذه المسائل: (جواز الإغارة على من بلغتهم الدعوة الإسلامية وحقيقتها، بدون إنذار مسبق أو دعوة مجددة)، وهو مذهب الشافعية وجمهور الفقهاء، فذلك ما فعله رسول الله ﷺ في إغارته على خيبر. وأما بلوغ الدعوة وتفهم الإسلام فهماً صحيحاً على وجهه فهو شرط بالاتفاق. (جواز إشراك غير المقاتلين في الغنيمة ممن حضر مكان القتال)، وذلك بعد استئذان أصحاب الحق فيها. فقد أشرك النبي ﷺ جعفر بن أبي طالب ومن معه في الغنائم، بإذن من الصحابة. حينما عادوا من الحبشة واليمن. واعلم أن رواية البخاري في هذا خالية عن التقييد باستئذان المسلمين، ولكن زاد البيهقي في روايته أن النبي ﷺ قبل أن يقسم لهم كلم المسلمين فأشركوهم، وزيادة العدل مقبولة والذي زاد من قيمة القيد الذي رواه البيهقي أن النبي ﷺ لم يسهم لأبان بن سعيد، وقد كان أرسله على سرية قبل نجد فعاد منها إلى خيبر بعد انتهاء القتال، وقال له ﷺ : اقسم لنا يا رسول الله. فلم يقسم له، وإنما يجمع بين الخبرين بحمل الأول منهما على إذن الجماعة في القسمة. والثاني على عدمه. ولعلك تسأل: فما مصير حكم الغنائم هذا، مع ما تطورت إليه اليوم حالة الحروب والجند وسياسة عطاءاتهم ومرتباتهم؟ والجواب: أنك قد علمت مما سبق أن الأموال غير المنقولة من الغنائم لا توزع بين المحاربين عند مالك وأبي حنيفة على ما نحو ما مر بيانه إلا إذا دعت المصلحة أو الضرورة. أما الأموال المنقولة منها فيجب أن توزع على الغانمين بنفس الطريقة التي كان يسلكها رسول الله ﷺ مع ملاحظة ما تطورت إليه وسائل القتال وطرائقه في تفاوت درجات المقاتلين. ولا مانع من أن توزع عليهم حصصهم على شكل علاوات أو مرتبات متلاحقة إنما المهم أن الدولة لا يجوز لها أن تستملك شيئاً من هذه الأموال لنفسها. أقول: لابد من التفريق بين ما إذا كان الجيش نظامياً يأخذ الفرد فيه مرتباً من

стр. 810

الدولة فهذا حكمه حكم الأجير فليس ههنا إلزام على الدولة أن تدفع له سهمه من أربعة أخماس الغنيمة. وقال: (مشروعية تقبيل القادم والتزامه). وهو مما لا نعلم فيه خلافاً معتداً به إذا كان قادماً من سفر أو طال العهد به، واستدل العلماء في ذلك بتقبيل رسول الله ﷺ جعفر بن أبي طالب بين عينيه والتزامه إياه عند قدومه من الحبشة. والحديث رواه أبو داود بسند صحيح. وروى الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: قدم زيد بن حارثة المدينة ورسول الله ﷺ في بيتي فأتاه فقرع الباب. فقام إليه النبي ﷺ يجر ثوبه. فاعتنقه وقبله. ويشكل عليه في الظاهر ما رواه الترمذي أيضاً عن أنس ﵁ قال: قال رجل: يا رسول الله. الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له؟ قال: لا. قال: أفيلتزمه ويقبله؟ قال: لا. قال فيأخذ بيده ويصافحه؟ قال: نعم. وجواب الإشكال أن سؤال الرجل في هذا الحديث عن اللقاءات العادية المتكررة بين الرجل وصاحبه. والتقبيل أو الالتزام أمر غير مرغوب فيه في مثل هذه الحال. أما ما فعله رسول الله ﷺ من ذلك بالنسبة لجعفر وزيد فإنما كان ذلك - كما قد علمت على أثر قدوم من سفر فالحالتان مختلفتان. * * *

стр. 811

وصل: قصة الحجاج بن علاط أسلم سراً ولم يعلم بإسلامه أهل مكة: ٥٧٤ - * روى الإمام أحمد عن أنس قال: لما افتتح رسول الله ﷺ خيبر قال الحجاج ابن علاط: يا رسول الله إن لي بمكة مالاً وإن لي بها أهلاً وإني أريد أن آتيهم فأنا في حل إن أنا نلت منك أو قلت شيئاً؟ فأذن له رسول الله ﷺ أن يقول ما شاء فأتى امرأته حين قدم فقال اجمعي لي ما كان عندك، فإني أريد أن أشتري من غنائم محمد وأصحابه، فإنهم قد استبيحوا وأصيبت أموالهم، قال: وفشا ذلك بمكة وانقمع المسلمون وأظهر المشركون فرحاً وسروراً قال: وبلغ الخبر العباس بن عبد المطلب فعقر، وجعل لا يستطيع أن يقوم قال معمر: فأخبرني عثمان الجزري عن مقسم قال: فأخذ ابناً له يقال له قثم فاستلقى فوضعه على صدره وهو يقول: حبي قثم شبيه ذي الأنف الأشم نبي ذي النعم، برغم من رغم قال ثابت عن الحجاج عن أنس ثم أرسل غلاماً إلى الحجاج بن علاط فقال: ويلك ما جئت به وماذا تقول فما وعد الله خير مما جئت به، قال الحجاج بن علاط لغلامه: اقرأ على أبي الفضل السلام وقل له فليخل لي في بعض بيوته لآتيه فإن الخبر على ما يسره فجاء غلامه فلما بلغ باب الدار قال: أبشر أبا الفضل فوثب العباس فرحاً حتى قبل بين عينيه فأخبره ما قال الحجاج فأعتقه قال: ثم جاء الحجاج فأخبره أن رسول الله ﷺ قد افتتح خيبر وغنم أموالهم وجرت سهام الله في أموالهم واصطفى رسول الله ﷺ صفية بنت حيي، فاتخذها لنفسه وخيرها أن يعتقها وتكون زوجته أو تلحق بأهلها، فاختارت أن يعتقها وتكون زوجته، ولكني جئت لمال كان لي ههنا أردت أن أجمعه فأذهب به، فاستأذنت رسول الله ﷺ فأذن لي أن أقول ما شئت، فأخف عني ثلاثاً ثم

стр. 812

اذكر ما بدا لك. قال فجمعت امرأته ماكان عندها من حلي أو متاع فدفعته إليه ثم استمر به فلما كان بعد ثلاث أتى العباس امرأة الحجاج فقال: ما فعل زوجك فأخبرته أنه قد ذهب يوم كذا وكذا وقالتك لا يخزيك الله يا أبا الفضل، لقد شق علينا الذي بلغك، قال أجل لا يخزيني الله ولم يكن بحمد الله إلا ما أحببنا، فتح الله خيبر على رسوله ﷺ وجرت فيها سهام الله واصطفى رسول الله ﷺ صفية بنت حيي لنفسه، فإن كان لك حاجة في زوجك فالحقي به، قالت: أظنك والله صادقاً. قال: فإني صادق، والأمر على ما أخبرتك فذهب حتى أتى مجالس قريش وهم يقولون إذا مر بهم: لا يصيبك إلا خير يا أبا الفضل. قال: لم يصبني إلا خير بحمد الله قد أخبرني الحجاج بن علاط أن خيبر فتحها الله على رسوله وجرت فيها سهام الله، واصطفى صفية لنفسه، وقد سألني أن أخفي عنه ثلاثاً وإنما جاء ليأخذ ماله وما كان له من شيء ها هنا ثم يذهب قال: فرد الله الكآبة التي كانت بالمسلمين على المشركين، وخرج المسلمون ومن كان دخل بيته مكتئباً حتى أتوا العباس، فأخبرهم الخبر، فسر المسلمون ورد الله يعني ما كان من كآبة أو غيظ أو حزن على المشركين. * * *

стр. 813

فصل: في غزوة الرقاع ٥٧٥ - * روى مسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزاة ونحن ستة نفر، بيننا بعير نعتقبه، فنقبت أقدامنا، فنقبت قدماي، وسقطت أظفاري، فكنا نلف على أرجلنا الخرق، فسميت: غزوة ذات الرقاع، لما كنا نعصب على أرجلنا من الخرق. قال: وحدث أبو موسى بهذا الحديث، ثم كره ذلك، قال: ما كنت أصنع بأن أذكره؟ كأنه كره أن يكون شيئاً من عمله أفشاه. قال أبو أسامة: وزادني غير بريد: والله يجزي به. قال البخاري (١): وهي غزوة محارب خصفة من بني ثعلبة، من غطفان، فنزل نخلاً، وهي بعد خيبر، لأن أبا موسى جاء بعد خيبر. ٥٧٦ - * روى البخاري عن أبي هريرة: صليت مع النبي ﷺ في غزوة نجد صلاة الخوف، وإنما جاء أبو هريرة إلى النبي ﷺ أيام خيبر. مرت معنا غزوة ذات الرقاع وهي غير غزوة الرقاع هذه وأشرنا إلى اختلاف الرواة في هذا الشأن فليلاحظ القارئ ذلك. * * *

стр. 814

فصل: في سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى بني الملوح ٥٧٧ - * روى الطبراني عن جندب بن عبد الله الجهني قال: بعث رسول الله ﷺ غالب بن عبد الله الكلبي، كلب عوف بن ليث في سرية كنت فيهم، فأمره أن يشن الغارة على بني الملوح بالكديد قال: فخرجنا حتى إذا كنا بقديد لقينا الحارث بن برصاء الليثي فأخذناه قال: إنما جئت لأسلم، إنما خرجت أريد رسول الله ﷺ . قال: قلنا إن تكن مسلماً فلن يضرك رباط ليلة، وإن تكن غير ذلك فسنوثق منك، فأوثقناه رباطاًن ثم خلفنا عليه رويجلاً لنا أسود كان معنا فقلنا له: إن نازعك فاحتز رأسه، ثم أتينا الكديد مع مغرب الشمس وكنا في ناحية من الوادي وبعثني أصحابي ربيئة لهم إلى تلك مشرف على الحاضر قال: فأسندت فيه حتى إذا كنت على ظهره ونظرت إلى القوم انبطحت، فوالله إني لعليه أنظر إذ خرج رجل من خبائه فقال لامرأته: والله إني لأرى سواداً ما رأيته في أول النهار، فانظري في أوعيتك لا يكون الكلاب اجترت بعضها. فنظرت قالت: فوالله ما أفقد من أوعيتي شيئاً. قال: أعطيني قوسي. فأعطته قوساً وسهمين معها قال: فرمى بسهم فوالله ما أخطأ جنبي قال: فانتزعته وثبت، قال: ثم رمى بالآخر فوضعه في منكبي فانتزعته وثبت، فقال لامرأته: لو كانت زائلة لقد تحرك بعد لقد خالطه سهماي فإذا أنت أصبحت فابتغيهما فخذيهما لا تضيعهما الكلاب. قال: ثم دخل حتى إذا راحت رائحة الناس من إبلهم غنمهم قد احتلبوا وغبطوا واطمأنوا شننا عليهم الغارة فقتلنا واستقنا الغنم، ثم وجهناها وخرج صريخ القوم في قومهم، فجاءهم الدهم فجاءوا في طلبنا حتى مررنا بابن البرصاء

стр. 815

فانطلقنا به معنا بوصاحبنا الذي خلفناه قال: فأدركنا القوم حتى نظرنا إليهم ما بيننا وبينهم إلا الوادي على ناحيته موجهين ومن ناحية الأخرى في طلبنا إذ جاء الله به من حيث شاء ما رأينا قبل ذلك مطراً ما يقدر أحد على أن يجيزه، لقد رأيتهم وقوفاً ينظرون إلينا ونحن نحدوها ما يقدر رجل منهم أن يصل إلينا حتى إذا عرجناها ما أنسى قول راجز من المسلمين وهو يحدوها في أعقابها: أبى أبو القاسم أن تعر بي ... في خطل نباته مغلولب صفر أعاليه كلون المذهب * * * سرية غالب الليثي إلى الحرقات من جهينة وهي معروفة ببعث أسامة بن زيد: ٥٧٨ - * روى البخاري عن أبي ظبيان قال: سمعت أسامة بن زيد يقول: بعثنا رسول الله ﷺ إلى الحرقة، فصبحنا القوم فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم، فلما غشيناه، قال: لا إله إلا الله، فكف الأنصاري فطعنته برمحي، حتى قتلته، فلما قدمنا، بلغ النبي ﷺ ، فقال: "يا أسامة، أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا الله؟ " قلت: كان متعوذاً، فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم. وفي رواية (١) قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية، فصبحنا الحرقات من جهينة،

стр. 816

فأدركت رجلاً، فقال: لا إله إلا الله. فطعنته، فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته للنبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "أقال: لا إله إلا الله. وقتلته؟ " قال: قلت: يا رسول الله، إنما قالها خوفاً من السلاح، قال: "أفلا شققت عن قلبه، حتى تعلم أقالها، أم لا؟ " فما زال يكررها علي، حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ، قال: فقال سعد: وأنا والله لا أقتل مسلماً حتى يقتله ذو البطين - يعني: أسامة - قال: قال رجل: ألم يقل الله (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين كله لله) (١). فقال سعد: قد قاتلنا حتى لا تكون فتنة، وأنت وأصحابك تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة. قال ابن الأثير: قلت: هذا سعد المذكور في الحديث هو سعد بن أبي وقاص، وسبب هذا القول من سعد، أن أسامة لما سمع هذا القول من رسول الله ﷺ لم يقاتل مسلماً، ولا شهد شيئاً من الفتن الحادثة بين الصحابة، وكذلك سعد اعتزل عن الفتن، فلم يشهد منها شيئاً، وقال: إنني لا أقتل إلا من يقتله أسامة، وليس لقوله هذا في الحديث مدخل، ولا له به تعلق. * * * قال في الفتح: وهذه السرية يقال لها سرية غالب بن عبد الله الليثي، وكانت في رمضان سنة سبع فيما ذكره ابن سعد عن شيخه، وكذا ذكره ابن إسحاق في المغازي (حثني شيخ من أسلم عن رجال من قومه قالوا: بعث رسول الله ﷺ غالب بن عبد الله الكلبي ثم الليثي إلى أرض بني مرة وبها مرداس بن نهيك حليف لهم من بني الحرقة فقتله أسامة) فهذا يبين السبب في قول أسامة (بعثنا إلى الحرقات من جهينة) والذي يظهر أن قصة الذي قتل ثم مات فدفن ولفظته الأرض غير قصة أسامة، لأن أسامة عاش بعد ذلك دهراً طويلاً، وترجم البخاري في المغازي (بعث النبي ﷺ أسامة بن زيد إلى الحرقات من جهينة) فجرى الداودي في شرحه على ظاهره فقال فيه (تأمير من لم يبلغ) وتعقب من وجهين: أحدهما أنه ليس فيه تصريح بأن أسامة كان الأمير إذ يحتمل أن يكون جعل

стр. 817

الترجمة باسمه لكونه وقعت له تلك الواقعة لا لكونه كان الأمير، والثاني أنها إن كانت سنة سبع أو ثمان فما كان أسامة يومئذ إلا بالغاً لأنهم ذكروا أنه كان له لما مات النبي ﷺ ثمانية عشر عاماً. قوله (أقتلته بعد ما قال) في رواية الكشميهني (بعد أن قال) قال ابن التين: في هذا اللوم تعليم وإبلاغ في الموعظة حتى لا يقدم أحد على قتل من تلفظ بالتوحيد، وقال القرطبي: في تكريره ذلك والإعراض عن قبول العذر زجر شديد عن الإقدام على مثل ذلك. وقال الخطابي: لعل أسامة تأول قوله تعالى (فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا) (١) ولذلك عذره النبي ﷺ فلم يلزمه دية ولا غيرها. قلت: كأنه حمل نفي النفع على عمومه دنيا وأخرى، وليس ذلك المراد، والفرق بين المقامين أنه في مثل تلك الحالة ينفعه نفعاً مقيداً بأن يجب الكف عنه حتى يختبر أمره هل قال ذلك خالصاً من قلبه أو خشية من القتل، وهذا بخلاف ما لو هجم عليه الموت ووصل خروج الروح إلى الغرغرة وانكشف الغطاء فإنه إذا قالها لم تنفعه بالنسبة لحكم الآخرة وهو المراد من الآية، وأما كونه لم يلزمه دية ولا كفارة فتوقف فيه الداودي وقال: لعله سكت عنه لعلم السامع أو كان ذلك قبل نزول آية الدية والكفارة، وقال القرطبي: لا يلزم من السكوت عنه عدم الوقوع، لكن فيه بعد لأن العادة جرت بعدم السكوت عن مثل ذلك إن وقع، قال: فيحتمل أنه لم يجب عليه شيء لأنه كان مأذوناً له في أصل القتل فلا يضمن ما أتلف من نفس ولا مال كالخاتن والطبيب، أو لأن المقتول كان من العدو ولم يكن له ولي من المسلمين يستحق ديته، قال: وهذا يتمشى على بعض الآراء، أو لأن أسامة أقر بذلك ولم تقم بذلك بينة فلم تلزم العاقلة الدية وفيه نظر. قال ابن بطال: كانت هذه القصة سبب حلف أسامة أن لا يقاتل مسلماً بعد ذلك، ومن ثم تخلف عن علي في الجمل وصفين قلت: وكذا وقع في رواية الأعمش المذكورة أن سعد بن أبي وقاص كان يقول: لا أقاتل مسلماً حتى يقاتله أسامة. واستدل به النووي على رد الفرع الذي ذكره الرافعي فيمن رأى كافراً أسلم فأكرم إكراماً كثيراً، فقال: ليتني كنت كافراً فأسلمت لأكرم، فقال الرافعي: يكفر بذلك، ورده

стр. 818

النووي بأنه لا يكفر لأنه جازم الإسلام في الحال والاستقبال وإنما تمنى ذلك في الحال الماضي مقيداً له بالإيمان ليتم له الإكرام واستدل بقصة أسامة ثم قال: ويمكن الفرق. اهـ. * * *

стр. 819

فصل: في عمرة القضاء ٥٧٩ - * روى البخاري عن البراء ﵁ قال: اعتمر النبي ﷺ في ذي القعدة، فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة، حتى قاضاهم على أن يقيم بها ثلاثة أيام. فلما كتبوا الكتاب كتبوا: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله ﷺ ، فقالوا: لا نقر بها، فلو نعلم أنك رسول الله ما منعناك، لكن أنت محمد بن عبد الله. قال: "أنا رسول الله، وأنا محمد ابن عبد الله" ثم قال لعلي: "امح رسول الله" قال: لا والله لا أمحوك أبداً، فأخذ رسول الله ﷺ الكتاب فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله، لا يدخل مكة سلاح إلا في القراب، وأن لا يخرج من أهلها بأحد إن أراد أن يتبعه، وأن لا يمنع أحداً من أصحابه أراد أن يقيم بها. فلما دخلها ومضى الأجل أتوا علياً فقالوا: قل لصاحبك اخرج عنا فقد مضى الأجل. فخرج النبي ﷺ ، فتبعتهم ابنة حمزة - يا عم، يا عم - فتناولها علي فأخذ بيدها وقال لفاطمة: دونك ابنة عمك احمليها. فاختصم فيها علي وزيد وجعفر. فقال علي: أنا أحق بها وهي ابنة عمي وخالتها تحتي. وقال زيد: ابنة أخي. فقضى بها النبي ﷺ لخالتها وقال: "الخالة بمنزلة الأم" وقال لعلي: "أنت مني وأنا منك" وقال لجعفر: "أشبهت خَلْقي وخُلقي" وقال لزيد: "أنت أخونا ومولانا". وفي رواية (١) قال: لما صالح رسول الله ﷺ أهل الحديبية: كتب علي بينهم كتاباً، فكتب: محمد رسول الله. فقال المشركون: لا تكتب: محمد رسول الله، لو كنت رسولاً لم نقاتلك. فقال لعلي: "امحه" فقال علي: ما أنا بالذي أمحاه. فمحاه رسول الله ﷺ بيده، وصالحهم على أن يدخل هو وأصحابه ثلاثة أيام، وأن لا يدخلوها إلا بجلبان السلاح، فسالوه: ما جلبان السلاح؟ فقال: "القراب بما فيه".

стр. 820

وفي رواية (١) قال: صالح النبي ﷺ المشركين يوم الحديبية على ثلاثة أشياء: على أن من أتاه من المشركين رده إليهم، ومن أتاهم من المسلمين لم يردوه، وعلى أن يدخلها من قابل، ويقيم بها ثلاثة أيام، ولا يدخلها إلا بجلبان السلاح - السيف ولاقوس ونحوه - فجاء أبو جندل يحجل في قيوده، فرده غليهم. - وفي أخرى (٢): أن النبي ﷺ لما أراد أن يعتمر أرسل إلى أهل مكة يستأذنهم ليدخل مكة، فاشترطوا عليه: أن لا يقيم بها إلا ثلاث ليال، ولا يدخلها إلا بجلبان السلاح، ولا يدعو منهم أحداً، قال: فأخذ يكتب الشرط بينهم علي بن أبي طالب، فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، فقالوا: لو علمنا أنك رسول الله، لم نمنعك، ولتابعناك. ولكن اكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله، فقال: "أنا والله محمد بن عبد الله، وأنا والله رسول الله" قال: وكان لا يكتب قال، فقال لعلي: "امح رسول الله" فقال علي: والله لا أمحاه أبداً، قال: "فأرنيه". قال: فأراه إياه، فمحاه رسول الله ﷺ بيده، فلما دخل ومضت الأيام أتوا علياً، فقالوا: مر صاحبك فليرتحل، فذكر ذلك علي لرسول الله ﷺ ، فقال: "نعم". فارتحل. وفي أخرى (٣): ثم قال لعلي: "امح رسول الله" قال: لا، والله لا أمحوك أبداً، فأخذ رسول الله ﷺ الكتاب فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله ... الحديث. وفيه ذكر بنت حمزة، والأخذ لها، والخصومة فيها. قال في الفتح: قوله (ثم قال لعلي: امح رسول الله) أي امح هذه الكلمة المكتوبة من

стр. 821

الكتاب، فقال: لا والله لا أمحوك أبداً، وللنسائي من طريق علقمة بن قيس عن علي قال: (كنت كاتب النبي ﷺ يوم الحديبية فكتبت: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله، فقال سهيل: لو علمنا أنه رسول الله ما قاتلناه، امحها فقلت: هو والله رسول الله ﷺ وإن رغم أنفك، لا والله لا أمحوها) وكأن علياً فهم أن أمره له بذلك ليس متحتماً، فلذلك امتنع من امتثاله. ووقع في رواية يوسف بعد (فقال لعلي: امح رسول الله، فقال: لا والله لا أمحاه أبداً. قال. فأرنيه، فأراه إياه فمحا النبي ﷺ بيده) ونحوه في رواية زكريا عند مسلم وفي حديث علي عند النسائي وزاد (وقال: أما إن لك مثلها، وستأتيها وأنت مضطر) يشير ﷺ إلى ما وقع لعلي يوم الحكمين فكان كذلك. قوله (فخرج النبي ﷺ في رواية يوسف (فذكر ذلك علي فقال: نعم فارتحل) وفي مغازي أبي الأسود عن عروة (فلما كان اليوم الرابع جاءه سهيل بن عمرو وحويطب بنعبد العزى فقالا: ننشدك الله والعهد إلا ما خرجت من أرضنا، فرد عليه سعد بن عبادة، فأسكته النبي ﷺ وآذن بالرحيل). وأخرج الحاكم في (المستدرك) من حديث ميمونة في هذه القصة (فأتاه حويطب بن عبد العزى) وكأنه كان دخل في أوائل النهار فلم يكمل الثلاث إلا في مثل ذلك الوقت من النهار الرابع الذي دخل فيه بالتلفيق، وكان مجيئهم في أول النهار قرب مجيء ذلك الوقت. ويؤخذ منه أن الخالة في الحضانة مقدمة على العمة لأن صفية بنت عبد المطلب كانت موجودة حينئذ، وإذا قدمت على العمة مع كونها أقرب العصبات من النساء فهي مقدمة على غيرها، ويؤخذ منه تقديم أقارب الأم على أقارب الأب. وعن أحمد رواية أن العمة مقدمة في الحضانة على الخالة، وأجيب عن هذه القصة بأن العمة لم تطلب. فإن قيل: والخالة لم تطلب، قيل: قد طلب لها زوجها، فكما أن للقريب المحضون أن يمنع الحاضنة إذا تزوجت فللزوج أيضاً أن يمنعها من أخذه، فإذا وقع الرضا سقط الحرج. وفيه من الفوائد أيضاً تعظيم صلة الرحم بحيث تقع المخاصمة بين الكبار في التوصل إليها وأن الحاكم بين دليل الحكم للخصم، وأنالخصم يدلي بحجته، وأن الحاضنة إذا تزوجت بقريب المحضونة لا تسقط حضانتها إذا كانت المحضونة أنثى أخذاً بظاهر هذا الحديث قاله أحمد، وعنه لا فرق بين الأنثى والذكر، ولا يشترط كونه محرماً لكن يشترط أن

стр. 822

يكون فيه مأموناً، وأن الصغيرة لا تشتهى، ولا تسقط إلا إذا تزوجت بأجنبي، والمعروف عن الشافعية والمالكية اشتراط كون الزوج جداً للمحضون، وأجابوا عن هذه القصة بأن العمة لم تطلب وأن الزوج رضي بإقامتها عنده، وكل من طلبت حضانتها لها كانت متزوجة فرجح جانب جعفر بكونه تزوج الخالة. ٥٨٠ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ أقام في عمرة القضاء ثلاثاً. ٥٨١ - * روى الطبراني عن ابن شهاب قال: لما اعتمر رسول الله ﷺ عمرة القضاء أمر أصحابه، فقال "اكشفوا عن المناكب واسعوا في الطواف" ليري المشركين جلدهم وقوتهم، وكان يكيدهم بكل ما استطاع فانكفأ أهل مكة: والرجال والنساء والصبيان ينظرون إلى رسول الله ﷺ وأصحابه وهم يطوفون بالبيت، وعبد الله بن رواحة يرتجز بين يدي رسول الله ﷺ متوشحاً بالسيف يقول: خلوا بني الكفار عن سبيله ... خلوا فكل الخير في رسوله فاليوم نضربكم على تأويله ... كما ضربناكم على تنزيله ضرباً يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله وبعث رجالاً من أشراف المشركين كراهية أن ينظروا إلى رسول الله ﷺ غيظاً وحنقاً ونفاسة وحسداً خرجوا إلى نواحي مكة فقضى رسول الله ﷺ نسكه وأقام ثلاثاً. ٥٨٢ - * روى البخاري عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ سمع ابن عباس

стр. 823

يقول: لما اعتمر رسول الله ﷺ سترناه من غلمان المشركين ومنهم أن يوذوا رسول الله ﷺ ". ٥٨٣ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: اعتمر رسول الله ﷺ أربع عمر كلهن في ذي القعدة، إلا التي كانت مع حجته: عمرة من الحديبية في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة، وعمرة من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة، وعمرة مع حجته. وفي رواية أبي داود زيادة في لفظه (١) قال: والثانية: حين تواطؤوا على عمرة قابل، وقال في الرابعة: التي قرن مع حجته. * * * تعليقات على عمرة القضاء: قال الدكتور البوطي: هذه العمرة تعتبر تصديقاً إلهياً لما وعد به النبي ﵊ أصحابه من دخولهم مكة وطوافهم بالبيت. وقد رأيت كيف سأل عمر رسول الله ﷺ أثناء صلح الحديبية: أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ فأجابه: "بلى، أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا؟ " قال: لا. قال: "فإنك آتيه ومطوف به". فهذا هو مصداق وعد رسول الله ﷺ . وقد نبه الله عباده إلى هذا التصديق في قوله (لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحاً قريباً) (٢).

стр. 824

وقال: ذهب بعض الفقهاء إلى جواز عقد النكاح حالة الإحرام بحج أو عمرة، اعتماداً على الرواية التي نقلت أنه ﷺ ، عقد على ميمونة أثناء إحرامه. والذي عليه جماهير الفقهاء أنه لا يجوز للمحرم أن يعقد نكاحاً لا لنفسه ولا وكالة عن غيره مطلقاً. وذهبت الحنفية إلى أنه يحرم للمحرم أن يتولى عقد النكاح لغيره ممن لم يكن محرماً. هذا وقد اعتمر رسول الله ﷺ أربع عمرات وحج حجة واحدة. أ. هـ أقول: كانت عمرة القضاء مقدمة لفتح مكة فهي نفسها كانت من قريش استسلاماً وهي أشعرت قريشاً ومن معها بقوة المسلمين، والأهم من هذا أنها أسقطت أكبر حجج قريش لو أراد رسول الله ﷺ غزوها وهي حماية بيت الله الحرام، لقد كان بالإمكان أن تدعي أن محمداً ﷺ عدو للبيت الحرام ولأهله وأنه لا يحترمه ولا يقدسه بل يريد إنهاءه وإبطال مناسكه، ومن خلال ذلك كان بإمكانها أن تحشد، ولكن بهذه العمرة انتهت هذه الحجج كلها؛ ولذلك فإن فتح مكة فيما بعد لم يرافقه أي تحشد خارجي بجانب قريش. * * *

стр. 825

نظرة على أحداث السنة السابعة أي أفق ذلك الأفق الذي نطل عليه ونحن نقرأ سيرة رسول الله ﷺ ، حيث الكفاءة من جهة والتأييد الإلهي أولاً وأخيراً من جهة ثانية، لم يكن بين رسول الله ﷺ ويهود خيبر عهد ولا عقد، وكان المتوقع أن يثأروا لإخوانهم بني قريظة وبني النضير وبني قينقاع، كما كان من المتوقع أن يلعبوا دورهم في التأليب على رسول الله ﷺ وقد رأينا في أحداث السنة السادسة أن بني سعد راسلوا يهود خيبر للعمل المشترك على أن يعطيهم اليهود تمر خيبر، ولكن سرية علي بن أبي طالب ﵁ وقتذاك أجهضت الفكرة، وإذن لابد من عمل ضد خيبر، ولكن رسول الله ﷺ أجل ذلك عاماً كاملاً حتى وادع قريشاً وبذلك أسقط في أيدي أهل خيبر أن يجتمعوا حول قريش أو أن تأتيهم نصرة من قبلها وقبل أن يصل إلى ديارهم أرسل سرية إلى غطفان فحال بينها وبين إمداد خيبر، وأسقط في أيدي اليهود أن يأتيهم مدد من هذا الجانب، ومن قبل غزا بني سعد وأفقدهم قوتهم التي يمكن أن يتحركوا بها نحو خيبر وبهذا كله لم يعد أمام خيبر إلا التسليم، والتسليم وليس الاستئصال هو هدف رسول الله ﷺ الاستراتيجي إلا إذا كانت هناك أسباب تتطلب غير ذلك كما حدث في أول قيام الدولة، ومن خلال هذه النظرة البعيدة المدى وصل في النهاية فعلاً إلى أن سلمت له العرب جميعاً، وجاءته وفودها من كل حدب وصوب، وهكذا وبأقل الخسائر وحد الجزيرة العربية تحت سلطانه بالهيبة والرعب وبالتربية والحب وبالدعوة والعلم ولن نستبق الأحداث، فأحداث السنة الثامنة كانت هي القنطرة لهذا كله، وذلك بعد أن أزال سلطان قريش السياسي وسلطان اليهود السياسي فلم يبق أمامه شيء. تظهر لك في أحداث هذه السنة وغيرها حوادث تدلك على التأديب المستمر الذي كان رسول الله ﷺ يرتقي به بأصحابه، كحادثة قتل أسامة لمن أسلم تحت السيف. هذه الحوادث تدلك على ملاحقة رسول الله ﷺ أخطاء النفس البشرية حتى خلصت لله زاكية مزكاة. * * *

стр. 826

السنة الثامنة للهجرة

стр. 827

أحداث السنة الثامنة في سطور ذكر ابن كثير في أحداث هذه السنة إسلام خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة، فنقل عن الواقدي أنهم قدموا لهلال صفر سنة ثمان، وسرية شجاع بن وهب الأسدي إلى هوازن، وسرية كعب بن عمير إلى قضاعة، ثم ذكر غزوة مؤتة، وفصل في رسائل رسول الله ﷺ ههنا مع أنه ذكر أن هذه الرسائل كانت في أواخر سنة ست، والراجح ذلك أو أنها في بداية سنة سبع، ثم ذكر سرية ذات السلاسل، وذكر سرية أبي عبيدة إلى سيف البحر، مع أن الراجح أنها كانت قبل صلح الحديبية، لذلك أوردناها في سنة ست، ثم ذكر غزوة الفتح، ثم ذكر بعث خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، ثم بعثه لهدم العزى، ثم ذكر غزوة هوازن ويوم حنين، ثم سرية أوطاس، وحصار الطائف، ثم مرجعه منها وقسمة الغنائم، ثم عمرته ﵊ من الجعرانة، ثم ذكر عودته إلى المدينة المنورة، ومقدم كعب بن زهير وإسلامه، وذكر فيها هدم الكعبة اليمانية وهي سرية ذي الخلصة. ومن كلام ابن كثير وهو يختم الكلام عن هذه السنة: قال الواقدي: وفي هذه السنة بعث رسول الله ﷺ عمرو بن العاص إلى جيفر وعمرو ابني الجلندي من الأزد، وأخذت الجزية من مجوس بلدهما ومن حولها من الأعراب، قال: وفيها تزوج رسول الله ﷺ فاطمة بنت الضحاك بن سفيان الكلابي في ذي القعدة فاستعاذت منه ﵇ ففارقها. وقيل بل خيرها فاختارت الدنيا ففارقها. قال: وفي ذي الحجة منها ولد إبراهيم ابن رسول الله ﷺ من مارية القبطية وكانت قابلتها فيه سلمى مولاة رسول الله ﷺ فخرجت إلى أبي رافع فأخبرته، فذهب فبشر به رسول الله ﷺ ، فأعطاه مملوكاً ودفعه رسول الله ﷺ إلى أم برة بنت المنذر بن أسيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، وزوجها البراء بن أوس بن خالد بن الجعد بن عوف بن مبذول، قال الواقدي: وفيها كان هدم سواع الذي كانت تعبده هذيل، هدمه عمرو بن العاص ﵁، وفيه هدم مناة بالمشلل، وكانت الأنصار أوسها وخزرجها يعظمونه، هدمه سعد بن

стр. 828

زيد الأشهلي ﵁ ا. هـ. وقد تتبع المباركفوري أحداث هذه السنة من زاد المعاد، ورحمة للعالمين، وتلقيح فهوم أهل الأثر وكتب الحديث الشريف وبعض شروحها وابن هشام ومختصر سيرة الرسول فأعطانا خلاصة ذكرها متفرقة في سياقات مختلفة وها نحن نقدمها تارة بلفظه وتارة باختصار. * في صفر أرسل رسول الله ﷺ سرية غالب بن عبد الله إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد بفدك في مائتي رجل، فأصابوا من العدو نعماً، وقتلوا منهم قتلى. * وفي ربيع الأول كانت سرية ذات أطلاح إلى بني قضاعة فقد حشدت بنو قضاعة جموعاً كبيرة للإغارة على المسلمين، فبعث إليهم رسول الله ﷺ كعب بن عمير الأنصاري في خمسة عشر رجلاً، فلقوا العدو، فدعوهم إلى الإسلام فلم يستجيبوا لهم ورشقوهم بالنبل حتى استشهدوا كلهم إلا رجلاً واحداً، فقد ارتث (١) من بين القتلى. * وفي ربيع الأول كانت سرية ذات عرق إلى بني هوازن (وهي أشبه أن تكون سرية استطلاع) فقد كانت بنو هوازن أمدت الأعداء مرة بعد أخرى فأرسل إليهم شجاع بن وهب الأسدي في خمسة وعشرين رجلاً، فاستاقوا نعماً من العدو ولم يلقوا كيداً. * وفي جمادى الأولى سنة - ٨ - للهجرة حدثت معركة مؤتة وكان سببها قتل شرحبيل ابن عمرو الغساني لرسول رسول الله ﷺ الحارث بن عمرو الأزدي، فأرسل له رسول الله ﷺ جيشاً قوامه ثلاثة آلاف مقاتل، وكانت هذه المعركة هي المقدمة والتمهيد لفتح بلاد الشام. * وفي جمادى الآخرة أرسل رسول الله ﷺ سرية على رأسها عمرو بن العاص وكان قوامها ثلاثمائة مقاتل، وقد أمره رسول الله ﷺ أن يجند في طريقه من يستطيع تجنيده من القبائل التي يمر بها، وكان هدفها فصل التلاحم بين بعض القبائل العربية والرومان، وقطع الطريق على غزو القبائل المتاخمة للشام للمدينة المنورة، وهذه السرية تسمى سرية

стр. 829

ذات السلاسل وقد أمد الرسول ﷺ عمرو بن العاص بمائتين على رأسهم أبو عبيدة بن الجراح، وقد سيطرت هذه السرايا على المناطق الشمالية للجزيرة العربية وأخضعتها. * وفي شعبان سنة - ٨ - أرسل رسول الله ﷺ أبا قتادة في خمسة عشر رجلاً في عملية خاطفة إلى بني غطفان في نجد الذين كانوا يتحشدون لرسول الله ﷺ في خضرة فقتل وسبا وغنم فأجهض بهذه العملية فكرة التحشد. * وفي رمضان سنة - ٨ - تم فتح مكة بعد أن غدرت قريش بحلفاء رسول الله ﷺ من بني خزاعة. * ومن مكة بعد فتحها أرسل رسول الله ﷺ عدداً من السرايا: ١ - سرية خالد بن الوليد إلى العزى لخمس بقين من شهر رمضان سنة - ٨ - للهجرة ليهدمها، وكانت بنخلة، وكانت لقريش وجميع بني كنانة، وهي أعظم أصنامهم. وكان سدنتها بني شيبان، فخرج إليها خالد في ثلاثين فارساً حتى انتهى إليها، فهدمها. ولما رجع سأله رسول الله ﷺ : "وهل رأيت شيئاً؟ " قال: لا، قال: "فإنك لم تهدمها فارجع إليها فاهدمها" فرجع خالد متغيظاً قد جرد سيفه، فخرجت إليه امرأة عريانة سوداء ناشرة الرأس، (١) فجعل السادن يصيح بها، فضربها خالد فجزلها باثنتين، ثم رجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال: "نعم، تلك العزى، وقد أيست أن تعبد في بلادكم أبداً". ٢ - ثم بعث عمرو بن العاص في نفس الشهر إلى سواع ليهدمه، وهو صنم لهذيل، على ثلاثة أميال من مكة، فلما انتهى إليه عمرو قال له السادن: ما تريد؟ قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أهدمه، قال: لا تقدر على ذلك، قال: لم؟ قال: تمنع. قال: حتى الآن أنت على الباطل؟ ويحك، فهل يسمع أو يبصر؟ ثم دنا فكسره، وأمر أصحابه فهدموا بيت خزانته، فلم يجدوا فيه شيئاً. ثم قال للسادن: كيف رأيت؟ قال: أسلمت لله.

стр. 830

٣ - وفي نفس الشهر بعث سعد بن زيد الأشهلي في عشرين فارساً إلى مناة وكانت بالمشلل عند قديد للأوس والخزرج وغسان وغيرهم، فلما انتهى سعد إليها قال له سادنها: ما تريد؟ قال: هدم مناة، قال: أنت وذاك، فأقبل إليها سعد، وخرجت امرأة عريانة سوداء ثائرة الرأس، تدعو بالويل، وتضرب صدرها، فقال لها السادن: مناة دونك بعض عصاتك. فضربها سعد فقتلها، وأقبل إلى الصنم فهدمه وكسره، ولم يجدوا في خزانته شيئاً. ٤ - ولما رجع خالد بن الوليد من هدم العزى بعثه رسول الله ﷺ في شوال من نفس السنة - ٨ هـ - إلى بني جذيمة داعياً إلى الإسلام لا مقاتلاً. فخرج في ثلاثمائة وخمسين رجلاً من المهاجرين والأنصار وبني سليم، فانتهى إليهم فدعاهم إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: "صبأنا صبأنا" فجعل خالد يقتلهم ويأسرهم (١)، ودفع إلى كل رجل ممن كان معه أسيراً، فأمر يوماً أن يقتل كل رجل أسيره، فأبى ابن عمر وأصحابه حتى قدموا على النبي ﷺ ، فذكروا له، فرفع ﷺ يديه وقال: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد" مرتين. وكانت بنو سليم هم الذين قتلوا أسراهم دون المهاجرين والأنصار، وبعث رسول الله ﷺ علياً فودى لهم قتلاهم وما ذهب منهم، وكان بين خالد وعبد الرحمن بن عوف كلام في ذلك، فبلغ النبي ﷺ فقال: "مهلاً يا خالد، دع عنك اصحابي، فوالله لو كان أحد ذهباً، ثم أنفقته في سبيل الله ما أدركت غدوة رجل من أصحابي ولا روحته". * وفي السادس من شوال سنة - ٨ هـ - توجه رسول الله ﷺ في اثني عشر ألف مقاتل نحو هوازن وثقيف ومن التف حولهم وكانت معركة حنين في ١٠ شوال وكانت عاقبتها للمسلمين ثم تابع فلولهم فكانت معركة أوطاس. * وبعد حنين توجه رسول الله ﷺ إلى الطائف في شوال كذلك مقدماً خالد بن الوليد في ألف مقاتل، وقد حاصرها ﷺ ثم فك الحصار عنها، وكلف مالك بن عوف بعد أن أسلم أن يضغط عليها، وكان من ثمار ذلك أن أسلمت ثقيف بعد فترة.

стр. 831

* وبعد عودة رسول الله ﷺ إلى المدينة وفد عليه كعب بن زهير، وقد كانت عودة رسول الله ﷺ إلى المدينة المنورة لست بقين من ذي القعدة وبعودته دخلت الدعوة الإسلامية في طور جديد، طور الدخول في دين الله أفواجاً، فبدأت الوفود تترى إلى المدينة المنورة داخلة في الإسلام، مقدمة الطاعة والولاء لرسول الله ﷺ . اهـ. وإذ لم يكن السرد التاريخي هدفاً لنا في هذا الكتاب إلا بالقدر الذي يلقي أضواء على الفهم العام للسيرة النبوية، فسنكتفي بأن نعقد فصولاً للأحداث التي يعتبر التفصيل فيها هدفاً من أهداف هذا القسم. كانت سياسة الرسول ﷺ ألا يسكت على اعتداء، فهناك فارق كبير بين الاعتداء الشخصي وبين الاعتداء على الدولة، لقد تحمل رسول الله ﷺ من الاعتداء على شخصه ما تنوء به الجبال وكل ذلك في الله وبالله، وما من عاقل إلا ويعلم أن رسول الله ﷺ لم تكن تصرفاته أثراً عن هوى، ولكنها الحكمة التي تضع الأمور مواضعها، والسكوت على الاعتداء على الدولة يفقدها هيبتها ويزيد طمع الطامعين بها ويؤلب عليها أعداءها، كما أن من سياسة رسول الله ﷺ ألا ينتظر الاعتداء حتى يقع؛ لأن درهم وقاية خير من قنطار علاج، بل هو ﵊ كان يفجأ المعتدي قبل استكمال أدوات اعتدائه، ولقد كانت هذه المعاني وراء أهم أحداث السنة الثامنة. * * *

стр. 832

فصل: في إسلام خالد وعمرو وعثمان بن طلحة أسلم هؤلاء الثلاثة قبل الفتح بإجماع، وهناك روايات تذكر أنهم أسلموا مع بعضهم، وعامة أهل السير يقولون: إنهم أسلموا في السنة الثامنة، وكل منهم له دور ما في الأحداث من قبل ومن بعد على تفاوت في ذلك، وليس لنا ما نقوله ههنا أو ننقله فستأتي تراجمهم فيما بعد ولكن نحب أن نذكر تعليقاً بسيطاً على إسلامهم لأن له دلالات هامة! فههنا ثلاث شخصيات كل منها له طابع مميز: أما عمرو فبعيد النظر يزن الأمور بميزان الأرباح والخسائر وهو ذو عقل استراتيجي دراك لماح وأما خالد فشجاع مقدام مقاتل حر النفس. وأما عثمان فمن آل بيت يتألهون، أليست لهم حجابة الكعبة، فعندما يأتي هؤلاء جميعاً إلى محمد ﷺ مسلمين فإنك تدرك تغير الميزان وتدرك أن تغيرات كبيرة قد طرأت على النفسيات كلها، وأن من لم يزل بعيداً عن الإسلام إنما تحكمه عقد نفسية أو تمنعه قوة الاستمرار عن الانتقال إلى الوضع الجديد. * * *

стр. 833

فصل: في سرية شجاع بن وهب ذكر ابن كثير في البداية والنهاية رواية الواقدي عن سرية شجاع بن وهب في أربعة وعشرين رجلاً إلى جمع من هوازن وأمره أن يغير عليهم فأمر أصحابه ألا يمعنوا في الطلب وأغار عليهم ... ثم قال ابن كثير: وقد تكون هذه السرية هي المذكورة فيما رواه الشافعي (١) عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ بعث سرية قبل نجد فكان فيهم عبد الله بن عمر، قال: فأصبنا إبلاً كثيراً فبلغت سهامنا اثني عشر بعيراً ونفلنا رسول الله ﷺ بعيراً بعيراً. ٥٨٤ - * وروى أبو داود عن ابن عمر قال: بعث رسول الله ﷺ سرية إلى نجد فخرجت معها فأصبنا نعماً كثيرة فنفلنا أميرنا بعيراً بعيراً لكل إنسان، ثم قدمنا على رسول الله ﷺ فقسم بيننا غنيمتنا فأصاب كل رجل منا اثني عشر بعيراً بعد الخمس وما حاسبنا رسول الله ﷺ بالذي أعطانا صاحبنا ولا عاب عليه ما صنع فكان لكل منا ثلاثة عشر بعيراً بنفله. * * *

стр. 834

فصل: في غزوة مؤتة من أرض الشام قال ابن حجر في الفتح: قال ابن إسحق: هي بالقرب من البلقاء، وقال غيره هي على مرحلتين من بيت المقدس. ويقال: إن السبب فيها أن شرحبيل بن عمرو الغساني - وهو من أمراء قيصر على الشام - قتل رسولاً أرسله النبي ﷺ إلى صاحب بصري، واسم الرسول الحارث بن عمير، فجهز إليهم النبي ﷺ عسكراً في ثلاثة آلاف. وفي (مغازي أبي الأسود) عن عروة: بعث رسول الله ﷺ الجيش إلى مؤتة في جمادى من سنة ثمان وكذا قال ابن إسحاق وموسى بن عقبة وغيرهما من أهل المغازي لا يختلفون في ذلك، إلا ما ذكر خليفة في تاريخه أنها كانت سنة سبع. أ. هـ ٥٨٥ - * روى الطبراني عن عروة بن الزبير قال: بعث النبي ﷺ بعثاً إلى مؤتة في جمادى الأولى من سنة ثمان واستعمل عليهم زيد بن حارثة، فقال لهم: "إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس" فتجهز الناس ثم تهيئوا للخروج وهم ثلاثة آلاف فلما حضر خروجهم ودع الناس أمراء رسول الله ﷺ وسلموا عليهم. فلما ودع عبد الله بن رواحة مع من ودع بكى، فقيل له: ما يبكيك يا ابن رواحة فقال: والله ما بي حب الدنيا وصبابة ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار (وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضيا) (١) فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود فقال لهم المسلمون: صحبكم الله ودفع عنكم وردكم إلينا صالحين فقال عبد الله بن رواحة: لكني أسأل الرحمن مغفرة ... وضربة ذات فرع تقذف الزبدا أو طعنة بيدي حران مجهزة ... بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا حتى يقولوا إذا مروا على جدثي ... أرشده الله من غاز وقد رشدا

стр. 835

ثم إن القوم تيهئوا للخروج فأتى عبد الله بن رواحة رسول الله ﷺ يودعه فقال: يثبت الله ما آتاك من حسن ... تثبيت موسى ونصرا كالذي نصروا إني تفرست فيك الخير نافله ... فراسة خالفتهم في الذي نظروا أنت الرسول فمن يحرم نوافله ... والوجه منه فقد أزرى به القدر ثم خرج القوم وخرج رسول الله ﷺ يشيعم حتى إذا ودعهم وانصرف عنهم قال عبد الله ابن رواحة: خلف السلام على امرئ ودعته ... في النخل خير مشيع وخليل ثم مضوا حتى نزلوا معان من أرض الشام فبلغهم أن هرقل في ماب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم وقد اجتمعت إليه المستعربة من لخم وجذام وبلقين وبهراء وبلى في مائة ألف، عليهم رجل يلي أخذ رايتهم يقال له مالك بن زافلة فلما بلغ ذلك المسلمين قاموا بمعان ليلتين، ينظرون في أمرهم، وقالوا: نكتب إلى رسول الله ﷺ فنخبره بعدد عدونا، فإما أن يمدنا وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له فشجع عبد الله بن رواحة الناس. وقال: يا قوم والله إن الذي تكرهون للذي خرجتم له تطلبون الشهادة وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة إنما نقاتلهم بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا، فإنما هي إحدى الحسنيين إما ظهور وإما شهادة قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر، أنه حدث عن زيد بن أرقم قال: كنت يتيماً لعبد الله بن رواحة في حجره فخرج في سفرته تلك مردفي على حقيبة راحلته ووالله إنا لنسير ليلة إذ سمعته يتمثل ببيته هذا: إذا أديتني وحملت رحلي ... مسيرة أربع بعد الحساء (١) فلما سمعته منه بكيت فخفقني بالدرة، وقال: ما عليك يا لكع أن يرزقني الله الشهادة

стр. 836

وترجع بين شعبتي الرحل ومضى الناس حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب بقرية من قرى البلقاء يقال لها: ماب، ثم دنا العدو وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها: مؤتة، فالتقى الناس عندها وتعبأ المسلمون فجعلوا على ميمنتهم رجلاً من بني عذرة يقال له: قطبة بن قتادة، وعلى ميسرتهم رجلاً من الأنصار يقال له عبادة بن مالك، ثم التقى الناس واقتتلوا فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله ﷺ حتى شاط في رماح القوم ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى إذا ألجمه القتال اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها فقاتل القوم حتى قتل، وكان جعفر أول رجل من المسلمين عقر في الإسلام. ٥٨٦ - * روى الطبراني عن عباد بن عبد الله بن الزبير قال: حدثني أبي الذي أرضعني، وكان أحد بني مرة بن عوف، وكان في تلك الغزاة غزوة مؤتة قال: والله لكأني أنظر إلى جعفر بن أبي طالب حين اقتحم عن فرس له شقراء ثم عقرها، ثم قاتل القوم حتى قتل، فلما قتل جعفر أخذ عبد الله بن رواحة الراية ثم تقدم بها وهو على فرسه فجعل يستنزل نفسه وتردد بعض التردد ثم قال: أقسمت يا نفسي لتنزلنه ... طائعة أو لتكرهنه ما لي أراك تكرهين الجنه ... إن أجلب الناس وشدوا الرنه لطالما قد كنت مطمئنة ... هل أنت إلا نطفة في شنه

стр. 837

وقال عبد الله بن رواحة: يا نفس إن لا تقتلي تموتي ... هذا حمام الموت قد صليت وما تمنيت فقد لقيت ... إن تفعلي فعلهما هديت ثم نزل، فلما نزل أتاه ابن عم له بعظم من لحم فقال: اشدد بهذا صلبك فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما قد لقيت، فأخذه من يده، فانتهس منه نهسة، ثم سمع الحطمة في ناحية الناس فقال: وأنت في الدنيا ثم ألقاه من يده ثم أخذ سيفه فتقدم فقاتل حتى قتل فأخذ الراية ثابت بن أقرم أحد بني العجلان وقال: يا أيها الناس اصطلحوا على رجل منكم قالوا: أنت، قال: ما أنا بفاعل، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد، فلما أخذ الراية دافع القوم، ثم انحاز حتى انصرف فلما أصيبوا قال رسول الله ﷺ : "أخذ الراية زيد بن حارثة فقاتل بها حتى قتل شهيداً، ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى قتل شهيداً" ثم صمت النبي ﷺ حتى تغيرت وجوه الأنصار، وظنوا أنه كان في عبد الله ابن رواحة بعض ما يكرهونه قال: "ثم أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل بها، حتى قتل شهيداً، ثم قال: "لقد رفعوا إلي في الجنة فيما يرى النائم على سرر من ذهب فرأيت في سرير عبد الله بن رواحة ازوراراً عن سريري صاحبيه، فقلت: بم هذا فقيل لي: مضيا وتردد عبد الله بن رواحة بعض التردد ومضى". ٥٨٧ - * روى أحمد عن أبي قتادة الأنصاري فارس رسول الله ﷺ قال: بعث رسول الله ﷺ جيش الأمراء، فقال: "عليكم زيد بن حارثة، فإن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة الأنصاري" فوثب جعفر فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما كنت أرهب، أن تستعمل علي زيداً، قال: "امض فإنك لا تدري أي ذلك خير". فاننطلقوا فلبثوا ما شاء الله، ثم إن رسول الله ﷺ

стр. 838

صعد المنبر وأمر أن ينادى الصلاة جامعة، فقال رسول الله ﷺ : "ناب خيراً - أو بات خيراً أو ثاب خيراً" شك عبد الرحمن - أي الراوي - "ألا أخبركم عن جيشكم هذا الغازي؟ إنهم انطلقوا فلقوا العدو، فأصيب زيد شهيداً فاستغفروا له - فاستغفر له - الناس. ثم أخذ اللواء جعفر بن أبي طالب فشد على القوم حتى قتل شهيداً، أشهد له بالشهادة فاستغفروا له ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة فأثبت قدميه حتى قتل شهيداً فاستغفروا له. ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد ولم يكن من الأمراء هو أمر نفسه" ثم رفع رسول الله ﷺ أصبعه فقال: "اللهم هو سيف من سيوفك فانصرفه" فمن يومئذ سمي خالد سيف الله ثم قال: "انفروا فأمدوا إخوانكم ولا يتخلفن أحد". قال: فنفر الناس في حر شديد مشاة وركباناً. وفي رواية للطبراني (١) عن ابنشهاب قال: ثم بعث النبي ﷺ جيشاً إلى مؤتة وأمر عليهم زيد بن حارثة، فإن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب أميرهم، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة أميرهم فانطلقوا حتى لقوا ابن أبي سبرة الغساني بمؤتة، وبها جموع من نصارى العرب والروم، وبها تنوخ وبهراء فأغلق ابن أبي سبرة دون المسلمين الحصن ثلاثة أيام، ثم خرجوا فالتقوا على زرع أخضر فاقتتلوا قتالاً شديداً، وأخذ اللواء زيد بن حارثة، فقتل، ثم أخذه جعفر، فقتل، ثم أخذه ابن رواحة فقتل ثم اصطلح المسلمون بعد أمراء رسول الله ﷺ على خالد بن الوليد فهزم الله العدو وأظهر المسلمين وبعثهم رسول الله ﷺ في جمادى الأولى. ٥٨٨ - * روى أحمد والطبراني عن عبد الله بن جعفر قال: بعث رسول الله ﷺ جيشاً، استعمل عليهم زيد بن حارثة فإن قتل زيد أو استشهد فأميركم جعفر، فإن قتل أو استشهد فأميركم عبد الله بن رواحة، فأخذ الراية زيد فقاتل حتى قتل، ثم أخذ الراية جعفر فقاتل حتى قتل، ثم أخذها عبد الله بن رواحة، فقاتل حتى قتل ثم أخذ الراية

стр. 839

خالد بن الوليد ففتح الله عليه وأتى خبرهم النبي ﷺ ، فخرج إلي الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال: "إن إخوانكم لقوا العدو، وإن زيداً أخذ الراية فقاتل، حتى قتل أو استشهد ثم أخذ الراية بعده جعفر بن أبي طالب، فقاتل حتى قتل أو استشهد، ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة، فقاتل حتى قتل أو استشهد، ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله خالد بن الوليد، ففتح الله عليه" ثم أمهل آل جعفر ثلاثاً أن يأتيهم، ثم أتاهم فقال: "لا تبكوا على أخي بعد اليوم، ادعوا لي بني أخي" قال فجيء بنا كأننا أفرخ قال: "ادعوا لي الحلاق" فجيء بالحلاق، فحلق رؤوسنا ثم قال: "أما محمد فشبه عمنا أبي طالب، وأما عبد الله فشبيه خَلْقي وخُلُقي" ثم أخذ بيدي فأشالهما فقال: "اللهم اخلف جعفراً في أهله وبارك لعبد الله في صفقة يمينه" قالها ثلاث مرات، قال: فجاءت أمنا فذكرت يتمنا فقال: "العيلة تخافين عليهم وأنا وليهم في الدنيا والآخرة". قال ابن حجر بمناسبة إشارته إلى هذه الرواية: وذكر ابن إسحاق بإسناد حسن وهو عند أبي داود من طريقه عن رجل من بني مرة قال: والله لكأني أنظر إلى جعفر بن أبي طالب حين اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها، ثم تقدم فقاتل حتى قتل. قال ابن إسحاق وحدثني محمد بن جعفر عن عروة قال: ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة فالتوى بها بعض الالتواء ثم تقدم على فرسه ثم نزل فقاتل حتى قتل ثم أخذ الراية ثابت بن أقرم الأنصاري فقال: اصطلحوا على رجل، فقالوا: أنت لها، قال: لا، فاصطلحوا على خالد بن الوليد وروى الطبراني من حديث أبي اليسر الأنصاري قال: "أنا دفعت الراية إلى ثابت بن أقرم لما أصيب عبد الله بن رواحة، فدفعها إلى خالد ابن الوليد وقال له: أنت أعلم بالقتال مني". ٥٨٩ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "أخذ الراية زيد، فأصيب، ثم أخذها جعفر، فأصيب، ثم أخذها عبد الله بن

стр. 840

رواحة، فأصيب" - وإن عيني رسول الله ﷺ لتذرفان - "ثم أخذها خالد بن الوليد من غير إمرة، ففتح له". وفي رواية (١) قال خطب النبي ﷺ ، فقال: "أخذ الراية زيد، فأصيب" ... وذكر نحوه، وقال في آخره: "وما يسرنا أنهم عندنا" قال أيوب: أو قال: "ما يسرهم أنهم عندنا" وعيناه تذرفان. وفي أخرى: (٢) أن النبي ﷺ نعى زيداً وجعفراً وابن رواحة للناس، قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال: أخذ الراية زيد ... فذكرهم، وقال في آخره: "حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم". ٥٩٠ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: أمر رسول الله ﷺ في غزوة مؤتة زيد بن حارثة، فقال رسول الله ﷺ : "إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة" قال عبد الله فكنت فيهم في تلك الغزوة، فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى، ووجدنا ما في جسده بضعاً وتسعين من طعنة ورمية. وفي أخرى (٤): أنه وقف على جعفر يومئذ وهو قتيل، فعددت به خمسين، بين طعنة وضربة، ليس منها شيء في دبره - يعني في ظهره -. ٥٩١ - * روى البخاري عن قيس بن أبي حازم قال: سمعت خالد بن الوليد يقول: لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية.

стр. 841

٥٩٢ - * روى الطبراني عن جابر بن عبد الله قال: بارز عقيل بن أبي طالب رجلاً يوم مؤتة فقتله فنفله رسول الله ﷺ خاتمه وسلبه. ٥٩٣ - * روى الحاكم عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وىله وسلم قالت: لما أتى نعي جعفر عرفنا في وجه رسول الله ﵌ الحزن. ٥٩٤ - * روى الطبراني عن ابن عباس قال: بينما رسول الله ﷺ جالس وأسماء بنت عميس قريبة منه رد السلام ثم قال: "يا أسماء هذا جعفر بن أبي طالب مع جبريل وميكائيل صلى الله عليهما مروا فسلمواعلينا، فرددت ﵈ وأخبرني أنه لقي المشركين يوم كذا وكذا، فأصبت في جسدي من مقاديمي ثلاثاً وسبعين بين طعنة وضربة، ثم أخذت اللواء بيدي اليمنى، فقطعت، ثم أخذته باليسار فقطعت، فعوضني الله من يدي جناحين أطير بهما مع جبريل وميكائيل في الجنة أنزل بهما حيث شئت وآكل من ثمارها ما شئت" فقالت أسماء: هنيئاً لجعفر ما رزقه الله من الخير، ولكني أخاف أن لا يصدقني الناس، فاصعد المنبر فأخبر الناس يا رسول الله فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أيها الناس إن جعفر بن أبي طالب مع جبريل وميكائيل له جناحان عوضه الله من يديه يطير بهما في الجنة حيث شاء، فسلم علي فأخبر كيف كان أمرهم حين لقي المشركين، فاستبان للناس بعد ذلك، أن جعفراً لقيهم، فسمي جعفر الطيار في الجنة ذا جناحين، يطير بهما، حيث شاء مخضوبة قوادمه بالدماء". ٥٩٥ - * روى أبو داود عن عوف بن مالك الأشجعي، قال: خرجت مع زيد بن

стр. 842

حارثة في غزوة مؤتة فرافقني مددي من أهل اليمن ليس معه غير سيفه، فنحر رجل من المسلمين جزوراً، فسأله المددي طائفة من جلده، فأعطاه إياه، فاتخذه كهيئة الدرق، ومضينا فلقينا جموع الروم وفيهم رجل على فرس له أشقر عليه سرج مذهب وسلاح مذهب فجعل الرومي يغري بالمسلمين، فقعد له المددي خلف صخرة، فمر به الرومي فعرقب فرسه، فخر، وعلاه فقتله وحاز فرسه وسلاحه، فلما فتح الله للمسلمين بعث إليه خالد بن الوليد فأخذ من السلب، قال عوف: فأتيته فقلت: يا خالد، أما علمت أن رسول الله ﷺ قضى بالسلب للقاتل؟ قال: بلى، ولكني استكثرته، قلت: لتردنه عليه أو لأعرفنكها عند رسول الله ﷺ فأبى أن يرد عليه، قال عوف: فاجتمعنا عند رسول الله ﷺ فقصصت عليه قصة المددي وما فعل خالد، فقال رسول الله صلى الله عليه سولم "يا خالد، ما حملك على ما صنعت"؟ قال: يا رسول الله استكثرته، فقال رسول الله ﷺ : "يا خالد رد عليه ما أخذت منه" قال عوف: فقلت له دونك يا خالد ألم أف لك؟ فقال رسول الله ﷺ : "وما ذلك"؟ فأخبرته، قال: فغضب رسول الله ﷺ فقال: "يا خالد لا ترد عليه، ها أنتم تاركون لي أمرائي؟ لكم صفوة أمرهم وعليهم كدره". وفي رواية مسلم (١) قال: خرجت مع من خرج مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة، ورافقني مددي من اليمن .. وساق الحديث عن النبي ﷺ بنحوه هكذا قال مسلم، ولم يذكر لفظه، ويعني بنحوه: الرواية التي تجيء له بعد هذه، فإنه ذكرها في كتابه قبل هذه، قال: غير أنه قال في الحديث: قال عوف: فقلت: يا خالد، أما علمت أن رسول الله ﷺ قضى بالسلب للقاتل؟ قال: بلى، ولكني استكثرته.

стр. 843

وله في رواية (١) قال عوف بن مالك: قتل رجل من حمير رجلاً من العدو، فأراد سلبه، فمنعه خالد بن الوليد، وكان والياً عليهم، فأتى رسول الله ﷺ عوف بن مالك فأخبره، فقال لخالد: "ما منعك أن تعطيه سلبه؟ " قال: استكثرته يا رسول الله، قال: "ادفعه إليه" فمر خالد بعوف فجر بردائه، ثم قال: هل أنجزت لك ما ذكرت لك من رسول الله ﷺ ؟ فسمعه رسول الله ﷺ فاستغضب، فقال: "لأا تعطه يا خالد لا تعطه يا خالد، هل أنتم تاركون لي أمرائي؟ إنما مثلكم ومثلهم: كمثل رجل استرعي إبلاً أو غنماً فرعاها، ثم تحين سقيها، فأوردها حوضاً، فشرعت فيه، فشربت صفوه وتركت كدره فصفوه لكم، وكدره عليهم". * * *

стр. 844

فصل: في غزوة ذات السلاسل قال البخاري: وهي غزوة لخم وجذام، قاله إسماعيل بن أبي خالد. وقال ابن إسحاق: عن يزيد عن عروة: هي بلاد بلي وعذرة وبني القين وفي نسخة: بني العنبر. ٥٩٦ - * روى البخاري ومسلم عن أبي عثمان النهدي: أن رسول الله ﷺ بعث عمرو ابن العاص على جيش ذات السلاسل، قال: فأتيته، فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: "عائشة" قلت: من الرجال؟ قال: "أبوها" قلت: ثم من؟ قال: "عمر" فعد رجالاً، فسكت، مخافة أن يجعلني في آخرهم. قال ابن حجر: وذكر ابن سعد أنها وراء وادي القرى وبينها وبين المدينة عشرة أيام، قال: وكانت في جمادى الآخرة سنة ثمان من الهجرة. وأما القبائل التي ذكرها فالثلاثة بطون من قضاعة، أما بلي فبفتح الموحدة وكسر اللام الخفيفة بعدها ياء النسب: قبيلة كبيرة ينسبون إلى بلي بن عمرو بن الحاف بن قضاعة، أما عذرة فبضم العين المهملة وسكون الذال المعجمة: قبيلة كبيرة ينسبون على عذرة بن سعد هذيم بن زيد بن ليث بن سويد بن أسلم بضم اللام ابن الحاف بن قضاعة، وأما بنو القين فقبيلة كبيرة أيضاً ينسبون إلى القين ابن جسر، ويقال كان له عبد يسمى القين حضنه فنسب إليه، وكان اسمه النعمان ابن جسر ابن شيع الله بكسر المعجمة وسكون التحتانية بعدها عين مهملة ابن أسد بن وبرة ابن ثعلب ابن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، ووهم ابن التين فقال: بنو القين قبيلة من بني تميم، وذكر ابن سعد أن جمعاً من قضاعة تجمعوا وأرادوا أن يدنوا من أطراف المدينة، فدعا النبي ﷺ عمرو بن العاص فعقد له لواء أبيض وبعثه في ثلاثمائة من سراة المهاجرين والأنصار، ثم أمده بأبي عبيدة بن الجراح في مائتين، وأمره أن يلحق بعمرو وأن لا يختلفا

стр. 845

فأراد أبو عبيدة أن يؤم بهم فمنعه عمرو وقال: إنما قدمت علي مدداً وأنا الأمير، فأطاع له أبو عبيدة فصلى بهم عمرو، وتقدم في التيمم أنه (احتلم في ليلة باردة فلم يغتسل وتيمم وصلى بهم) الحديث. وسار عمرو حتى وطئ بلاد بلي وعذرة، وكذا ذكر موسى بن عقبة نحو هذه القصة، وذكر ابن إسحاق أن أم عمرو بن العاص كانت من بلي فبعث النبي ﷺ عمراً يستنفر الناس إلى الإسلام ويستألفهم بذلك، وروى إسحاق بن راهويه والحاكم من حديث بريدة أن عمرو بن العاص أمرهم في تلك الغزوة أن لا يوقدوا ناراً، فأنكر ذلك عمر، فقال أبو بكر: دعه فإن رسول الله ﷺ لم يبعثه علينا إلا لعلمه بالحرب، فسكت عنه. فهذا السبب أصح إسناداً من الذي ذكره ابن إسحاق، لكن لا يمنع الجمع. وروى ابن حبان من طريق قيس بن أبي حازم عن عمرو بن العاص (أن رسول الله ﷺ بعثه في ذات السلاسل، فسأله أصحابه أن يوقدوا ناراً فمنعهم، فكلموا أبا بكر فكلمه في ذلك فقال: لا يوقد أحد منهم ناراً إلا قذفته فيها قال فلقوا العدو فهزمهم، فأرادوا أن يتبعوهم فمنعهم، فلما انصرفوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ فساله فقال: كرهت أن آذن لهم أن يوقدوا ناراً فيرى عدوهم قلتهم، وكرهت أن يتبعوهم فيكون لهم مدد. فحمد أمره. فقال: يا رسول الله من أحب الناس إليك؟ الحديث. فاشتمل هذا السياق على فوائد زوائد، ويجمع بينه وبين حديث بريدة بأن أبا بكر سأله فلم يجبه فسلم له أمره، وألحوا على أبي بكر حتى يسأله فسأله فلم يجبه. قوله (فأتيته) في رواية معلى بن منصور المذكورة (قدمت من جيش ذات السلاسل، فأتيت النبي ﷺ وعند البيهقي من طريق علي بن عاصم عن خالد الحذاء في هذه القصة قال عمرو: فحدثت نفسي أنه لم يبعثني على قوم فيهم أبو بكر وعمر إلا لمنزلة لي عنده، فأتيته حتى قعدت بين يديه فقلت: يا رسول الله من أحب الناس إليك) الحديث. قوله (فعد رجالاً) في رواية علي بن عاصم قال قلت في نفسي لا أعود لمثلها أسأل عن هذا وفي الحديث جواز تأمير المفضول على الفاضل إذا امتاز المفضول بصفة تتعلق بتلك الولاية ومزية أبي بكر على الرجال وبنته عائشة على النساء، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في المناقب، ومنقبة لعمرو بن العاص لتأميره على جيش فيهم أبو بكر وعمر وإن كان ذلك لا يقتضي
следующие страницы →