٥٩٢ - * روى الطبراني عن جابر بن عبد الله قال: بارز عقيل بن أبي طالب رجلاً يوم مؤتة فقتله فنفله رسول الله ﷺ خاتمه وسلبه.
٥٩٣ - * روى الحاكم عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وىله وسلم قالت: لما أتى نعي جعفر عرفنا في وجه رسول الله ﵌ الحزن.
٥٩٤ - * روى الطبراني عن ابن عباس قال: بينما رسول الله ﷺ جالس وأسماء بنت عميس قريبة منه رد السلام ثم قال: "يا أسماء هذا جعفر بن أبي طالب مع جبريل وميكائيل صلى الله عليهما مروا فسلمواعلينا، فرددت ﵈ وأخبرني أنه لقي المشركين يوم كذا وكذا، فأصبت في جسدي من مقاديمي ثلاثاً وسبعين بين طعنة وضربة، ثم أخذت اللواء بيدي اليمنى، فقطعت، ثم أخذته باليسار فقطعت، فعوضني الله من يدي جناحين أطير بهما مع جبريل وميكائيل في الجنة أنزل بهما حيث شئت وآكل من ثمارها ما شئت" فقالت أسماء: هنيئاً لجعفر ما رزقه الله من الخير، ولكني أخاف أن لا يصدقني الناس، فاصعد المنبر فأخبر الناس يا رسول الله فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أيها الناس إن جعفر بن أبي طالب مع جبريل وميكائيل له جناحان عوضه الله من يديه يطير بهما في الجنة حيث شاء، فسلم علي فأخبر كيف كان أمرهم حين لقي المشركين، فاستبان للناس بعد ذلك، أن جعفراً لقيهم، فسمي جعفر الطيار في الجنة ذا جناحين، يطير بهما، حيث شاء مخضوبة قوادمه بالدماء".
٥٩٥ - * روى أبو داود عن عوف بن مالك الأشجعي، قال: خرجت مع زيد بن
стр. 842
حارثة في غزوة مؤتة فرافقني مددي من أهل اليمن ليس معه غير سيفه، فنحر رجل من المسلمين جزوراً، فسأله المددي طائفة من جلده، فأعطاه إياه، فاتخذه كهيئة الدرق، ومضينا فلقينا جموع الروم وفيهم رجل على فرس له أشقر عليه سرج مذهب وسلاح مذهب فجعل الرومي يغري بالمسلمين، فقعد له المددي خلف صخرة، فمر به الرومي فعرقب فرسه، فخر، وعلاه فقتله وحاز فرسه وسلاحه، فلما فتح الله للمسلمين بعث إليه خالد بن الوليد فأخذ من السلب، قال عوف: فأتيته فقلت: يا خالد، أما علمت أن رسول الله ﷺ قضى بالسلب للقاتل؟ قال: بلى، ولكني استكثرته، قلت: لتردنه عليه أو لأعرفنكها عند رسول الله ﷺ فأبى أن يرد عليه، قال عوف: فاجتمعنا عند رسول الله ﷺ فقصصت عليه قصة المددي وما فعل خالد، فقال رسول الله صلى الله عليه سولم "يا خالد، ما حملك على ما صنعت"؟ قال: يا رسول الله استكثرته، فقال رسول الله ﷺ : "يا خالد رد عليه ما أخذت منه" قال عوف: فقلت له دونك يا خالد ألم أف لك؟ فقال رسول الله ﷺ : "وما ذلك"؟ فأخبرته، قال: فغضب رسول الله ﷺ فقال: "يا خالد لا ترد عليه، ها أنتم تاركون لي أمرائي؟ لكم صفوة أمرهم وعليهم كدره".
وفي رواية مسلم (١) قال: خرجت مع من خرج مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة، ورافقني مددي من اليمن .. وساق الحديث عن النبي ﷺ بنحوه هكذا قال مسلم، ولم يذكر لفظه، ويعني بنحوه: الرواية التي تجيء له بعد هذه، فإنه ذكرها في كتابه قبل هذه، قال: غير أنه قال في الحديث: قال عوف: فقلت: يا خالد، أما علمت أن رسول الله ﷺ قضى بالسلب للقاتل؟ قال: بلى، ولكني استكثرته.
стр. 843
وله في رواية (١) قال عوف بن مالك: قتل رجل من حمير رجلاً من العدو، فأراد سلبه، فمنعه خالد بن الوليد، وكان والياً عليهم، فأتى رسول الله ﷺ عوف بن مالك فأخبره، فقال لخالد: "ما منعك أن تعطيه سلبه؟ " قال: استكثرته يا رسول الله، قال: "ادفعه إليه" فمر خالد بعوف فجر بردائه، ثم قال: هل أنجزت لك ما ذكرت لك من رسول الله ﷺ ؟ فسمعه رسول الله ﷺ فاستغضب، فقال: "لأا تعطه يا خالد لا تعطه يا خالد، هل أنتم تاركون لي أمرائي؟ إنما مثلكم ومثلهم: كمثل رجل استرعي إبلاً أو غنماً فرعاها، ثم تحين سقيها، فأوردها حوضاً، فشرعت فيه، فشربت صفوه وتركت كدره فصفوه لكم، وكدره عليهم".
* * *
стр. 844
فصل: في غزوة ذات السلاسل
قال البخاري: وهي غزوة لخم وجذام، قاله إسماعيل بن أبي خالد. وقال ابن إسحاق: عن يزيد عن عروة: هي بلاد بلي وعذرة وبني القين وفي نسخة: بني العنبر.
٥٩٦ - * روى البخاري ومسلم عن أبي عثمان النهدي: أن رسول الله ﷺ بعث عمرو ابن العاص على جيش ذات السلاسل، قال: فأتيته، فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: "عائشة" قلت: من الرجال؟ قال: "أبوها" قلت: ثم من؟ قال: "عمر" فعد رجالاً، فسكت، مخافة أن يجعلني في آخرهم.
قال ابن حجر: وذكر ابن سعد أنها وراء وادي القرى وبينها وبين المدينة عشرة أيام، قال: وكانت في جمادى الآخرة سنة ثمان من الهجرة. وأما القبائل التي ذكرها فالثلاثة بطون من قضاعة، أما بلي فبفتح الموحدة وكسر اللام الخفيفة بعدها ياء النسب: قبيلة كبيرة ينسبون إلى بلي بن عمرو بن الحاف بن قضاعة، أما عذرة فبضم العين المهملة وسكون الذال المعجمة: قبيلة كبيرة ينسبون على عذرة بن سعد هذيم بن زيد بن ليث بن سويد بن أسلم بضم اللام ابن الحاف بن قضاعة، وأما بنو القين فقبيلة كبيرة أيضاً ينسبون إلى القين ابن جسر، ويقال كان له عبد يسمى القين حضنه فنسب إليه، وكان اسمه النعمان ابن جسر ابن شيع الله بكسر المعجمة وسكون التحتانية بعدها عين مهملة ابن أسد بن وبرة ابن ثعلب ابن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، ووهم ابن التين فقال: بنو القين قبيلة من بني تميم، وذكر ابن سعد أن جمعاً من قضاعة تجمعوا وأرادوا أن يدنوا من أطراف المدينة، فدعا النبي ﷺ عمرو بن العاص فعقد له لواء أبيض وبعثه في ثلاثمائة من سراة المهاجرين والأنصار، ثم أمده بأبي عبيدة بن الجراح في مائتين، وأمره أن يلحق بعمرو وأن لا يختلفا
стр. 845
فأراد أبو عبيدة أن يؤم بهم فمنعه عمرو وقال: إنما قدمت علي مدداً وأنا الأمير، فأطاع له أبو عبيدة فصلى بهم عمرو، وتقدم في التيمم أنه (احتلم في ليلة باردة فلم يغتسل وتيمم وصلى بهم) الحديث. وسار عمرو حتى وطئ بلاد بلي وعذرة، وكذا ذكر موسى بن عقبة نحو هذه القصة، وذكر ابن إسحاق أن أم عمرو بن العاص كانت من بلي فبعث النبي ﷺ عمراً يستنفر الناس إلى الإسلام ويستألفهم بذلك، وروى إسحاق بن راهويه والحاكم من حديث بريدة أن عمرو بن العاص أمرهم في تلك الغزوة أن لا يوقدوا ناراً، فأنكر ذلك عمر، فقال أبو بكر: دعه فإن رسول الله ﷺ لم يبعثه علينا إلا لعلمه بالحرب، فسكت عنه. فهذا السبب أصح إسناداً من الذي ذكره ابن إسحاق، لكن لا يمنع الجمع. وروى ابن حبان من طريق قيس بن أبي حازم عن عمرو بن العاص (أن رسول الله ﷺ بعثه في ذات السلاسل، فسأله أصحابه أن يوقدوا ناراً فمنعهم، فكلموا أبا بكر فكلمه في ذلك فقال: لا يوقد أحد منهم ناراً إلا قذفته فيها قال فلقوا العدو فهزمهم، فأرادوا أن يتبعوهم فمنعهم، فلما انصرفوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ فساله فقال: كرهت أن آذن لهم أن يوقدوا ناراً فيرى عدوهم قلتهم، وكرهت أن يتبعوهم فيكون لهم مدد. فحمد أمره. فقال: يا رسول الله من أحب الناس إليك؟ الحديث. فاشتمل هذا السياق على فوائد زوائد، ويجمع بينه وبين حديث بريدة بأن أبا بكر سأله فلم يجبه فسلم له أمره، وألحوا على أبي بكر حتى يسأله فسأله فلم يجبه.
قوله (فأتيته) في رواية معلى بن منصور المذكورة (قدمت من جيش ذات السلاسل، فأتيت النبي ﷺ وعند البيهقي من طريق علي بن عاصم عن خالد الحذاء في هذه القصة قال عمرو: فحدثت نفسي أنه لم يبعثني على قوم فيهم أبو بكر وعمر إلا لمنزلة لي عنده، فأتيته حتى قعدت بين يديه فقلت: يا رسول الله من أحب الناس إليك) الحديث. قوله (فعد رجالاً) في رواية علي بن عاصم قال قلت في نفسي لا أعود لمثلها أسأل عن هذا وفي الحديث جواز تأمير المفضول على الفاضل إذا امتاز المفضول بصفة تتعلق بتلك الولاية ومزية أبي بكر على الرجال وبنته عائشة على النساء، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في المناقب، ومنقبة لعمرو بن العاص لتأميره على جيش فيهم أبو بكر وعمر وإن كان ذلك لا يقتضي
стр. 846
أفضليته عليهم لكن يقتضي أن له فضلاً في الجملة. وقد روينا في (فوائد أبي بكر بن أبي الهيثم) من حديث رافع الطائي قال (بعث النبي ﷺ جيشاً واستعمل عليهم عمرو بن العاص وفيهم أبو بكر) قال: وهي الغزوة التي يفتخر بها أهل الشام (١). وروى أحمد والبخاري في الأدب وصححه أبو عوانة وابن حبان والحاكم من طريق علي بن رباح عن عمرو بن العاص قال (بعث إلي النبي يأمرني أن آخذ ثيابي وسلاحي فقال: "يا عمرو، إني أريد أن أبعثك على جيش فيغنمك الله ويسلمك" قلت: إني لم أسلم رغبة في المال. قال: "نعم المال الصالح للمرء الصالح" وهذا فيه إشعار بأن بعثه عقب إسلامه.
* * *
стр. 847
فصل: في فتح مكة
تقديم:
تقوم - فيما يبدو لي - استراتيجية العمل عند رسول الله ﷺ حتى فتح مكة على نقطتين رئيسيتين:
أولاً: تجميع كل المسلمين في المدينة المنورة، وبهذا كان المجتمع الإسلامي في تنام مستمر.
ثانياً: الحركة السياسية والدعوية والعسكرية المستمرة نحو الخارج، وبهذا جعل المجتمع الإسلامي دائم التعبئة كامل الحشد قادراً على الهجوم، متمركزة قواته وهي دائماً على أعلى مستوى قتالي.
وكانت القوى المعادية تحيط بالرسول ﷺ من كل جانب، وكان هناك طابور خامس داخل المدينة، هذه القوى الخارجية تتمثل بأربع، كل منها تشكل خطراً مباشراً، القبائل النجدية وقبائل الشمال وعلى رأسهم غطفان وقريش ومن يتلاحم معها واليهود وكانت الجزيرة العربية تشكل البعد الاستراتيجي لهذه القوى، ولقد حاول الرسول ﷺ ما استطاع ألا يجعل هذه القوى تتضافر ضده من خلال المعاهدات أو الحركة الخاطفة والدقيقة.
وكانت سياسته مع القبائل ألا يعطيها فرصة التحشد والتجمع وأن يفاجئها قبل أن تفاجئه وقد استطاع تثبيتها بشكل مستمر سواء كانت شمالية أو نجدية شرقية. وأما سياسته مع قريش فكانت الاستهداف الدائم والتعرض الدائم، وكان أن انجلت هذه السياسة عن صلح الحديبية. وكانت سياسته مع اليهود المعاهدات والوفاء بها حتى يغدروا، فمن غدر أنهاه، وسكت عن يهود خيبر وأبقاهم محاربين حتى تفرغ لهم بعد صلح الحديبية فأنهى كيانهم السياسي، حتى إذا نقضت قريش عهدها بتواطئها مع بكر ضد بني خزاعة أحلافه ﵊، استطاع أن ينهي سلطان قريش السياسي والديني، وإذا به ﵊ فجأة أمام قطف ثمرات سياسته الحكيمة فلقد كانت كل القوى المباشرة قد استسلمت فلم يبق لبعدها الاستراتيجي إلا أن يستسلم، وهكذا جاءت الجزيرة العربية أفواجاً مؤيدة ومبايعة.
стр. 848
(إذا جاء نصر الله والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا * فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توباا) (١).
لقد سيطر الرسول ﷺ استراتيجياً على الجزيرة العربية منذ أنهى خيبر وفتح مكة. إن أحداً في تاريخ هذا العالم لا يعدل محمداً ﷺ في أنه حقق ما حقق ووضع الأساس راسخاً إلى الأبد دون أن يرتكب خطأ سياسياً أو استراتيجياً أو تكتيكياً واحداً، إنه التوفيق الإلهي، وإنها الرسالة والنبوة.
إن القبائل في الجزيرة العربية كانت تشكل خطراً عندما كان لها رأس يمكن أن تتجمع حوله، أو عندما يوجد مركز تنطلق منه، وقد فاتها ذلك بانتهاء خيبر وفتح مكة، واجتمعت الدعوة مع القوة فجعلتها تفكر في السير على الطريق المستقيم.
وقد استثمر رسول الله ﷺ الفتح أيما استثمار، فأرسل البعوث والسرايا الكثيرة، وبلغه أن القبائل المحيطة بالطائف وأهل الطائف يحشدون له فسارع إليهم، وكانت معركة حنين، ولما انهزم أهلها تابعهم، فكان من آثار ذلك معركة أوطاس ثم توجه رسول الله ﷺ إلى الطائف عاصمة الحجاز الثالثة بعد مكة والمدينة، ولو أنها فتحت له لأصبح الحجاز كله صافياً له داخلاً دخولاً مباشراً في دولته، ولكن ذلك تأخر إلى السنة التاسعة كما سنرى.
كانت رحلة الفتح مليئة بالأحداث، فقد استمرت أكثر من سبعين يوماً، فقد خرج رسول الله ﷺ من المدينة في ١٠ رمضان سنة ٨ هـ، ورجع إليها لست ليال بقين من ذي القعدة على قول.
ومن أهم أحداثها: فتح مكة، وغزوة حنين، ومعركة أوطاس، وحصار الطائف، وإرساله ﵊ السرايا والبعوث، فمن مكة أرسل سرايا على حسب تتبعات المباركفوري.
* * *
стр. 849
٥٩٧ - * روى أحمد والطبراني عن ذي الجوشن الضبابي، قال: أتيت النبي ﷺ بعد أن فرغ من أهل بدر بابن فرس لي يقال لها: القرحاء: فقلت: يا محمد إني قد جئتك بابن القرحاء لتتخذه قال: "لا حاجة لي فيه، وإن أردت أقيض كبها المختارة من دروع بدر فعلت؟ " قال: ما كنت لأقيضه اليوم بغرة، قال: "لا حاجة لي فيه" ثم قال: "يا ذا الجوشن ألا تسلم فتكون من أول أهل هذا الأمر؟ " فقلت: لا قال: "لم" قلت: إني رأيت قومك ولعوا بك قال: "فكيف بلغك عن مصارعهم ببدر؟ " قلت: قد بلغني، قال: "فأنى يهدي لك؟ " قلت: إن تغلب على الكعبة وتقطنها. قال: "لعلك إن عشت ترى ذلك" ثم قال "يا بلال خذ حقيبة الرجل فزوده من العجوة". فلما أدبرت قال: "أما إنه من خير فرسان بني عامر" قال: فوالله إني بأهلي بالغور، إذ أقبل راكب، فقلت: ما فعل الناس؟ قال: والله قد غلب محمد على الكعبة وقطنها. فقلت: هبلتني أمي ولو اسلمت يومئذ ثم أسأله الحيرة لأقطعنيها.
وفي رواية (١) فقال له النبي ﷺ : "ما يمنعك من ذلك؟ " قال: رأيت قومك قد كذبوك وأخرجوك وقاتلوك فأنظر ما تصنع فإن ظهرت عليهم آمنت بك واتبعتك، وإن ظهروا عليك لم أتبعك - وذكر الحديث بنحوه.
ذكرنا هذا الحديث هنا للإشعار بأن العرب كانوا ينتظرون نهاية الصراع بين رسول الله ﷺ وأهل مكة ليتخذوا قرارهم النهائي.
стр. 850
٥٩٨ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: (لرادك إلى معاد) (١) قال: إلى مكة.
٥٩٩ - * روى البزار عن أبي هريرة أن قائد خزاعة قال:
اللهم إني ناشد محمداً ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا
فانصر هداك الله نصراً أعتدا ... وادع عباد الله يأتوا مددا
٦٠٠ - * روى أبو يعلى عن عائشة قالت: لقد رأيت رسول الله ﷺ غضب فيما كان من شأن بني كعب غضباً لم أره غضبه منذ زمان، وقال: "لا نصرني الله إن لم أنصر بني كعب" قالت: وقال لي: "قولي لأبي بكر وعمر يتجهزا لهذا الغزو" قال: فجاءا إلى عائشة، فقالا: أين يريد رسول الله ﷺ ؟ قال: فقالت: لقد رأيته غضب فيما كان من شأن بني كعب غضباً لم أره غضبه منذ زمان من الدهر.
٦٠١ - * روى البخاري ومسلم عن عبيد الله بن أبي رافع قال: سمعت علياً ﵁ يقول: بعثني رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد فقال: "انطلقوا حتى تأتوا روضة
стр. 851
خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوا منها" قال فانطلقنا تعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، قلنا لها: أخرجي الكتاب، قالت: ما معي كتاب. فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب. قال فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله ﷺ ، فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة - إلى ناس بمكة من المشركين - يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "يا حاطب ما هذا؟ " قال: يا رسول الله، لا تعجل علي، إني كنت امرءاً ملصقاً في قريش - يقول: كنت حليفاً - ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين من لهم بها قرابات يحمون أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يداً يحمون قرابتي، ولم أفعله ارتداداً عن ديني ولا رضاً بالكفر بعد الإسلام فقال رسول الله ﷺ : "أما إنه قد صدقكم" فقال عمر: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال "إنه قد شهد بدراً، وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدراً قال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" فأنزل الله السورة: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق) إلى قوله (فقد ضل سواء السبيل) (١).
كان حاطب كتب كتاباً إلى قريش يخبرهم بسير رسول الله ﷺ والمسلمين إليهم وأرسله مع جارية إلى مكة، وكان حاطب من المهاجرين وممن شهد بدراً.
وفي رواية أبي عبد الرحمن السلمي (٢) عن علي قال: بعثني رسول الله ﷺ وأبا مرثد - والزبير - وكلنا فارس ... ثم ساقه بمعناه ولم يذكر نزول الآية.
стр. 852
وفي رواية نحوه (١)، وفيه: قال فأدركناها تسير على جمل لها حيث قال لنا رسول الله ﷺ قال قلنا: أين الكتاب الذي معك؟ قالت: ما معي كتاب فأنخنا بها فابتغينا في رحلها، فما وجدنا شيئاً. قال صاحباي: ما نرى كتاباً. قال قلت: لقد علمت ما كذب رسول الله ﷺ ، والذي يحلف به لنخرجن الكتاب أو لأجردنك. قال: فلما رأت الجد مني أهوت بيدها إلى حجزتها - وهي محتجزة بكساء - فأخرجت الكتاب. قال فانطلقنا به إلى رسول الله ﷺ .... وذكر الحديث.
قال في الفتح:
قوله (بعثني رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد) كذا في رواية عبيد الله بن أبي رافع، وفي رواية أبي عبد الرحمن السلمي عن علي كما تقدم في فضل من شهد بدراً "بعثني وأبا مرثد الغنوي والزبير بن العوام، فيحتمل أن يكون الثلاثة كانوا معه، فذكر أحد الراويين عنه ما لم يذكره الآخر ولم يذكر ابن إسحاق مع علي والزبير أحدا، وساق الخبر بالتثنية. قال "فخرجا حتى أدركاها فاستنزلاها إلخ" فالذي يظهر أنه كان مع كل منهما آخر تبعاً له.
قوله (إني كنت امرءاً ملصقاً في قريش) أي حليفاً، وقد فسره بقوله "كنت حليفاً ولم أكن من أنفسها" وعند ابن إسحاق "وليس في القوم من أصل ولا عشيرة" وعند أحمد "وكنت غريباً" قال السهيلي: كان حاطب حليفاً لعبد الله بن حميد بن زهير بن أسد بن عبد العزى، واسم أبي بلتعة عمرو، وقيل كان حليفاً لقريش. قوله (يحمون بها قرابتي) في رواية ابن إسحاق "وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل، فصانعتهم عليه" وسيأتي تكملة شرح هذا الحديث في سورة الممتحنة، وذكر بعض أهل المغازي وهو في "تفسير يحيى بن سلام" أن لفظ الكتاب "أما بعد يا معشر قريش فإن رسول الله ﷺ جاءكم بجيش كالليل، يسير
стр. 853
كالسيل، فوالله لو جاءكم وحده لنصره الله وأنجز له وعده. فانظروا لأنفسكم والسلام" كذا حكاه السهيلي. وروى الواقدي بسند له مرسل أن حاطباً كتب إلى سهيل بن عمرو وصفوان ابن أمية وعكرمة "أن رسول الله ﷺ أذن في الناس بالغزو، ولا أراه يريد غيركم، وقد أحببت أن يكون لي عندكم يد".
٦٠٢ - * روى البخاري عن عبد الله بن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ غزا غزوة الفتح في رمضان.
قال الزهري: وسمعت سعيد بن المسيب يقول مثل ذلك.
٦٠٣ - * روى البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ خرج في رمضان من المدينة، ومعه عشرة آلاف، وذلك على رأس ثمان سنين ونصف من مقدمه المدينة، فسار هو ومن معه من المسلمين إلى مكة، يصوم ويصومون، حتى بلغ الكديد - وهو ماء بين عسفان وقديد - أفطر وأفطروا.
إلا أن لفظ البخاري أتم وأطول، وهو هذا.
٦٠٤ - * روى الطبراني عن ابن عباس قال: ثم مضى رسول الله ﷺ ، واستعمل على المدينة ابا رهم كلثوم بن الحصين الغفاري، وخرج لعشر مضين من رمضان فصام رسول الله ﷺ وصام الناس معه حتى إذا كان بالكديد - ماء بين عسفان وأمج - أفطر ثم مضى حتى نزل مر الظهران في عشرة آلاف من المسلمين، والف من مزينة وسليم وفي كل القبائل عدد وسلاح واوعب مع رسول الله ﷺ المهاجرون والأنصار لم يتخلف منهم أحد
стр. 854
فلما نزل رسول الله ﷺ مر الظهران وقد عميت الأخبار على قريش، فلم يأتهم عن رسول الله ﷺ خبر ولم يدروا ما هو فاعل، وخرج في تلك الليلة أبو سفيان بن حرب وحكيم ابن حزام وبديل بن ورقاء يتحسسون، وينظرون، هل يجدون خبراً، أو يسمعون به وقد كان العباس بن عبد المطلب تلقى رسول الله ﷺ في بعض الطريق عند الجحفة وقد كان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة قد لقيا رسول الله ﷺ فيما بين المدينة ومكة بنيق العقاب، والتمسا الدخول عليه فكلمته أم سلمة فيهما فقالت: يا رسول الله ابن عمك، وابن عمتك وصهرك. قال: "لا حاجة لي بهما، أما ابن عمي فهتك عرضي بمكة، وأما ابن عمتي وصهري فهو الذي قال لي بمكة ما قال" فلما خرج الخبر إليهما بذلك ومع أبي سفيان بني له، فقال: والله ليأذنن لي أو لآخذن بيد بني هذا، ثم لنذهبن بالأرض حتى نموت عطشاً وجوعاً. فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ : رق لهما، ثم أذن لهما، فدخلا فأسلما، فلما نزل رسول الله ﷺ بمر الظهران قال العباس: واصباح قريش، والله لئن دخل رسول الله ﷺ مكة عنوة قبل أن يستأمنوه إنه لهلاك قريش آخر الدهر. قال: فجلست على بلغة رسول الله ﷺ البيضاء، فخرجت عليها حتى جئت الأراك. فقلت: لعلي ألقى بعض الحطابة أو صاحب لبن أو ذا حاجة، يأتي مكة فيخبرهم بمكان رسول الله ﷺ فيستأمنوه قبل أن يدخلها عنوة. قال: فوالله إني لأسير عليها وألتمس ما خرجت له إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء وهما يتراجعان، وأبو سفيان يقول: ما رأيت كاليوم قط نيراناً ولا عسكراً قال: يقول بديل: هذه والله نيران خزاعة حمشتها الحرب، قال يقول أبو سفيان: خزاعة والله أذل وألأم من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها. قال: فعرفت صوته فقلت: يا أبا حنظلة فعرف صوتي فقال: أبو الفضل؟ فقلت: نعم، فقال: مالك فداك أبي وأمي؟ فقلت! ويحك يا أبا سفيان، هذا رسول الله ﷺ في الناس، واصباح قريش والله، قال: فما الحيلة فداك أبي وأمي؟ قال: قلت: لئن ظفر بك ليضربن عنقك، فاركب معي هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله ﷺ ، فأستأمنه لك، قال: فركب خلفي ورجع صاحباه وحركت به، فكلما
стр. 855
مررت بنار من نيران المسلمين قالوا: من هذا؟ فإذا رأوا بغلة رسول الله ﷺ قالوا: عم رسول الله ﷺ على بغلته، حتى مررت بنار عمر بن الخطاب، فقال: من هذا؟ وقام إلي فلما رأى أبو سفيان على عجز البغلة قال: أبو سفيان عدو الله، الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد. ثم خرج يشتد نحو رسول الله ﷺ وركضت البغلة، فسبقته بما تسبق الدابة الرجل البطيء فاقتحمت عن البغلة، فدخلت على رسول الله ﷺ ، ودخل عمر فقال: يا رسول الله هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عقد ولا عهد فدعني، فلأضرب عنقه، فقلت: يا رسول الله إني أجرته، ثم جلست إلى رسول الله ﷺ ، فقلت: لا والله لا يناجيه الليلة رجل دوني. قال: فلما أكثر عمر في شأنه، قلت: مهلاً يا عمر، أما والله أن لو كان من رجال بني عدي بن كعب ما قلت هذا، ولكنك عرفت أنه من رجال بني عبد مناف. فقال: مهلاً يا عباس، والله لإسلامك يوم أسلمت أحب إلي من إسلام الخطاب أبي لو أسلم، وما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله ﷺ من إسلام الخطاب لو أسلم فقال رسول الله ﷺ : "اذهب به إلى رحلك يا عباس فإذا أصبحت فائتني به" فذهبت به إلى رحلي، فبات عندي فلما أصبح غدوت به على رسول الله ﷺ فلما رآه رسول الله ﷺ قال: "ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تشهد أن لا إله إلا الله؟ " قال: بأبي أنت وأمي ما أكرمك وأحلمك وأوصلك، لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى عني شيئاً قال: "ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟ " قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، هذه والله كان في النفس منها شيء حتى الآن، قال العباس: ويحك يا أبا سفيان. أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله قبل أن يضرب عنقك، قال: فشهد شهادة الحق وأسلم، قلت: يا رسول الله إن أبا سفيان يحب هذا الفخر فاجعل له شيئاً قال: "نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن" فلما ذهب لينصرف قال رسول الله ﷺ "يا عباس احبسه بالوادي عند حطم الجبل حتى تمر به جنود الله فيراها" قال: فخرجت به
стр. 856
حتى حبسته بمضيق الوادي حيث أمرني رسول الله ﷺ أن أحبسه. قال: ومرت به القبائل على راياتها، فكلما مرت قبيلة قال: من هؤلاء يا عباس فأقول: بنو سليم. فيقول: مالي ولسليم، قال: ثم تمر القبيلة، فيقول: من هؤلاء فأقول: مزينة، فيقول: مالي ولمزينة حتى نفدت القبائل يعني جاوزت، لا تمر قبيلة إلا قال: من هؤلاء؟ فأقول: بنو فلان. فيقول: مالي ولبني فلان حتى مر رسول الله ﷺ في الخضراء (أي في كتيبة خضراء) والأنصار لا يرى منهم سوى الحدق قال: سبحان الله من هؤلاء يا عباس؟ قلت: هذا رسول الله ﷺ في المهاجرين والأنصار. قال: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة، والله يا أبا الفضل، لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيماً. قلت: يا أبا سفيان إنها النبوة. قال: فنعم إذاً، قلت: التجئ إلى قومك، قال: فخرج حتى جاءهم صرخ بأعلى صوته: يا قريش هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فقامت إليه امرأته هند بنت عتبة، فأخذت بشار به فقالت: اقتلوا الحميت (الدسم) الأحمس فبئس طليعة قوم. قال: ويحكم لا تغرنكم هذه من أنفسكم، فإنه قد جاء بما لا قبل لكم به، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن قالوا: ويحك وما تغني عنا دارك قال: ومن أغلق بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن، فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد.
٦٠٥ - * روى البزار عن أنس قال: لما قدم رسول الله ﷺ مكة، كان قيس (أي: ابن سعد) في مقدمته، فكلم سعد النبي ﷺ أن يصرفه عن الموضع الذي هو فيه مخافة أن يقدم على شيء فصرفه عن ذلك.
٦٠٦ - * روى البخاري عن عروة بن الزبير ﵄ قال: لما سار رسول الله
стр. 857
صلى الله عليه وسلم عام الفتح، فبلغ ذلك قريشاً، خرج أبو سفيان بن حرب، وحكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء، يلتمسون الخبر عن رسول الله ﷺ فأقبلوا يسيرون، حتى أتوا مر الظهران، فإذا هم بنيران، كأنها نيران عرفة، فقال أبو سفيان: ما هذه؟ لكأنها نيران عرفة، فقال بديل بن ورقاء: نيران بني عمرو، فقال أبو سفيان: عمرو أقل من ذلك، فرآهم ناس من حرس رسول الله ﷺ ، فأدركوهم فأخذوهم، فأتوا بهم رسول الله ﷺ ، فأسلم أبو سفيان، فلما سار قال للعباس: "احبس أبا سفيان عند خطم الجبل، حتى ينظر إلى المسلمين"، فحبسه العباس، فجعلت القبائل تمر مع النبي ﷺ ، تمر كتيبة كتيبة على أبي سفيان، فمرت كتيبة، فقال: يا عباس، من هذه؟ فقال: هذه غفار، قال: مالي ولغفار، ثم مرت جهينة، وقال مثل ذلك، ثم مرت سعد بن هذيم، فقال مثل ذلك ومرت سليم، فقال مثل ذلك، حتى أقبلت كتيبة لم ير مثلها، قال: من هذه؟ قال: هؤلاء الأنصار، عليهم سعد بن عبادة معه الراية. فقال سعد بن عبادة: يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الكعبة. فقال أبو سفيان: يا عباس، حبذا يوم الذمار، ثم جاءت كتيبة، وهي أقل الكتائب، فيهم رسول الله ﷺ وأصحابه، وراية النبي ﷺ مع الزبير بن العوام، فلما مر رسول الله ﷺ بأبي سفيان، قال: ألم تعلم ما قال سعد بن عبادة؟ قال: "ما قال" قال: قال كذا وكذا، فقال: "كذب سعد، ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة، ويوم تكسى فيه الكعبة" قال: وأمر رسول الله ﷺ أن تركز رايته بالحجون، قال عروة: وأخبرني نافع بن جبير بن مطعم قال: سمعت العباس يقول للزبير بن العوام: يا أبا عبد الله، ها هنا أمرك رسول الله ﷺ أن تركز الراية؟ "قال: نعم"، قال: وأمر رسول الله ﷺ يومئذ خالد بن الوليد أن
стр. 858
يدخل من أعلى مكة من كداء، ودخل النبي ﷺ من كدى، فقتل من خيل خالد بن الوليد ﵁ يومئذ رجلان: حبيش بن الأشعر، وكرز بن جابر الفهري.
قال الحافظ في الفتح: قوله: وأمر رسول الله ﷺ يومئذ خالد بن الوليد أن يدخل من أعلى مكة من كداء، أي: بالمد، ودخل النبي ﷺ من كدى، أي: بالقصر، قال الحافظ: وهذا مخالف للأحاديث الصحيحة الآتية أن خالداً دخل من أسفل مكة، والنبي ﷺ من أعلاها، وكذا جزم ابن إسحاق أن خالداً دخل من أسفل مكة، ودخل النبي ﷺ من أعلاها، وضربت له هناك قبة، وقد ساق ذلك موسى بن عقبة سياقاً واضحاً، فقال: وبعث رسول الله ﷺ الزبير بن العوام على المهاجرين وخيلهم، وأمره أن يدخل من كداء من أعلى مكة، وأمره أن يغرز رايته بالحجون ولا يبرح حتى يأتيه، وبعث خالد بن الوليد في قبائل قضاعة وسليم وغيره وأمره أن يدخل من أسفل مكة، وأن يغرز رايته عند أدنى البيوت، وبعث سعد بن عبادة في كتيبة الأنصار في مقدمة رسول الله ﷺ وأمرهم أن يكفوا أيديهم ولا يقاتلوا إلا من قاتلهم. أهـ.
وقال في الفتح: قوله (فبلغ ذلك قريشاً) ظاهره أنهم بلغوا مسيره قبل خروج أبي سفيان وحكيم بن حزام، والذي عند ابن إسحاق وعند ابن عائذ من مغازي عروة: ثم خرجوا وقادوا الخيول حتى نزلوا بمر الظهران ولم تعلم بهم قريش. وكذا في رواية أبي سلمة عند ابن أبي شيبة أن النبي ﷺ أمر بالطرق فحبست، ثم خرج، فغم على أهل مكة الأمر، فقال أبو سفيان لحكيم بن حزام: هل لك أن تركب إلى أمر لعلنا أن نلقى خبراً؟ فقال له بديل بن ورقاء: وأنا معكم، قالا: وأنت إن شئت فركبوا. وفي رواية ابن عائذ من حديث ابن عمر ﵄ قال: لم يغز رسول الله ﷺ قريشاً حتى بعث إليهم ضمرة يخيرهم بين إحدى ثلاث: أن يودوا قتيل خزاعة (١)، وبين أن يبرأوا من حلف بكر، أو ينبذ إليهم على سواء. فأتاهم ضمرة فخيرهم، فقال قرظة بن عمرو: لا نودي ولا نبرأ، ولكنا ننبذ إليه على سواء. فانصرف ضمرة بذلك. فأرسلت قريش أبا سفيان يسأل رسول الله
стр. 859
صلى الله عليه وسلم في تجديد العهد وكذلك أخرجه مسدد من مرسل محمد بن عباد بن جعفر، فأنكره الواقدي وزعم أن أبا سفيان إنما توجه مبادراً قبل أن يبلغ المسلمين الخبر، والله أعلم. وفي مرسل عكرمة عند ابن أبي شيبة ونحوه في مغازي عروة عند ابن إسحاق وابن عائذ "فخافت قريش، فانطلق أبو سفيان إلى المدينة فقال لأبي بكر: جدد لنا الحلف، قال: ليس الأمر إلي. ثم أتى عمر فأغلظ له عمر. ثم أتى فاطمة فقالت له: ليس الأمر إلي. فأتي عليا فقال: ليس الأمر إلي. فقال: ما رأيت كاليوم رجلاً أضل - أي من أبي سفيان - أنت كبير الناس، فجدد الحلف. قال: فضرب إحدى يديه على الأخرى وقال: قد أجرت بين الناس. ورجع إلى مكة فقالوا له: ما جئتنا بحرب فنحذر، ولا بصلح فنأمن" لفظ عكرمة وفي رواية عروة "فقالوا له: لعب بك علي وإن إخفار جوارك لهين عليهم" فيحتمل أن يكون قوله "بلغ قريش" أي غلب على ظنهم ذلك لا أن مبلغاً بلغهم ذلك حقيقة.
وقوله (نيران عرفة) إشارة إلى ما جرت به عادتهم من إيقاد النيران الكثيرة ليلة عرفة، وعند ابن سعد أن النبي ﷺ أمر أصحابه في تلك الليلة فأوقدوا عشرة آلاف نار.
قوله (فقال بديل بن ورقاء: هذه نيران بني عمرو) يعني خزاعة، وعمرو يعني ابن لحي (فقال أبوس فيان: عمرو أقل من ذلك) ومثل هذا في مرسل أبي سلمة، وفي مغازي عروة عند ابن عائذ عكس ذلك وأنهم لما رأوا الفساطيط وسمعوا صهيل الخيل فراعهم ذلك فقالوا: هؤلاء بنو كعب - يعني خزاعة، وكعب أكبر بطون خزاعة - جاشت بهم الحرب. فقال بديل: هؤلاء أكثر من بني كعب ما بلغ تأليبها هذا. قالوا: فانتجعت هوازن أرضنا، والله ما نعرف هذا، أنه هذا المثل صاح الناس. قوله (فرآهم ناس من حرس رسول الله ﷺ فأدركوهم فأخذوهم) في رواية ابن عائذ "وكان رسول الله ﷺ بعث بين يديه خيلاً تقبض العيون، وخزاعة على الطريق لا يتركون أحداً يمضي، فلما دخل أبو سفيان وأصحابه عسكر المسلمين أخذتهم الخيل تحت الليل" وفي مرسل أبي سلمة (وكان حرس رسول الله ﷺ نفراً من الأنصار، وكان عمر بن الخطاب عليهم تلك الليلة فجاءوا بهم إليه فقالوا: جئناك بنفر أخذناهم من أهل مكة، فقال عمر: والله لو جئتموني بأبي سفيان ما زدتم، قالوا قد أتيناك بأبي سفيان) وعند ابن إسحاق (أن العباس خرج ليلاً فلقي أبا سفيان وبديلاً، فحمل أبا
стр. 860
سفيان معه على البغلة ورجع صاحباه) ويمكن الجمع بأن الحرس لما أخذوهم استنقذ العباس أبا سفيان. وفي رواية ابن إسحاق (فلما نزل رسول الله ﷺ مر الظهران قال العباس: والله لئن دخل رسول الله ﷺ مكة عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه إنه لهلاك قريش، قال: فجلست على بغلة رسول الله ﷺ حتى جئت الأراك (١) فقلت: لعلي أجد بعض الحطابة أو ذا حاجة يأتي مكة فيخبرهم، إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء، قال: فعرفت صوته فقلت: يا أبا حنظلة، فعرف صوتي فقال: أبا الفضل؟ قلت: نعم. قال: ما الحيلة؟ قلت: فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله ﷺ فأستأمنه لك، قال: فركب خلفي ورجع صاحباه) وهذا مخالف للرواية السابقة أنهم أخذوهم، ولكن عند ابن عائذ (فدخل بديل وحكيم على رسول الله ﷺ فأسلما) فيحمل قوله (ورجع صاحباه) أي بعد أن أسلما. واستمر أبو سفيان عند العباس لأمر رسول الله ﷺ له أن يحبسه حتى يرى العساكر. ويحتمل أن يكونا رجعا لما التقى العباس بأبي سفيان فأخذهما العسكر أيضاً. وفي مغازي موسى ابن عقبة ما يؤيد ذلك، وفيه (فلقيهم العباس فأجارهم وأدخلهم إلى رسول الله ﷺ ، فأسلم بديل وحكيم، وتأخر أبو سفيان بإسلامه حتى أصبح) ويجمع بين ما عند ابن إسحاق ومرسل أبي سلمة بأن الحرس أخذوهم، فلما رأوا أبا سفيان مع العباس تركوه معه. وفي رواية عكرمة (فذهب به العباس إلى رسول الله ﷺ ، ورسول الله ﷺ في قبة له فقال: "يا أبا سفيان أسلم تسلم" قال: كيف أصنع باللات والعزى؟ قال فسمعه عمر فقال: لو كنت خارجاً من القبة ما قلتها أبداً، فأسلم أبو سفيان، فذهب به العباس إلى منزله، فلما اصبح ورأى مبادرة الناس إلى الصلاة أسلم". قوله (احبس أبا سفيان) في رواية موسى بن عقبة أن العباس قال لرسول الله ﷺ لا آمن أن يرجع أبو سفيان فيكفر، فاحبسه حتى تريه جنود الله، ففعل، فقال أبو سفيان: أغدرا يا بني هاشم؟ قال العباس. لا ولكن لي إليك حاجة فتصبح فتنظر جنود الله للمشركين وما أعد الله للمشركين، فحبسه بالمضيق دون الأراك حتى أصبحوا. قوله (عند خطم الجبل) في رواية النسفي والقابسي بفتح الخاء المعجمة وسكون المهملة وبالجيم والموحدة أي أنف الجبل، وهي رواية ابن إسحاق
стр. 861
وغيره من أهل المغازي، وفي رواية الأكثر بفتح المهملة من اللفظة الأولى وبالخاء المعجمة وسكون التحتانية (أي عند حطم الخيل) أي ازدحامها، وإنما حبسه هناك لكونه مضيقاً ليرى الجميع ولا يفوته رؤية أحد منهم.
هناك ثلاثة أقوال فيمن دفعت إليه الراية التي نزعت من سعد. والذي يظهر في الجمع أن عليا أرسل بنزعها، وأن يدخل بها، ثم خشي تغير خاطر سعد فأمر بدفعها لابنه قيس، ثم إن سعداً خشي أن يقع من ابنه شيء ينكره النبي ﷺ فسأل النبي ﷺ أن يأخذها منه فحينئذ أخذها الزبير. وهذه القصة الأخيرة قد ذكرها البزار من حديث أنس بإسناد على شرط البخاري ولفظه "كان قيس في مقدمة النبي ﷺ لما قدم مكة، فكلم سعد النبي ﷺ أن يصرفه عن الموضع الذي فيه مخافة أن يقدم على شيء، فصرفه عن ذلك".
وعند البيهقي بإسناد حسن من حديث ابن عمر قال: لما دخل رسول الله ﷺ عام الفتح رأى النساء يلطمن وجوه الخيل بالخمر، فتبسم إلى أبي بكر فقال: يا أبا بكر كيف قال حسان؟ فأنشده قوله:
عدمت بنيتي إن لم تروها ... تثير النقع (١) موعدها كداء (٢)
ينازعن الأسنة مسرجات ... يلطمهن (٣) بالخمر (٤) النساء
فقال (ادخلوها من حيث قال حسان). وذكر ابن إسحاق أن أصحاب خالد لقوا ناساً من قريش، منهم سهيل بن عمرو وصفوان بن أمية كانوا تجمعوا بالخندمة بالخاء المعجمة والنون مكان أسفل مكة ليقاتلوا المسلمين، فناوشوهم شيئاً من القتال، فقتل من خيل خالد سلمة بن الميلاء الجهني، وقتل من المشركين اثنا عشر رجلاً أو ثلاثة عشر وانهزموا، وفي ذلك يقول حماس بن قيس بن خالد البكري - قال ابن هشام: ويقال هي للمرعاش الهذلي - يخاطب امرأته حين لامته على الفرار من المسلمين:
стр. 862
إنك لو شهدت يوم الخندمه ... إذ فر صفوان وفر عكرمه
واستقبلتنا بالسيوف المسلمه ... يقطعن كل ساعد وجمجمه
ضربا فلا يسمع إلا غمغمه ... لم تنطقي في اللوم أدنى كلمه
وعند موسى بن عقبة: واندفع خالد بن الوليد حتى دخل من أسفل مكة، وقد تجمع بها بنو بكر وبنو الحارث بن عبد مناة وناس من هذيل ومن الأحابيش الذين استنصرت بهم قريش، فقاتلوا خالداً، فقاتلهم، فانهزموا وقتل من بني بكر نحو عشرين رجلاً ومن هذيل ثلاثة أو أربعة، حتى انتهى بهم القتل إلى الحزورة إلى باب المسجد حتى دخلوا في الدور، وارتفعت طائفة منهم على الجبال، وصاح أبو سفيان: من أغلق بابه وكف يده فهو آمن، قال: ونظر رسول الله ﷺ إلى البارقة فقال: "ما هذا وقد نهيت عن القتال؟ " فقالوا: نظن أن خالداً قوتل وبدئ بالقتال فلم يكن له بد من أن يقاتل. ثم قال: وقال رسول الله ﷺ بعد أن اطمأن لخالد بن الوليد: "لم قاتلت وقد نهيتك عن القتال؟ " فقال: هم بدءونا بالقتال ووضعوا فينا السلاح، وقد كففت يدي ما استطعت. فقال: "قضاء الله خير" وذكر ابن سعد أن عدة من أصيب من الكفار أربعة وعشرون رجلاً، ومن هذيل خاصة أربعة، وقيل مجموع من قتل منهم ثلاثة عشر رجلاً. وروى الطبراني من حديث ابن عباس قال خطب رسول الله ﷺ فقال: "إن الله حرم مكة" الحديث، فقيل له: هذا خالد بن الوليد يقتل، فقال: "قم يا فلان فقل له فليرفع القتل" فأتاه الرجل فقال: إن نبي الله يقول لك اقتل من قدرت عليه، فقتل سبعين ثم اعتذر الرجل إليه، فسكت" قال: وقد كان رسول الله ﷺ أمر أمراءه أن لا يقتلوا إلا من قاتلهم، غير أنه أهدر دم نفر سماهم. وقد جمعت أسماءهم من مفرقات الأخبار وهم: عبد العزى بن خطل، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وعكرمة بن أبي جهل، والحويرث بن نقيد بنون وقاف مصغراً، ومقيس بن صبابة بمهملة مضمومة وموحدتين الأولى خفيفة، وهبار بن الأسود. وقينتان كانتا لابن خطل كانتا تغنيان بهجو النبي، وسارة مولاة بني المطلب وهي التي وجد معها كتاب حاطب. فأما ابن أبي سرح فكان أسلم ثم ارتد ثم شفع فيه عثمان يوم الفتح إلى النبي ﷺ فحقن دمه وقبل إسلامه. وأما عكرمة ففر إلى اليمن
стр. 863
فتبعته امرأته أم حكيم بنت الحارث بن هشام فرجع معها بأمان من رسول الله ﷺ . وأما الحويرث فكان شديد الأذى لرسول الله ﷺ بمكة فقتله علي يوم الفتح. وأما مقيس بن صبابة فكان أسلم ثم عدا على رجل من الأنصار فقتله، وكان الأنصاري قتل أخاه هشاماً خطأ، فجاء مقيس فأخذ الدية ثم قتل الأنصاري ثم ارتد، فقتله نميلة بن عبد الله يوم الفتح. وأما هبار فكان شديد الأذى للمسلمين وعرض لزينب بنت رسول الله ﷺ لما هاجرت فنخس (١) بعيرها فأسقطت، ولم يزل ذلك المرض بها حتى ماتت، فلما كان يوم الفتح بعد أن أهدر النبي ﷺ دمه أعلن بالإسلام فقبل منه فعفا عنه. وأما القينتان فاسمهما فرتني وقرينة، فاستؤمن لإحداهما فأسلمت وقتلت الأخرى. وأما سارة فأسلمت وعاشت إلى خلافة عمر. وقال الحميدي: بل قتلت. وذكر أبو معشر فيمن أهدر دمه الحارث بن طلاطل الخزاعي قتله علي. وذكر غير ابن إسحاق أن فرتني هي التي أسلمت وأن قرينة قتلت وذكر الحاكم أيضاً ممن أهدر دمه كعب بن زهير وقصته مشهورة، وقد جاء بعد ذلك وأسلم ومدح. ووحشي بن حرب وهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان وقد أسلمت. وارنب مولاة ابن خطل أيضاً قتلت فيما ذكر ابن إسحاق فكملت العدة ثمانية رجال وست نسوة ويحتمل أن تكون أرنب. وأم سعد هما القينتان اختلف في اسمهما أو باعتبار الكنية واللقب.
وعند موسى بن عقبة في المغازي - وهي أصح ما صنف في ذلك عند الجماعة - ما نصه "أن أبا سفيان وحكيم بن حزام قالا: يا رسول الله كنت حقيقاً أن تجعل عدتك وكيدك بهوازن، فإنهم أبعد رحماً وأشد عداوة، فقال: "إني لأرجو أن يجمعهما الله لي: فتح مكة وإعزاز الإسلام بها، وهزيمة هوازن وغنيمة أموالهم". فقال أبو سفيان وحكيم: فادع الناس بالأمان، أرأيت إن اعتزلت قريش فكفت أيديها أآمنون هم؟ قال: "من كف يده وأغلق داره فهو آمن" قالوا: فابعثنا نؤذن بذلك فيهم: قال: "انطلقوا، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل دار حكيم فهو آمن" ودار أبي سفيان بأعلى مكة ودار حكيم بأسفلها. فلما توجها قال العباس: يا رسول الله إني لا آمن أبا سفيان أن يرتد، فرده حتى تريه جنود الله. قال: "أفعل" فذكر القصة، وفي ذلك تصريح بعموم التأمين، فكان
стр. 864
هذا أماناً منه لكل من لم يقاتل من أهل مكة، فمن ثم قال الشافعي: كانت مكة مأمونة ولم يكن فتحها عنوة، والأمان كالصلح. وأما الذين تعرضوا للقتال أو الذين استثنوا من الأمان وأمر أن يقتلوا ولو تعلقوا بأستار الكعبة فلا يستلزم ذلك أنها فتحت عنوة. ويمكن الجمع بين حديث أبي هريرة في أمره ﷺ بالقتال وبين حديث الباب في تأمينه ﷺ لهم بأني كون التأمين علق بشرط وهو ترك قريش المجاهرة بالقتال، فلما تفرقوا إلى دورهم ورضوا بالتأمين المذكور لم يستلزم أن أوباشهم الذين لم يقبلوا ذلك وقاتلوا خالد بن الوليد ومن معه فقاتلهم حتى قتلهم وهزمهم أن تكون البلد فتحت عنوة، لأن العبرة بالأصول لا بالأتباع وبالأكثر لا بالأقل، ولا خلاف مع ذلك أنه لم يجر فيها قسم غنيمة ولا سبي من أهلها ممن باشر القتال أحد، وهو ما يؤيد قول من قال لم يكن فتحها عنوة. وعند أبي داود بإسناد حسن "عن جابر أنه سئل: هل غنمتم يوم الفتح شيئاً؟ قال: لا" وجنحت طائفة - منهم الماوردي - إلى أن بعضها فتح عنوة لما وقع من قصة خالد بن الوليد المذكورة، وقرر ذلك الحاكم في "الإكليل". والحق أن صورة فتحها كان عنوة معاملة أهلها معاملة من دخلت بأمان، ومنع جمع منهم السهيلي ترتب عدم قسمتها وجواز بيع دورها وإجارتها على أنها فتحت صلحاً، أما أولاً لفلأن الإمام محير في قسمة الأرض بين الغانمين إذا انتزعت من الكفار وبين إبقائها وقفاً على المسلمين، ولا يلزم من ذلك منع بيع الدور وإجارتها. وأما ثانياً فقال بعضهم: لا تدخل الأرض في حكم الأموال، لأن من مضى كانوا إذا غلبوا على الكفار لم يغنموا الأموال، فتنزل النار فتأكلها وتصير الأرض عموماً لهم كما قال الله تعالى (ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم) (١) الآية. وقال (وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها) (٢) الآية. والمسألة مشهورة فلا نطيل بها هنا. اهـ.
٦٠٧ - * روى مسلم عن عبد الله بن رباح عن أبي هريرة قال: وفدت وفود إلى
стр. 865
معاوية - وذلك في رمضان - فكان يصنع بعضنا لبعض الطعام فكان أبو هريرة مما يكثر أن يدعونا إلى رحله، فقلت: ألا أصنع طعاماً فأدعوهم إلى رحلي؟ فأمرت بطعام يصنع، ثم لقيت أبا هريرة من العشي، فقلت: الدعوة عندي الليلة، فقال: سبقتني؟ قلت: نعم، فدعوتهم، فقال أبو هريرة: ألا أعلمكم بحديث من حديثكم يا معشر الأنصار؟ ... ثم ذكر فتح مكة، فقال: أقبل رسول الله ﷺ حتى قدم مكة، فبعث الزبير على إحدى المجنبتين بعث خالداً على المجنبة الأخرى، وبعث أبا عبيدة على الحسر، فأخذوا بطن الوادي ورسول الله ﷺ في كتيبة، قال: فنظر فرآني، فقال: "أبو هريرة؟ " قلت: لبيك يا رسول الله، فقال: "لا يأتيني إلا أنصاري" زاد غير شيبان - (أي الراوي) - فقال: "اهتف لي بالأنصار" قال: فأطافوا به، ووبشت قريش أوباشاً لها وأتباعاً - فقالوا: نقدم هؤلاء، فإن كان لهم شيء كنا معهم، وإن أصيبوا أعطينا الذي سئلنا، فقال رسول الله ﷺ : "ترون إلى أوباش قريش وأتباعهم؟ " ثم قال بيديه - إحداهما على الأخرى - ثم قال: "حتى توافوني بالصفا" قال: فانطلقنا، فما شاء أحد منا أن يقتل أحداً إلا قتله، وما أحد منهم يوجه إلينا شيئاً، قال: فجاء أبو سفيان فقال: يا رسول الله، أبيحت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم، ثم قال: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" فقالت الأنصار بعضهم لبعض: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته، ورأفة بعشيرته، قال أبو هريرة: وجاء الوحي - وكان إذا جاء الوحي لا يخفى علينا، فإذا جاء فليس أحد يرفع طرفه إلى رسول الله ﷺ حتى ينقضي الوحي - فلما انقضى الوحي قال رسول الله ﷺ : "يا معشر الأنصار" قالوا: لبيك يا رسول الله، قال: "قلتم: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته؟ " قالوا: قد كان ذلك، قال: (١)
стр. 866
"كلا، إني عبد الله ورسوله، هاجرت إلى الله وإليكم، والمحيا محياكم، والممات مماتكم" فأقبلوا إليه يبكون، ويقولون: والله ما قلنا الذي قلنا إلا الضن بالله وبرسوله، فقال رسول الله ﷺ : "إن الله ورسوله يصدقانكم، ويعذرانكم" قال: فأقبل الناس إلى دار أبي سفيان، وأغلق الناس أبوابهم، قال: وأقبل رسول الله ﷺ حتى أقبل إلى الحجر فاستلمه، ثم طاف بالبيت. قال: فأتى على صنم إلى جانب البيت كانوا يعبدونه: قال: وفي يد رسول الله ﷺ قوس، وهو آخذ بسية القوس، فلما أتى على الصنم جعل يطعن في عينه، ويقول: "جاء الحق، وزهق الباطل" فلما فرغ من طوافه أتى الصفا، فعلا عليه حتى نظر إلى البيت، ورفع يديه، فجعل يحمد الله ويدعو ما شاء أن يدعو ..
وفي رواية (١) بهذا الحديث، وزاد في الحديث: ثم قال بيديه، إحداهما على الأخرى: "احصدوهم حصداً" وقال في الحديث: قالوا: قلنا: ذاك يا رسول الله، قال: "فما اسمي إذاً؟ كلا، إني عبد الله ورسوله".
وفي أخرى (٢) قال: وفدنا إلى معاوية بن أبي سفيان، وفينا أبو هريرة، فكان كل رجل منا يصنع طعاماً يوماً لأصحابه، فكانت نوبتي، فقلت: يا أبا هريرة، اليوم نوبتي، فجاؤوا إلى المنزل، ولم يدرك طعامنا، فقلت: يا أبا هريرة، لو حدثتنا عن رسول الله ﷺ حتى يدرك طعامنا؟ فقال: كنا مع رسول الله ﷺ يوم الفتح، فجعل خالد بن الوليد على المجنبة اليمنى. وجعل الزبير على المجنبة اليسرى وجعل أبا عبيدة على البياذقة
стр. 867
وبطن الوادي، فقال: "يا أبا هريرة، ادع لي الأنصار" فدعوتهم، فجاؤوا يهرولون، فقال: "يا معشر الأنصار، هل ترون أوباش قريش؟ " قالوا: نعم قال: "انظروا إذا لقيتموهم غداً: أن تحصدوهم حصداً" وأخفى بيده، ووضع يمينه على شماله - وقال: "موعدكم الصفا"، قال: فما أشرف يومئذ لهم أحد إلا أناموه، قال: وصعد رسول الله ﷺ الصفا وجاءت الأنصار، فأطافوا بالصفا، فجاء أبو سفيان، فقال: يا رسول الله، أبيدت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم، قال أبو سفيان: قال رسول الله ﷺ : "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن" فقالت الأنصار: أما الرجل، فقد أخذته رأفة بعشيرته، ورغبة في قريته، ونزل الوحي على رسول الله ﷺ قال: "قلتم: أما الرجل: فقد أخذته رأفة بعشيرته، ورغبة في قريته؟ ألا فما اسمي إذاً؟! - ثلاث مرات - أنا محمد عبد الله ورسوله، هاجرت إلى الله وإليكم، فالمحيا محياكم، والممات مماتكم" قالوا: والله، ما قلنا إلا ضناً بالله ورسوله، قال: "فإن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم".
وفي رواية أبي داود (١) عن عبد الله بن رباح الأنصاري عن أبي هريرة قال: إن رسول الله ﷺ لما دخل مكة سرح الزبير بن العوام، وأبا عبيدة بن الجراح، وخالد بن الوليد على الخيل، وقال: "يا أبا هريرة، اهتف بالأنصار" قال: "اسلكوا هذا الطريق، فلا يشرفن لكم أحد إلا أنمتموه" فنادى مناد: لا قريش بعد اليوم، فقال رسول الله ﷺ : "من دخل داراً فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن" وعمد صناديد قريش فدخلوا الكعبة، فغص بهم، وطاف النبي ﷺ وصلى خلف المقام، ثم أخذ بجنبتي الباب، فخرجوا، فبايعوا النبي ﷺ على الإسلام.
стр. 868
٦٠٨ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مغفل ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ يوم فتح مكة على ناقته - يقرأ سورة الفتح قال: فقرأ ابن مغفل ورجع فقال معاوية: لولا الناس لأخذت لكم بذلك الذي ذكره ابن مغفل عن النبي ﷺ .
وفي رواية أبي داود (١) قال: رأيت رسول الله ﷺ يوم فتح مكة - وهو على ناقة - يقرأ بسورة الفتح، وهو يرجع.
٦٠٩ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ دخل عام الفتح من داء التي بأعلى مكة.
وفي رواية (٢): أن النبي ﷺ لما جاء إلى مكة دخلها من أعلاها، وخرج من أسفلها.
стр. 869
زاد في رواية (١): قال هشام (أي ابن عروة بن الزبير): فكان أبي يدخل منهما كليهما، وكان أكثر ما يدخل من كداء.
وفي رواية أبي داود (٢): دخل رسول الله ﷺ عام الفتح من كداء من أعلى مكة، ودخل في العمرة من كدى، قال: وكان عروة يدخل منهما جميعاً، وكان أكثر ما كان يدخل من كدى، وكان أقربهما إلى منزله.
٦١٠ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄: أن رسول الله ﷺ دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام. وفي رواية قتيبة. قال: حدثنا أبو الزبير عن جابر.
وزاد النسائي في أخرى (٣): أرخى طرفها بين كتفيه.
قوله: (وعليه عمامة سوداء) فيه جواز لبس الثياب السود وفي الرواية (الأخرى خطب الناس وعليه عمامة سوداء) فيه جواز لباس الأسود في الخطبة وإن كان الأبيض أفضل منه، كما ثبت في الحديث الصحيح "خير ثيابكم البياض" (٤). وأما لباس الخطباء السواد في حال الخطبة فجائز ولكن الأفضل البياض كما ذكرناه وإنما لبس العمامة السوداء في هذا الحديث بياناً للجواز والله أعلم. اهـ (شرح صحيح مسلم).
وفي رواية للبخاري ومسلم (٥) عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر.
стр. 870
٦١١ - * روى الطبراني عن عبد الله بن عمرو قال: لما فتحت مكة على رسول الله ﷺ قال: "كفوا السلاح إلا خزاعة عن بني بكر" فأذن لهم حتى صلى العصر ثم قال: "كفوا السلاح" فلقي رجل من خزاعة رجلاً من بني بكر من غد بالمزدلفة، فقتله، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقام خطيباً فقال، ورأيته وهو مسند ظهره إلى الكعبة: "إن أعدى الناس على الله من قتل في الحرم، أو قتل غير قاتله أو قتل بذحول الجاهلية" فقام رجل فقال: إن فلاناً ابني، فقال رسول الله ﷺ : "لا دعوة في الإسلام ذهب أمر الجاهلية، الولد للفراش، وللعاهر الأثلب" قالوا: وما الأثلب؟ قال "الحجر" وقال: "لا صلاة بعد الغداة حتى تطلع الشمس ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس" قال: "ولا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها".
٦١٢ - * روى أبو داود والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أن رسول الله ﷺ خطب يوم الفتح بمكة فكبر ثلاثاً، ثم قال: "لا إله إلا الله وحده صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده: ألا إن كل مأثرة كانت في الجاهلية تذكر وتدعى من دم، أو مال تحت قدمي، إلا ما كان من سقاية الحاج، وسدانة البيت" ثم قال: "ألا إن دية الخطأ شبه العمد - ما كان بالسوط والعصا -: مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها".
стр. 871
- وفي أخرى لأبي داود (١)، قال: "عقل شبه العمد مغلظة مثل عقل العمد، ولا يقتل صاحبه".
زاد في رواية (٢) "وذلك أن ينزو الشيطان بين الناس، فتكون دماء في عميا في غير ضغينة، ولا حمل سلاح".
٦١٣ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: لما فتح الله على رسوله ﷺ مكة، قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين، فإنها لا تحل لأحد كان قبلي، وإنها أحلت لي ساعة من نهار، وإنها لن تحل لأحد من بعدي فلا ينفر صيدها، ولا يختلى شوكها، ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد. ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يفدى، وإما أن يقيد" فقال العباس: إلا الإذخر، فإنا نجعله لقبورنا وبيوتنا. فقال رسول الله ﷺ : "إلا الإذخر" فقام أبو شاه - رجل من أهل
стр. 872
اليمن - فقال: اكتبوا لي يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : "اكتبوا لأبي شاه". قلت للأوزاعي: ما قوله اكتبوا لي يا رسول الله؟ قال: هذه الخطبة التي سمعها من رسول الله ﷺ ".
قال في الفتح: واستدل بحديثي ابن عباس وأبي هريرة المذكورين في هذا الباب على أن لقطة مكة لا تلتقط للتمليك بل للتعريف خاصة، وهو قول الجمهور، وإنما اختصت بذلك عندهم لإمكان إيصالها إلى ربها، لأنها إن كانت للمكي فظاهر، وإن كانت للآفاقي فلا يخلو أفق غالباً من وارد إليها، فإذا عرفها واجدها في كل عام سهل التوصل إلى معرفة صاحبها، قاله ابن بطال. وقال أكثر المالكية وبعض الشافعية: هي كغيرها من البلاد، وإنما تختص مكة بالمبالغة في التعريف لأن الحاج يرجع إلى بلده وقد لا يعود فاحتاج الملتقط بها إلى المبالغة في التعريف. واحتج ابن المنير لمذهبه بظاهر الاستثناء، لأنه نفى الحل واستثنى المنشد فدل على أن الحل ثابت للمنشد لأن الاستثناء من النفي إثبات، قال: ويلزم على هذا أن مكة وغيرها سواء، والقياس يقتضي تخصيصها. والجواب أن التخصيص إذا وافق الغالب لم يكن له مفهوم، والغالب أن لقطة مكة ييأس ملتقطها من صاحبها وصاحبها من وجدانها لتفرق الخلق إلى الآفاق البعيدة، فربما داخل الملتقط الطمع في تملكها من أول وهلة فلا يعرفها فنهى الشارع عن ذلك وأمر أن لا يأخذها إلا من عرفها، وفارقت في ذلك لقطة العسكر ببلاد الحرب بعد تفرقهم فإنها لا تعرف في غيرهم باتفاق، بخلاف لقطة مكة فيشرع تعريفها لإمكان عود اهل أفق صاحب اللقطة إلى مكة فيحصل متوصل إلى معرفة صاحبها وقال إسحاق بن راهويه: قوله "إلا لمنشد" أي لمن سمع ناشداً يقول: من رأى لي كذا؟ فحينئذ يجوز لواجد اللقطة أن يعرفها ليردها على صاحبها، وهو أضيق من قول الجمهور لأنه قيده بحالة للمعرف دون حالة، وقيل: المراد بالمنشد الطالب حكاه أبو عبيد، وتعقبه بأنه لا يجوز في اللغة تسمية الطالب منشداً. قلت: ويكفي في رد ذلك قوله في حديث ابن عباس: "لا يلتقط لقطتها إلا معرف" والحديث يفسر بعضه بعضاً، وكأن هذا (١)
стр. 873
هو النكتة في تصدير البخاري الباب بحديث ابن عباس، وأما اللغة فقد أثبت الحربي جواز تسمية الطالب منشداً وحكاه عياض أيضاً واستدل به على أن لقطة عرفة والمدينة النبوية كسائر البلاد لاختصاص مكة بذلك، وحكى الماوردي في "الحاوي" وجهاً في عرفة أنها تلتحق بحكم مكة لأنها تجمع الحاج كمكة ولم يرجح شيئاً، وليس الوجه المذكور في "الروضة" ولا أصلها، واستدل به على جواز تعريف الضالة في المسجد الحرام بخلاف غيره من المساجد، وهو أصح الوجهين عند الشافعية. والله أعلم. ا. هـ.
قال النووي: قوله ﷺ (اكتبوا لأبي شاه) هذا تصريح بجواز كتابة العلم غير القرآن ومثله حديث علي ﵁ ما عنده إلا ما في هذه الصحيفة ومثله حديث أبي هريرة: كان عبد الله بن عمرو يكتب ولا أكتب وجاءت أحاديث بالنهي عن كتابة غير القرآن فمن السلف من منع كتابة العلم وقال جمهور السلف بجوازه ثم أجمعت الأمة بعدهم على استحبابه، وأجابوا عن أحاديث النهي بجوابين: أحدهما: أنها منسوخة وكان النهي في أول الأمر قبل اشتهار القرآن لكل أحد، فنهى عن كتابة غيره خوفاً من اختلاطه واشتباهه، فلما اشتهر وأنمت تلك المفسدة أذن فيه. والثاني: أن النهي تنزيه لمن وثق بحفظه وخيف اتكاله على الكتابة والإذن لمن لم يوثق بحفظه، والله أعلم. أ. هـ
٦١٤ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ خطب الناس يوم فتح مكة، فقال: "يا أيها الناس، إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية، وتعاظمها بآبائها، فالناس رجلان: بر تقي كريم على الله ، وفاجر شقي هين على الله والناس كلهم بنو آدم، وخلق الله آدم من تراب قال الله تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى) إلى (إن الله عليم خبير) " (٢).
٦١٥ - وعن عبد الله بن زرير قال: قال علي للعباس: قل للنبي يعطيك الخزانة
стр. 874
فسأله العباس فقال له النبي ﷺ : "أعطيكم ما هو خير لكم من ذلك ما يرزؤكم ولا ترزؤنها فأعطاهم السقاية".
وفي رواية (١) عن عبد الله بن أبي زرير عن علي عن أبيه قال: قلت للعباس: سل لنا رسول الله ﷺ الحجابة، فسأله فقال: "أعطيكم السقاية ترزؤكم ولا ترزؤنها" وقلت للعباس: سل رسول الله ﷺ يستعملك على الصدقات فقال: "ما كنت لأستعملك على غسالة ذنوب الناس".
٦١٦ - * روى النسائي وابن ماجه عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ دخل مكة يوم الفتح ولواؤه أبيض.
٦١٧ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ أقبل يوم الفتح من أعلى مكة على راحلته، مردفاً أسامة بن زيد، ومعه بلال، ومعه عثمان بن طلحة من الحجبة، حتى أناخ في المسجد، فأمره أن يأتي بمفتاح البيت فدخل رسول الله ﷺ ، ومعه أسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة، فمكث فيه نهاراً طويلاً ثم خرج فاستبق الناس، فكان عبد الله بن عمر أول من دخل، فوجد بلالاً وراء الباب قائماً، فسأله: أين صلى النبي ﷺ ؟ فأشار له إلى المكان الذي صلى فيه، قال عبد الله: فنسيت أن أسأله: كم صلى سجدة؟ ".
قال في الفتح: وعند ابن إسحاق بإسناد حسن عن صفية بنت شيبة قالت: "لما نزل رسول الله ﷺ واطمأن الناس خرج حتى جاء البيت فطاف به، فلما قضى طوافه دعا عثمان ابن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة ففتح له فدخلها، ثم وقف على باب الكعبة فخطب"
стр. 875
قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أهل العلم أنه ﷺ قام على باب الكعبة، فذكر الحديث، وفيه: ثم قال "يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل فيكم؟ " قالوا: خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم. قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء" ثم جلس فقام علي فقال: اجمع لنا الحجابة والسقاية، فذكره. وروى ابن عائذ من مرسل عبد الرحمن بن سابط أن النبي ﷺ دفع مفتاح الكعبة إلى عثمان فقال: "خذها خالدة مخلدة، إني لم أدفعها إليكم ولكن الله دفعها إليكم، ولا ينزعها منكم إلا ظالم" ومن طريق ابن جريج أن علياً قال للنبي ﷺ : اجمع لنا الحجابة والسقاية، فنزلت: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) (١) فدعا عثمان فقال: "خذوها يا بني شيبة خالدة تالدة، لا ينزعها منكم إلا ظالم" ومن طريق علي بن أبي طلحة أن النبي ﷺ قال: "يا بني شيبة، كلوا مما يصل إليكم من هذا البيت بالمعروف" وروى الفاكهي من طريق محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه أن النبي ﷺ لما ناول عثمان المفتاح قال له: "غيبه" قال الزهري: فلذلك يغيب المفتاح. ومن حديث ابن عمر أن بني أبي طلحة كانوا يقولون: لا يفتح الكعبة إلا هم، فتناول النبي ﷺ المفتاح ففتحها بيده. ا. هـ
٦١٨ - روي البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ دخل مكة من كداء، من الثنية العليا التي عند البطحاء، وخرج من الثنية السفلى.
وفي رواية له ولمسلم (٢): أن رسول الله ﷺ كان يخرج من طريق الشجرة، ويدخل من طريق المعرس.
زاد البخاري (٣): وأن رسول الله ﷺ كان إذا خرج إلى مكة يصلي في مسجد الشجرة، فإذا رجع صلى بذي الحليفة ببطن الوادي، وبات حتى يصبح.
стр. 876
وعند مسلم (١): وإذا دخل مكة دخل من الثنية العليا التي بالبطحاء ويخرج من الثنية السفلى.
قال النووي: قيل إنما فعل النبي ﷺ هذه المخالفة في طريقه داخلاً وخارجاً تفاؤلاً بتغير الحال إلى أكمل منه كما فعل في العيد، وليشهد له الطريقان وليتبرك به أهلهما ومذهبنا أنه يستحب دخول مكة من الثنية العليا والخروج منها من السفلى لهذا الحديث ولا فرق بين أن تكون هذه الثنية على طريقه كالمدني والشامي أو لا تكون كاليمني فيستحب لليمني وغيره أن يستدير ويدخل مكة من الثنية العليا وقال بعض أصحابنا: إنما فعلها النبي ﷺ لنها كانت على طريقه ولا يستحب لمن ليست على طريقه كاليمني وهذا ضعيف والصواب الأول وهكذا يستحب له أن يخرج من بلده من طريق ويرجع من أخرى لهذا الحديث.
٦١٩ - * روى الطبراني عن الزهري أن رسول الله ﷺ قال لعثمان يوم الفتح: "ائتني بمفتاح الكعبة" فأبطأ عليه، ورسول الله ﷺ قائم ينتظره حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق، ويقول: "ما يحبسه؟ " فسعى إليه رجل، وجعلت المرأة التي عندها المفتاح - حسبت أنه قال أم عثمان - تقول: إن أخذه منكم لم يعطيكموه أبداً فلم يزل بها عثمان، حتى أعطته المفتاح فانطلق به إلى رسول الله ﷺ ففتح الباب، ثم دخل البيت، ثم خرج والناس معه فجلس عند السقاية فقال علي بن أبي طالب: يا رسول الله لئن كنا أوتينا النبوة، وأعطينا السقاية، وأعطينا الحجابة ما قوم بأعظم نصيباً منا فكأن النبي ﷺ كره مقالته، ثم دعا عثمان بن طلحة فدفع إليه المفتاح وقال: "غيبوه" قال عبد الرزاق: فحدثت به ابن عيينة فقال: أخبرني ابن جريج أحسبه قال عن ابن أبي مليكة أن النبي ﷺ قال لعلي يومئذ حين كلمه في المفتاح: "إنما أعطيكم ما ترزؤون ولم أعطكم ما ترزؤون" يقول أعطيكم السقاية لأنكم تغرمون فيها ولم أعطكم البيت أي إنهم يأخذون من هديته، هذا قول عبد الرزاق.
стр. 877
٦٢٠ - * وروى الطبراني عن ابن عباس قال: دخل رسول الله ﷺ يوم الفتح وعلى الكعبة ثلثمائة وستون صنماً وقد شد لهم إبليس أقدامهم بالرصاص، فجاء ومعه قضيبه فجعل يهوي به إلى كل صنم منها فيخر لوجهه ويقول: "جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً" حتى مر عليها كلها.
وفي رواية البخاري ومسلم (١) عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: دخل رسول الله مكة يوم الفتح، وحول الكعبة ستون وثلاثمائة نصب، فجعل يطعنها بعود في يده، ويقول: "جاء الحق وزهق الباطل، جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد".
قال ابن حجر: قوله (بعود في يده ويقول: جاء الحق) في حديث أبي هريرة عند مسلم (يطعن في عينيه بسية القوس) وفي حديث ابن عمر عند الفاكهي وصححه ابن حبان (فيسقط الصنم ولا يمسه)، وللفاكهي والطبراني من حديث ابن عباس (فلم يبق وثن استقبله إلا سقط على قفاه، مع أنها كانت ثابتة بالأرض، وقد شد لهم إبليس أقدامها بالرصاص) وفعل النبي ﷺ ذلك لإذلال الأصنام وعابديها، ولإظهار أنها لا تنفع ولا تضر، ولا تدفع عن نفسها شيئاً. ا. هـ.
٦٢١ - * روى أحمد وأبو داود عن جابر بن عبد الله ﵄: أن النبي ﷺ أمر عمر بن الخطاب زمن الفتح وهو بالبطحاء، أن يأتي الكعبة فيمحو كل صورة فيها، فلم يدخلها النبي حتى محيت كل صورة فيها.
قال في بذل المجهود: والظاهر أن ما أمره ﷺ عمر بن الخطاب كان مختصاً بما نقش من
стр. 878
الصور على الجدران، فأمره بمحوها، وأما الأصنام وذي الأجرام منها فبقيت فيها حتى دخل رسول الله ﷺ الكعبة فأزالها بنفسه كما ثبت أن رسول الله ﷺ دخلها وفيها ثلاثمائة وستون نصباً، فيطعن فيها ويقول: "جاء الحق وزهق الباطل".
٦٢٢ - * روى أبو داود عن وهب بن منبه قال: سألت جابراً: هل غنموا يوم الفتح شيئاً؟ قال: لا.
٦٢٣ - * روى الطبراني عن سعيد بن يربوع وكان يسمى الصرم أن رسول الله ﷺ قال يوم فتح مكة: "أربعة لا أؤمنهم في حل ولا حرم: الحويرث بن نفيل، ومقيس ابن صبابة، وهلال بن خطل، وعبد الله بن أبي سرح" فأما حويرث فقتله علي ﵁، وأما مقيس بن صبابة فقتله ابن عم له بلحاء، وأما هلال بن خطل فقتله الزبير، وأما عبد الله بن سعد بن أبي سرح فاستأمن له عثمان بن عفان ﵁ وكان أخاه من الرضاعة. وقينتين كانتا لمقيس تغنيان بهجاء رسول الله ﷺ قتلت إحداهما وأفلتت الأخرى فأسلمت.
وفي رواية للحاكم (١) عن سعد بن أبي وقاص قال: لما كان يوم فتح مكة آمن رسول الله ﵌ الناس إلا أربعة نفر، وامرأتين، وقال: "اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة: عكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح".
* وفي رواية لأبي داود (٢) عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: لما كان يوم فتح مكة أمن رسول الله ﷺ الناس إلا أربعة نفر، وامرأتين، وسماهم، وابن أبي سرح. فذكر الحديث، قال: وأما ابن أبي سرح، فإنه اختبأ عند عثمان بن عفان، فلما دعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة، جاء به حتى أوقفه على النبي ﷺ ، فقال: يا نبي الله، بايع
стр. 879
عبد الله، فرفع رأسه، فنظر إليه ثلاثاً، كل ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاث، ثم أقبل على أصحابه، فقال: "أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله؟ " قالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسك، ألا أومأت إلينا بعينك؟ قال: "إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين".
قال أبو داود: وكان عبد الله أخا عثمان من الرضاعة.
وفي رواية للنسائي (١) قال: لما كان يوم فتح مكة أمن رسول الله ﷺ الناس إلا أربعة، وامرأتين، وقال: "اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة: عكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن أبي السرح" فأما عبد الله بن خطل، فأدرك وهو متعلق بأستار الكعبة، فاستبق إليه سعيد بن حريث وعمار بن ياسر، فسبق سعيد عماراً - وكان أشب الرجلين - فقتله. وأما مقيس بن صبابة، فأدركه الناس في السوق فقتلوه، وأما عكرمة فركب البحر، فأصابتهم عاصف، فقال أصحاب السفينة: أخلصوا، فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئاً ها هنا، فقال عكرمة: والله، لئن لم ينجني من البحر إلا الإلخاص، لا ينجيني في البر غيره، اللهم إن لك عهداً إن أنت عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمداً ﷺ حتى أضع يدي في يده، فلأجدنه عفواً كريماً. فجاء فأسلم. وأما عبد الله بن أبي السرح، فإنه اختبأ عند عثمان بن عفان، فلما دعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة جاء به حتى أوقفه على النبي ﷺ ، قال يا رسول الله ... وذكر الحديث إلى آخره مثل أبي داود.
٦٢٤ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁: أن النبي ﷺ دخل مكة يوم الفتح وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه جاء رجل، فقال: ابن خطل متعلق بأستار
стр. 880
الكعبة، فقال رسول الله ﷺ : "اقتلوه".
وفي الموطأ (١): ولم يكن النبي ﷺ فيما نرى يومئذ - والله أعلم - محرماً.
وقال أبو داود (٢): اسم ابن خطل: عبد الله، وكان أبو برزة الأسلمي قتله.
٦٢٥ - * روى البخاري ومسلم عن أم هانئ ﵂ أخت علي بن أبي طالب ﵁ قالت: ذهبت إلى رسول الله ﷺ عام الفتح، فوجدته يغتسل، وفاطمة ابنته تستره بثوب، فسلمت عليه، فقال: "من هذه؟ " فقلت: أنا أم هانئ بنت أبي طالب، فقال: "مرحباً بأم هانئ" فلما فرغ من غسله، قام فصلى ثماني ركعات ملتحفاً في ثوب واحد، فلما انصرف قلت: يا رسول الله، زعم ابن أمي علي: أنه قاتل رجلاً قد أجرته - فلان ابن هبيرة - فقال رسول الله ﷺ : "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ"، قالت أم هانئ: وذلك ضحى.
وفي رواية الترمذي (٣): أن أم هانئ قالت: أجرت رجلين من أحمائي، فقال رسول الله ﷺ : "قد آمنا من آمنت".
وفي رواية أبي داود (٤): أنها أجارت رجلاً من المشركين يوم الفتح، فأتت النبي ﷺ ، فذكرت له ذلك، فقال: "قد أجرنا من أجرت، وآمنا من آمنت".
قال الحافظ في الفتح: قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على جواز أمان المرأة إلا شيئاً ذكره عبد الملك بن الماجشون صاحب مالك لا أحفظ ذلك عن غيره قال: إن أمر الأمان إلى الإمام، وتأول ما ورد مما يخالف ذلك على قضايا خاصة.