وعند مسلم (١): وإذا دخل مكة دخل من الثنية العليا التي بالبطحاء ويخرج من الثنية السفلى.
قال النووي: قيل إنما فعل النبي ﷺ هذه المخالفة في طريقه داخلاً وخارجاً تفاؤلاً بتغير الحال إلى أكمل منه كما فعل في العيد، وليشهد له الطريقان وليتبرك به أهلهما ومذهبنا أنه يستحب دخول مكة من الثنية العليا والخروج منها من السفلى لهذا الحديث ولا فرق بين أن تكون هذه الثنية على طريقه كالمدني والشامي أو لا تكون كاليمني فيستحب لليمني وغيره أن يستدير ويدخل مكة من الثنية العليا وقال بعض أصحابنا: إنما فعلها النبي ﷺ لنها كانت على طريقه ولا يستحب لمن ليست على طريقه كاليمني وهذا ضعيف والصواب الأول وهكذا يستحب له أن يخرج من بلده من طريق ويرجع من أخرى لهذا الحديث.
٦١٩ - * روى الطبراني عن الزهري أن رسول الله ﷺ قال لعثمان يوم الفتح: "ائتني بمفتاح الكعبة" فأبطأ عليه، ورسول الله ﷺ قائم ينتظره حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق، ويقول: "ما يحبسه؟ " فسعى إليه رجل، وجعلت المرأة التي عندها المفتاح - حسبت أنه قال أم عثمان - تقول: إن أخذه منكم لم يعطيكموه أبداً فلم يزل بها عثمان، حتى أعطته المفتاح فانطلق به إلى رسول الله ﷺ ففتح الباب، ثم دخل البيت، ثم خرج والناس معه فجلس عند السقاية فقال علي بن أبي طالب: يا رسول الله لئن كنا أوتينا النبوة، وأعطينا السقاية، وأعطينا الحجابة ما قوم بأعظم نصيباً منا فكأن النبي ﷺ كره مقالته، ثم دعا عثمان بن طلحة فدفع إليه المفتاح وقال: "غيبوه" قال عبد الرزاق: فحدثت به ابن عيينة فقال: أخبرني ابن جريج أحسبه قال عن ابن أبي مليكة أن النبي ﷺ قال لعلي يومئذ حين كلمه في المفتاح: "إنما أعطيكم ما ترزؤون ولم أعطكم ما ترزؤون" يقول أعطيكم السقاية لأنكم تغرمون فيها ولم أعطكم البيت أي إنهم يأخذون من هديته، هذا قول عبد الرزاق.
стр. 877
٦٢٠ - * وروى الطبراني عن ابن عباس قال: دخل رسول الله ﷺ يوم الفتح وعلى الكعبة ثلثمائة وستون صنماً وقد شد لهم إبليس أقدامهم بالرصاص، فجاء ومعه قضيبه فجعل يهوي به إلى كل صنم منها فيخر لوجهه ويقول: "جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً" حتى مر عليها كلها.
وفي رواية البخاري ومسلم (١) عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: دخل رسول الله مكة يوم الفتح، وحول الكعبة ستون وثلاثمائة نصب، فجعل يطعنها بعود في يده، ويقول: "جاء الحق وزهق الباطل، جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد".
قال ابن حجر: قوله (بعود في يده ويقول: جاء الحق) في حديث أبي هريرة عند مسلم (يطعن في عينيه بسية القوس) وفي حديث ابن عمر عند الفاكهي وصححه ابن حبان (فيسقط الصنم ولا يمسه)، وللفاكهي والطبراني من حديث ابن عباس (فلم يبق وثن استقبله إلا سقط على قفاه، مع أنها كانت ثابتة بالأرض، وقد شد لهم إبليس أقدامها بالرصاص) وفعل النبي ﷺ ذلك لإذلال الأصنام وعابديها، ولإظهار أنها لا تنفع ولا تضر، ولا تدفع عن نفسها شيئاً. ا. هـ.
٦٢١ - * روى أحمد وأبو داود عن جابر بن عبد الله ﵄: أن النبي ﷺ أمر عمر بن الخطاب زمن الفتح وهو بالبطحاء، أن يأتي الكعبة فيمحو كل صورة فيها، فلم يدخلها النبي حتى محيت كل صورة فيها.
قال في بذل المجهود: والظاهر أن ما أمره ﷺ عمر بن الخطاب كان مختصاً بما نقش من
стр. 878
الصور على الجدران، فأمره بمحوها، وأما الأصنام وذي الأجرام منها فبقيت فيها حتى دخل رسول الله ﷺ الكعبة فأزالها بنفسه كما ثبت أن رسول الله ﷺ دخلها وفيها ثلاثمائة وستون نصباً، فيطعن فيها ويقول: "جاء الحق وزهق الباطل".
٦٢٢ - * روى أبو داود عن وهب بن منبه قال: سألت جابراً: هل غنموا يوم الفتح شيئاً؟ قال: لا.
٦٢٣ - * روى الطبراني عن سعيد بن يربوع وكان يسمى الصرم أن رسول الله ﷺ قال يوم فتح مكة: "أربعة لا أؤمنهم في حل ولا حرم: الحويرث بن نفيل، ومقيس ابن صبابة، وهلال بن خطل، وعبد الله بن أبي سرح" فأما حويرث فقتله علي ﵁، وأما مقيس بن صبابة فقتله ابن عم له بلحاء، وأما هلال بن خطل فقتله الزبير، وأما عبد الله بن سعد بن أبي سرح فاستأمن له عثمان بن عفان ﵁ وكان أخاه من الرضاعة. وقينتين كانتا لمقيس تغنيان بهجاء رسول الله ﷺ قتلت إحداهما وأفلتت الأخرى فأسلمت.
وفي رواية للحاكم (١) عن سعد بن أبي وقاص قال: لما كان يوم فتح مكة آمن رسول الله ﵌ الناس إلا أربعة نفر، وامرأتين، وقال: "اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة: عكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح".
* وفي رواية لأبي داود (٢) عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: لما كان يوم فتح مكة أمن رسول الله ﷺ الناس إلا أربعة نفر، وامرأتين، وسماهم، وابن أبي سرح. فذكر الحديث، قال: وأما ابن أبي سرح، فإنه اختبأ عند عثمان بن عفان، فلما دعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة، جاء به حتى أوقفه على النبي ﷺ ، فقال: يا نبي الله، بايع
стр. 879
عبد الله، فرفع رأسه، فنظر إليه ثلاثاً، كل ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاث، ثم أقبل على أصحابه، فقال: "أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله؟ " قالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسك، ألا أومأت إلينا بعينك؟ قال: "إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين".
قال أبو داود: وكان عبد الله أخا عثمان من الرضاعة.
وفي رواية للنسائي (١) قال: لما كان يوم فتح مكة أمن رسول الله ﷺ الناس إلا أربعة، وامرأتين، وقال: "اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة: عكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن أبي السرح" فأما عبد الله بن خطل، فأدرك وهو متعلق بأستار الكعبة، فاستبق إليه سعيد بن حريث وعمار بن ياسر، فسبق سعيد عماراً - وكان أشب الرجلين - فقتله. وأما مقيس بن صبابة، فأدركه الناس في السوق فقتلوه، وأما عكرمة فركب البحر، فأصابتهم عاصف، فقال أصحاب السفينة: أخلصوا، فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئاً ها هنا، فقال عكرمة: والله، لئن لم ينجني من البحر إلا الإلخاص، لا ينجيني في البر غيره، اللهم إن لك عهداً إن أنت عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمداً ﷺ حتى أضع يدي في يده، فلأجدنه عفواً كريماً. فجاء فأسلم. وأما عبد الله بن أبي السرح، فإنه اختبأ عند عثمان بن عفان، فلما دعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة جاء به حتى أوقفه على النبي ﷺ ، قال يا رسول الله ... وذكر الحديث إلى آخره مثل أبي داود.
٦٢٤ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁: أن النبي ﷺ دخل مكة يوم الفتح وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه جاء رجل، فقال: ابن خطل متعلق بأستار
стр. 880
الكعبة، فقال رسول الله ﷺ : "اقتلوه".
وفي الموطأ (١): ولم يكن النبي ﷺ فيما نرى يومئذ - والله أعلم - محرماً.
وقال أبو داود (٢): اسم ابن خطل: عبد الله، وكان أبو برزة الأسلمي قتله.
٦٢٥ - * روى البخاري ومسلم عن أم هانئ ﵂ أخت علي بن أبي طالب ﵁ قالت: ذهبت إلى رسول الله ﷺ عام الفتح، فوجدته يغتسل، وفاطمة ابنته تستره بثوب، فسلمت عليه، فقال: "من هذه؟ " فقلت: أنا أم هانئ بنت أبي طالب، فقال: "مرحباً بأم هانئ" فلما فرغ من غسله، قام فصلى ثماني ركعات ملتحفاً في ثوب واحد، فلما انصرف قلت: يا رسول الله، زعم ابن أمي علي: أنه قاتل رجلاً قد أجرته - فلان ابن هبيرة - فقال رسول الله ﷺ : "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ"، قالت أم هانئ: وذلك ضحى.
وفي رواية الترمذي (٣): أن أم هانئ قالت: أجرت رجلين من أحمائي، فقال رسول الله ﷺ : "قد آمنا من آمنت".
وفي رواية أبي داود (٤): أنها أجارت رجلاً من المشركين يوم الفتح، فأتت النبي ﷺ ، فذكرت له ذلك، فقال: "قد أجرنا من أجرت، وآمنا من آمنت".
قال الحافظ في الفتح: قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على جواز أمان المرأة إلا شيئاً ذكره عبد الملك بن الماجشون صاحب مالك لا أحفظ ذلك عن غيره قال: إن أمر الأمان إلى الإمام، وتأول ما ورد مما يخالف ذلك على قضايا خاصة.
стр. 881
٦٢٦ - * روى أحمد عن مطيع بن الأسود، وكان اسمه العاصي فسماه رسول الله ﷺ مطيعاً قال: سمعت رسول الله ﷺ حين أمر بقتل هؤلاء الرهط بمكة يقول: "لا تغزى مكة بعد هذا العام أبداً".
وفي رواية (١) (يوم فتح مكة)، "ولا يقتل رجل من قريش بعد العام صبراً أبداً" هذا الحديث محمول على ألا تغزى مكة على الكفر، وهو من معجزاته ﵊، فقد ارتدت العرب بعد وفاته إلا قليلاً، وكان ممن لم يرتد مكة.
٦٢٧ - * روى النسائي عن يعلى بن أمية ﵁ قال: جئت رسول الله ﷺ بأبي أمية يوم الفتح، فقلت: يا رسول الله، بايع أبي على الهجرة، فقال رسول الله ﷺ : "أبايعه على الجهاد، وقد انقطعت الهجرة".
٦٢٨ - * روى الحاكم عن أنس، قال: جاء أبو بكر ﵁ يوم فتح مكة بأبيه أبي قحافة إلى رسول الله ﵌، فقال رسول الله ﵌: "لو أقررت الشيخ في بيته لأتيناه".
٦٢٩ - * روى البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ قال يوم الفتح: "لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا".
стр. 882
٦٣٠ - * روى الطبراني عن ابن عباس قال: شهد مع رسول الله ﷺ يوم فتح مكة أو حنين ألف من بني سليم.
٦٣١ - * وروى الطبراني عن العداء بن خالد بن هوذة قال: قاتلنا رسول الله ﷺ فلم ينصرنا الله ولم يظهرنا.
* * *
стр. 883
دروس من فتح مكة
قال الدكتور السباعي:
* أما فتح مكة، ففيها من الدروس والعظات ما تضيق عن شرحه هذه الصفحات القلائل، ففيها نجد طبيعة الرسول ﷺ الداعية الذي لا يجد الحقد على مقاوميه إلى نفسه سبيلاً، فقد من عليهم بعد كفاح استمر بينه وبينهم إحدى وعشرين سنة لم يتركوا فيها طريقاً للقضاء عليه وعلى أتباعه وعلى دعوته إلا سلكوها، فلما تم له النصر عليهم، وفتح عاصمة وثنيتهم، لم يزد على أن استغفر لهم، وأطلق لهم حريتهم، وما يفعل مثل هذا في التاريخ ولكن ما يفعله رسول كريم لم يرد بدعوته ملكاً ولا سيطرة، وإنما أراد له الله أن يكون هادياً وفاتحاً للقلوب والعقول، ولهذا دخل مكة خاشعاً شاكراً لله، لا بزهو كما يفعل عظماء الفاتحين.
* وفيما فعله الرسول ﷺ مع أهل مكة حكمة أخرى، فقد علم الله أن العرب سيكونون حملة رسالته إلى العالم، فأبقى على حياة أهل مكة وهم زعماء العرب ليدخلوا في دين الله، ولينطلقوا بعد ذلك إلى حمل رسالة الهدى والنور إلى الشعوب، يبذلون من أرواحهم وراحتهم ونفوسهم ما أنقذ تلك الشعوب من عمايتها، وأخرجها من الظلمات إلى النور.
- ومما نذكره من دروسها ودروس معاركه الحربية ﷺ ، هي العبرة البالغة بما انتهت إليه دعوة الله من نصر في أمد لا يتصوره العقل، وهذا من أكبر الأدلة على أن محمداً رسول الله ﷺ ، وعلى أن الإسلام دعوة الله التي تكفل بنصرها ونصر دعاتها والمؤمنين بها والحاملين للوائها والله لا يتخلى عن دعوته وهي حق ورحمة ونور، والله هو الحق وهو الرحمن الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء، والله نور السماوات والأرض، فمن يستطيع أن يطفئ نور الله!. وكيف يرضى للباطل أن ينتصر النصر الأخير على الحق، وللهمجية والقسوة والفساد أن تكون لها الغلبة النهائية على الرحمة والصلاح.
ولقد أصاب رسول الله ﷺ والمسلمين جراح في معركتي أحد وحنين، ولابد في الدعوة من ابتلاء وجراح وضحايا (ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز) اهـ بتصرف.
стр. 884
فصل: في سرية خالد بن الوليد إلى بني جذيمة
٦٣٢ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمر قال: بعث النبي ﷺ خالد بن الوليد إلى بني جذيمة فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا. فجعل خالد يقتل منهم ويأسر. ودفع إلى كل رجل منا أسيره. حتى إذا كان يوم أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيرهن فقلت: والله لا أقتل أسيري، ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره. حتى قدمنا على النبي ﷺ فذكرناه، فرفع النبي ﷺ يديه فقال: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد" مرتين.
قال ابن حجر:
قوله: (باب بعث النبي ﷺ خالد بن الوليد إلى بني جذيمة) بفتح الجيم وكسر المعجمة ثم تحتانية ساكنة، أي ابن عامر بن عبد مناة بن كنانة. ووهم الكرماني فظن أنه من بني جذيمة بن عوف بن بكر بن عوف قبيلة من عبد قيس، وهذا البعث كان عقب فتح مكة في شوال قبل الخروج إلى حنين عند جميع أهل المغازي، وكانوا بأسفل مكة من ناحية يلملم، قال ابن سعد: بعث النبي ﷺ إليهم خالد بن الوليد في ثلاثمائة وخمسين من المهاجرين والأنصار داعياً إلى الإسلام لا مقاتلاً.
قوله (فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا) هذا من ابن عمر راوي الحديث يدل على أنه فهم أنهم أرادوا الإسلام حقيقة. ويؤيده فهمه أن قريشاً كانوا يقولون لكل من أسلم صبأ حتى اشتهرت هذه اللفظة وصاروا يطلقونها في مقام الذم، ومن ثم لما أسلم ثمامة بن أثال وقدم مكة معتمراً قالوا له: صبأت؟ قال: لا بل أسلمت. فلما اشتهرت هذه اللفظة بينهم في موضع أسلمت استعملها هؤلاء، وأما خالد فحمل هذه اللفظة على ظاهرها لأن قولهم صبأنا أي خرجنا من دين إلى دين، ولم يكتف خالد بذلك حتى يصرحوا بالإسلام. وقال الخطابي: يحتمل أن يكون خالد نقم عليهم العدول عن لفظ
стр. 885
الإسلام لأنه فهم عنهم أن ذلك وقع منهم على سبيل الأنفة ولم ينقادوا إلى الدين فقتلهم متأولاً قولهم.
قوله (فجعل خالد يقتل منهم ويأسر) في كلام ابن سعد أنه أمرهم أن يستأسروا فاستأسروا فكتف بعضهم بعضاً، وفرقهم في أصحابه، فيجمع بأنهم أعطوا بأيديهم بعد المحاربة.
قوله (فقلت والله لا أقتل أسيري ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره)، وعند ابن سعد "فأما بنو سليم فقتلوا من كان في أيديهم، وأما المهاجرون والأنصار فأرسلوا أسراهم" وفيه جواز الحلف على نفي فعل الغير إذا وثق بطواعيته. قوله (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد) قال الخطابي: أنكر عليه العجلة وترك التثبت في أمرهم قبل أن يعلم المراد من قولهم صبأنا. قوله (مرتين) زاد ابن عساكر عن عبد الرزاق "أو ثلاثة" أخرجه الإسماعيلي، وفي رواية الباقين "ثلاث مرات" وزاد الباقر في روايته "ثم دعا رسول الله ﷺ عليا فقال: "اخرج إلى هؤلاء القوم واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك" فخرج حتى جاءهم ومعه مال فلم يبق لهم أحد إلا وداه" وذكر ابن هشام في زياداته أنه انفلت منهم رجل فأتى النبي ﷺ بالخبر، فقال: "هل أنكر عليه أحد؟ " فوصف له صفة ابن عمر وسالم مولى أبي حذيفة. وذكر ابن إسحاق من حديث ابن أبي حدرد الأسلمي قال: "كنت في خيل خالد فقال لي فتى من بني جذيمة قد جمعت يداه في عنقه برمة: يا فتى هل أنت آخذ بهذه الرمة فقائدي إلى هؤلاء النسوة؟ فقلت: نعم، فقدته بها فقال: اسلمي حبيش، قبل نفاد العيش.
أريتك إن طالبتكم فوجدتكم ... بحلية أو أدركتكم بالخوانق
الأبيات، قال فقالت له امرأة منهن: وأنت نجيت عشراً، وتسعاً ووتراً، وثمانياً تترى. قال: ثم ضربت عنق الفتى، فأكبت عليه فما زالت تقبله حتى ماتت" وقد روى النسائي والبيهقي في "الدلائل" بإسناد صحيح من حديث ابن عباس نحو هذه القصة وقال فيها "فقال إني لست منهم، إني عشقت امرأة منهم فدعوني أنظر إليها نظرة - قال فيه - فضربوا عنقه، فجاءت المرأة فوقعت عليه فشهقت شهقة أو شهقتين ثم ماتت، فذكروا
стр. 886
ذلك للنبي ﷺ فقال: "أما كان فيكم رجل رحيم"؟ وأخرجه البيهقي من طريق ابن عاصم عن أبيه نحو هذه القصة وقال في آخرها "فانحدرت إليه من هودجها فحنت عليه حتى ماتت".
تعليق:
رغم أن خالداً ﵁ قد أخطأ في قتل ناس لم يحسنوا أني قولوا: أسلمنا، فإن النبي ﷺ لم يشتد عليه وأصلح خطأه بالتعويض عن القتلى والأموال. وفي هذا درس لنا أن الذي يعمل معرض للخطأ فعلينا أن نترفق به وعلى الأقل ألا نحمله إثم ما جرى بسبب خطئه ما دام محلاً للاجتهاد وقد أنيط به أن يجتهد.
* * *
стр. 887
فصل: في غزوة حنين
قال ابن حجر في الفتح:
قال أهل المغازي: خرج النبي ﷺ إلى حنين لست خلت من شوال: وقيل لليلتين بقيتا من رمضان. وجمع بعضهم بأنه بدأ بالخروج في أواخر رمضان وسار سادس شوال؛ وكان وصوله إليها في عاشره، وكان السبب في ذلك أن مالك بن عوف النصري جمع القبائل من هوازن ووافقه على ذلك الثقفيون، وقصدوا محاربة المسلمين، فبلغ ذلك النبي ﷺ فخرج إليهم. قال عمر بن شبة في "كتاب مكة": حدثنا الحزامي يعني إبراهيم بن المنذر حدثنا ابن وهب عن ابن أبي الزناد عن أبيه عن عروة أنه كتب إلى الوليد: أما بعد: فإنك تكتب إلي تسألني عن قصة الفتح، فذكر له وقتها، فأقام عامئذ بمكة نصف شهر، ولم يزد على ذلك حتى أتاه أن هوازن وثقيفا قد نزلوا حنينا يريدون قتال رسول الله ﷺ وكانوا قد جمعوا إليه ورئيسهم مالك بن عوف.
٦٣٣ - * روى الحاكم عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﵌، استعار من صفوان بن أمية أدرعاً وسلاحاً في غزوة حنين فقال: يا رسول الله أعارية مؤداة؟ قال: "عارية مؤداة".
٦٣٤ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ حين - أراد حنيناً -: "منزلنا غداً إن شاء الله بخيف بني كنانة، حيث تقاسموا على الكفر".
في رواية (١) "منزلنا إن شاء الله إذا فتح الله الخيف، حيث تقاسموا على الكفر".
стр. 888
٦٣٥ - * روى أبو داود عن سهل بن الحنظلية ﵁ قال: إنهم ساروا مع رسول الله ﷺ يوم حنين، فأطنبوا السير، حتى كانت عشية، فحضرت الصلاة عند رسول الله ﷺ ، فجاء رجل فارس فقال: يا رسول الله، إني انطلقت بين أيديكم حتى طلعت على جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهوازن عن بكرة أبيهم بظعنهم ونعمهم وشائهم اجتمعوا إلى حنين، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: "تلك غنيمة المسلمين غداً إن شاء الله تعالى" ثم قال: "من يحرسنا الليلة؟ " قال أنس بن أبي مرثد الغنوي: أنا يا رسول الله، قال: "فاركب"، فركب فرساً له، فجاء إلى رسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ "استقبل هذا الشعب حتى تكون في أعلاه، ولا نغرن من قبلك الليلة"، فلما أصبحنا خرج رسول الله ﷺ إلى مصلاه، فركع ركعتين، ثم قال: "هل أحسستم فارسكم؟ " قال: قالوا: يا رسول الله، ما أحسسناه، فثوب بالصلاة، فجعل رسول الله ﷺ يصلي وهو يلتفت إلى الشعب، حتى إذا قضى صلاته وسلم قال: "أبشروا فقد جاءكم فارسكم" فجعلنا ننظر إلى خلال الشجر في الشعب، فإذا هو قد جاء، حتى وقف على رسول الله ﷺ ، فسلم فقال: إني انطلقت، حتى كنت في أعلى هذا الشعب، حَيْثُ أمرني رسول الله ﷺ ، فلما أصبحت طلعت الشعبين كليهما، فنظرت، فلم أر أَحَدًا، فقال له رسول الله ﷺ : "هل نزلت الليلة؟ " قال: لا، إلا مصلياً، أو قَاضِيَ حاجة، فقال له رسول الله ﷺ : "قد أوجبت، فلا عليك أن لا تعمل بَعْدَهَا".
٦٣٦ - * روى مسلم عن أنس بن مالك قال: افتتحنا مكة، ثم إنا غزونا حنيناً،
стр. 889
قال: فجاء المشركون بأحسن صفوف رأيت، قال فصفت الخيل، ثم صفت المقاتلة، ثم صفت النساء من وراء ذلك، ثم صفت الغنم، ثم صفت النعم، قال: ونحن بشر كثير قد بلغنا ستة آلاف، وعلى مجنبة خيلنا خالد بن الوليد، قال: فجعلت خيلنا تلوي خلف ظهورنا، فلم نلبث أن انكشفت خيلنا، وفرت الأعراب، ومن نعلم من الناس، قال: فنادى رسول الله ﷺ : "يا للمهاجرين، يا للمهاجرين" ثم قال: "يا للأنصار، يا للأنصار" - قال: قال أنس: هذا حديث عمية - قال: قلنا: لبيك يا رسول الله، قال: فتقدم رسول الله ﷺ ، قال: وايم الله، ما أتيناهم حتى هزمهم الله. قال: فقبضنا ذلك المال، ثم انطلقنا إلى الطائف، فحاصرناهم أربعين ليلة، ثم رجعنا إلى مكة، فنزلنا، قال: فجعل رسول الله ﷺ يعطي الرجل المائة من الإبل.
٦٣٧ - * روى أحمد وأبو يعلى عن جابر بن عبد الله قال: لما استقبلنا وادي حنين قال:
стр. 890
انحدرنا في واد من أودية تهامة أجوف حطوط، إنما ننحدر فيه انحداراً قال: وفي عماية الصبح وقد كان القوم كمنوا لنا في شعابه وفي أجنابه ومضائقه قد أجمعوا وتهيئوا وأعدوا قال: فوالله ما راعنا ونحن منحطون إلا الكتائب قد شدت علينا شدة رجل واحد وانهزم الناس راجعين فانشمروا لا يلوي أحدٌ على أحدٍ، وانحاز رسول الله ﷺ ذات اليمين، ثم قال: "إلي أيها الناس هلم إلي، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله" قال: فلا شيء احتملت الإبل، بعضها بعضاً، فانطلق الناس، إلا أن مع رسول الله ﷺ رهطاً من المهاجرين والأنصار وأهل بيته غير كثير، وفيمن ثبت معه أبو بكر وعمر ومن أهل بيته علي بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب وابنه الفضل بن عباس، وأبو سفيان بن الحارث، وربيعة بن الحارث وأيمن بن عبيد وهو ابن أم أيمن وأسامة بن زيد. قال ورجل من هوازن على جمل له أحمر في يده راية له سوداء، في رأس رمح طويل له أمام الناس وهوازن خلفه، فإذا أدرك طعن برمحه، فإذا فاته الناس رفعه لمن وراءه، فاتبعوه. قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه جابر بن عبد الله قال: بينما ذلك الرجل من هوازن صاحب الراية على جمله ذلك يصنع ما يصنع، إذ هوى له علي بن أبي طالب ورجل من الأنصار يريدانه، قال: فيأتيه علي من خلفه فيضرب عرقوبي الجمل فيوقع على عجزه، ووثب الأنصاري على الرجل فضربه ضربة أطن قدمه بنصف ساقه فانجعف عن رحله واجتلد الناس فوالله ما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأساري مكتفين عند رسول الله ﷺ . وزاد أبو يعلى: وصرخ حين كانت الهزيمة كلدة وكان أخا صفوان ابن أمية يومئذ مشركاً في المدة
стр. 891
التي ضرب له رسول الله ﷺ : ألا بطل السحر اليوم. فقال له صفوان: اسكت فض الله فاك فوالله لأن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن.
٦٣٨ - * روى مسلم عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: غزونا مع رسول الله ﷺ هوازن، فبينا نحن نتضحى مع رسول الله ﷺ إذ جاء رجل على جمل أحمر، فأناخه، ثم انتزع طلقاً من حقبه، فقيد به الجمل ثم تقدم يتغدى مع القوم، وجعل ينظر، وفينا ضعفة، ورقة من الظهر، وبعضنا مشاة، إذ خرج يشتد، فأتى جمله فأطلق قيده، ثم أناخه، وقعد عليه، فأثاره، فاشتد به الجمل، فاتبعه رجل على ناقة ورقاء، قال سلمة: وخرجت أشتد، فكنت عند ورك الناقة، ثم تقدمت حتى كنت عند ورك الجمل، ثم تقدمت حتى اخذت بخطام الجمل، فأنخته، فلما وضع ركبته في الأرض اخترطت سيفي، فضربت رأس الرجل فندر، ثم جئت بالجمل أقوده عليه رحله وسلاحه، فاستقبلني رسول الله ﷺ والناس معه، فقال: "من قتل الرجل؟ " قالوا: ابن الأكوع، قال: "له سلبه أجمع".
وفي رواية (١) قال: أتى النبي ﷺ عين من المشركين وهو في سفر، فجلس عند أصحابه يتحدث، ثم انفتل، فقال النبي ﷺ : "اطلبوه واقتلوه" فقتلته، فنفلني سلبه.
стр. 892
٦٣٩ - * روى مسلم عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: غزونا مع رسول الله ﷺ حنيناً فلما واجهنا العدو تقدمت، فأعلو ثنية، فاستقبلني رجل من العدو، فأرميه بسهم، فتوارى عني، فما دريت ما صنع ونظرت إلى القوم، فإذا هم قد طلعوا من ثنية أخرى، فالتقوا هم وصحابة النبي ﷺ ، فولى صحابة النبي ﷺ ، وأرجع منهزماً وعلي بردتان، متزر بإحداهما، مرتد بالأخرى، فاستطلق إزاري، فجمعتهما جميعاً، ومررت على رسول الله ﷺ منهزماً، وهو على بغلته الشهباء فقال رسول الله ﷺ : "لقد رأى ابن الأكوع فزعاً" فلما غشوا رسول الله ﷺ نزل عن البغلة، ثم قبض قبضة من تراب من الأرض، ثم استقبل به وجوههم، فقال: "شاهت الوجوه" فما خلق الله منهم إنساناً إلا ملأ عينيه تراباً بتلك القبضة، فولوا مدبرين، فهزمهم الله ، وقسم رسول الله ﷺ غنائمهم بين المسلمين.
٦٤٠ - روي البزار عن بريدة قال: تفرق الناس عن رسول الله ﷺ يوم حنين فلم يبق معه إلا رجل يقال له زيد وهو آخذ بعنان بغلة رسول الله ﷺ الشهباء، فقال له رسول الله ﷺ : "ويحك ادع الناس" فنادى زيد يا أيها الناس هذا رسول الله ﷺ يدعوكم، فلم يجئ أحد فقال: "ادع الأنصار" فقال: يا معشر الأنصار رسول الله ﷺ يدعوكم، فلم يجئ أحد فقال: "ويحك خص الأوس والخزرج". فنادى: يا معشر
стр. 893
الأوس والخزرج هذا رسول الله ﷺ يدعوكم، فلم يجئ أحد فقال: "ويحك خص المهاجرين، فإن لي في أعناقهم بيعة" قال فحدثني بريدة أنه أقبل منهم ألف قد طرحوا الجفون حتى أتوا رسول الله ﷺ فمشوا قدماً حتى فتح الله عليهم.
٦٤١ - * روى الطبراني عن الحارث بن بدل قال: شهدت رسول الله ﷺ يوم حنين فانهزم أصحابه أجمعون إلا العباس بن عبد المطلب وأبا سفيان بن الحارث، فرمى رسول الله ﷺ وجوهنا بقبضة من الأرض، فانهزمنا فما يخيل إلي أن شجرة ولا حجراً إلا وهو في آثارنا.
٦٤٢ - * روى البخاري عن أبي إسحاق أنه سمع البراء - وسأله رجل من قيس: أفررتم عن رسول الله ﷺ يوم حنين؟ - فقال: لكن رسول الله ﷺ لم يفر، كانت هوازن رماة وإنا لما حملنا عليهم انكشفوا فأكببنا على الغنائم، فاستقبلنا بالسهام. ولقد رأيت رسول الله ﷺ على بغلته البيضاء، وإن أبا سفيان بن الحارث آخذ بزمامها وهو يقول: "أنا النبي لا كذب" قال إسرائيل وزهير: نزل النبي ﷺ عن بغلته.
٦٤٣ - * روى الحاكم عن أنس بن مالك ﵁ قال: التقى يوم حنين أهل مكة وأهل المدينة واشتد القتال فولوا مدبرين فندب رسول الله ﵌ الأنصار، فقال: "يا معشر المسلمين أنا رسول الله" فقالوا: إليك والله جئنا فنكسوا رؤوسهم ثم قاتلوا حتى فتح الله عليهم.
٦٤٤ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: لقد رأيتنا يوم
стр. 894
حنين، وإن الفئتين لموليتان - يعني: المهاجرين والأنصار - وما مع رسول الله ﷺ مائة رجل.
٦٤٥ - * روى أبو داود عن البراء بن عازب ﵁ قال: لما لقي النبي ﷺ المشركين يوم حنين، فانكشفوا، نزل عن بغلته فترجل.
٦٤٦ - * روى مسلم عن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: شهدت مع رسول الله ﷺ يوم حنين، فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله ﷺ ، فلم نفارقه، ورسول الله ﷺ على بغلة له بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي. فلما التقى المسلمون والكفار، ولى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله ﷺ يركض بغلته قبل الكفار، قال عباس: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله ﷺ أكفها إرادة أن لا تسرع وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "أي عباس، ناد أصحاب السمرة" فقال عباس - وكان رجلاً صيتاً - فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة؟ قال: فوالله، لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها، فقالوا: يا لبيك، يا لبيك، قال: فاقتتلوا والكفار، والدعوة في الأنصار، يقولون: يا معشر الأنصار، يا معشر الأنصار، قال: ثم قصرت الدعوة على بني الحارث ابن الخزرج فقالوا: يا بني الحارث بن الخزرج! يا بني الحارث بن الخزرج! فنظر النبي ﷺ وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم فقال رسول الله ﷺ : "هذا حين حمي الوطيس" قال: ثم أخذ رسول الله ﷺ حصيات، فرمى بهن وجوه الكفار ثم قال: "انهزموا ورب محمد"
стр. 895
قال: فذهبت أنظر، فإذا القتال على هيئته فيما أرى، قال: فوالله، ما هو إلا أن رماهم بحصياته، فما زلت أرى حدهم كليلاً، وأمرهم مدبراً.
فوالله، ما هو إلا أن رماهم بحصياته، فما زلت أرى حدهم كليلاً، وأمرهم مدبراً.
وفي رواية نحوه (١)، غير أنه قال: فروة بن نعامة الجذامي. وقال: "انهزموا ورب الكعبة، انهزموا ورب الكعبة" وزاد في الحديث: حتى هزمهم الله، قال: وكأني أنظر إلى النبي ﷺ يركض خلفهم على بغلته.
قال النووي: حنين واد بين مكة والطائف وراء عرفات بينه وبين مكة بضعة عشر ميلاً وهو مصروف كما جاء به القرآن العزيز.
وقال: قال العلماء: وركوبه ﷺ البغلة في موطن الحرب وعند اشتداد البأس هو النهاية في الشجاعة والثبات.
ولأنه أيضاً يكون معتمداً، يرجع المسلمون إليه وتطمئن قلوبهم به وبمكانه. وإنما فعل هذا عمداً، وإلا فقد كانت له ﷺ أفراس معروفة ومما ذكره في هذا الحديث من شجاعته ﷺ تقدمه يركض بغلته إلى جمع المشركين وقد فر الناس عنه. وفي الرواية الأخرى أنه نزل إلى الأرض حين غشوه وهذه مبالغة في الثبات والشجاعة والصبر. وقيل فعل ذلك مواساة لمن كان نازلاً على الأرض من المسلمين وقد أخبرت الصحابة رضي الله تعالى عنهم بشجاعته ﷺ في جميع المواطن. وفي صحيح مسلم قال: إن الشجاع منا الذي يحاذي به وإنهم كانوا يتقون به أ. هـ.
٦٤٧ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما كان يوم حنين أقبلت هوازن وغطفان وغيرهم بنعمهم وذراريهم ومع النبي ﷺ عشرة آلاف ومن الطلقاء، فأدبروا عنه حتى بقي وحده، فنادى يومئذ نداءين لم يخلط بينهما: التفت عن يمينه
стр. 896
فقال: "يا معشر الأنصار" قالوا: لبيك يا رسول الله، أبشر نحن معك. ثم التفت عن يساره فقال: "يا معشر الأنصار" قالوا لبيك يا رسول الله، أبشر نحن معك. وهو على بغلة بيضاء، فنزل فقال: "أنا عبد الله ورسوله" فانهزم المشركون، فأصاب يومئذ غنائم كثيرة، فقسم في المهاجرين والطلقاء ولم يعط الأنصار شيئاً، فقالت الأنصار: إذا كانت شديدة فنحن ندعى، ويعطى الغنيمة غيرنا. فبلغه ذلك، فجمعهم في قبة فقال: "يا معشر الأنصار، ما حديث بلغني عنكم؟ " فسكتوا. فقال: "يا معشر الأنصار، ألا ترضون أن يذهب الناس بالدنيا، وتذهبون برسول الله ﷺ تحوزونه إلى بيوتكم؟ " قالوا: بلى. فقال النبي ﷺ : "لو سلك الناس وادياً: وسلكت الأنصار شعباً، لأخذت شعب الأنصار" وقال هشام: قلت يا أبا حمزة، وأنت شاهد ذلك؟ قال: وأين أغيب عنه؟.
٦٤٨ - * روى الحاكم عن عياض بن الحارث الأنصاري: أن رسول الله ﵌ أتى هوازن في اثني عشر ألفاً، فقتل من أهل الطائف يوم حنين مثل من قتل يوم بدر، فأخذ رسول الله ﵌ كفاً من حصى، فرمى بها وجوهنا، فانهزمنا.
٦٤٩ - * وروى الحاكم عن أنس بن مالك ﵁ أن هوازن جاءت يوم حنين بالنساء والصبيان والإبل والغنم فصفوهم صفوفاً ليكثروا على رسول الله ﵌ فالتقى المسلمون والمشركون، فولى المسلمون مدبرين كما قال الله تعالى. فقال رسول الله ﵌: "أنا عبد الله ورسوله". وقال: "يا معشر الأنصار أنا عبد الله ورسوله" فهزم الله المشركين ولم يطعن برمح ولم يضرب بسيف فقال النبي ﵌ يومئذ: "من قتل كافراً فله سلبه" فقتل أبو قتادة يومئذ عشرين رجلاً وأخذ أسلابهم، فقال أبو قتادة: يا رسول الله ضربت رجلاً على حبل العاتق
стр. 897
وعليه درع له فأعجلت عنه أن آخذ سلبه، فانظر من هو يا رسول الله، فقال رجل: يا رسول الله أنا أخذتها فأرضه منها فأعطنيها. فسكت النبي ﵌، وكان لا يسأل شيئاً إلا أعطاه أو سكت فقال عمر: لا والله لا يفيء الله على أسد من أسده ويعطيكها، فضحك رسول الله ﵌.
٦٥٠ - * روى البخاري ومسلم عن أبي قتادة ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حنين، فلما التقينا كانت للمسلمين جولة، قال: فرأيت رجلاً من المشركين قد علا رجلاً من المسلمين، فاستدرت إليه حتى أتيته من ورائه، فضربته على حبل عاتقه، وأقبل علي، فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت فأرسلني، فلحقت عمر ابن الخطاب، فقال: ما للناس؟ فقلت: أمر الله، ثم إن الناس رجعوا، وجلس رسول الله ﷺ ، فقال: "من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه" قال: فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست، ثم قال مثل ذلك، فقال: فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست، ثم قال ذلك الثالثة، فقمت، فقال رسول الله ﷺ : "مالك يا أبا قتادة؟ " فقصصت عليه القصة، فقال رجل من القوم: صدق يا رسول الله، سلب ذلك القتيل عندي، فأرضه من حقه، وقال أبو بكر الصديق: لاها الله إذاً، لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله، فيعطيك سلبه، فقال رسول الله ﷺ : "صدق، فأعطه إياه" فأعطاني، فبعت الدرع، فابتعت به مخرفاً في بني سلمة، فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام.
стр. 898
وفي رواية (١) قال: لما كان يوم حنين نظرت إلى رجل من المسلمين يقاتل رجلاً من المشركين، وآخر من المشركين يختله من ورائه ليقتله، فأسرعت إلى الذي يختله، فرفع يده ليضربني، وأضرب يده، فقطعتها، ثم أخذني فضمني ضماً شديداً حتى تخوفت ثم ترك فتحلل، ودفعته ثم قتلته، وانهزم المسلمون وانهزمت معهم، فإذا بعمر بن الخطاب في الناس، فقلت له: ما شأن الناس؟ فقال: أمر الله، ثم تراجع الناس إلى رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "من أقام بينة على قتيل قتله فله سلبه" فقمت لألتمس بينة على قتيلي، فلم أر أحداً يشهد لي، فجلست، ثم بدا لي فذكرت أمره لرسول الله ﷺ ، فقال رجل من جلسائه: سلاح هذا القتيل الذي يذكر عندي، فأرضه منه، فقال أبو بكر: كلا، لا يعطه أصيبغ من قريش، ويدع أسداً من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله، قال: فقام رسول الله ﷺ ، فأداه إلي، فاشتريت منه خرافاً، فكان أول مال تأثلته في الإسلام.
٦٥١ - * روى البزار عن أنس أن رسول الله ﷺ قال يوم حنين: "جزوهم جزاً" وأومأ بيده إلى الحلق.
٦٥٢ - * روى الطبراني عن يزيد بن عامر السوائي أنه قال: عند انكشافة انكشفها
стр. 899
المسلمون يوم حنين فتبعتهم الكفار، فأخذ رسول الله ﷺ قبضة من الأرض، فرمى بها وجوههم، وقال "ارجعوا شاهت الوجوه" فما منا من أحد يلقى أخاه إلا وهو يشكو القذى ويمسح عينيه.
٦٥٣ - * وروى الطبراني عن يزيد بن عامر السوائي وكان شهد حنيناً مع المشركين ثم أسلم قال: سألناه عن الرعب الذي ألقاه الله في قلوبهم يوم حنين، كيف كان؟ فأخذ حصاة، فرمى بها طستاً فطن قال: كنا نجد في أجوافنا مثل هذا.
٦٥٤ - * روى الطبراني عن عمرو بن دينار قال: لا أعلمه إلا عن جابر أن رسول الله ﷺ ، قال يوم حنين: "الآن حمي الوطيس" ثم قال: "هزموا ورب الكعبة".
٦٥٥ - * روى الحاكم عن العباس بن عبد المطلب قال: شهدت مع رسول الله ﵌ يوم حنين فلقد رأيته وما معه إلا أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وهو آخذ بلجام بغلة رسول الله ﵌ وهو راكبها وأبو سفيان لا يألو أن يسرع نحو المشركين.
٦٥٦ - * روى الطبراني عن زيد بن أرقم قال: انهزم الناس عن رسول الله ﷺ يوم حنين فقال:
أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب
٦٥٧ - * روى البخاري ومسلم عن أبي إسحاق السبيعي قال: جاء رجل إلى البراء، فقال
стр. 900
أكنتم وليتم يوم حنين، يا أبا عمارة؟ فقال: أشهد على نبي الله ﷺ ما ولى، ولكنه انطلق أخفاء من الناس وحسر إلى هذه الحي من هوازن، وهم قوم رماة، فرموهم برشق من نبل، كأنها رجل من جراد، فانكشفوا، فأقبل القوم إلى رسول الله ﷺ ، وأبو سفيان بن الحارث يقود بغلته، فنزل ودعا واستنصر، وهو يقول:
أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب
"اللهم نزل نصرك" - زاد أبو خيثمة: ثم صفهم - قال البراء: كنا والله إذا حمر البأس نتقي به، وإن الشجاع الذي يحاذي به - يعني النبي ﷺ .
ولمسلم قال: (١) قال رجل للبراء: يا أبا عمارة، فررتم يوم حنين؟ قال: لا والله، ما ولى رسول الله ﷺ ، ولكنه خرج شبان أصحابه وأخفاؤهم حسراً، ليس عليهم سلاح - أو كثير سلاح - فلقوا قوماً رماة، لا يكاد يسقط لهم سهم - جمع هوازن وبني نصر - فرشقوهم رشقاً، ما يكادون يخطئون، فأقبلوا هناك إلى رسول الله ﷺ ، ورسول الله ﷺ على بغلته البيضاء، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يقود به، فنزل واستنصر وقال:
أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب
ثم صفهم.
وفي رواية نحوه (٢)، وفيه: وإنا لما حملنا عليهم انكشفوا، فأكببنا على الغنائم،
стр. 901
فاستقبلنا بالسهام، ولقد رأيت النبي ﷺ على بغلته البيضاء، وإن أبا سفيان بن الحارث آخذ بزمامها، وهو - أي النبي ﷺ يقول:
أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب
وفي رواية لهما وللترمذي (١) قال: قال له رجل: أفررتم عن رسول الله ﷺ يا أبا عمارة؟ قال: لا والله، ما ولى رسول الله ﷺ ، ولكن ولى سرعان الناس؟ تلقتهم هوازن بالنبل، ورسول الله ﷺ على بغلته، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب آخذ بلجامها، ورسول الله ﷺ يقول:
أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب
قال في الفتح: قوله (أما أنا فأشهد على النبي ﷺ أنه لم يول) تضمن جواب البراء إثبات الفرار لهم، لكن لا على طريق التعميم، وأراد أن إطلاق السائل يشمل الجميع حتى النبي ﷺ لظاهر الرواية الثانية، ويمكن الجمع بين الثانية والثالثة بحمل المعية على ما قبل الهزيمة فبادر إلى استثنائه ثم أوضح ذلك، وختم حديثه بأنه لم يكن أحدي ومئذ أشد منه ﷺ . قال النووي: هذا الجواب من بديع الأدب، لأن تقدير الكلام فررتم كلكم، فيدخل فيهم النبي ﷺ ، فقال البراء: لا والله ما فر رسول الله ﷺ ، ولكن جرى كيت وكيت، فأوضح أن فرار من فر لم يكن على نية الاستمرار في الفرار، وإنما انكشفوا من وقع السهام.
وأما نسبته إلى عبد المطلب دون أبيه عبد الله فكأنها لشهرة عبد المطلب بين الناس لما رزق من نباهة الذكر وطول العمر، بخلاف عبد الله فإنه مات شاباً، ولهذا كان كثير من العرب يدعونه ابن عبد المطلب، كما قال ضمان بن ثعلبة لما قدم: أيكم ابن عبد المطلب؟ وقيل لأنه كان اشتهر بين الناس أنه يخرج من ذرية عبد المطلب رجل يدعو إلى الله ويهدي الله الخلق على يديه ويكون خاتم الأنبياء، فانتسب إليه ليتذكر ذلك من كان
стр. 902
يعرفه، وقد اشتهر ذلك بينهم، وذكره سيف بن ذي يزن قديماً لعبد المطلب قبل أن يتزوج عبد الله آمنة وأراد النبي ﷺ تنبيه أصحابه بأنه لابد من ظهوره وأن العاقبة له لتقوى قلوبهم إذا عرفوا أنه ثابت غير منهزم، وأما قوله "لا كذب" ففيه إشارة إلى أن صفة النبوة يستحيل معها الكذب، فكأنه قال: أنا النبي، والنبي لا يكذب، فلست بكاذب فيما أقول حتى أنهزم، وأنا متيقن بأن الذي وعدني الله به من النصر حق، فلا يجوز علي الفرار. وقيل: معنى قوله "لا كذب" أي أنا النبي حقاً لا كذب في ذلك.
وفي الحديث من الفوائد حسن الأدب في الخطاب، والإرشاد إلى حسن السؤال بحسن الجواب. وذم الإعجاب. وفيه جواز الانتساب إلى الآباء ولو ماتوا في الجاهلية، والنهي عن ذلك محمول على ما هو خارج الحرب. ومثله الرخصة في الخيلاء في الحرب دون غيرها. وجواز التعرض إلى الهلاك في سبيل الله. ولا يقال كان النبي ﷺ متيقناً للنصر لوعد الله تعالى له بذلك وهو حق، لأن أبا سفيان بن الحارث قد ثبت معه آخذاً بلجام بغلته وليس هو في اليقين مثل النبي ﷺ . وقد استشهد في تلك الحالة أيمن بن أم أيمن. وفيه ركوب البغلة إشارة إلى مزيد الثبات، لأن ركوب الفحولة مظنة الاستعداد للفرار والتولي، وإذا كان رأس الجيش قد وطن نفسه على عدم الفرار وأخذ بأسباب ذلك كان ذلك أدعى لأتباعه على الثبات. وفيه شهرة الرئيس نفسه في الحرب مبالغة في الشجاعة وعدم المبالاة بالعدو أ. هـ.
قال النووي: ومعنى قوله ﷺ أنا النبي لا كذب أي أنا النبي حقاً فلا أفر ولا أزول وفي هذا دليل على جواز قول الإنسان في الحرب أنا فلان وأنا ابن فلان ومثله قول سلمة أنا ابن الأكوع وقول علي ﵁: أنا الذي سمتني أمي حيدرة، وأشباه ذلك. وقد صرح بجوازه علماء السلف، وفيه حديث صحيح قالوا: وإنما يكره قول ذلك على وجه الافتخار؛ كفعل الجاهلية. والله أعلم أ. هـ
٦٥٨ - * روى الحاكم عن جابر ﵁ قال: ندب رسول الله ﵌، يوم حنين الأنصار فقال: "يا معشر الأنصار" فأجابوه لبيك أبينا أنت وأمنا
стр. 903
يا رسول الله قال: "أقبلوا بوجوهكم إلى الله وإلى رسوله، يدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار" فأقبلوا ولهم حنين، حتى أحدقوا به كبكبة تحاك مناكبهم يقاتلون حتى هزم الله المشركين.
٦٥٩ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁: أن أم سليم اتخذت يوم حنين خنجراً فكان معها، فرآها أبو طلحة، فقال: يا رسول الله هذه أم سليم معها خنجر. فقال لها رسول الله ﷺ : "ما هذا الخنجر؟ " قالت: اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت به بطنه، فجعل رسول الله ﷺ يضحك، قالت: يا رسول الله، اقتل من بعدنا من الطلقاء انهزموا بك. فقال رسول الله ﷺ : "يا أم سليم، إن الله قد كفى وأحسن".
وفي رواية أبي داود (٢) قال رسول الله ﷺ يومئذ - يعني يوم حنين -: "من قتل كافراً فله سلبه" فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلاً، وأخذ أسلابهم، ولقي أبو طلحة أم سليم ومعها خنجر، فقال: يا أم سليم، ما هذا معك؟ قالت: أردت والله إن دنا مني بعضهم أبع جبه بطنه، فأخبر بذلك أبو طلحة رسول الله ﷺ .
٦٦٠ - * روى أحمد والبزار عن عبد الله بن مسعود قال: كنت مع النبي ﷺ يوم حنين قال: فولى الناس وثبت معه ثمانون رجلاً من المهاجرين والأنصار فنكصنا على أقدامنا نحواً من ثمانين قدماً، ولم نولهم الدبر وهم الذين أنزل الله عليهم السكينة، قال: ورسول الله ﷺ على بغلته يمضي قدماً، فحادت به بغلته فمال عن السرج، فقلت: ارتفع رفعك الله. فقال: "ناولني كفاً من تراب" فضرب به
стр. 904
وجوههم فامتلأت أعينهم تراباً، قال: "أين المهاجرون والأنصار؟ " قلت: هم أولاء، قال: "اهتف بهم" فهتفت بهم فجاءوا وسيوفهم بأيمانهم كأنها الشهب، وولى المشركون أدبارهم.
٦٦١ - * روى النسائي عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: أخذ رسول الله ﷺ يوم حنين وبرة من جنب بعير. فقال: "يا أيها الناس، إنه لا يحل لي مما أفاء الله عليكم قدر هذه، إلا الخمس والخمس مردود عليكم".
٦٦٢ - * روى البخاري عن جبير بن مطعم ﵁: أنه بينما هو يسير مع رسول الله ﷺ ، ومعه الناس، مقفله من حنين، فعلقت الناس يسألونه حتى اضطروه إلى سمرة، فخطفت رداءه، فوقف النبي ﷺ فقال: "أعطوني ردائي، لو كان لي عدد هذه العضاه نعماً لقسمته، ثم لا تجدوني بخيلاً ولا كذوباً ولا جباناً".
٦٦٣ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن زيد بن عاصم قال: لما أفاء الله على رسوله ﷺ يوم حنين قسم في الناس في المؤلفة قلوبهم، ولم يعط الأنصار شيئاً، فكأنهم وجدوا، إذ لم يصبهم ما أصاب الناس، فخطبهم، فقال: "يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟ وعالة فأغناكم الله بي". كلما قال شيئاً، قالوا: الله ورسوله أمن، قال: "ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله ﷺ ؟ ". قال: كلما قال شيئاً قالوا: الله ورسوله أمن، قال: "لو شئتم قلتم: جئتنا كذا وكذا، ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وتذهبون بالنبي
стр. 905
إلى رحالكم؟ لولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار، ولو سلك الناس وادياً وشعباً لسلكت وادي الأنصار وشعبها، الأنصار شعار، والناس دثار، إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض".
وذكر في رواية (١): فقال: "أما إنكم لو شئتم أن تقولوا: جئتنا طريداً فآويناك، وشريداً فنصرناك، وكذا وكذا".
٦٦٤ - * روى مسلم عن رافع بن خديج ﵁ قال: أعطى رسول الله ﷺ أبا سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، وعيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، كل إنسان منهم مائة من الإبل، وأعطى عباس بن مرداس دون ذلك، فقال عباس بن مرداس:
أتجعل نهبي ونهب العبيـ ... ـد بين عيينة والأقرع؟
فما كان بدر ولا حابس ... يفوقان مرداس في المجمع
وما كنت دون امرئ منهما ... ومن تخفض اليوم لا يرفع
قال: فأتم له رسول الله ﷺ مائة.
٦٦٥ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: لما كان يوم حنين آثر النبي ﷺ أناساً في القسمة: فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل. وأعطى عيينة مثل ذلك. وأعطى أناساً من أشراف العرب فآثرهم يومئذ في القسمة. قال رجل:
стр. 906
والله إن هذه القسمة ما عدل فيها وما أريد بها وجه الله. فقلت والله لأخبرن النبي ﷺ . فأتيته فأخبرته. فقال: "فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟ رحم الله موسى. قد أوذي بأكثر من هذا فصبر".
٦٦٦ - * روى أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: لما أعطى رسول الله ﷺ ما أعطى من تلك العطايا في قريش وقبائل العرب ولم يكن في الأنصار منها شيء وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم حتى كثرت فيهم القالة، حتى قال قائلهم لقي رسول الله ﷺ قومه، فدخل عليه سعد بن عبادة فقال: يا رسول الله إن هذا الحي قد وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت، قسمت في قومك وأعطيت عطايا عظاماً في قبائل العرب ولم يكن في هذا الحي من الأنصار شيء قال: "فأين أنت من ذلك يا سعد" قال: يا رسول الله ما أنا إلا امرؤ من قومي وما أنا. قال: "فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة" قال: فخرج سعد فجمع الناس في تلك الحظيرة قال: فجاء رجال من المهاجرين فتركهم فدخلوا وجاء آخرون فردهم، فلما اجتمعوا أتاه سعد فقال: قد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار قال فأتاهم رسول الله ﷺ ، فحمد الله واثنى عليه بالذي هو له أهل ثم قال: "يا معشر الأنصار ما قالة بلغتني عنكم وجدة وجدتموها في أنفسكم؟ ألم آتكم ضلالاً فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألف بين قلوبكم؟ " قالوا: بل الله ورسوله أمن وأفضل. قال: "ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟ " قالوا: وبماذا نجيبك يا رسول الله ولرسوله المن والفضل؟ قال: "أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم وصدقتم أتيتنا مكذباً فصدقناك ومخذولاً فنصرناك وطريداً فآويناك وعائلاً فأغنيناك أوجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوماً ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم؟ أفلا ترضون يا معشر
стр. 907
الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعون برسول الله ﷺ في رحالكم؟ فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امراً من الأنصار، ولو سلك الناس شعباً وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار. اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار" قال: فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا برسول الله ﷺ قسماً وحظاً، ثم انصرف رسول الله ﷺ وتفرقنا.
وفي رواية (١) عن أبي سعيد أيضاً قال: قال رجل من الأنصار لأصحابه: أما والله لقد كنت أحدثكم أنه لو قد استقامت الأمور قد آثر عليكم، قال: فردوا عليه رداً عنيفاً، قال: فبلغ ذلك رسول الله ﷺ قال فجاءهم فقال لهم أشياء لا أحفظها، قالوا: بلى يا رسول الله قال: "فكنتم لا تركبون الخيل". قال: فكلما قال لهم شيئاً قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فلما رآهم لا يردون عليه شيئاً. قلت: فذكر نحوه وقال في آخره: "الأنصار كرشي وأهل بيتي وعيبتي التي أويت إليها فاعفوا عن مسيئهم واقبلوا من محسنهم". قال أبو سعيد: قلت لمعاوية: أما إن رسول الله ﷺ حدثنا أننا سنرى بعده أثرة، قال معاوية: فما أمركم؟ قلت: أمرنا أن نصبر. قال: فاصبروا إذاً.
أقول: تعليقاً على قول سعبد بن عبادة:
(ما أنا إلا امرؤ من قومي): إن على القادة الذين يسوسون الشعوب والأقوام أن يعرفوا نفسيات هذه الشعوب وهذه الأقوام وأن يسوسوها على ضوء هذه المعرفة فأحياناً يكون لكل قوم أو شعب أو قرية أو بلد خصيصة تجعلهم في بعض الحالات يقفون موقفاً موحداً أمام قضية ما، فلابد من ملاحظة ذلك قبل وقوعه وحسن معالجته بعد وقوعه فإذا كان مثل سعد بن عبادة يقول: (ما أنا إلا امرؤ من قومي) فما بال من دونه، وفي كلمة سعد - إذ يعلن اتحاد موقفه مع موقف قومه في قضية يرى قومه فيها يقولون ما يعتقد
стр. 908
أنه اجتهاد في محله وعدم إنكار الرسول ﷺ ما يشير إلى نصرة الإنسان قومه بالطريق المشروع فيما يراه الإنسان حقاً لا حرج فيه.
٦٦٧ - * روى البخاري ومسلم عن أنس ﵁: أن أناساً من الأنصار قالوا يوم حنين حين أفاء الله على رسوله من أموال هوازن ما أفاء، فطفق رسول الله ﷺ يعطي رجالاً من قريش المائة من الإبل، فقالوا: يغفر الله لرسول الله ﷺ ، يعطي قريشاً ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم؟ قال أنس بن مالك: فحدث ذلك رسول الله ﷺ من قولهم، فأرسل إلى الأنصار، فجمعهم في قبة من أدم، فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله ﷺ ، فقال: "ما حديث بلغني عنكم؟ " فقال له فقهاء الأنصار: أما ذوو رأينا يا رسول الله، فلم يقولوا شيئاً، وأما أناس منا حديثة أسنانهم، قالوا: يغفر الله لرسوله، يعطي قريشاً ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم، فقال رسول الله ﷺ : "فإني أعطي رجالاً حديثي عهد بكفر أتألفهم، أفلا ترضون أن يذهب الناس بالأموال، وترجعون إلى رحالكم برسول الله؟ فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به" قالوا: بلى يا رسول الله، قد رضينا، قال: "فإنكم ستجدون بعدي أثرة شديدة، فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله فإني على الحوض" قالوا: سنصبر.
وفي رواية (١): قال أنس: فلم نصبر.
وفي رواية: (٢) قال: جمع رسول الله ﷺ الأنصار، فقال: "أفيكم أحد من غيركم؟ " فقالوا: لا، إلا ابن أخت لنا، فقال رسول الله ﷺ : "إن ابن أخت القوم
стр. 909
منهم" فقال: "إن قريشاً حديث عهد بجاهلية ومصيبة، وإني أردت أن أجبرهم وأتألفهم، أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا، وترجعون برسول الله إلى بيوتكم؟ لو سلك الناس وادياً، وسلك الأنصار شعباً، لسلكت شعب الأنصار".
وفي رواية للنسائي (١) بإسناد حسن: فإنه قال: كنا عند رسول الله ﷺ إذ أتته وفد هوازن، فقالوا: يا محمد، إنا أصل وعشيرة، وقد نزل بنا من البلاء ما لا يخفى عليك، فامنن علينا، من الله عليك، فقال: "اختاروا من أموالكم أو من نسائكم وأبنائكم"، فقالوا: قد خيرتنا بين أحسابنا وأموالنا، بل نختار نساءنا وأبناءنا فقال رسول الله ﷺ : "أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، فإذا صليت الظهر، فقوموا فقولوا: إنا نستعين برسول الله على المؤمنين - أو المسلمين - في نسائنا وأموالنا" فلما صلوا الظهر، قاموا فقالوا ذلك، فقال رسول الله ﷺ : "فما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم" فقال المهاجرون: وما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ ، فقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا، وقال عيينة بن حصن: أما أنا وبنو فزارة فلا، وقال العباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا، فقامت بنو سليم: فقالوا: كذبت، ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "يا أيها الناس، ردوا عليهم نساءهم وأبناءهم، فمن تمسك من هذا الفيء بشيء فله ست فرائض من أول شيء يفيئه الله علينا" وركب راحلته، وركب الناس: اقسم علينا فيئنا، فألجؤوه إلى شجرة، فخطفت رداءه، فقال: "يا أيها الناس، ردوا علي ردائي، فوالله لو أن لكم شجر تهامة نعماً قسمته عليكم ثم لم تلقوني بخيلاً، ولا جباناً، ولا كذوباً" ثم أتى بعيراً، فأخذ من سنامه وبرة بين أصبعيه، ثم قال: "ها، إنه ليس من الفيء شيء ولا هذه، إلا خمس، والخمس مردود عليكم" فقام إليه رجل بكبة من شعر، فقال يا رسول الله، أخذت هذه لأصلح بها برذعة بعير لي، فقال: "أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو
стр. 910
لك" فقال: أو بلغت هذه؟ فلا أرب لي فيها، فنبذها، وقال: "يا أيها الناس، أدوا الخياط والمخيط، فإن الغلول يكون على أهله عاراً وشناراً يوم القيامة".
٦٦٨ - * روى الطبراني عن عبد الله بن عمرو أن وفد هوازن لما أتوا رسول الله ﷺ بالجعرانة وقد أسلموا قالوا: إنا أصل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك، فامنن علينا من الله عليك، وقال رجل من هوازن من بني سعد بن بكر يقال له زهير ويكنى بأبي صرد فقال: يا رسول الله نساؤنا عماتك وخالاتك وحواضنك اللاتي كفلنك، ولو أنا لحقنا الحارث بن أبي شمر والنعمان بن المنذر، ثم نزل بنا منه مثل الذي أنزلت بنا لرجونا عطفه وعائدته علينا، وأنت خير المكفولين، ثم أنشد رسول الله ﷺ شعراً، قاله وذكر فيه قرابته وما كفلوا منه فقال:
امنن علينا رسول الله في كرم ... فإنك المرء نرجوه وننتظر
امنن على بيضة قد عاقها قدر ... مفرق شملها في دهرها غير
أبقت لنا الدهر هتافاً على حزن ... على قلوبهم الغماء والغمر
إن لم تداركهمو نعماء تنشرها ... يا أرجح الناس حلماً حين يختبر
امنن على نسوة قد كنت ترضعها ... إذ فوك تملؤه من مخضها درر
إذ كنت طفلاً صغيراً كنت ترضعها ... وإذ يزينك ما تأتي وما تذر
لا تجعلنا كمن شالت نعامته ... واستبق منا فإنا معشر زهر
стр. 911
قال فذكر الحديث.
وفي رواية لأحمد (١) عن عبد الله بن عمرو قال: شهدت رسول الله ﷺ وجاءته وفود هوازن فقالوا: يا محمد إنا أصل وعشيرة فمن علينا من الله عليك، فإنه قد نزل بنا من البلاء ما لا يخفى عليك فقالك "اختاروا بين نسائكم وأموالكم وأبنائكم" قالوا: خيرتنا بين أحسابنا وأموالنا؟ نختار أبناءنا فقال: "أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، فإذا صليت الظهر فقولوا إنا نستشفع برسول الله ﷺ المؤمنين وبالمؤمنين على رسول الله ﷺ في نسائنا وأبنائنا" قال: ففعلوا. فقال رسول الله ﷺ : "أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم" وقال المهاجرون: ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ وقالت الأنصار مثل ذلك وقال عيينة بن بدر أما ما كان لي ولبني فزارة فلا. وقال الأقرع ابن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا وقال عباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا فقالت الحيان: كذبت بل هو لرسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : "يا أيها الناس ردوا عليهم نساءهم وأبناءهم، فمن تمسك بشيء من الفيء فله علينا ست فرائض من أول شيء يفيئه الله علينا" ثم ركب راحلته، وتعلق به الناس يقولون: اقسم علينا فيئنا بيننا، حتى ألجؤوه إلى سمرة فخطفت رداءه، فقال: "يا أيها الناس ردوا علي ردائي، فوالله لو كان لكم بعدد شجر تهامة نعم لقسمته بينكم، ثم لا تلقوني بخيلاً ولا جباناً ولا كذوباً" ثم دنا من بعيره فأخذ وبرة من سنامه فجعلها بين أصبعيه السبابة والوسطى، ثم رفعها فقال: "يا أيها الناس ليس لي من هذا الفيء ولا هذه إلا الخمس والخمس
стр. 912
مردود عليكم، فردوا الخياط والمخيط" (أي ردوا الخيط والإبرة، وما خيط بها) "فإن الغلول يكون على أهله يوم القيامة عاراً وناراً وشناراً" فقام رجل معه كبة من شعر، فقال: إني أخذت هذه أصلح بها برذعة بعير لي دبر قال: "أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لك" فقال الرجل: يا رسول الله أما إذ بلغت ما أرى فلا أرب لي بها، ونبذها.
٦٦٩ - * روى البخاري عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم: أن رسول الله ﷺ قال حين جاءه وفد هوازن مسلمين فسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم، فقال لهم رسول الله ﷺ : "أحب الحديث إلي أصدقه فاختاروا إحدى الطائفتين: إما السبي وإما المال، وقد كنت استأنيت بهم" - وقد كان رسول الله ﷺ انتظرهم بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف - فلما تبين لهم أن رسول الله ﷺ غير راد إليهم إلا إحدى الطائفتين قالوا: فإنا نختار سبينا، فقام رسول الله ﷺ في المسلمين فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: "أما بعد فإن إخوانكم هؤلاء قد جاءونا تائبين، وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم، من أحب أن يطيب فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل" فقال الناس: قد طيبنا ذلك يا رسول الله لهم، فقال لهم رسول الله ﷺ : "إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم" فرجع الناس. فكلمهم عرفاؤهم ثم رجعوا إلى رسول الله ﷺ فأخبروه أنهم قد طيبوا فأذنوا. فهذا الذي بلغنا عن سبي هوازن.
قال في الفتح: قوله (قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين) ساق الزهري هذه القصة من هذا الوجه مختصرة، وقد ساقها موسى بن عقبة في المغازي مطولة ولفظه: (ثم انصرف
стр. 913
رسول الله ﷺ من الطائف في شوال إلى الجعرانة وبها السبي يعني سبي هوازن، وقدم عليه وفد هوازن مسلمين فيهم تسعة نفر من أشرافهم فأسلموا وبايعوا، ثم كلموه فقالوا: يا رسول الله إن فيمن أصبتم الأمهات والأخوات والعمات والخالات وهن مخازي الأقوام، فقال: "سأطلب لكم، وقد وقعت المقاسم فأي الأمرين أحب إليكم: آلسبي أم المال؟ " قالوا: خيرتنا يا رسول الله بين الحسب والمال، فالحسب أحب إلينا، ولا نتكلم في شاة ولا بعير. فقال: "أما الذي لبني هاشم فهو لكم، وسوف أكلم لكم المسلمين، فكلموهم وأظهروا إسلامكم" فلما صلى رسول الله ﷺ الهاجرة قاموا فتكلم خطباؤهم فأبلغوا ورغبوا إلى المسلمين في رد سبيهم، ثم قام رسول الله ﷺ حين فرغوا فشفع لهم وحض المسلمين عليه وقال: "قد رددت الذي لبني هاشم عليهم" فاستفيد من هذه القصة عدد الوفد وغير ذلك مما لا يخفى. وقد أغفل محمد بن سعد لما ذكر الوفود وفد هوازن هؤلاء مع أنه لم يجمع أحد في الوفود أكثر مما جمع، وممن سمي من وفد هوازن زهير بن صرد كما سيأتي، وأبو مروان - ويقال أبو ثروان أوله مثلثة بدل الميم ويقال بموحدة وقاف - وهو عم النبي ﷺ من الرضاعة، ذكره ابن سعد. ومعنى استأنيت: استنظرت، أي أخرت قسم السبي لتحضروا فأبطأتم، وكان ترك السبي بغير قسمة وتوجه إلى الطائف فحاصرها كما سيأتي، ثم رجع عنها إلى الجعرانة ثم قسم الغنائم هناك، فجاءه وفد هوازن بعد ذلك، فبين لهم أنه أخر القسم ليحضروا فأبطؤا، وقوله (بضع عشرة ليلة) فيه بيان مدة التأخير. أ. هـ.
٦٧٠ - * روى أبو داود عن أبي غالب نافع ﵀ قال: قلت لأنس: يا أبا حمزة، غزوت مع رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، غزوت معه حنيناً، فخرج المشركون، فحملوا علينا، حتى رأينا خيلنا وراء ظهورنا، وفي القوم رجل يحمل علينا، فيدقنا ويحطمنا فهزمهم الله، وجعل يجاء بهم فيبايعونه على الإسلام، فقال رجل من أصحاب رسول الله ﷺ : إن علي نذراً إن جاء الله بالرجل الذي كان منذ اليوم يحطمنا لأضربن عنقه،
стр. 914
فسكت رسول الله ﷺ ، وجيء بالرجل، فلما رأى رسول الله ﷺ ، قال: يا رسول الله تبت إلى الله، فأمسك رسول الله ﷺ لا يبايعه ليفي الآخر بنذره، قال: فجعل الرجل يتصدى لرسول الله ﷺ ليأمره بقتله، وجعل يهاب رسول الله ﷺ أن يقتله، فلما رأى رسول الله ﷺ أنه لا يصنع شيئاً بايعه، فقال الرجل: يا رسول الله، نذري، فقال: "إني لم أمسك عنه منذ اليوم إلا لتوفي بنذرك"، فقال: يا رسول الله، ألا أومضت إلي؟ فقال النبي ﷺ : "إنه ليس لنبي أن يومض".
* * *
стр. 915
فصل: في غزوة أوطاس
٦٧١ - * روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: لما فرغ النبي ﷺ من حنين بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس، فلقي دريد بن الصمة، فقتل دريد، وهزم الله أصحابه، فقال أبو موسى: وبعثني مع أبي عامر، فرمي أبو عامر في ركبته، رماه جشمي بسهم، فأثبته في ركبته، فانتهيت إليه، فقلت: يا عم، من رماك؟ فأشار إلى أبي موسى فقال: ذاك قاتلي الذي رماني، فقصدت له فلحقته، فلما رآني ولى، فاتبعته وجعلت أقول له: ألا تستحي؟ ألا ثثبت؟ فكف، فاختلفنا ضربتين بالسيف، فقتلته، ثم قلت لأبي عامر: قتل الله صاحبك، قال: فانزع هذا السهم، فنزعته، فنزا منه الماء، قال: يا ابن أخي، أقرئ النبي ﷺ السلام، وقل له: استغفر لي. واستخلفني أبو عامر على الناس، فمكث يسيراً ثم مات، فرجعت، فدخلت على النبي ﷺ في بيته على سرير مرمل وعليه فراش قد أثر رمال السرير بظهره وجنبيه، فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر، وقال: قل له: استغفر لي، فدعا بماء، فتوضأ، ثم رفع يديه، وقال: "اللهم اغفر لعبيد، أبي عامر" ورأيت بياض إبطيه، ثم قال: "اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس" فقلت: ولي فاستغفر فقال: "اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه، وأدخله يوم القيامة مدخلاً كريماً" قال أبو بردة: إحداهما لأبي عامر، والأخرى لأبي موسى.