قال فذكر الحديث.
وفي رواية لأحمد (١) عن عبد الله بن عمرو قال: شهدت رسول الله ﷺ وجاءته وفود هوازن فقالوا: يا محمد إنا أصل وعشيرة فمن علينا من الله عليك، فإنه قد نزل بنا من البلاء ما لا يخفى عليك فقالك "اختاروا بين نسائكم وأموالكم وأبنائكم" قالوا: خيرتنا بين أحسابنا وأموالنا؟ نختار أبناءنا فقال: "أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، فإذا صليت الظهر فقولوا إنا نستشفع برسول الله ﷺ المؤمنين وبالمؤمنين على رسول الله ﷺ في نسائنا وأبنائنا" قال: ففعلوا. فقال رسول الله ﷺ : "أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم" وقال المهاجرون: ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ وقالت الأنصار مثل ذلك وقال عيينة بن بدر أما ما كان لي ولبني فزارة فلا. وقال الأقرع ابن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا وقال عباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا فقالت الحيان: كذبت بل هو لرسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : "يا أيها الناس ردوا عليهم نساءهم وأبناءهم، فمن تمسك بشيء من الفيء فله علينا ست فرائض من أول شيء يفيئه الله علينا" ثم ركب راحلته، وتعلق به الناس يقولون: اقسم علينا فيئنا بيننا، حتى ألجؤوه إلى سمرة فخطفت رداءه، فقال: "يا أيها الناس ردوا علي ردائي، فوالله لو كان لكم بعدد شجر تهامة نعم لقسمته بينكم، ثم لا تلقوني بخيلاً ولا جباناً ولا كذوباً" ثم دنا من بعيره فأخذ وبرة من سنامه فجعلها بين أصبعيه السبابة والوسطى، ثم رفعها فقال: "يا أيها الناس ليس لي من هذا الفيء ولا هذه إلا الخمس والخمس
стр. 912
مردود عليكم، فردوا الخياط والمخيط" (أي ردوا الخيط والإبرة، وما خيط بها) "فإن الغلول يكون على أهله يوم القيامة عاراً وناراً وشناراً" فقام رجل معه كبة من شعر، فقال: إني أخذت هذه أصلح بها برذعة بعير لي دبر قال: "أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لك" فقال الرجل: يا رسول الله أما إذ بلغت ما أرى فلا أرب لي بها، ونبذها.
٦٦٩ - * روى البخاري عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم: أن رسول الله ﷺ قال حين جاءه وفد هوازن مسلمين فسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم، فقال لهم رسول الله ﷺ : "أحب الحديث إلي أصدقه فاختاروا إحدى الطائفتين: إما السبي وإما المال، وقد كنت استأنيت بهم" - وقد كان رسول الله ﷺ انتظرهم بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف - فلما تبين لهم أن رسول الله ﷺ غير راد إليهم إلا إحدى الطائفتين قالوا: فإنا نختار سبينا، فقام رسول الله ﷺ في المسلمين فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: "أما بعد فإن إخوانكم هؤلاء قد جاءونا تائبين، وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم، من أحب أن يطيب فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل" فقال الناس: قد طيبنا ذلك يا رسول الله لهم، فقال لهم رسول الله ﷺ : "إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم" فرجع الناس. فكلمهم عرفاؤهم ثم رجعوا إلى رسول الله ﷺ فأخبروه أنهم قد طيبوا فأذنوا. فهذا الذي بلغنا عن سبي هوازن.
قال في الفتح: قوله (قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين) ساق الزهري هذه القصة من هذا الوجه مختصرة، وقد ساقها موسى بن عقبة في المغازي مطولة ولفظه: (ثم انصرف
стр. 913
رسول الله ﷺ من الطائف في شوال إلى الجعرانة وبها السبي يعني سبي هوازن، وقدم عليه وفد هوازن مسلمين فيهم تسعة نفر من أشرافهم فأسلموا وبايعوا، ثم كلموه فقالوا: يا رسول الله إن فيمن أصبتم الأمهات والأخوات والعمات والخالات وهن مخازي الأقوام، فقال: "سأطلب لكم، وقد وقعت المقاسم فأي الأمرين أحب إليكم: آلسبي أم المال؟ " قالوا: خيرتنا يا رسول الله بين الحسب والمال، فالحسب أحب إلينا، ولا نتكلم في شاة ولا بعير. فقال: "أما الذي لبني هاشم فهو لكم، وسوف أكلم لكم المسلمين، فكلموهم وأظهروا إسلامكم" فلما صلى رسول الله ﷺ الهاجرة قاموا فتكلم خطباؤهم فأبلغوا ورغبوا إلى المسلمين في رد سبيهم، ثم قام رسول الله ﷺ حين فرغوا فشفع لهم وحض المسلمين عليه وقال: "قد رددت الذي لبني هاشم عليهم" فاستفيد من هذه القصة عدد الوفد وغير ذلك مما لا يخفى. وقد أغفل محمد بن سعد لما ذكر الوفود وفد هوازن هؤلاء مع أنه لم يجمع أحد في الوفود أكثر مما جمع، وممن سمي من وفد هوازن زهير بن صرد كما سيأتي، وأبو مروان - ويقال أبو ثروان أوله مثلثة بدل الميم ويقال بموحدة وقاف - وهو عم النبي ﷺ من الرضاعة، ذكره ابن سعد. ومعنى استأنيت: استنظرت، أي أخرت قسم السبي لتحضروا فأبطأتم، وكان ترك السبي بغير قسمة وتوجه إلى الطائف فحاصرها كما سيأتي، ثم رجع عنها إلى الجعرانة ثم قسم الغنائم هناك، فجاءه وفد هوازن بعد ذلك، فبين لهم أنه أخر القسم ليحضروا فأبطؤا، وقوله (بضع عشرة ليلة) فيه بيان مدة التأخير. أ. هـ.
٦٧٠ - * روى أبو داود عن أبي غالب نافع ﵀ قال: قلت لأنس: يا أبا حمزة، غزوت مع رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، غزوت معه حنيناً، فخرج المشركون، فحملوا علينا، حتى رأينا خيلنا وراء ظهورنا، وفي القوم رجل يحمل علينا، فيدقنا ويحطمنا فهزمهم الله، وجعل يجاء بهم فيبايعونه على الإسلام، فقال رجل من أصحاب رسول الله ﷺ : إن علي نذراً إن جاء الله بالرجل الذي كان منذ اليوم يحطمنا لأضربن عنقه،
стр. 914
فسكت رسول الله ﷺ ، وجيء بالرجل، فلما رأى رسول الله ﷺ ، قال: يا رسول الله تبت إلى الله، فأمسك رسول الله ﷺ لا يبايعه ليفي الآخر بنذره، قال: فجعل الرجل يتصدى لرسول الله ﷺ ليأمره بقتله، وجعل يهاب رسول الله ﷺ أن يقتله، فلما رأى رسول الله ﷺ أنه لا يصنع شيئاً بايعه، فقال الرجل: يا رسول الله، نذري، فقال: "إني لم أمسك عنه منذ اليوم إلا لتوفي بنذرك"، فقال: يا رسول الله، ألا أومضت إلي؟ فقال النبي ﷺ : "إنه ليس لنبي أن يومض".
* * *
стр. 915
فصل: في غزوة أوطاس
٦٧١ - * روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: لما فرغ النبي ﷺ من حنين بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس، فلقي دريد بن الصمة، فقتل دريد، وهزم الله أصحابه، فقال أبو موسى: وبعثني مع أبي عامر، فرمي أبو عامر في ركبته، رماه جشمي بسهم، فأثبته في ركبته، فانتهيت إليه، فقلت: يا عم، من رماك؟ فأشار إلى أبي موسى فقال: ذاك قاتلي الذي رماني، فقصدت له فلحقته، فلما رآني ولى، فاتبعته وجعلت أقول له: ألا تستحي؟ ألا ثثبت؟ فكف، فاختلفنا ضربتين بالسيف، فقتلته، ثم قلت لأبي عامر: قتل الله صاحبك، قال: فانزع هذا السهم، فنزعته، فنزا منه الماء، قال: يا ابن أخي، أقرئ النبي ﷺ السلام، وقل له: استغفر لي. واستخلفني أبو عامر على الناس، فمكث يسيراً ثم مات، فرجعت، فدخلت على النبي ﷺ في بيته على سرير مرمل وعليه فراش قد أثر رمال السرير بظهره وجنبيه، فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر، وقال: قل له: استغفر لي، فدعا بماء، فتوضأ، ثم رفع يديه، وقال: "اللهم اغفر لعبيد، أبي عامر" ورأيت بياض إبطيه، ثم قال: "اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس" فقلت: ولي فاستغفر فقال: "اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه، وأدخله يوم القيامة مدخلاً كريماً" قال أبو بردة: إحداهما لأبي عامر، والأخرى لأبي موسى.
стр. 916
وفي لفظ مسلم (١) ورماه رجل من بني جشم وفيه: فلما رآني ولى عني ذاهباً، فلحقته، فجعلت أقول له: ألا تستحي؟ ألست عربياً؟ ألا تثبت؟ وفيه: انطلق إلى رسول الله، فأقرئه مني السلام، وقل له: يقول لك: استغفر لي.
قال ابن حجر: (غزوة أوطاس) قال عياض: هو واد في دار هوازن، وهو موضع حرب حنين انتهى. وهذا الذي قاله ذهب إليه بعض أهل السير، والراجح أن وادي أوطاس غير وادي حنين، ويوضح ذلك ما ذكر ابن إسحاق أن الوقعة كانت في وادي حنين، وأن هوازن لما انهزموا صارت طائفة منهم إلى الطائف وطائفة إلى بجيلة وطائفة إلى أوطاس، فأرسل النبي ﷺ عسكراً مقدمهم أبو عامر الأشعري إلى من مضى إلى أوطاس كما يدل عليه حديث الباب، ثم توجه هو وعساكره إلى الطائف.
وروى البزار في مسند أنس بإسناد حسن ما يشعر بأن قاتل دريد بن الصمة هو الزبير ابن العوام ولفظه (لما انهزم المشركون انحاز دريد بن الصمة في ستمائة نفس على أكمة فرأوا كتيبة، فقال حلوهم لي، فحلوهم فقال: هذه قضاعة ولا بأس عليكم، ثم رأوا كتيبة مثل ذلك، فقال: هذه سليم، ثم رأوا فارساً وحده فقال: حلوه لي، فقالوا معتجر بعمامة سوداء، فقال: هذا الزبير بن العوام وهو قاتلكم ومخرجكم من مكانكم هذا، قال فالتفت الزبير فرآهم فقال: علام هؤلاء ههنا؟ فمضى إليهم، وتبعه جماعة فقتلوا منهم ثلاثمائة، فحز رأس دريد بن الصمة فجعله بين يديه) ويحتمل أن يكون ابن الدغنة كان في جماعة الزبير فباشر قتله فنسب إلى الزبير مجازاً، وكان دريد من الشعراء الفرسان المشهورين في الجاهلية، ويقال إنه كان لما قتل ابن عشرين - ويقال ابن ستين - ومائة سنة.
وعند ابن عائذ والطبراني في (الأوسط) من وجه آخر عن أبي موسى الأشعري بإسناد حسن (لما هزم الله المشركين يوم حنين بعث رسول الله ﷺ على خيل الطلب أبا عامر الأشعري وأنا معه فقتل ابن دريد أبا عامر، فعدلت إليه فقتلته وأخذت اللواء) الحديث.
* * *
стр. 917
فصل: في غزوة الطائف
قال البخاري: في شوال سنة ثمان، قاله موسى بن عقبة.
٦٧٢ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: لما حاصر رسول الله ﷺ الطائف فلم ينل منهم شيئاً، قال: "إنا قافلون إن شاء الله" فثقل عليهم، وقالوا: نذهب ولا نفتحه، وقال مرة: "نقفل"، فقال: "اغدوا على القتال" فغدوا، فأصابهم جراح، فقال: "إنا قافلون غداً إن شاء الله" فأعجبهم، فضحك النبي ﷺ وقال سفيان مرة: فتبسم.
وفي رواية نحوه (٢)، وفيه فقالوا: لا نبرح أو نفتحها. وفيه فقاتلوهم قتالاً شديداً، وكثر فيهم الجراحات ... الحديث.
قال ابن حجر في الفتح: في مرسل ابن الزبير عند ابن أبي شيبة قال (لما حاصر النبي ﷺ الطائف قال أصحابه: يا رسول الله أحرقتنا نبال ثقيف فادع الله عليهم، فقال: "اللهم اهد ثقيفا") وذكر أهل المغازي أن النبي ﷺ لما استعصى عليه الحصن وكانوا قد أعدوا فيه ما يكفيهم لحصار سنة ورموا على المسلمين سكك الحديد المحماة ورموهم بالنبل فأصابوا قوماً، فاستشار نوفل بن معاوية الديلي فقال: هم ثعلب في جحر إن اقمت عليه أخذته وإن تركته لم يضرك، فرحل عنهم وذكر أنس في حديثه عند مسلم أن مدة حصارهم كانت أربعين يوماً، وعند أهل السير اختلاف قيل عشرين يوماً وقيل بضع عشرة وقيل ثمانية عشر وقيل خمسة عشر. قوله (إنا قافلون) أي راجعون إلى المدينة. قوله (فثقل عليهم) بين سبب ذلك بقولهم (نذهب ولا نفتحه) وحاصل الخبر أنهم لما أخبرهم بالرجوع بغير فتح لم يعجبهم، فلما رأى ذلك أمرهم بالقتال فلم يفتح لهم فأصيبوا بالجراح لأنهم رموا عليهم من أعلى السور فكانوا ينالون منهم بسهامهم ولا تصل السهام إلى من على السور، فلما
стр. 918
رأوا ذلك تبين لهم تصويب الرجوع، فلما أعاد عليهم القول بالرجوع أعجبهم حينئذ، ولهذا قال: فضحك" وقوله (وقال سفيان مرة: فتبسم) هو ترديد من الراوي.
وقد ذكر ابن هشام أن عدد من استشهد في حصار الطائف اثنا عشر رجلاً.
* * *
стр. 919
فصل: في إسلام كعب بن زهير
٦٧٣ - * روى الطبراني عن محمد بن إسحاق قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة منصرفه من الطائف، كتب بجير بن زهير بن أبي سلمى إلى أخيه كعب بن زهير بن أبي سلمى، يخبره أن رسول الله ﷺ قتل رجالاً بمكة ممن كانوا يهجوه ويؤذيه، وأنه بقي من شعراء قريش ابن الزعبرى وهبيرة بن أبي وهب قد هربوا في كل وجه، فإن كانت لك في نفسك حاجة ففر إلى رسول الله ﷺ فإنه لا يقتل أحداً جاءه تائباً وإن أنت لم تفعل فانج ولا نجاة لك. وقد كان كعب قال أبياتاً نال فيها من رسول الله ﷺ فلما بلغ كعباً الكتاب ضاقت به الأرض وأشفق على نفسه، وأرجف به من كان حاضره من عدوه، فلما لم يجد من شيء بداً، قال قصيدته التي يمدح فيها رسول الله ﷺ يذكر خوفه وإرجاف الوشاة به، ثم خرج حتى قدم المدينة فنزل على رجل كانت بينه وبينه معرفة من جهينة - كما ذكر لي فغدا به إلى رسول الله ﷺ حين صلى الصبح، فصلى مع الناس ثم أشار له إلى رسول الله ﷺ ، وقال: هذا رسول الله ﷺ فقم إليه، فاستأمنه فذكر لي أنه قام إلى رسول الله ﷺ ، حتى وضع يَدَه في يَدِهِ، وكان رسول الله ﷺ لا يعرفه، فقال: يا رسول الله، إن كعب بن زهير جاء ليستأمن منك تائباً مسلماً فهل أنت قابل منه إن أنا جئتك به؟ قال رسول الله ﷺ : "نعم" فقال: يا رسول الله، أنا كعب بن زهير. قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: وثب عليه رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله دعني وعدو الله أضرب عنقه فقال رسول الله ﷺ "دعه عنك فإنه قد جاء تائباً نازعاً" فغضب على هذا الحي من الأنصار لما صنع به صاحبهم، وذلك أنه لم يتكلم فيه رجل من المهاجرين إلا بخير فقال قصيدته التي قالها حين قدم على رسول الله ﷺ . (وذكر أبياتاً: سترد برواية الحاكم). قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: فلما قال: (السود التنابيل) وإنما أراد معشر الأنصار لما كان صاحبهم
стр. 920
صنع، وخص المهاجرين من قريش من أصحاب رسول الله ﷺ بمدحته، غضبت عليه الأنصار فبعد أن أسلم أخذ يمدح الأنصار ويذكر بلاءهم مع رسول الله ﷺ وموضعهم من النبي ﷺ :
من سرة كرم الحياة فلا يزل ... في مقنب من صالحي الأنصار
ورثوا المكارم كابراً عن كابر ... إن الخيار هم بنو الأخيار
المكرهين السمهري بأذرع ... كسوالف الهندي غير قصار
والناظرين بأعين محمرة ... كالجمر غير كليلة الإبصار
يتطهرون يرونه نسكاً لهم ... بدماء من علقوا من الكفار
دربوا كما دربت ببطن خفية ... غلب الرقاب من الأسود ضواري
روايات الحاكم:
٦٧٤ - * روى الحاكم عن موسى بن عقبة قال: أنشد النبي ﵌ كعب بن زهير (بانت سعاد) في مسجده بالمدينة فلما بلغ قوله:
إن الرسول لسيف يستضاء به ... وصارم من سيوف الله مسلول
في فتية من قريش قال قائلهم ... ببطن مكة لما أسلموا زولوا
أشار رسول الله ﵌ بكمه إلى الخلق ليسمعوا منه قال: وقد كان
стр. 921
بجير بن زهير كتب إلى أخيه كعب بن زهير بن أبي سلمى يخوفه ويدعوه إلى الإسلام وقال فيها أبياتاً:
من مبلغ كعباً فهل لك في التي ... تلوم عليها باطلاً وهي أحزم
إلى الله لا العزى ولا اللات وحده ... فتنجو إذا كان النجاء وتسلم
لدى يوم لا ينجو وليس بمفلت ... من النار إلا طاهر القلب مسلم
فدين زهير وهو لا شيء باطل ... ودين أبي سلمى علي محرم
٦٧٥ - * روى الحاكم عن عبد الرحمن بن كعب بن زهير قال: خرج كعب وبجير ابنا زهير، حتى أتيا أبرق العزاف فقال بجير لكعب: اثبت في عجل هذا المكان حتى آتي هذا الرجل يعني رسول الله ﵌ فأسمع ما يقول، فثبت كعب، وخرج بجير فجاء رسول الله ﵌ فعرض عليه الإسلام فأسلم فبلغ ذلك كعباً فقال:
ألا أبلغا عني بجيراً رسالة ... على أي شيئ ويب غيرك دلكا
على خلق لم تلف أماً ولا أبا ... عليه ولم تدرك عليه أخاً لكا
سقاك أبو بكر بكأس روية ... وأنهلك المأمون منها وعلكا
فلما بلغت الأبيات رسول الله ﵌، أهدر دمه فقال: "من لقي كعباً فليقتله" فكتب بذلك بجير إلى أخيه يذكر له أن رسول الله ﵌ قد أهدر دمه ويقول له: النجا وما أراك تفلت. ثم كتب إليه بعد ذلك: اعلم أن رسول الله ﵌ لا يأتيه أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله إلا قبل ذلك، فإذا جاءك كتابي هذا فأسلم وأقبل. فأسلم كعب، وقال القصيدة التي يمدح فيها رسول الله ﵌، ثم أقبل حتى أناخ راحلته بباب مسجد رسول الله ﵌، ثم دخل المسجد ورسول الله ﵌ مع أصحابه مكان المائدة من القوم، متحلقون معه حلقة دون حلقة يلتفت إلى هؤلاء مرة
стр. 922
فيحدثهم وإلى هؤلاء مرة فيحدثهم قال كعب: فأنخت راحلتي بباب المسجد فعرفت رسول الله ﵌ بالصفة، فتخطيت حتى جلست إليه فأسلمت فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله الأمان يا رسول الله. قال: "ومن أنت؟ " قلت: أنا كعب بن زهير، قال: "أنت الذي تقول" ثم التفت إلى أبي بكر فقال: "كيف قال يا أبا بكر؟ " فأنشده أبو بكر رض يالله عنه:
سقاك أبو بكر بكأس روية ... وأنهلك المأمور منها وعلكا
قال: يا رسول الله ما قلت هكذا قال: "وكيف قلت؟ " قال: إنما قلت:
سقاك أبو بكر بكأس روية ... وأنهلك المأمون منها وعلكا
فقال رسول الله ﵌: "مأمون والله" ثم أنشده القصيدة كلها حتى أتى على آخرها وأملأها على الحجاج بن ذي الرقيبة حتى أتى على آخرها، وهي هذه القصيدة:
١ - بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيم إثرها لم يفد مكبول
٢ - وما سعاد غداة البين إذ رحلوا ... إلا أغن غضيض الطرف مكحول
٣ - تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت ... كأنه منهل بالراح معلول
٤ - شجت بذي شبم من ماء محنية ... صاف بأبطح أضحى وهو مشمول
стр. 923
٥ - تنفي الرياح القذى عنه وأفرطه ... من صوب غادية بيض يعاليل
٦ - فيالها خلة لو أنها صدقت ... بوعدها أولو أن النصح مقبول
٧ - لكنها خلة قد سيط من دمها ... فجع وولع وإخلاف وتبديل
٨ - فما تدوم على حال تكون بها ... كما تلون في أثوابها الغول
٩ - وما تمسك بالعهد الذي زعمت ... إلا كما يمسسك الماء الغرابيل
١٠ - فلا يغرنك ما منت وما وعدت ... إن الأماني والأحلام تضليل
١١ - كانت مواعيد عرقوب لها مثلاً ... وما مواعيدها إلا الأباطيل
١٢ - أرجو وآمل أن تدنو مودتها ... وما إخال لدينا منك تنويل
١٣ - أمست سعاد بأرض لا يبلغها ... إلا العتاق النجيبات المراسيل
١٤ - ولن يبلغها إلا عذافرة ... لها على الأين إرقاق وتبغيل
١٥ - من كل نضاخة الذفري إذا عرقت ... عرضتها طامس الأعلام مجهول
стр. 924
١٦ - ترمي النجاد بعيني مفرد لهق ... إذا توقدت الحزان والميل
١٧ - حرف أخوها أبوها من مهجنة ... وعمها خالها قوداء شمليل
١٨ - يمشي القراد عليها ثم يزلقه ... منها لبان وأقراب زهاليل
١٩ - عيرانة قذفت بالنحض عن عرض ... مرفقها عن بنات الزور مفتول
٢٠ - كأنما فات عينيها ومذبحها ... من خطمها ومن اللحيين برطيل
٢١ - تمر مثل عسيب النخل ذا خصل .. في غارز لم تخونه الأحاليل
٢٢ - قنواء في حرتيها للبصير بها ... عتق مبين وفي الخدين تسهيل
٢٣ - تخدي على يسرات وهي لاحقة ... ذوابل مسهن الأرض تحليل
стр. 925
٢٤ - سمر العجايات يتركن الحصى زيماً ... لم يقهن رءوس الأكم تنعيل
٢٥ - كأن أوب ذراعيها وقد عرقت ... وقد تلفع بالقور العساقيل
٢٦ - يوماً يظل به الحرباء مصطخدا ... كأن ضاحية بالشمس مملول
٢٧ - وقال للقوم جاديهم وقد جعلت ... ورق الجنادب يركضن الحصا قيلوا
٢٨ - شد النهار ذراعاً عيطل نصف ... قامت فجاوبها نكد مثاكيل
٢٩ - نواحة رخوة الضبعين ليس لها ... لما نعى بكرها الناعون معقول
٣٠ - تسعى الغواة جنابيها وقولهم ... إنك يابن أبي سلمى لمقتول
٣١ - فقلت خلوا سبيلي لا أبالكم ... فكل ما قدر الرحمن مفعول
٣٢ - كل ابن أنثى وإن طالت سلامته ... يوماً على آلة حدباء محمول
٣٣ - نبئت أن رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمول
стр. 926
٣٤ - فقد أتيت رسول الله معتذراً ... والعذر عند رسول الله مقبول
٣٥ - مهلاً هداك الذي أعطاك نافلة الـ ... ـقرآن فيها مواعيظ وتفصيل
٣٦ - لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم ... أذنب ولو كثرت في الأقاويل
٣٧ - لقد أقوم مقاماً لو يقوم به ... أرى وأسمع ما لو يسمع الفيل
٣٨ - لظل يرعد إلا أن يكون له ... من الرسول بإذن الله تنويل
٣٩ - حتى وضعت يميني ما أنازعه ... في كف ذي نقما تقيله القيل
٤٠ - فلهو أخوف عندي إذ أكلمه ... وقيل إنك منسوب ومسئول
٤١ - من ضيغم بضراء الأرض مخدره ... في بطن عثرغيل دونه غيل
٤٢ - يغدو فيلحم ضرغامين عيشهما ... لحم من الناس معفور خراديل
стр. 927
٤٣ - إذا يساور قرناً لا يحل له ... أن يترك القرن إلا وهو مفلول
٤٤ - منه تظل سباع الجو نافرة ... ولا تمشي بواديه الأراجيل
٤٥ - ولا يزال بواديه أخو ثقة ... مصرج البز والدرسان مأكول
٤٦ - إن الرسول لنور يستضاء به ... مهند من سيوف الله مسلول
٤٧ - في عصبة من قريش قال قائلهم ... ببطن مكة لما أسلموا زولوا
٤٨ - زالوا فما زال أنكاس ولا كشف ... عند اللقاء ولا ميل معازيل
стр. 928
٤٩ - شم العرانين أبطال لبوسهم ... من نسج داود في الهيجا سرابيل
٥٠ - بيض سوابغ قد شكت لها حلق ... كأنها حلق القفعاء مجدول
٥١ - ليسوا مفاريح إن نالت رماحهم ... قوماً وليسوا مجازيعاً إذا نيلوا
٥٢ - يمشوا مشي الجمال الزهر يعصمهم ... ضرب إذا عرد السود التنابيل
٥٣ - لا يقع الطعن إلا في نحورهم ... وما لهم عن حياض الموت تهليل
* * *
стр. 929
فوائد عامة من أحداث السنة الثامنة
١ - قبل فتح مكة كانت الدولة الإسلامية هي المدينة المنورة فقط، هذه الدولة لها نفوذ حيث وجد إسلام، ولها عيون حيث وجد إسلام، تربطها مع بعض القبائل شيء من المعاهدات، وكان المطلوب من كل مسلم غير عاجز أو غير مكلف بمهمة تقتضي مقامه حيث هو أن يهاجر إلى المدينة المنورة وبفتح مكة تغيرت الصورة، فالدولة الإسلامية توسعت حدودها، وستصل هذه الحدود إلى حيث يخضع الناس لأمير مسلم ولأحكام الإسلام ومن خلال هذا ستأخذ الدولة أبعادها، وكان رمز ذلك كله أن يدفع الناس الزكاة لمن يوليهم رسول الله ﷺ عليها، فمنطقة أميرها مقر من رسول الله ﷺ وتدفع الزكاة لمن ولاه رسول الله ﷺ هي جزء من الدولة الإسلامية وسنرى في أحداث السنة التاسعة أن هذه القضية كانت من أهم ما ركز عليه رسول الله ﷺ بعد الفتح.
٢ - كانت الحركة العسكرية قبل الفتح هي السبيل الوحيد لإيصال الدعوة، وتجربتا الرجيع وبئر معونة أثبتتا ذلك. أما بعد الفتح فقد تغيرت المعالم إذ أصبح بالإمكان الدعوة من غير حركة عسكرية ولذلك نجد بعوث الدعوة ووفود المستجيبين أو السائلين والتأمير على الناس وجمع الزكوات أو الجزية أو الخراج أو ما اتفق عليه بصلح، كل هذه المعاني أصبحت تشكل مظاهر الحركة بعد الفتح.
٣ - من مفاتيح الفهم لحركة السنة الثامنة فما بعد أنها أصبحت تستهدف الأوثان والأصنام بشكل مباشر كان تهديم وثن يكلف كثيراً، ولكن بعد تطهير مكة من الأوثان والأنصاب أصبح استئصال الوثنية سهلاً.
لذلك نجد في أحداث السنة الثامنة والتاسعة والعاشرة التركيز على تهديم هذه الأصنام حيث كانت ولم يتوف رسول الله ﷺ إلا وقد زالت الوثنية من أرض العرب من خلال عدد من الإجراءات التي قام بها رسول الله ﷺ .
٤ - قلة من القادة الذين يستطيعون إدراك طاقات الرجال والاستفادة منها وتدريبها وتنميتها وصقلها، والناجحون هم الذين يضعون الرجل المناسب في المكان المناسب، وفي
стр. 930
الدعوات التي تقوم على أساس عقدي أو فكري يعتبر الزمن عاملاً من عوامل التقسيم، وندر من يستطيع التقدم بمجرد الدخول في الدعوة، ولا شك أن الاحتياط ضروري، ولكن هناك حالات لا مبرر فيها للاحتياط إذا دلت ظواهر قاطعة على النضج والصدق، والوحي في حياة رسول الله ﷺ والأمارات وفراسة رسول الله ﷺ الصادقة كل ذلك لا يمر معه كذب الكاذبين، وبالتالي فبالإمكان أن يستفاد من صدق الصادقين مباشرة والملاحظ أنه لم يمر على إسلام خالد وعمرو بن العاص إلا فترة قريبة حتى بدأ رسول الله ﷺ يكلفهما بمهمات ويؤمرهما على من هم أقدم إسلاماً منهما، وفي ذلك درس للحركة الإسلامية.
٥ - من أحداث السنة الثامنة أن بعض عبدان الطائف فروا إلى رسول الله ﷺ فحررهم، ثم لم يرجعهم إلى العبودية حتى بعد إسلام سادتهم ولقد دفع كل واحد من هؤلاء إلى رجل يطعمه ويؤويه ويعلمه، وفي هذه الحادثة درس من أعظم دروس السيرة النبوية: من ذلك أن نقل العبيد إلى الحرية يقتضي إجراءات مناسبة حتى لا يضيع هؤلاء ومن هذه الدروس وهي أهمها نقل التكاليف العامة إلى تكاليف خاصة، وهذه من أوائل مهام القيادات والأمراء.
فمهما كانت الجماعات راقية، والمجتمعات متكاتفة عارفة بواجباتها فإن إمكانية ضياع الحقوق والتكاليف العامة موجودة ما لم تتحول هذه التكاليف العامة إلى تكليف محدد لشخص محدد، ومن هنا أوجدت المؤسسات والوظائف والجهات المختصة، وهذا المعنى نجده بارزاً في حياة رسول الله ﷺ ، فما من تكليف عام إلا وينقله إلى تكليف شخصي، فههنا عبيد أسلموا فحررهم وكلف بكل واحد منهم من يقوم بأوده، وهذا دأبه ﵊ في الواجبات العامة من جهاد إلى تعليم إلى ضيافة إلى غير ذلك من مهام.
* * *
стр. 931
السنة التاسعة للهجرة
стр. 932
أحداث السنة التاسعة في سطور
تتميز مرحلة ما بعد الفتح بأنها مرحلة إقبال على الإسلام، دخل الناس فيها أفواجاً فهي من ناحية استمرار لما قبلها في الدعوة والتربية والعلم والقتال، ومن ناحية أخرى فقد تميزت بكثرة الوفود وببعوث الدعوة وبعوث جمع الزكاة وتوزيعها وكثيراً ما يختلف كتاب السير حول وفد أو جامع زكاة متى قدم الأول، ومتى أرسل الثاني، ولا يترتب في الغالب على ذلك عمل وقد ذكر ابن كثير في البداية والنهاية الأحداث المشهورة في سنة تسع، كغزوة تبوك، وهدم مسجد الضرار. وذكر بمناسبة أن السنة التاسعة هي سنة الوفود ما تيسر له جمعه عن الوفود، فذكر وفوداً وفدت قبل سنة تسع، ووفوداً جاءت سنة تسع. وتتبع في الرحيق المختوم ما ذكره كتاب السير من أسماء المصدقين الذين أرسلهم رسول الله ﷺ لجمع الزكوات وتوزيعها. كما ذكر أهم أحداث السنة التاسعة، وعقد للوفود باباً تحدث فيه عن أهمها. ونحن هنا نقدم لك ثبتاً بأسماء المصدقين كما أوردهان وخلاصة بأحداث هذه السنة أحياناً بعبارته وأحياناً باستخلاص من سياقاته، ثم نقدم لك ثبتاً بأسماء الوفود التي وفدت على رسول الله ﷺ في السنة التاسعة أخذاً من ابن كثير، وكل ذلك بين يدي الفصول التي نعقدها لبعض أحداث هذا العام:
- قائمة بأسماء المصدقين إلى القبائل:
(١) عيينة بن حصن إلى بني تميم.
(٢) يزيد بن الحصين إلى أسلم وغفار.
(٣) عباد بن بشر الأشهلي إلى سليم ومزينة.
(٤) رافع بن مكيث إلى جهينة.
(٥) عمرو بن العاص إلى بني فزارة.
(٦) الضحاك بن سفيان إلى بني كلاب.
стр. 933
(٧) بشير بن سفيان إلى بني كعب.
(٨) ابن اللتبية الأزدي إلى بني ذبيان.
(٩) المهاجر بن أبي أمية إلى صنعاء (وخرج عليه الأسود العنسي وهو بها).
(١٠) زياد بن لبيد إلى حضر موت.
(١١) عدي بن حاتم إلى طيء وبني أسد.
(١٢) مالك بن نويرة إلى بني حنظلة.
(١٣) الزبرقان بن بدر إلى بني سعد. (إلى قسم منهم).
(١٤) قيس بن عاصم إلى بني سعد (إلى قسم آخر منهم).
(١٥) العلاء بن الحضرمي إلى البحرين.
(١٦) علي بن أبي طالب إلى نجران (لجمع الصدقة والجزية كليهما).
* * *
من أهم أحداث السنة التاسعة
* سرية عيينة بن حصن الفزاري - في المحرم سنة ٩ هـ إلى بني تميم، في خمسين فارساً، لم يكن فيهم مهاجري ولا أنصاري. وسببها أن بني تميم كانوا قد أغروا القبائل، ومنعوهم عن أداء ما يستحق عليهم.
وخرج عيينة بن حصن يسير الليل ويكمن النهار حتى هجم عليهم في الصحراء فولى القوم مدبرين، وأخذ منهم أحد عشر رجلاً وإحدى وعشرين امرأة وثلاثين صبياً، وساقهم إلى المدينة، فأنزلوا في دار رملة بنت الحارث. وقدم فيهم عشرة من رؤسائهم، ثم اسلموا فأجازهم رسول الله ﷺ ، فأحسن جوائزهم، ورد عليهم نساءهم وأبناءهم.
* سرية قطبة بن عامر إلى حي من خثعم بناحية تبالة، بالقرب من تربة، في صفر
стр. 934
سنة ٩ هـ خرج قطبة في عشرين رجلاً على عشرة أبعرة يعتقبونها، فشن الغارة، فاقتتلوا قتالاً شديداً حتى كثر الجرحى في الفريقين جميعاً، وقتل قطبة مع من قتل، وساق المسلمون النعم والنساء والشاء إلى المدينة.
* سرية الضحاك بن سفيان الكلابي إلى بني كلاب في ربيع الأول سنة ٩ هـ بعثت هذه السرية إلى بني كلاب لدعوتهم إلى الإسلام، فأبوا وقاتلوا فهزمهم المسلمون وقتلوا منهم رجلاً.
* سرية علقمة بن مجزز المدلجي إلى سواحل جدة في شهر ربيع الآخر سنة ٩ هـ في ثلاثمائة. بعثهم إلى رجال من الحبشة كانوا قد اجتمعوا بالقرب من سواحل جدة للقيام بأعمال القرصنة ضد أهل مكة، فخاض علقمة البحر حتى انتهى إلى جزيرة، فلما سمعوا بمسير المسلمين إليهم هربوا.
* سرية علي بن أبي طالب إلى صنم لطيء يقال له الفلس - ليهدمه - في شهر ربيع الأول سنة ٩ هـ. بعثه رسول الله ﷺ في خمسين ومائة على مائة بعير وخمسين فرساً، ومعه راية سوداء ولواء أبيض، فشنوا الغارة على محلة حاتم مع الفجر، فهدموه وغنموا. اهـ من الرحيق.
* وفي رجب من سنة ٩ هـ حدثت غزوة تبوك، وسببها أن رسول الله ﷺ بلغه أن قيصر يعد العدة لحرب المسلمين، وقد جاء المسلمون إلى تبوك على حدود الشام ولم يأت الروم للحرب، فكان ذلك إثباتاً لقوة الإسلام على حدود الدولة البيزنطية ومحواً لأثر التراجع الذي تراجع به المسلمون يوم مؤتة. وكانت هذه الغزوة فتحاً كبيراً في مجموع ما انبثق عنها، فلقد كانت تبوك في هذه الغزوة قاعدة عمليات لرسول الله ﷺ تمخض عنها عهود وموادعات وسيطرة واستسلام. وقد ذكر ابن إسحاق مجيء صاحب أيلة وصلحه معر سول الله ﷺ وإعطاءه الجزية، ومجيء أهل جرباء وأذرح ومصالحتهم وإعطاءهم الجزية، وبعث خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة وأسره ومصالحته على دفع الجزية، وفي تبوك جاء رسول هرقل إلى رسول الله ﷺ فرأى من الآيات ولم يكن هرقل متحمساً للصراع مع رسول الله
стр. 935
صلى الله عليه وسلم فكانت غزوة تبوك فتحاً أشعرت عرب الشام أن رسول الله ﷺ هو سيد الموقف.
* وفي هذه السنة آلى رسول الله ﷺ من أزواجه شهراً.
* وفي هذه السنة وقعت عدة وقائع لها أهمية:
- بعد قدوم رسول الله ﷺ من تبوك وقع اللعان بين عويمر العجلاني وامرأته.
- رجمت المرأة الغامدية التي جاءت فاعترفت على نفسها بالفاحشة رجمت بعد ما فطمت ابنها.
- توفي النجاشي أصحمة، ملك الحبشة. وصلى عليه رسول الله ﷺ صلاة الغائب.
- توفيت أم كلثوم بنت النبي ﷺ ، فحزن عليها حزناً شديداً وقال لعثمان: لو كانت عندي ثالثة لزوجتكها.
- مات رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول بعد مرجع رسول الله ﷺ من تبوك، فاستغفر له رسول الله ﷺ ، وصلى عليه بعد ان حاول عمر منعه عن الصلاة عليه، وقد نزل القرآن بعد ذلك بموافقة عمر.
* هدم رسول الله ﷺ مسجد الضرار عند عودته من غزوة تبوك.
* وفي ذي القعدة أو ذي الحجة من السنة التاسعة بعث رسول الله ﷺ أبا بكر الصديق ﵁ أميراً على الحج ليقيم بالمسلمين المناسك، ثم نزلت أوائل سورة براءة التي منعت حج المشركين، وبعث أبو بكر ﵁ رجالاً ينادون في الناس ألا يحج بعد هذا العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان.
* في هذا العام تتابعت الوفود على رسول الله ﷺ ، ولقد بلغ عدد الوفود التي جاءت إلى رسول الله ﷺ سبعين وفداً. وكان حظ هذه السنة من هذه الوفود الحظ الأوفر، ولم تمض هذه السنة حتى سيطر الإسلام على الجزيرة العربية كلها تقريباً وهي ما هي مساحة، وأهلها أكثر خلق الله استعصاء على الانقياد والوحدة، حتى إنه لم يسيطر على جزيرة العرب ولم يوحدها أحد قبل محمد ﷺ ، وهاك قائمة ببعض وفود السنة التاسعة:
стр. 936
وفد بني أسد - وفد بني عبس - وفد بني فزارة - وفد بني مرة - وفد بني ثعلبة - وفد بني محارب - وفد بني كلاب - وفد بني رؤاس من كلاب - وفد بني عقيل بن كعب - وفد بني قشير بن كعب - وفد بني البكاء - وفد كنانة - وفد أشجع - وفد باهلة - وفد بني سليم - وفد بني هلال بن عامر - وفد بني بكر بن وائل - وفد بني تغلب - وفد ثقيل - وفد تجيب - وفد خولان - وفد جعفى - وفد الأزد - وفد كندة - وفد الصدف - وفد خشين - وفد بني سعد - وفد بني حنيفة - وفد همدان - وفد بلي - وفد عذرة - وفد عبد القيس.
* * *
تكاد السنوات الأخيرة في حياة رسول الله ﷺ تكون متشابهة: السنة التاسعة والعاشرة وجزء من الحادية عشر سنة الوفاة، فلا زالت السرايا تجول، وحدث في السنة التاسعة غزوة تبوك وهي آخر غزوة غزاها رسول الله ﷺ بنفسه، ومع السرايا هناك بعوث الدعوة، وهناك الوفود، وهناك جمع الصدقات وتوزيعها، وصهر الناس وتربيتهم قائم على قدم وساق، وقد توج هذا الصهر بحجة الوداع في السنة العاشرة.
* * *
стр. 937
فصل: في غزوة تبوك
٦٧٦ - * روى الحاكم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: غزا رسول الله ﵌ إحدى وعشرين غزوة، وشهدت معه تسع عشرة غزوة، وكان آخر غزوة غزاها رسول الله ﵌ تبوك.
٦٧٧ - * روى الترمذي عن عبد الرحمن بن سمرة ﵄ قال: جاء عثمان إلى النبي ﷺ بألف دينار في كمه حين جهز جيش العسرة، فينشرها في حجره. قال عبد الرحمن: فرأيت النبي ﷺ يقلبها في حجره، ويقول: "ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم" مرتين.
٦٧٨ - * روى البزار عن ابن عباس قال: قيل لعمر بن الخطاب: حدثنا عن شأن العسرة فقال عمر: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلاً أصابنا فيه عطش شديد حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن كان أحدنا يذهب يلتمس الخلاء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته تنقطع، وحتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويضعه على بطنه، فقال أبو بكر الصديق؛ يا رسول الله، إن الله عودك في الدعاء خيراً، فادع فقال النبي ﷺ "أتحب ذلك يا أبا بكر" قال: نعم. قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه فلم يرجعهما حتى قالت السماء، فأظلت ثم سكبت، فملؤوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر، فلم نجدها جاوزت عن العسكر.
٦٧٩ - * روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري، ﵁ قال: أرسلني
стр. 938
أصحابي إلى رسول الله ﷺ ، أسأله لهم الحملان، إذ هم معه في جيش العسرة، وهي غزوة تبوك، فقلت: يا نبي الله، إن أصحابي أرسلوني إليك لتحملهم، فقال: "والله لا أحملكم على شيء" ووافقته وهو غضبان، ولا أشعر، فرجعت حزيناً من منع رسول الله ﷺ ، ومن مخافة أن يكون رسول الله ﷺ قد وجد في نفسه علي، فرجعت إلى أصحابي، فأخبرتهم الذي قال النبي ﷺ ، فلم ألبث إلا سويعة إذ سمعت بلالاً ينادي: أي عبد الله بن قيس؟ فأجبته، فقال: أجب رسول الله ﷺ يدعوك، فلما أتيت رسول الله ﷺ قال: "خذ هذين القرينين، وهذين القرينين وهذين القرينين - لستة أبعرة ابتاعهن حينئذ من سعد - فانطلق بهن إلى أصحابك، فقل: إن الله - أو قال: إن رسول الله - يحملكم على هؤلاء، فاركبوهن" قال أبو موسى: فانطلقت إلى أصحابي بهن، فقلت: إن رسول الله ﷺ يحملكم على هؤلاء، ولكن والله، لا أدعكم حتى ينطلق معي بعضكم إلى من سمع مقالة رسول الله ﷺ ، حين سألته لكم، ومنعه في أول مرة، ثم إعطاءه إياي بعد ذلك، لا تظنوا أني حدثتكم شيئاً لم يقله، فقالوا لي: والله إنك عندنا لمصدق، ولنفعلن ما أحببت، فانطلق أبو موسى بنفر منهم، حتى أتوا الذين سمعوا قول رسول الله ﷺ ومنعه إياهم، ثم إعطاءهم بعد، فحدثوهم بما حدثهم به أبو موسى سواء.
قال ابن حجر في الفتح: فإن غزوة تبوك كانت في شهر رجب من سنة تسع قبل حجة الوداع بلا خلاف، وعند ابن عائذ من حديث ابن عباس أنها كانت بعد الطائف بستة أشهر، وليس مخالفاً لقول من قال في رجب إذا حذفنا الكسور؟ لأنه ﷺ قد دخل المدينة من رجوعه من الطائف في ذي الحجة. وتبوك مكان معروف هو نصف طريق المدينة إلى دمشق، ويقال بين المدينة وبينه أربع عشرة مرحلة.
وكان السبب فيما ذكره ابن سعد وشيخه وغيره قالوا: بلغ المسلمين من الأنباط الذين
стр. 939
يقدمون بالزيت من الشام إلى المدينة أن الروم جمعت جموعاً، وأجلبت معهم لخم وجذام وغيرهم من متنصرة العرب، وجاءت مقدمتهم إلى البلقاء، فندب النبي ﷺ الناس إلى الخروج، وأعلمهم بجهة غزوهم كما سيأتي في الكلام على حديث كعب بن مالك. وروى الطبراني من حديث عمران بن حصين قال: (كانت نصارى العرب كتبت إلى هرقل: أن هذا الرجل الذي خرج يدعي النبوة هلك وأصابتهم سنون فهلكت أموالهم، فبعث رجلاً من عظمائهم يقال له قباذ وجهز معه أربعين ألفاً، فبلغ النبي ﷺ ذلك ولم يكن للناس قوة، وكان عثمان قد جهز عيراً إلى الشام فقال: يا رسول الله هذه مائتا بعير بأقتابها وأحلاسها، ومائتا أوقية، قال فسمعته يقول: "لا يضر عثمان ما عمل بعدها" وأخرجه الترمذي والحاكم من حديث عبد الرحمن بن حيان نحوه، وذكر أبو سعيد في "شرف المصطفى" والبيهقي في "الدلائل" من طريق شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم (أن اليهود قالوا: يا أبا القاسم إن كنت صادقاً فالحق بالشام فإنها أرض المحشر وأرض الأنبياء، فغزا تبوك لا يريد إلا الشام، فلما بلغ تبوك أنزل الله تعالى الآيات من سورة بني إسرائيل (وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها) (١) الآية، انتهى، وإسناده حسن مع كونه مرسلاً. أ. هـ.
٦٨٠ - * روى أبو داود عن واثلة بن الأسقع ﵁ قال: نادى رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فخرجت إلى أهلي، فأقبلت وقد خرج أول صحابة رسول الله ﷺ فطفقت في المدينة أنادي: ألا من يحمل رجلاً له سهمه، فنادى شيخ من الأنصار، قال: لنا سهمه على أن نحمله عقبة، وطعامه معنا؟ قلت: نعم، قال: فسر على بركة الله، قال: فخرجت مع خير صاحب، حتى أفاء الله علينا، فأصابني قلائص، فسقتهن حتى أتيته، فخرج فقعد على حقيبة من حقائب إبله، ثم قال: سقهن مدبرات، ثم قال:
стр. 940
سقهن مقبلات، فقال: ما أرى قلائصك إلا كراماً، قال: إنما هي غنيمتك التي شرطت لك، قال: خذ قلائصك يا ابن أخي، فغير سهمك أردنا.
٦٨١ - * روى الحاكم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: لما سار رسول الله ﵌ إلى تبوك جعل لا يزال يتخلف الرجل فيقولون: يا رسول الله تخلف فلان. فيقول رسول الله ﵌: "دعوه، إن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه" حتى قيل: يا رسول الله تخلف أبو ذر وأبطأ به بعيره. فقال رسول الله ﵌: "دعوه إن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه". فتلوم أبو ذر ﵁ على بعيره فأبطأ عليه، فلما أبطأ عليه أخذ متاعه، فجعله على ظهره، فخرج يتبع رسول الله ﵌ ماشياً، ونزل رسول الله ﵌ في بعض منازله، ونظر ناظر من المسلمين، فقال: يا رسول الله، هذا رجل يمشي على الطريق. فقال رسول الله ﵌: "كن أبا ذر" فلما تأمله القوم قالوا: يا رسول الله هو والله أبو ذر فقال رسول الله ﵌: "رحم الله أبا ذر يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده" فضرب الدهر من ضربته وسير أبو ذر إلى الربذة، فلما حضره الموت، أوصى امرأته وغلامه إذا مت فاغسلاني وكفناني ثم احملاني فضعاني على قارعة الطريق فأول ركب يمرون بكم فقولوا هذا أبو ذر، فلما مات فعلوا به كذلك، فاطلع ركب فما علموا به حتى كادت ركائبهم تطأ سريره فإذا ابن مسعود في رهط من أهل الكوفة، فقالوا ما هذا؟ فقيل جنازة أبي ذر فاستهل ابن مسعود ﵁ يبكي، فقال: صدق رسول الله ﵌ يرحم الله أبا ذر يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده، فنزل فوليه بنفسه حتى أجنه، فلما قدموا المدينة ذكر لعثمان قول عبد الله وما ولي منه.
стр. 941
٦٨٢ - * روى البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: خلف رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب في غزوة تبوك، فقال: يا رسول الله، تخلفني في النساء والصبيان؟ فقال: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لا نبي بعدي؟ ".
وفي رواية مثله (١)، ولم يقل فيه: "غير أنه لا نبي بعدي".
ولمسلم (٢): أن رسول الله ﷺ قال لعلي: "أنت مني بمنزلة هارون منموسى، إلا أنه لا نبي بعدي".
قال ابن المسيب: فأحببت أن أشافه بها سعداً. فلقيت سعداً فحدثته بما حدثني عامر. فقال: أنا سمعته. فقلت: أنت سمعته؟ فوضع إصبعيه على أذنيه فقال: نعم. وإلا فاستكتا.
وفي رواية الترمذي مختصراً (٣): أنه قال لعلي: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى".
٦٨٣ - * روى البخاري ومسلم عن أبي حميد الساعدي ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ غزوة تبوك، فأتينا وادي القرى على حديقة لامرأة، فقال رسول الله ﷺ : "اخرصوها" فخرصناها، وخرصها رسول الله ﷺ عشرة أوسق، وقال: "أحصيها، حتى نرجع إليك إن شاء الله" وانطلقنا حتى قدمنا تبوك، فقال رسول الله ﷺ : "ستهب عليكم الليلة ريح شديدة، فلا يقم فيها أحد منكم، فمن كان
стр. 942
له بعير فليشد عقاله" فهبت ريح شديدة، فقام رجل، فحملته الريح حتى ألقته بجبلي طيء وجاء رسول ابن العلماء صاحب أيلة إلى رسول الله ﷺ بكتاب، وأهدى له بغلة بيضاء، فكتب إليه رسول الله ﷺ ، وأهدى له برداً، ثم أقبلنا حتى قدمنا وادي القرى، فسأل رسول الله ﷺ المرأة عن حديقتها: "كم بلغ ثمرها"؟ فقالت: عشرة أوسق، فقال رسول الله ﷺ : "إني مسرع، فمن شاء منكم فليسرع معي، ومن شاء فليمكث" فخرجنا حتى أشرفنا على المدينة، فقال: "هذه طابة، وهذا أحد، وهو جبل يحبنا ونحبه" ثم قال: "إن خير دور الأنصار: دار بني النجار، ثم دار بني عبد الأشهل، ثم دار بني عبد الحارث بن الخزرج، ثم دار بني ساعدة، وفي كل دور الأنصار خير" فلحقنا سعد بن عبادة، فقال أبو أسيد: ألم تر أن رسول الله ﷺ خير دور الأنصار، فجعلنا آخراً، فأدرك سعد رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، خيرت دور الأنصار، فجعلتنا آخراً؟ فقال: "أو ليس بحسبكم أن تكونوا من الخيار؟ ".
٦٨٤ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: لما مر النبي ﷺ بالحجر قال: "لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، أن يصيبكم ما
стр. 943
أصابهم، إلا أن تكونوا باكين" ثم قنع رأسه وأسرع السير، حتى أجاز الوادي.
وفي أخرى للبخاري (١): أنه قال لأصحاب الحجر: "لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين، إلا أن تكونوا باكين، أن يصيبكم مثل ما أصابهم".
وفي أخرى لمسلم (٢): أنه قال لأصحاب الحجر: "لا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذبين .. " ثم ذكر مثله.
٦٨٥ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: إن الناس نزلوا مع رسول الله ﷺ على الحجر - أرض ثمود - فاستقوا من آبارها، وعجنوا به العجين، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يهريقوا ما استقوا ويعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة.
وللبخاري (٤): أن رسول الله ﷺ ، لما نزل الحجر في غزوة تبوك أمرهم: أن لا يشربوا من بئارها، ولا يستقوا منها، فقالوا: قد عجنا منها واستقينا، فأمرهم النبي ﷺ أن يطرحوا ذلك العجين، ويهريقوا ذلك الماء.
٦٨٦ - * روى أحمد والبزار عن جابر أن رسول الله ﷺ لما نزل الحجر في غزوة تبوك، قامي خطب الناس، فقال: "يا أيها الناس! لا تسألوا نبيكم عن الآيات، أو لا تسألوا نبيكم الآيات، فإن قوم صالح سألوا نبيهم أن يبعث لهم آية، فبعث الله ﵎ لهم الناقة، فكانت ترد من هذا الفج، فتشرب ماءهم يوم وردها،
стр. 944
وتصدر من هذا الفج، فعتوا عن أمر ربهم، فعقروا الناقة، فقيل لهم: تمتعوا في داركم ثلاثة أيام، أو قيل لهم: إن العذاب يأتيكم إلى ثلاثة أيام، ثم جاءتهم الصيحة، فأهلك الله من كان تحت مشارق الأرض ومغاربها منهم إلا رجلاً كان في حرم الله، فمنعه من عذاب الله" قالوا: يا رسول الله! من هو؟ قال: "أبو رغال" قيل: ومن أبو رغال؟ قال: "جد ثقيف".
٦٨٧ - * روى الحاكم عن معاذ بن جبل قال: كنا مع رسول الله ﵌ في غزوة تبوك، فقال لي: "إن شئت أنبأتك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه" قال: قلت: أجل يا رسول الله، قال: "أما رأس الأمر فالإسلام وأما عموده فالصلاة، وأما ذروة سنامه فالجهاد".
٦٨٨ - * روى أحمد عن أبي الطفيل قال: لما أقبل رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أمر منادياً، فنادى أن رسول الله ﷺ آخذ العقبة، فلا يأخذها أحد، فبينا رسول الله ﷺ يقوده حذيفة ويسوق به عمار إذ أقبل رهط متلثمون على الرواحل، فقال رسول الله ﷺ لحذيفة. "قد قد" حتى هبط رسول الله ﷺ ، فلما هبط رسول الله ﷺ نزل، ورجع عمار فقال: "يا عمار هل عرفت القوم" فقال: قد عرفت عامة الرواحل، والقوم متلثمون. قال: "هل تدري ما أرادوا"؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: "أرادوا أن ينفروا برسول الله ﷺ فيطرحوه" قال: فساب عمار ﵁ رجلاً من
стр. 945
أصحاب رسول الله ﷺ فقال: نشدتك بالله كم تعلم كان أصحاب العقبة فقال: أربعة عشر. فقال: إن كنت فيهم كانوا خمسة عشر، فعد رسول الله ﷺ منهم ثلاثة قالوا: والله ما سمعنا منادي رسول الله ﷺ ، وما علمنا ما أراد القوم. فقال عمار: أشهد أن الاثني عشر الباقين حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. قال الوليد: وذكر أبو الطفيل في تلك الغزوة أن رسول الله ﷺ قال للناس، ذكر له أن في الماء قلة فأمر رسول الله ﷺ منادياً فنادى: "أن لا يرد الماء أحد قبل رسول الله ﷺ " فورده رسول الله ﷺ فوجد رهطاً قد وردوه قبله فلعنهم رسول الله ﷺ يومئذ.
٦٨٩ - * روى أحمد والبزار عن حذيفة قال: خرج النبي ﷺ يوم غزوة تبوك فبلغه أن في الماء قلة فأمر منادياً فنادى في الناس: "أن لا يسبقني في الماء أحد" فأتى الماء وقد سبقه قوم فلعنهم.
٦٩٠ - * روى الطبراني عن حمزة بن عمرو الأسلمي قال: خرج رسول الله ﷺ إلى غزوة تبوك وكنت على خدمته ذلك السفر، فنظرت على نحي السمن قد قل ما فيه، وهيأت للنبي ﷺ طعاماً فوضعت النحي في الشمس ونمت، فانتبهت بخرير النحي، فقمت فأخذت برأسه بيدي، فقال رسول الله ﷺ ، ورآني: "لو تركته لسال وادياً سمناً".
٦٩١ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب رضي الله
стр. 946
عنه من بنيه حين عمي قال: سمعت كعب بن مالك ﵁ يحدث بحديثه حين تخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك. قال كعب بن مالك: لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك، غير أني قد تخلفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحداً تخلف عنه، إنما خرج رسول الله ﷺ والمسلمون يريدون عير قريش حتى جمع الله تعالى بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد. ولقد شهدت مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها. وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله ﷺ ، في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة ولم يكن رسول الله ﷺ يريد غزوة إلا ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة، فغزاها رسول الله ﷺ في حر شديد، واستقبل سفراً بعيداً ومفازاً، واستقبل عدواً كثيراً، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم فأخبرهم بوجههم الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ، يريد بذلك الديوان، قال كعب: فقل رجل يريد أن يتغيب إلا يظن أن ذلك سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي من الله، وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال فأنا إليها أصعر فتجهز رسول الله ﷺ والمسلمون معه، وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقض شيئاً، وأقول في نفسي: أنا قادر على ذلك إذا أردت، فلم يزل ذلك (١)
стр. 947
يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد، فأصبح رسول الله ﷺ غادياً والمسلمون معه. ولم أقض من جهازي شيئاً. ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئاً، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو. فهممت أن أرتحل فأدركهم. فيا ليتني فعلت، ثم لم يقدر ذلك لي، فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله ﷺ يحزنني أني لا أرى لي أسوة، إلا رجلاً مغموصاً عليه في النفاق، أو رجلاً ممن عذر الله تعالى من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله ﷺ حت بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: "ما فعل كعب بن مالك؟ " فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله حبسه برداه، والنظر في عطفيه. فقال له معاذ بن جبل ﵁: بئس ما قلت! والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيراً، فسكت رسول الله ﷺ . فبينا هو على ذلك رأى رجلاً مبيضاً يزول به السراب، فقال رسول الله ﷺ : "كن أبا خيثمة" فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري وهو الذي تصدق بصاع التمر حين لمزه المنافقون، قال كعب بن مالك: فلما بلغني أن رسول الله ﷺ قد توجه قافلاً من تبوك حضرني بثي، فطفقت أتذكر الكذب وأقول: بم أخرج من سخطه غداً؟ وأستعين على ذلك كل ذي رأي من أهلي، فلما قيل لي: إن رسول الله ﷺ قد أظل قادماً زاح عني الباطل حتى عرفت أني لن أنجو منه بشيء أبداً، فأجمعت صدقه، وصبح رسول الله ﷺ قادماً، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه (١)
стр. 948
ركعتين ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعاً وثمانين رجلاً. فقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم. وبايعهم واستغفر لهم. ووكل سرائرهم إلى الله تعالى حتى جئت. فلما سلمت تَبَسمَ تَبسُّمَ المغضب ثم قال: "تعال" فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: "ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ " قال قلت: يا رسول الله إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر. لقد أعطيت جدلاً، ولكنني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أني سخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه عقبى الله ، والله ما كان لي عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك.
قال رسول الله ﷺ : "أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك". وسار رجال من بني سلمة فاتبعوني. فقالوا لي: والله ما علمناك أذنبت ذنباً قبل هذا، لقد عجزت في أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله ﷺ بما اعتذر به إليه المخلفون فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله ﷺ لك. قال: فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله ﷺ فأكذب نفسي، قال: ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي من أحد؟ قالوا: نعم لقيه معك رجلان قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، قال قلت: من هما؟ قالوا، مرارة بن الربيع العمري، وهلال بن أمية الواقفي؟ قال: فذكروا
стр. 949
لي رجلين صالحين قد شهداً بدراً فيهما أسوة. قال: فمضيت حين ذكروهما لي. قال: ونهى رسول الله ﷺ عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، قال: فاجتنبنا الناس - وقال: تغيروا لنا - حتى تنكرت لي في نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله ﷺ فأسلم عليه، وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام أم لا؟ ثم أصلي قريباً منه وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال ذلك علي من جفوة المسلمين مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه فوالله ما رد علي السلام، فقلت له: يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله ﷺ ؟ فسكت، فعدت فناشدته فسكت: فعدت فناشدته فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي، وتوليت حتى تسورت الجدار، فبينا أنا أمشي في سوق المدينة إذا نبطي من نبط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك؟ قال: فطفق الناس يشيرون له إلي حتى جاءني فدفع إلي كتاباً من ملك عسان، وكنت كاتباً. فقرأته فإذا فيه: أما بعد فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك، قال: فقلت حين قرأتها: وهذه أيضاً من البلاء فتيممت بها التنور فسجرتها بها، حتى إذا مضت أربعون من الخمسين واستلبث الوحي، إذا رسولُ رسولِ الله ﷺ يأتيني، فقال: إن رسول الله (١)
стр. 950
صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك فقلت: أطلقها، أم ماذا أفعل؟ قال: لا، بل اعتزلها فلا تقربنها، قال: فأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك. قال: فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر، قال: فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله ﷺ فقالت له: يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: "لا، ولكن لا يقربنك" فقالت: إنه والله ما به من حركة إلى شيء، ووالله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا. قال: فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله ﷺ في امرأتك، فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه؟ قال: فقلت: لا أستأذن فيها رسول الله ﷺ ، وما يدريني ماذا يقول رسول الله ﷺ إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب! فلبثت بذلك عشر ليال، فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهي عن كلامنا.
قال: ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى منا، قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفى على سلع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر، قال: فخررت ساجداً، وعرفت أن قد جاء فرج. قال: فآذن رسول الله ﷺ الناس بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر فذهب الناس يبشروننا، فذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض رجل إلي فرساً وسعى ساع من أسلم قبلي وأوفى الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته، والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما فانطلقت أتأمم رسول الله ﷺ يتلقاني الناس فوجاً فوجاً يهنئونني بالتوبة ويقولون: