← Сира

Сира · id 18332

الأساس في السنة وفقهها - السيرة النبوية

سعيد حوى

Полный текст (2 129 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

عنه من بنيه حين عمي قال: سمعت كعب بن مالك ﵁ يحدث بحديثه حين تخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك. قال كعب بن مالك: لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك، غير أني قد تخلفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحداً تخلف عنه، إنما خرج رسول الله ﷺ والمسلمون يريدون عير قريش حتى جمع الله تعالى بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد. ولقد شهدت مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها. وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله ﷺ ، في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة ولم يكن رسول الله ﷺ يريد غزوة إلا ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة، فغزاها رسول الله ﷺ في حر شديد، واستقبل سفراً بعيداً ومفازاً، واستقبل عدواً كثيراً، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم فأخبرهم بوجههم الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ، يريد بذلك الديوان، قال كعب: فقل رجل يريد أن يتغيب إلا يظن أن ذلك سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي من الله، وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال فأنا إليها أصعر فتجهز رسول الله ﷺ والمسلمون معه، وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقض شيئاً، وأقول في نفسي: أنا قادر على ذلك إذا أردت، فلم يزل ذلك (١)

стр. 947

يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد، فأصبح رسول الله ﷺ غادياً والمسلمون معه. ولم أقض من جهازي شيئاً. ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئاً، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو. فهممت أن أرتحل فأدركهم. فيا ليتني فعلت، ثم لم يقدر ذلك لي، فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله ﷺ يحزنني أني لا أرى لي أسوة، إلا رجلاً مغموصاً عليه في النفاق، أو رجلاً ممن عذر الله تعالى من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله ﷺ حت بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: "ما فعل كعب بن مالك؟ " فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله حبسه برداه، والنظر في عطفيه. فقال له معاذ بن جبل ﵁: بئس ما قلت! والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيراً، فسكت رسول الله ﷺ . فبينا هو على ذلك رأى رجلاً مبيضاً يزول به السراب، فقال رسول الله ﷺ : "كن أبا خيثمة" فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري وهو الذي تصدق بصاع التمر حين لمزه المنافقون، قال كعب بن مالك: فلما بلغني أن رسول الله ﷺ قد توجه قافلاً من تبوك حضرني بثي، فطفقت أتذكر الكذب وأقول: بم أخرج من سخطه غداً؟ وأستعين على ذلك كل ذي رأي من أهلي، فلما قيل لي: إن رسول الله ﷺ قد أظل قادماً زاح عني الباطل حتى عرفت أني لن أنجو منه بشيء أبداً، فأجمعت صدقه، وصبح رسول الله ﷺ قادماً، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه (١)

стр. 948

ركعتين ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعاً وثمانين رجلاً. فقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم. وبايعهم واستغفر لهم. ووكل سرائرهم إلى الله تعالى حتى جئت. فلما سلمت تَبَسمَ تَبسُّمَ المغضب ثم قال: "تعال" فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: "ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ " قال قلت: يا رسول الله إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر. لقد أعطيت جدلاً، ولكنني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أني سخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه عقبى الله ، والله ما كان لي عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك. قال رسول الله ﷺ : "أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك". وسار رجال من بني سلمة فاتبعوني. فقالوا لي: والله ما علمناك أذنبت ذنباً قبل هذا، لقد عجزت في أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله ﷺ بما اعتذر به إليه المخلفون فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله ﷺ لك. قال: فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله ﷺ فأكذب نفسي، قال: ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي من أحد؟ قالوا: نعم لقيه معك رجلان قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، قال قلت: من هما؟ قالوا، مرارة بن الربيع العمري، وهلال بن أمية الواقفي؟ قال: فذكروا

стр. 949

لي رجلين صالحين قد شهداً بدراً فيهما أسوة. قال: فمضيت حين ذكروهما لي. قال: ونهى رسول الله ﷺ عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، قال: فاجتنبنا الناس - وقال: تغيروا لنا - حتى تنكرت لي في نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله ﷺ فأسلم عليه، وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام أم لا؟ ثم أصلي قريباً منه وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال ذلك علي من جفوة المسلمين مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه فوالله ما رد علي السلام، فقلت له: يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله ﷺ ؟ فسكت، فعدت فناشدته فسكت: فعدت فناشدته فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي، وتوليت حتى تسورت الجدار، فبينا أنا أمشي في سوق المدينة إذا نبطي من نبط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك؟ قال: فطفق الناس يشيرون له إلي حتى جاءني فدفع إلي كتاباً من ملك عسان، وكنت كاتباً. فقرأته فإذا فيه: أما بعد فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك، قال: فقلت حين قرأتها: وهذه أيضاً من البلاء فتيممت بها التنور فسجرتها بها، حتى إذا مضت أربعون من الخمسين واستلبث الوحي، إذا رسولُ رسولِ الله ﷺ يأتيني، فقال: إن رسول الله (١)

стр. 950

صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك فقلت: أطلقها، أم ماذا أفعل؟ قال: لا، بل اعتزلها فلا تقربنها، قال: فأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك. قال: فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر، قال: فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله ﷺ فقالت له: يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: "لا، ولكن لا يقربنك" فقالت: إنه والله ما به من حركة إلى شيء، ووالله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا. قال: فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله ﷺ في امرأتك، فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه؟ قال: فقلت: لا أستأذن فيها رسول الله ﷺ ، وما يدريني ماذا يقول رسول الله ﷺ إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب! فلبثت بذلك عشر ليال، فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهي عن كلامنا. قال: ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى منا، قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفى على سلع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر، قال: فخررت ساجداً، وعرفت أن قد جاء فرج. قال: فآذن رسول الله ﷺ الناس بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر فذهب الناس يبشروننا، فذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض رجل إلي فرساً وسعى ساع من أسلم قبلي وأوفى الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته، والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما فانطلقت أتأمم رسول الله ﷺ يتلقاني الناس فوجاً فوجاً يهنئونني بالتوبة ويقولون:

стр. 951

لتهنك توبة الله عليك، حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله ﷺ جالس في المسجد وحوله الناس، فقام طلحة بن عبيد الله ﵁ يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام رجل من المهاجرين غيره، قال: فكان كعب لا ينساها لطلحة. قال كعب: فلما سلمت على رسول الله ﷺ ، قال، وهو يبرق وجهه من السرور ويقول: "أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك" فقلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: "لا، بل من عند الله " وكان رسول الله ﷺ إذا سر استنار وجهه حتى كأن وجهه قطعة قمر، قال: وكنا نعرف ذلك منه، قال: فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك" قال فقلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر. قال: وقلت: يا رسول الله إن الله تعالى إنما أنجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقاً ما بقيت، قال: فوالله ما علمت أن أحداً من المسلمين أبلاه الله تعالى في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ أحسن مما أبلاني الله تعالى به، والله ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا، وإني لأرجو أني حفظني الله تعالى فيما بقي، قال: فأنزل الله تعالى: (لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة) حتى بلغ: (إنه بهم رؤوف رحيم * وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت) حتى بلغ: (اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) (١) قال كعب: والله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد إذ هداني الله للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله ﷺ أن لا أكون كذبته، فأهلك كما هلك الذين كذبوا؛ إن الله تعالى قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد، قال الله تعالى: (سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم

стр. 952

فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون * يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين) (١). قال كعب: كنا خلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله ﷺ حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله ﷺ أمرنا حتى قضى الله تعالى فيه، فبذلك قال الله تعالى: (وعلى الثلاثة الذين خلفوا) وليس الذي ذكر مما خلفنا تخلفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه. وفي رواية (٢): ونهى النبي ﷺ عن كلامي وكلام صاحبي، ولم ينه عن كلام أحد من المتخلفين غيرنا، فاجتنب الناس كلامنا، فلبثت كذلك، حتى طال علي الأمر وما من شيء أهم إلي من أن أموت، فلا يصلي علي النبي ﷺ أو يموت رسول الله ﷺ ، فأكون من الناس بتلك المنزلة، فلا يكلمني أحد منهم، ولا يصلي علي، فأنزل الله توبتنا على نبيه ﷺ ، حين بقي الثلث الآخر من الليل، ورسول الله ﷺ عند أم سلمة، وكانت أم سلمة محسنة في شأني معنية في أمري، فقال رسول الله ﷺ : "يا أم سلمة، تيب على كعب"، قالت: أفلا أرسل إليه فأبشره؟ قال: "إذا يحطمكم الناس، فيمنعونكم النوم سائر الليلة" حتى إذا صلى رسول الله ﷺ صلاة الفجر، آذن بتوبة الله علينا. وفي رواية (٣): أن النبي ﷺ خرج يوم الخميس في غزوة تبوك، وكان يحب أن يخرج يوم الخميس.

стр. 953

وفي رواية (١): طرف من هذا الحديث، وفيها زيادة معنى: أن رسول الله ﷺ كان لا يقدم من سفر إلا نهاراً في الضحى، فإذا قدم بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين، ثم جلس فيه. قال محقق الجامع: في هذا الحديث فوائد كثيرة، منها: إباحة الغنيمة لهذه الأمة، إذ قال: يريدون عيراً لقريش، وفضيلة أهل بدر والعقبة، والمبايعة مع الإمام، وجواز الحلف من غير استحلاف، وتورية المقصد إذا دعت إليه ضرورة، والتأسف على ما فات من الخير، وتمني المتأسف عليه، ورد الغيبة، وهجران أهل البدعة، وأن للإمام أن يؤدب بعض أصحابه بإمساك الكلام عنه، واستحباب صلاة القادم، ودخوله المسجد أولاً، وتوجه الناس إليه عند قدومه، والحكم بالظاهر وقبول المعاذير، واستحباب البكاء على نفسه، وأن مسارقة النظر في الصلاة لا تبطلها، وفضيلة الصدق، وأن السلام ورده كلام، وجواز دخول بستان صديقه بغير إذنه، وأن الكتابة لا يقع بها الطلاق ما لم ينوه. وإيثار طاعة الله ورسوله على مودة القريب، وخدمة المرأة لزوجها، والاحتياط بمجانبة ما يخاف منه الوقوع في منهي عنه، إذ إن كعباً لم يستأذن في خدمة امرأته لذلك، وجواز إحراق ورقة فيها ذكر الله تعالى إذا كان لمصلحة، واستحباب التبشير عند تجدد النعمة واندفاع الكربة، واجتماع الناس عند الإمام في الأمور المهمة، وسروره بما ينسر أصحابه، والتصدق بشيء عند ارتفاع الحزن، والنهي عن التصدق بكل المال عند خوف عدم الصبر، وإجازة التبشير بخلعة، وتخصيص اليمين بالنية، وجواز العارية ومصافحة القادم، والقيام له، واستحباب سجدة الشكر، والتزام مداومة الخير الذي انتفع به. فائدة: قال الدكتور السباعي: وفي غزوة تبوك أو العسرة آيات بينات على ما يفعله الإيمان الصادق في نفوس المؤمنين من إثارة عزائمهم للقتال واندفاع أيديهم في بذل المال ومن استعذابهم الحر والعناء والتعب

стр. 954

الشديد في سبيل الله ومرضاته، ولذلك لما تخلف ثلاثة من المؤمنين الصادقين في إيمانهم عن هذه الغزوة من غير عذر، أمر الرسول ﷺ بمقاطعتهم، فامتنع أزواجهم وآباؤهم عن مكالمتهم فضلاً عن جمهور المسلمين. وقد ربط بعضهم نفسه بعمد المسجد، واحتبس آخر نفسه في البيت، حتى تاب الله عليهم بعد أن أخذ المسلمون درساً بليغاً فيمن يتخلف عن أداء الواجب لغير عذر، ويؤثر الراحة على التعب، والظل الظليل على حر الشمس وشدتها. * * *

стр. 955

فصل: في أسر أكيدر دومة الجندل ٦٩٢ - * روى أبو داود عن أنس بن مالك ﵁، أن النبي ﷺ بعث خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة فأخذ، فأتوه به، فحقن له دمه وصالحه على الجزية. وصل: إسلام عروة بن مسعود ٦٩٣ - * روى الطبراني عن عروة يعني ابن الزبير قال: لما أنشأ الناس الحج سنة تسع، قدم عروة بن مسعود على رسول الله ﷺ مسلماً فاستأذن رسول الله ﷺ أن يرجع إلى قومه، فقال رسول الله ﷺ : "إني أخاف أن يقتلوك" قال لو وجدوني نائماً ما أيقظوني. فأذن له رسول الله ﷺ . فرجع إلى قومه مسلماً. فرجع عشاء فجاء ثقيف يحيونه، فدعاهم إلى الإسلام فاتهموه وأغضبوه وأسمعوه فقتلوه. فقال رسول الله ﷺ : "مثل عروة مثل صاحب ياسين دعا قومه إلى الله فقتلوه". * * *

стр. 956

فصل: في الحج سنة تسع ٦٩٤ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: بعث رسول الله ﷺ أبا بكر، وأمره أن ينادي بهؤلاء الكلمات، ثم أتبعه علياً، فبينا أبو بكر في بعض الطريق، إذ سمع رغاء ناقة رسول الله ﷺ القصواء، فخرج أبو بكر فزعاً فظن أنه رسول الله ﷺ ، فإذا هو علي، فدفع إليه كتاب رسول الله ﷺ ، وأمر علياً أن ينادي بهؤلاء الكلمات فانطلقا، فحجا، فقام علي أيام التشريق فنادى: ذمة الله ورسوله بريئة من كل مشرك، فسيحوا في الأرض أربعة أشهر، ولا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا مؤمن، وكان علي ينادي، فإذا عيي قام أبو بكر، فنادى بها. ٦٩٥ - * وروى الترمذي عن أنس بن مالك ﵁ قال: بعث النبي ﷺ بـ (براءة) مع أبي بكر، ثم دعاه فقال: "لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا إلا رجل من أهلي". فدعا علياً، فأعطاه إياه. ٦٩٦ - * روى الحاكم عن أبي هريرة قال: كنت مع علي بن أبي طالب ﵁ حين بعثه رسول الله ﵌ إلى أهل مكة ببراءة. فقيل: ما كنتم تنادون فقال: كنا ننادي أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله ﵌ عهد فأجله ومدة عهده إلى أربعة أشهر، فإذا مضت الأربعة الأشهر فإن الله بريء من المشركين ورسوله، ولا يحج مشرك. فكنت أنادي حتى صحل صوتي. * * *

стр. 957

فصل: في تهديم ذي الخلصة ٦٩٧ - * روى البخاري ومسلم عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: كان بيت في الجاهلية يقال له؛ ذو الخلصة، والكعبة اليمانية، والكعبة الشامية، فقال لي النبي ﷺ : "ألا تريحني من ذي الخلصة؟ " فنفرت في مائة وخمسين راكباً، فكسرناه، وقتلنا من وجدنا عنده، فأتيت النبي ﷺ ، فأخبرته، فدعا لنا ولأحمس. وفي رواية (٢) عن جرير قال لي رسول الله ﷺ : "ألا تريحني من ذي الخلصة؟ " فقلت: بلى. فانطلقت في خمسين ومائة فارس من أحمس، وكانوا أصحاب خيل وكنت لا أثبت على الخيل، فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فضرب يده على صدري حتى رأيت أثر يده في صدري وقال: "اللهم ثبته واجعله هادياً مهدياً" قال: فما وقعت عن فرس بعد. قال: وكان ذو الخلصة بيتاً باليمن لخثعم وبجيلة فيه نصب تعبد، يقال له الكعبة. قال: فأتاها فحرقها بالنار وكسرها. قال: ولما قدم جرير اليمن كان بها رجل يستقسم بالأزلام، فقيل له: إن رسولَ رسولِ الله ﷺ ها هنا، فإن قدر عليك ضرب عنقك. قال: فبينما هو يضرب بها إذ وقف عليه جرير فقال: لتكسرنها ولتشهدن أن لا إله إلا الله أو لأضربن عنقك. قال: فكسرها وشهد. ثم بعث جرير رجلاً من أحمس يكنى أبا أرطاة إلى النبي ﷺ يبشره بذلك. فلما أتى النبي ﷺ قال: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق ما جئت حتى تركتها كأنها جمل أجرب، قال فبرك النبي ﷺ على خيل أحمس ورجالها خمس مرات.

стр. 958

قال ابن حجر في الفتح: وقد وقع ذكر ذي الخلصة في حديث أبي هريرة عند الشيخين في كتاب الفتن مرفوعاً "لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس حول ذي الخلصة وكان صنماً تعبده دوس في الجالهية. والذي يظهر لي أنه غير المراد في حديث الباب، وإن كان السهيلي يشير إلى اتحادهما؛ لأن دوسا قبيلة أبي هريرة وهم ينتسبون إلى دوس بن عدثان بضم المهملة وبعد الدال الساكنة مثلثة ابن عبد الله بن زهران، ينتهي نسبهم إلى الأزد، فبينهم وبين خثعم تباين في النسب والبلد. وذكر ابن دحية أن ذا الخلصة المراد في حديث أبي هريرة كان عمرو بن لحي قد نصبه أسفل مكة، وكانوا يلبسونه القلائد ويجعلون عليه بيض النعام ويذبحون عنده، وأما الذي لخثعم فكانوا قد بنوا بيتاً يضاهون به الكعبة فظهر الافتراق وقوي التعدد. والله أعلم. قوله (والكعبة اليمانية والكعبة الشامية) كذا فيه، قيل وهو غلط والصواب اليمانية فقط، سموها بذلك مضاهاة للكعبة، والكعبة البيت الحرام بالنسبة لمن يكون جهة اليمن شامية فسموا التي بمكة شامية والتي عندهم يمانية تفريقاً بينهما. والذي يظهر لي أن الذي في الرواية صواب وأنها كان يقال لها اليمانية باعتبار كونها باليمن والشامية باعتبار أنهم جعلوا بابها مقابل الشام. وقال تعليقاً على أن من كان مع جرير كانوا مائة وخمسين: وجدت في "كتاب الصحابة لابن السكن" أنهم كانوا أكثر من ذلك، فذكر عن قيس ابن غربة الأحمسي أنه وفد في خمسمائة، قال: وقدم جرير في قومه وقدم الحجاج بن ذي الأعين في مائتين، قال: وضم إلينا ثلاثمائة من الأنصار وغيرهم، فغزونا بني خثعم. فكأن المائة والخمسين هم قوم جرير وتكملة المائتين أتباعهم وكأن الرواية التي فيها سبعمائة من كان من رهط جرير وقيس بن غربة لأن الخمسين كانوا من قبيلة واحدة، وغربة بفتح المعجمة والراء المهملة بعدها موحدة ضبطه الأكثر. وقوله "يستقسم" أي يستخرج غيب ما يريد فعله من خير أو شر، وقد حرم الله ذلك بقوله تعالى (وأن تستقسموا بالأزلام) (١) وحكى أبو الفرج الأصبهاني أنهم كانوا

стр. 959

يستقسمون عند ذي الخلصة، وأن أمرأ القيس لما خرج يطلب بثأر أبيه استقسم عنده فخرج له ما يكره، فسب الصنم ورماه بالحجارة وأنشد: لو كنت يا ذا الخلص الموتورا ... لم تنه عن قتل العداة زورا قال: فلم يستقسم عنده أحد بعد حتى جاء الإسلام. قلت: وحديث الباب يدل على أنهم استمروا يستقسمون عنده حتى نهاهم الإسلام، وكأن الذي استقسم عنده بعد ذلك لم يبلغه التحريم أو لم يكن أسلم حتى زجره جرير. وقوله (ألا تريحني) هو بتخفيف اللام طلب يتضمن الأمر، وخص جريراً بذلك لأنها كانت في بلاد قومه وكان هو من أشرافهم، والمراد بالراحة راحة القلب، وما كان شيء أتعب لقلب النبي ﷺ من بقاء ما يشرك به من دون الله تعالى. وروى الحاكم في "الإكليل" من حديث البراء بن عازب قال: قدم على النبي ﷺ مائة رجل من بني بجيلة وبني قشير مع جرير بن عبد الله، فسأله عن بني خثعم فاخبره أنهم أبوا أن يجيبوا إلى الإسلام، فاستعمله على عامة من كان معه، وندب معه ثلاثمائة من الأنصار، وأمره أن يسير إلى خثعم، فيدعوهم ثلاثة أيام. فإن أجابوا إلى الإسلام قبل منهم وهدم صنمهم ذا الخلصة، وإلا وضع فيهم السيف. قوله (فدعا لنا ولأحمس) بمهملة وزن أحمر وهم إخوة بجيلة بفتح الموحدة وكسر الجيم رهط جرير، ينتسبون إلى أحمس بن الغوث بن أنمار، وبجيلة امرأة نسبت إليها القبيلة المشهورة، ومدار نسبهم أيضاً على أنمار. وفي العرب قبيلة أخرى يقال لها: أحمس ليست مرادة هنا ينتسبون إلى أحمس بن ضبيعة بن ربيعة بن نزار. ووقع في الرواية التي بعد هذه "فبارك في خيل أحمس ورجالها خمس مرات" أي دعا لهم بالبركة. ووقع عند الإسماعيلي من رواية ابن شهاب عن إسماعيل بن أبي خالد "فدعا لأحمس بالبركة". وفي الحديث: مشروعية إزالة ما يفتتن به الناس من بناء وغيره سواء كان إنساناً أو حيواناً أو جماداً، وفيه اسمتالة نفوس القوم بتأمير من هو منهم، والاستمالة بالدعاء والثناء والبشارة في الفتوح، وفضل ركوب الخيل في الحرب، وقبول خبر الواحد، والمبالغة في

стр. 960

نكاية العدو، ومناقب لجرير ولقومه، وبركة يد النبي ﷺ ودعائه، وأنه كان يدعو وتراً وقد يجاوز الثلاث. وفيه تخصيص لعموم قول أنس (كان إذا دعا دعا ثلاثاً) فيحمل على الغالب، وكأن الزيادة لمعنى اقتضى ذلك، وهو ظاهر في أحمس لما اعتمدوه من دحض الكفر ونصر الإسلام ولاسيما مع القوم الذين هم منهم. * * *

стр. 961

تقويم الموقف في نهاية السنة التاسعة * إذا سلم شعب لإنسان بأن يجبي منه مالاً ولم يجد له خياراً في ذلك فقد سلم له بالسلطة، ومن ههنا كان إرسال المصدقين هذا العام وجبايتهم المال هو في الحقيقة رمز التسليم لسلطان رسول الله ﷺ واعتراف بالدولة الإسلامية، لذلك ارتبطت الردة بهذا الموضوع وارتبط منع مال الزكاة بعدم الاعتراف بالحكم فقال قائل المرتدين: أطعنا رسول الله ما كان بيننا ... فيا لعباد الله ما لأبي بكر أيخلفه بكر إذا قام بعده ... وتلك لعمر الله قاصمة الظهر * جمع المال من مكان وتوزيعه في نفس ذلك المكان فيه معان كبيرة، فيه إشعار للفقراء والمستضعفين والمساكين ببركة الخضوع لسلطان الإسلام، وفي ذلك ربط محكم لهؤلاء بالدولة الإسلامية وإظهار المانعين بأنهم أعداء لشعبهم الفقير وهكذا يؤخذ الاعتراف بالدولة عن طريق ليس لأحد فيه خيار آخر، وتلك من مظاهر الفطرية الإسلامية التي تصل إلى أعظم الأشياء من أقرب طريق. * إقبال الوفود بهذه الكثرة وبهذا التسليم هو أثر عن مجموعة أمور كلها تدل على إحكام العمل بتوفيق الله، فحرارة إيمان الدعاة، وعمليات التعرض، والانتصارات المتلاحقة، والمعجزات اليومية والسياسية الحكيمة، وحسن التعامل مع النفس البشرية، وإشعار الناس أن أرباحهم في الإسلام أكبر من خسائرهم كل ذلك أدى دوره في أن تصبح الجزيرة العربية وافدة ومسلّمة مسلمة. * الهيبة العسكرية كانت عاملاً حاسماً، ومناطحة الرومان مرة بعد مرة أشعرت الجميع أنهم أمام سلطان لا يقهر، وكان ذلك هو الأساس للتحرك اللاحق بعد وفاة رسول الله ﷺ في الصدام مع الدولتين العظميين وقتذاك. * إن نجاح الصادقين يغري الكاذبين والطامحين بسلوك طريقهم، وطرح دعاوى يزعمون أنها تشابه الحقائق التي يدعو إليها الأنبياء. ومن ههنا نبتت نابتة دعاوى النبوة على أثر الانتصارات الكاسحة. ومن ههنا تأتي دعاوى الأسود العنسي ومسيلمة وطليحة وسجاح ...

стр. 962

* كما أن فتح مكة كان من الناحية الاستراتيجية فتحاً للجزيرة العربية كلها، فإن الإعلان في حج هذا العام ألا يحج بعد العام مشرك، وألا يطوف به عريان كان من الناحية الاستراتيجية إنهاء للشرك في جزيرة العرب. * الملاحظ أن الوفود قبل الفتح كانت فردية في الغالب أما بعد الفتح فقد كانت جماعية. * بعد سير طويل لم يبق فيه لأحد حجة أصبح الحساب عسيراً، فما لم يكن يحاسب عليه الصف لم يعد يتحمل من الصف ولم يعد يتساهل فيه، فيوم أحد انفصل ثلث الجيش ولم يحاسب رسول الله ﷺ أحداً ولم يعاقبه، ولكنه ههنا حاسب وعاقب كما فعل بكعب وزميليه، ذلك أنه لم يعد لأحد حجة، فالمعجزات كثيرة، والقيادة على مستوى ليس له مثيل، ونجاحاتها متلاحقة وآفاقها أرقى من كل أفق، ومن ههنا نأخذ درساً وهو أن الصف الإسلامي عندما يكون مريضاً أو ضعيفاً لا ينبغي أن يتشدد بالحساب وإنما عليه في هذه الحالة أن يعالج أزمة الثقة وأن يحسن التخطيط والانتقال من الطور الأدنى إلى ما هو أعلى. * من خلال غزوة تبوك ونزول سورة براءة فيها ندرك أن الجهاد هو المحك، فهو المحك لإيمان الأشخاص، وهو المحك لنضج الصف، وهو المحك للحالة التي وصلت إليها الأمة. * بغزوة تبوك نقل رسول الله ﷺ الصراع من داخل الجزيرة العربية إلى خارجها، وهي السياسة التي سيتابعها أبو بكر وعمر وعثمان حتى حدوث الفتنة. وهذه السياسة تحقق أكثر من هدف بآن واحد: شغل الناس بالعدو الخارجي، وفي الوقت نفسه تربية الصف وإنضاجه وتفتيح آفاقه من خلال الجهاد، فهناك رسالة لشعب يجب أن يؤديها. * توطد في السنة التاسعة سلطان الدولة الإسلامية وتأكد، وأصبحت سيطرة رسول الله ﷺ على الجزيرة العربية كاملة، وليس له من عدو إلا مطارداً. وبعد أن كان المسلمون أفراداً في بحار شرك أصبح المشركون جزراً صغيرة في بحار الإسلام، وهم محكومون بحكمه، مطاردون مستهدفون ممنوعون من الحج إلا بالإسلام. مجبرون على الإسلام ودفع الزكاة. وكل ذلك كان مقدمة لحج رسول الله ﷺ في العام العاشر ليجتمع بأكبر قدر من الناس في جزيرة العرب فيعلمهم ويربيهم ويصهرهم. * * *

стр. 963

السنتان العاشرة والحادية عشرة

стр. 964

أحداث هاتين السنتين في سطور قلنا إن مرحلة ما بعد الفتح تكاد تكون واحدة متشابهة ومتشابكة: بعوث ووفود مع أحداث بارزة في كل من السنوات الثلاث التي أعقبت الفتح، فالمعلم البارز في السنة التاسعة هو غزوة تبوك، والمعلم البارز في السنة العاشرة هو حجة الوداع، والمعلم البارز في السنة الحادية عشرة هو وفاته ﵊ بأبي هو وأمي - لذلك جعلنا الحديث عن السنة العاشرة والحادية عشرة موصولاً؛ لأن العام العاشر للهجرة كان عام الترتيب لتسليم اللواء إلى من سيحملون راية الإسلام بعده ﵊. * * * وقد ذكر ابن كثير في أحداث السنة العاشرة بعض بعوث رسول الله ﷺ إلى اليمن: بعث خالد وعلي بن أبي طالب وأبي موسى ومعاذ بن جبل، كما ذكر حجته وبعض التمهيدات التي قدمت لوفاته ﵊، وذكر في أحداث السنة الحادية عشر وفاته وما صاحب ذلك من ترتيباته ﵊ للحاضر والمستقبل. وإذن ففي سنة عشر: * تتابعت الوفود على رسول الله ﷺ ، وتابع ﵊ إرسال البعوث للدعوة إلى الله وتعليم الناس، وخاصة إلى اليمن. * وحج رسول الله ﷺ في هذا العام حجة الوداع التي تسمى كذلك بحجة البلاغ وحجة الإسلام، وكانت أكبر ظاهرة في تاريخ جزيرة العرب، وأعظم تجمع للمسلمين وأكبر عملية صهر بالإسلام جماعية، وأروع عملية تعليم تتم من خلال الاختلاط والتوجيه والتعليم. * وكانت كثير من تصرفاته ﵊ في هذا العام تدل على أنه مودع، فقد اعتكف في رمضان هذا العام عشرين يوماً وكان من عادته أن يعتكف عشراً فقط، ولقد دارسه جبريل القرآن في رمضان هذا مرتين، وكان من عادته أن يدارسه إياه مرة واحدة.

стр. 965

وفي سنة إحدى عشرة: * بعد العودة من الحج أخذ رسول الله ﷺ يرتب لما بعد وفاته، ومن ذلك إعداده جيش أسامة بن زيد لغزو الروم وقد كان ذلك في صفر، ومرض رسول الله ﷺ وهذا الجيش يتجمع حول المدينة، وقد جعل مرض رسول الله ﷺ الناس يتريثون بالانطلاق نحو الهدف، حتى إذا توفي رسول الله ﷺ كان هذا الجيش جاهزاً للحركة وكانت حركته عنواناً على أن الدولة الإسلامية مستمرة. * وفي اليوم التاسع والعشرين من صفر سنة ١١ هـ بدأ المرض برسول الله ﷺ ، واستمر المرض حتى حدثت الوفاة حين اشتد الضحى من يوم الاثنين ١٢ ربيع الأول سنة ١١ هـ وله ﵊ ثلاث وستون سنة وأربعة أيام على أرجح الأقوال، وصلى الناس عليه أرسالاً ولا يؤمهم أحد، ودفن في بيت عائشة ﵂ الذي توفي فيه وصلى عليه أولاً عشيرته، ثم المهاجرون، ثم الأنصار، وصلت عليه النساء بعد الرجال، ثم صلى عليه الصبيان، ومضى في ذلك يوم الثلاثاء كاملاً حتى دخلت ليلة الأربعاء فواروه فيها التراب بأبي هو وأمي. ونحن ههنا عاقدون عدة فصول: فصل: في نماذج من بعوث السنة العاشرة والحادية عشرة. فصل: في نماذج من وفود هاتين السنتين. فصل: في حجة الوداع. فصل: في حادثة الوفاة. ثم نقوم الوضع عند وفاة رسول الله ﷺ . وسنتكلم في الباب السادس عن أصحابه وخلفائه وأزواجه وآل بيته، وكيف أن الإسلام امتد واشتد ونما وترعرع وملأ الخافقين ببركة المؤسس وقوة التأسيس. * * *

стр. 966

فصل: في نماذج من البعوث ١ - بعث خالد وعلي إلى اليمن قبل حجة الوداع: ٦٩٨ - * روى البخاري عن أبي إسحاق السبيعي قال: سمعت البراء ﵁ يقول: بعثنا رسول الله ﷺ مع خالد بن الوليد إلى اليمن. قال: ثم بعث علياً بعد ذلك مكانه فقال: مر أصحاب خالد: من شاء منهم أن يعقب معك فليعقب، ومن شاء فليقبل، فكنت فيمن عقب معه، قال: فغنمت أواقي ذوات عدد. ٦٦٩ - * روى البخاري عن بريدة قال: بعث النبي ﷺ علياً إلى خالد ليقبض الخمس؛ وكنت أبغض علياً وقد أغتسل، فقلت لخالد: ألا ترى إلى هذا؟ فلما قدمنا على النبي ﷺ ذكرت ذلك له، فقال: "يا بريدة أتبغض علياً؟ " فقلت: نعم. قال: "لا تبغضه، فإن له في الخمس أكثر من ذلك". قال ابن حجر في الفتح: قوله (فإن له في الخمس أكثر من ذلك) في رواية عبد الجليل "فوالذي نفس محمد بيده لنصيب آل على في الخمس أفضل من وصيفة" وزاد "قال: فما كان أحد من الناس أحب إلي من علي" وأخرج أحمد هذا الحديث من طريق أجلح الكندي عن عبد الله بن بريدة بطوله وزاد في آخره "لا تقع في علي فإنه مني وأنا منه وهو وليكم بعدي، وأخرجه أحمد أيضاً والنسائي من طريق سعيد بن عبيدة عن عبد الله بن بريدة مختصراً وفي آخره "فإذا النبي ﷺ قد احمر وجهه يقول: من كنت وليه فعلي وليه" وأخرجه الحاكم من هذا الوجه مطولاً وفيه قصة الجارية نحو رواية عبد الجليل، وهذه طرق يقوي بعضها بعضاً، قال أبو ذر الهروي: إنما أبغض الصحابي علياً لأنه رآه أخذ من المغنم، فظن أنه غل، فلما أعلمه

стр. 967

النبي ﷺ أنه أخذ أقل من حقه أحبه وهو تأويل حسن، لكن يبعده صدر الحديث الذي أخرجه أحمد فلعل سبب البغض كان لمعنى آخر وزال بنهي النبي ﷺ لهم عن بغضه. وقد استشكل وقوع علي على الجارية بغير استبراء، وكذلك قسمته لنفسه، فأما الأول فمحمول على أنها كانت بكراً غير بالغ ورأى أن مثلها لا يستبرأ كما صار إليه غيره من الصحابة، ويجوز أن تكون حاضت عقب صيرورتها له ثم طهرت بعد يوم وليلة ثم وقع عليها وليس ما يدفعه، وأما القسمة فجائزة في مثل ذلك ممن هو شريك فيما يقسمه كالإمام إذا قسم بين الرعية وهو منهم، فكذلك من نصبه الإمام قام مقامه. وقد أجاب الخطابي بالثاني، وأجاب عن الأول لاحتمال أن تكون عذراء أو دون البلوغ أو أداه اجتهاده أن لا استبراء فيها، ويؤخذ من الحديث جواز التسري على بنت رسول الله ﷺ بخلاف التزويج عليها لما وقع في حديث المسور في كتاب النكاح. أ. هـ. ٧٠٠ - * روى الترمذي عن البراء أن النبي ﷺ بعث جيشين وأمر على أحدهما علي بن أبي طالب وعلى الآخر خالد بن الوليد فقال: "إذا كان القتال فعلي" قال: فافتتح علي حصناً فأخذ منه جارية، فكتب معي خالد بن الوليد إلى النبي ﷺ يشي به، فقدمت على النبي ﷺ فقرأ الكتاب فتغير لونه ثم قال: "ما ترى في رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله؟ " قال: قلت: أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله وإنما أنا رسول، فسكت. ٢ - بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن: ٧٠١ - * روى البخاري عن أبي بردة: قال: بعث رسول الله ﷺ أبا موسى ومعاذ بن جبل إلى اليمن، قال: وبعث كل واحد منهما على مخلاف، قال: "واليمن مخلافان" ثم قال: "يسِّرا ولا تعسِّرَا، وبشِّرا ولا تنفِّرا". فانطلق كل واحد منهما إلى عمله،

стр. 968

وكان كل واحد منهما إذا سار في أرضه كان قريباً من صاحبه أحدث به عهداً، فسلم عليه، فسار معاذ في أرضه قريباً من صاحبه أبي موسى، فجاء يسير على بغلته حتى انتهى إليه، وإذا هو جالس وقد اجتمع إليه الناس، وإذا رجل عنده قد جمعت يداه إلى عنقه، فقال له معاذ: يا عبد الله بن قيس: أيم هذا؟ قال: هذا رجل كفر بعد إسلامه، قال: لا أنزل حتى يقتل، قال: إنما جيء به لذلك، فانزل، قال: ما أنزل حتى يقتل، فأمر به فقتل، ثم نزل، فقال: يا عبد الله، كيف تقرأ القرآن؟ قال: أتفوقه تفوقاً، قال: فكيف تقرأ أنت يا معاذ؟ قال: أنام أول الليل، فأقوم وقد قضيت جزئي من النوم، فأقرأ ما كتب الله لي، فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي. ٧٠٢ - * روى البخاري ومسلم. عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه قال: بعث النبي ﷺ جده أبا موسى ومعاذاً إلى اليمن فقال: "يسِّرا ولا تعسِّرا وبشِّرا ولا تنفِّرا وتطاوعا" فقال أبو موسى: يا نبي الله، إن أرضنا بها شراب من الشعير: المزر، وشراب من العسل: البتع. فقال: "كل مسكر حرام" فانطلقا. فقال معاذ لأبي موسى: كيف تقرأ القرآن؟ قال: قائماً وقاعداً وعلى راحلتي، وأتفوقه تفوقاً. قال: أما أنا فأنام وأقوم، فأحتسب نومتي، كما أحتسب قومتي. وضرب فسطاطاً فجعلا يتزاوران، فزار معاذ أبا موسى، فإذا رجل موثق. فقال: ما هذا؟ فقال أبو موسى: يهودي أسلم ثم ارتد. فقال معاذ: لأضربن عنقه. ٧٠٣ - * روى الحاكم عن كعب بن مالك ﵁ قال: كان معاذ بن جبل شاباً حليماً من أفضل شباب قومه، ولم يكن يمسك شيئاً، فلم يزل يدان حتى أغرق ماله، كله في الدين فأتى النبي ﷺ غرماؤه، فلو تركوا أحداً من أجل أحد لتركوا معاذاً من أجل رسول الله ﵌، فباع لهم رسول الله ﵌

стр. 969

ماله، حتى قام معاذ بغير شيء. وذلك سر إرسال معاذ إلى اليمن، وقد أرسله النبي ﷺ إلى اليمن لعل الله يرزقه بدل ماله رزقاً حسناً. ٧٠٤ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: "إنك ستأتي قوماً من أهل الكتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. فإن هم أطاعوا بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة. فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم. فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينه وبين الله حجاب". وفي رواية لمسلم (١) عن ابن عباس عن معاذ بن جبل، قال: بعثني رسول الله ﷺ ، فقال: إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله ... وذكر الحديث بنحوه فيكون حينئذ من مسند معاذ. ٧٠٥ - * روى البخاري عن عمرو بن ميمون ﵀ أن النبي ﷺ بعث معاذاً إلى اليمن، فقرأ معاذ في صلاة الصبح سورة النساء، فلما قال (واتخذ الله إبراهيم خليلاً) (٢) قال رجل خلفه: قرت عين أم إبراهيم. ٧٠٦ - * روى البخاري ومسلم عن أبي موسى قال: أقبلت إلى النبي ﷺ ومعي رجلان

стр. 970

من الأشعريين، أحدهما عني ميني، والآخر عن يساري، فكلاهما سأل العمل، والنبي ﷺ يستاك، فقال: "ما تقول يا أبا موسى - أو يا عبد الله بن قيس -؟ " قال: فقلت: والذي بعثك بالحق، ما أطلعاني على ما في أنفسهما، وما شعرت أنهما يطلبان العمل، قال: وكأني أنظر إلى سواكه تحت شفته وقد قلصت، فقال: "لن - أو لا - نستعمل على عملنا من أراده، ولكن اذهب أنت يا أبا موسى - أو يا عبد الله بن قيس - " فبعثه على اليمن، ثم أتبعه معاذ بن جبل. ثم ذكر قصة اليهودي الذي أسلم ثم ارتد، وزاد فيه: قال: لا أجلس حتى يقتل، قضاء الله ورسوله" ثم قولهما في قيام الليل، وليس فيه ذكر الأشربة. ٧٠٧ - رو الحاكم عن عبد الله بن مسعود ﵁. قال: لما قبض النبي ﵌ واستخلفوا أبا بكر ﵁، وكان رسول الله ﵌ بعث معاذاً إلى اليمن، فاستعمل أبو بكر ﵁ عمر على الموسم، فلقي معاذاً بمكة، ومعه رقيق، فقال، ما هؤلاء؟ فقال: هؤلاء أهدوا إلي، وهؤلاء لأبي بكر فقال له عمر: إني أرى لك أن تأتي بهم أبا بكر. قال: فلقيه من الغد. فقال: يابن الخطاب لقد رأيتني البارحة وأنا أنزو إلى النار، وأنت آخذ بحجزتي وما أراني إلا مطيعك، قال: فأتى بهم أبا بكر، فقال: هؤلاء أهدوا لي وهؤلاء لك. قال: فإنا قد سلمنا هديتك. فخرج معاذ إلى الصلاة فإذا هم يصلون خلفه، فقال معاذ: لمن تصلون. قالوا: لله . فقال: فأنتم له فأعتقهم. ٣ - بعث أبي عبيدة إلى اليمن: ٧٠٨ - * روى الحاكم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: جاء العاقب والسيد

стр. 971

صاحبا نجران إلى النبي ﵌ يريدان أن يلاعناه فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل فوالله لئن كان نبياً فلعننا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا. فقالا: بل نعطيك ما سألت وابعث معنا رجلاً أميناً حق أمين. قال: فاستشرف لها أصحاب رسول الله ﵌. فقال: "قم يا أبا عبيدة بن الجراح" فلما قفى، قال رسول الله ﵌: "هذا أمين هذه الأمة". وروى (١) عن أنس ﵁ أن أهل اليمن قدموا على رسول الله ﵌، فقالوا: ابعث معنا رجلاً يعلمنا القرآن، فأخذ بيد أبي عبيدة، فأرسله معهم، وقال: "هذا أمين هذه الأمة". ٧٠٩ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن لكل أمة أميناً، وإن أميننا أيتها الأمة أبو عبيدة بن الجراح". ولمسلم (٣): أن أهل اليمن قدموا على رسول الله ﷺ ، فقالوا: ابعث معنا رجلاً يعلمنا السنة والإسلام، قال: فأخذ بيد أبي عبيدة فقال: "هذا أمين هذه الأمة". ٧١٠ - * روى البخاري ومسلم عن حذيفة بن اليمان ﵄ قال: جاء أهل نجران إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله، ابعث إلينا رجلاً أميناً، فقال: "لأبعثن إليكم رجلاً أميناً حق أمين حق أمين" فاستشرف لها الناس، قال فبعث أبا عبيدة بن الجراح. وفي رواية الترمذي (٥) قال: جاء العاقب والسيد إلى النبي ﷺ ، فقالا: ابعث معنا

стр. 972

أمينك، قال: "فإني سأبعث معكم ... وذكر الحديث. قال: وكان أبو إسحاق إذا حدث بهذا الحديث عن صلة بن زفر وهو الراوي عن حذيفة قال: سمعته منذ ستين سنة.

стр. 973

فصل: في نماذج من الوفود ١ - وفد بني تميم: ٧١١ - * روى البخاري عن عمران بن حصين ﵄ قال: جاء نفر من بني تميم إلى النبي ﷺ فقال: "يا بني تميم أبشروا" فقالوا: بشرتنا فأعطنا. فتغير وجهه. فجاءه أهل اليمن، فقال: "يا أهل اليمن اقبلوا البشرى إذ لمي قبلها بنو تميم" قالوا: قبلنا. قال في الفتح: قوله (فتغير وجهه) إما للأسف عليهم كيف آثروا الدنيا، وإما لكونه لم يحضره ما يعطيهم فيتألفهم له، أو لكل منهما. قوله (فجاءه أهل اليمن) هم الأشعريون قوم أبي موسى، وقد أورد البخاري حديث عمران هذا وفيه ما يستأنس به لذلك. ثم ظهر لي أن المراد بأهل اليمن هنا نافع بن زيد الحميري مع وفد معه من أهل حمير، وقد ذكرت مستند ذلك في "باب قدوم الأشعريين وأهل اليمن" وأن هذا هو السر في عطف أهل اليمن على الأشعريين مع أن الأشعريين من جملة أهل اليمن، لما كان زمان قدوم الطائفتين مختلفا ولكل منهما قصة غير قصة الآخرين وقع العطف. ٢ - قدوم الأشعريين وأهل اليمن: قال البخاري (١): وقال أبو موسى عن النبي ﷺ "هم مني وأنا منهم". ٧١٢ - * وروى أحمد والطبراني عن فيروز قال: إنهم أسلموا وكان فيمن أسلم، فبعثوا وفدهم إلى رسول الله ﷺ ببيعتهم وإسلامهم، فقبل ذلك منهم رسول الله ﷺ . فقالوا:

стр. 974

يا رسول الله نحن من قد عرفت، وجئنا من حيث قد علمت وأسلمنا، فمن ولينا قال: "الله ورسوله" قالوا: حسبنا رضينا. ٧١٣ - * روى البخاري عن أبي مسعود أن النبي ﷺ قال: "الإيمان ها هنا - وأشار بيده إلى اليمن - والجفاء وغلظ القلوب في الفدادين عند أصول أذناب الإبل من حيث يطلع قرنا الشيطان ربيعة ومضر". ٧١٤ - * وروى البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوباً. الإيمان يمان، والحكمة يمانية. والفخر والخيلاء في أصحاب الإبل، والسكينة والوقار في أهل الغنم". ٧١٥ - * وروى البخاري عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "الإيمان يمان، والفتنة ها هنا؛ ها هنا يطلع قرن الشيطان. ٧١٦ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "أتاكم أهل اليمن أضعف قلوباً وأرق أفئدة. الفقه يمان، والحكمة يمانية". قال في الفتح: قوله: (الإيمان ههنا وأشار بيده إلى اليمن) أي إلى جهة اليمن، وهذا يدل على أنه أراد أهل البلد لا من ينسب إلى اليمن ولو كان من غير أهلها. وقال: قوله: "أتاكم أهل اليمن" ترد قول من قال: إن المراد بقوله "الإيمان يمان" الأنصار وغير ذلك. ٣ - وفد عبد القيس: ٧١٧ - * روى البخاري ومسلم عن ابن عباس، قال: إن وفد عبد القيس أتوا رسول الله

стр. 975

صلى الله عليه وسلم: فقال رسول الله ﷺ "من الوفد؟ - أو - من القوم؟ " قالوا: ربيعة. قال: "مرحباً بالقوم - أو بالوفد - غير خزايا ولا الندامى". قال: فقالوا: يا رسول الله! إنا نأتيك من شقة بعيدة. وإن بيننا هذا الحي من كفار مضر. وإنا لا نستطيع ان نأتيك إلا في شهر الحرام. فمرنا بأمر فصل، نخبر به من وراءنا، ندخل به الجنة. قال: فأمرهم بأربع. ونهاهم عن أربع. قال: أمرهم بالإيمان بالله وحده. وقال: "هل تدرون ما الإيمان بالله؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. وإقام الصلاة. وإيتاء الزكاة. وصوم رمضان. وأن تؤدوا خمساً من المغنم" ونهاهم عن الدباء والحنتم والمزفت. قال شعبة: وربما قال: النقير. قال شعبة: وربما قال: المقير. وقال: "احفظوه وأخبروا به من ورائكم". وقال أبو بكر في روايته: "من وراءكم" وليس في روايته المقير. وزاد مسلم في رواية عن ابن عباس (١): وقال رسول الله ﷺ للأشج أشج عبد القيس: "إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة". قال في الفتح: والذي تبين لنا أنه كان لعبد القيس وفادتان: إحداهما قبل الفتح، ولهذا قالوا للنبي ﷺ "بيننا وبينك كفار مضر" وكان ذلك قديماً إما في سنة خمس أو

стр. 976

قبلها، وكانت قريتهم بالبحرين أول قرية أقيمت فيها الجمعة بعد المدينة، وكان عدد الوفد الأول ثلاثة عشر رجلاً، وفيها سألوا عن الإيمان وعن الأشربة، وكان فيهم الأشج وقال له النبي ﷺ "إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة" كما أخرج ذلك مسلم من حديث أبي سعيد. وقال: وفي حديث هود بن عبد الله بن سعد العصري أنه سمع حده مزيدة العصري قال - بينما النبي ﷺ يحدث أصحابه إذ قال لهم: "سيطلع عليكم من ههنا ركب هم خير أهل المشرق" فقام عمر فتوجه نحوهم فلقي ثلاثة عشر راكباً فبشرهم بقول النبي ﷺ ، ثم مشى معهم حتى أتوا النبي ﷺ ، فرموا بأنفسهم عن ركائبهم فأخذوا يده فقبلوها، وتأخر الأشج في الركاب حتى أناخها وجمع متاعهم ثم جاء يمشي، فقال النبي ﷺ : "إن فيك خصلتين ... " الحديث أخرجه البيهقي، وأخرجه البخاري في "الأدب المفرد" مطولاً من وجه آخر عن رجل من وفد عبد القيس لم يسمه. ثانيتهما كانت في سنة الوفود، وكان عددهم حينئذ أربعين رجلاً كما في حديث أبي حيوة الصناحي الذي أخرجه ابن منده، وكان فيهم الجارود العبدي، وقد ذكر ابن إسحاق قصته وأنه كان نصرانياً فأسلم وحسن إسلامه. ويؤيد التعدد ما أخرجه ابن حبان من وجه آخر أن النبي ﷺ قال لهم "ما لي أرى ألوانكم تغيرت" ففيه إشعار بأنه كان رآهم قبل التغير. أ. هـ. ٤ - وفد طيء: ٧١٨ - * روى البخاري عن عدي بن حاتم قال: أتينا عمر في وفد، فجعل يدعو رجلاً رجلاً ويسميهم. فقلت: أما تعرفني يا أمير المؤمنين؟ قال: بلى، أسلمت إذ كفروا، وأقبلت إذ أدبروا، ووفيت إذ غدروا، وعرفت إذ أنكروا. فقال عدي: فلا أبالي إذاً. قال في الفتح: قوله (فقال عدي: فلا أبالي إذاً) أي إذا كنت تعرف قدري فلا أبالي إذا قدمت علي غيري.

стр. 977

وأخرج مسلم (١) من وجه آخر عن عدي بن حاتم قال: أتيت عمر فقال: إن أول صدقة بيضت وجه رسول الله ﷺ ووجوه أصحابه صدقة طيء، جئت بها إلى النبي ﷺ . ٥ - وفد بني حنيفة: ٧١٩ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: قدم مسيلمة الكذاب على عهد رسول الله ﷺ فجعل يقول: إن جعل لي محمد الأمر من بعده تبعته. وقدمها في بشر كثير من قومه، فأقبل إليه رسول الله ﷺ ومعه ثابت بن قيس بن شماس - وفي يد رسول الله ﷺ قطعة جريد - حتى وقف على مسليمة في أصحابه فقال: "لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها، ولن تعدو أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليعقرنك الله. وإني لأراك الذي أريت فيه ما رأيت، وهذا ثابت يجيبك عني. ثم انصرف عنه". ٧٢٠ - * روى البخاري عن ابن عباس، قال: سألت عن قول رسول الله ﷺ : "إنك أرى الذي أريت فيه ما أريت" فأخبرني أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "بينا أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب، فأهمني شأنهما فأوحي إلي في المنام أن انفخهما فنختهما فطارا، فأولتهما كذابين يخرجان بعدي: أحدهما العنسي، والآخر مسيلمة". ٧٢١ - * وروى البخاري عن أبي رجاء العطاردي قال: كنا نعبد الحجر، فإذا وجدنا حجراً هو أخير منه ألقيناه وأخذنا الآخر، فإذا لم نجد حجراً جمعنا جثوة من تراب، ثم جئنا بالشاة فحلبناه، ثم طفنا به. فإذا دخل شهر رجب قلنا: منصل الأسنة، فلا ندع رمحاً فيه حديدة، ولا سهماً فيه حديدة إلا نزعناه وألقيناه شهر رجب. وروى أيضاً عنه قال (٢): كنت يوم بعث النبي ﷺ غلاماً أرعى الإبل على أهلي،

стр. 978

فلما سمعنا بخروجه فرونا إلى النار، إلى مسيلمة الكذاب. قال في الفتح: قوله (كنت يوم بعث النبي ﷺ غلاماً أرعى الإبل على أهلين فلما سمعنا بخروجه فررنا إلى النار، إلى مسيلمة الكذاب) الذي يظهر أن مراده بقوله طبعث" أي اشتهر أمره عندهم، ومراده بخروجه أي ظهوره على قومه من قريش بفتح مكة، وليس المراد مبدأ ظهوره بالنبوة ولا خروجه من مكة إلى المدينة لطول المدة بين ذلك وبين خروج مسيلمة، ودلت القصة على أن أبا رجاء كان من جملة من بايع مسيلمة من قومه بني عطارد ابن عوف بن كعب بطن من بني تميم، وكان السبب في ذلك أن سجاحا بفتح المهملة وتخفيف الجيم وآخره حاء مهملة وهي امرأة من بني تميم ادعت النبوة أيضاً فتابعها جماعة من قومها، ثم بلغها أمر مسيلمة فخادعها إلى أن تزوجها واجتمع قومها وقومه على طاعة مسيلمة. اهـ/ ثم أسلم أبو رجاء. فائدة: ذكر ابن سعد في طبقاته أخبار اثنين وسبعين وفداً وهي: وفد مزينة ... وفد سلامان ... وفد بارق وفد أسد ... وفد جهينة ... وفد دوس وفد بني عبد بن عدي ... وفد كلب ... وفد ثمالة والحدان وفد كندة ... وفد جرم ... وفد أسلم وفد تميم ... وفد تجيب ... وفد جذام وفد أشجع ... وفد خولان ... وفد مهرة وفد الصدف ... وفد جعفي ... وفد حمير وفد عبس ... وفد صداء ... وفد نجران وفد باهلة ... وفد مراد ... وفد جيشان وفد خشين ... وفد زبيد ... وفد السباع وفد فزارة ... وفد جعدة ... وفد الأزد وفد مرة ... وفد قشير بن كعب ... وفد غسان

стр. 979

وفد ثعلبة ... وفد بني البكاء ... وفد الحارث بن كعب وفد محارب ... وفد كنانة ... وفد همدان وفد سعد بن بكر ... وفد سليم ... وفد سعد العشيرة وفد كلاب ... وفد هلال بن عامر ... وفد عنس وفد رؤاس بن كلاب ... وفد عامر بن صعصعة ... وفد الداريين وفد عقيل بن كعب ... وفد ثقيف ... وفد الرهاويين حي من مذحج وفد شيبان ... وفود ربيعة: عبد القيس ... وفد غامد وفد طيء ... وفد بكر بن وائل ... وفد النخع وفد سعد هذيم ... وفد تغلب ... وفد بجيلة وفد بلي ... وفد حنيفة ... وفد خثعم وفد بهراء ... وفد أزد عمان ... وفد الأشعريين وفد عذرة ... وفد غافق ... وفد حضر موت إن قصص الوفود وأخبارها وكيفية تعامل رسول الله ﷺ معها من الأهمية بالمكان الكبير وكُتَّاب السير أشبعوها بحثاً وتحقيقاً غير أن كتابنا هذا قد التزم شروطاً لا يسعنا أن نذكر معها كل تحقيقات كتاب السير. ولكنا نلفت النظر إلى أن تعامل رسول الله ﷺ مع الوفود هو من أعظم المظاهر لسياسات رسول الله ﷺ ودقته في الترتيب والتنظيم ومعرفة النفسية البشرية وحسن التعامل معها إلى غير ذلك مما يدخل في دوائر التعليم والتربية والتثقيف وبعد النظر وجمع القلوب على الغاية وربط أفراد بأعيانهم بالمركز بحيث تبقى في كل الظروف والأحوال مرتكزات قوية للإسلام إلى غير ذلك من مظاهر العظمة التي تعطي للعاملين في كل الحقول نفسياً واجتماعياً واقتصادياً وإدارياً وسياسياً وعسكرياً تعطي لكل عامل في جانب من هذه الجوانب دروساً تكفيه وتغنيه. ونلفت النظر إلى أهمية أن يتتبع القارئ أخبار هذه الوفود في كتب السير والمغازي. * * *

стр. 980

فصل: في حجة الوداع ٧٢٢ - * روى الترمذي عن قتادة قال: سألت أنساً ﵁: كم حج رسول الله ﷺ ؟ قال: حج حجة واحدة، واعتمر أربع عمر: عمرة في ذي القعدة، وعمرة الحديبية، وعمرة مع حجته، وعمرة الجعرانة، إذ قسم غنيمة حنين. وفي رواية البخاري ومسلم (١): أن رسول الله ﷺ اعتمر أربع عمر، كلها في ذي القعدة، إلا التي مع حجته: عمرة من الحديبية - أو زمن الحديبية - في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة، وعمرة من جعرانة، حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة، وعمرة في حجته. ٧٢٣ - * روى البخاري عن زيد بن أرقم: أن النبي ﷺ غزا تسع عشرة غزوة، وإنه حج بعد ما هاجر حجة واحدة لم يحج بعدها: حجة الوداع. قال أبو إسحاق: وبمكة أخرى. قال ابن حجر في الفتح: قوله (قال أبو إسحاق (٢): وبمكة أخرى) هو موصول بالإسناد المذكور، وغرض أبي إسحاق أن لقوله "بعد ما هاجر" مفهوماً، وأنه قبل أن يهاجر كان قد حج، ولكن اقتصاره على قوله أخرى قد يوهم أنه لم يحج قبل الهجرة إلا واحدة، وليس كذلك بل حج قبل أن يهاجر مراراً، بل الذي لا أرتاب فيه أنه لم يترك الحج وهو بمكة قط، لأن قريشاً في الجاهلية لم يكونوا يتركون الحج، وإنما يتأخر منهم عنه من لم يكن بمكة أو عاقه ضعف، وإذا كانوا وهم على غير دين يحرصون على إقامة الحج ويرونه من مفاخرهم التي

стр. 981

امتازوا بها على غيرهم من العرب فكيف يظن بالنبي ﷺ أنه يتركه؟ وقد ثبت من حديث جبير بن مطعم أنه رآه في الجاهلية واقفاً بعرفة، وأن ذلك من توفيق الله له، وثبت دعاؤه قبائل العرب إلى الإسلام بمنى ثلاث سنين متوالية كما بينته في الهجرة إلى المدينة. أهـ. ٧٢٤ - * روى مسلم عن جابر: أن رسول الله ﷺ مكث تسع سنين لم يحج، ثم أذن في الناس في العاشرة، أن رسول الله ﷺ حاج، فقدم المدينة بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ ، ويعمل مثل عمله، فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ ، كيف أصنع؟ قال: "اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي" فصلى رسول الله ﷺ في المسجد، ثم ركب القصواء، حتى استوت به ناقته على البيداء، نظرت إلى مد بصري بين يديه من راكب وماش، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله ﷺ بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عملنا به، فأهل بالتوحيد: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك" وأهل الناس بهذا الذي يهلون به، فلم يرد عليهم رسول الله ﷺ شيئاً منه، ولزم رسول الله ﷺ تلبيته - قال جابر: لسنا ننوي إلا الحج، لسنا نعرف العمرة - حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن، فرمل ثلاثاً، ومشى أربعاً، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم ﵇، فقرأ (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) (١) فجعل المقام بينه وبين البيت، فكان أبي يقول (أي والد جعفر بن محمد) - ولا أعلمه ذكره إلا عن النبي ﷺ كان يقرأ في الركعتين (قل هو الله أحد) و (قل يا أيها

стр. 982

الكافرون) ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ: (إن الصفا والمروة من شعائر الله) (١) أبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا، فرقي عليه حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة، فوحد الله وكبره، وقال: "لا إله إلا الله/ وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده" ثم دعا بين ذلك - قال مثل هذا ثلاث مرات - ثم نزل إلى المروة، حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى حتى إذا صعدتا مشى، حتى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا، حتى إذا كان آخر طوافه علا على المروة فقال: "لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل، وليجعلها عمرة" فقام سراقة بن مالك بن جعشم، فقال: يا رسول الله، ألعامنا هذا، أم لأبد؟ فشبك رسول الله ﷺ أصابعه واحدة في الأخرى وقال: "دخلت العمرة في الحج - مرتين - لا، بل لأبد أبد" وقدم علي من اليمن ببدن النبي ﷺ ، فوجد فاطمة ممن حل، ولبست ثياباً صبيغاً، واكتحلت، فأنكر ذلك عليها، فقالت: إن أبي أمرني بهذا، قال: فكان علي ﵁ يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول الله ﷺ محرشاً على فاطمة للذي صنعت، مستفتياً لرسول الله ﷺ فيما ذكرت عنه، فأخبرته: أني أنكرت ذلك عليها فقال: "صَدَقَتْ صَدَقتْ، ماذا قلت حين فرضت الحج؟ " قال: قلت: اللهم إني أهل بما أهل به رسولك، قال: "فإن معي الهدي فال تحل" قال: فكان جماعة الهدي الذي قدم به علي من اليمن والذي أتى به النبي ﷺ مائة، قال: فحل الناس كلهم وقصروا، إلا النبي ﷺ ومن كان معه هدي، فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج، وركب رسول الله ﷺ ، فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة، فسار رسول الله ﷺ ، ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في

стр. 983

الجاهلية، فأجاز رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادي، فخطب الناس، وقال: "إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعاً في بني سعد، فقتلته هذيل. وربا الجاهلية موضوع، وأول رباً أضع ربانا، ربا العباس بن عبد المطلبن فإنه موضوع كله، فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده، إن اعتصمتم به، كتاب الله، وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون؟ ". قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بإصبعه السبابة، يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: "اللهم اشهد، اللهم اشهد" ثلاث مرات، ثم أذن بلال، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئاً، ثم ركب رسول الله ﷺ حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة، فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلاً حتى غاب القرص، وأردف أسامة خلفه، ودفع رسول الله ﷺ ، وقد شنق

стр. 984

للقصواء الزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله، ويقول بيده اليمنى: "أيها الناس، السكينة، السكينة" كلما أتى جبلاً من الجبال أرخى لها قليلاً حتى تصعد، حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئاً، ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر، فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، وكبره، وهلله، ووحده، فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً، فدفع قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل بن عباس، وكان رجلاً حسن الشعر أبيض وسيماً، فلما دفع رسول الله ﷺ مرت به ظعن يجرين، فطفق الفضل ينظر إليهن، فوضع رسول الله ﷺ يده على وجه الفضل، فحول الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر، فحول رسول الله ﷺ يده من الشق الآخر على وجه الفضل، يصرف وجهه من الشق الآخر ينظر، حتى أتى بطن محسر، فحرك قليلاً، ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة منها، حصى الخذف، رمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثاً وستين بيده، ثم أعطى علياً فنحر ما غبر، وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر، فطبخت، فأكلا من لحمها، وشربا من مرقها، ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت، فصلى بمكة الظهر، فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم، فقال: "انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم" فناولوه دلواً فشرب منه.

стр. 985

وفي رواية: بنحو هذا، وزاد (١)، وكانت العرب يدفع بهم أبو سيارة على حمار عري، فلما أجاز رسول الله ﷺ من المزدلفة بالمشعر الحرام لم تشك قريش أنه سيقتصر عليه، ويكون منزله ثم، فأجاز ولم يعرض له، حتى أتى عرفات فنزل. وفي أخرى (٢): أن رسول الله ﷺ قال: "نحرت ها هنا، ومنى كلها منحر، فانحروا في رحالكم، ووقفت ها هنا، وعرفة كلها موقف، ووقفت ها هنا، وجمع كلها موقف". ولأبي داود (٣) عند قوله: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) قال: فقرأ فيهما: بالتوحيد و (قل يا أيها الكافرون) وقال فيه: قال علي بالكوفة: قال أبي: هذا الحرف لم يذكره جابر، يعني: فذهبت محرشاً ... وذكر قصة فاطمة. وأخرج النسائي من الحديث أطرافاً متفرقة في كتابه (٤)، وقد ذكرناها. قال محمد: أتينا جابراً فسألناه عن حجة النبي ﷺ ؟ فقال: إن رسول الله ﷺ قال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، وجعلتها عمرة، فمن لم يكن معه هدي فليحل، وليجعلها عمرة" وقدم علي من اليمن بهدي، وساق رسول الله ﷺ من المدينة هدياً، وإذا فاطمة قد لبست ثياباً صبيغاً واكتحلت، قال علي: فانطلقت محرشاً أستفتي رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، إن فاطمة قد لبست ثياباً صبيغاً واكتحلت، وقالت: أمرني أبي، قال: "صدقت صدقت صدقت، أنا أمرتها". وله في موضومع ىخر قال: إن رسول الله ﷺ مكث بالمدينة تسع حجج، ثم أذن في الناس، أن رسول الله ﷺ حاج هذا العام، فنزل المدينة بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ ، ويفعل كما فعل، فخرج رسول الله ﷺ لخمس بقين من ذي القعدة،
следующие страницы →