стр. 456
← Улюм аль-Кур’ан следующие страницы →
Улюм аль-Кур’ан · id 18337
التبيان في أيمان القرآن - ط عطاءات العلم
ابن القيم
Полный текст (721 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 457
стр. 458
стр. 459
стр. 460
"رأى محمدٌ ربَّهُ بقلبه" (١).
ونقل الأثرم (٢) أنَّ رجلًا قال لأحمد عن الحسن (٣) الأشْيَبْ أنَّه قال: لم يَرَ النبيُّ ﷺ ربَّهُ تعالى، فأنكره عليه إنسانٌ وقال: لِمَ [لا] (٤) تقول: رآه، ولا تقول: بعينه ولا بقلبه؟ كما جاء في (٥) الحديث. فاستحسن ذلك الأَشْيَب، فقال أبو عبد الله: حَسَنٌ.
قال: وظاهر هذا إثبات رؤيةٍ لا يُعقَلُ معناها، هل كانت بعينه أم بقلبه؟ (٦).
стр. 461
فهذه نصوص أحمد، وقد جعلها القاضي مختلفةً، وجعل المسألة على ثلاث روايات، ثُمَّ احتجَّ للرواية الأُولَى بحديث أُمِّ الطُّفَيل (١)، وحديث عبد الرحمن بن عائش (٢) الحضرمي، ولا دلالة فيهما؛ لأنَّها رؤية (٣) منامٍ قطعًا.
واحتجَّ لها بما لا يَرْضَى أحمدُ أنْ يحتجَّ به، وهو حديثٌ لا يصحُّ عن أبي عبيدة بن الجرَّاح مرفوعًا: "لمَّا كانت ليلةَ أُسْريَ بي؛ رأيتُ ربِّي في أحسن صورةٍ، فقال: فِيْمَ يختصمُ المَلأُ الأعلى؟ " (٤) وذكر الحديث.
стр. 462
وهذا غَلَطٌ قطعًا؛ فإنَّ القصَّةَ إنَّما كانت بالمدينة كما قال معاذُ بن جبل: احتبَسَ عنَّا رسولُ الله ﷺ في صلاة الصبح حتَّى كِدْنا نَتَراءَى عينَ الشمس، ثُمَّ خرجَ فصلَّى بنا، ثُمَّ قال: "رأيتُ ربِّي البارحة في أحسن صورةٍ، فقال: يا محمد؛ فيمَ يختصم الملأ الأَعْلَى؟ " وذكر الحديث (١). فهذا كان بالمدينة، والإسراءُ كان بمكة (٢).
وليس عن الإمام أحمد؛ ولا عن النبيِّ ﷺ نصٌّ أنَّه رآه بعينه يَقَظَةً (٣)، وإنَّما حمَّلَ القاضي كلامَ أحمد ما لا يحتمله، واحتجَّ لما فَهِمَ
стр. 463
منه بما لا يدلُّ عليه، وكلام أحمد يصدِّقُ بعضُه بعضًا، والمسألة رواية واحدة عنه، فإنَّه لم يقل: بعينه، وإنَّما قال: رآه، واتَّبعَ في ذلك قول ابن عباس: "رأى محمدٌ ربَّه"، ولفظ الحديث: "رأيتُ ربِّي"؛ وهو مُطْلَقٌ، وقد جاء بيانه في الحديث الآخر.
ولكن في (١) رَدِّ أحمد قولَ عائشة ومعارضته بقول النبيِّ ﷺ إشعارٌ بأنَّه أثبت الرؤية التي أنكرتها عائشة، وهي لم تُنكر رؤية المنام، ولم تَقُل: إنَّ من زَعَم أنَّ محمدًا رأى ربَّه في المنام فقد أعظم على الله الفِرْية.
وهذا يدلُّ على أحد أمرين:
١ - إمَّا أن يكون الإمام أحمد أنكر قولَ من أطلق نفي الرؤية إذ هو مخالفةٌ للحديث.
٢ - وإمَّا أن يكون روايةً عنه بإثبات الرؤية.
وقد صرَّحَ بأنَّه رآه رؤيا حُلم بقلبه، وهذا تقييدٌ منه للرؤية.
وأطلق أنَّه رآه، وأنكر قولَ من نَفَى مطلق الرؤية، واستحسن قولَ من قال: رآه؛ ولا يقول: بعينه ولا بقلبه.
وهذه النصوص عنه متَّفِقةٌ لا مختلفة، وكيف يقول أحمد: رآه بعينَي رأسه يقظةً! ولم يجئ ذلك في حديثٍ قطُّ.
فأحمد إنَّما اتبع ألفاظ الأحاديث كما جاءت، وإنكاره قول من قال: "لم يَرَهُ أصلًا"؛ لا يدلُّ على إثبات رؤية اليقظة بعينيه. والله
стр. 464
أعلم.
فصل
وقوله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧)﴾ [النجم: ١٧]؛ قال ابن عباس: "ما زَاغَ البصر يمينًا ولا شمالًا، ولا جاوز ما أُمر به" (١). وعلى هذا المفسِّرون.
فنَفَى عن نبيِّهِ ما يعرض للرائي (٢) الذي لا أدب له بين يدي الملوك (٣) والعظماء، من التفاته يمينًا وشمالًا، ومجاوزة بصره لما بين يديه. وأخبر عنه بكمال الأدب في ذلك المقام، وفي تلك الحضرة إذ لم يلتفت جانبًا، ولم يَمُدَّ بصرَهُ إلى غير ما أُرِي من الآيات، وما هناك من العجائب، بل قام مقام العبد الذي أوجب أدبُهُ إطراقَه وإقبالَه على ما أُريه، دون التفاته إلى غيره، ودون تطلُّعه إلى ما لم يَرَهُ، مع ما في ذلك من ثبات الجأش، وسكون القلب وطمأنينته، وهذا غاية الكمال.
فزيغ البصر: التفَاتُه جانبًا، وطغيانُه: مَدُّهُ أمامه (٤) إلى حيث ينتهي.
فنزَّهَ في هذه السورة علمَهُ عن الضَّلَال، وقَصْدَهُ وعمَلَهُ عن الغَيِّ،
стр. 465
ونُطْقَه عن الهوى، وفُؤَادَه عن تكذيب بصرِه، وبَصَرَهُ عن الزَّيغِ والطغيان، وهكذا يكون المدح.
تلكَ المَكَارِمُ لا قَعْبَانِ من لَبَنٍ … شِيبَا بماءٍ فَعَادَا بعدُ أبوالا (١)
فصل
ولمَّا ذكر - سبحانه - رؤيته لجبريل عند "سِدْرَة المُنْتَهى" استطرد منها، وذكر أنَّ جَنَّةَ المأوى عندها، وأنَّها يغشاها من أمره وخلقه ما يغشى.
وهذا من أحسن الاستطراد، وهو أسلوبٌ لطيفٌ جدًّا في القرآن، وهو نوعان:
أحدهما: أن يستطرد من الشيء إلى لازمه، مثل هذا، ومثل قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩)﴾ [الزخرف: ٩]، ثُمَّ استطرد من جوابهم إلى قوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١١) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف: ١٠ - ١٣]، وهذا ليس من جوابهم ولكن تقريرًا له، وإقامةً للحُجَّةِ عليهم.
ومثله قوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ
стр. 466
شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠) قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾ [طه: ٤٩ - ٥٢] فهذا جواب موسى، ثُمَّ استطرد - سبحانه - منه إلى قوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (٥٤) مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥)﴾ [طه: ٥٣ - ٥٥]، ثُمَّ عاد إلى الكلام الذي استطردَهُ منه.
والنَّوع الثاني: أن يستطرد من الشخص إلى النَّوع؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣)﴾ [المؤمنون: ١٢، ١٣] إلى آخره، فالأوَّلُ: آدمُ، والثاني: بَنُوه.
ومثله قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠)﴾ [الأعراف: ١٨٩ - ١٩٠] إلى آخر الآيات، فاستطرد من ذِكْر الأَبَوين إلى ذِكْر المشركين من أولادهما. والله أعلم.
стр. 467
فصل
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (٨)﴾ [الطور: ١ - ٨]؛ تضمَّنَ هذا القَسَمُ خمسةَ أشياء، وهي مظاهر آياته، وقدرته، وحكمته الدالَّة على ربوبيته ووحدانيته.
فـ "الطُّور": هو الجبل الذي كلَّم اللهُ عليه نبيَّهُ وكليمَهُ موسى بن عِمْران، عند جمهور المفسِّرين من السَّلف والخَلَف.
وعرَّفَهُ هاهنا بـ "اللَّام"، وعرَّفَهُ في موضعٍ آخر بالإضافة؛ فقال تعالى: ﴿وَطُورِ سِينِينَ (٢)﴾ [التين: ٢].
وهذا الجبل مَظْهَر بركة الدنيا والآخرة، وهو الجبل الذي اختاره الله لتكليم موسى عليه.
قال عبد الله بن أحمد في كتاب "الزُّهْد" لأبيه:
حدثني محمد بن عُبيد بن حِسَاب (١)، قال: حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا أبو عِمْران الجَوْنيُّ، عن نَوْف البِكَاليِّ قال: "أَوْحَى اللهُ إلى الجبال: إنّي نازِلٌ على جبلٍ منكم. قال: فشَمَخَت الجبالُ كلُّها إلَّا جبل الطُّور، فإنَّه تواضع، وقال: أرضَى بما قَسَمَ اللهُ لي، فكان الأمرُ عليه" (٢).
стр. 468
وجبلٌ هذا شأنه حقيقٌ أن يُقْسِمَ اللهُ به، وإنَّهُ لسيِّدُ الجبال.
الثاني: "الكتاب المسطور" في الرَّقِّ المنشور، واختُلف في هذا الكتاب (١):
فقيل: هو اللوح المحفوظ. وهذا غلطٌ؛ فإنَّه ليس بـ "رَقٍّ".
وقيل: هو الكتاب الذي تضمَّن أعمالَ بني آدم. قال مقاتل: "تُخْرَجُ إليهم أعمالُهم يومَ القيامة في رَقٍّ منشور" (٢).
وهذا وإن كان أقوى وأصحَّ من القول الأوَّل، واختاره جماعةٌ من المفسِّرين ومنهم من لم يذكر غيره؛ فالظاهر أنَّ المراد به الكتاب المنزَّل من عند الله، وأقسَمَ اللَّهُ به لعظمته وجلالته، وما تضمَّنَهُ من آيات ربوبيته، وأدلَّةِ توحيده، وهدايةِ خلقه.
ثُمَّ قيل: هو التوراة التي أنزلها الله على موسى.
وكأنَّ صاحب هذا القول رأى اقتران هذا الكتاب بالطُّور، فقال: هو التوراة، ولكنَّ التوراةَ إنَّما أُنزلت في ألواحٍ لا في رَقٍّ، إلَّا أن يقال: هي في رَقٍّ في السماء وأنزلت في ألواح.
стр. 469
وقيل: هو القرآن؛ ولعلَّ هذا أرجح الأقوال؛ لأنَّه - سبحانه - وصَفَ القرآن بأنَّهُ ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾ [عبس: ١٣ - ١٦]، فالصُّحُفُ هي "الرَّقُّ"، وكونه بأيدي السَّفَرَة هو كونه منشورًا.
وعلى هذا فيكون قد أقسَمَ بسيِّدِ الجبال، وسيِّدِ الكتب. ويكون ذلك متضمِّنًا للنُّبوَّتَين العظيمتَين (١): نُبُوَّةِ موسى، ونُبُوَّةِ محمدٍ صلَّى الله عليهما وسلَّم. وكثيرًا ما يُقْرَنُ بينهما، وبين مَحَلِّهما كما في سورة "والتِّين والزيتون".
ثُمَّ أَقْسَمَ بسيِّدِ البيوت، وهو "البيت المعمور" (٢).
وفي وَصْفِه للكتاب بأنَّه مسطورٌ تحقيقٌ لكونه مكتوبًا مفروغًا منه. وفي وَصْفِه بأنَّه منشورٌ إيذانٌ بالاعتناء به، وأنَّه بأيدي الملائكة منشورٌ غيرُ مهجورٍ.
وأمَّا "البيت المعمور"؛ فالمشهور أنَّه "الضُّرَاح" (٣) الذي في
стр. 470
السماء الذي رُفع للنبيِّ ﷺ ليلةَ الإسراء، يدخله كُلَّ يومٍ سبعون ألف مَلَكٍ، ثُمَّ لا يعودون إليه آخر ما عليهم (١). وهو بحيال البيت المعمور في الأرض.
وقيل: هو البيت الحرام.
ولا ريب أنَّ كلًّا منهما بيتٌ معمورٌ: فهذا معمورٌ بالملائكة وعبادتهم، وهذا معمورٌ بالطائفين والقائمين والرُّكَّعِ السجود. وعلى كلا القولين فكلٌّ منهما سيِّد البيوت.
ثُمَّ أقسَمَ - سبحانه - بمخلوقَين عظيمَين من بعض مخلوقاته، وهما مظهر آياته، وعجائب صنعته، وهما:
السَّقْفُ المرفوعُ (٢)؛ وهو السماء، فإنَّها من أعظم آياته قدرًا، وارتفاعًا، وسَعةً، وسُمْكًا، ولونًا، وإشراقًا. وهى مَحَلُّ ملائكته، وهي سَقْفُ العالَم، وبها انتظامه، وهي مَحَلُّ النَّيِّرَين اللَّذَين بهما قوامُ الليل،
стр. 471
والنَّهارِ، والسِّنين، والشهورِ، والأيامِ، والصَّيفِ، والشِّتاءِ، والرَّبيع، والخريفِ. ومنها تنزل البركاتُ، وإليها تصعد الأرواح وأعمالُها وكلماتُها الطَّيِّبةُ.
والثاني: البحر المَسْجُور (١)؛ وهو آيةٌ عظيمةٌ من آياته، وعجائبُهُ لا يحصيها إلا الله.
واختُلف في هذا البحر، هل هو البحر الذي فوق السماوات، أو البحر الذي نشاهده؟ على قولين:
فقالت طائفةٌ: هو البحر الذي عليه العرش، وبين أعلاه وأسفله مسيرة خمسمائة عامٍ، كما في الحديث الذي رواه أبو داود، من حديث سِمَاك، عن عبد الله بن عَمِيرة (٢)، عن الأَحْنَف بن قيس، أنَّ العبَّاس بن عبد المطلب قال: كنتُ بالبَطْحَاء في عصابةٍ (٣) فيهم رسول الله ﷺ ، فمرَّتْ بهم سحابةٌ، فنظر إليها فقال: "ما تُسَمُّونَ هذه؟ " قالوا: السَّحَاب، قال: "والمُزْنَ" قالوا: والمُزْنَ، قال: "والعَنَان"، قالوا: والعَنَان قال: "هل تدرون بُعْدَ ما بين السماء والأرض؟ " قالوا: لا ندري، قال: "إنَّ بُعْد ما بينهما إمَّا واحدةٌ، أو اثنتان، أو ثلاثٌ وسبعون سنة، ثُمَّ السماء فوقها كذلك، حتَّى عَدَّ سبعَ سماواتٍ، ثُمَّ فوق السابعة بحرٌ بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماءٍ إلى سماءٍ، ثُمَّ فوق ذلك ثمانية أَوْعَالٍ، بين أظْلَافهم ورُكَبِهم مثل ما بين سماءٍ إلى سماءٍ، ثُمَّ على ظهورهم العَرْش، ما بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماءٍ إلى سماءٍ، ثُمَّ
стр. 472
стр. 473
стр. 474
فقيل: المَمْلُوء، هذا قول جميع أهل اللغة.
قال الفَرَّاء: "المسجور في كلام العرب: المَمْلُوء" (١).
يقال: سَجَرْتُ الإناءَ إذا مَلأته، قال لبيد (٢):
فَتَوَسَّطَا عُرْضَ السَّرِيِّ وَصَدَّعَا … مَسْجُورةً مُتَجَاوِزًا قُلَّامُها
وقال المُبرِّد: "المسجور: المَمْلُوء عند العرب"؛ وأنشد للنَّمِرِ بن تَوْلَب:
إذا شَاءَ طَالَعَ مَسْجُورةً (٣)
يريد عَيْنًا مملوءةً ماءً.
وكذا قال ابن عباس: "المسجور: المُمْتَلئ".
وقال مجاهد (٤): "المسجورُ: المُوْقَدُ".
قال الليث: "السَّجْرُ: إيقادُك في التنُّور، تَسْجُره سَجْرًا، والسَّجُور (٥): اسم الحطب" (٦).
стр. 475
стр. 476
وهذا يرجع إلى القول الأوَّل؛ لأنَّكَ تقول: سَجَرْتُ التنُّورَ؛ إذا ملأْتَهُ حَطَبًا.
وروى ذُو الرُّمَّةِ الشاعر عن ابن عباس أنَّ المسجور: "اليابس الذي قد نَضَب ماؤُه وذهب" (١). وليس لِذِي الرُّمَّةِ رواية عن ابن عباس غير هذا الحرف (٢). وهذا القول اختيار أبي العالية.
قال أبو زيد: "المسجور: المَمْلُوء، والمسجور (٣): الذي ليس فيه شيء" (٤)، جعله من الأضداد.
وقد رُوي عن ابن عباس أنَّ المسجور (٥): المحبوس، ومنه: سَاجُور الكلب، وهو القِلَادة من عُودٍ أو حديدٍ يُمْسِكُه.
стр. 477
والمعنى على هذا أنَّه محبوسٌ بقدرة الله أن يَفِيضَ على الأرض فيُغْرِقَها، فإنَّ ذلك مقتضى الطبيعة أن يكون الماء غامرًا للأرض فوقها، كما أنَّ الهواء فوق الماء، ولكن أَمْسَكَهُ الذي يُمْسِكُ السماوات والأرض أنْ تَزُولا، وفي هذا المعنى حديثٌ ذكره الإمامُ أحمد مرفوعًا: "ما من يومٍ إلَّا والبحرُ يستأذِنُ ربَّهُ أنْ يُغرق بني آدم" (١).
وهذا الموضع ممَّا هَدَمَ أصول الملاحدة والدهريَّة، فإنَّه ليس في الطبيعة ما يقتضي حَبْسَ الماء عن بعض جوانب الأرض، مع كون كرة الماء عالية على كرة (٢) الأرض بالذَّات، ولو فُرِضَ أنَّ في الطبيعة ما يقتضي بروز بعض جوانبها لم يكن فيها ما يقتضي تخصيص هذا الجانب بالبروز دون غيره.
وما ذكره الطبائعيُّون والمُتَفَلْسِفة أنَّ العناية الإلهية اقْتَضَتْ ذلك لمصلحة العالَم: فَنَعَم؛ هو كما ذكروا، ولكنَّ عناية من يفعل بقدرته
стр. 478
ومشيئته، وهو بكلِّ شيءٍ عليمٌ، وعلى كلِّ شيءٍ قديرٌ، وهو أحكم الحاكمين = غير معقولة؟!
فالعناية الإلهية تقتضي حياتَهُ، وقدرتَهُ، ومشيئته، وعلمَهُ، وحكمتَهُ، ورحمتَهُ، وإحسانَهُ إلى خلقه، وقيامَ الأفعال به، فإثبات العناية الإلهية مع نفي هذه الأمور ممتنعٌ. وبالله التوفيق.
وأقوى الأقوال في "المَسْجُور" أنَّه المُوْقَد (١) - وهذا هو المعروف في اللغة - من: السَّجْر، ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦)﴾ [التكوير: ٦]، قال عليُّ بن أبي طالب، وابنُ عباس: "أُوقِدَتْ فَصَارَتْ نارًا".
ومن قال: "يَبسَت وذَهَب ماؤها"؛ فلا يُناقض كونها نارًا مُوقَدَةً. وكذا من قال: "مُلئت"؛ فإنَّها تُمْلأُ نارًا.
وإذا اعتبرتَ أسلوبَ القرآن ونَظْمَهُ ومفرداته رأيتَ اللفظة تدلُّ على ذلك كلِّه، فإنَّ البحر محبوسٌ بقدرة الله ، ومملوءٌ ماءً، ويذهب ماؤُه يوم القيامة ويصير نارًا. فكلٌّ من المفسِّرين أخذ معنىً من هذه المعاني. والله أعلم.
стр. 479
فصل
وأقسَمَ - سبحانه - بهذه الأمور على المَعَاد والجزاء، فقال تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧)﴾ [الطور: ٧].
ولمَّا كان الذي يقع قد يُمْكِنُ دَفْعُهُ أخبَر - سبحانه - أنَّه لا دافع له. وهذا يتناول أمرين:
أحدهما: أنَّهُ لا دافع لوقوعه.
والثاني: أنه لا دافع له إذا وقع.
ثُمَّ ذكر - سبحانه - وقتَ وقوعه فقال: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (١٠)﴾ [الطور: ٩، ١٠].
و"المَوْرُ": قد فُسِّر بالحركة، وفُسِّر بالدَّوَران، وفُسِّر بالتموُّج والاضطراب.
والتحقيقُ؛ أنَّه حركةٌ في تموُّجٍ، وتكفُّؤٍ، وذهابٍ، ومجيءٍ.
ولهذا فرَّق بين حركة السماء وحركة الجبال، فقال: ﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (١٠)﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣)﴾ [التكوير: ٣]، فالجبالُ تسير من مكانٍ إلى مكانٍ، وأمَّا السماء فإنَّها تتكفَّأُ، وتتموَّجُ، وتذهبُ، وتجيءُ.
قال الجوهري (١): "مَارَ الشيءُ يَمُورُ مَوْرًا: تَرَهْيَأَ؛ أي: تحرَّك،
стр. 480
وجاء، وذهبَ، كما تكفَّأُ النَّخْلَةُ العَيْدَانة - أي: الطويلة -، ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩)﴾، قال الضحَّاكُ: تَمُوجُ مَوْجًا.
وقال أبو عبيدة، والأخفش: تكفَّأُ. وأنشد للأعشى (١):
كَأَنَّ مِشْيَتَها من بَيْتِ جَارَتِها … مَوْرُ السَّحَابة، لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ" (٢)
ثُمَّ ذَكَر وعيدَ المكذِّبين بالمَعَادِ والنُّبُوَّةِ، وذكر أعمالَهم وعلومَهم التي كانوا عليها، وهي "الخَوْضُ" الذي هو كلامٌ باطلٌ، و"اللَّعِبُ" الذي هو سَعْيٌ ضَائعٌ. فلا علمٌ نافعٌ، ولا عملٌ صالحٌ؛ بل علومُهم خَوْضٌ بالباطل، وأعمالُهم لَعِبٌ.
ولمَّا (٣) كانت هذه العلومُ والأعمالُ مُسْتَلزِمةً لدفع الحقِّ بعُنْفٍ وقَهْرٍ؛ أُدخِلُوا جهنَّم وهم يُدَعُّونَ إليها دعًّا، أي: يُدفَعُون (٤) في أَقْفِيَتهم وأكتافهم، دَفْعًا بعد دَفْع، فإذا وَقَفُوا عليها وعَايَنُوها وُقِّفُوا، وقيل لهم: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤)﴾، وتقولون لا حقيقة لها، ولا مَنْ أخبر بها صادِقٌ. ثم يُقَال لهم: ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا﴾ الآن كما كنتم تقولون للحقِّ الذي جاءتكم به الرُّسُل: إنَّه سِحْرٌ، وإنَّهم سَحَرَةٌ؛ فهذا - الآن -
стр. 481
سِحْرٌ لا حقيقةَ له كما قلتم، أَمْ على أبصاركم غِشَاوةٌ فلا تبصرونها، كما كان عليها غِشَاوَةٌ في الدنيا فلا تُبْصِر الحقَّ؟ أَفَعَمِيَتْ أبصارُكم اليومَ عن رؤية هذا الحقِّ، كما عَمِيَتْ في الدنيا؟
ثُمَّ سُلِبَ عنهم نَفْعُ الصَّبْرِ (١) الذي كانوا في الدنيا إذا دَهَمَتْهم الشدائدُ وأحاطت بهم لجأوا إليه، وتعلَّلُوا بانقضاء البليَّةِ (٢) لانقضاء أمدها (٣). فقيل لهم يومئذٍ: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ [الطور: ١٦] كلاهما سواءٌ عليكم لا يُجْدي عليكم الصبر ولا الجَزَع، فلا الصبر يُخَفِّفُ عنكم حِمْلَ هذا العذاب، ولا الجَزَعُ يعطِفُ عليكم قلوبَ الخَزَنَةِ، ولا يستنزل لكم الرحمة.
ثُمَّ أُعْلِمُوا بأنَّ الرَّبَّ - تعالى - لم يظلمهم (٤) بذلك، وإنَّما هو نَفْسُ أعمالهم صارت عذابًا، فلم يجدوا من اقترانهم به بُدًّا؛ بل صارت عذابًا لازمًا لهم، كما كانت إراداتهم وعقائدُهم الباطلةُ وأعمالُهم القبيحةُ لازِمةً لهم، ولُزُوم العذاب لأهله في النَّار بحسب لزوم تلك الإراداتِ الفاسدة، والعقائد الباطلة، وما يترتَّبُ عليها من الأعمال لهم في الدنيا.
فإنْ زال ذلك اللزوم في وقتٍ ما بضدِّه، وبالتوبة النَّصُوح زوالًا كُلِّيًّا لم يُعَذَّبُوا عليه في الآخرة؛ لأنَّ أثره قد زال من قلوبهم وألسنتهم وجوارحهم، ولم يبق له أثرٌ يترتَّبُ عليه، فالتائبُ من الذنب كمن لا ذنب له، والمادَّةُ الفاسدةُ إذا زالت من البَدَنِ بالكُلِّية لم يَبْقَ هناك
стр. 482
أَلَمٌ يَنْشَأُ عنها.
وإنْ لم تَزُلْ تلك الإرادات والأعمال ولكن عارَضَها مُعَارِضٌ أقوى منها كان التأثير للمعارِضِ، وغَلَبَ الأقوى الأضعفَ.
وإنْ تَسَاوى الأمران تَدَافَعَا وقَاوَمَ كلٌّ منهما الآخر، وكان مَحَلُّ صاحبه "جبالُ الأَعْرَافِ" بين الجنَّةِ والنَّارِ.
فهذا حكمُ الله وحكمتُه في خلقه، وأمره، ونهيه، وعقابه، ولا يظلم ربُّك أحدًا.
فصل
ثُمَّ ذَكَر - سبحانه - أربابَ العلومِ النَّافعة، والأعمالِ الصالحة، والاعتقاداتِ الصحيحة؛ وهم المُتَّقُون، فذكر مساكنَهم وهي الجِنَان، وحالَهم في المساكن وهو النَّعيم.
وذكر نعيم قلوبهم وراحتهم بكونهم ﴿فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ [الطور: ١٨]، و"الفَاكِهُ": المُعْجَبُ بالشيء، المسرورُ المُغْتَبطُ به. وفعله: فَكِهَ - بالكسر -، يَفْكَهُ، فهو فَكِهٌ وفَاكِهٌ إذا كان طيِّبَ النَّفْسَ. والفَاكِهُ: المَازِح (١)، ومنه "المُفَاكَهَةُ" (٢) وهي: المِزَاح (٣) الذي ينشأ عن طِيبِ النَّفْس (٤). وتَفَكَّهْتُ بالشيء: إذا تمتَّعْتُ به، ومنه "الفَاكِهَةُ" التي يُتَمتَّعُ بها (٥).
стр. 483
ومنه قوله تعالى: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥)﴾ [الواقعة: ٦٥]؛ قيل: معناهُ: تَنْدَمُون. وهذا تفسيرٌ بلازم المعنى، وإنَّما الحقيقة: تُزِيلُون عنكم التَّفَكُّه، وإذا زال التَّفَكُّهُ خَلَفَهُ ضِدُّه، يقال: تَحَنَّث؛ إذا زال الحِنْث عنه، وتَحَرَّجَ، وتَحَوَّبَ، وتأثَّمَ، ومنه: تَفَكَّه. وهذا البناء يُقَال للداخل في الشيء كـ: تَعَلَّم، وتَحَلَّم (١)، وللخارج منه (٢) كـ: تحرَّج، وتأثَّمَ.
والمقصودُ أنَّه - سبحانه - جمَعَ لهم بين النَّعِيمَين: نعيمِ القلب بالتفكُّهِ، ونعيمِ البَدَن بالأكل والشُّرب والنكاح.
ووَقَاهُم عذاب الجحيم؛ فَوَقَاهُم ممَّا يكرهون، وأعطاهم ما يحبُّون جزاءً وِفاقًا؛ لأنَّهم تَوَقَّوا ما يكرهُ، وأَتَوا بما يحبُّ، فكان جزاؤهم مُطابِقًا لأعمالهم.
ثُمَّ أخبرَ عن دَوَام ذلك لهم بما أَفْهَمَهُ قولُه: ﴿هَنِيئًا﴾؛ إذ (٣) لو عَلِمُوا زَوَالَهُ وانقطاعَه لَنغَّصَ عليهم ذلك نعيمَهم، ولم يكن هنيئًا لهم.
ثُمَّ ذكَرَ مجالسَهم، وهيئَاتِهم فيها؛ فقال: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ﴾ [الطور: ٢٠]، وفي ذِكْرِ اصْطِفَافِها تنبيهٌ على كمال النِّعمة عليهم بقُرْب بعضهم من بعضٍ، ومقابلةِ بعضهم بعضًا، كما قال تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (١٦)﴾ [الواقعة: ١٦]، فإنَّ من تمام اللذَّةِ والنَّعيم أن يكون مع الإنسان في بستانه ومنزله من يحبُّ معاشرتَهُ، ويُؤْثِرُ قُرْبَهُ،
стр. 484
ولا يكون بعيدًا منه قد حِيلَ بينه وبينه، بل سريرُه إلى جانب سريرِ من يحبُّه، ومقابِلُه سريرُ من يحبُّه.
وذكر أزواجَهم وأنَّهم "الحُورُ العِينُ". وقد تكرَّرَ وصْفُهُنَّ في القرآن بهاتين الصِّفَتين، قال أبو عبيدة: "جعلناهم أزواجًا كما تُزَوَّجُ النَّعْلُ بالنَّعْلِ، جعلناهم اثْنَين اثْنَين" (١).
وقال يونس (٢): "قَرَنَّاهُم بِهِنَّ، وليس من عقد التزويج" (٣).
واحتجَّ على ذلك بأنَّ العرب لا تقول: تزوَّجْتُ بها، وإنَّما تقول (٤): تزوجتُها. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧]، وفي الحديث: "زوَّجْتُكَها بما مَعَكَ من القرآن" (٥).
وقال غيره (٦): " العرب تقول: تزوَّجتُ امرأةً، وتزوَّجْتُ بامرأةٍ".
стр. 485
وقال الأزهري: "العرب تقول: زَوَّجْتُه امرأةً، وتزوَّجْتُ امرأةً، وليس في كلامهم: تزوَّجْتُ بامرأةٍ. وقوله تعالى: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠)﴾ [الطور: ٢٠]؛ أي: قَرَنَّاهُم" (١).
وعلى هذا "فزوَّجْنَاهُم" عند هؤلاء من الاقتران والشَّفْع، أي: شَفَعْنَاهُم، وقرنَّاهُم بِهِنَّ.
وقالت طائفةٌ - منهم مجاهد (٢) -: زوَّجْنَاهم بِهِنَّ، أي: أَنْكَحْنَاهُم إيَّاهُنَّ.
قلتُ: وعلى هذا فَتَلْوِيحُ فِعْل التزويج قد دلَّ على النكاح، وتعديته بـ "الباء" المُتَضمِّنة معنى الاقترانِ والضَّمِّ، فالقولان واحدٌ. والله أعلم.
وأمَّا "الحُورُ العِينُ"؛ فقال مجاهد: "التي يَحَارُ فيها الطَّرْفُ، باديًا مُخُّ سُوقهنَّ من وراء ثيابهنَّ، ويَرَى النَّاظِرُ وجهَهُ في كَبِدِ إحداهُنَّ كالمِرآة من رِقَّة الجِلْدِ، وصفاءِ اللَّون" (٣).
стр. 486
وقال قتادة: "بِـ "حُور" أي: بِيض" (١). وكذلك قال ابن عباس (٢).
وقال مقاتل: ""الحُور": البِيضُ الوجوه، "العِين": الحِسَانُ الأَعْين" (٣).
وعَيْنٌ حَوْرَاء (٤): شديدةُ السَّوَاد، نَقِيَّةُ البياض، طويلةُ الأهداب معِ سوادها، كاملة الحُسْن. ولا تسمَّى المرأة "حَوْرَاء" حتَّى تكون مع حوَر عينها بيضاءَ لون الجسد.
فَوَصَفَهُنَّ بالبياضِ والحُسْنِ والمَلَاحَةِ، كما قال تعالى: ﴿خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠)﴾ [الرحمن: ٧٠]، فالبياضُ في ألوانهنَّ، والحُسْن في وجوههنَّ (٥)، والمَلَاحَة في عيونهنَّ. وقد وصف الله - سبحانه - نساءَ الجنَّةِ بأحسن الصفات، ودلَّ بما وصف على ما سكت عنه.
стр. 487
فإن شئتَ التفصيل؛ فالذي يُحْمَدُ ويستحبُّ من وجه المرأة، وبدنها، وأخلاقها:
"البَيَاضُ" في أربعةِ أشياء: اللَّون، وبياضِ العَين، والفَرْق، والثَّغْر (١).
و"السَّوَادُ" في أربعةٍ: سوادِ العين، وسوادِ شَعْرِ الرأسِ، وسوادِ شَعْر الجَفْنِ، وسوادِ شَعْر (٢) الحاجِبين.
و"الحُمْرَةُ" في أربعةٍ: اللِّسانِ، والشَّفَتين، والوَجْنَتين، وحُمْرةٍ تَشُوبُ "البَيَاضَ" فتُحَسِّنُه وتزيِّنُه.
ومن "التدوير" أربعةُ أشياء: الوجهُ، والرأسُ، والكَعْبُ، والمَقْعدُ.
ومن "الطُّول" أربعةٌ: القَامَةُ، والعُنُقُ، والشَّعْرُ، والحاجِبُ.
ومن "السَّعَةِ" في أربعةٍ: الجَبْهَةِ، والعَينِ، والوجهِ، والصَّدْرِ.
ومن "الصِّغَرِ" في أربعةٍ: الثَّدْي، والفَم، والكفِّ، والقَدَمِ (٣).
ومن "الطِّيبِ" في أربعةٍ: الفَم، والأنفِ، والفَرْق، والفَرْج.
ومن "الضِّيقِ" في موضعٍ واحدٍ.
ومن "الأخلاق" كما قال اللهُ تعالى: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧)﴾ [الواقعة: ٣٧]،
стр. 488
فـ "العُرُب" جمع: عَرُوبٍ، وهي المرأة المتحبِّبَةُ (١) إلى زوجها بأخلاقها، ولطافتها، وشمائلها.
قال ابن الأعرابي: "العَرُوبُ من النِّساء: المطيعةُ لزوجها، المتحبِّبةُ إليه" (٢).
وقال أبو عبيدة: "هي الحَسَنَةُ التَّبَعُّل" (٣).
قال المبرِّد: "هي العاشقة لزوجها" (٤).
وقال البخاري في "صحيحه" (٥): "هي الغَنِجَةُ، ويقال: الشَّكِلَةُ".
فهذا وَصْفُ أخلاقهنَّ، وذاك وصف خَلْقِهنَّ. وأنت (٦) إذا تأمَّلتَ الصفات التي وصفهنَّ اللهُ بها رأيتها مستلزمةً لهذه الصفات وَلِمَا وراءَها. والله المستعان.
стр. 489
فصل
ثُمَّ أخبر - سبحانه - عن تكميل نعيمهم بإلحاق ذُرِّياتهم بهم في الدرجة - وإنْ لم يعملوا أعمالهم - لِتَقَرَّ أعينُهم بهم، ويَتِمَّ سرورُهم وفرحُهم.
وأخبر - سبحانه - أنَّه لم ينقُص الآباءَ من عملهم من شيءٍ بهذا الإلحاق، فينزلهم من الدرجة العُلْيا إلى السُّفْلَى، بل أَلْحَقَ الأبناء بالآباء، ووفَّر على الآباء أجورَهم ودرجاتهم.
ثُمَّ أخبر - سبحانه - أنَّ هذا إنَّما هو فعله في أهل الفضل، وأمَّا أهل العدل فلا يفعل بهم ذلك، بل ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (٢١)﴾ [الطور: ٢١]، ففي هذا رفْعٌ لتوهُّم التسوية بين الفريقين في هذا الإلحاق، كما في قوله: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١] رفْعٌ لتوهُّم حَطِّ الآباء إلى درجة الأبناء، وقسمةِ أجور الآباء بينهم وبين الأبناء فينتقص (١) أجر أعمالهم، فرفع هذا التوهُّمَ بقوله: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: ما نَقَصْنَاهم.
ثُمَّ ذكر إمدادَهم باللَّحم، والفاكهة، والشَّراب، وأنَّهم يتعاطَون كؤوس الشَّرَاب بينهم، يشرب أحدُهم ويناول صاحبه ليتمَّ بذلك فرحهم وسرورهم.
ثُمَّ نَزَّه ذلك الشَّراب عن الآفات من اللَّغْو من أهله عليه، ولُحُوق الإثم لهم؛ فقال: ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (٢٣)﴾ [الطور: ٢٣]، فنفَى بـ "اللَّغْوِ": السِّبَابَ، والتخاصُمَ، والهُجْرَ (٢)، والفُحْشَ في المقال،
стр. 490
والعَرْبَدَةَ. ونَفَى بـ "التأثيم" جميع الصفات المذمومة التي أثَّمَتْ شارب الخمر.
وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَأْثِيمٌ (٢٣)﴾ ولم يَقُل: ولا إثْم، أي: ليس فيها ما يحملهم على الإثم، ولا يُؤَثِّم بعضُهم بعضًا بشربها، ولا يُؤَثِّمُهم اللهُ بذلك، ولا الملائكةُ، فلا يَلْغُون، ولا يأثمون.
قال ابن قتيبة: "لا تذهب بعقولهم فيلغُوا، ولم يقع منهم ما يُؤَثِّمُهم" (١).
ثُمَّ وصَفَ خدمَهم الطائفين عليهم بأنَّهم كاللؤلؤ في بياضهم. و"المكْنُون": المَصُون الذي لا تدنِّسُه الأيدي، فلم تُذْهِب الخدمةُ تلك المحاسِنَ، وذلك اللَّونَ والصفاءَ والبهجةَ، بل مع انتصابهم لخدمتهم كأنَّهم لؤلؤٌ مكنونٌ.
ووصفهم في موضعٍ آخر (٢) بأنَّ رائيهم يحسبهم لؤلؤًا منثورًا؛ ففي ذكره "المنثورَ" إشارةٌ إلى تفرُّقِهم في حوائج ساداتهم، وخدمتهم، وذهابهم، ومجيئهم، وسَعَة المكان، بحيث لا يحتاجون أن يَنْضَمَّ بعضُهم إلى بعضٍ فيه لضيقه.
ثُمَّ ذكر - سبحانه - ما يتحدَّثون به هناك، وأنَّهم يقولون: ﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦)﴾ [الطور: ٢٦] أي: كُنَّا خائفين في مَحَلِّ الأمن (٣) بين الأهل والأقارب والعشائر، فأوصلنا ذلك الخوف
стр. 491
والإشفاق إلى أنْ مَنَّ اللهُ علينا، فأمَّنَنَا ممَّا نخاف ﴿وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (٢٧)﴾ [الطور: ٢٧]، وهذا ضدُّ حال الشقيِّ الذي كان (١) في أهله مسرورًا. فهذا كان مسرورًا مع إساءته، وهؤلاء كانوا مُشْفِقِين مع إحسانهم، فبدَّلَ الله - سبحانه - إشفاقَهم بأعظم الأمن، وبدَّلَ أمن أولئك بأعظم المخاوِف. فبالله المستعان.
ثُمَّ أخبر - تعالى - عن حالهم في الدنيا، وأنَّهم كانوا يعبدون الله فيها، فأوصَلَتْهُم عبادتُه وحدَهُ إلى قُرْبِه وجوَارِه، ومَحَلِّ كرامته، والذي جمع لهم ذلك كلَّه بِرُّهُ ورحمتُه؛ فإنَّه هو "البَرُّ الرَّحيمُ".
فهذا هو المُقْسَمُ عليه بتلك الأقسام الخمسة في أوَّل السورة. والله أعلم.
стр. 492
فصل
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (٢) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤)﴾ [الذاريات: ١ - ٤]، أقْسَم بـ "الذَّاريات" وهي: الرِّياح؛ تَذْرُو المطرَ، وتَذْرُو الترابَ، وتَذْرُو النَّباتَ إذا تَهَشَّم، كما قال تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ [الكهف: ٤٥]؛ أي: تفرِّقُه وتَنْشُرُه.
ثُمَّ أقسَمَ (١) بما فوقها وهي: السَّحَاب الحاملات وِقْرًا، أي: ثِقْلًا من الماء، وهي رَوَايَا (٢) الأرض، يسوقها الله - سبحانه - على مُتُون الرِّياح؛ كما في "جامع الترمذي" (٣) من حديث الحسن عن أبي هريرة قال: بينما نبيُّ الله ﷺ جالسٌ وأصحابُه إذ أتى عليهم سَحَابٌ، فقال نبيُّ الله ﷺ : "هل تَدْرُون ما هذا؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "هذا العَنَانُ، هذه رَوَايَا الأرض، يَسُوقُها اللَّهُ ﵎ إلى قومٍ لا يشكرونه، ولا يَدْعُونه".
ثُمَّ أقسَمَ - سبحانه - بما فوق ذلك، وهي "الجاريات يُسْرًا"؛ وهي: النُّجُوم التي من فوق الغَمَام، و"يُسْرًا" أي: مُسَخَّرةً مُذَلَّلةً مُنْقَادَةً.
وقال جماعة من المفسِّرين (٤): إنَّها السُّفُن تجري مُيَسَّرَةً في الماء
стр. 493
جريًا سهلًا، ومنهم من لم يذكر غيره (١).
واختار شيخنا ﵀ القول الأوَّل (٢)، وقال: هو أحسن في الترتيب والانتقال من السافل إلى العالي؛ فإنَّه بدأ بالرِّياح، وفوقها السَّحاب، وفوقه النُّجُوم، وفوقها (٣) الملائكة المقسِّمَات أَمْرَ اللهِ الذي أُمِرَتْ به بين خلقه.
والصحيح أنَّ "المقسِّمات أمرًا" لا تختصُّ بأربعةٍ.
وقيل (٤): هُمْ:
"جبريل"؛ يقسم الوحيَ، والعذابَ، وأنواعَ العقوبة على من خالف الرُّسُل.
و"ميكائيل"؛ على القَطْر، والبَرَدِ، والثَّلْج، والنَّبَات، يقسمها بأمر الله.
стр. 494
و"ملك الموت"؛ يقسم المَنَايا بين الخلق بأمر الله تعالى.
و"إسرافيل"؛ يقسم الأرواحَ على أبدانها عند النَّفْخ في الصُّور.
وهم "المُدبِّرَاتُ أمرًا".
وليس في اللفظ ما يدلُّ على الاختصاص بهم. والله أعلم.
وأقسَمَ - سبحانه - بهذه الأمور (١) الأربعة لمكان العبرة والآية، والدلالة الباهرة على ربوبيته ووحدانيته، وعِظَم قدرته.
ففي "الرِّياح" من العِبَر: هُبُوبُها، وسُكُونُها، ولينُها، وشدَّتُها، واختلافُ طبائِعها وصفاتها ومَهَابِّها، وتصريفها، وتنوُّعُ منافعها، وشدَّةُ الحاجة إليها.
فللمطر خمس رياح: ريحٌ تنشر سحابَهُ، وريحٌ تؤلِّفُ بينه، وريحٌ تلقِّحُه، وريحٌ تسوقه حيث يريد الله، وريحٌ تَذْرُو ماءَهُ وتفرِّقُه (٢).
وللنَّبَات ريحٌ، وللسُّفُن ريحٌ (٣)، وللرحمة ريحٌ، وللعذاب ريحٌ، إلى غير ذلك من أنواع الرِّياح.
وذلك يقضي بوجود خالقٍ مصرِّفٍ لها، مُدَبِّرٍ لها، ويصرِّفُها كيف يشاء، ويجعلها رُخَاءً تارةً، وعاصفةً تارةً، ورحمةً تارةً، وعذابًا تارةً.
فتارةً يحيي بها الزروع والثمار، وتارةً يقطعُها بها، وتارةً يُنْجي بها السُّفُن، وتارةً يهلكُها بها؛ وتارةً ترطِّبُ الأبدان، وتارةً تذيبُها، وتارةً
стр. 495
عقيمًا، وتارةً لاقِحَةً، وتارةً جَنُوبًا، وتارة دَبُورًا، وتارةً صَبًا، وتارةً شَمَالًا، وتارةً بين ذلك، وتارةً حارَّةً، وتارةً باردةً (١).
وهي (٢) - مع غاية قوَّتِها - ألْطَفُ شيءٍ، وأقْبَلُ المخلوقات لكلِّ كيفية، سريعةُ التأثر والتأثير، لطيفة المَسَارِب (٣)، بَحْرٌ بين (٤) السماء والأرض، إذا قُطع عن الحيوان الذي على وجه الأرض هلَكَ، كبحر الماء الذي إذا فارقَهُ حيوان الماء هلك. يحبسها الله - سبحانه - إذا شاء، ويرسلُها إذا شاء.
تحمل الأصواتَ إلى الآذان، والرائحةَ إلى الأنف، والسَّحابَ إلى الأرض الجُرُز (٥).
وهي من رَوْح الله تأتي بالرحمة، ومن عقوبته تأتي بالعذاب.
وهي أقوى خَلْقِ الله كما رواه الترمذي في "جامعه" من حديث أنس بن مالك، عن النبيِّ ﷺ قال: "لمَّا خلقَ اللهُ الأرضَ جَعَلَتْ تَمِيدُ، فخلق الجبالَ، فقال بها عليها، فاستَقَرَّتْ، فَعَجِبَت الملائكةُ من شدَّةِ