← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 18337

التبيان في أيمان القرآن - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (721 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

والإشفاق إلى أنْ مَنَّ اللهُ علينا، فأمَّنَنَا ممَّا نخاف ﴿وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (٢٧)﴾ [الطور: ٢٧]، وهذا ضدُّ حال الشقيِّ الذي كان (١) في أهله مسرورًا. فهذا كان مسرورًا مع إساءته، وهؤلاء كانوا مُشْفِقِين مع إحسانهم، فبدَّلَ الله - سبحانه - إشفاقَهم بأعظم الأمن، وبدَّلَ أمن أولئك بأعظم المخاوِف. فبالله المستعان. ثُمَّ أخبر - تعالى - عن حالهم في الدنيا، وأنَّهم كانوا يعبدون الله فيها، فأوصَلَتْهُم عبادتُه وحدَهُ إلى قُرْبِه وجوَارِه، ومَحَلِّ كرامته، والذي جمع لهم ذلك كلَّه بِرُّهُ ورحمتُه؛ فإنَّه هو "البَرُّ الرَّحيمُ". فهذا هو المُقْسَمُ عليه بتلك الأقسام الخمسة في أوَّل السورة. والله أعلم.

стр. 492

فصل ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (٢) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤)﴾ [الذاريات: ١ - ٤]، أقْسَم بـ "الذَّاريات" وهي: الرِّياح؛ تَذْرُو المطرَ، وتَذْرُو الترابَ، وتَذْرُو النَّباتَ إذا تَهَشَّم، كما قال تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ [الكهف: ٤٥]؛ أي: تفرِّقُه وتَنْشُرُه. ثُمَّ أقسَمَ (١) بما فوقها وهي: السَّحَاب الحاملات وِقْرًا، أي: ثِقْلًا من الماء، وهي رَوَايَا (٢) الأرض، يسوقها الله - سبحانه - على مُتُون الرِّياح؛ كما في "جامع الترمذي" (٣) من حديث الحسن عن أبي هريرة قال: بينما نبيُّ الله ﷺ جالسٌ وأصحابُه إذ أتى عليهم سَحَابٌ، فقال نبيُّ الله ﷺ : "هل تَدْرُون ما هذا؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "هذا العَنَانُ، هذه رَوَايَا الأرض، يَسُوقُها اللَّهُ ﵎ إلى قومٍ لا يشكرونه، ولا يَدْعُونه". ثُمَّ أقسَمَ - سبحانه - بما فوق ذلك، وهي "الجاريات يُسْرًا"؛ وهي: النُّجُوم التي من فوق الغَمَام، و"يُسْرًا" أي: مُسَخَّرةً مُذَلَّلةً مُنْقَادَةً. وقال جماعة من المفسِّرين (٤): إنَّها السُّفُن تجري مُيَسَّرَةً في الماء

стр. 493

جريًا سهلًا، ومنهم من لم يذكر غيره (١). واختار شيخنا ﵀ القول الأوَّل (٢)، وقال: هو أحسن في الترتيب والانتقال من السافل إلى العالي؛ فإنَّه بدأ بالرِّياح، وفوقها السَّحاب، وفوقه النُّجُوم، وفوقها (٣) الملائكة المقسِّمَات أَمْرَ اللهِ الذي أُمِرَتْ به بين خلقه. والصحيح أنَّ "المقسِّمات أمرًا" لا تختصُّ بأربعةٍ. وقيل (٤): هُمْ: "جبريل"؛ يقسم الوحيَ، والعذابَ، وأنواعَ العقوبة على من خالف الرُّسُل. و"ميكائيل"؛ على القَطْر، والبَرَدِ، والثَّلْج، والنَّبَات، يقسمها بأمر الله.

стр. 494

و"ملك الموت"؛ يقسم المَنَايا بين الخلق بأمر الله تعالى. و"إسرافيل"؛ يقسم الأرواحَ على أبدانها عند النَّفْخ في الصُّور. وهم "المُدبِّرَاتُ أمرًا". وليس في اللفظ ما يدلُّ على الاختصاص بهم. والله أعلم. وأقسَمَ - سبحانه - بهذه الأمور (١) الأربعة لمكان العبرة والآية، والدلالة الباهرة على ربوبيته ووحدانيته، وعِظَم قدرته. ففي "الرِّياح" من العِبَر: هُبُوبُها، وسُكُونُها، ولينُها، وشدَّتُها، واختلافُ طبائِعها وصفاتها ومَهَابِّها، وتصريفها، وتنوُّعُ منافعها، وشدَّةُ الحاجة إليها. فللمطر خمس رياح: ريحٌ تنشر سحابَهُ، وريحٌ تؤلِّفُ بينه، وريحٌ تلقِّحُه، وريحٌ تسوقه حيث يريد الله، وريحٌ تَذْرُو ماءَهُ وتفرِّقُه (٢). وللنَّبَات ريحٌ، وللسُّفُن ريحٌ (٣)، وللرحمة ريحٌ، وللعذاب ريحٌ، إلى غير ذلك من أنواع الرِّياح. وذلك يقضي بوجود خالقٍ مصرِّفٍ لها، مُدَبِّرٍ لها، ويصرِّفُها كيف يشاء، ويجعلها رُخَاءً تارةً، وعاصفةً تارةً، ورحمةً تارةً، وعذابًا تارةً. فتارةً يحيي بها الزروع والثمار، وتارةً يقطعُها بها، وتارةً يُنْجي بها السُّفُن، وتارةً يهلكُها بها؛ وتارةً ترطِّبُ الأبدان، وتارةً تذيبُها، وتارةً

стр. 495

عقيمًا، وتارةً لاقِحَةً، وتارةً جَنُوبًا، وتارة دَبُورًا، وتارةً صَبًا، وتارةً شَمَالًا، وتارةً بين ذلك، وتارةً حارَّةً، وتارةً باردةً (١). وهي (٢) - مع غاية قوَّتِها - ألْطَفُ شيءٍ، وأقْبَلُ المخلوقات لكلِّ كيفية، سريعةُ التأثر والتأثير، لطيفة المَسَارِب (٣)، بَحْرٌ بين (٤) السماء والأرض، إذا قُطع عن الحيوان الذي على وجه الأرض هلَكَ، كبحر الماء الذي إذا فارقَهُ حيوان الماء هلك. يحبسها الله - سبحانه - إذا شاء، ويرسلُها إذا شاء. تحمل الأصواتَ إلى الآذان، والرائحةَ إلى الأنف، والسَّحابَ إلى الأرض الجُرُز (٥). وهي من رَوْح الله تأتي بالرحمة، ومن عقوبته تأتي بالعذاب. وهي أقوى خَلْقِ الله كما رواه الترمذي في "جامعه" من حديث أنس بن مالك، عن النبيِّ ﷺ قال: "لمَّا خلقَ اللهُ الأرضَ جَعَلَتْ تَمِيدُ، فخلق الجبالَ، فقال بها عليها، فاستَقَرَّتْ، فَعَجِبَت الملائكةُ من شدَّةِ

стр. 496

الجبالِ، وقالوا: يا رَبُّ؛ هل مِنْ خَلْقِكَ شيءٌ أشدُّ من الجبال؟ قال: نعم، الحديد. قالوا: يا رَبُّ؛ فهل مِنْ خَلْقِكَ شيءٌ أشدُّ من الحديد؟ قال: نعم، النَّار. قالوا: يا ربُّ؛ فهل مِنْ خَلْقِكَ شيءٌ أشدُّ من النَّار؟ قال: نعم، الماء. قالوا: يا رَبُّ؛ فهل مِنْ خَلْقِكَ شيءٌ أشدُّ من الماء؟ قال: نعم، الريح. قالوا: يا رَبُّ فهل مِنْ خَلْقِكَ شيءٌ أشدُّ من الريح؟ قال: نعم، ابنُ آدم، تصدَّقَ بصدقةٍ بيمينه يُخفِيها مِنْ شِمَاله"؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" (١). وفي الترمذي (٢) في حديث قصة عادٍ أنَّه لم يرسل عليهم من الرِّيح إلا قَدْر حَلْقَةِ الخَاتَم، فلم تَذَرْ من شيءٍ أَتَتْ عليه إلا جَعَلَتْه كالرَّمِيم. وقد وَصَفَها اللهُ - سبحانه - بأنَّها عاتيةٌ؛ قال البخاري في "صحيحه" (٣): "عَتَتْ على الخَزَنَة"، فلم يستطيعوا أنْ يردُّوها.

стр. 497

والمقصود أنَّ الرِّياح من أعظم آيات الرِّبِّ، الدَّالَّة على عظمته، وربوبيته، وقدرته. فصل ثُمَّ أقسَمَ - سبحانه - بـ "السَّحَاب"، وهو من أعظم آياته، بُخَارٌ يُنْشِئه اللهُ (١) في الجَوِّ في غاية الخِفَّة، ثُمَّ يحمل الماءَ والبَرَدَ، فيصير أثقلَ شيءٍ، فيأمر الرِّياح، فتحمله على مُتُونها، وتسير به حيث أُمِرَت، فهِو مُسَخَّرٌ بين السماء والأرض، حامِلٌ لأرزاق العباد والحيوان، فإذا أَفْرَغَه حيث أُمِر به اضْمَحَلَّ وتَلَاشَى بقدرة الله، فإنَّه لو بَقِيَ لأَضَرَّ بالنَّبَات والحيوان. فأنشأَهُ - سبحانه - في زمنٍ يصلح إنشاؤه فيه، وحمَّلَهُ من الماء ما تحمَّلَه، وساقَهُ إلى بلدٍ شديدِ الحاجةِ إليه. فَسَلِ "السَّحَاب": مَنْ أنشأه بعد عَدَمِهِ؟ ومَنْ حمَّلَهُ الماءَ والثَّلْجَ والبَرَدَ؟ ومَنْ حَمَلَهُ على ظهور الرِّياح؟ ومَنَ أمسكه بين السماء والأرض بغير عماد؟ ومَنْ أغاثَ بقَطْرِهِ العبادَ، وأحيا به البلادَ، وصرَّفَهُ بين خلقه كما أراد؟ وأخرج ذلك القطر بقَدْرٍ معلومٍ، وأنزله منه، وأَفْنَاهُ بعد الاستغناء عنه، ولو شاء لأَدَامَهُ عليهم فلم يستطيعوا إلى دفعه سبيلًا، ولو شاء لأَمْسَكَهُ عنهم فلا يجدون إليه وصولًا، فإنْ لم (٢) يُجِبْكَ حِوَارًا؛ أجابك اعتبارًا.

стр. 498

وَسَلِ "الرِّياح": مَنْ أنشأها بقدرته؟ وصرَّفها بحكمته، وسخَّرها بمشيئته، وأرسلها بُشْرًا (١) بين يدي رحمته، وجعلها سببًا لتمام نعمته، وسلَّطها على من شاء بعقوبته؟ ومَنْ جعلها رُخَاءً، وذَارِيَةً، ولاقِحَةً، ومثيرةً، ومؤلِّفَةً، ومغذِّيةً لأبدان الحيوان، والشجرِ، والنَّبَاتِ؟ وجعلها قاصِفًا، وعاصِفًا، ومُهْلِكَةً، وعاتيةً؟ إلى غير ذلك من صفاتها. فهل ذلك لها من نفسها وذاتها أم بتدبير مُدَبِّرٍ شَهِدَت الموجوداتُ بربوبيته، وأقرَّت المصنوعاتُ بوحدانيته، بيده النَّفْعُ والضُّرُّ، وله الخَلْق والأمر، تبارك الله ربُّ العالمين. وَسَلِ "الجَارِيات يُسْرًا" مِنَ السُّفُن مَنْ (٢) أَمْسَكَها على وجه الماء؟ ومَنْ سخَّرَ لها البحر؟ ومَنْ أرسل لها الرِّياح التي تَسُوقها في الماء سَوقَ السَّحَاب على مُتُون الرِّياح؟ ومَنْ حَفِظَها في مَجْرَاها ومُرْسَاها مِنْ طغيان الماء وطَغيان الرِّيح؟ فمَنِ الذي جعل الرِّيح لها بقَدْرٍ لو زَادَ عليها لأغرقها؛ ولو نقص عنه لَعَاقَها؟ ومَنِ الذي أجرى لها ريحًا واحدةً تسير بها، ولم يسلِّطْ على تلك الرِّيح ما يُصَادِمها ويُقَاوِمها، فَتَتَموَّج في البحر يمينًا وشمالًا تتلاعب بها الرِّياح؟ ومَنِ الذي علَّمَ الخَلْقَ الضعيفَ صَنْعَةَ هذا البيت العظيم الذي يمشي على الماء (٣)، فيقطع المسافة البعيدة، ويعود إلى بلده، يَشُقُّ الماءَ ويَمْخُرُه، مُقْبِلًا ومُدْبِرًا بريحٍ واحدةٍ، تجري في موجٍ

стр. 499

كالجبال؛ ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٣٢) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣٣) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٣٤)﴾ [الشورى: ٣٢ - ٣٤]. ومَنِ الذي حَمَلَ في هذا البيت نبيَّهُ وأولياءَهُ خاصةً، وأغرقَ جميعَ أهل الأرض سواهم؟ وَسَلِ "الجاريات يُسْرًا" من الكواكب، والشمس، والقمر: مَنِ الذي خَلَقها، وأحسن خَلْقها، ورفع مكانها، وزيَّنَ بها قُبَّةَ العالَم؟ وفَاوَتَ بين أشكالها، ومقاديرها، وألوانها، وحركاتها، وأماكنها من السماء، فمنها الكبير، ومنها الصغير، والمتوسِّط، والأبيض، والأحمر، والزُّجَاجيُّ اللَّون، والدُّرِّيُّ اللَّون؟ والمتوسِّطُ في قُبَّةِ الفُلْك، والمتطرِّفُ في جوانبها، وبين ذلك؟ ومنها ما يقطع الفُلْك في شهرٍ، ومنها ما يقطعه في عامٍ، ومنها ما يقطعه في ثلاثين عامًا، ومنها ما يقطعه في أضعاف ذلك. ومنها ما لا يزال ظاهرًا لا يغيب بحال، فهو أَبَدِيُّ الظُّهور، ومنها أَبَدِيُّ الخَفَاء، ومنها ما له حالتان: ظهورٌ، واختفاءٌ. ومنها ما له حركتان: ١ - حركةٌ عَرَضِيَّةٌ من المشرق إلى المغرب. ٢ - وحركةٌ ذاتيةٌ من المغرب إلى المشرق. فَحَالَ ما يأخذ الكوكب في الغروب فإذا كوكبٌ آخر في مقابلته، وكوكبٌ آخر قد طَلَع، وهو آخِذٌ في الارتفاع والتصاعد، وكوكبٌ

стр. 500

آخر (١) في الرُّبْعِ الشَّرْقيِّ، وكوكبٌ آخر في وسط السماء، وكوكبٌ آخر قد مَالَ عن الوسط، وآخر قد دَنَا من الغروب، وكأنَّ رَقِيبَهُ ينتظر بطلوعه غَيبته. وأنتَ إذا تأمَّلتَ أحوال هذه الكواكب وجدتها تدلُّ على المَعَاد كما تدلُّ على المبدأ، وتدلُّ على وجود الخالق، وصفات كماله، وربوبيته، وحكمته، ووحدانيته = أعظمَ دلالة. وكلُّ ما دَلَّ على صفات جلاله ونعوت كماله دلَّ على صِدْق رُسُله، فكما جعل اللهُ - تعالى - النُّجُومَ هدايةً في طُرق البَرِّ والبحر، فهي هدايةٌ في طُرُق العلم بالخالق - سبحانه - وقدرته، وعلمه، وحكمته، والمبدأ، والمَعَاد، والنُّبوَّة. ودلالتها على هذه المطالب لا تَقْصُر عن دلالتها على طُرُق البرِّ والبحر، بل دلالتها للعقول على ذلك أظهرُ من دلالتها على الطُرُقِ الحِسِّيَّةِ، فهي هدايةٌ في هذا وهذا. فصل وأمَّا دلالةُ "المُقَسِّماتِ أمرًا" وهم الملائكة؛ فَلِأَنَّ ما يُشَاهَد من تدبير العالَم العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ وما لا يُشَاهَد إنَّما هو على أيدي الملائكة، فالرَّبُّ - تعالى - يدبِّرُ بهم أمر العالَم، وقد وكَّل بكلِّ عملٍ من الأعمال طائفةً منهم: فوكَّل بالشمس، والقمر، والأفلاك (٢)، والنُّجُوم طائفةً منهم، ووكَّل بالقَطْر والسَّحاب طائفةً، ووكَّل بالنَّبَات طائفةً، ووكَّل

стр. 501

بالأَجِنَّةِ والحيوان طائفةً، ووكَّل بالموت طائفةً، وبِحِفْظِ بني آدم طائفةً، وبإحصاء أعمالهم وكتابتها طائفةً (١)، وبالوحي طائفةً، وبالجبال طائفةً (٢)، وبكلِّ شأنٍ من شؤون العالم طائفةً. هذا مع ما في خَلْقِ الملائكة من البهاء والحُسْن، وما فيهم من القوةِ والشدَّةِ، ولطافةِ الجسم، وحُسْن الخِلْقَة، وكمال الانقياد لأمره، والقيام في خدمته، وتنفيذ أوامره في أقطار العالَم. ثُمَّ أقسَمَ - سبحانه - بهذه الأمور على صِدْقِ وَعْدِهِ، ووقوع جزائه بالثواب والعقاب فقال: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥)﴾ [الذاريات: ٥]؛ أَي: ما توعدون من أمر الساعة والثواب والعقاب لَحَقٌّ كائنٌ، وهو وَعْدُ صدقٍ لا كذب، ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (٦)﴾ [الذاريات: ٦]؛ أي: إنَّ الجزاء لَكَائنٌ لا محالة. ويجوز أن تكون "ما" موصولةً، والعائد محذوف، والمعنى: إنَّ الذي توعدونه لَصَادِقٌ، أي: كائنٌ وثابتٌ. وأن تكون مصدريَّةً، أي: إنَّ وَعْدَكم لَحَقٌّ وصِدْقٌ (٣). وَوَصْفُ الوَعْدِ بكونه "صادقًا" أبلغ من وصْفِه بكونه "صِدْقًا"، ولا حاجة إلى تكلُّفِ (٤) جعله بمعنى: مصدوقًا فيه، بل هو صادِقٌ نفسُه (٥)؛

стр. 502

كما يوصف المتكلِّم بأنَّه صادِقٌ في كلامه، يُوصف كلامه بأنَّه: صادِقٌ (١). وهذا مثل قولهم: سرٌّ كاتم، وليلٌ قائمٌ، ونهارٌ صائمٌ، وماءٌ دافقٌ، ومنه: ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١)﴾ [الحاقة: ٢١]، وليس ذلك بمَجَازٍ، ولا مخالفٍ لمقتضى التركيب. وإذا تأمَّلتَ هذا التناسُبَ والارتباطَ بين المُقْسَم به والمُقْسَم عليه؛ وجدته دالًّا عليه، مرشدًا إليه. ثُمَّ أقسَمَ - سبحانه - بـ "السماء ذات الحُبُك". أصل "الحَبْكِ" في اللغة: إجَادَةُ النَّسْج. يقال: حَبَكَ الثوبَ؛ إذا أجاد نَسْجَه. وحَبْلٌ محبوكٌ؛ إذا كان شديد الفَتْل. وفَرَسٌ مَحْبُوكُ الكَفَلِ، أي: مُدْمَجُه. وقال شَمِرُ (٢): "المَحْبُوكُ في اللغة: ما أُجيد عمله" (٣)، "ودابَّةٌ مَحْبُوكَةٌ: إذا كانت مُدْمَجَة الخَلْق". وقال أبو عبيدة، والمبرِّد: "الحُبُكُ: الطرائقُ، واحدها: حِبَاك. وحِبَاكُ الحَمَام: طرائق على جَنَاحَيه. وحُبُك الماء: طرائقه" (٤).

стр. 503

وقال الفَرَّاء: "الحُبُك: تَكَسُّرُ (١) كلِّ شيءٍ، كالرَّمْلِ إذا مرَّتْ به الرِّيح، والماءِ الدائم إذا مَرَّتْ به الرِّيح. وتَجَعُّدُ الشَّعْر حُبُكٌ أيضًا، واحدها: حَبِيكة؛ مثل: طَرِيقة وطُرُق. وحِبَاك؛ مثل: مِثَال ومُثُل" (٢). والمقصود بهذا كلِّه ما أفصح به ابن عباس، فقال: "يريد الخَلْقَ الحَسَنَ" (٣). وروى سعيد بن جبير عنه قال: "الحُبُكُ: حُسْنُها واستواؤُها" (٤). وقال قتادة: "ذات الخَلْق الشديد" (٥). وقال مجاهد: "مُتْقَنَةُ البُنْيَان". وقال أيضًا: "ذات الطرائق ولكنها بعيدةٌ من العباد فلا يرونها،

стр. 504

كحُبُكِ الماء إذا ضربته الرِّيح، وكحُبُكِ الرَّمْل، وحُبُكِ الشَّعْر" (١). وقال عكرمة: "بُنْيَانُها كالبُرْدِ المُسَلْسَل" (٢). قلتُ: وفي الحديث في صفة الدجَّال: "رأْسُهُ حُبُكٌ" (٣)؛ أي: جَعْد الشَّعْر. ومن أحسن ما قيل في تفسير "الحُبُك"؛ ما ذكره الترمذي في تفسير "الجامع" (٤) من حديث الحسن، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله ﷺ

стр. 505

قال: "هل تَدْرُون ما فوقكم؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "فإنَّها الرَّقِيعُ: سَقْفٌ محفوظٌ، ومَوْجٌ مَكْفُوفٌ"، وذكر الحديث. فصل ثُمَّ ذكر المُقْسَم عليه فقال: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩)﴾ [الذاريات: ٨، ٩]، فالقول المُخْتَلِف: أقوالُهم في القرآن، وفي النبيِّ ﷺ ، وهو خَرْصٌ كلُّه. فإنَّهم لمَّا كذَّبوا بالحقِّ اختلفت مذاهبُهم، وآراؤهم، وطرائقُهم، وأقوالُهم. فإنَّ الحقَّ شيءٌ واحدٌ، وطريقٌ مستقيمٌ، فمن خالفه اختلفت به الطرق والمذاهب، كما قال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥)﴾ [ق: ٥]، أي: مُخْتَلِطٍ مُلْتَبِسٍ. وفي ضمن هذا الجواب: أنكم في أقوالٍ باطلةٍ متناقضةٍ، يكذِّبُ بعضُها بعضًا، بسبب تكذيبهم بالحقِّ. ثُمَّ أخبر - سبحانه - أنَّه يَصْرِفُ بسبب ذلك "القول المُخْتَلِفِ" مَنْ صَرَفَ. فـ "عَنْ" هاهنا فيها طَرَفٌ من معنى: التَّسْبِيب، كقوله تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ [هود: ٥٣]، أي: بسبب قولك (١). وقوله: ﴿مَنْ أُفِكَ (٩)﴾؛ أي: من سَبَقَ في علم الله أنَّه يُضَلُّ ويُؤْفَكُ، كقوله: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ

стр. 506

الْجَحِيمِ (١٦٣)﴾ [الصافات: ١٦١ - ١٦٣]. وقالت طائفةٌ: الضمير يرجع إلى القرآن. وقيل: إلى الإيمان. وقيل: الرسول. والمعنى: يَصْرِفُ عنه من صَرَفَ حتَّى يكذِّبَ به. ولمَّا كان هذا "القول المُخْتَلِف" خَرْصًا وباطلًا قال: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠)﴾؛ أي: الكذَّابون، ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ﴾ وجَهَالةٍ قد (١) غَمَرَ قلوبهم - أي: غَطَّاها، وغشَّاها، كغَمْرَة الماء، وغَمْرَة الموت؛ فَغَمَراتٍ - ما غطَاها من جهلٍ، أو هَوَىً، أو سُكْرٍ، أو غَفْلةٍ، أو حُبٍّ، أو بُغْضٍ، أو خوفٍ، أو هَمٍّ وغمٍّ، ونحو ذلك. قال تعالى: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [المؤمنون: ٦٣]؛ أي: غَفْلَة، وقيل: جهالة. ثُمَّ وصفهم بأنَّهم ساهون في غَمْرتهم، و"السَّهْو": الغَفْلَةُ عن الشيء، وذهابُ القلب عنه. والفرق بينه وبين "النِّسْيَان": أنَّ "النِّسْيَانَ" الغفلةُ بعد الذِّكْر والمعرفة، و"السَّهْو" لا يستلزم ذلك (٢). ثُمَّ قال: ﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢)﴾ استبعادًا لوقوعه وجَحْدًا، فأخبر - تعالى - أنَّ ذلك ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣)﴾.

стр. 507

والمشهور في تفسير هذا الحرف أنَّه بمعنى: يُحْرَقُون (١)، ولكن لفظة "على" تعطي معنىً زائدًا على ما ذكروه، ولو كان المراد نفس الحريق لقيل: يوم هم في النَّار يفتنون (٢). ولهذا لمَّا عَلِمَ هؤلاء ذلك قال كثيرٌ منهم: "على" بمعنى "في"، كما تكون "في" بمعنى "على". والظاهر أنَّ فتنتهم على النَّار قبلَ فتنتهم فيها، فَلَهُم عند عرضهم عليها ووقوفهم عليها فتنةٌ، وعند دخولها والتعذيب بها فتنةٌ أشدُّ منها. فَهُم ومَنْ جعل "الفتنةَ" هاهنا من: الحريق؛ أخذه من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ [البروج: ١٠]، واستشهد على ذلك - أيضًا - بهذه اللفظة التي في "الذَّاريات". وحقيقة الأمر أنَّ "الفتنة" تطلق على العذاب وسببه، ولهذا سمَّى اللهُ الكفر: فتنةً، فهم لمَّا أَتَوا بالفتنة -التي هي أسباب العذاب - في الدنيا سمَّى جزاءهم: فتنةً، ولهذا قال: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾، وكان وقوفُهم على النَّار وعرضُهم عليها من أعظم فتنتهم، وآخر هذه الفتنة دخولُ النَّار، والتعذيبُ بها. فَفُتِنُوا أوَّلًا بأسباب الدنيا وزينتها، ثُمَّ فُتِنُوا بإرسال الرُّسُل إليهم، ثُمَّ فُتِنُوا بمخالفتهم وتكذيبهم، ثُمَّ فُتِنُوا بعذاب الدنيا، ثُمَّ فُتِنُوا بما بعد

стр. 508

الموت، ثُمَّ يُفْتَنُون (١) في موقف القيامة، ثُمَّ إذا حُشِرُوا إلى النَّار ووُقِفُوا عليها، وعُرِضُوا عليها، وذلك من أعظم فتنتهم، ثُمَّ الفتنة الكبرى التي أنستهم جميع الفتن قبلها. فصل ثُمَّ ذكر - سبحانه - جزاء من خَلَصَ من هذه الفتن بالتقوى، وهو: الجَنَّاتُ والعيون، وأنَّهم آخذون ما آتاهم ربُّهم من الخير والكرامة. وفي ذلك دليلٌ على أمورٍ: منها: قبولهم له. ومنها: رضاهم به. ومنها: وصولهم إليه بلا مُمَانع ولا مُعَاوِق. ومنها: أنَّ جزاءهم من جنس أعمالهم؛ فكما أخذوا ما أمرهم به في الدنيا، وقابَلُوه بالرِّضَا والتسليم وانشراحِ الصَّدْر = أخذوا ما آتاهم من الجزاء كذلك. ثُمَّ ذكر السبب الذي أوصلهم إلى ذلك، وهو إحسانُهم المتضمِّنُ لعبادته وحده لا شريك له، والقيامِ بحقوقِه وحقوقِ عباده. ثُمَّ ذكر لَيْلَهم، وأنَّهم قليلٌ هُجُوعُهم منه. وقد قيل (٢): إنَّ "ما" نافية، والمعنى: ما يهجعون قليلًا من الليل،

стр. 509

فكيف بالكثير؟ وهذا ضعيفٌ لوجوه: أحدها: أنَّ هذا ليس بلازمٍ لوصف المتقين الذين يستحقون هذا الجزاء. الثاني: أنَّ قيامَ من نام من الليل نِصْفَه أحبُّ إلى الله مِنْ قيام مَنْ قامَهُ كلَّه. الثالث: أنَّهُ لو كان المراد بذلك إحياء الليل جميعِه لكان أَوْلَى النَّاس بهذا رسولُ الله ﷺ ، وما قام ليلةً حتَّى الصَّبَاح. الرابع: أنَّ الله - سبحانه - إنَّما أمر رسوله أنْ يتهجَّدَ بالقرآن من الليل؛ لا في الليل كلِّه، فقال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ [الإسراء: ٧٩]. الخامس: أنَّه - سبحانه - لمَّا أمره بقيام الليل في سورة "المُزَّمِّل" إنَّما أَمَرَهُ بقيام النِّصْفِ، أو النقصانِ منه، أو الزيادةِ عليه، فذكر له هذه (١) المراتبَ الثلاثة، ولم يذكر قيامه كلَّه. السادس: أنَّه ﷺ لمَّا بَلَغَهُ عن عثمان بن مَظْعُون أنَّه لا ينام من الليل، بعث إليه فجاءهُ، فقال: "يا عثمان أَرَغِبْتَ عن سُنَّتي؟ " قال: لا والله يا رسول الله، ولكن سُنَّتك أطلب، قال: "فإنِّي أنامُ وأصلِّي، وأَصُوم وأُفطر، وأنكحُ النِّساء، فاتَّقِ الله يا عثمان، فإنَّ لأَهْلِكَ عليكَ حقًّا، وإن لِضَيفك عليك حقًّا، وإنَّ لِنَفْسِك عليك حقًّا، فَصُمْ وأَفْطِرْ،

стр. 510

وَصَلِّ وَنَمْ" (١). ولمَّا بَلَغَهُ عن زينب بنت جَحْش أنَّها تصلِّي الليلَ كلَّه، حتَّى جعلت حَبْلًا بين ساريتين، إذا فَتَرَت تعلَّقَتْ به = أنكر ذلك، وأمر بَحَلِّه (٢). السابع: أنَّ الله - تعالى - أَثْنَى عليهم بأنَّهم كانت ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦]، وهذه المضاجع إنَّما هي مضاجع النَّوم، فكانت جُنُوبُهم تتجافى وتقلق عنها حتَّى يقوموا إلى الصلاة، ولهذا جازاهم عن هذا التجافي - الذي سببه قَلَقُ القلب واضطرابُه حتَّى يقوموا إلى الصلاة - بِقُرَّةِ الأَعْيُنِ. الثامن: أنَّ الصحابة - الذين هم أوَّلُ وأَوْلَى من دخل في هذه الآية - لم يفهموا منها عدم نومهم بالليل أصلًا. فروى يحيى بن سعيد (٣)، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس في قوله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧)﴾ قال: "كانوا يُصَلُّون فيما بين المغرب والعشاء" (٤).

стр. 511

التاسع: أنَّ في هذا التقدير تفكيكًا للكلام، وتقديمًا لمعْمُولِ العامِلِ المنفيِّ عليه؛ لأنَّك تجعل "قليلًا" مفعولَ "يهجعون"، وهو منفيٌّ، والبصريُّون لا يجيزون ذلك، وإن أجازه الكوفيون. وفصَّلَ بعضُهم، فأجازه في الظَّرْف، ولم يُجِزْهُ في غيره (١). وقيل (٢): "ما" زائدةٌ، وخَبَرُ "كان": "يهجعون"، و"قليلًا" منصوبٌ: ١ - إمَّا على المصدريَّة، أي: هُجُوعًا قليلًا. ٢ - وإمَّا على الظَّرْف، أي: زمنًا قليلًا. واستُشْكِل هذا بأنَّ نومَ نصف الليل وقيامَ ثُلُثِه، ثُمَّ نومَ سُدُسِه؛ أحبُّ القيام إلى الله ، فيكون وقت الهجوع أكثر من وقت القيام، فكيف يُثني عليهم بما الأفضل خلافه؟ وأُجيب عن ذلك: بأنَّ مَنْ قامَ هذا القيام فَزَمَنُ هُجُوعه أقلُّ من زمن يقظته قطعًا، فإنَّه مستيقِظٌ من المغرب إلى العشاء، ومن الفجر إلى

стр. 512

طلوع الشمس، فيبقى ما بين العشاء إلى طلوع الفجر، فيقومون نصف ذلك الوقت؛ فيكون زمنُ الهُجُوع أقلَّ من زمن الاستيقاظ. وقيل (١): "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، وهي في موضع رَفْعٍ بـ "قليل" (٢)، أي: كانوا قليلًا هُجُوعُهم. وهو قولٌ حَسَنٌ (٣). وقيل (٤): إنَّ "ما" موصولةٌ بمعنى "الذي"، والعائد محذوفٌ، أي: قليلٌ من الليل الوقت الذي يهجعونه. وفيه تكلُّفٌ. وقيل (٥): "ما يهجعون" بَدَل اشتمال من اسم "كان"، والتقدير: كان هجوعهم من الليل قليلًا. ويَرِدُ عليه أنَّ "مِنَ الليل" متعلِّقٌ بـ "يهجعون"، ومعمول المصدر لا يتقدَّمُ عليه. وأجيب عنه: أنَّه منصوبٌ على التفسير، ومعناه أن يُقَدَّرَ له فعلٌ محذوفٌ ينصبُه، يُفَسِّرُهُ هذا المذكور.

стр. 513

وقيل (١): " قليلًا" خبر "كان"، وتَمَّ الكلامُ بذلك، والمعنى: كانوا صِنْفًا أو جِنْسًا قليلًا، ثُمَّ قال: ﴿مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧)﴾ (٢). وأصحاب هذا القول يجعلون "ما" نافيةً، فيعود الكلام إلى نَفْي هجوعهم شيئًا من الليل، وقد تقدَّم ما فيه (٣). ثُمَّ أخبر عنهم بأنَّهم مع صلاتهم بالليل كانوا يستغفرون الله عند السَّحَر، فخَتَمُوا صلاتهم بالاستغفار والتوبة، فباتوا لربِّهم سُجَّدًا وقيامًا، ثُمَّ تابوا إليه واستغفروه عقيب ذلك. وكان النبيُّ ﷺ إذا سلَّم من صلاته استغفر ثلاثًا (٤). وأمره الله - سبحانه - أن يختم عمره بالاستغفار (٥). وأمر عباده أن يختموا إفاضتهم

стр. 514

من عرفات بالاستغفار (١). وشَرَعَ ﷺ للمتوضِّئ أن يختم وضوءَهُ بالتوبة (٢). فأحسنُ ما خُتِمَتْ به الأعمالُ: التوبةُ والاستغفارُ. ثُمَّ أخبر - سبحانه - عن إحسانهم إلى الخَلْق مع إخلاصهمِ لربِّهم، فَجَمَع لهم بين الإخلاص والإحسان، ضِدُّ حال ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ [الماعون: ٦، ٧]. وأكَّدَ إخلاصَهم في هذا الإحسان بأنَّ مَصْرِفَهُ ﴿لِلسَّائِلِ (٣) وَالْمَحْرُومِ (١٩)﴾، الذي لا يُقْصَدُ بعطائه الجزاءُ منه ولا الشكورُ. و"المحروم": المتعفِّفُ الذي لا يسأل. وتأمَّلْ حكمة الرَّبِّ - تعالى - في كونه حَرَمَهُ بقضائه، وشَرَعَ لأصحاب الجِدَةِ إعطاءَهُ، وهو - سبحانه - أغنى الأغنياء، وأجود الأجودين. فلم يجمع عليه بين الحِرْمَان بالقَدَر وبالشرع، بل (٤) شرع عَطَاءَهُ بأمره، وحَرَمَهُ بِقَدَرِهِ، فلم يجمع عليه حِرْمَانَين. فصل ثُمَّ ذكَّرَهُم - سبحانه - بآياته الأُفُقِيَّة والنَّفْسِيَّة، فقال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢٠، ٢١].

стр. 515

فآياتُ الأرض أنواعٌ كثيرةٌ: منها خَلْقُها، وحُدُوثها بعد عَدَمِها، وشواهد الحدوث والافتقار إلى الصانع عليها لا تُجْحَد، فإنَّها شواهدُ قائمةٌ بها. ومنها بُرُوز هذا الجانب منها عن الماء، مع كون مقتضى الطبيعة أن يكون مغمورًا به. ومنها سَعَتُها، وكِبَرُ خَلْقِها. ومنها تَسْطِيحُها، كما قال تعالى: ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠)﴾ [الغاشية: ٢٠]، ولا ينافي ذلك كونها كُرَةً. فهي كُرَةٌ في الحقيقة، لها سَطْحٌ يستقرُّ عليه الحيوان. ومنها أنَّه جعلها فراشًا لتكون مَقَرًّا للحيوان ومساكنه، وجعلها قرارًا. وجعلها مهادًا، وجَعَلَها ذَلُولًا تُوطَأُ بالأقدام، وتُضْرَبُ بالمَعَاوِل والفُؤوس، وتَحْمِلُ على ظهرها الأبنيةَ الثِّقَالَ. فهي ذَلُولٌ مُسَخَّرَةٌ لما يريد العبدُ منها. وجعلها بِسَاطًا، وجعلها كِفَاتًا للأحياء تَضُمُّهم على ظهرها، وللأمواتِ تضمُّهم في بَطْنها. وطَحَاها؛ فَمَدَّها، وبَسَطَها، وَوَسَّعَها، ودَحَاها، فهيَّأَها لما يُرَادُ منها بأن أخرج منها ماءها ومَرْعَاها، وشقَّ فيها الأنهار، وجعل فيها السُّبُلَ والفِجَاجَ. ونَبَّهَ بِجَعْلِها مِهَادًا وفِرَاشًا على حكمةِ جعلها ساكنةً، وذلك آيةٌ

стр. 516

أخرى إذ لا دِعَامَة تحتها تُمْسِكُها، ولا عِلَاقَة فوقها، ولكنَّها لمَّا كانت على وجه الماء كانت تَتكفَّأُ فيه تكفُّؤَ السفينةِ، فاقْتَضَت العنايةُ الأزليَّةُ والحكمةُ الإلهيةُ أنْ وضَعَ عليها رواسي يُثَبِّتُها بها؛ لئلا تميدَ، وليستقرَّ عليها الأنامُ. ودلَّ جعلُها ذلولًا على الحكمة في أن لم تكن في غاية الصَّلَابة والشدَّة كالحديد، فيمتنع حَفْرُها وشَقُّها، والبناءُ فيها، والغَرْسُ، والزَّرْعُ، ويصعبُ النَّوم عليها، والمشي فيها. ونَبَّهَ بكونها قَرَارًا على الحكمة في أنَّها لم تُخْلَق في غاية اللِّين والرَّخَاوَة والدَّمَاثة، فلا تُمْسِكُ بناءً، ولا يستقرُّ عليها الحيوان، ولا الأجسامُ الثقيلة، بل جعلها بين الصَّلَابة والدَّمَاثة (١). وأشرف الجواهر عند الإنسان: الذهبُ، والفضَّةُ، والياقوتُ، والزُّمرُّدُ. فلو كانت الأرض من هذه الجواهر لفاتت مصالح العباد والحيوان منها، وتعطَّلت المنافع المقصودة منها (٢). وبهذا يُعلم أنَّ جوهر التراب أشرفُ من هذه الجواهر، وأنفعُ وأَبْرَكُ، وإنْ كانت تلك أغلى وأعزَّ، فغلاؤُها وعزَّتُها لِقِلَّتِها، وإلا فالتراب أنفع منها، وأبرك، وأنفس. وكذلك لم يجعلها شفَّافةً، فإنَّ الجسم الشفَّافَ لا يستقرُّ عليه النُّور، وما كان كذلك لم يقبل السُّخُونة، فيبقى في غاية البَرْد، فلا يستقرُّ

стр. 517

عليه الحيوانُ، ولا يتأتَّى منه (١) النَّبَاتُ. وكذلك لم يجعلها صَقِيلَةً بَرَّاقَةً؛ لئلا يحترق ما عليها بسبب انعكاس أشعَّةِ الشمس، كما يُشَاهَدُ من احتراق القُطْن ونحوه عند انعكاس شُعاع الجسم (٢) الصقيل الشفَّاف. فاقتضت حكمته - سبحانه - أن جعلها كثيفةً غَبْرَاء، فَصَلُحَتْ أن تكون مستقرًّا للحيوان، والأنام، والنَّبَات. ولمَّا كان الحيوان الهوائي لا يمكنه أن يعيش في الماء كالحيوان المائي أبْرَزَ له جانبها - كما تقدَّم - وجعله على أَوْفَق الهيئات لمصالحه، وأنشأهُ منها، وأنشأ منها طعامَهُ وقُوتَهُ. وكذلك خلق منها النَّوْعَ الإنسانيَّ، وأعادَهُ إليها، ويخرجه منها. فصل ومن آياته (٣) أنْ جعلها مختلفةَ الأجناسِ، والصفاتِ، والمنافعِ، مع أنَّها قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ، متلاصِقةٌ: فهذه سَهْلَةٌ، وهذه حَزْنَةٌ (٤) تُجَاوِرُها وتلاصِقُها. وهذه طَيِّبةٌ تُنبِتُ، وتلاصِقُها أرضٌ لا تُنْبِت. وهذه ثَرِيَّةٌ (٥)، وتلاصقُها رمال.

стр. 518

وهذه صُلْبَةٌ، وتلاصقها وتليها رِخْوَةٌ (١). وهذه سوداء، وتليها أرضٌ بيضاء. وهذه حصىً كلُّها، وتجاورها أرضٌ لا يوجد فيها حجر. وهذه تصلح لنبات كذا وكذا، وهذه لا تصلح له بل تصلح لغيره. وهذه سَبِخَةٌ (٢) مالحة، وهذه بضدِّها. وهذه ليس فيها جَبَلٌ، ولا مَعْلَمٌ، وهذه مُسَجَّرةٌ (٣) بالجبال. وهذه لا تصلح إلا على المطر، وهذه لا ينفعها المطر، بل لا تصلح إلا على سَقْي الأنهار، فيُمْطِرُ الله - سبحانه - الأرضَ البعيدةَ، ويسوق الماءَ إليها على وجه الأرض. فلو سَأَلْتَها: مَنْ نوَّعها هذا التنويعَ؟!

стр. 519

ومَنْ فرَّقَ بين أجزائها هذا التفريق؟ ومَنْ خصَّصَ كُلَّ قطعةٍ منها بما خصَّها به؟ ومَنْ ألقى عليها رواسيها، وفتح فيها السُّبُلَ، وأخرج منها الماءَ والمرعَى؟ ومَنْ أمسكها عن الزَّوَال؟ ومَنْ بارك فيها، وقدَّرَ فيها أقواتها، وأنشأ منها حيوانها ونباتها؟ ومَنْ وضع فيها معادنَها، وجواهرَها، ومنافعَها؟ ومَنْ هيَّأها مَسْكنًا ومُسْتَقرًّا للأنام؟ ومَنْ يُبدِئُ منها الخَلْقَ، ثُمَّ يعيدُه إليها، ثُمَّ يُخرِجُهُ منها؟ ومَنْ جعلها ذَلُولًا غير مُسْتَصْعَبَةٍ ولا مُمْتَنِعَةٍ؟ ومَنْ وَطَّأ مناكِبَها، وذلَّل مَسَالكها، ووسَّعَ فِجَاجَها، وشقَّ أنهارها، وأنبت أشجارها، وأخرج ثمارها؟ ومَنْ صَدَعَها (١) عن النَّبَات، وأَوْدَعَ فيها جميع الأقوات؟ ومَنْ بَسَطَها، وفَرَشَها، ومَهَّدَها، وذلَّلَها، وطَحَاها، ودَحَاها، وجعل ما عليها زينةً لها؟ ومَن الذي يُمْسكُها أن تتحرك فتتزلزل فيَسْقُط ما عليها من بناءٍ

стр. 520

ومَعْلَمٍ، أو يَخْسِفَها بمن عليها فإذا هي تَمُورُ؟ ومَن الذي أنشأ منها النَّوْعَ الإنسانيَّ الذي هو أبدعُ المخلوقات، وأحسنُ المصنوعات، بل أنشأ منها: آدمَ، ونوحًا، وإبراهيمَ، وموسى، وعيسى، ومحمدًا ﷺ وعليهم أجمعين -. وأنشأ منها أولياءَهُ، وأحبابَهُ، وعبادَهُ الصالحين؟ ومَنْ جعلها حافِظَةً لما استُودع فيها من المياه، والأرزاق، والمعادن، والحيوان؟ ومَنْ جعل بينها وبين الشمس والقمر هذا القَدْرَ من المسافة، فلو زادت على ذلك لَضَعُفَ تأثرها بحرارة الشمس ونور القمر؛ فتعطَّلَت المنفعةُ الواصِلةُ إلى الحيوان والنَّبَات بسبب ذلك. ولو زادت في القُرْب لاشتدَّت الحرارةُ والسُّخُونَةُ - كما نُشَاهده في الصيف - فاحترقت أبدانُ الحيوان والنَّبَات. وبالجُمْلَة؛ فكانت تَفُوتُ هذه الحكمة التي بها انتظامُ العالَم. ومَن الذي جعل فيها الجَنَّات، والحدائقَ، والعيونَ؟. ومَن الذي جعل باطِنَها بيوتًا للأموات، وظاهرَها بيوتًا للأحياء؟ ومَن الذي يُحْييها بعد موتها، فيُنْزِلُ عليها الماء من السماء، ثُمَّ يُرْسِلُ عليها الرِّياحَ، ويُطْلِعُ عليها الشمسَ، فتأخذ في الحَبَل، فإذا كان وقت الولادة مَخَضت للوضع، واهتزَّتْ ورَبَتْ (١)، وأنبتت من كلِّ زوجٍ بهيجٍ.

стр. 521

فسبحانَ من جَعَلَ السماءَ كالأَبِ، والأرضَ كالأُمِّ، والقَطْرَ كالماءِ الذي ينعقد منه الولد، فإذا حَصَل الحَبُّ في الأرض، ووقع عليه (١) الماءُ؛ أثَّرَتْ نَدَاوَةُ الطِّين فيه، وأعانتها السُّخُونةُ المختفيةُ في باطن الأرض، فوَصَلَت النَّدَاوَةُ والحرارةُ إلى باطِن الحَبَّةِ، فاتَّسَعَت (٢) الحَبَّةُ ورَبَتْ، وانْتَفَخَتْ، وانْفَلَقَتْ عن ساقَين: ١ - ساقٍ (٣) من فوقها، وهو: الشَّجَرَةُ. ٢ - وساقٍ من تحتها، وهو: العِرْقُ. ثُمَّ عَظُمَ ذلك الولدُ حتَّى لم يَبْقَ لأبيه نسبةٌ إليه، ثُمَّ وضَعَ من الأولاد بعَدَدِ أبيه آلافًا مؤلَّفَةً، كلُّ ذلك صُنْع الرَّبِّ الحكيم في حَبَّةٍ واحدةٍ لعلَّها تبلغ في الصِّغَر إلى الغاية، وذلك من البركة التي وضعها الله - سبحانه - في هذه الأُمِّ. فَيَا لَها من آيةٍ تكفي وحدَها في الدلالة على وجود الخالق، وصفات كماله، وأفعاله، وعلى صدْق رُسُلِه فيما أخبروا به عنه مِن إخراج مَنْ في القبور ليوم البعث والنُّشور. فتأمَّلْ اجتماعَ هذه العناصر الأربعة (٤)، وتجاورَها، وامتزاجَها، وحاجةَ بعضها إلى بعضٍ، وانفعالَ بعضها عن بعض، وتأثيرَهُ فيه، وتأثرَه به، بحيث لا يمكنه الامتناع من التأثرِ والانفعالِ، ولا يَسْتَقِلُّ الآخَرُ

стр. 522

بالتأثير، ولا يستغني عن صاحبه. وفي ذلك أظهر دلالة على أنَّها مخلوقةٌ، مصنوعةٌ، مربُوبةٌ، مُدَبَّرَةٌ، حادِثةٌ بعد عَدَمِها، فقيرةٌ إلى مُوجِدٍ غنيٍّ عنها، مُؤَثِّرٍ غير متأثِّرٍ، قديمٍ غير حادِثٍ، تنقاد المخلوقاتُ كلُّها لقدرته، وتجيب داعي مشيئته، وتُلَبِّي داعي وحدانيته وربوبيته، وتشهَدُ بعلمه وحكمته، وتدعو عبادَهُ إلى ذِكْرِه، وشكره، وطاعته، وعبوديته، ومحبَّته، وتحذِّرُهم من بَأْسِهِ، ونِقْمَتِه، وتحثُّهم على المبادرة إلى رضوانه وجنَّتِه. فانظر - الآن - إلى الماء والأرض، كيف لمَّا أراد الرَّبُّ ﵎ امتزاجَهُما وازدِوَاجَهُما أنشأ الرِّياح، فحرَّكَتِ الماءَ، وساقَتْهُ إلى أنْ قَذَفَتْهُ في عُمْقِ الأرض، ثُمَّ أنشأ لها حرارةً لطيفةً سماوِيَّةً حصَلَ بها الإنْبات، ثُمَّ أنشأ لها حرارةً أخرى أقوى منها حصل بها الإنْضاج، وكانت حالته الأُولى تَضْعُفُ عن الحرارة الثانية، فادُّخِرَت إلى وقت قوَّته وصلابته. فحرارة الربيع للإخراج، وحرارة الصيف للإنْضاج. هذا وإنَّ الأُمَّ واحدةٌ، والأَبَ واحدٌ، واللِّقَاحَ واحدٌ، والأولاد في غاية التباين والتنوُّع، كما قال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾ [الرعد: ٤]؛ فهذا بعض آيات الأرض. ومن الآيات التي فيها وَقَائعُهُ - سبحانه - التي أَوْقَعَها بالأُمم المكذبين لرسله، المخالفين لأمره، وأبقى آثارهم دالَّةً عليهم كما قال تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾

стр. 523

[العنكبوت: ٣٨]. وقال - تعالى - في قوم لوط: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾ الصافات: ١٣٧، ١٣٨]، وقال تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦)﴾ [الحجر: ٧٣ - ٧٦] أي: بطريقٍ ثابتٍ لا يزول عن حاله، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧)﴾ (١) [الحجر: ٧٧]. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (٧٩)﴾ [الحجر: ٧٨، ٧٩]؛ أي: دِيَارُ هاتَين الأُمَّتَين لَبِطريقٍ واضحٍ يَمُرُّ به السَّالِكُون. وقال تعالى: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَ كُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (٤٥)﴾ [إبراهيم: ٤٥]. وقال عن قوم عاد: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٥]. وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ [السجدة: ٢٦]. فأيُّ دلالة أعظمُ وأظهرُ من دلالةِ رجلٍ يخرج وحده، لا عُدَّةَ له، ولا عَدَد، ولا مال، فيدعو الأُمَّةَ العظيمة إلى توحيد الله تعالى، والإيمانِ به وطاعته، ويحذِّرهم من بأسه ونِقْمَته، فتَتَّفِقُ كلمتهم - أو أكثرهم - على تكذيبه ومعاداته، فَتُدرِكُهم أنواعُ العقوبات الخارجة عن قدرة البشر، فيُغْرِقُ المكذبين كلَّهم تارةً، ويَخْسِفُ بغيرهم الأرضَ تارةً،

стр. 524

ويُهْلِكُ آخرين بالرِّيح، وآخرين بالصَّيحَةِ، وآخرين بالمَسْخِ، وآخرين بالحجارة، وآخرين بظُلَّةٍ من النَّار من فوقهم، وآخرين بالصواعق، وآخرين بأنواع أُخَر من العقوبات، وينْجُو دَاعِيهم وَمَنْ معه، والهالكون أضعافُ (١) أضعافهم عَدَدًا وقوةً ومَنَعَةً وأموالًا. فَيَا لَكِ مِنْ آياتِ حَقٍّ لو اهتَدَى … بِهِنَّ مُرِيدُ الحَقِّ؛ كُنَّ هَوَادِيا ولكنْ على تلك القلوب أَكِنَّةٌ … فليسَتْ - وإنْ أَصْغَتْ - تُجِيبُ المُنَادِيا فَهَلَّا امتَنَعُوا - إنْ كانوا على الحقِّ، وهُمْ أكثرُ عَدَدًا، وأقوى شَوْكَةً - بقوَّتهم وعدَدِهم مِن بَأْسِ اللهِ وسلطانه، وهَلَّا اعتصمُوا من عقوبته، كما اعتصم مَنْ هو أضعفُ منهم من أتباع الرُّسُلِ؟ ومن الآيات التي في الأرضِ ما يُحْدِثُه فيها كلَّ وقتٍ ممَّا يُصَدِّق رُسُلَهُ فيما أخبرَتْ (٢) به، فلا تزال آياتُ الرُّسُلِ، وأعلامُ صِدْقِهم، وأدلَّةُ نُبوَّتهم يُحدِثُها الله في الأرض، إقامةً للحُجَّةِ على مَنْ لم يُشَاهِد تلك الآيات التي قارَبَت عَصْرَ الرسول، حتَّى كأنَّ أهلَ كلِّ قَرْنٍ يشاهدون ما يشاهده الأَوَّلُون أو نظيره (٣)، كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣]. وهذه الإرَاءَةُ لا تختصُّ بقَرْنٍ دون قَرْنٍ، بل لا بدَّ ما يُري اللهُ - سبحانه - أهلَ كُلِّ قَرْنٍ من الآيات ما يبيِّنُ لهم أنَّه اللهُ الذي لا إله

стр. 525

إلا هو، وأنَّ رُسُلَهُ صادقون. وآياتُ الأرض أعظمُ ممَّا ذُكر وأكثر، فنبَّهَ (١) باليسير منها على الكثير. فصل ثُمَّ قال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١]، لمَّا كان أقربُ الأشياء إلى الإنسان نفسَهُ؛ دعاهُ خالقُه وبارئه ومصوِّرُه وفاطِرُه (٢) من قَطْرة ماءٍ إلى التبصُّرِ والتفكُّرِ في نفسه. فإذا تفكَّرَ الإنسانُ في نفسه استَنَارَتْ له آياتُ الربوبية، وسَطَعَتْ له أنوارُ اليقين، واضمحلَّتْ عنه غَمَراتُ الشكِّ والرَّيْب، وانْقَشَعَتْ عنه ظلماتُ الجهل. فإنَّه إذا نظر إلى نفسه وجد آثارَ التدبير فيه قائمةً، وأدلَّةَ التوحيد على ربِّه ناطِقةً شاهِدةً لمُدَبِّرِه، دالَّةً عليه، مرشِدَةً إليه؛ إذ يَجِدُهُ مُكَوِّنًا من قطرة ماءٍ: لحومًا مُنَضَّدَةً، وعظامًا مركَّبَةً، وأوصالًا متعدِّدةً، مَأْسُورَةً مشدُودَةً بحبال العُرُوق والأعصاب، قد قُمِطَتْ وشُدَّتْ، وجُمِعَتْ بجلدٍ متينٍ، مشتملٍ على ثلاثمائةٍ وستين مَفْصِلًا، ما بين كبيرٍ وصغيرٍ، وثَخِينٍ ودقيقٍ، ومستطيلٍ ومستديرٍ، ومستقيمٍ ومُنْحَنٍ، وشُدَّت (٣) هذه الأوصال بثلاثمائة وستين عِرْقًا، للاتصالِ والانفصالِ، والقَبْضِ والبَسْطِ، والمَدِّ والضَّمِّ، والصنائع والكتابة.

стр. 526

وجعل فيه تسعةَ أبوابٍ: فبابان للسَّمع، وبابان للبصر، وبابان للشَّمِّ، وبابٌ للكلام والطعام والشراب والنَّفَسِ (١)، وبابان لخروج الفَضَلات التي يُؤْذِي احتباسُها. وجعل داخل بَابَي السَّمع مُرًّا قاتِلًا؛ لئلا تَلِجَ فيهما (٢) دابةٌ تَخْلُصُ إلى "الدِّمَاغ" فتؤذيه. وجعل داخل بابي البصر مالحًا؛ لئلَّا تُذِيبَ الحرارةُ الدائمةُ ما هناك من الشَّحْم. وجعل داخل باب الطعام والشراب حُلْوًا؛ ليُسِيغَ به ما يأكله ويشربه، فلا يتنغَّصُ به لو كان مُرًّا أو مالحًا. وجعل له مِصْبَاحَين من نورٍ كالسِّرَاجَين المُضِيئَين، مركَّبَين في أعلى مكانٍ منه، وفي أشرف عُضْوٍ من أعضائه، طليعةً له. وركَّب هذا النُّور في جُزْءٍ صغيرٍ جدًا يُبصِرُ به السماء والأرض وما بينهما، وغَشَّاهُ بسَبْعِ طبقاتٍ، وثلاثِ رطوباتٍ، بعضُها فوق بعض؛ كلُّها (٣) حمايةً له وصيَانةً وحراسةً. وجعل على مَحَلِّه غَلْقًا بمِصْرَاعَين أعلَى وأسفل، وركَّبَ في ذَينِكَ (٤) المِصْرَاعَين "أهْدَابًا" من الشَّعْر؛ وِقَايَةً "للعَينَين"، وزينةً وجمالًا.

стр. 527

وجعل فوق ذلك كلِّه "حاجِبَين" من الشَّعْر، يَحْجُبَان "العين" من العَرَقِ النَّازل من فَوق، ويَتَلَقَّيَانِ (١) عنها ما ينصَبُّ من هناك. وجعل - سبحانه - لكلِّ طبقةٍ من طبقات "العين" شُغْلًا مخصوصًا، ولكلِّ واحدٍ من الرُّطُوبات مقدارًا مخصوصًا، لو زاد على ذلك أو نقص منه لاختلَّت المنافع والمصالح المطلوبة. وجعل هذا النُّور الباصِرَ في قَدْرِ عَدَسَةٍ، ثُمَّ أظهر في تلك العَدَسَةِ صورة السماءِ، والأرض، والشمس، والقمر، والنُّجُوم، والجبال، والعالم العُلْويِّ والسُّفْليِّ، مع اتِّسَاع أطرافه، وتباعد أقطاره. واقتضت حكمته - سبحانه - أن جعل فيها بياضًا وسوادًا، وجعل القوَّةَ الباصِرَةَ في السَّواد، وجعل البياضَ مستقرًّا لها ومسكنًا، وزيَّنَ كلًّا منهما بالآخر. وجعل "الحَدَقَةَ" مَصُونَةً بـ "الأجفانِ" و"الحَوَاجِبِ" - كما تقدَّم -، و"الحَوَاجِبَ" بـ "الأهداب"، وجعلها سوداء؛ إذ لو كانت بيضاء (٢) لتفرَّقَ النورُ الباصِرُ، فضَعُفَ الإدراك، فإنَّ السَّوادَ يجمع البصرَ، ويمنع من تفرُّقِ النُّور الباصر. وخلق - سبحانه - لتحريك "الحَدَقَةِ" وتقليبها أربعًا وعشرين عَضَلَةً، لو نقصت عَضَلةٌ واحدةٌ لاختلَّ أمر "العين". ولمَّا كانت "العين" كالمرآة، التي إنَّما تنطبع فيها الصُّوَر إذا كانت

стр. 528

في غاية الصَّقَالَة والصَّفَاء = جعل - سبحانه - هذه "الأجفان" متحرِّكَةً - جدًّا - بالطَّبْع إلى الانطباق، من غير تكلُّفٍ، لتبقى هذه المرآة نقيَّةً صافيةً من جميع الكُدْرَات (١). ولهذا لمَّا لم يخلق لعين الذُّبَابة أجفانًا؛ لا تزال تراها تنظِّفُ عينَها بيدها من آثار الغبار والكُدْرَات (٢). فصل وكما جعل - سبحانه - "العَينيَن" مؤدِّيتين "للقلب" ما تَرَيانه، فتُوصِلانه إليه كما رَأَتَاهُ = جعلهما مرآتين "للقلب"، يظهر فيهما ما هو مُودَعٌ فيه من الحُبِّ والبُغْضِ، والخيرِ والشَّرِّ، والبَلَادَةِ والفِطْنَةِ، والزَّيغ والاستقامة. فيُستَدَلُّ بأحوال "العين" على أحوال "القلب"، وهو أحد أنواع الفِرَاسَة الثلاثة، وهي: فراسة "العين"، وفراسة "الأُذُن"، وفراسة "القلب". فـ "العين" مرآةٌ "للقلب"، وطليعةٌ ورسولٌ. ومن عجيب أمرها أنَّها من ألطف الأعضاء، وأبعدها تأثرًا بالحرِّ والبَرْدِ، على أنَّ "الأُذُن" (٣) على صلابَتِها وغِلَظِها لَتَتَأَثَّرُ بهما أكثر من تأثر "العين" على لطافتها. وليس ذلك بسبب الغطاء الذي عليها من "الأجفان"، فإنَّها ولو كانت مُنْفَتِحَةً لم تتأثَّر بذلك تأثَّرَ الأعضاء الكثيفَةِ.

стр. 529

فصل ومن ذلك: "الأُذُنَان". شَقَّهُما ﵎ في جانبي الوجه، وأَوْدَعَهما من الرطوبة ما يكون مُعينًا على إدراك السَّمعِ، وأَوْدَعَهما القوَّةَ السَّامعة، وأحاط على هذه القوَّةِ صَدَفَةً مستديرةً مجوَّفةً تَحْتَوِشُ الصوتَ وتجمعه، وتؤدِّيه إلى "الصِّمَاخ" فيؤدِّيه إلى القوَّة السَّامعة. وجعل - سبحانه - في هذه الصَّدَفَةِ انحرافاتٍ واعوِجَاجَاتٍ، لتطول المسافة قليلًا، فلا يصل الهواء إلى داخل "الأُذُن" إلَّا بعد انكسار حِدَّته، فلا يصدمها وَهْلَةً واحدةً فيؤذيها. وأيضًا؛ فَلِئلَّا يَفْجَأَها الداخلُ إليها من الدبيب والحشرات، بل إذا دخل إلى عَوْجَةٍ (١) من تلك الانعطافات وقَفَ هناك، فسهُلَ إخراجه. وأيضًا؛ فتُمسك ما يصل إليها من الغبار والوسخ، فيَنْحجِبُ هناك عن الوصول، فيسهُلُ إخراجه. وكانت "العَينَان" في وسط الوجه و"الأُذُنَان" في جانبيه؛ لأنَّ "العَينيَن" مَحَلُّ المَلَاحة والزِّينة والجَمَال، وهما بمنزلة النُّور الذي يمشي به بين يدي الإنسان. و [أمَّا] (٢) "الأُذُنَان" (٣) فكان جَعْلُهما في الجانبين لكون إدراكهما لما خلف الإنسان، وأمامه، وعن يمينه، وعن شماله = سواءً، فتأتي

стр. 530

المسموعات إليهما على نسبةٍ واحدةٍ. وخُلقت "العَينَان" بغِطَاءٍ، و"الأُذُنان" بغير غطاءٍ. وهذا في غاية الحكمة؛ إذ لو كان للأذنين غطاءٌ لَمَنع الغطاء إدراك الصوت، فلا يحصل إلا بعد ارتفاع الغطاء، والصوتُ عَرَضٌ لا ثبات له، فكان يزول قبل كشْفِ الغطاء، بخلاف ما تراه "العين"، فإنَّه أجسامٌ وأعراضٌ ثابِتةٌ؛ فلا تزول فيما بين كشف الغطاء وفتح "العين". وجعل - سبحانه - "الأذُن" عضوًا غُضْرُوفيًّا ليس بلحمٍ مُسْتَرْخٍ، ولا عَظْمٍ صُلْبٍ، بل هي بين الصَّلَابة واللِّين، فتُقْبِلُ بِلِينها، وتُحفظ بصلابتها، ولا تنصدع انصداع العظام، ولا تتأثَّرُ بالحرِّ وَالبرد والشمسِ والسَّمُومِ تأثر اللَّحْمِ؛ إذ المصلحة في بُرُوزِها دائمًا لتتلقَّى ما يَرِدُ عليها من الأصوات والأخبار. فصل ومن ذلك: "الأَنْفُ"؛ نَصَبَهُ اللَّهُ في وَسْط الوجه قائمًا معتدلًا، في أحسن شَكْلٍ وأَوْفَقِهِ (١) للمنفعة، وأَوْدَعَهُ حاسَّةَ الشَّمِّ، التي يُدْرِكُ بها الأَرَايح وأنواعها، وكيفياتها، ومنافعَها، ومضارَّها. ويستدلُّ بها على مَضَارِّ الأغذية والأدوية ومنافعِها. وأيضًا؛ فإنَّه يستنشِقُ بـ "المِنْخَرَين" الهواءَ الباردَ الرَّطْبَ، فيؤدِّيه إلى "القلب"، فيتروَّحُ به، فيستغني بذلك عن فتح "الفَمِ" أبدًا. وجعل تجويفه بقَدْر الحاجة، فلم يوسِّعْهُ عن ذلك، فيَدْخُلَه هواءٌ
следующие страницы →