← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 18337

التبيان في أيمان القرآن - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (721 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وجعل فيه تسعةَ أبوابٍ: فبابان للسَّمع، وبابان للبصر، وبابان للشَّمِّ، وبابٌ للكلام والطعام والشراب والنَّفَسِ (١)، وبابان لخروج الفَضَلات التي يُؤْذِي احتباسُها. وجعل داخل بَابَي السَّمع مُرًّا قاتِلًا؛ لئلا تَلِجَ فيهما (٢) دابةٌ تَخْلُصُ إلى "الدِّمَاغ" فتؤذيه. وجعل داخل بابي البصر مالحًا؛ لئلَّا تُذِيبَ الحرارةُ الدائمةُ ما هناك من الشَّحْم. وجعل داخل باب الطعام والشراب حُلْوًا؛ ليُسِيغَ به ما يأكله ويشربه، فلا يتنغَّصُ به لو كان مُرًّا أو مالحًا. وجعل له مِصْبَاحَين من نورٍ كالسِّرَاجَين المُضِيئَين، مركَّبَين في أعلى مكانٍ منه، وفي أشرف عُضْوٍ من أعضائه، طليعةً له. وركَّب هذا النُّور في جُزْءٍ صغيرٍ جدًا يُبصِرُ به السماء والأرض وما بينهما، وغَشَّاهُ بسَبْعِ طبقاتٍ، وثلاثِ رطوباتٍ، بعضُها فوق بعض؛ كلُّها (٣) حمايةً له وصيَانةً وحراسةً. وجعل على مَحَلِّه غَلْقًا بمِصْرَاعَين أعلَى وأسفل، وركَّبَ في ذَينِكَ (٤) المِصْرَاعَين "أهْدَابًا" من الشَّعْر؛ وِقَايَةً "للعَينَين"، وزينةً وجمالًا.

стр. 527

وجعل فوق ذلك كلِّه "حاجِبَين" من الشَّعْر، يَحْجُبَان "العين" من العَرَقِ النَّازل من فَوق، ويَتَلَقَّيَانِ (١) عنها ما ينصَبُّ من هناك. وجعل - سبحانه - لكلِّ طبقةٍ من طبقات "العين" شُغْلًا مخصوصًا، ولكلِّ واحدٍ من الرُّطُوبات مقدارًا مخصوصًا، لو زاد على ذلك أو نقص منه لاختلَّت المنافع والمصالح المطلوبة. وجعل هذا النُّور الباصِرَ في قَدْرِ عَدَسَةٍ، ثُمَّ أظهر في تلك العَدَسَةِ صورة السماءِ، والأرض، والشمس، والقمر، والنُّجُوم، والجبال، والعالم العُلْويِّ والسُّفْليِّ، مع اتِّسَاع أطرافه، وتباعد أقطاره. واقتضت حكمته - سبحانه - أن جعل فيها بياضًا وسوادًا، وجعل القوَّةَ الباصِرَةَ في السَّواد، وجعل البياضَ مستقرًّا لها ومسكنًا، وزيَّنَ كلًّا منهما بالآخر. وجعل "الحَدَقَةَ" مَصُونَةً بـ "الأجفانِ" و"الحَوَاجِبِ" - كما تقدَّم -، و"الحَوَاجِبَ" بـ "الأهداب"، وجعلها سوداء؛ إذ لو كانت بيضاء (٢) لتفرَّقَ النورُ الباصِرُ، فضَعُفَ الإدراك، فإنَّ السَّوادَ يجمع البصرَ، ويمنع من تفرُّقِ النُّور الباصر. وخلق - سبحانه - لتحريك "الحَدَقَةِ" وتقليبها أربعًا وعشرين عَضَلَةً، لو نقصت عَضَلةٌ واحدةٌ لاختلَّ أمر "العين". ولمَّا كانت "العين" كالمرآة، التي إنَّما تنطبع فيها الصُّوَر إذا كانت

стр. 528

في غاية الصَّقَالَة والصَّفَاء = جعل - سبحانه - هذه "الأجفان" متحرِّكَةً - جدًّا - بالطَّبْع إلى الانطباق، من غير تكلُّفٍ، لتبقى هذه المرآة نقيَّةً صافيةً من جميع الكُدْرَات (١). ولهذا لمَّا لم يخلق لعين الذُّبَابة أجفانًا؛ لا تزال تراها تنظِّفُ عينَها بيدها من آثار الغبار والكُدْرَات (٢). فصل وكما جعل - سبحانه - "العَينيَن" مؤدِّيتين "للقلب" ما تَرَيانه، فتُوصِلانه إليه كما رَأَتَاهُ = جعلهما مرآتين "للقلب"، يظهر فيهما ما هو مُودَعٌ فيه من الحُبِّ والبُغْضِ، والخيرِ والشَّرِّ، والبَلَادَةِ والفِطْنَةِ، والزَّيغ والاستقامة. فيُستَدَلُّ بأحوال "العين" على أحوال "القلب"، وهو أحد أنواع الفِرَاسَة الثلاثة، وهي: فراسة "العين"، وفراسة "الأُذُن"، وفراسة "القلب". فـ "العين" مرآةٌ "للقلب"، وطليعةٌ ورسولٌ. ومن عجيب أمرها أنَّها من ألطف الأعضاء، وأبعدها تأثرًا بالحرِّ والبَرْدِ، على أنَّ "الأُذُن" (٣) على صلابَتِها وغِلَظِها لَتَتَأَثَّرُ بهما أكثر من تأثر "العين" على لطافتها. وليس ذلك بسبب الغطاء الذي عليها من "الأجفان"، فإنَّها ولو كانت مُنْفَتِحَةً لم تتأثَّر بذلك تأثَّرَ الأعضاء الكثيفَةِ.

стр. 529

فصل ومن ذلك: "الأُذُنَان". شَقَّهُما ﵎ في جانبي الوجه، وأَوْدَعَهما من الرطوبة ما يكون مُعينًا على إدراك السَّمعِ، وأَوْدَعَهما القوَّةَ السَّامعة، وأحاط على هذه القوَّةِ صَدَفَةً مستديرةً مجوَّفةً تَحْتَوِشُ الصوتَ وتجمعه، وتؤدِّيه إلى "الصِّمَاخ" فيؤدِّيه إلى القوَّة السَّامعة. وجعل - سبحانه - في هذه الصَّدَفَةِ انحرافاتٍ واعوِجَاجَاتٍ، لتطول المسافة قليلًا، فلا يصل الهواء إلى داخل "الأُذُن" إلَّا بعد انكسار حِدَّته، فلا يصدمها وَهْلَةً واحدةً فيؤذيها. وأيضًا؛ فَلِئلَّا يَفْجَأَها الداخلُ إليها من الدبيب والحشرات، بل إذا دخل إلى عَوْجَةٍ (١) من تلك الانعطافات وقَفَ هناك، فسهُلَ إخراجه. وأيضًا؛ فتُمسك ما يصل إليها من الغبار والوسخ، فيَنْحجِبُ هناك عن الوصول، فيسهُلُ إخراجه. وكانت "العَينَان" في وسط الوجه و"الأُذُنَان" في جانبيه؛ لأنَّ "العَينيَن" مَحَلُّ المَلَاحة والزِّينة والجَمَال، وهما بمنزلة النُّور الذي يمشي به بين يدي الإنسان. و [أمَّا] (٢) "الأُذُنَان" (٣) فكان جَعْلُهما في الجانبين لكون إدراكهما لما خلف الإنسان، وأمامه، وعن يمينه، وعن شماله = سواءً، فتأتي

стр. 530

المسموعات إليهما على نسبةٍ واحدةٍ. وخُلقت "العَينَان" بغِطَاءٍ، و"الأُذُنان" بغير غطاءٍ. وهذا في غاية الحكمة؛ إذ لو كان للأذنين غطاءٌ لَمَنع الغطاء إدراك الصوت، فلا يحصل إلا بعد ارتفاع الغطاء، والصوتُ عَرَضٌ لا ثبات له، فكان يزول قبل كشْفِ الغطاء، بخلاف ما تراه "العين"، فإنَّه أجسامٌ وأعراضٌ ثابِتةٌ؛ فلا تزول فيما بين كشف الغطاء وفتح "العين". وجعل - سبحانه - "الأذُن" عضوًا غُضْرُوفيًّا ليس بلحمٍ مُسْتَرْخٍ، ولا عَظْمٍ صُلْبٍ، بل هي بين الصَّلَابة واللِّين، فتُقْبِلُ بِلِينها، وتُحفظ بصلابتها، ولا تنصدع انصداع العظام، ولا تتأثَّرُ بالحرِّ وَالبرد والشمسِ والسَّمُومِ تأثر اللَّحْمِ؛ إذ المصلحة في بُرُوزِها دائمًا لتتلقَّى ما يَرِدُ عليها من الأصوات والأخبار. فصل ومن ذلك: "الأَنْفُ"؛ نَصَبَهُ اللَّهُ في وَسْط الوجه قائمًا معتدلًا، في أحسن شَكْلٍ وأَوْفَقِهِ (١) للمنفعة، وأَوْدَعَهُ حاسَّةَ الشَّمِّ، التي يُدْرِكُ بها الأَرَايح وأنواعها، وكيفياتها، ومنافعَها، ومضارَّها. ويستدلُّ بها على مَضَارِّ الأغذية والأدوية ومنافعِها. وأيضًا؛ فإنَّه يستنشِقُ بـ "المِنْخَرَين" الهواءَ الباردَ الرَّطْبَ، فيؤدِّيه إلى "القلب"، فيتروَّحُ به، فيستغني بذلك عن فتح "الفَمِ" أبدًا. وجعل تجويفه بقَدْر الحاجة، فلم يوسِّعْهُ عن ذلك، فيَدْخُلَه هواءٌ

стр. 531

كثيرٌ، ولم يضيِّقهُ فلا يَدْخُلَه من الهواء ما يكفيه. وجعل ذلك التجويفَ مستطيلًا؛ لينحصر فيه الهواء، وينكسر فيه (١) بَرْدُه وحِدَّته قبل أن يصل إلى "الدِّمَاغ"، فلولا ذلك لَصَدَمه بِحِدَّتِه وقوَّتِه. والهواء الذي يَسْتَنْشِقُه "الأنفُ" ينقسم شَطْرين: شطرًا يصعد إلى "الدِّمَاغ"، وشطرًا ينزل إلى "الرئة". وهو (٢) من آلات النُّطْق، فإنَّ له إعانةً على تقطيع الحروف. وكما أنَّ تجويفَهُ جُعِلَ لاستنشاق الهواء، فإنَّه جُعل مَصَبًّا لفَضَلات "الدِّمَاغ"، تنحَدِرُ منه في تلك القَصَبَة، فتخرج، فيستريح "الدِّمَاغ". ولذلك جَعَلَ عليها (٣) سِتْرًا ولم يجعلها بارِزةً فتستَقْبِحَها العيونُ. وجُعل فيه تجويفَانِ، فإنَّه قد يَنْسَدُّ أحدُهما أو تَعْرِضُ له آفةٌ تمنَعُه من الإدراكِ والاستنشاقِ، فيبقى التجويف الثاني نائبًا عنه، يعمل عمله، كما اقتضت الحكمة مثل ذلك في "العَينيَن" و"الأُذُنين". ثُمَّ تأمَّلْ الهواءَ الذي يستنشِقُه "الأنفُ"؛ كيف يدخل أوَّلًا من "المِنْخَرَين"، وينكسر بَرْدُه هناك، ثُمَّ يصل إلى "الحَلْق"، فيعتدل مِزَاجُه هناك، ثُمَّ يصل إلى "الرئة" أَلْطَفَ ما يكون، ثُمَّ تبعثُه "الرئةُ" إلى "القلب"، فيروِّحُ عن الحرارة الغَرِيزيَّة التي فيه، ثُمَّ يَنْفُذُ من "القلب" إلى

стр. 532

العُرُوق المتحرِّكة، ويبلغ إلى أقاصي أطراف البدن، ثُمَّ إذا سَخُنَ في الباطن وخَرَجَ عن حَدِّ الانتفاع به؛ عَادَ عن تلك الأقاصي إلى البدن، ثُمَّ إلى "الرئة"، ثُمَّ إلى "الحُلْقوم"، ثُمَّ إلى "المِنْخَرَين" خارجًا، فيخرج منهما، ويعود عِوَضه هواءً باردًا نافعًا. والنَّفَسُ الواحدُ من أنفاسِ العبد إنَّما يتمُّ بمجموع هذه الأمور والقوى والأفعال. وهو في اليوم والليلة: أربعةٌ وعشرون ألفَ نَفَسٍ، لله في كلِّ نَفَسٍ عِدَّةُ نِعَمٍ، قد وقَفْتَ على القليل منها، فما ظنُّكَ بما وراء النَّفَسِ من الأعضاء، والقوى، ومنافِعها، وتمامِ النعمة بها؟ فصل وأمَّا "الفَمُ" فمَحَلُّ العجائب، وباب الطعام والشَّراب والنَّفَس والكلام، ومسْكَنُ اللِّسان النَّاطقِ الذي هو (١) آلةُ العلوم، وتَرْجَمَانُ "القلب" ورسولُه المؤدِّي عنه. ولمَّا كان "القلبُ" مَلِكَ البَدَن، ومَعْدِنًا للحرارة الغريزيَّةِ، فإذا دخل الهواءُ الباردُ وَصَلَ إليه، فاعتدَلَتْ حرارتُه، وبَقيَ هنالك ساعةً، فسَخُنَ واحتَرَقَ، فاحتاج "القلبُ" إلى دَفْعِه وإخراجه؛ فجعل أحكمُ الحاكمين إخراجَهُ سببًا لحدوث الصوت. ثُمَّ جَعَلَ (٢) في "الحَنْجَرَة"، و"الحَنَك"، و"اللِّسَان"، و"الشَّفَتين"، و"الأسنان" مقاطِعَ (٣) ومخارِجَ مختلفةً، بسبب اختلافها

стр. 533

تميَّزَتِ الحروفُ بعضُها عن (١) بعضٍ، ثُمَّ أَلْهَمَ العبدَ تركيبَ تلك الحروف ليؤدِّي بها عن "القلب" ما يأمر به. فتأمَّلْ هذه الحكمةَ الباهِرَةَ؛ حيث لم يُضِعْ - سبحانه - ذلك النَّفَسَ المُسْتَغْنَى عنه (٢) المُحْتَاجَ إلى دَفْعه وإخراجه، بل جَعَلَ فيه - إذا استُغْنِي عنه - منفعةً ومصلحةً هي من أكمل المنافع والمصالح. فإنَّ المقصود الأصليَّ من النَّفَس هو إيصالُ (٣) النَّسِيمِ البارِدِ إلى "القلب". فأمَّا إخراجُ النَّفَس فهو جارٍ مَجْرَى دَفْع الفَضْلَةِ الفاسدةِ، فصَرَفَ ذلك - سبحانه - إلى رعايةٍ تُصْلِحُهُ، ومنفعةٍ أخرى، فجعله سببًا للأصوات والحروف والكلام. ثُمَّ إنَّه - سبحانه - جعل "الحَنَاجِر" مختلفة الأشكال في الضِّيقِ، والسَّعَة، والخُشُونة، والمَلَاسَة؛ لتختلف الأصواتُ باختلافها، فلا يتشابه صوتان، كما لا تتشابه صورتان. وهذا من أظهر الأدلَّة؛ فإنَّ هذا الاختلاف - الذي بين الصُّوَر والأصوات على كثرتها وتعدُّدها، فَقَلَّما يشتبه صوتان أو صورتان - ليس في الطبيعة ما (٤) يقتضيه، وإنَّما هو صُنْعُ الله الذي أتقنَ كلَّ شيءٍ، وأحسن كلَّ شيءٍ خَلَقه، فتبارك الله ربُّ العالمين، وأحسن الخالقين. فميَّزَ - سبحانه - بين الأشخاص بما يُدْرِكُه السَّمع والبصر.

стр. 534

فصل وأَوْدَعَ "اللِّسانَ" من المنافع: منفعةَ الكلام - وهي أعظمها -، ومنفعةَ الذَّوْق والإدراك. وجعله دليلًا على اعتدال مزاج "القلب" وانحرافه، كما جعله دليلًا على استقامته واعوِجَاجه. فتَرَى الطبيبَ يستدلُّ بما يبدو للبصر (١) على "اللِّسان" من الخشونة، والمَلَاسَة، والبياضِ، والحُمْرةِ، والتشققِ وغيره؛ على حال "القلب" والمَزَاج. وهو دليلٌ قويٌّ على أحوال "المعدة" و"الأمعاء"، كما يستدلُّ السامعُ بما يبدو عليه من الكلام على ما في "القلب"، فيبدو عليه صحة "القلب" (٢) وفساده معنىً وصورةً. فصل وجعل - سبحانه - "اللِّسانَ" عُضْوًا لحميًّا، لا عَظْمَ فيه ولا عَصَب؛ لتسهُلَ حركته. ولهذا لا تجد في الأعضاء مَنْ لا يكْتَرِثُ بكثرة الحركة سواه، فإنَّ (٣) أيَّ عُضْوٍ من الأعضاء [إذا] (٤) حَرَّكْتَهُ كما تحرِّكُ "اللِّسان" لم يُطِعْكَ لذلك، ولم يلْبَثْ أنْ يَكِلَّ ويَخْلُدَ إلى السُّكُون، إلا "اللِّسان". وأيضًا؛ فإنَّه من أعدل الأعضاء وألْطَفِها، وهو في

стр. 535

الأعضاء (١) بمنزلة رسول المَلِكِ ونائبه، فمِزَاجُه من أعدل أمزِجَة البدن. ويحتاج إلى قَبْضٍ وبَسْطٍ، وحركةٍ (٢) في أقاصي "الفم" وجوانبه، فلو كان فيه عَظْمٌ (٣) لم يتهيَّأ منه ذلك، ولم يتهيَّأ منه الكلامُ التامُّ، ولا الذَّوقُ التامُّ. فكونه لحمًا اقتضَاهُ السبب الفاعِليُّ والغائيُّ (٤). والله أعلم. فصل وجعل - سبحانه - على "اللِّسان" غَلَقَين: أحدهما: "الأسنان". والثاني: "الفَم". وجعل حركته اختياريَّةً. وجعل (٥) على "العين" غطاءً واحدًا، ولم يجعل على "الأُذُن" غطاءً؛ وذلك لخطر "اللِّسَان" وشَرَفه، وخطر حركاته، وكونه في "الفَمِ" بمنزلة "القلب" في الصَّدْر. وفي ذلك من اللَّطَائف: أنَّ آفةَ الكلام أكثرُ من آفة النَّظَر، وآفةَ النَّظَر أكثرُ من آفة السَّمع. فجعل للأكثر آفاتٍ طبقتين، وللمتوسِّط طبقًا، وجعل الأقلَّ آفةً بلا طبق.

стр. 536

فصل وجعل - سبحانه - "الفَمَ" أكثرَ الأعضاء رُطُوبةً، والرِّيقُ (١) يتحلَّلُ إليه دائمًا لا يُفَارِقُه. وجعله حُلْوًا لا مالحًا كماء "العين"، ولا مُرًّا كالذي في "الأُذُن"، ولا عَفِنًا (٢) كالذي في "الأنف"، بل هو أعذَبُ مياه البدن وأحلاها، حكمةٌ بالغةٌ؛ فإنَّ الطعام والشراب يخالطه، بل هو الذي يُحِيلُ الطعامَ، ويمتزجُ به امتزاجَ العجين بالماء، فلولا أنَّه حُلْو لما الْتَذَّ الإنسانُ - بل ولا الحيوان - بطعامٍ ولا شرابٍ، ولا سَاغَهُ إلا على كُرْهٍ وتنغيصٍ. ولمَّا كان كثيرٌ من الطعام لا يمكن جَبْذُهُ (٣) إلا بعد طَحْنِهِ (٤)؛ جعل الرَّبُّ - تعالى - له آلةً للتقطيع والتفصيل، وآلةً للطَّحْن. فجعل آلةَ القَطْع - وهي "الثَّنَايا" وما يليها - حادَّةَ الرؤوس ليسهُلَ بها القَطْع. وجعل "النَّوَاجِذَ" وما يليها من "الأَضْرَاس" مُسَطَّحَةَ الرؤوس (٥)، عريضةً، ليتأتَّى بها الطَّحْنُ. ونَظَمَها أحسنَ نظام كاللؤلؤ المنظُومِ في سلْكٍ، وجعلها من الجانب الأعلى والأسفل؛ ليتأتَّى بها القطع والطَّحْن. وجعلها من الجانب الأيمن والأيسر، إذ ربَّما كَلَّتْ إحدى الآلتين، أو

стр. 537

تعطَّلَت، أو عَرَضَ لها عارضٌ، فيُنْتَقَلُ إلى الآلة الأخرى. وأيضًا لو كان العمل على جانبٍ واحدٍ دائمًا لأَوْشَكَ أن يتعطَّلَ أو يَضْعُفَ. وتأمَّلْ كيف أَنْبَتَها - سبحانه - من نفس اللَّحم، وتخرج من خلاله نابتةً كما ينبت الزرع في الأرض، ولم يَكْسُها - سبحانه - لحمًا كما كَسَا سائر العظام سواها، إذ لو كَسَاها اللَّحمَ لتعطَّلَت المنفعة المقصودة بها. ولَمَّا كانت العظامُ محتاجةً إلى لحمٍ يكسوها ويحفظها، ويتلقَّى (١) عنها الحَرَّ والبردَ، ويحفَظَ عليها رطوبتها = لم تكمل مصلحة الحيوان إلا بهذه الكسوة. ولمَّا كانت عظامُ "الأسنان" محتاجةً (٢) إلى ذلك من وجهٍ، مستغنيةً عنه من وجهٍ = جَعَلَ كسوتها منفصلةً عنها، وجُعِلَتْ هي المُكْتَسية العارية؛ لتمام المنفعة بذلك. ولمَّا كانت آلة القطع والكسر والطَّحْن لم (٣) تنشأ مع الطِّفْل من أوَّل نشأته كسائر عظامه؛ لعدم حاجته إليها؛ فهو معطَّلٌ (٤) عنها وقت استغنائه عنها بالرَّضَاع، وأُعطِيَها وقتَ الحاجه إليها. وفيه حكمةٌ أخرى، وهي أنَّه لو نشأت معه من حين يُولد لأَضَرَّ ذلك بحَلَمَة الثَّدْي؛ إذ لا عقل له يحجُزُهُ عن عَضِّها، فكانت الأُمُّ تمتنع من رضاعه. ومن عجيب أمرها الاتفاقُ والمُوَالَاةُ التي بينها وبين "المعدة"،

стр. 538

فإنَّه يُسَلَّمُ إليها الشيء اليابسُ والصُّلْبُ فتطْحَنه، ثُمَّ تُسَلِّمه إلى "اللِّسان" فيعجِنُه، ثُمَّ يسلِّمه إلى "الحَلْق" فيوصله إلى "المعدة" فتُنْضِجُه وتطبخه، ثُمَّ يُرسَلُ إليها منه معلومُها المقدَّرُ (١) لها، فإذا عجَزت عن قَطْع شيءٍ وطحنه عجَزَت "المعدة" عن إنضاجه وطبخه، وإذا كَلَّتْ كَلَّتِ "المعدة"، وإذا ضَعُفَت ضَعُفَت. وهي تصحب الإنسانَ وتخدمه ما لم يرها، فإذا وقعت عينُه عليها فارقته فُرْقَةَ الأبد. وهي سلاحٌ، ومنشارٌ، وسكِّينٌ، ورَحىً، وزينةٌ، وفيها منافع ومصالح غير هذه. فصل ثُمَّ تأمَّلْ حال "الشَّعْر"، ومَنْبَته، وسببه، وغايته. فإنَّ البدن لمَّا كان حارًّا رَطْبًا، والحرارةُ إذا عملت في الرُّطُوبة فلا بدَّ أنْ تُثير بُخَارًا، وتلك الأبْخِرَة تتصاعد من عمق البدن إلى سطحه، وتريد الانفصال من هناك، فلا بدَّ أنْ تُحدث مَسَامَّ ومنافذَ في ظاهر الجلد. وتلك الأبْخِرَةُ: ١ - إمَّا أن تكون رَطْبةً لطيفةً، فحينئذٍ تنفصل من المَسَامِّ ولا تُحدث شيئًا.

стр. 539

٢ - وإمَّا أن تكون دُخَانيةً يابسةً غليظةً، فالجلد حينئذٍ: ١ - إمَّا أن يكون في نهاية النُّعُومة والنَّضَارة، كجلد الصبيان. ٢ - أو في غاية اليُبْسِ والقَشَف. ٣ - أو يكون معتدلًا. فإذ (١) ذاك لا يتولَّدُ فيه "الشَّعْر"؛ لأنَّ البُخَار إذا شقَّ سطح الجلد وانفصل عاد الجلدُ في الحال إلى اتِّصاله الأوَّل، بسبب كثرة رطوبته ونعومته. مثاله: السَّمَكُ إذا رفع رأسه من الماءِ انشقَّ له الماءُ، فإذا عاد إلى الماءِ عاد الماءُ إلى اتِّصاله الأوَّل. وكذلك نشاهد الأشياء الرَّطْبة - كالنَّشَاء مثلًا - إذا أُغْلِيَ فخرج البُخَارُ من موضع الغَلَيان عادت الرُّطُوبة إلى الموضع الذي خرج منه ذلك البُخَار فَسَدَّتْهُ. فإنْ كان الجلد في غاية اليُبْسِ لم يتولَّد "الشَّعْر" منه (٢)؛ لأنَّ الجلد اليابس إذا انْثَقَبَ بقيت تلك الثُّقَبُ مفتوحةً ليُبْسِ الجلد، فتُفرِّقُ أجزاءَ البُخَارِ، ولا يجتمع بعضُه إلى بعضٍ. وإن كان الجلدُ متوسِّطًا بين النُّعُومة والكثافة، فإنَّه تنفتح فيه المَسَامُّ بسبب تلك الأبْخِرَة، ولا تعود تَنْسَدُّ بعد خروج البُخَار، ولكن لا تبقى المَسَامُّ شديدة الانفتاح، فحينئذٍ يبقى ذلك البُخَار الدُّخَانيُّ

стр. 540

في تلك الثُّقُوب، ثُمَّ لا يزال مدَّةً إلى أن يَنْشَأَ (١) بُخَارٌ آخر يدفعه أوَّلًا فأوَّلًا إلى خارج، من غير أن يَنْقَلِعَ (٢) أصله، فيبقى بعضُه مركوزًا في الجلد - منزلته منزلة أصل النَّبَات -، وبعضُه يظهر (٣) إلى خارج - منزلته منزلة ساق النَّبَات -، وذلك هو "الشَّعْر". فمادَّةُ "الشَّعْر" هو البُخَار الدُّخَانيُّ الحارُّ اليابِسُ، وسببه هو الحرارةُ الطبيعيةُ المحرِقةُ لذلك البُخَار، والآلة التي بها يتَمُّ أمرُه هي المَسَامُّ التي ارتكَبَ (٤) فيها البُخَارُ، فتلبَّدَ هناك فصار "شَعْرًا" بإذن الله تعالى. والغاية التي وُجِدَ لأجلها وُجِدَ لها سببان: أحدهما عامٌّ: وهو تنقية البدن من الفضول الدُّخَانِيَّة الغليظة. والآخر خاصٌّ: وهو إمَّا للزِّينة، وإمَّا للوقاية. وإذا بَانَ بأنَّ "الشَّعْر" إنَّما يتولد مع الحرارةِ واليُبْسِ المعتدل؛ بَقِيَتْ ثلاثةُ أقسام: أحدها: حرارةٌ غالبةٌ على اليُبْس، كالصبيان. الثاني: عكسه، وهو يُبْسٌ غالبٌ (٥) على الحرارة، كالمشايخ.

стр. 541

الثالث: حرارةٌ ضعيفةٌ ويُبْسٌ ضعيفٌ، كأبدان النِّساء. ففي هذه الأقسام يقلُّ "الشَّعْر"، وأمَّا الشَّباب فإنَّ حرارةَ أبدانهم ويُبْسَها معتدِلٌ، فيقوى تولُّد "الشَّعْر" فيهم. وفي"شَعْر الرأس" منافع ومصالح: ١ - منها وقايته عن الحر والبرد والمرض. ٢ - ومنها الزِّينة والحُسْن. والسبب الذي صار به "شَعْر الرأس" أكثر من "شَعْر البَدَن" أنَّ البُخَار شأنُه أن يصعد من جميع البدن إلى "الدِّماغ"، ومن "الدِّماغ" إلى فوق، فلذلك (١) كان هذا (٢) "الشَّعْر" ناميًا على الدوام؛ لأنَّ البُخَار يتصاعد إلى "الرأس" أبدًا، وهو مادَّةٌ "للشَّعْر". فَبِنَمَاء "الشَّعْر" ينمو البُخَار، وكان فيه تخليصٌ للبدن من تلك المواد، وتكثيرٌ لوقايته وغطائه. فصل وأمَّا شَعْر "الحاجِبَين" ففيه - مع الحُسْن والزِّينة والجَمَال - وِقايةُ "العَينَين" ممَّا ينحدر من "الرأس". وجُعِلَ على هذا المقدار، فلو نقص عنه لزالت منفعة الجَمَال والوقاية، ولو زاد عليه لغَطَّى "العينَ"، وأضرَّ بها، وحالَ بينها وبين ما تدركه.

стр. 542

وقد ذكرنا منفعة شَعْر "الهُدْب" (١). ولمَّا كان الأصلح والأنفع أن يكون شَعْر "الهُدْب" قائمًا منتصِبًا، وأن يكون باقيًا على حالٍ واحدٍ في مقدارٍ واحدٍ = جُعِلَ مَنْبَتُ هذا "الشَّعْر" في جِرْمٍ صُلْبٍ شبيهٍ بالغُضْرُوف، يمتدُّ في طُول "الجَفْن" لئلَّا يطول وينمو. وهذا كما نشاهد النَّبَات الذي ينبت في الأرض الرِّخْوَة اللَّيِّنَةِ كيف يطول ويزداد، والذي ينبت في الأرض الصخريَّة الصُّلْبة لا ينمو إلا نُمُوًّا يسيرًا. فكذلك (٢) "الشَّعْر" النَّابِتُ في الأعضاء اللَّيِّنَةِ الرَّطْبَة، فإنَّه سريعُ النُّمو كشَعْر "الرأس" و"العَانَة". فصل وأمَّا شَعْر "اللِّحْيَة" ففيه منافع: ١ - منها الزِّينة، والجمال (٣)، والوقار، والهَيْبَة. ولهذا لا يُرَى على الصبيان والنِّساء والسِّنَاطِ (٤) من الهَيْبَة والوقار ما يُرَى على ذوي اللِّحَى. ٢ - ومنها التمييز بين الرجال والنِّساء. فإن قيل: لو كان شَعْر "اللِّحْيَة" زينةً لكان النِّساء أولى به من الرجال، لحاجتِهنَّ إلى الزِّينة، وكان التمييزُ يحصل بخُلُوِّ الرجال منه،

стр. 543

ولَكَان أهل الجنَّة أولى به، وقد ثبت أنَّهم جُرْدٌ مُرْدٌ (١)؟ قيل: الجوابُ أنَّ النِّساء لمَّا كُنَّ مَحَلَّ الاستمتاع والتقبيل، كان الأحسن والأَوْلى خُلُوهُنَّ عن "اللِّحى"، فإنَّ مَحَلَّ الاستمتاع إذا خلا عن "الشَّعْر" كان أتمَّ. ولهذا المعنى - والله أعلم - كان أهل الجنَّة مُرْدًا؛ ليكمُلَ استمتاعُ نسائهم بهم (٢)، كما يكمُلُ استمتاعُهم بهنَّ.

стр. 544

وأيضًا؛ فإنَّه أكشف لمحاسن الوجوه، فإنَّ "الشَّعْر" يستُرُ ما تحته من المحاسِن، فصَانَ الله محاسنَ (١) وجوهِهِم عمَّا يسترها. وأيضًا؛ ليكمل استمتاعهم بنسائهم؛ فإنَّ "الشَّعْر" يمنع ما تحته من البَشَرَةِ أن يَمَسَّ بَشَرَةَ المرأة. والله أعلم بحكمته في خلقه. فصل وأمَّا شَعْر "العَانَة" و"الإبط" و"الأنف"؛ فمنفعته تنقية البدن عن الفَضْلَة، ولهذا إذا أُزِيلَ من هذه المواضعِ وجَدَ البدنُ خِفَّةً ونشاطًا، وإذا وَفَرَ وتُرِكَ (٢) وجد البدنُ (٣) ثِقَلًا وكَسَلًا وغمًّا. ولهذا جاءت الشريعة بحَلْق "العَانَة"، ونَتْفِ "الإبِط". وكان حَلْقُ "العَانَة" أولى من نَتْفِها لصَلَابة "الشَّعْر"، وتَأذِّي صاحبه بنتفه. وكان نَتْفُ "الإبِط" أولى من حَلْقه لضَعْف "الشَّعْر" هناك، وشدَّته وتَفَحُّلِهِ (٤) بالحَلْق. فجاءت الشريعة بالأنفع في هذا وهذا. فصل وتأمَّلْ حكمة الرَّبِّ - تعالى - في كونه أخلَى "الكَفَّين" و"الجَبْهَة" و"الأَخْمَصَين" (٥) من "الشَّعْر". فإنَّ "الكَفَّين" خُلِقا حاكمين على

стр. 545

الملموسات، فلو جُعِل "الشَّعْر" فيهما لأخَلَّ ذلك بالحكمة التي خُلِقا لها (١). وخُلِقا للقبض، وإلصاقُ اللَّحَم على المقبوض أعْوَنُ على جودته من التصاق "الشَّعْر" به. وأيضًا؛ فإنَّهما آلة الأخذ، والعطاء، والأكل، ووجود "الشَّعْر" فيهما يُخِلُّ بتَمَامِ هذه المنفعة. وأمَّا "الأَخْمَصَان" فلو نَبَتَ فيهما "الشَّعْر" لأضرَّ ذلك بالماشي، ولأَعَاقَهُ في المشي كثيرًا ممَّا كان يَعْلَقُ بشَعْره ممَّا على الأرض، ويتعلَّقُ شَعْرُه بما عليها أيضًا. هذا مع أنَّ كثرةَ الأوتار والأغشية في "الكفَّين" مانعٌ من نفوذ الأَبْخِرَة فيها. وأمَّا في "الأخْمَصَين" فإنَّ الأَبْخِرَة تتصاعد إلى عُلُوٍّ، وكلَّما تصاعدت كان "الشَّعْر" فيه أكثر. وأيضًا؛ فإنَّ في كثرة وَطْءِ الأرض بـ "الأَخْمَصَين" تصليبهما، ويجعل سطحهما أمْلَسَ لا ينبت شيئًا، كما أنَّ الأرض التي توطأ كثيرًا لا تنبت شيئًا. وأمَّا "الجَبْهَة" فلو نبت "الشَّعْر" عليها لسَتَر محاسِنَها، وأظلم الوجه، وتدلَّى إلى "العَينَين"، فكان يحتاج إلى حَلْقه دائمًا، ومَنَعَ "العَينَين" من كمال الإدراك.

стр. 546

والسبب المؤدِّي لذلك أنَّ الذي تحت عَظْم "الجَبْهَة" هو مُقَدَّمُ "الدِّمَاغ"، وهو باردٌ رَطْبٌ، والبُخَارُ لا يتحرَّك منحرِفًا إلى "الجبهة"، بل صاعدًا إلى فوق. فإن قيل: فَلِمَ نَبَتَ شَعْر الصبيِّ على رأسه وحاجبيه وأجفانه معه في الصِّغَر دون سائر الشُّعُور؟ قيل: لشدَّةِ الحاجة إلى هذه الشُّعُور الثلاثة أوجَدَها الله - سبحانه - معه وهو جنينٌ في بطن أُمِّه، فإنَّ شَعْر "الرأس" كالغِطَاءِ الواقي له من الآفات، و"الأهدابَ" و"الأجفانَ" وِقايةٌ "للعين". فإن قيل: فَلِمَ لَمْ تنبت له "اللِّحْيَةُ" إلا بعد بلوغه؟ قيل: لأنَّه عند البلوغ تجتمع الحرارة في بدنه، وتكون أقوى ما هي. ولهذا يَعْرِضُ له في هذا الطَّوْر: "البَثَرَات" (١)، و"الدَّمَاميل" (٢)، وكثرة الاحتلام. وإذا قويت الحرارة كثُرَت الأَبْخِرَةُ بسبب التحلُّل، وزادت على القَدْر المحتاج إليه في شَعْر "الرأس"، فَصَرَفَها أحكمُ الحاكمين إلى نبات "اللِّحْيَة" و"العَانَة". وأيضًا؛ فإنَّ بين أوعية "المَنِيِّ" وبين "اللِّحْيَة" ارتباطًا؛ إذ العُرُوق

стр. 547

والمجاري مُتَّصلةٌ بينهما، فإذا تعطَّلت أوعية "المَنِيِّ" ويَبِسَتْ تعطَّل شَعْر "اللِّحْيَة"، وإذا قَلَّت الرُّطُوبة والحرارة هناك قَلَّ شَعْرُ "اللِّحْيَة"؛ ولهذا فإنَّ الخِصْيَان (١) لا ينبت لهم "لحَىً" (٢). فإن قيل: فما العِلَّةُ في "الكَوْسَج" (٣)؟ قيل: بَرْدُ مِزَاجِهِ، ونُقصَانُ حَرَارته. فإن قيل: فما السبب في "الصَّلَع" (٤)؟ قيل: عدم احتباس الأَبْخِرَة في موضع الصَّلَع. فإن قيل: فَلِمَ كان في مُقَدَّم "الرأس" دون جوانبه ومُؤَخَّرِهِ؟ قيل: لأنَّ الجُزْءَ المقدَّمَ من "الرأس" بسبب رُطُوبة "الدِّمَاغ" يكون أكثر لِينًا وتحلُّلًا، فتَتَحَلَّلُ الفَضَلَاتُ التي يكون منها "الشَّعْر" (٥)، فلا يبقى "للشَّعْر" مادَّةٌ هناك. فإن قيل: فَلِم لَمْ يحدث في "الأصْدَاغ" (٦)؟

стр. 548

قيل: لأنَّ الرُّطُوبةَ في الأسافل أكثر منها في الأعالي. وشاهِدُهُ في الأرض العالية والمُنْخَفِضَة. فإن قيل: فَلِمَ لَمْ تَصْلَع المرأة إلا نادرًا، وكان الصَّلَع (١) في الرجال أكثر؟ قيل: لأنَّ الصَّلَعَ (٢) يحدُثُ من يُبْسٍ في الجلد، بمنزلة احتراقه، وذلك لقوَّة الحرارة. و [أمَّا] (٣) النِّساء فالرُّطُوبة والبُرُودَة أغلب عليهنَّ؛ ولهذا جُلُودهُنَّ أَرْطَبُ من جلود الرجال، فلا تَجِفُّ جلود رؤوسهنَّ، فلا يعرض لَهُنَّ الصَّلَع. ولهذا لا يعرض للصِّبْيَان، ولا الخِصْيَان (٤). وإن عَرَضَ للمرأة صَلعٌ فذلك في سِنِّ يأسِها، وبلوغها من الكِبَرِ عِتِيًّا. فإن قيل: فما السبب في شِدَّةِ سَوَاد "الشَّعْر"؟ قيل: شدَّة البُخَارَات الخارجة من البدن واعتدالُها، وصِحَّةُ مادَّتها كَخُضْرَةِ الزَّرْع. فإن قيل: فما سبب "الصُّهُوبَة" (٥)؟ قيل: بَرْدُ المِزَاج، فَتَضْعُفُ الحرارة عن صَبْغ "الشَّعْر"

стр. 549

وتسويده (١). فإن قيل: فما سبب (٢) الشُّقْرَةِ والحُمْرَةِ؟ قيل: زيادةُ الحرارة، فتَصْبَغُ "الشَّعْر"، ولهذا تجد الأَشْقَر أشدَّ حرارةً، وأكثر حركةً وهِمَّةً. فإن قيل: فما سبب البياض في "الشَّعْر" (٣)؟ قيل: البياضُ نوعان: أحدهما: طبيعيٌّ، وهو الشَّيْبُ. والثاني: خارجٌ عن الطَّبيعة، وهو ما يوجد في أواخر الأمراض المُجَفَّفَة (٤) بسبب تحلُّل (٥) الرُّطُوبات، كما يعرض للنَّبَات عند الجَفَاف. فإن قيل: فما سببُ الطَّبيعي؟ قيل: اختُلِفَ في ذلك: فقالت طائفةٌ: سببه الاستحالةُ إلى لون "البَلْغَم"، بسبب ضعف الحرارة في أبدان الشيوخ. وقالت طائفةٌ: سببه أنَّ الغذاء الصائر إلى "الشَّعْر" يصير باردًا،

стр. 550

بسبب نقصان الحرارة، ويكون بطيء الحركة مُدَّةَ نُفُوذه إلى المَسَامِّ. وأصلحت طائفةٌ بين القولين، وقالوا: العِلَّةُ في الأمرين واحدةٌ، وسببهما نقصان الحرارة. فإن قيل: فَلِمَ اختصَّ الشَّيْبُ بالإنسان من بين سائر الحيوان؟ قيل: لَحْمُ الإنسان وجِلْدُه رِخْوٌ لَيِّنٌ، وجلودُ الحيوانات ولحومُها أقوى وأَصْلَبُ، فلمَّا غَلُظَتَ مادَّةُ "الشَّعْر" فيها لم يعرض لها ما يعرض "لشَعْر" الإنسان. ولهذا يكون شَعْرها كلُّها معها من حين ولادتها، بخلاف الإنسان. وأيضًا؛ فإنَّ الإنسان يستعمل المَطَاعِمَ المركَّبة المتنوِّعَة، وكذا المَشَارِبَ، ويتناول أكثرَ من حاجته، فتجتمع فيه فَضَلاتٌ كثيرةٌ، فتدفعها الطبيعة إلى ظاهر البدن، فما دامت الحرارة قوية فإنَّها تَقْوَى على إحراق تلك الفضلات، فيتولَّدُ من إحراقها: "الشَّعْر" الأسود. فإذا بلغ الشيخوخة ضعفت الحرارة، وعجزت عن إحراق تلك الفضلات، فتعمل فيها عملًا ضعيفًا. وأمَّا سائر الحيوانات فلا (١) تتناول الأغذية المركَّبة، وتتناول منها على قدر الحاجة، فلا يَشِيبُ شَعْرها كما يشيب شَعْر الإنسان. وأيضًا؛ فإنَّ في زَمَن الشيخوخة يكون الإنسان (٢) أقلَّ حرارةً، وأكثَر رطوبةً فيتولَّد الخِلْط، و [أمَّا] (٣) الحيوانات فاليُبْسُ غالبٌ عليها.

стр. 551

فإن قيل: فَلِمَ كان (١) شَيْبُ "الأَصْدَاغ" في الأكثر مُتَقدِّمًا على غيره؟ قيل: لقُرْب هذا الموضع من مُقَدَّم "الدِّماغ"، والرُّطُوبة في مُقَدَّم "الدِّماغ" كثيرةٌ، لأنَّ الموضعَ مَفْصِلٌ، والمَفْصِلُ تجتمع فيه الفَضْلَةُ الكثيرةُ، فيكثر البَرْدُ هناك، فيسرع الشَّيْبُ. فإن قيل: فَلِمَ أسرع الشَّيْبُ في شُعُور الخِصْيَان والنِّساء؟ قيل: أَمَّا النِّساءُ فَلِبَرْدِ مِزَاجِهِنَّ في الأصل، واجتماع الفضلات الكثيرة فيهنَّ. وأَمَّا الخِصْيَان فلِتَوَفُّر "المَنِيِّ" على أبدانهم يصير دَمُهُم غليظًا بَلْغَمِيًّا، ولهذا لا يحدث لهم الصَّلَع. فإن قيل: فَلِمَ كان شَعْر "الإبِط" لا يَبْيَضُّ؟ قيل: لقوَّة حرارة هذا الموضع؛ بسبب قربه من "القلب"، ومَسَامُّه كثيرةٌ فلا يبقى فيه كثرةٌ بَلْغَمِيَّةٌ؛ لأنَّها (٢) تتحلَّل بالعَرَق الدائم. فإن قيل: فَلِمَ أَبْطَأ بياضُ شَعْر "العَانَة"؟ قيل: لأنَّ حركة الجماع تُحَلِّلُ "البَلْغَم" الذي في مَسَامِّه. فإن قيل: فَلِمَ كانت الحيوانات تتبدَّلُ شُعُورُها كُلَّ سَنَةٍ، بخلاف الإنسان؟ قيل: لضعف شُعُورها عن الدوام والبقاء، بخلاف شَعْر الآدَمِيِّ.

стр. 552

فإن قيل: فما سبب الجُعُودَة والسُّبُوطَة (١)؟ قيل: أمَّا الجُعُودة فمن شِدَّة الحرارة، أو من التِوَاءِ المَسَامِّ، فالذي من شدَّة الحرارة فإنَّه تعرض منه الجُعُودة كما تعرض "للشَّعْر" عند عرضه على النَّار. وأمَّا الذي لالتِوَاءِ المَسَامِّ فَلأنَّ البُخَار لِضَعْفه (٢) لا يقدر أنْ ينفُذَ على الاستقامة فَيَلْتَوِي في المنافذ، فتحدث الجُعُودَة. فإن قيل: فما السبب في طول شَعْر الميت وأظفاره بعد موته إذا بَقِي مدَّةً؟ قيل: عنه جوابان: أحدهما: أنَّها لا تطول، ولكن لمَّا قُبِضَ (٣) ما حولها يُظَنُّ أنَّها طالت (٤) وزادت. الثاني - وهو أصوب -: أنَّ ذلك الطُّول من الفضلات البُخَاريَّةِ التي تتحلَّل وَهْلَةً من جنس (٥) جسد الميت، فيمتدُّ معها "الشَّعْر" و"الظُّفُر". فإن قيل: فَلِمَ كان المريضُ - وخاصَّةً المَحْمُوم - ينقص لحمه، ويزيد شَعْره وظفره؟

стр. 553

قيل: إنَّ في المَرَض تكثر الفضلات، فتتكوَّن "الشُّعُور" و"الأظفار" فيها، ويَقِلُّ الغذاءُ فيذوب اللَّحم. وأمَّا في الصحَّة فتقلُّ الفَضَلاتُ فلا تحتاج الطبيعة إلى الغذاء وهَضْمِها له، وإذا قلَّت الفَضْلةُ نفدت مادَّةُ، "الشَّعْر"، فيبطئ عن السرعة في النَّبَات (١). فإن قيل: فما العِلَّة في انتصاب شَعْر الخائف والمَقْرُور (٢)، حتَّى يبقى كشَعْر القُنْفُذ؟ قيل: العلَّةُ فيه أنَّ الجلد ينقبض وتجتمع المَسَامُّ على "الشَّعْر" وتتضايق عليه فينتصب. فإن قيل: فَلِمَ انتصب شَعْر البدن و"اللِّحْية" دون شَعْر "الرأس"؟ قيل: لأنَّ جلدةَ "الرأس" كثيفةٌ أكْثَفَ من جلدة البدن فلا تنقبض انقباض جلدة البدن، على أنَّ شَعْر "الرأس" - أيضًا - يَنْتَصِب كذلك، وإن كان دون انتصاب شَعْر البدن و"اللِّحْية". فإن قيل: فَلِمَ كان كثرةُ الجماع تزيد في شَعْر "اللِّحْية" والجسد، وتنقص من شَعْر "الرأس" و"الأجفان"؟ قيل: لأنَّ "الشَّعْر" فيه ما يكون طبيعيًّا من أَوَّل الخِلْقة - كـ "اللِّحية" وسائر شَعْر البدن - (٣).

стр. 554

والأوَّل: يكون من قوَّة الحرارة الأصليَّة. والثاني: من قوَّة الحرارة الخارجيَّة، فلا جَرَمَ نقصت بسببه "الشُّعُور" الأصليَّة، وقويت "الشُّعُور" (١) العَرَضِيَّة. فإن قيل: فَلِمَ كان "الشَّعْر" في الإنسان في الجُزْءِ المقدَّم أكثر منه في الجُزْءِ (٢) المُؤَخَّر، وباقي الحيوانات بالعكس؟ قيل: لأنَّ "الشَّعْر" إنَّما يكون حيث تكون الحرارةُ قويَّةً، ويكون تَحَلْحُل الجلد أكثر، وهذا في الإنسان في ناحية "الصَّدْرِ" و"البَطْنِ"، وأمَّا جلدة "الظَّهْر" فمتكاثفة. وأمَّا ذوات (٣) الأربع ففي الخَلْف شعورها أكثر؛ لأنَّ البُخَارَ فيها يَرْقَى إلى الخَلْفِ، وأنَّ تلك المواضع هي التي تَلَقَّى الحَرَّ والبردَ، فتحتاج إلى وِقَاءٍ أكثر. فإن قيل: فَلِمَ كان "الرأسُ" بـ "الشَّعْر" أحقَّ الأعضاء، ونَبَاتُه عليه أكثر؟ قيل: لأنَّ البُخَار يتصاعد، ويطلب جهة العُلُوِّ إلى فَوْق (٤)؛ وهو

стр. 555

"الرأس". ولا تَسْتَطِلْ هذا الفصل؛ فإنَّ أمر "الشَّعْر" من السَّمِّيَّات (١) والفَضَلات وهذا شأنه، فما الظَّنُّ بغيره من الأجزاء الأصليَّة؟ فإذا كانت هذه قليلًا من كثيرٍ (٢) من حكمة الرَّبِّ - تعالى - في "الشُّعُور"، ومواضعها، ومنافعها؛ فكيف بحكمته في: "الرأس"، و"القلب"، و"الكبد"، و"الصَّدْر"، وغيرها؟ ولا تَضْجَر من ذلك، فإنَّ الخَلْقَ فيه من الفقه والحِكَمِ نظيرُ ما في الأمر، فالرَّبُّ - تعالى - حكيمٌ في خَلْقه وأمره، ويُحِبُّ من يَفْقَهُ عند ذلك، ويستدلَّ به عليه (٣) وعلى كمال حكمته، وعلمه، ولُطْفِه، وتدبيره، فإذا كان الرَّبُّ - تعالى - لم يَضَعْ هذه الفضلات في الإنسان سُدَىً فما الظنُّ بغيرها؟ ونحن نذكر فصلًا مختصرًا في حال الإنسان من مبدئه إلى نهايته؛ لنجعله مرآةً له ينظر فيها قولَ خالقه وبارئه ومُصَوِّره: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١].

стр. 556

فصل لمَّا اقتضى كمال الرَّبِّ ﷻ وقدرتُه التامَّة، وعلمه المحيط، ومشيئته النافذة، وحكمته البالغة، تنويعَ (١) خلقه من المَوَادِّ المتباينة، وإنشَاءَهُم في الصُّوَر المختلفة، والتبايُنَ العظيم بينهم في المَوَادِّ، والصُّوَر، والصِّفَات، والهيئات، والأشكال، والطبائع، والقوى = اقتضت حكمتُه أن أخذ من الأرض قبضةً من ترابٍ (٢)، ثُمَّ ألقى عليها الماء، فصارت مثل (٣) "الحَمَأ المَسْنُون" (٤)، ثُمَّ أرسل

стр. 557

عليها الرِّيح فجَفَّفَها، حتَّى صارت صَلْصَالًا (١) كالفَخَّار، ثُمَّ قَدَّرَ لها الأعضاء، والمنافذ، والأوصال، والرِّبَاطَات (٢)، وصوَّرها فأبدع في تصويرها، وأظهرها في أحسن الأشكال، وفصَّلَها أحسن تفصيل، مع اتصال أجزائها، وهَيَّأَ كُلَّ جزءٍ منها لما يُراد منه، وقدَّرَهُ لما خُلِقَ له على أبلغ الوجوه، ففصَّلَها في توصُّلِها، وأبدع في تصويرها وتشكيلها، والملائكةُ تراها ولا تعرف ما يُراد منها، وإبليس يُطِيفُ بها (٣)، ويقول: لأمْرٍ ما خُلِقَتْ! فلمَّا تكامل تصويرُها وتشكيلُها، وتقديرُ أعضائها وأوصالها، وصار جسدًا مصوَّرًا مُشَكَّلًا كأنَّه ينطق، إلا أنَّه لا رُوحَ فيه ولا حياة = أرسلَ إليه رُوحَه، فنفخ فيه نفخةً، فانقَلَبَ ذلك الطينُ اليابِسُ (٤): لحمًا، ودمًا، وعظامًا، وعروقًا، وسمعًا، وبصرًا، وشَمًّا، ولَمْسًا، وحركةً، وكلامًا. فأَوَّلُ شيءٍ بدأ به أن قال: "الحمدُ لله ربِّ العالمين"، فقال له خالقُه وبارئه ومصوِّرُهُ: "يرحمك ربُّكَ يا آدم" (٥). فاستوى جالسًا أجملَ

стр. 558

شيءٍ وأحسنَهُ منظرًا، وأتمَّهُ خَلْقًا، وأبدَعَهُ صورةً. فقال الرَّبُّ - تعالى - لجميع ملائكته: "اسجُدوا له"، فبادروا بالسجود؛ طاعةً لأمر الواحد المعبود، وتعظيمًا له. ثُمَّ قيل لهم: لَنَا في هذه القبضة من التراب سِرٌّ أبدَع ممَّا تَرَون، وجمالُ باطِنٍ أحسنُ ممَّا تُبصرون. فَلَنُزَيِّنَنَّ باطِنَهُ بأحسنَ من زينة ظاهره، ولنَجْعَلنَّهُ من أعظم آياتنا، نُعَلِّمُه أسماءَ كُلِّ شيءٍ ممَّا (١) لم تحسنه الملائكة. فكان التعليمُ زينةَ الباطن وجماله، وذلك التصويرُ زينة الظاهر، فجاءَ أكمَلَ شيءٍ وأجمَلَهُ صورةً ومعنىً، وذلك كلُّه صُنْعُه ﵎ في قبضةٍ من تراب. ثُمَّ اشتقَّ منه صورةً هي مثله في الحُسْن والجمال، ليَسْكُن إليها، وتَقَرَّ نفسُه بها، وليُخْرِجَ من بينهما من لا يُحصَى عدَدُهُ من الرجال

стр. 559

والنِّساء سواه. فصل ثُمَّ (١) لمَّا أراد الله - سبحانه - أن يَذْرَأَ نسلهما (٢) في الأرض ويُكَثِّرَهُ؛ وضَعَ فيهما حرارة الشهوة ونار الشوق والطلب، وأَلْهَمَ كلًّا منهما اجتماعه بصاحبه، فاجتمعا على أمرٍ قد قُدِر. فاسمع الآن عجائب ما هنالك: لمَّا شاء الرَّبُّ - تعالى - أن يُخرج نسخةَ هذا الإنسان منه؛ أودع جسده حرارةً، وسلَّطَ عليه هَيَجَانها، فصارت شهوةً غالبةً، فإذا هاجت حرارةُ الجسد تحلَّلت الرُّطُوبات من جميع أجزاء الجسد، وابتدأتْ نازِلَةً من خلف "الدِّمَاغ"، في عروقٍ خلف "الأُذُنين" إلى فَقَارِ "الظَّهْر"، ثُمَّ تخرج إلى "الكُلْيَتين"، ثُمَّ تُجمع (٣) في أوعية "المَنِيِّ"، بعد أن طبختها نار الشهوة وعَقَدَتْها حتَّى صار لها قَوَامٌ وغِلَظٌ، وقصَرَتها حتَّى ابيضَّت، وقدَّر لها مجاريَ وطرقًا تنفذ فيها. ثُمَّ اقتضت حكمته - سبحانه - أن قدَّر لخروجها (٤) أقوى الأسباب المستفرِغة لها من خارجٍ ومن داخلٍ، فقيَّضَ لها صورةً حسَّنَها في عين الناظر، وشوَّقَهُ إليها، وساق أحدهما إلى الآخر بسلسلة الشهوة والمحبة، فَحَنَّ كلٌّ منهما إلى امتزاجه بصاحبه، واختلاطه به، ليقضي

стр. 560

الله أمرًا كان مفعولا. وجعل هذا مَحَلَّ الحَرْث، وهذا مَحَلَّ البَذْر، وقال القضاء والقدر: ليشتمل كلٌّ منكما على صاحبه؛ ليلتقي الماءان (١) على أمر قد قُدِر. وقَدَّر بينهما تلك الحركات لتعمل الحرارة في تلك الرُّطُوبة والفَضْلة عملها، واستخرجَها (٢) من تحت "الشَّعْر" و"البشَر" و"الظُّفُر"؛ لتوافق النسخةُ الأصلَ، ويكون الداعي إلى التناسل في غاية القوَّة، فلا ينقطع النَّسْل. ولهذا لا تجد في مَنِيِّ الاحتلام من القوَّة ما في مَنِيِّ الجِماع، وإنَّما هو من فَضْلةِ حرارةٍ تذيب الرُّطُوبة، فتقذِفُها (٣) الطبيعة إلى خارج، وذلك (٤) من نوع تصوُّرِ خيالٍ بواسطة الشيطان، كما ثبت في "الصحيح" عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان" (٥). فإن قيل: فهذا اختيارٌ منكم لقول من قال: إنَّ "المَنِيَّ" يخرج من جميع أجزاء البدن، وهذا وإن كان قد قاله كثيرٌ من النَّاس فقد خالفهم آخرون، وزعموا أنَّه فَضْلَةٌ تتولَّدُ من الطعام والشراب (٦)، وهي من أعدل الفَضَلات، ولهذا صَلُحَت أن تكون مبدأ الإنسان، وهو جسمٌ متشابه

стр. 561

الأجزاء في نفسه؟ قيل: القول الأوَّل هو الصواب، ويدلُّ عليه وجوه: منها عموم اللذَّة بجميع أجزاء البدن. ومنها مشاكلة أعضاء المولود لأعضاء الوالدين. ومنها المشابهة الكُلِّية؛ فدلَّ على أنَّ البدن كلَّه أرسل "المَنِيَّ"، ولولا ذلك لكانت المشابهة بحسب مَحَلٍّ واحدٍ. فدلَّ على أنَّ كلَّ عُضْوٍ قد أرسل (١) قِسْطَهُ ونصيبه، فلمَّا انعقد وصَلُبَ ظهرت محاكاته ومشابهته له. ومنها أنَّ الأمر لو كان كما زعمه أصحاب المقالة الثانية، من أنَّ "المَنِيَّ" جسمٌ واحدٌ متشابهٌ في نفسه لم يتولَّد منه الأعضاء المختلِفَة المتشكِّلة بالأشكال المختلفة؛ لأنَّ القوَّةَ الواحدةَ لا تفعل في المادَّةِ الواحدة إلا فعلًا واحدًا، فدلَّ على أنَّ المادَّةَ في نفسها ليست متشابهة الأجزاء. ومنها أنَّ "المَنِيَّ" فَضْل الهَضْم الآخر، وذلك إنَّما يكون عند نضج (٢) "الدَّم" في العُرُوق، وصيرورته مستعدًّا استعدادًا تامًّا لأن يصير من جوهر الأعضاء. وكذلك يحصل عقيب استفراغه من الضَّعْف أكثر ممَّا يحصل من استفراغ أمثاله من "الدَّم"، ولذلك يورث الضَّعْف في جوهر

стр. 562

الأعضاء الأصليَّة. فدلَّ على أنَّه مركَّبٌ من أجزاء كُلٍّ منهما، قريبُ الاستعداد لأن يصير جزءًا من عضوٍ مخصوصٍ. ولذلك سمَّاه اللهُ تعالى: "سُلَالَةً من ماءٍ" (١)، و"السُّلَالَة": فُعَالَة من السَّلِّ؛ وهو ما يُسَلُّ (٢) من البدن، كـ: النُّخَالَة، والنُّجَارَة (٣). كما سمَّى أصلَهُ: "سُلَالَةً من طينٍ" (٤)؛ لأنَّه استلَّها من جميع الأرض، كما في "جامع الترمذي" عن النبيِّ ﷺ : "إنَّ اللهَ خلق آدمَ من قَبْضَةٍ قَبَضَها من جميع الأرض" (٥). قال أصحاب القول الآخر - وهم جمهور الأطبَّاء وغيرهم -: لو كان الأمر كما زعمتم، وأنَّ "المَنِيَّ" يُسْتَلُّ من جميع الأعضاء، لكان إذا حصل مَنِيُّ الذَّكَر ومَنِيُّ الأنثى في "الرَّحِم" تشكَّلَ المولود بشَكْلِهما معًا، ولَكَانَ الرجلُ لا يَلِدُ إِلَّا ذكورًا دائمًا؛ لأنَّ "المَنِيَّ" قد استُلَّ - عندكم - من جميع أجزائه، فإذا انعقد وَجَبَ أن يكون مثله. وأيضًا؛ فإنَّ المرأة تضع من وَطْءِ الرَّجُل في "البطن" الواحد ذكرًا

стр. 563

وأنثى، ولا يمكن أن يقال إنَّ ذلك بسبب اختلاف (١) أجزاء "المَنِيِّ". قالوا: ولا نُسلِّم عمومَ اللذَّة؛ لأَنَّها إنَّما حصلت حال الاندِفَاق (٢)، بسبب سيلان تلك المادَّة الحارَّة (٣) على تلك المجاري اللَّحْميَّة التي لحمتها رِخْوَة (٤)، شبيهة باللَّحم القريب العهد بالانْدِمَالِ (٥)، إذا سال عليه [شيءٌ] (٦) وهو معتدل السُّخُونة. و [لو] (٧) كانت اللذَّة إنَّما حصلت بسبب سيلان (٨) تلك المادَّة لحصلت قبل الاندِفَاق (٩). قالوا: وأمَّا احتجاجُكم بالتشابه المذكور بين الوالد والمولود؛ فالمشابهة قد تقع في "الظُّفُر" و"الشَّعْر"، وليس يخرج منهما شيء. وأيضًا؛ فالمولود قد يشبه جَدًّا بعيدًا من أجداده، كما ثبت في "الصحيح" عن النبيِّ ﷺ : أنَّ رجلًا سأله، فقال: إنَّ امرأتي ولدت غلامًا أسود! قال: "هل لك من إبل؟ " قال: نعم، قال "فما ألوانها؟ " قال:

стр. 564

حُمْرٌ (١)، قال: "هل فيها من أَوْرَق؟ " قال: نعم، قال: "فأنَّى له ذلك؟ " قال: عسى أن يكون نَزَعَهُ عِرْقٌ، قال: "وهذا عسى أن يكون نَزَعَهُ عِرْقٌ" (٢). قالوا: ولو كان في "المَنِيِّ" من كلِّ عُضْوٍ جُزْءٌ، فلا تخلو تلك الأجزاء: إمَّا أن تكون موضوعةً في "المَنِيِّ" وضعها الواجب، أو لا تكون كذلك؛ فإن كانت موضوعةً وضعها الواسط كان "المَنِيُّ" حيوانًا صغيرًا، وإن لم تكن كذلك استحالت المشابهة. قالوا: وأيضًا؛ فـ "المَنِيُّ" إمَّا أن يكون مركَّبًا على تركيب هذه الأعضاء وترتيبها، أو لا يكون كذلك. فالأوَّلُ باطلٌ قطعًا؛ لأنَّ "المَنِيَّ" رطوبةٌ سَيَّالَةٌ فلا تحفظ الوضع (٣) والترتيب. وإن كانت ثقيلةً؛ فتعيَّنَ الثاني. ولا بدَّ - قطعًا - أن يُحَالَ ذلك الترتيب والتصوير والتشكيل على سببٍ آخر سوى القوَّة التي في المادَّة، فإنَّها قوَّةٌ بسيطةٌ لا شعور لها ولا إدراك، ولا تهتدي لهذه التفاصيل التي في الصورة الإنسانية، بل هذا التصوير والتشكيل مَرْجِعُهُ إلى خالقٍ عظيمٍ عليمٍ حكيمٍ؛ قد بَهَرَتْ حكمتُه العقولَ، ودلَّت آثارُ صنعته على كمال أسمائه وصفاته وتوحيده.

стр. 565

وقد اعترف بذلك فاضِلا الأطبَّاءِ، وهما: "بُقْرَاط" (١)، و"أفلاطون" (٢). فَأَقَرَّا بأنَّ ذلك مستنَدُهُ إلى حكمة الصانع وعنايته، وأنَّه لم يصدر إلَّا عن خالقٍ حكيمٍ عليمٍ قديرٍ، ذكره "جالينوس" (٣) عنهما في كتاب "رأي أبقراط وأفلاطون" (٤)، فأَبَى جهلَةُ الأطبَّاءِ وزنادقةُ المتفَلْسِفةِ والطبائعيين إلا كفورًا.
следующие страницы →