← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 18337

التبيان في أيمان القرآن - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (721 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

الأجزاء في نفسه؟ قيل: القول الأوَّل هو الصواب، ويدلُّ عليه وجوه: منها عموم اللذَّة بجميع أجزاء البدن. ومنها مشاكلة أعضاء المولود لأعضاء الوالدين. ومنها المشابهة الكُلِّية؛ فدلَّ على أنَّ البدن كلَّه أرسل "المَنِيَّ"، ولولا ذلك لكانت المشابهة بحسب مَحَلٍّ واحدٍ. فدلَّ على أنَّ كلَّ عُضْوٍ قد أرسل (١) قِسْطَهُ ونصيبه، فلمَّا انعقد وصَلُبَ ظهرت محاكاته ومشابهته له. ومنها أنَّ الأمر لو كان كما زعمه أصحاب المقالة الثانية، من أنَّ "المَنِيَّ" جسمٌ واحدٌ متشابهٌ في نفسه لم يتولَّد منه الأعضاء المختلِفَة المتشكِّلة بالأشكال المختلفة؛ لأنَّ القوَّةَ الواحدةَ لا تفعل في المادَّةِ الواحدة إلا فعلًا واحدًا، فدلَّ على أنَّ المادَّةَ في نفسها ليست متشابهة الأجزاء. ومنها أنَّ "المَنِيَّ" فَضْل الهَضْم الآخر، وذلك إنَّما يكون عند نضج (٢) "الدَّم" في العُرُوق، وصيرورته مستعدًّا استعدادًا تامًّا لأن يصير من جوهر الأعضاء. وكذلك يحصل عقيب استفراغه من الضَّعْف أكثر ممَّا يحصل من استفراغ أمثاله من "الدَّم"، ولذلك يورث الضَّعْف في جوهر

стр. 562

الأعضاء الأصليَّة. فدلَّ على أنَّه مركَّبٌ من أجزاء كُلٍّ منهما، قريبُ الاستعداد لأن يصير جزءًا من عضوٍ مخصوصٍ. ولذلك سمَّاه اللهُ تعالى: "سُلَالَةً من ماءٍ" (١)، و"السُّلَالَة": فُعَالَة من السَّلِّ؛ وهو ما يُسَلُّ (٢) من البدن، كـ: النُّخَالَة، والنُّجَارَة (٣). كما سمَّى أصلَهُ: "سُلَالَةً من طينٍ" (٤)؛ لأنَّه استلَّها من جميع الأرض، كما في "جامع الترمذي" عن النبيِّ ﷺ : "إنَّ اللهَ خلق آدمَ من قَبْضَةٍ قَبَضَها من جميع الأرض" (٥). قال أصحاب القول الآخر - وهم جمهور الأطبَّاء وغيرهم -: لو كان الأمر كما زعمتم، وأنَّ "المَنِيَّ" يُسْتَلُّ من جميع الأعضاء، لكان إذا حصل مَنِيُّ الذَّكَر ومَنِيُّ الأنثى في "الرَّحِم" تشكَّلَ المولود بشَكْلِهما معًا، ولَكَانَ الرجلُ لا يَلِدُ إِلَّا ذكورًا دائمًا؛ لأنَّ "المَنِيَّ" قد استُلَّ - عندكم - من جميع أجزائه، فإذا انعقد وَجَبَ أن يكون مثله. وأيضًا؛ فإنَّ المرأة تضع من وَطْءِ الرَّجُل في "البطن" الواحد ذكرًا

стр. 563

وأنثى، ولا يمكن أن يقال إنَّ ذلك بسبب اختلاف (١) أجزاء "المَنِيِّ". قالوا: ولا نُسلِّم عمومَ اللذَّة؛ لأَنَّها إنَّما حصلت حال الاندِفَاق (٢)، بسبب سيلان تلك المادَّة الحارَّة (٣) على تلك المجاري اللَّحْميَّة التي لحمتها رِخْوَة (٤)، شبيهة باللَّحم القريب العهد بالانْدِمَالِ (٥)، إذا سال عليه [شيءٌ] (٦) وهو معتدل السُّخُونة. و [لو] (٧) كانت اللذَّة إنَّما حصلت بسبب سيلان (٨) تلك المادَّة لحصلت قبل الاندِفَاق (٩). قالوا: وأمَّا احتجاجُكم بالتشابه المذكور بين الوالد والمولود؛ فالمشابهة قد تقع في "الظُّفُر" و"الشَّعْر"، وليس يخرج منهما شيء. وأيضًا؛ فالمولود قد يشبه جَدًّا بعيدًا من أجداده، كما ثبت في "الصحيح" عن النبيِّ ﷺ : أنَّ رجلًا سأله، فقال: إنَّ امرأتي ولدت غلامًا أسود! قال: "هل لك من إبل؟ " قال: نعم، قال "فما ألوانها؟ " قال:

стр. 564

حُمْرٌ (١)، قال: "هل فيها من أَوْرَق؟ " قال: نعم، قال: "فأنَّى له ذلك؟ " قال: عسى أن يكون نَزَعَهُ عِرْقٌ، قال: "وهذا عسى أن يكون نَزَعَهُ عِرْقٌ" (٢). قالوا: ولو كان في "المَنِيِّ" من كلِّ عُضْوٍ جُزْءٌ، فلا تخلو تلك الأجزاء: إمَّا أن تكون موضوعةً في "المَنِيِّ" وضعها الواجب، أو لا تكون كذلك؛ فإن كانت موضوعةً وضعها الواسط كان "المَنِيُّ" حيوانًا صغيرًا، وإن لم تكن كذلك استحالت المشابهة. قالوا: وأيضًا؛ فـ "المَنِيُّ" إمَّا أن يكون مركَّبًا على تركيب هذه الأعضاء وترتيبها، أو لا يكون كذلك. فالأوَّلُ باطلٌ قطعًا؛ لأنَّ "المَنِيَّ" رطوبةٌ سَيَّالَةٌ فلا تحفظ الوضع (٣) والترتيب. وإن كانت ثقيلةً؛ فتعيَّنَ الثاني. ولا بدَّ - قطعًا - أن يُحَالَ ذلك الترتيب والتصوير والتشكيل على سببٍ آخر سوى القوَّة التي في المادَّة، فإنَّها قوَّةٌ بسيطةٌ لا شعور لها ولا إدراك، ولا تهتدي لهذه التفاصيل التي في الصورة الإنسانية، بل هذا التصوير والتشكيل مَرْجِعُهُ إلى خالقٍ عظيمٍ عليمٍ حكيمٍ؛ قد بَهَرَتْ حكمتُه العقولَ، ودلَّت آثارُ صنعته على كمال أسمائه وصفاته وتوحيده.

стр. 565

وقد اعترف بذلك فاضِلا الأطبَّاءِ، وهما: "بُقْرَاط" (١)، و"أفلاطون" (٢). فَأَقَرَّا بأنَّ ذلك مستنَدُهُ إلى حكمة الصانع وعنايته، وأنَّه لم يصدر إلَّا عن خالقٍ حكيمٍ عليمٍ قديرٍ، ذكره "جالينوس" (٣) عنهما في كتاب "رأي أبقراط وأفلاطون" (٤)، فأَبَى جهلَةُ الأطبَّاءِ وزنادقةُ المتفَلْسِفةِ والطبائعيين إلا كفورًا.

стр. 566

وقد ثبت في "الصحيح" عن النبيِّ ﷺ من حديث حذيفة بن أَسِيد: "إنَّ اللهَ وكَّلَ بالرَّحِم مَلَكًا يقول: يا رَبِّ نُطْفَةٌ، يا رَبِّ عَلَقَةٌ، يا رَبِّ مُضْغَةٌ. فما الرزقُ؟ فما الأجلُ؟ فما العملُ؟ فيقضي الله ما شاء، ويكتب المَلَكُ" (١)، وفي لفظ: "يقول المَلَكُ الذي يَخلُقُها" (٢) أي: يُصَوِّرُها (٣) بإذن الله، أي: يُصوِّرُ خَلْقَهُ في "الأرحام" كيف يشاء الله، لا إله إلا هو العزيز الحكيم. قال أصحاب القول الأوَّل: نحن أحقُّ بهذا التنزيه والتوحيد، ومعرفة حِكْمَةِ الخلَّاق العظيم وقدرته وعلمه، وأسعد به منكم. ومن أَحَال من سفهائنا وزنادقتنا هذا التخليقَ على القوَّة المصوِّرة والأسباب الطبيعية، ولم يسندها إلى فاعلٍ مختارٍ عالمٍ بكلِّ شيءٍ، قادر على كلِّ شيءٍ، لا يكون شيءٌ إلا بإذنه ومشيئته، والقوَّةُ والطبيعة خَلْقٌ مُسَخَّرٌ من خلقه، وعبدٌ من جملة عبيده، ليس لها تصرُّفٌ، ولا حركةٌ،

стр. 567

ولا فعلٌ إلا بإذن بارئها وخالقها = فذلك الذي جَهِلَ نفسَه وربَّه، وعادَى الطبيعة والشريعة. والرَّبُّ - تعالى - يخلق ما يشاء ويختار، ويُصَوِّرُ خَلْقَهُ في "الأرحام" كيف يشاء، بأسبابٍ قَدَّرَها، وحِكَمٍ دَبَّرَها، وإذا شاء أن يَسْلُبَ تلك الأسباب قوَاها سَلَبَها، وَإِذا شاء أن يقطع أسبَابَها قطَعَها، وَإِذا شاء أن يُهَيِّءَ لها أسبابًا أخرى تقاومها وتعارضها فعَلَ؛ فإنَّه الفعَّالُ لما يريد. وليس في كون "المَنِيِّ" مُسْتَلًّا (١) من جميع أجزاء البدن ما يُخْرِجُهُ عن الحوالة على قدرته ومشيئته وحكمته، بل ذلك أبلغ في الحكمة والقدرة. وأمَّا قولكم: لو كان "المَنِيُّ" مُسْتَلًّا (٢) من جميع الأعضاء لكان الولد يتشكَّلُ بشكلهما معًا، فقد أجاب النبيُّ ﷺ عمَّنْ سأله عن ذلك بما شَفَى وكَفَى. ففي "صحيح البخاري" (٣) من حديث أنس ﵁ قال: بَلغَ عبدَ الله بن سَلَام مَقْدَمُ رسول الله ﷺ المدينة، وهو في أرضٍ يَخْتَرِفُ، فأتَاهُ، وقال: إني سائلُك عن ثلاثٍ لا يعلمهنَّ إلا نبيٌّ: ما أَوَّلُ أشراط الساعة؟ وما أَوَّلُ طعامٍ يأكله أهلُ الجنَّة؟ ومن أيِّ شيءٍ يَنْزِعُ الولد إلى أبيه، ومن أيِّ شيءٍ يَنْزِعُ إلى أخواله؟ فقال رسول الله ﷺ : "أخبرني بِهِنَّ آنفًا جبريل"، فقال عبدُ الله: ذاك عَدُوُّ اليهود من الملائكة، "أمَّا أَوَّلُ

стр. 568

أشراط الساعة فَنَارٌ تحشُر النَّاسَ من المشرق إلى المغرب، وأمَّا أوَّلُ طعام يأكله أهل الجنَّة فزِيَادَةُ كَبدِ الحُوت، وأمَّا الشَّبَهُ في الولد فإنَّ الرَّجُل إذا غَشِيَ المرأةَ فَسَبَقَها ماؤُهُ كان الشَّبَهُ له، وإذا سَبَقَتْ كان الشَّبَهُ لها"، فقال: أشهد أَنَّكَ رسولُ الله. فهذا جواب جبريل أمين ربِّ العالمين، لا "جبريل" الطبيب (١). وفي "صحيح مسلم" (٢) من حديث ثوبان عن النبيِّ ﷺ : "إذا عَلَا ماءُ الرَّجُلِ ماءَ المرأةِ أَذْكَرَا بإذن الله، وإذا عَلَا ماءُ المرأةِ ماءَ الرَّجُلِ آنَثَا بإذن الله". وقد يَتَّفِقُ استواءُ (٣) المائين في الإنزال والقَدْر وذلك من أندر الأشياء، فَيُخْلَقُ للولد ذَكَرٌ كَذَكَرِ الرَّجُل، وفرْجٌ كَفَرْجِ المرأة. هذا (٤)؛ وإنْ شاء اللهُ أن يُغَلِّب سلالةَ ماء الرَّجُل على ماء المرأة، أو سُلالتها على سُلَالته؛ أمر مَلَكَ الأرحام (٥) بتصويره كذلك. فإنَّ ذلك لا يُخِلُّ بحكمةٍ، ولا يخرق عادةً، ولو خَرَقَها لم يُخِلَّ بحكمةِ أحكم

стр. 569

الحاكمين. وأمَّا منعكم عموم اللذَّة للبدن فشبيهٌ بالمكابرة، والمُجَامعُ يجد عند الإنزال شيئًا قد اسْتُلَّ من جميع بدنه وسمعه وبصره وقُواه، وأُفْرِغَ في قالَب "الرَّحِمِ"، فيُحِسُّ كأَنَّه قد خلع قميصًا كان مشتملًا به. ولهذا اقتضت حكمة ربِّ العالمين في شرعه وقدره أنْ أَمَرَهُ بالاغتسال عقيب ذلك، لِيُخْلِف عليه الماءُ ما تحلَّل من بدنه المخلوق من ماءٍ، وإذا اغتسل وجد نشاطًا وقوَّةً، وكأَنَّه لم ينقص منه شيءٌ؛ فإنَّ رطوبة الماء تُخْلِفُ على البدن ما حلَّلَتْهُ تلك الحركة من رطوباته، وتعمل فيها الحرارة الأصليَّة (١) عملها، فتَمُدُّ بها القوى التي ضعُفَت بالإنزال. وأمَّا التشابه الواقع بين "الظُّفُر" و"الشَّعْر" في الوالد والمولود، ولم ينفصل منهما (٢) شيءٌ = فما أبردها من شبهةٍ؛ فإنَّ "الظُّفُرَ" و"الشَّعْرَ" تابعان للأعضاءِ والمِزَاجِ (٣) الذي وقع فيه التشابه، فاسْتَتْبَع تَشَابُهُ الأصلِ تَشَابُهَ التَّبَع. وأمَّا شبه المولود بالجَدِّ البعيد من أجداده فهو من (٤) أقوى الأدلَّة لنا في المسألة؛ لأنَّ ذلك الشَّبَه البعيد لم يَزَلْ يُنْقَلُ في الأَصْلاب حتَّى استقرَّ في صورة الولد، وبها حصل الشَّبَهُ.

стр. 570

وأمَّا قولكم: إنَّ تلك الأجزاء لا تخلو: إمَّا أن تكون موضوعةً في "المَنِيِّ" وضْعَها الواجب أَوْ لا … إلى آخره، فجوابه: أنكم إنْ عَنَيتُم أنَّها موضوعةٌ بالفعل فليس كذلك، وإنْ أردتم أنَّها موضوعةٌ بالقوَّة فَنَعم. وما (١) المانع منه! ويكون "المَنِيُّ" حيوانًا صغيرًا بل كبيرًا بالقوَّة؟ وبهذا ظهر الجواب عن قولكم: إنَّ "المَنِيَّ" رطوبةٌ سيَّالَةٌ لا تحفظ الوضع (٢) والترتيب. فغاية ما يقَدَّر أنَّ ذلك جزءٌ من أجزاء السبب الذي يخلق الله به الولد، وجزء السبب لا يستقلُّ بالحكم. فالمُسْتَقِلُّ بالإيجاد مشيئةُ الله وحده، والأسبابُ مَحَالُّ لظهور أثر المشيئة (٣). فصل فإن قيل: هذا تصريحٌ منكم بأنَّ المرأة لها "مَنِيٌّ"، وأنَّ منها أحد الجزئين اللَّذَين يخلق الله منهما الولد. وقد ظنَّ طائفةٌ من الأطبَّاء أنَّ المرأة لا "مَنِيَّ" لها! قيل: هذا هو السؤال الذي أوردته أُمُّ المؤمنين عائشة ﵂، وأُمُّ سلمة ﵂ على النبيِّ ﷺ ، وأجابهما عنه بإثبات "مَنِيِّ" المرأة. ففي "الصحيح" أنَّ أُمَّ سُلَيم ﵂ قالت: يا رسول الله إنَّ الله لا يستَحْيي من الحقِّ، هل على المرأة من غُسْلٍ إذا هي احتَلَمت؟

стр. 571

قال: "نعم، إذا رأَت الماءَ"، فقالت أُمُّ سَلَمة (١): أوَ تَحْتَلِمُ المرأةُ؟ فقال: "تَرِبَتْ يَدَاكِ، فَبِمَ يُشْبِهُها ولدُها؟ " (٢). وفيهما عن عائشة ﵂ أنَّ أُمَّ سُلَيم ﵂ سألت رسول الله ﷺ عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرَّجُل: هل عليها من غُسْلٍ؟ قال: "نعم، إذا رأت الماءَ"، قالت: فقلت لها: أُفٍّ [لكِ] (٣)، أَترَى المرأةُ ذلك؟ فقال رسول الله ﷺ : "وهل يكون الشَّبَهُ إلَّا من ذلك؟ إذا عَلَا ماؤها ماءَ الرجل أَشْبَهَ الولدُ أَخْوَالَه، وإذا عَلَا ماءُ الرَّجُلِ ماءَها أشبه أَعْمَامَهُ" (٤) لفظ مسلم. وقد أكثَر "جالينوس" التشنيعَ على "أرسطاطاليس" (٥)، حيث

стр. 572

قال: إنَّ المرأة لا "مَنِيَّ" لها! فَلْنُحرِّرْ هذه (١) المسألة طبعًا كما حُرِّرَت شرعًا؛ فنقول: "مَنِيُّ" الذَّكَر من جملة الرُّطُوبات والفضلات التي في البدن، وهذا أمرٌ مُشتركٌ بين الذَّكَر والأنثى، وبواسطته يُخْلَق الولد، وبواسطته يكون الشَّبَه. ولو لم يكن للمرأة "مَنِيٌّ" لمَا أشْبَهَها ولدُها. ولا يقال: إنَّ الشَّبَه بسبب دَمِ الطَّمْث، فإنَّه لا ينعقد مع "مَنِيِّ" الرَّجُل، ولا يَتَّحِدُ به، وقد أجرى الله - سبحانه - العادة بأنَّ التَّوَلُّدَ والتَّوَالُدَ لا يكون إلا بين أصلين يتولَّد من بينهما ثالثٌ. و"مَنِيُّ" الرَّجُل وحده لا يتولَّدُ منه الولد ما لم تمازِجْهُ مادَّةٌ أخرى من الأنثى. وقد اعترف أرباب القول الآخر بذلك، وقالوا: لا بدَّ من وجود مادَّةٍ بيضاء لَزِجَةٍ للمرأة تصير مادَّةً لبدن الجَنين. ولكن نازعوا: هل فيها قوَّةٌ عاقِدةٌ، كما في "مَنِيِّ" الرَّجُل؟ وقد فَصَّلَ (٢) النبيُّ ﷺ هذه المسألة في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في "صحيحه" (٣)، من حديث ثوبان مولاه، حيث سأله

стр. 573

اليهوديُّ عن الولد، فقال: "ماءُ الرَّجُلِ أبيضُ، وماءُ المرأة أصفر، فإذا اجتمعا؛ فَعَلَا مَنِيُّ الرَّجُلِ مَنِيَّ المرأةِ أذْكَرَا بإذن الله، وإذا عَلَا مَنِيُّ المرأةِ مَنِيَّ الرَّجُلِ آنَثَا بإذن الله". نعم؛ لِـ "مَنِيِّ" الرَّجُلِ خاصَّةُ الغِلَظِ والبياضِ، والخروجِ بدَفْقٍ ودَفْعٍ؛ فإن أراد مَنْ نَفَى "مَنِيَّ" المرأة انتفاءَ ذلك عنها أصاب. ولِـ "مَنِيِّ" المرأة خاصَّةُ الرِّقَّةِ، والصُّفْرَةِ، والسَّيَلَان بغير دَفْعٍ؛ فإنْ نَفَى ذلك عنها أخطأ. وفي كُلٍّ من الماءَين قوَّةٌ، فإذا انضَمَّ أحدُهما إلى الآخر اكتسَبَا قوَّةً ثالثةً هي من أسباب تكوُّن الجنين. واقتضت حكمةُ الخلَّاق العظيم - سبحانه - أن جعل داخل "الرَّحِم" خَشِنًا كالإسفَنْجِ، وجعل فيه طلبًا "للمَنِيِّ" وقبولًا له، كطلب الأرض الشديدة العطش للماء وقبولها له، فجعله طالبًا حافظًا مشتاقًا إليه بالطَّبْعِ؛ فلذلك إذا ظَفِر به أَمْسَكَهُ ولم يُضَيِّعْهُ ويَزْلِقْهُ (١)، بل (٢) يشتمِلُ عليه أتَمَّ اشتمالٍ، ويَنْضَمُّ عليه أعظم انضمامٍ، لئلَّا يفسده الهواءُ، فتتولَّى القوَّةُ والحرارةُ التي هناك وبإذن الله لمَلَكِ "الرَّحِم": عَقْدَهُ، وطَبخَهُ أربعين يومًا كما يشاء، وفي تلك الأربعين يُجمَعُ خَلْقُه؛ فإنَّ "الرَّحِم" (٣) إذا اشتمل على "المَنِيِّ" ولم يقذِفْهُ إلى خارجٍ استدار "المَنِيُّ"

стр. 574

على نفسه وصار كالكُرة، وأخذ في الشدَّةِ إلى تمام ستة أيام. فإذا اشتدَّ نُقِطَ فيه نقطةٌ في الوسط، وهو موضع "القلب"، ونقطةٌ في أعلاه، وهي نقطة "الدِّمَاغ"، ونقطةٌ عن اليمين، وهي نقطة "الكبد". ثُمَّ تتباعد تلك النُّقَطُ ويظهر فيما بينها خطوطٌ حُمْرٌ (١)، إلى تمام ثلاثة أيام أُخَر. ثُمَّ تنفذ الدمويَّة (٢) في الجميع بعد ستة (٣) أيامٍ أُخَر، فيصير ذلك خمسة عشر يومًا، فتتميزُ الأعضاء الثلاثة - وهي: "القلب"، و"الدِّمَاغ"، و"الكبد" -، وتمتدُّ رطوبة "النُّخَاع"، وذلك يتمُّ باثني عَشَر يومًا، ويصير المجموع سبعةً وعشرين يومًا. ثُمَّ ينفصل "الرأس" عن "المَنْكِبَين"، والأطراف عن "الضُّلُوع"، و"البطن" عن الجَنْبَين، وذلك في تسعة أيامٍ أُخَر، فيصير ستةً وثلاثين يومًا. ثُمَّ يَتِمُّ هذا التمييز بحيث يظهر للحِسِّ ظهورًا بيِّنًا في تمام أربعة أيامٍ، فيصير المجموع أربعين يومًا؛ فيها يُجمَعُ خَلْقُه. وهذا مطابقٌ لقول النبيِّ ﷺ في الحديث المتفق على صحته -: "إِنَّ أحدَكُم يُجْمَعُ خَلْقُه في بَطْنِ أُمِّهِ أربعين يومًا" (٤).

стр. 575

ولقد كَفَى النبيُّ ﷺ بهذا الإجمال عن هذا التفصيل، وهذا يقتضي أنَّ اجتماع خَلْقه وقع في الأربعين الأُولَى، ولا ينافي هذا قوله: "ثُمَّ يكون عَلَقَةً مثل ذلك"، فإنَّه يكون "عَلَقةً" - وهي القطعة من "الدَّم" - قد جُمع فيها خلقُها جمعًا خَفِيًّا (١)، وذلك الخَلْق في ظهور خَفِيٍّ على التدريج، ثُمَّ يكون "مُضْغَةً" أربعين يومًا أخرى، وذلك التخليق يتزايد شيئًا فشيئًا إلى أن يظهر للحِسِّ ظهورًا لا خفاء به كلِّه، و"الرُّوح" لم تتعلَّق به بعد، فإنَّها إنَّما تتعلَّق به في الأربعين الرابعة بعد مائةٍ وعشرين يومًا، كما أخبر به الصادق المصدوق، وذلك ممَّا لا سبيل إلى معرفته إلا بالوحي، إذ ليس في الطبيعة ما يقتضيه، فلذلك حَارَ فُضَلاءُ الأطبَّاء وأذكياءُ الفلاسفة في ذلك، وقالوا: إنَّ هذا ممَّا لا سبيل إلى معرفته إلا بحسب الظنِّ البعيد (٢). قال مَنْ وقَفَ على نهايات كلامهم في ذلك، ودَأَبَ فيه حتَّى مَلَّ (٣) وكَلَّ، وهو صاحب "الطِّبِّ الكبير" (٤)، فذكر مناسباتٍ خياليةٍ ثُمَّ قال: "وحقيقة العلم فيه عند الله تعالى، لا مطمع لأحدٍ من الخلق في الوقوف

стр. 576

عليه". قلت: قد أوقفَنا عليه الصادقُ المصدوق ﷺ الذي لا ينطق عن الهَوَى بما ثبت في "الصحيحين": "إنَّ خَلْقَ أحدِكُم يُجْمَعُ في بطْن أُمِّهِ أربعين يومًا (١)، ثُمَّ يكونُ عَلَقَةً مثل ذلك، ثُمَّ يكون مُضْغَةً مثل ذلك، ثُمَّ يُبْعَثُ إليه المَلَكُ، فينفُخُ فيه الرُّوحَ، ويُؤْمَرُ بأربعِ كلماتٍ (٢): بكَتْبِ رِزْقِهِ، وأجلِه، وعملِه، وشقيٍّ أو سعيدٍ" (٣). فصل ورأيت لبعض الأطبَّاء كلامًا ذكر فيه سبب تفاوت زمن الولادة، فأذْكُرُه وأذْكُرُ ما فيه. قال: إذا تَمَّ خَلْقُ الجَنين مدَّةً مُعيَّنَةً فإنَّها إذا زادت عليها مثلُها تحرَّك الجَنين، فإذا انْضَافَ إلى المجموع مثلاه انفصل الجَنين. قال: فإذا تَمَّ خَلْقُه في ثلاثين يومًا، فإنَّه إذا صار له ستون يومًا تحرَّك، فإذا انضاف إلى الستين مثلاها، صارت مائةً وثمانين يومًا (٤)، وهي ستةُ أشهر، وهي أقلُّ (٥) مُدَّةٍ ينفصل لها الحَمْلُ (٦).

стр. 577

وإذا تَمَّ خَلْقُه في خمسةٍ وثلاثين يومًا تحرَّك لسبعين، وانفصل لسبعة أشهر. وإذا تَمَّ خَلْقُه لأربعين يومًا تحرَّك لثمانين يومًا، وانفصل لثمانية أشهر. وإذا تَمَّ لخمسةٍ وأربعين تحرَّك لتسعين، وانفصل لتسعة أشهرٍ، وعلى هذا الحساب أبدًا. وهذا الذي ذكره هذا القائل يقتضي حركة الجَنين قبل الأربعين (١)، وهذا خطأ قطعًا؛ فإنَّ "الرُّوحَ" إنَّما تتعلَّق به بعد الأربعين الثالثة، وحينئذٍ يتحرَّك، فلا تثبت له حركةٌ قبل مائةٍ وعشرين يومًا، وما يُقَدَّرُ من حركةٍ له قبل ذلك فليست حركةً ذاتيةً اختياريةً، بل لعلها حركةٌ عارِضةٌ بسبب الأغشية والرُّطُوبات. وما ذكره من الحساب لا يقوم عليه دليلٌ ولا تجربةٌ مطَّرِدَةٌ، فَرُبَّما زاد على ذلك أو نقص منه، ولكن الذي نقطع به أنَّ "الرُّوحَ" لا تتعلَّق به إلا بعد الأربعين الثالثة، وما يُقَدَّرُ من حركةٍ قبل ذلك - إنْ صَحَّت - لم تكن بسبب "الرُّوح"، والله أعلم. فصل وأمَّا أَقَلُّ مُدَّةِ الحَمْل فقد تظاهرت الشريعة والطبيعة على أنَّها ستة أشهر، قال تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] وقال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ

стр. 578

كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. قال "جالينوس": "كنتُ شديد الفحص عن مقادير أزمنة الحَمْل، فرأيتُ امرأةً واحدةً ولدت في مائةٍ وأربعٍ وثمانين ليلةً". وزعم صاحب "الشِّفَاء" (١) أنَّه شاهد ذلك. وأَمَّا أكثره فقال في "الشِّفَاء": "بلغني من حيث وَثِقْتُ كُلَّ الثِّقَةِ أنَّ امرأةً وضعَت بعد الرابع من سِنِّ الحَمْل ولدًا قد نبتت أسنانه، وعاش". فصل فإن قيل: فما سبب الإذْكَارِ والإِينَاثِ؟ قيل: الذي نختاره أنَّهُ إنَّما سببه مشيئةُ الرَّبِّ الفاعِل باختياره، وليس له سببٌ طبيعيٌّ، وكلًّ ما ذَكَرَهُ أصحابُ الطبائع من الأسباب فَمُنْتَقِضٌ؛ مثل: حرارة الرَّجُل ورطوبته. قالوا: وفساد المِزَاج - أيضًا - يوجِبُ إيلَادَ الإناث، واستقامته تُوجِبُ الإذْكَار. وكُلُّ هذا تخليطٌ وهذيانٌ؛ فليس للإذْكَار والإينَاث إلا قول الله لِمَلَكِ الأرحام - وقد استأذنَهُ -: "يا ربِّ ذَكَرٌ، يا ربِّ أنثَى، يا ربِّ شقيٌّ أم سعيدٌ، فما الرزقُ؟ فما الأجلُ؟ " (٢). فالإذْكَارُ والإينَاثُ قُرَانَى (٣)

стр. 579

السَّعادة، والشَّقاوة، والرِّزْق، والأجل. فإن قيل: فتلك أيضًا بأسباب؟ قلنا: نعم، ولكن بأسبابٍ بعد الولادة، ولا سبب للإذْكَار والإينَاث قبل الولادة. فإن قيل: فما تصنعون بحديث ثوبان الذي رواه مسلم في "صحيحه" (١): أنَّ يهوديًّا سأل النبيَّ ﷺ عن الولد، فقال: "ماءُ الرَّجُل أبيض، وماءُ المرأة أصفر، فإذا اجتمعا، فعَلَا منيُّ الرَّجُلِ منيَّ المرأةِ أذْكَرَا بإذن الله، وإذا علا منيُّ المرأة منيَّ الرَّجُل آنَثَا بإذن الله"، فقال اليهوديُّ: صدقتَ، وإنَّك لنبيٌّ. قيل: هذا الحديث تفرَّدَ به مسلم في "صحيحه"، وقد تكلَّم فيه بعضهم (٢)، وقال: الظاهر أنَّ الحديث وَهِمَ فيه بعضُ الرواة، وإنَّما كان (٣) السؤال عن الشَّبَهِ، وهو الذي سأله عنه (٤) عبدُ الله بن سَلَام في الحديث المتفق على صحته فأجابه بَسَبْقِ الماء، وأنَّ الشَّبَهَ يكون للسابق. فلعلَّ بعض الرواة انقلب عليه شَبَهُ الولد بالمرأة بكونه أنثى،

стр. 580

وشَبَهُهُ بالوالد (١) بكونه (٢) ذكرًا، لا سيَّما والشَّبَهُ التَّامُّ إنَّما هو بذلك. وقالت طائفة: بل الحديثُ صحيحٌ لا مَطْعَنَ في سنده، ولا منافاة بينه وبين حديث عبد الله بن سَلَام، وليست الواقعة واحدة، بل هما قضيَّتان، ورواية كُلٍّ منهما غير رواية الأخرى، وفي حديث ثوبان قِصَّةٌ ضُبِطَت وحُفِظَت. قال ثوبان: كنتُ قائمًا عند النبيِّ ﷺ ، فجاء حَبْرٌ من أحبار اليهود، فقال: السلام عليك يا محمد. فَدَفَعْتُه دَفْعَةً كادَ يُصْرَعُ منها. فقال لي: لِمَ تدفعني؟ فقلت: ألا تقول يا رسول الله؟ فقال اليهوديُّ: إنَّما ندعوه باسمه الذي سمَّاهُ به أهله. فقال رسول الله ﷺ : "إنَّ اسمي "محمدٌ" الذي سَمَّاني به أهلي"، فقال اليهوديُّ: جئتُ أسألك. فقال رسول الله ﷺ : "أيَنْفَعُكَ شيءٌ إنْ حَدَّثْتُكَ؟ " قال: أسمع بأُذُني. فنَكَتَ رسولُ الله ﷺ بِعُودٍ معه؛ فقال: سَلْ، فقال اليهوديُّ: أين يكون النَّاس يوم تُبْدَّلُ الأرضُ غير الأرض والسماوات؟ فقال رسول الله ﷺ : "هم (٣) في الظُّلْمَةِ دونَ الجِسْر"، قال: فمَنْ أَوَّلُ النَّاس إجازةً؟ قال: "فقراء المهاجرين"، قال اليهوديُّ: فما تُحْفَتُهم حين يدخلون الجنَّة؟ قال: "زِيَادَةُ كَبدِ النُّون"، قال: فما غَدَاؤُهم على إثْرِها؟ قال: "يُنْحَرُ لهم ثور الجنَّة الذَي يأكل (٤) من أطرافها"، قال: فما شرابهم عليه؟ قال: "من عَيْنٍ فيها تُسمَّى سَلْسَبيلا"، قال: صدقتَ. قال: وجئتُ أسألك عن شيء

стр. 581

لا يعلمه أحدٌ إلا نبيٌّ أو رجلٌ أو رجلان، قال: "ينفعُكَ إنْ حدَّثْتُك؟ " قال: أسمع بِأُذُني. قال: جئت أسألك عن الولد؟ قال: "ماءُ الرَّجُل أبيضُ، وماءُ المرأة أصفر. فإذا اجتمعا، فَعَلَا مَنيُّ الرَّجُل مَنيَّ المرأة أذْكَرَا بإذن الله، وإذا عَلا منيُّ المرأة مَنيَّ الرَّجُل آنَثَا بإذن الله"، قال اليهوديُّ: لقد صدقتَ، وإنَّك لنبيٌّ. ثُمَّ انصرف، فذهب، فقال رسول الله ﷺ : "لقد سألني هذا عن (١) الذي سألني عنه، وما لي علمٌ به، حتَّى أتاني (٢) اللهُ به" (٣). وأمَّا حديث عبد الله بن سَلَام ﵁ ففي "صحيح البخاري" عن أنس ﵁ قال: بَلَغَ عبدَ الله بنَ سَلَام مَقْدَمُ رسول الله ﷺ المدينة، فأتاه، فقال: إنِّي سائلك عن ثلاثٍ لا يعلمُهُنَّ إلا نبيٌّ: ما أَوَّلُ أشراط الساعة؟ وما أوَّلُ طعامٍ يأكله أهل الجنَّة؟ ومن أيِّ شيءٍ يَنْزِعُ الولدُ إلى أبيه، ومن أيِّ شيءٍ يَنْزِعُ (٤) إلى أخواله؟ فقال رسول الله ﷺ : "خَبَّرَنِي بِهِنَّ آنفًا جبريلُ" فقال عبد الله: ذاك عَدُوُّ اليهودِ من الملائكة! فقال: "أمَّا أَوَّلُ أشراط الساعة فَنَارٌ تحشُرُ النَّاسَ من المشرق إلى المغرب. وأمَّا أوَّلُ طعامٍ يأكله (٥) أهل الجنَّة فزيادة كبد حوت. وأمَّا الشَّبَهُ في الولد فإنَّ الرَّجُل إذا غَشِيَ المرأةَ فسبَقَها ماؤه كان الشَّبَهُ له، وإذا سَبقَتْ كان الشَّبَهُ لها" قال: أشهد أنَّك رسول الله، وذكر

стр. 582

الحديث (١). فتضمَّن الحديثان أمرين ترتَّب عليهما أَثَران: سَبْقُ الماءِ، وعلوُّهُ. فتأثير السَّبْقِ في الشَّبَه، وثأثير العُلُوِّ في الإذْكَار والإينَاث، فإن اجتمع الأمران ترتَّبَ عليهما (٢) الأثران معًا، وأيُّهما انفرد ترتَّبَ عليه أثره: فإذا سَبَقَ ماءُ الرَّجُل وعَلَا: أذْكَر، وكان الشَّبَهُ له. وإنْ سَبَقَ ماءُ المرأة وعَلَا: آنَثَتْ، وكان الشَّبَهُ لها. وإنْ سَبَقَ ماءُ المرأة؛ وعَلَا ماءُ الرَّجُل: أذْكَرَ، وكان الشَّبَهُ لها. وإنْ سَبَقَ ماءُ الرَّجُل؛ وعَلَا ماءُ المرأةِ: آنَثَتْ، وكان الشَّبَهُ له (٣). ومع هذا كلِّه فهذا جُزْءُ سببٍ ليس بمُوجِب، والسبب المُوجِب مشيئة الله تعالى. قال: فقد يُسَبِّبُ سَبَبِيَّةَ السبب، وقد يرتِّبُ عليه (٤) ضِدَّ مقتضاه، ولا يكون في ذلك مخالفة لحكمته، كما لا يكون تعجيزًا لقدرته.

стр. 583

وقد أشار في الحديث إلى هذا بقوله: "أَذْكَرَا وآنَثَا بإذن الله"، وقد قال تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٥٠)﴾ [الشورى: ٤٩، ٥٠]، فأخبر سبحانه أنَّ ذلك عائدٌ إلى مشيئته، وأنَّه قد يَهَبُ الذكور فقط، والإناث فقط، وقد يجمع للوالِدَيْن بين النَّوعَين معًا، وقد يُخْلِيهِما عنهما معًا، وأنَّ ذلك كما هو راجعٌ إلى مشيئته فهو متعلِّقٌ بعلمه وقدرته. وقد وهَبَ اللهُ آدمَ الذكورَ والإناثَ، وإسرائيلَ الذكورَ دون الإناث، ومحمدًا ﷺ الإناثَ دون الذكور، سوى ولده إبراهيم (١). وقال سليمان ﵇: "لأَطُوفَنَّ الليلة (٢) على سبعين امرأةً،

стр. 584

تأتي كلُّ امرأةٍ منهُنَّ بغلامٍ يقاتل في سبيل الله، فقال له صاحبه: قل إنْ شاء الله، فلم يقُلْ (١)، فطاف عليهنَّ فلم تلد منهنَّ (٢) إلا امرأةٌ واحدةٌ، جاءت بشِقِّ ولدٍ". قال النبيُّ ﷺ : "والذي نفسي بيده لو قال: إنْ شاءَ الله؛ لجاهدوا في سبيل الله فرسانًا أجمعون" (٣)، فدلَّ على أنَّ مجرَّدَ الوَطْءِ ليس بسببٍ تامٍّ وإن كان له مَدْخَلٌ في السببيَّة، وإنَّما السبب التامُّ مشيئة الله وحده، فهو رَبُّ الأسباب؛ المتصرِّفُ فيها كيف شاء، بإعطائها السببيَّة إذا شاء، ومنعِها إيَّاها إذا شاء، وترتيبِ ضدِّ (٤) مقتضاها عليها إذا شاء. والأسباب هي مجاري الشرع والقدر، فعليها يجري أمر الله الكونيُّ والدينيُّ. فإن قيل: فقد ظهر أنَّ الولد مخلوقٌ من الماءين جميعًا، فهل يُخْلَقُ منهما على حَدٍّ سواء، أم يكون بعضُ الولد من ماء الأب، وبعضُه من ماء الأُمِّ؟ قيل: قد بيَّنَ النبيُّ ﷺ هذه المسألة بأوضح البيان، فقال الإمام أحمد (٥) في "مسنده":

стр. 585

حدثنا حسين بن الحسن، حدثنا أَبو كُدَيْنَة (١)، عن عطاء بن السائب، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد الله قال: مرَّ يهوديٌّ برسول الله ﷺ -وهو يحدِّثُ أصحابه، فقالت قريشٌ: يا يهوديُّ؛ إنَّ هذا يزعم أنَّه نبيٌّ، فقال: لأَسألنَّهُ عن شيءٍ لا يعلمه إلا نبيٌّ، فجاء حتَّى جلس، ثُمَّ قال: يا محمد؛ مِمَّ يُخْلَقُ الإنسان؟ فقال: "مِنْ كُلٍّ يُخْلَق: من نطفة الرَّجُل، ومن نطفة المرأة. فأَمَّا نطفة الرَّجُل فنطفةٌ غليظةٌ، منها العَظْمُ والعَصَبُ. وأمَّا نطفة المرأة فنطفةٌ رقيقةٌ، منها اللحم والدَّم"، فقام اليهوديُّ فقال: هكذا كان يقول من قَبْلَك (٢). فصل فإن قيل: قد ذكرتم أنَّ تعلُّقَ "الرُّوح" بالجَنين إنَّما يكون بعد الأربعين الثالثة، وأنَّ خَلْق الجَنين يُجْمَعُ في بطن أُمِّه أربعين يومًا، ثُمَّ يكون "عَلَقةً" مثل ذلك، ثُمَّ يكون "مُضْغَةً" مثل ذلك. وبَيَّنتُم أنَّ كلامَ الأطبَّاء لا يناقض ما صَرَّحَ به الوحي من ذلك. فما تصنعون بحديث حذيفة بن أَسِيدٍ الذي رواه مسلم في "صحيحه" (٣) عن النبيِّ ﷺ قال: "يَدْخُلُ المَلَكُ على النُّطْفَة بعدما تستقرُّ في الرَّحِم بأربعين، أو

стр. 586

خمسٍ وأربعين ليلة، فيقول: أَيْ رَبِّ أشقيٌّ أم سعيدٌ؟ فيكتبان، فيقول: أي رَبِّ، أَذَكَرٌ أو أنثى؟ فيكتبان، ويُكْتَبُ عملُه، وأَثَرُه، وأَجَلُه، ورزْقُه، ثُمَّ تُطْوَى الصحيفة، فلا يُزَادُ فيها ولا يُنْقَصُ"؟ قيل: نتلقَّاهُ بالقبول والتصديق، وترك التحريف، ولا ينافي شيئًا ممَّا ذكرناه، إذ غاية ما فيه أنَّ هذا التقدير وقع بعد الأربعين الأُولَى، وحديث ابن مسعود يدلُّ على أنَّه وقع بعد الأربعين الثالثة، وكلاهما حقٌّ؛ فإنَّ هذا تقديرٌ بعد تقدير: فالأوَّل: تقديرٌ (١) عند انتقال "النُّطْفَة" إلى أوَّل أطوار التخليق التي هي أوَّل مراتب الإنسان، وما قبل ذلك فلم يتعلَّق بها التخليق (٢). والتقدير الثاني: تقديرٌ عند كمال خلقه ونفخ "الرُّوح". فذاك تقديرٌ عند أوَّل خَلْقه وتصويره، وهذا تقديرٌ عند تمام خَلْقه وتَصَوُّرِه. وهذا أحسن من جواب من قال: إنَّ المراد بهذه الأربعين - التي في حديث حذيفة - الأربعينُ الثالثة! وهذا بعيدٌ جدًّا من لفظ الحديث، ولفظه يَأْبَاهُ كلَّ الإباء، فتأمَّلْهُ (٣).

стр. 587

فإن قيل: فما تصنعون بحديثه الآخر الذي في "صحيح مسلم" (١) - أيضًا - عن عامر بن واثلة، أنَّه سمع عبد الله بن مسعود ﵁ يقول: "الشَّقِيُّ من شَقِيَ في بطن أُمِّه، والسعيدُ من وُعِظَ بغيره"، فأتى رجلًا من أصحاب النبيِّ ﷺ يقال له حذيفة بن أَسِيدٍ الغِفَاري، فحدَّثه بذلك من قول ابن مسعود، فقال: وكيف يَشْقَى رجلٌ بغير عملٍ؟ فقال له الرَّجُل: أتعجب من ذلك؟ فإنِّي سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إذا مَرَّ بالنطفة ثِنْتَان وأربعون ليلةً بَعَثَ اللهُ إليها ملكًا فصوَّرَها، وخَلَقَ سمعَها، وبَصَرَها، وجِلْدَها، ولَحْمَها، وعظَامَها، ثُمَّ قال: يا رَبِّ أَذَكَرٌ أم أنثى؟ فيقضي ربُّك ما شاء، ويكتب المَلَكُ، ثُمَّ يخرج المَلَكُ بالصحيفة في يده، فلا يزيد على ما أُمِرَ ولا يُنْقِص". وفي لفظ آخر في "الصحيح" (٢) - أيضًا -: سمعتُ رسول الله ﷺ بأُذُنَيَّ هاتين يقول: "إِنَّ النطفةَ تقعُ في الرَّحِم أربعين ليلةً، ثُمَّ يَتَسَوَّرُ عليها المَلَكُ الذي يَخْلُقُها (٣)، فيقول: يا رَبِّ أَذَكَرٌ أو أنثى؟ ثُمَّ يقول: يا رَبِّ أَسَوِيٌّ أو غيرُ سَوِيِّ؟ فيجعله الله سَوِيًّا أو غيرَ سَوِيٍّ، ثُمَّ يقول: يا رَبِّ ما رزقه؟ وما أجله؟ وما خلقه؟ ثُمَّ يجعله الله شقيًّا أو سعيدًا". وفي لفظ آخر في "الصحيح" (٤) - أيضًا -: "أنَّ مَلَكًا موكَّلًا بالرَّحِم

стр. 588

إذا أراد اللهُ أنْ يَخْلُقَ شيئًا بإذن الله لبِضْعٍ وأربعين ليلةً" ثُمَّ ذكر نحوه. قيل: نتلقاه - أيضًا - بالتصديق والقبول، وترك التحريف. وهذا يوافق ما أجمع عليه الأطبَّاء أن مبدأ التخليق والتصوير بعد الأربعين. فإن قيل: فكيف التوفيق بين هذا وبين حديث ابن مسعود، وهو صريحٌ في أنَّ "النُّطْفَةَ" أربعين يومًا نطفةٌ، ثُمَّ أربعين يومًا "عَلَقةٌ"، ثُمَّ أربعين "مُضْغَةٌ"، ومعلومٌ أنَّ "العَلَقَةَ" و"المُضْغَةَ" لا صورة فيهما (١)، ولا جلد، ولا لحم، ولا عظم. وليس بنا حاجةٌ إلى التوفيق بين حديثه هذا وبين قول الأطبَّاء؛ فإنَّ قولَ النبيِّ ﷺ معصومٌ، وقولُهم عُرْضَةُ الخطأ، ولكنَّ الحاجة إلى التوفيق بين حديثه وحديث حذيفة المتقدِّم؟ قيل: لا تنافي بين الحديثين بحمد الله، وكلاهما خارجٌ من مشكاةٍ صادقةٍ معصومةٍ. وقد ظنَّ طائفةٌ أنَّ التصوير في حديث حذيفة إنَّما هو بعد الأربعين الثالثة، قالوا: وأكثر ما فيه التعقيب بـ "الفاء"، وتعقيب كلِّ شيءٍ بحَسَبه، وقد قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج: ٦٣]، بل قد قال تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ [المؤمنون: ١٤]، وهذا تعقيبٌ بحسب ما يصلح له المَحَلُّ، ولا يلزم أن يكون الثاني عقيب الأوَّل تعقيب اتصال. وظنَّت طائفةٌ أخرى أنَّ التصويرَ والتخليقَ الذي في حديث

стр. 589

حذيفة هو في التقدير والعلم، والذي في حديث ابن مسعود في الوجود الخارجيِّ. والصواب (١) ما دلَّ عليه الحديث؛ من أنَّ ذلك في أوَّل (٢) الأربعين الثانية. ولكن هاهنا تصويران (٣): أحدهما: تصويرٌ خفيٌّ لا يظهر للبشر، وهو تصويرٌ تقديريٌّ، كما يُصَوِّر من يُفَصِّلُ الثوبَ أو يَنْجُرُ البابَ مواضعَ القطع والتفصيل، فَيُعَلِّمُ عليها، ويصنع (٤) مواضع الفصل والوصل. وكذلك كلُّ (٥) من يصنع صورةً في مادَّةٍ، لا سيَّما مثل هذه الصورة التي ينشأ فيها التصوير والتخليق على التدريج شيئًا بعد شيءٍ، لا وَهْلَةً واحدةً، كما يشاهَدُ بالعِيَان في تخليق الطائر (٦) في البيضة. فهاهنا أربع مراتب: أحدها: تصويرٌ وتخليقٌ علميٌّ، لم يخرج إلى الخارج. الثانية: مبدأ تصويرٍ خفيٍّ، يعجز الحِسُّ عن إدراكه. الثالثة: تصويرٌ يناله الحِسُّ ولكنه لم يَتِمَّ بعد.

стр. 590

الرابعة: تمام التصوير الذي ليس بعده إلا نفخ "الرُّوح". فالمرتبة الأُولَى علميَّةٌ، والثلاث الأُخَر خارجيَّةٌ عينيَّةٌ. وهذا التصويرُ بعد التصوير نظيرُ التقديرِ بعد التقدير: فإنَّ (١) الرَّبَّ - تعالى - قدَّرَ مقادير الخلائق تقديرًا عامًّا قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألفَ سنةٍ (٢)، وهناك كُتبت السعادةُ، والشقاوةُ، والأعمالُ، والأرزاقُ، والآجالُ. الثاني: تقديرٌ بعد هذا وهو أخصُّ منه، وهو التقدير الواقع عند القَبْضَتين، حين قَبَضَ ﵎ أهلَ السعادة بيمينه وقال: "هؤلاء للجَنَّة، وبعمل أهل الجَنَّة يعملون"، وقَبَضَ أهلَ الشقاوة باليد الأخرى وقال: "هؤلاء للنَّار، وبعمل أهل النَّار يعملون" (٣).

стр. 591

الثالث: تقديرٌ بعد هذا، وهو أخصُّ منه عندما يقضي (١) به،

стр. 592

[كما] (١) في حديث حذيفة بن أَسِيد المذكور. الرابع: تقديرٌ آخر بعد هذا، وهو عندما يتمُّ خَلْقُه ويُنفَخُ فيه "الرُّوح"، كما صرَّح به [الحديث] (٢) الذي قبله. وهذا يدلُّ على سعة علم الرَّبِّ ﵎، وإحاطته بالكُلِّيَّات والجزئيَّات. وكذلك التصوير الثاني مطابقٌ للتصوير العلمي، والثالث مطابقٌ للثاني، والرابع مطابقٌ للثالث؛ وهذا ممَّا يدلُّ على كمال قدرة الرَّبِّ ، ومطابقة مقدوره لمعلومه، فتبارك الله رَبُّ العالمين، وأحسنُ الخالقين. ونظير هذا التقدير الكتابةُ العامَّة قبل المخلوقات، ثُمَّ كتابة ما يكون من العام إلى العام في ليلة القدر، وكلُّ مرتبةٍ من هذه المراتب تفصيلٌ لما (٣) قبلها وتنويعٌ (٤). وكلام رسول الله ﷺ يصدِّقُ بعضُه بعضًا، ويفسِّرُ بعضُه بعضًا، ويطابق الواقع في الوجود ولا يخالفه. وإنَّما يُخبر بما لا يستقلُّ الحِسُّ ولا العقل بإدراكه، لا بما يخالف الحِسَّ والعقل. وأمَّا ما يعرفه النَّاس ويستقلُّون بإدراكه على أمرٍ عينيٍّ يتعلَّق به الإيمان، أو على حكمٍ شرعيٍّ يتعلَّق به التكليف (٥)، والله أعلم.

стр. 593

فصل فإن قيل: أيُّ عُضْوٍ يتخلَّقُ أوَّلًا قبل سائر الأعضاء؟ قيل: قد اختُلِف في ذلك على أربعة أقوال: أحدها: أنَّه "القلب"، وهذا قول الأكثرين. والثاني: أنَّه "الدِّماغ" و"العَينَان"، وهو قول "بقراط". والثالث: أنَّه "الكبد"، وهو قول: محمد بن زكريا (١). والرابع: أنَّه "السُّرَّة"، وهو قول جماعةٍ من الأطبَّاء. قال أصحاب "القلب": لا نشكُّ أنَّ في "المَنِيِّ" قوَّةً رُوحِيَّةً، وبسبب تلك القوَّة يستعد (٢) أن يكون إنسانًا، وحاجته إلى "الرُّوح" الذي هو مادَّة القوى أشدُّ، فلا بدَّ أن يكون لذلك "الرُّوح" مَجْمَعٌ خاصٌّ، منه ينبعث إلى سائر الأعضاء. فالجوهر الروحيُّ أوَّلُ شيءٍ يَنْهَزُ (٣) من

стр. 594

"المَنِيِّ"، ويجتمع في موضعٍ واحدٍ، ويحيط به ما يتصل إليه ذلك الجوهر الروحيُّ من جميع الجوانب، فيجب أن يكون مجمعها (١) هو الوَسْط، وسائر الأجزاء تحيطُ به، وذلك الكَبِدُ (٢) هو "القلب". قالوا: ولأنَّ تمامَ البدن موقوفٌ على الحرارة الغريزيَّة، والعضو الذي هو مَنْبع الحرارة الغريزيَّة التي (٣) بها قِوَام (٤) البدن لا بدَّ أن يكون متقدِّمًا (٥) على العضو الذي هو مَنْبع القوَّة الغَاذِيَة التي بها ينمو وهو "القلب" (٦). قالوا: ولأنَّ أفعالَ القوى إنَّما تتمُّ بـ "الرُّوح"، وهي لا بدَّ لها من متعلَّقٍ تتعلَّقُ به، ولا بدَّ أن يتقدَّمَ متعلَّقُها عليها؛ وهو "القلب". قالوا: وهذا هو الأَنْسَبُ والأَلْيَقُ بحكمة الرَّبِّ تعالى، فإنَّ "القلب" مَلِكُ سائر الأعضاء، وهي جنودٌ له (٧) وخَدَمٌ، فإذا صَلَح "القلب" صَلَحت جنوده، وإذا فَسَدَ فَسَدَت، وقد أشار النبيُّ ﷺ في

стр. 595

الحديث الصحيح إلى ما يرشد إلى ذلك فقال: "إنَّ في الجسد مُضْغَةً إذا صلَحَت صَلَح الجسدُ كلُّه، وإذا فَسَدَت فَسَدَ الجسدُ كلُّه، ألا وهي القلب" (١). فما أَوْلَى هذه المُضْغَة أن تكون متقدِّمةً في وجودها على سائر الأعضاء، وسائرها تبعٌ لها في الوجود، كما هي تبعٌ لها في الصلاح والفساد. قالوا: وقد شاهد (٢) أصحاب التشريح في "المَنِيِّ" عند انعقاده نقطةً (٣) سوداء في وَسْطه. قال أصحاب "الدِّماغ": شاهدنا "الفِرَاخَ" في البيض (٤) أوَّل ما يتكوَّن منها رؤوسُها، وسُنَّةُ الله في تكوُّن (٥) الأجِنَّة في "الأرحام" كذلك. قالوا: ولأنَّ "الدِّماغ" مجمعُ الحواسِّ، ورئيس البدن، وأشرفه. قالوا: وهذه سُنَّةُ الله في بروز الجَنين، أوَّل ما يبدو منه إلى الوجود رأسُهُ. قال أصحاب "الكبد": لما كان "المَنِيُّ" محتاجًا إلى قوَّةٍ غَاذِيةٍ

стр. 596

تزيد في جوهره حتَّى يصير بحيث يمكن أن تُكَوَّنَ الأعضاءُ فيه؛ كان أوَّلَ الأعضاء وأسبَقَها إليه هو مَحَلُّ القوَّة الغَاذِية؛ وهو "الكبد". قال أصحاب "السُّرَّة": حاجة الجَنِين إلى جَذْب الغذاء أشدُّ من حاجته إلى آلات قِوَاه وإدراكه، ومن "السُّرَّة" يَثِجُّ (١) الغذاء. وأَوْلَى هذه الأقوال القولُ الأوَّل. ومرتبةُ (٢) "القلب" وشَرَفُهُ ومنزلتُه ومَحَلُّه الذي وضَعَهُ الله به يقتضي أنَّه المبدوءُ به قبل سائر الأعضاء، المتقدِّمُ عليها بالوجود. والله أعلم (٣). فصل فإن قيل الجَنِينُ قبل نفخ "الرُّوح" فيه، هل كان فيه حركةٌ وإحساسٌ أم لا؟ قيل: كان فيه حركة النُّمُوِّ والاغتذاء كالنَّبات، ولم تكن له حركة الحِسِّ (٤) والإرادة، فلمَّا نُفِخَت فيه "الرُّوح" انضمَّت حركة حِسِّهِ وإرادته إلى حركة نُموِّه واغتذائه. فإن قيل: قد ثبت أنَّ الولد يتخلَّقُ من ماء الأبوين، فهل يتمازجا

стр. 597

ويختلطا (١) حتَّى يصيرا ماءً واحدًا، أو يكون أحدهما هو المادَّة والآخر بمنزلة "الإِنْفَحَة" (٢) التي تعقده؟ قيل: هو موضعٌ اختلف فيه أرباب الطبيعة: فقالت طائفةٌ منهم: "مَنِيُّ" الأب لا يكون جزءًا من الجَنين، وإنَّما هو مادَّة "الرُّوح" الساري في الأعضاء، وأجزاءُ البدن كلُّها من "مَنِيِّ" الأُمِّ. ومنهم من قال: بل هو ينعقد من "مَنِيِّ" الأُمِّ (٣)، ثُمَّ يتحلَّلُ ويفسد. قالوا: ولهذا كان الولدُ جزءًا من أُمِّه، ولهذا جاءت الشريعة بتَبَعِيَّتِه لها في الحُرِّيَّةِ والرِّقِّ. قالوا: ولهذا (٤) لو نَزَا فَحْلُ رَجُلٍ على حِجْرَةِ (٥) آخر فأَوْلَدَها؛ فالولدُ لمالك الأُمِّ دون مالك الفَحْل؛ لأنَّه تكوَّنَ من أجزائها وأحشائها ولحمها ودمها، وماءُ الأب بمنزلة الماء الذي يسقي الأرض.

стр. 598

قالوا: والحِسُّ يشهدُ أنَّ الأجزاء التي في المولود من أُمِّه أضعافُ أضعافِ الأجزاء التي فيه من أبيه. فثبت أن تكوينه من "مَنِيِّ" الأُمِّ، ودَمِ الطَّمْثِ، و"مَنِيُّ" الأب عاقدٌ له كالإنْفَحَة. ونازعهم الجمهور وقالوا: إنَّه يتكوَّنُ من "مَنِيِّ" الرَّجُل والأُنثى، ثُمَّ لهم قولان: أحدهما: أنَّه يتكوَّنُ من "مَنِيِّ" الذَّكَر أعضاؤه وأجزاؤه؛ ومن "مَنِيِّ" الأُنثى صورته. والثاني: أنَّ الأعضاءَ والأجزاءَ والصورةَ تكوَّنت من مجموع الماءَين، وأنَّهما امتزَجَا واختلَطَا وصارَا ماءً واحدًا. وهذا هو الصواب (١)؛ لأنَّا نجد الصورة والتشكيل تارةً إلى الأب، وتارةً إلى الأُمِّ. والله أعلم. وقد دلَّ على هذا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ [الحجرات: ١٣]. والأصل هو الذَّكَر، فمنه البَذْر، ومنه السَّقْي. والأُنثى وعاءٌ ومستودَعٌ لولده، تُرَبِّيه في بطنها كما تُرَبِّيه في حَجْرها. ولهذا كان الولدُ للأبِ حكمًا ونسبًا. وأمَّا تبعيته للأُمِّ في الحُرِّيَّة والرِّقِّ فلأَنَّهُ إنَّما تكوَّنَ وصار ولدًا في

стр. 599

بطنها، وغذَّتْهُ لبانها، مع الجُزْء الذي فيه منها. وكان الأبُ أحقَّ بنَسَبِه وتعصيبه؛ لأنَّه أصله، ومادَّته، ونسخته (١). وكان أشرفهما دينًا أَوْلَى به؛ تغليبًا لدين الله وشرعه. فإن قيل (٢): فهَلَّا طردَّتم هذا وقلتم: لو سَقَطَ بَذْرُ رَجُلٍ في أرض رَجُلٍ (٣) آخر، يكون الزَّرْع لصاحب الأرض دون مالك البَذْر؟ قيل: الفرق بينهما أنَّ البَذْر مالٌ مُتَقَوَّمٌ نَبَتَ (٤) في أرض آخر، فهو لمالكه، وعليه أجرة الأرض، أو هو بينهما. بخلاف "المَنِيِّ"؛ فإنَّه ليس بمالٍ، ولهذا نَهَى الشارعُ عن المعاوضة عليه (٥). واتفق الفقهاء على أنَّ الفَحْلَ لو نَزَا على رَمَكَةٍ (٦) لكان الولد لصاحب الرَّمَكَة (٧).

стр. 600

فصل فإن قيل: فهل يتكوَّنُ الجَنِينُ من ماءَين وَوَاطِئَين؟ قيل: هذه المسألةُ شرعيَّةٌ كونيَّةٌ، والشَّرْعُ فيها تابعٌ للتكوين. وقد اختُلِف فيها شَرْعًا وقَدَرًا: فمنعت ذلك طائفةٌ وأَبَتْهُ كلَّ الإباء، وقالت: الماء إذا استقرَّ في "الرَّحِم" اشتملَ عليه، وانضمَّ غاية الانضمام، بحيث لا يبقى فيه مقدار رَسْم رأس إبرة إلَّا انْسَدَّ (١)، فلا يمكن انفتاحه بعد ذلك لماءٍ ثانٍ، لا من الواطئ، ولا من غيره. قالوا: وبهذا أجرى اللهُ العادةَ؛ أنَّ الولد لا يكون إلَّا لأبٍ واحدٍ، كما لا يكون إلَّا لأُمٍّ واحدةٍ. وهذا هو مذهب الشافعي (٢).
следующие страницы →