← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 18337

التبيان في أيمان القرآن - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (721 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

تزيد في جوهره حتَّى يصير بحيث يمكن أن تُكَوَّنَ الأعضاءُ فيه؛ كان أوَّلَ الأعضاء وأسبَقَها إليه هو مَحَلُّ القوَّة الغَاذِية؛ وهو "الكبد". قال أصحاب "السُّرَّة": حاجة الجَنِين إلى جَذْب الغذاء أشدُّ من حاجته إلى آلات قِوَاه وإدراكه، ومن "السُّرَّة" يَثِجُّ (١) الغذاء. وأَوْلَى هذه الأقوال القولُ الأوَّل. ومرتبةُ (٢) "القلب" وشَرَفُهُ ومنزلتُه ومَحَلُّه الذي وضَعَهُ الله به يقتضي أنَّه المبدوءُ به قبل سائر الأعضاء، المتقدِّمُ عليها بالوجود. والله أعلم (٣). فصل فإن قيل الجَنِينُ قبل نفخ "الرُّوح" فيه، هل كان فيه حركةٌ وإحساسٌ أم لا؟ قيل: كان فيه حركة النُّمُوِّ والاغتذاء كالنَّبات، ولم تكن له حركة الحِسِّ (٤) والإرادة، فلمَّا نُفِخَت فيه "الرُّوح" انضمَّت حركة حِسِّهِ وإرادته إلى حركة نُموِّه واغتذائه. فإن قيل: قد ثبت أنَّ الولد يتخلَّقُ من ماء الأبوين، فهل يتمازجا

стр. 597

ويختلطا (١) حتَّى يصيرا ماءً واحدًا، أو يكون أحدهما هو المادَّة والآخر بمنزلة "الإِنْفَحَة" (٢) التي تعقده؟ قيل: هو موضعٌ اختلف فيه أرباب الطبيعة: فقالت طائفةٌ منهم: "مَنِيُّ" الأب لا يكون جزءًا من الجَنين، وإنَّما هو مادَّة "الرُّوح" الساري في الأعضاء، وأجزاءُ البدن كلُّها من "مَنِيِّ" الأُمِّ. ومنهم من قال: بل هو ينعقد من "مَنِيِّ" الأُمِّ (٣)، ثُمَّ يتحلَّلُ ويفسد. قالوا: ولهذا كان الولدُ جزءًا من أُمِّه، ولهذا جاءت الشريعة بتَبَعِيَّتِه لها في الحُرِّيَّةِ والرِّقِّ. قالوا: ولهذا (٤) لو نَزَا فَحْلُ رَجُلٍ على حِجْرَةِ (٥) آخر فأَوْلَدَها؛ فالولدُ لمالك الأُمِّ دون مالك الفَحْل؛ لأنَّه تكوَّنَ من أجزائها وأحشائها ولحمها ودمها، وماءُ الأب بمنزلة الماء الذي يسقي الأرض.

стр. 598

قالوا: والحِسُّ يشهدُ أنَّ الأجزاء التي في المولود من أُمِّه أضعافُ أضعافِ الأجزاء التي فيه من أبيه. فثبت أن تكوينه من "مَنِيِّ" الأُمِّ، ودَمِ الطَّمْثِ، و"مَنِيُّ" الأب عاقدٌ له كالإنْفَحَة. ونازعهم الجمهور وقالوا: إنَّه يتكوَّنُ من "مَنِيِّ" الرَّجُل والأُنثى، ثُمَّ لهم قولان: أحدهما: أنَّه يتكوَّنُ من "مَنِيِّ" الذَّكَر أعضاؤه وأجزاؤه؛ ومن "مَنِيِّ" الأُنثى صورته. والثاني: أنَّ الأعضاءَ والأجزاءَ والصورةَ تكوَّنت من مجموع الماءَين، وأنَّهما امتزَجَا واختلَطَا وصارَا ماءً واحدًا. وهذا هو الصواب (١)؛ لأنَّا نجد الصورة والتشكيل تارةً إلى الأب، وتارةً إلى الأُمِّ. والله أعلم. وقد دلَّ على هذا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ [الحجرات: ١٣]. والأصل هو الذَّكَر، فمنه البَذْر، ومنه السَّقْي. والأُنثى وعاءٌ ومستودَعٌ لولده، تُرَبِّيه في بطنها كما تُرَبِّيه في حَجْرها. ولهذا كان الولدُ للأبِ حكمًا ونسبًا. وأمَّا تبعيته للأُمِّ في الحُرِّيَّة والرِّقِّ فلأَنَّهُ إنَّما تكوَّنَ وصار ولدًا في

стр. 599

بطنها، وغذَّتْهُ لبانها، مع الجُزْء الذي فيه منها. وكان الأبُ أحقَّ بنَسَبِه وتعصيبه؛ لأنَّه أصله، ومادَّته، ونسخته (١). وكان أشرفهما دينًا أَوْلَى به؛ تغليبًا لدين الله وشرعه. فإن قيل (٢): فهَلَّا طردَّتم هذا وقلتم: لو سَقَطَ بَذْرُ رَجُلٍ في أرض رَجُلٍ (٣) آخر، يكون الزَّرْع لصاحب الأرض دون مالك البَذْر؟ قيل: الفرق بينهما أنَّ البَذْر مالٌ مُتَقَوَّمٌ نَبَتَ (٤) في أرض آخر، فهو لمالكه، وعليه أجرة الأرض، أو هو بينهما. بخلاف "المَنِيِّ"؛ فإنَّه ليس بمالٍ، ولهذا نَهَى الشارعُ عن المعاوضة عليه (٥). واتفق الفقهاء على أنَّ الفَحْلَ لو نَزَا على رَمَكَةٍ (٦) لكان الولد لصاحب الرَّمَكَة (٧).

стр. 600

فصل فإن قيل: فهل يتكوَّنُ الجَنِينُ من ماءَين وَوَاطِئَين؟ قيل: هذه المسألةُ شرعيَّةٌ كونيَّةٌ، والشَّرْعُ فيها تابعٌ للتكوين. وقد اختُلِف فيها شَرْعًا وقَدَرًا: فمنعت ذلك طائفةٌ وأَبَتْهُ كلَّ الإباء، وقالت: الماء إذا استقرَّ في "الرَّحِم" اشتملَ عليه، وانضمَّ غاية الانضمام، بحيث لا يبقى فيه مقدار رَسْم رأس إبرة إلَّا انْسَدَّ (١)، فلا يمكن انفتاحه بعد ذلك لماءٍ ثانٍ، لا من الواطئ، ولا من غيره. قالوا: وبهذا أجرى اللهُ العادةَ؛ أنَّ الولد لا يكون إلَّا لأبٍ واحدٍ، كما لا يكون إلَّا لأُمٍّ واحدةٍ. وهذا هو مذهب الشافعي (٢).

стр. 601

وقالت طائفةٌ: بل يتخلَّقُ من ماءَين فأكثر. قالوا: وانضمامُ "الرَّحِم" واشتمالُه على الماء لا يمنع قبوله الماءَ الثاني، فإنَّ "الرَّحِمَ" أَشْوَقُ (١) شيءٍ وأَقْبَلُه "للمَنِيِّ". قالوا: ومثال ذلك مثال "المعدة"، فإنَّ الطعام إذا استقرَّ فيها انضمَّت عليه غاية الانضمام، فإذا ورد عليها طعامٌ فوقه انفتحت له، لشوقها (٢) إليه. قالوا: وقد شَهِدَ بهذا القائفُ بين يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطَّاب ﵁ في ولدٍ ادَّعاهُ اثنان، فنظر إليهما وإليه، وقال: "ما أراهما إلا اشتركا فيه". فوافقه عمر ﵁ وألحقه بهما (٣).

стр. 602

ووافقه على ذلك الإمام أحمد (١)، ومالك (٢) ﵄.

стр. 603

قالوا: والحِسُّ، يشهدُ بذلك، كما نرى في جِرَاءِ (١) الكلبةِ والسِّنَّوْرِ، تأتي بها مختلفة الألوان لتعدُّدِ آبائها. وقد قال النبيُّ ﷺ : "من كان يؤمنُ بالله واليوم الآخر فلا يسقي ماءَهُ زَرْعَ غيرِهِ" (٢)، يريد وَطْءَ الحامل من غير الواطئ. قال الإمام أحمد: "الوَطْءُ يزيد في سمع الولد

стр. 604

وبصره" (١). هذا بعد انعقاده؛ وعلى هذا مسألةٌ فقهيَّةٌ، وهي: لو أَحْبَلَ أَمَةَ غيره بنكاحٍ أو زنىً، ثُمَّ مَلَكَها؛ هل تصير أُمَّ ولدٍ له؟ فيها أربعة أقوالٍ للفقهاء (٢)، وهي روايات عن الإمام أحمد (٣): أحدها: لا تصير أُمَّ ولدٍ؛ لأنَّها لم تَعْلَق بالولد في ملكه. والثاني: تصير أُمَّ ولدٍ؛ لأنَّها وضعت في ملكه. والثالث: إن وضعت في ملكه صارت أُمَّ ولدٍ، وإن وضعت قبل أن يملكها لم تصر (٤)؛ لأنَّ الوضع والإحبال كان في غير ملكه. والرابع: أنَّهُ إنْ (٥) وطئها بعد (٦) أن ملكها صارت أُمَّ ولدٍ، وإلا فلا؛ لأنَّ الوطء يزيد في خِلْقَة الولد، كما قال الإمام أحمد: "الوطء يزيد في سمع الولد وبصره". وهذا أرجح الأقوال.

стр. 605

وقد ثبت عن النبيِّ ﷺ أنَّه مَرَّ بامرأةٍ مُجِحٍّ على باب فُسطاطٍ، فقال: "لعلَّ سيِّدَها يريد أنْ يُلِمَّ بها، لقد هَمَمْتُ أن أَلْعَنَهُ لعنًا يدخل معه قبره، كيف يُورِّثُه وهو لا يَحِلُّ له (١)؟ كيف يستعبدُه (٢) وهو لا يَحِلُّ له (٣)؟! " (٤). و"المُجِحُّ": الحاملُ المُقْرِبُ. وقوله: "كيف يُورِّثه" (٥)، أي: يجعل (٦) الولد تركةً مورَّثةً عنه كأنَّه (٧) عبدُه، ولا يحلُّ له ذلك؛ لأنَّه قد صار فيه جزءٌ من أجزائه بوطئه، وكيف يجعله عبدَهُ، وهو لا يحلُّ له ذلك (٨)؟

стр. 606

فهذا دليلٌ على أنَّ وَطْء الحامل يزيد في الأجزاء، وقد دلَّت المشاهدةُ على أنَّ الحامل إذا وُطِئت كثيرًا جاء الولد عَبْلًا (١) ممتلئًا، وإذا هُجِر وطؤها جاء الولد ضئيلًا ضعيفًا. فهذه أسرارٌ شرعيَّةٌ موافقةٌ للأسرار الطبيعيَّة، مبنيَّةٌ عليها. والله أعلم. فإن قيل: فهل يمكن أن يُخْلَقَ من الماء الواحد (٢) ولَدَان في بطنٍ واحدٍ؟ قيل: هذه مسألة "التَّوْأَم"، وهو ممكن، بل قد وقع، وله أسباب: أحدها: كثرة "المَنِيِّ"، فيفيضُ (٣) إلى بطن "الرَّحِم" دُفُعَاتٍ، و"الرَّحِمُ" يعرض له عند الحركة الجاذبة (٤) "للمَنِيِّ" حركاتٌ اختلاجيَّةٌ مختلفةٌ، فَرُبَّما اتَّفَق أنْ كان الجاذب (٥) للدفعة الأولى من "المَنِيِّ" أحد جانبيه، وللثانية الجانب الآخر. ومنها: أنَّ بيت الأولاد في "الرَّحِم" فيه تجاويف، فيكون "المَنِيُّ" كثيرًا، فيَفْضُل عن أحدها فَضْلَةٌ يشتمل عليها التجويف الثاني، وهكذا الثالث.

стр. 607

قال أرسطو: "وقد يعيش للمرأة خمسةُ أولادٍ في بطنٍ واحدٍ". وحَكَى عن امرأةٍ أنَّها وضعت في أربع بطونٍ عشرين ولدًا. قال صاحب "القانون" (١): "سمعت بـ "جُرْجَان" أنَّ امرأةً أسقطت كيسًا فيه سبعون صورةً، كلُّ صورةٍ (٢) صغيرةٌ جدًّا". قال أرسطو: "وإذا أَتْأَمَتْ بذكرٍ وأُنثى فقلَّما تَسْلَمُ الوالدةُ والمولود، وإذا أَتْأَمَتْ بذكرين أو أُنثيين فتَسْلَمُ كثيرًا". قال: "والمرأة قد تَحْبَلُ على الحَبَلِ، ولكن يهلك الأوَّل في الأكثر، فقد أسقطت امرأةٌ واحدةٌ اثني عشر جنينًا، حَمْلًا على حَمْلٍ. وأمَّا إذا كان الحَمْلُ واحدًا، أو بعد وضع الأوَّل: فقد يعيشان". والله أعلم. فصل فإن قيل: فما السبب المانع للحامل من الحيض غالبًا. قال الإمام أحمد وأبو حنيفة: إنَّ ما تراه من "الدَّم" يكون دم فسادٍ لا حيض. والشافعيُّ وإنْ قال إنَّه دمُ حيضٍ - وهو إحدى الروايتين عن عائشة - فلا ريب أنَّه نادرٌ بالإضافة إلى الأغلب؟

стр. 608

قيل: دم الطَّمْثِ ينقسم إلى ثلاثة أقسام: ١ - قسمٌ ينصرف إلى غذاء الجَنين. ٢ - وقسمٌ يصعد إلى البدن. ٣ - وقسمٌ يَحْتَبِسُ إلى وقت الوَضْع، فيخرج مع الولد، وهو "دَمُ النِّفَاس". ورُبَّما كانت مادَّةُ "الدَّم" قويَّةً - وهو كثيرٌ - فيخرج بعضُه؛ لقوَّته وكثرته. والراجح من الدليل أنَّه حيضٌ، حكمُهُ حكمُهُ، إذ ليس هناك دليلٌ عقليٌّ ولا شرعيٌّ يمنع من كونه حيضًا، واستيفاء الأدلَّة من الجانبين قد ذكرناه في موضعٍ آخر (١). والله أعلم. فإن قيل: فما السبب في أنَّ النِّساءَ الحُبَالَى يَشْتَقْنَ في الشهر الثاني والثالث إلى تناول الأشياء الغريبة التي لم تَعتَد بها طباعُهُنَّ؟ قيل: لأنَّ دم الطَّمْثِ لمَّا احتُبِسَ فيهنَّ بحكمةٍ قدَّرها الله - سبحانه - وهي صَرْفُه غذاءً للولد، ومقدار ما يحتاج إليه يسير، فتدفعه الطبيعة الصحيحة إلى فم "المَعِدَة"، فتحدث لهنَّ شهوة تلك الأشياء الغريبة.

стр. 609

فإن قيل: فكيف وَضْعُ الجَنين في بطن أُمِّهِ: أقائمًا، أم قاعدًا، أم مضطجِعًا؟ قيل: هو معتمِدٌ بوجهه على رجليه، وبراحتيه على ركبتيه، ورجلاه مضمومةٌ إلى قُدَّامه (١)، ووجهه إلى ظهر أُمِّه. وهذا من العناية الإلهيَّة به؛ أن أَجْلَسَهُ هذه الجِلْسَة في هذا المكان الضيِّق، فهو في "الرَّحِم" على الشكل الطبيعي. وأيضًا؛ فلو كان رأسُهُ إلى أسفل لوقع ثِقَلُ الأعضاء الخسيسة على الأعضاء الشريفة، وأدَّى ذلك إلى تَلَفِهِ. ولأنَّه عند محاولة الخروج إذا انقلب أعَانَهُ ثِقَلُه على الخروج، فإنَّه إذا خرَجَ أوَّلَ ما يخرُجُ منه رأسُهُ؛ لأنَّ "الرأس" إذا خرج أوَّلًا كان خروج سائر الأعضاء بعده سهلًا، ولو خرج على غير هذا الوجه لكان فيه تَعْوِيقٌ وعُسْرٌ. فإنَّ "الرجْلَين" لو خَرَجَتَا أوَّلًا انْعَاقَ خروج الباقي؛ فإنَّهُ إنْ خرجت "الرِّجْلُ" الواحدة أوَّلًا انْعَاقَ عند الثانية، وإن خرجتا معًا انعاق عند "اليدين"، وإن خرجت "اليدان" و"الرجْلَان" انعاق عند "الرأس"، فكان يلتوي إلى خلف وتلتوي "السُّرَّةُ" إلى"العُنُق" فيألم "الرَّحِم"، ويصعب (٢) الخروج، ويؤدِّي إلى مَرَضِهِ أو تَلَفِهِ. فإن قيل: فما سبب الإجْهَاض - الذي يسمُّونه "الطَّرْح" - قبل كمال الولد؟ قيل: الجَنين في "البَطْن" بمنزلة الثمرة في الشجرة، وكلٌّ منهما له

стр. 610

اتصالٌ قويٌّ بالأُمِّ، ولهذا يصعب قطع الثمرة قبل كمالها من الشجرة وتحتاج إلى قوَّة، فإذا بلغت الثمرة نهايتها سَهُلَ قَطْعُها، ورُبَّما سقطت بنفسها؛ وذلك لأنَّ تلك الرِّبَاطَات والعُرُوق التي كانت تُمِدُّها من الشجرة كانت في غاية القوَّة، فتوفر (١) لغذاء آخر، رجع ذلك الغذاء إلى الشجرة فَضَعُفَت تلك الرِّبَاطات (٢) والمجاري، وساعدها ثِقَلُ الثمرة، فسَهُلَ أخذها. وكذا الأمر في الجَنين، فإنَّه ما دام في "البَطْن" قبل كماله واستحكامه، فإنَّ رطوباته وأغشيته ورباطاته (٣) تكون مانعةً (٤) له من السقوط، فإذا تمَّ وكَمُلَ ضَعُفَت تلك الرِّبَاطات (٥)، وانْهَتَكَت الأغشيةُ، واجتمعت تلك الرُّطُوبات المُزْلِقَة؛ فسقط الجَنين. هذا الأمر الطبيعي الجاري على استقامة الطبيعة وسلامتها. وأمَّا السقوط قبل ذلك فلفسادٍ في الجَنين، أو لفسادٍ في طبيعة الأُمِّ، أو لِضَعْف الطبيعة. كما تسقط الثمرة قبل إدراكها لفسادٍ يعرض لها، أو لِضَعْف الأصل، أو لفساد يعرض من خارج. فإسقاط الجَنين لسببٍ من هذه الأسباب الثلاثة، فالآفات التي تصيب الأَجِنَّة بمنزلة الآفات التي تصيب الثمار. فإن قيل: فكيف فَمُ (٦) "الرَّحِم" مع ضِيقه يتَّسع

стр. 611

لخروج (١) ما هو أكبر منه بأضعافٍ مضاعفةٍ؟ قيل: هذا من أعظم الأدلَّة على عناية الرَّبِّ - تعالى - وقدرته ومشيئته، فإنَّ "الرَّحِم" لا بدَّ أن ينفتح الانفتاحَ العظيمَ جدًّا. قال غير واحدٍ من العقلاء: ولا بدَّ من انفصالٍ يعرض للمفاصل العظيمة، ثُمَّ تلتئم بسرعةٍ (٢) أسرع من لَمْح البصر. وقد اعترف فضلاءُ الأطبَّاء وحُذَّاقُهم بذلك، وقالوا: لا يكون ذلك إلا بعنايةٍ إلهيَّةٍ، وتدبيرٍ تعجز العقول عن إدراكه، وتُقِرُّ للخلَّاق العليم بكمال الربوبيَّة والقدرة. فإن قيل: فما السبب في بكاء الصبيِّ حال خروجه إلى هذه الدار؟ قيل: هاهنا سببان: سببٌ باطنٌ أخبر به (٣) الصادق المصدوق، لا يعرفه الأطبَّاء. وسبب ظاهرٌ. فأمَّا السبب الباطن؛ فإنَّ الله - سبحانه - اقتضت حكمته أن وكَّلَ بكلِّ واحدٍ من أولاد آدم شيطانًا، فشيطان هذا المولود قد حُبِس (٤) ينتظر خروجه ليقارنه ويتوكَّلَ به، فإذا انفصل استقبله الشيطان وطعنه في خاصرته، تحرُّقًا عليه وتغيُّظًا، واستقبالًا له بالعداوة التي كانت بين الأبوين قديمًا، فيبكي المولود من تلك الطعنة. ولو آمن زنادقةُ الأطبَّاء والطبائعيين بالله ورسوله لم يجدوا عندهم ما يبطل ذلك ولا يردُّه.

стр. 612

وقد ثبت في "صحيح مسلم" (١) عن أبي هرِيرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "صياحُ المولود حين يقع نَزْغَةٌ من الشيطان". وفي "الصحيحين" من حديثه - أيضًا - قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من مولودٍ يولد إلا نَخَسَهُ الشيطانُ، فيستهِلُّ صارخًا من نَخْسَة (٢) الشيطان، إلا ابنَ مريمَ وأُمَّه" (٣). وفي لفظٍ آخر: "يمسُّهُ حين يولد، فيستَهِلُّ صارِخًا من مَسِّ الشيطان إيَّاهُ" (٤). وفي لفظٍ آخر: "كلُّ بني آدم يمسُّهُ الشيطانُ يوم ولدته أُمُّه، إلا مريمَ وابنَها" (٥). وفي لفظٍ للبخاري (٦): "كلُّ بني آدم يَطْعَنُ الشيطانُ في جَنْبه (٧) بإصْبَعِه حين يولد، غير عيسى ابن مريم، ذهب يطعن فَطَعَنَ في الحِجَاب".

стр. 613

والسبب الظاهر - الذي لا يُخْبِر الرُّسُل بأمثاله لِرُخْصِهِ (١) عند النَّاس، ومعرفتهم له من غيرهم - هو مفارقته للمَأْلَفِ (٢) والعادةِ التي كان فيها إلى أمرٍ غريبٍ، فإنَّه ينتقل من جسمٍ حارٍّ إلى هواءٍ باردٍ، ومكانٍ لم يَأْلَفْهُ، فيستوحش من مفارقته وَطَنَهُ ومَأْلَفَهُ. وعند أرباب الإشارات أنَّ بكاءَهُ إرهاصٌ (٣) بين يدي ما يلاقيه من الشدائد والآلام والمخاوف، وأنشدوا في ذلك: ويَبْكِي بها المولودُ حتَّى كأنَّهُ … بكُلِّ الذي يلْقَاهُ فيها يُهَدَّدُ وإلَّا؛ فما يُبْكِيهِ فيها، وإنَّها … لأَوْسَعُ مِمَّا كانَ فيهِ وأَرْغَدُ؟ (٤) ولهم نظير هذه الإشارة في قبض كَفِّهِ عند خروجه إلى الدنيا، وفي فتحها عند خروجه منها، وهو الإشارة إلى أنَّهُ خرج إليها مركَّبًا على الحِرْصِ والجَمْع (٥)، وفَارَقَها صِفْر اليدين منها، وأنشدوا في ذلك:

стр. 614

وفي قَبْضِ كَفِّ الطِّفْل عند وِلَادِهِ … دليلٌ على الحِرْصِ الذي هو مالكُهْ وفي فَتْحِها عندَ المَمَاتِ إشارةٌ … إلى فُرْقَةِ المالِ الذي هو تاركُهْ (١) ولهم نظير هذه الإشارة في بكاء الطفل عند خروجه، وضَحِكِ مَنْ حوله، وأنَّ الأمر سيُبَدَّلُ ويصير إلى ما يُبْكي مَنْ حوله عند موته، كما ضحكوا عند ولادته، وأنشدوا في ذلك: أَنَسِيتَ إذْ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ باكيًا (٢) … والنَّاسُ حولَكَ يضحكونَ سُرورَا فَاعْمَلْ لَعَلَّكَ أنْ تكونَ إذا بَكَوا … في يومِ مَوْتِكَ ضاحِكًا مسرورَا (٣) ونظير هذه الإشارة - أيضًا - قولهم: إنَّ المولود حين ينفصل يَمُدُّ يَدَهُ إلى فِيهِ، إشارةً إلى تعجيل نُزُلِهِ (٤) عند القدوم بأنَّه ضيفٌ (٥)، ومن تمام إكرامه تعجيل قِرَاهُ (٦)، فأشارَ بِلِسَان الحال إلى ترك التأخير، ورُبَّما

стр. 615

مَصَّ إصْبَعَهُ إشارةً إلى نهاية فَقْرِهِ، وأنَّه بلَغَ منه إلى مَصِّ الأصابع، ومنه قول النَّاس لِمَنْ بلَغَ به الفقرُ غايته: "هو يَمُصُّ أصابِعَهُ". ويَهْوِي إلى فِيهِ يَمُصُّ بَنَانَهُ … يُطَالِبُ بالتعجيلِ خَوفَ التشَاغُلِ ويُعْلِمُهُم: إنِّي فقيرٌ وليس لي … من القُوتِ شيءٌ غيرُ مَصِّ أَنَامِلي ونظير هذه الإشارة أنَّه يُحْدِثُ حالَ ولادته، يقول بلسان الحال: لا تُنْكِرُوا إحدَاثَ من استفتح بالحَدَثِ في دار الحَدَث (١)، كذلك كنتم من قبل، وليس العَجَبُ ممَّن أحدَثَ؛ بل العجَبُ ممن يُطَهَّرُ من الحَدَث. ويُحْدِثُ بين الحاضِرين إشارةً … إلى أنَّهُ من حادِثٍ ليس يُعْصَمُ يقول: وعندِي بعدَ ذِي أخواتُها … وما منكُمُ إلَّا وذُو العَرْشِ أَرْحَمُ ونظير هذه الإشارة أنَّه يضحك بعد الأربعين، وذلك عندما يتعقَّلُ نَفْسَهُ الناطِقَةَ ويدركُها، وفي ذلك قِصَاصٌ من البكاء الذي أصابه عند ولادته. وتأخَّرَ بعده؛ لئلَّا يَيْأَس (٢) العبدُ إذا أصابته شدَّةٌ، فالفَرَجُ كامِنٌ بِطَيِّهَا في آثارها. ويَضْحَكُ بعدَ الأربعين إشارةً … إلى فَرَجٍ وَافَاهُ بعدَ الشَّدَائدِ يقولُ: هي الدنيا، فَتُبْكِيكَ مرَّةً … وتُضْحِكُ أخرى، فاصْطَبِرْ للعوائِدِ

стр. 616

قالوا: ويرى المنامات بعد ستين يومًا من ولادته، ولكن ينساها لِضَعْف القوَّةِ الحافظة، وكثرة الرُّطُوبات. وفي ذلك لُطْفٌ به - أيضًا - لضَعْفِ (١) قلبه عن التفكر فيما (٢) يراه. ويرى بعَيْنِ القلبِ - إذ تأتي له … ستون يومًا - رؤيةَ الأحلامِ لكنَّهُ ينْسَاهُ بَعْدُ لضَعْفِهِ … عن ضَبْطِهِ في يَقْظَةٍ ومَنَامِ فصل ولمَّا تكامَلَ "للنُّطْفة" أربعون يومًا فاستَحْكَمَ نُضْجُها، وعقَدَتْها حرارةُ "الرَّحِم"؛ استعدَّت لحالةٍ هي أكملُ من الأُولَى، وهي الدمُ الجامد (٣) الذي يشبه "العَلَقَة"، ويَقْبَلُ الصورةَ ويحفظُها بانعقادها وتماسُكِ أجزائها. فإذا تَمَّ لها أربعون استعدَّت لحالةٍ هي أكمل من الحالتين قبلها، وهي صيرورتها لحمًا أَصْلَبَ من "العَلَقَة"، وأقوى وأحفظ "للمُخِّ" (٤) المُودَعِ فيها، واللحمِ الذي هو كِسْوَتُها، والرِّبَاطَاتِ (٥) التي تُمسك أجزاءه، وتشدُّ بعضَها إلى بعضٍ، و"الكبدِ" الذي يأخذ صَفْوَ الغذاء فيرسله إلى سائر الأعضاء، وإلى "الشَّعْر" و"الظُّفُر". و"الأمعاءِ" التي هي

стр. 617

مجاري وصول الطعام والشراب إلى "المَعِدَة"، و"العُرُوقِ" التي هي مجاري تَنْفِيذِه وإيصالِه إلى سائر أجزاء البدن، و"المَعِدَةِ" التي هي خِزَانةُ الطعام والشراب، وحافظته لمستحقِّيه. و"القَلْبِ" الذي هو منبع الحرارة، ومعدِن الحياة، والمستولي على مملكة البدن. و"الرئةِ" التي هي (١) تُرَوِّحُ عن البدن، وتفيده الهواء البارد الذي به حياته، و"اللِّسَانِ" الذي هو بريدُ "القلبِ" وترجمانُه ورسولُه، و"السَّمْع" الذي هو (٢) صاحب أخباره، و"البصر" الذي هو طليعته ورائده، والكاشِفُ له عمَّا يريد كَشْفه. و"الأعضاءِ" التي هي خَدَمُهُ وخَوَلُهُ (٣): فـ "الرِّجْلانِ" تسعى في مصالحه، و"اليَدانِ" تبطشُ في حوائجه، و"الأسنانُ" تُفَصِّل قُوْتَه وتقطِّعُه، و"الأَضْرَاسُ" تطحنُه، و"الرِّيقُ" يعجِنُه، والحرارةُ تُنْضِجُه، و"المَعِدَةُ" تُجَزِّئُه، و"الكبدُ" تَجْذِبُه (٤)، و"العُرُوقُ" تُوصِلُه إلى أربابه، و"الذَّكَرُ" آلةُ نَسْلِه، و"الأُنْثَيانِ" خزانةُ مادَّةِ النَّسْل. فـ "الكبدُ" للغذاء وقِسْمَتِه، وهي في الحيوان بمنزلة شِرْش (٥) الشجر والنَّبَات، تجذب الغذاء. وترسله إلى جميع الأجزاء، وآلاتُ الغذاء خَدَمٌ لها. و"القلب" للأرواح التي بها حياة الحيوان، وآلات التَّنَفُّسِ خَدَمٌ

стр. 618

له. و"الدِّمَاغ" مَعْدِنُ الحِسِّ والتصوُّرِ، والحَوَاسُّ خَدَمٌ له (١). و"الأُنْثَيان" مَعْدِنٌ للتناسل، و"الذَّكَرُ" خادِمٌ لهما. وهذه الأعضاء هي رأس أعضاء البدن. فصل وأمَّا آلاتُ الغذاء فثلاثةُ أقسام: ١ - آلةٌ تَقْبَلُ الغذاء وتُصْلِحُه، وتَقْذِفُه (٢) وتفرِّقُه، وتُرْسِلُه إلى جميع البدن. ٢ - وآلةٌ تقبل فَضَلاته. ٣ - وآلةٌ تُعِينُ في إخراج ثُفْلِه (٣)، وما لا منفعة في بقائه. فأمَّا الآلات القابلة (٤) للغذاء (٥) فهي: "الفَمُ"، و"المَرِيءُ"، و"البطنُ"، و"الكبِدُ"، و"العُرُوقُ" الموصِلةُ إلى "الكبد"، و"العُرُوقُ" الموصِلةُ منها إلى البدن.

стр. 619

فصل وأمَّا الآلات القابلة (١) للفضلات: فـ "المَرَارَةُ" تقبل ما لَطُفَ منها (٢). و"الطِّحَالُ" يقبل كثيفها (٣). و"الكُلَى" و"المَثَانةُ" تقبلان المتوسِّطَ. و"الكبدُ" موضوعةٌ في الجانب الأيمن، وتأخذ يسيرًا إلى الجانب الأيسر. وهذا لحكمةٍ بديعةٍ؛ وهي أنَّ "القلبَ" إلى الجانب الأيسر أقرب، وهو مَعْدِنُ الحَارِّ الغريزيِّ، فَنُحِّيَتْ (٤) عنه "الكبدُ" قليلًا، لئلَّا يتأذَّى بحرارتها. وجُعِلَ في أوعية الغذاء قوىً خادمةٌ له؛ فـ "الفَمُ" مع كونه يقطع الغذاء ويطْحَنُه: يُحِيلُهُ ويُغَيِّرُهُ، و"المريءُ" مع كونه مَنْفَذًا إلى "المعدة": يغيِّرُهُ تغييرًا ثانيًا، و"المعدةُ" مع كونها خزانةً حافظةً له: تُنْضِجُهُ وتطبخُهُ، فتغيِّرُه تغييرًا ثالثًا، وتَهْضِمُه، وتُبقي منه ما لا يصلح منه، فتخرِجُه، وتدفَعُهُ إلى مَخْرَج الثُّفْلِ، فإنَّ الطعام إذا استقرَّ في "المعدة" اشتَمَلَت عليه (٥)، وانضمَّتْ غاية الانضمام، ثُمَّ أَنْضَجَتْهُ بحرارتها، ثُمَّ تتولَّاهُ "الكبد" وتشتمل عليه، وتقلِبُهُ دمًا خالصًا، ثُمَّ تَقْسِمُه على جميع

стр. 620

الأعضاء قِسْمَةَ عَدْلٍ لا جَورَ فيها ولا حَيفَ. ولمَّا كانت "المعدةُ" حوضَ البدن الذي تَرِدُهُ أجزاءُ البدن من كلِّ ناحيةٍ؛ اقتضت الحكمةُ الإلهيَّةُ جَعْلَها مُفَرْطَحَةً (١) في وَسْطِهِ. وخالص الغذاء (٢) يتأدَّى إلى "الكبد" من شُعَبٍ كثيرةٍ، ويجتمع في موضعٍ واحدٍ واسع يُسمَّى: "باب الكبد". وجميع "العُرُوق" التي تتصل بـ "المعدة" و"الأمعاء" و"الطِّحَال" تجتمع وترتقي (٣) إلى "باب الكبد". وفي "المعدة" قوَّةُ بُخَارٍ (٤) تَجْذِبُ الموافق، وتَنْفِي (٥) المخالف المُنَافي الذي عَجزت قُوَّةُ "المعدة" عنه. ثُمَّ إنَّ "الكبد" تصفِّيه وتُنَقِّيه بعد اجتذابه مرةً أخرى، وتنفي عنه غير الموافق. وقد أعدَّ الصانعُ الحكيمُ - سبحانه - لتنقية "الدَّمِ" من "الكبد" ثلاثة خُدَّامٍ فارِهِين (٦)، قائمين بالمرصاد بلا كَسَلٍ ولا فُتُورٍ، وقد وضعَ كُلَّ واحدٍ منها في المكان الأَلْيَقِ (٧) به، ونَصَبَهُ نصبةً (٨) بها يكون أمكن من

стр. 621

عمله. ولمَّا استقرَّ الغذاءُ في "المعدة" وطَبَخَتْهُ وأَنْضَجَتْهُ صارت فضلاتُه ثلاثة: ١ - فَضْلَةٌ كالدُّرْدِيِّ (١) الرَّاسِبِ. ٢ - وفَضْلَةٌ كالرَّغْوَةِ والزَّبَدِ الطافي. ٣ - وفَضْلَةٌ مائية. فجعل كلَّ خادِمٍ من هذه الخُدَّامِ (٢) الثلاثةِ على فَضْلَةٍ لا يتعدَّاها إلى الأخرى، ليجذبها من مجرى خادِمِ الفَضْلة الخفيفة الطافية؛ وهي "الصُّفْرَة" و"المَرارةُ". ونَصَبَها الرَّبُّ - تعالى - فوق "الكبد"؛ لأنَّ المُجْتَذَبَ هو الفَضْلة الطافية، ومكانها فوق مكان الدُّرْدِيِّ الرَّاسِب. وخادم الفَضْلة التي هي كالدُّرْدِيِّ الرَّاسِب: "الطِّحَال"، ونَصَبَهُ الخلَّاقُ العليمُ أسفل من "باب الكبد"، حيث كان ما يجتذبه من أسفل. ولم يكن في الجانب الأيمن؛ لأنَّ "المعدة" قد شَغَلَتْ ذلك الجانب، وكان الجانب الأيسر خاليًا فلم تَعْدُه. فإذا نُقِّيَ (٣) "الدَّمُ" من هاتين الفَضْلتين خَدَمَهُ الخادِمُ الثالث وهو

стр. 622

"الكبد"، وقد بقي أحمر، نَقِيَّ اللَّونِ، مُشْرِقًا نورانيًّا. ويصل إليها من عِرْقٍ عظيمٍ يسمَّى: "الأَجْوَف"، ثُمَّ يُوزَّعُ من هناك على جهتي البدن: العليا، والسُّفْلى؛ في رواضِعَ كثيرة العَدَد، ما بين كبيرٍ، وصغيرٍ، ومتوسِّطٍ، كلها تتصل بالعرق "الأَجْوَف" وتَمْتَارُ (١) منه، وما دام "الدَّمُ" في هذا العِرْق ففيه مائيةٌ غير محتاجٍ إليها؛ لأنَّها كانت مَرْكَب الغذاء، فلمَّا أوصلته إلى مستقرِّه استغنى عنها، فاحتاج - ولا بدَّ - إلى إخراجِها ودفعِها، ولو لم يبادر إلى ذلك أضرَّتْ به، فخلق الله - سبحانه - "الكُلْيَتين" تمتصَّان هذه الفَضْلَة بعُنُقَين طويلين كالأنبوبين، ويفرغانها في "المَثانة" بِعِرْقَين آخَرَين، ووضَعَهما - سبحانه - أسفل من "الكبد" قليلًا، حيث يكون أمكن لتخليص المائية كما تُرَوَّقُ (٢) العُصَارات. وأمَّا "المَرَارَةُ" فوَضَعَها اللهُ - سبحانه - فوق "الكبد"؛ لأنَّها بمنزلة السِّفِنْجَة أو القُطْنَة التي يُقْطَف (٣) بها الدُّهْن عن وجه الرُّطُوبات. وأمَّا "الطِّحَال" فوَضَعَها أميل إلى أسفل؛ لأنَّه بمنزلة ما يجتذِبُ الأشياءَ المَصُونةَ إذا رَسَبَت. فصل إذا انْتُقِيَ (٤) "الدَّمُ" من هذه الفُضُولِ كلِّها، وعَمِلَتْ فيه

стр. 623

هذه (١) الخَدَمُ بِقُوَاها التي أودعها [الله] (٢) فيها هذا العمل، وأَصْلَحَتْهُ هذا الإصلاح = عَمِلَ مَلِكُ الأعضاء والجوارح - وهو "القلب" - فيه عملًا آخر، فقَصَدَهُ (٣) بحرارةٍ أخرى هي أقوى من حرارة "الكبد". فصل وجعل - سبحانه - في "المعدة" أربعَ قُوىً: ١ - قوَّةٌ جاذِبةٌ للملائم. ٢ - وقوَّةٌ مُنْضِجَةٌ له. ٣ - وقوَّةٌ مُمْسِكَةٌ له. ٤ - وقوَّةٌ دافِعةٌ للفَضْلة المستغنَى عنها منه. ورئيس هذه القُوى هي: القوَّةُ المُنْضِجَةُ، وسائرها خَدَمٌ لها. وخُصَّت "المعدةُ" عن سائر الأعضاء بأن أُودع فيها قوَّةٌ تحسُّ بالعَوَزِ والنُّقصان، وخاصيَّةُ فَمِها تنبيه (٤) الحيوان على تناول الغذاء عند الحاجة. وأمَّا سائر الأعضاء فإنَّها تتغذَّى بالبَتَات (٥) باجتذاب

стр. 624

الملائم إليها. ولمَّا احتاجت "المعدة" إلى قوَّةِ حِسٍّ بالعَوَز، ولم يكن ذلك إلا من معدن الحواسِّ - وهو "الدِّماغ" - أتاها "روح العَصَبِ" وهو عظيمٌ، فأنبَتَ أكثَره في فَمِها وما يليه، ومن باقيه مستقيمًا حتَّى بلغ قَعْرها. فإن قيل: فما الحكمة في أنْ باعَدَ - سبحانه - بين "المعدة" وبين "الفم"، وجعل بينهما مجْرَىً طويلًا وهو "المَرِيء"، وهلَّا اتَّصَلَت "المعدة" بـ "الفَمِ"، واستَغْنَت عن "المَرِيء"؟ قيل: هذا من تمام حكمة الخالق، وفيه منافع كثيرة: ١ - منها أن يحصل للغذاء تغيُّرٌ ما في طُول (١) المَجْرَى، فَيَلْطُفَ قبل وصوله إليها. ٢ - ومنها بُعْدُه عن آلة التنفُّس، لئلَّا تعوقه وتعوق الصوت والكلام. ٣ - ومنها أن لا تنقلب "المعدة" إلى خارجٍ عند شدَّةِ الجوع، كما يعْرِض ذلك للحيوان الشَّرِهِ إذا كان قصير العُنُقِ. فإن قيل: فَلِمَ كانت إلى الجانب الأيسر أميل منها إلى الجانب الأيمن؟ قيل: ليتَّسِعَ المكان على "الكبد" ولا ينحصر. فإن قيل: فهلَّا كانت مستقيمةً في وَضْعِها (٢)، بل مَالَ أسفلُها إلى

стр. 625

الجانب الأيمن؟ قيل: ليتَّسِعَ المكان على "الطِّحَال"، حيث كان أخفض موضعًا من "الكبد". فإن قيل: فلِمَ جُعِلَت مستطيلةً مدوَّرَةً، وجُعِلَت ممَّا يلي الصُّلْب مسطَّحةً؟ قيل: لمَّا وضعَها اللهُ - سبحانه - بين "الكبد" و"الطِّحَال" جعلها مستطيلةً، وكانت مستديرةً لِيَتَّسِعَ الموضع (١) للطعام وللشراب، وكان أسفلُها أوسعَ من أعلاها لذلك، وجعل لها مدخلًا وهو "المَرِيء"، ومخرجًا يسمَّى: "البوَّاب". وجعل "البوَّاب" أضيق من "المَرِيء"؛ لأنَّ ما تبتلعه يكون أصْلَب وأخْشَن ممَّا تُخْرِجُه، فجعل مَدْخَلَ الداخل أوسع من مَخْرَج الخارج لانطباخه في "المعدة" وَلِينِه. ولِحِكَمٍ أُخرى: ١ - منها أن لا يَزِلَّ الطعام والشراب منه قبل نُضْجِه وانطباخِه (٢). ٢ - ولتقوى "المعدة" على حَبْسِه. ٣ - وليخرج أوَّلًا فأوَّلًا، لا دَفْعةً واحدةً. و"المريءُ" يتَّسع بالتدريج حتَّى يبلغ "المعدة"، ولذلك يُظَنُّ أنَّه جزءٌ منها. وأمَّا "البوَّاب" فإنَّ الجزء الضيق منه يتَّصِلُ بأسفلها الذي هو أوسعها، ثُمَّ يتَّسع على التدريج ليسهُلَ (٣) خروجُ الفَضْلة.

стр. 626

فصل و"الكبد" مُنْطَبِقَةٌ على "المعدة"، مَكْبُوبةٌ (١) عليها بزوائدها لِتُسْخِنَها، و"الطِّحَالُ" يُسْخِنُها من الجانب الأيسر، و"الصُّلْبُ" يُسْخِنُها من خَلْف، و"الترائبُ" من قُدَّامِها. و"الترائبُ" مؤلَّفَةٌ من طبقتين رقيقتين، تنطبق إحداهما على الأخرى بشحمٍ كثيرٍ، وهو غِشاءُ "الأمعاء" كلِّها ولباسُها، ثُمَّ غُشِّيَ "البطنُ" كلُّه بغشاءٍ واحدٍ يقي "الأحشاء"، ويمنع من انتفاخ (٢) "المعدة" و"الأمعاء" بالرِّيَاح، ويربط جملة آلات الغذاء. ولم يُجْعَل في "الكبد" تجويفٌ كتجويفي "القلب"؛ لتحتوي على الدم احتواءً مُمَكَّنًا، وتُحِيلَه إحالةً بليغةً. و "للكبد" ثلاثُ شبكاتٍ (٣) من "العُرُوق": ١ - شبكةٍ بينها وبين "المعدة" و"الأمعاء". ٢ - وشبكةٍ في مَفْرَغِها. ٣ - وشبكةٍ في مَجْذَبِها. فالشبكة الأُولى تجذب الغذاء وتُحِيلُه بعد الإحالة. وفي الشبكة الثانية يصير "دمًا". وفي الشبكة الثالثة يزداد صفاءً وترويقًا.

стр. 627

و"للكبد" بـ "القلب" و"الدِّمَاغ" اتصالٌ بِشَطَنَةٍ (١) من العَصَب خَفِيَّةٍ، كنسيج العنكبوت. ولمَّا كانت النَّفْسُ المُغَذِّيَةُ (٢) بمنزلة حيوانٍ عافٍ (٣) وَحْشيٍّ - وكلُّ جسم يموتُ فلا بدَّ أن تتصل به هذه النَّفْس وتَغْذُوه -، بخلاف النَّفْس المُفَكِّرة التي مَحَلُّها "الدِّمَاغ"، وبخلاف النَّفْسِ الغَضَبِيَّةِ التي مَحَلُّها "القلب"، فالنَّفْسُ المُفَكِّرةُ تستعين بالنَّفْسِ الغَضَبِيَّةِ على تلك النَّفْس الحَيَوانيةِ العافيةِ (٤) الوحشيَّةِ = اقتضت حكمةُ الخالِقِ أن وَصَلَ بين مَحَالِّ هذه الأنفس الثلاثة وشُعَبِها؛ ليُذْعِنَ بعضُها لبعض. ولا تُنْكِر تسميةَ هذه القُوى: نُفُوسًا، فليس الشأنُ في التسمية، فأنت تجد فيك نفسًا حيوانيَّةً تطلب الطعام والشراب، ونفسًا مُفَكِّرةً سلطانُها على التصوُّرِ والعلم والشُّعُور، ونفسًا غَضَبِيَّةً سلطانُها على الغضب والإرادة، وتَصَرُّفَ (٥) كلِّ واحدةٍ منها فيما جُعِلَت إليه،

стр. 628

وبعضها عَونٌ لبعض. فمَحَلُّ النَّفْس الحيوانيَّة: "الكبد"، ومَحَلُّ النَّفْس المفكِّرة: "الدِّمَاغ"، ومَحَلُّ الغضبيَّة: "القلب". فصل وتأمَّل الحكمةَ في أنْ جُعِلَت صِفَاقَاتُ (١) عروق "الكبد" أَرَقَّ من صِفَاقَات سائر عروق البدن، لتَنفُذَ إلى "الكبد"؛ فَيَروُقُ جوهر "الدَّم" بسرعة، وهي مع ذلك غير محتاجةٍ إلى الوقاية؛ لأنَّ "الكبد" تَحُوزُها بلحمها، وإنَّما وُضِعَت مجاري "المِرَّةِ الصَّفْراء" بعد "العُرُوق" التي تصعد بالغذاء من "المعدة"، وقبل "العُرُوق" التي تأخذ "الدَّم" منها (٢)؛ لأنَّ هذا الموضع هو بين موضع كمال الطبخ وبين انتقاله إلى "العِرْق الأَجْوَف"، وحينئذٍ يمكن انفصال "المِرَّةِ" عن "الدَّم". وجُمعت "العُرُوقُ" كلُّها إلى عِرْقٍ واحدٍ هو "الباب"، ثُمَّ عادت فتقَسَّمَت في مَقْعَر (٣) "الكبد"، ثُمَّ عادت فجُمِعَت في مَجْذِبِها إلى عِرْقٍ واحدٍ وهو "الأَجْوَف"؛ لتجيد بقسمتها إنْضَاجَ ما تحتوي عليه، ولئلَّا يَنْفُذَ بسرعةٍ، وكذلك كلُّ موضعٍ احتيج فيه إلى طول مُكْثِ المادَّةِ هُيِّءَ (٤)

стр. 629

بقاؤها فيه بطُولِ مَسْلَكِها، وكثرة تَعَاوِيجه (١)، كما فُعِل في مجاري "المَنِيِّ"، وشبكة "الدِّمَاغ". وهذا شأن "العُرُوق الجَوَاذِب". وأمَّا شأنُ "العُرُوق الضَّوَارِب" فبالعكس من ذلك، فإنَّها جُمِعَت في مَقْعَر "الكبد" دون مَجْذِبِها؛ لأنَّه موضع "الدَّم"، وحاجته إلى التغذية بالحرارة ماسَّةٌ. قال "جالينوس": "ولا تُقَسَّم "العُرُوق الضَّوَارب" في مَجْذِبٍ يعلم الخالقُ - سبحانه - أنَّ جَذْبَةَ "الكبد" تتحرَّكُ دائمًا بمجاورة "الحِجَاب" (٢)، فيقوم لها ذلك مقام حركة "العُرُوق الضَّوَارب". وجُعلت هذه "العُرُوق الضَّوَارب" دِقَاقًا (٣)؛ لأنَّها إنَّما وُضِعَت لترويح "الكبد" لا لتغذيتها، ولا لإيصال "رُوحٍ" إليها، إذ ليس بـ "الكبد" حاجةٌ إلى قبول "رُوحٍ" حيوانيٍّ كبيرٍ، ولا يحتاج لحمُها [إلَّا] (٤) إلى غذاءٍ لطيفٍ بخاريٍّ". فصل وأَحْرَزَ الصانعُ - سبحانه - موضعَ "الكبد" ووَضْعَها، بأن رَبَطَها

стр. 630

بـ "المعدة" و"الأمعاء" كلِّها بـ "العُرُوق"، وبالغِشَاء الممدود على "البطن" الذي يَشُدُّ جميعها. وَوصَل بها رِبَاطَاتٍ من جميع النواحي، وغشاؤها الرابط لها يتصل بـ "الحِجَاب" برباطٍ قويٍّ. ورباط "الكبد" بـ "الحِجَاب" ثخينٌ (١) صُلْبٌ وثيقٌ؛ لأنَّ "الكبد" مُعَلَّقةٌ به، وهو أَصْلَبُ من غشاء "الكبد" لشدَّة الحاجة إلى صلابته؛ لأنَّه يَحْرِزُ "الكبدَ" و"العِرْقَ الأَجْوَفَ" الذي متى نالته آفةٌ مات الحيوان، كما تهلك أغصان الشجرة إذا أصاب ساقَها آفةٌ. وجعل أَدَقَّ هذا الرِّبَاط (٢) من خَلْف؛ لشَدِّهِ بـ "العظام"، وأغلظَهُ من قُدَّام حيث لا "عظام" هناك تقيه. وهذا من شِدَّة "الأَسْر" الذي قال الله - تعالى - فيها: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ [الإنسان: ٢٨]، أي: شَدَّ أوصالَهم بالرِّبَاطات المُحْكَمة، وجَمَعَ خَلْقَهم بعضه إلى بعض. ولمَّا كان "الحِجَابُ" آلةً شريفةً للنَّفَس؛ بُوعِدَ عن العُضْوَين المُجَاوِرَين له - وهما "المعدة" و"الكبد" - بمقدار حاجته، لئلَّا يَزْحَمَاهُ ويَعُوقَاهُ عن فعله، فَبُوعِدَت "المعدةُ" عنه بطُول مجراها. فصل وأمَّا "الطِّحَال"؛ فبعضهم يقول: إنَّه لا نفع فيه، وإنَّما شُغِلَ المكان به لئلَّا يبقى فارغًا، فيميل أَحَدُ شِقَّي البدن بِثِقَل "الكبد"، فجُعِلَ موازنًا "للكبد".

стр. 631

قلت: وهذا غلطٌ من وجه، وصوابٌ من وجه: فأمَّا الصواب؛ فمن الحِكَم العجيبة جَعْلُ "الطِّحَال" في الجانب الأيسر على موازنة "الكبد"؛ لئلَّا يميل الشِّقُّ الأيمن بها. ولا يمكن أن تقوم "المعدةُ" بموازنة "الكبد"؛ لأنَّها (١) - دائمًا - تمتلئ (٢) وتخلو، فتارةً تكون أخفَّ من "الكبد"، وتارةً أرجحَ منها، فيصير البدنُ مترجِّحًا، أو يميل إلى شِقِّ "الكبد" وقتًا، وإلى شِقِّ "المعدة" وقتًا آخر. فجعل الخالق - سبحانه - "الطِّحَال" يوازن "الكبد"، وجعل "المعدة" بينهما في الوَسْط؛ لئلَّا يَبِلَّ (٣) جانبٌ ويَشِفَّ (٤) آخر عند امتلائها وخُلُوِّها، فلما جُعِلَت وَسْطًا لم يختلف وضْعُ البدن باختلافها. وأمَّا الغلط؛ فهو قوله: "إنَّه (٥) لا منفعة فيه، وإنَّما يشغل المكان لئلَّا يبقى فارغًا"؛ فإنَّه لو لم يعلم فيه منفعة لم يكن له أن ينفيها، فإنَّ عدم العلم بالمنفعة لا يكون علمًا بِعَدَمِها، كيف ولا شيء في البدن خالٍ عن المنفعة أَلْبَتَّة؟

стр. 632

وفي "الطِّحَال" من المنافع: أنَّه يجذب الفَضْلَةَ الغليظةَ العَكَرِيّةَ (١) السوداءَ من "الكبد" - نوعًا من جنس "العُرُوق" كالعنق (٢) له -، فإذا حُصِّلَتْ تلك الفَضْلَة عنده أَنْضَجَها وأَحَالَها. وهو يُنْضِجُ غليظَ "الدَّم" وعَكِرَهُ، كما يُنْضِجُ "القُولُون" (٣) غليظَ الغذاء ويابِسَهُ. ويستعمل في فعله "العُرُوق الضَّوَارب" الكثيرة الكبيرة المبثوثة فيه كلِّه، فما نضج واستحال إلى طبيعته صار غذاءً له، وما لم يمكن أن ينقلب إلى "الدَّم" الموافق له قَذَفَهُ إلى "المعدة" بِعُنُقٍ آخر من جنس "العُرُوق". وإنَّما أمكنه جَذْبُ الفَضْل الأسود بقوَّة لحمه؛ لأنَّه رِخْوٌ مُتَحَلْحِلٌ نحيفٌ كالإسفَنْج. وإنَّما اتصلت به "العُرُوق الضَّوَارب" الكثيرة ليستعين بها على (٤) إنضاج الفُضُول السُّود، وليبقى لحمه خفيفًا مُتَحَلْحِلًا؛ لأنَّ دم "الشرايين" رقيقٌ لطيفٌ، قريبٌ [من] (٥) طبيعة البخار. فما اغتذى به كان نحيفًا كـ "الرِّئة"، ولكنَّ "الرِّئة" تتغذَّى بما صَفَا ورَقَّ وأَشْرَقَ، وكان أحمر

стр. 633

ناريًّا. ولذلك كانت "الرِّئة" أخفَّ وزنًا منه، وأَسْخَفَ (١) جِرْمًا، ومُمَالةً (٢) إلى البياض. وأمَّا "الطِّحَال" فتتغذَّى بما لَطُف [و] (٣) صفَا من الخِلْط الأسود، وانْطَبَخَ في (٤) "الشرايين"، فيستريح منه البدن، ويغتذي به "الطِّحَال". فـ "الطِّحَال" يغتذي بغذاءٍ ألطف من غذاء "الكبد"؛ لأنَّه يرشح إليه من "الشرايين" التي صِفَاقَاتها ثَخِينَةٌ جدًّا. ولأجل سواد تلك الفَضْلَة وكونها عَكِرَة في الأصل، لم يكن لون "الطِّحَال" أحمر ولا مُشْرِقًا. وأمَّا "الكبد" فتغتذي بدمٍ غليظٍ فاضلٍ، يرشح إليها من "العُرُوق" غير الضَّوَارب، فلجودة غذائها كان لونها أحمر، ولِغِلَظِه كانت كثيفة. فـ "الكبد" تتغذَّى بدمٍ أحمر غليظٍ، و"الطِّحَال" بدمٍ أسود لطيفٍ، و"الرِّئة" بدمٍ صافٍ مشرِقٍ، في غاية النُّضْجِ، قريبٍ من طبيعة "الرُّوح". فجوهر كلِّ عضوٍ على ما هو عليه صُيِّرَ غذاؤه ملائمًا له، فالغَاذِي شبيهٌ بالمغتذي في طبعه وفعله. وهذا كما أنَّه حكمة الله - سبحانه - في خلقه فيه جَرَت حكمته في شرعه وأمره، حيث حرَّمَ الأغذية الخبيثة على عباده؛ لأنَّهم إذا اغتذوا

стр. 634

بها صارت جزءًا منهم، فصارت أجزاؤهم مشابهة لأغذيتهم، إذ الغاذي شبيهٌ بالمغتذي، بل يستحيل إلى جوهره. ولهذا كان نوعُ الإنسان أعدلَ أنواع الحيوان مزاجًا، لاعتدال غذائه. وكان الاغتذاء بالدَّم ولحوم السِّبَاع يُورِث المغتذي بها قوَّةً شيطانيَّةً سَبُعِيَّةً عادِيَةً على النَّاس. فمن محاسن الشريعة تحريم هذه الأغذية وأشباهها، إلا إذا عارضها مصلحةٌ أرجح منها، كحال الضرورة. ولهذا أكلت النَّصارى لحوم الخنازير، فأورثها نوعًا من الغِلْظَة والقَسْوة، وكذلك من أكل لحوم السِّبَاع والكلاب صار فيهم قوَّة (١) منها. ولمَّا كانت القوَّةُ الشيطانيَّة السَّبُعيَّةُ (٢) ثابتةً لازمةً لذوات الأنياب من السِّبَاع حرَّمَها الشارع (٣). ولمَّا كانت القوَّةُ الشيطانيَّةُ عارضةً في الإبل أمر بكسرها بالوضوء لمن أكل منها (٤).

стр. 635

ولمَّا كانت الطبيعة الحِمَاريَّةُ لازمةً للحِمَار حرَّمَ رسولُ الله ﷺ لحوم الحُمُر الأهليَّة (١). ولمَّا كان "الدَّمُ" مَرْكَبَ الشيطان ومَجْرَاهُ حرَّمَهُ الله - تعالى - تحريمًا لازمًا. فمن تأمَّلَ حكمة الله - سبحانه - في خلقه وأمره، وطابق بين هذا وهذا = فَتَحَا له بابًا عظيمًا من معرفة الرَّبِّ - سبحانه - وأسمائه وصفاته. وهذا هو الذي حَرَّكَنا لبَسْط النَّفَس في هذا المقام الذي لا يكاد أنْ يُرَى فيه إلا أحد طريقين: طريقةِ طبيبٍ مُعْرِضٍ عن الوحي، مقلِّد "لبُقْرَاط" وطائفته (٢)، قد اغْبَرَّت (٣) واعْوَرَّت (٤) وعَمِيَت [و] (٥). . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →