← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 18337

التبيان في أيمان القرآن - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (721 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

قلت: وهذا غلطٌ من وجه، وصوابٌ من وجه: فأمَّا الصواب؛ فمن الحِكَم العجيبة جَعْلُ "الطِّحَال" في الجانب الأيسر على موازنة "الكبد"؛ لئلَّا يميل الشِّقُّ الأيمن بها. ولا يمكن أن تقوم "المعدةُ" بموازنة "الكبد"؛ لأنَّها (١) - دائمًا - تمتلئ (٢) وتخلو، فتارةً تكون أخفَّ من "الكبد"، وتارةً أرجحَ منها، فيصير البدنُ مترجِّحًا، أو يميل إلى شِقِّ "الكبد" وقتًا، وإلى شِقِّ "المعدة" وقتًا آخر. فجعل الخالق - سبحانه - "الطِّحَال" يوازن "الكبد"، وجعل "المعدة" بينهما في الوَسْط؛ لئلَّا يَبِلَّ (٣) جانبٌ ويَشِفَّ (٤) آخر عند امتلائها وخُلُوِّها، فلما جُعِلَت وَسْطًا لم يختلف وضْعُ البدن باختلافها. وأمَّا الغلط؛ فهو قوله: "إنَّه (٥) لا منفعة فيه، وإنَّما يشغل المكان لئلَّا يبقى فارغًا"؛ فإنَّه لو لم يعلم فيه منفعة لم يكن له أن ينفيها، فإنَّ عدم العلم بالمنفعة لا يكون علمًا بِعَدَمِها، كيف ولا شيء في البدن خالٍ عن المنفعة أَلْبَتَّة؟

стр. 632

وفي "الطِّحَال" من المنافع: أنَّه يجذب الفَضْلَةَ الغليظةَ العَكَرِيّةَ (١) السوداءَ من "الكبد" - نوعًا من جنس "العُرُوق" كالعنق (٢) له -، فإذا حُصِّلَتْ تلك الفَضْلَة عنده أَنْضَجَها وأَحَالَها. وهو يُنْضِجُ غليظَ "الدَّم" وعَكِرَهُ، كما يُنْضِجُ "القُولُون" (٣) غليظَ الغذاء ويابِسَهُ. ويستعمل في فعله "العُرُوق الضَّوَارب" الكثيرة الكبيرة المبثوثة فيه كلِّه، فما نضج واستحال إلى طبيعته صار غذاءً له، وما لم يمكن أن ينقلب إلى "الدَّم" الموافق له قَذَفَهُ إلى "المعدة" بِعُنُقٍ آخر من جنس "العُرُوق". وإنَّما أمكنه جَذْبُ الفَضْل الأسود بقوَّة لحمه؛ لأنَّه رِخْوٌ مُتَحَلْحِلٌ نحيفٌ كالإسفَنْج. وإنَّما اتصلت به "العُرُوق الضَّوَارب" الكثيرة ليستعين بها على (٤) إنضاج الفُضُول السُّود، وليبقى لحمه خفيفًا مُتَحَلْحِلًا؛ لأنَّ دم "الشرايين" رقيقٌ لطيفٌ، قريبٌ [من] (٥) طبيعة البخار. فما اغتذى به كان نحيفًا كـ "الرِّئة"، ولكنَّ "الرِّئة" تتغذَّى بما صَفَا ورَقَّ وأَشْرَقَ، وكان أحمر

стр. 633

ناريًّا. ولذلك كانت "الرِّئة" أخفَّ وزنًا منه، وأَسْخَفَ (١) جِرْمًا، ومُمَالةً (٢) إلى البياض. وأمَّا "الطِّحَال" فتتغذَّى بما لَطُف [و] (٣) صفَا من الخِلْط الأسود، وانْطَبَخَ في (٤) "الشرايين"، فيستريح منه البدن، ويغتذي به "الطِّحَال". فـ "الطِّحَال" يغتذي بغذاءٍ ألطف من غذاء "الكبد"؛ لأنَّه يرشح إليه من "الشرايين" التي صِفَاقَاتها ثَخِينَةٌ جدًّا. ولأجل سواد تلك الفَضْلَة وكونها عَكِرَة في الأصل، لم يكن لون "الطِّحَال" أحمر ولا مُشْرِقًا. وأمَّا "الكبد" فتغتذي بدمٍ غليظٍ فاضلٍ، يرشح إليها من "العُرُوق" غير الضَّوَارب، فلجودة غذائها كان لونها أحمر، ولِغِلَظِه كانت كثيفة. فـ "الكبد" تتغذَّى بدمٍ أحمر غليظٍ، و"الطِّحَال" بدمٍ أسود لطيفٍ، و"الرِّئة" بدمٍ صافٍ مشرِقٍ، في غاية النُّضْجِ، قريبٍ من طبيعة "الرُّوح". فجوهر كلِّ عضوٍ على ما هو عليه صُيِّرَ غذاؤه ملائمًا له، فالغَاذِي شبيهٌ بالمغتذي في طبعه وفعله. وهذا كما أنَّه حكمة الله - سبحانه - في خلقه فيه جَرَت حكمته في شرعه وأمره، حيث حرَّمَ الأغذية الخبيثة على عباده؛ لأنَّهم إذا اغتذوا

стр. 634

بها صارت جزءًا منهم، فصارت أجزاؤهم مشابهة لأغذيتهم، إذ الغاذي شبيهٌ بالمغتذي، بل يستحيل إلى جوهره. ولهذا كان نوعُ الإنسان أعدلَ أنواع الحيوان مزاجًا، لاعتدال غذائه. وكان الاغتذاء بالدَّم ولحوم السِّبَاع يُورِث المغتذي بها قوَّةً شيطانيَّةً سَبُعِيَّةً عادِيَةً على النَّاس. فمن محاسن الشريعة تحريم هذه الأغذية وأشباهها، إلا إذا عارضها مصلحةٌ أرجح منها، كحال الضرورة. ولهذا أكلت النَّصارى لحوم الخنازير، فأورثها نوعًا من الغِلْظَة والقَسْوة، وكذلك من أكل لحوم السِّبَاع والكلاب صار فيهم قوَّة (١) منها. ولمَّا كانت القوَّةُ الشيطانيَّة السَّبُعيَّةُ (٢) ثابتةً لازمةً لذوات الأنياب من السِّبَاع حرَّمَها الشارع (٣). ولمَّا كانت القوَّةُ الشيطانيَّةُ عارضةً في الإبل أمر بكسرها بالوضوء لمن أكل منها (٤).

стр. 635

ولمَّا كانت الطبيعة الحِمَاريَّةُ لازمةً للحِمَار حرَّمَ رسولُ الله ﷺ لحوم الحُمُر الأهليَّة (١). ولمَّا كان "الدَّمُ" مَرْكَبَ الشيطان ومَجْرَاهُ حرَّمَهُ الله - تعالى - تحريمًا لازمًا. فمن تأمَّلَ حكمة الله - سبحانه - في خلقه وأمره، وطابق بين هذا وهذا = فَتَحَا له بابًا عظيمًا من معرفة الرَّبِّ - سبحانه - وأسمائه وصفاته. وهذا هو الذي حَرَّكَنا لبَسْط النَّفَس في هذا المقام الذي لا يكاد أنْ يُرَى فيه إلا أحد طريقين: طريقةِ طبيبٍ مُعْرِضٍ عن الوحي، مقلِّد "لبُقْرَاط" وطائفته (٢)، قد اغْبَرَّت (٣) واعْوَرَّت (٤) وعَمِيَت [و] (٥). . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 636

عَمِشَت (١) عينُهُ عن الرُّسُل وما جاءوا به، وهو ممَّن قال الله - تعالى - فيه: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [غافر: ٨٣]. وطريقةِ مَنْ يجحد ذلك كلَّه، ويكذِّب قائله، ويظنُّ منافاته للشريعة، فيجحد حكمة الله - تعالى - في خلقه، وإبداعه في صُنْعه؛ جهلًا منه. وكلا الطريقين مذمومٌ، وسالكه من الوصول إلى الغاية محرومٌ. فلا نكذِّب بشرع الله، ولا نجحد حكمة الله. وأكثرُ ما أفسد النَّاسَ أنَّهم لم يَرَوا إلا طبائعيًّا زنديقًا مُنْحَلًّا عن الشرائع، أو مُتَسَنِّنًا (٢) قادحًا فيما جرت به حكمة الله - تعالى - ومشيئته في خلقه، منكرًا للقُوى، والطبائع، والأسباب، والحِكَم، والتعليل. فإذا أراد الأوَّلُ أن يدخل في الإسلام جَبَذَهُ (٣) إلى زندقته (٤) جهلُ هؤلاء، ومكابرتهم للمعقول والحِسِّ. وإذا أراد الثاني (٥) أن يدخل في معرفة الحِكَم والغايات، وما أودع

стр. 637

اللهُ في مخلوقاته من المنافع والحِكَم والقوى والأسباب؛ جَبَذَهُ إلى جهله (١) زندقةُ هؤلاء وكفرهم، وإعراضُهم عمَّا جاءت به الرُّسُل، وفَرَحُهم (٢) بما عندهم من العلم، فيختارُ دينَهُ على عقله، ويختارُ ذلك عقلَه وما استقرَّ عنده - ممَّا لا يكابر فيه حِسُّهُ ولا عقلُه - على الدِّين (٣). وهذا قد بُلي به أكثر (٤) الخَلْق، فما قَرَّرهُ أئمَّةُ (٥) الأطبَّاء والطبائعيين أحد أنواع أدلَّة التوحيد، والمَعَاد، وصفات الخالق، وما أخبرت به الرُّسُل (٦)، بل هو من أظهر أدلَّته، فلا يزداد الباطن فيه إلا إيمانًا. وما أخبرت به الرُّسُل لا يناقض ما جرت به عادة الله - تعالى - وحكمته (٧) في خلقه: من نَصْب الأسباب، وترتيب مسبَّباتها عليها بعلمه

стр. 638

وحكمته (١). فمصدر خَلْقِهِ (٢) وأمرِهِ علْمُهُ - تعالى - وحكمتُه. وأدلَّةُ (٣) الرَّبِّ - تعالى - وآياتُه لا تتعارض ولا تتناقض، ولا يُبطل بعضها بعضًا. والله أعلم. فصل و"الكبد" و"الطِّحَال" متقابلان، و"المعدة" بينهما، و"العُرُوق الضَّوَارب" تتصل بها (٤) "المعدة". و"القلب" بمنزلة التَّنُّور، أو بمنزلة أَتُون الحَمَّام يُسَخِّن ماءَهُ، وله إلى كلِّ بيتٍ مَنْفَذٌ ينفذ فيه وَهَجُ النَّار إليه. وكذلك الحارُّ الغريزيُّ الذي منبعه من "القلب" ينفذ في مسالك ومنافذ إلى جميع الأعضاء فيسخِّنُها (٥). فصل وجُعلت الأعضاء مسلكًا مؤدِّيًا، و"المعدة" هي الآلة لهضم (٦) الغذاء واستمرائه، و"الأمعاء" تؤدِّي ذلك إلى "الكبد". ولمَّا كانت "الأمعاء" آلة الأداء والاتصال كَثُرت لفائفها وطولها، وكانت "العُرُوق" التي تأتيها من "الكبد" لا تحصى كثرةً، لينفذ فيها

стр. 639

الغذاء أوَّلًا فأوَّلًا، وتستقضيه يسيرًا يسيرًا. فلولا تطويل لفائف "الأمعاء" لكان الغذاءُ يخرج قبل أخذ خاصيَّته، وكانت تعرض لهم شهوةُ الأكل دائمًا، وكان الإنسان يعدم التفرغ لمصالحه وسائر أعماله، وكان - دائمًا - مُكِبًّا على الغذاء. ولهذا صار الحيوان الذي ليس (١) لأمعائه استدارات بل له مِعىً واحدٌ مستقيمٌ مكبًّا على الغذاء (٢)، عديم الصبر عنه كالمسكِر (٣). وأمَّا ما لأمعائه استدارات فإنَّه إذا فَاتَهُ الغذاءُ أو بعضُه في الاستدارة الأُولَى صادفه في الثانية، فإن فاته في الثانية صادفه في الثالثة، والرابعة والخامسة كذلك، فيمكن صبره عن الغذاء؛ حكمةٌ بالغةٌ. وتنفذ إلى "الأمعاء" شُعَبٌ (٤) من "العُرُوق الضاربة"، تأخذ من الغذاء جزءًا يسيرًا لطيفًا. وأمَّا "العُرُوق غير الضاربة" - هي مجاري الغذاء بالحقيقة - فأخذت أكثره. وأمَّا "العُرُوق الضاربة" فجُعِلت مسلكًا للأرواح المنبعثة من "القلب"، فاستغْنَت بقليل الغذاء، وجعل "للقلب" وَصْلَةٌ بـ "الأمعاء" ليُسَخِّنَها أوَّلًا، ويَمُدَّها بقوَّة الحياة (٥) بإذن خالقه، ثُمَّ يأخذ منها الجزء الملائم من الغذاء المستغني عن فعل "الكبد"؛ للطافة جوهره، فإنَّ هذا

стр. 640

الجزء لو حصل في "الكبد" لم يُؤْمَن احتراقُهُ (١) وفساده، فلا ينتفع به "القلب"، ثُمَّ يأخذ منها عند شدَّة الحاجة وصدق المجاعة، فيتعجَّل ذلك من أدنى المواضع. وكذلك يُشَاهد من أكل مِن مَسْغَبةٍ شديدةٍ يحسُّ بزيادةٍ ونماءٍ في كلِّ أعضائه، حتَّى ما يمرُّ الطعامُ بـ "المعدة" إلا وقد أخذت الأعضاءُ حاجتها منه (٢) قبل استقراره فيها؛ فسبحان مَنْ أتقنَ ما صَنَع. ولمَّا كانت "المعدةُ" آلةَ هَضْم الغذاء، و"الأمعاءُ" آلةَ دفعه: جُعل "للأمعاء" طبقتان (٣)، ليقوَى دفعُها بهما جميعًا، وليكون ذلك حرزًا لها وحفظًا. وكذلك مَنْ تعرض له قُرْحَةٌ في "الأمعاء" بانجرادٍ (٤) في أحد الصِّفَاقَين يبقى الآخر سليمًا. وجعلت "الأمعاء" الغِلَاظُ لقذف الثُّفْلِ، والدِّقَاقُ لتأدية الغذاء. والسبب في أن صار (٥) الإنسان لا يحتاج إلى تناول الغذاء دائمًا: كثرة لفائف أمعائه. والسبب المانع من قذف الفُضُول دائمًا: سَعَة "الأمعاء" الغِلَاظ التي تقوم له مقام وعاءٍ آخر، شبيهٍ بـ "المعدة" في السَّعَة، كما أنَّ "المثانة" وعاءٌ للبول كذلك.

стр. 641

فصل ونحن نذكر فصلًا مختصرًا في هذا الباب، نجمع لك شتاته بإيضاحٍ وإيجازٍ - إن شاء الله تعالى، وبه الحَولُ والقوَّة -؛ فنقول: "المريء" موضوعٌ خلف "الحُلْقُوم" ممَّا يلي فَقَار "الظَّهْر"، وينتهي في ذهابه إلى "الحِجَاب"، وهو مشدودٌ برباطاتٍ. فإذا بَعُدَ "الحِجَاب" مال إلى الجانب الأيسر واتَّسَعَ، وذلك المُتَّسِعُ هو "المعدة"، وأسفلها يعود مائلًا إلى اليمين. و"المعدة" مُفَرْطَحَةٌ، وفَمُها هو المُسْتَدِق منها، ويسمُّونه: "الفؤاد"، وهذا من غلطهم - إلَّا أن يكون ذلك اصطلاحًا خاصًّا منهم - فإنَّ "الفؤاد" عند أهل اللغة هو: "القلب". قال الجوهري: "الفؤادُ: القلبُ" (١). وقال الأصمعي: "وفي الجَوْف الفؤاد، وهو القلب" (٢). وقد فرَّق بعض أهل اللغة بين "القلب" و"الفؤاد"، فقال الليث: "القلب: مُضْغَةٌ من الفؤاد، معلَّقةٌ بالنِّيَاط" (٣). وقالت طائفةٌ: " [الفؤاد:] (٤) مُسْتَدِق (٥) القلب".

стр. 642

وقد قال النبيُّ ﷺ : "جاءكم أهل اليمن؛ [هم] أَرَقُّ قلوبًا، وأَلْيَنُ أفئدَةً" (١)؛ ففرَّق بينهما؛ ووصف "القلب" بالرقَّة، و"الأفئدة" باللِّين. وأمَّا كون فَمِ "المعدة" هو "الفؤاد" فهذا لا نعلم أحدًا من أهل اللغة قاله. وتأمَّلْ وصْفَ النبيِّ ﷺ "القلب" بالرقَّة التي هي ضدُّ القَسَاوَة والغلظة، و"الفؤاد" باللِّين الذي هو ضدُّ اليُبْس والقسوة. فإذا اجتمع لِينُ "الفؤاد" إلى رِقَّة "القلب" حصل من ذلك الرحمة، والشفقة، والإحسان، ومعرفة الحقِّ وقبوله. فإنَّ اللِّينَ موجِبٌ (٢) للقبول والفهم، والرقَّةَ تقتضي الرحمة (٣) والشفقة. وهذا هو العلم والرحمة، وبهما كمال الإنسان، وربُّنا وَسِعَ كلَّ شيءٍ رحمةً وعلمًا. فلنرجع إلى ما نحن بصدده فنقول: "المعدة" مع "المريء" ذات طبقتين لطيفتين. واللَّحْم في الطبقة الداخلة أقلُّ، ولهذا يغلب عليها البياض، وهي عصبيَّةٌ حسَّاسَةٌ. وهو في الطبقة الخارجة أكثر، ولهذا تغلب عليها الحُمْرة، وهي مربوطةٌ مع (٤)

стр. 643

الفَقَار برباطاتٍ وثيقةٍ، وتنتهي من جهة قَعْرِها إلى منفذٍ هو: "باب المعدة"، وبابُها يغلق عند اشتماله على الغذاء مدَّة هضمه. ويقال لباطن جِرْم (١) "المعدة": "خَمْل المعدة". "والأمعاء": المَصَارِين، وهو جمع: مُصْرَان - بضمِّ الميم -، وهو جمع: مَصِير. وسُمِّي "مصيرًا" لمصير الغذاء إليه، والسُّفْلى يقال لها: "الأقْتَاب"، ومنه قوله ﷺ : "فتندَلِقُ أقتاب بطنه" (٢). والعليا أدق من السُّفْلى، لما تقدَّم من الحكمة. فأعلى الدِّقَاق يسمَّى: "الاثني عشر"؛ لأنَّ مساحته اثنا عشر إصْبَعًا. ويليه: المسمَّى بـ "الصائم"؛ لقلَّة لُبْث الغذاء فيه، لا لأنَّه (٣) يوجد أبدًا خاليًا كما ظنَّه بعضُهم، فإنَّ هذا باطلٌ حسًّا وشرعًا كما سنذكره. والثالث: المسمَّى بـ "الدقيق" و"اللفائف"، وهو أطولُ "الأمعاءِ" وأكثرُها تلافيف، ولُبْث الغذاء فيه أطول، و"العُرُوق" التي تأتيه من "الكبد" أقلُّ. وأمَّا اللذان قبله فمنتصبان في طول البدن، قصيران (٤)، ويقلُّ لُبْث الغذاء فيهما، وهو في "الصائم" أقلُّ لبثًا.

стр. 644

وهذه الثلاثة تسمَّى: "الأمعاء العليا" و"الأمعاء الدِّقَاق"، وهي كلُّها في سعة "البوَّاب". وأمَّا الرابع (١) - وهو الأوَّل من الثلاثة السُّفْلَى الغِلَاظ - فيسمَّى: "الأعور"؛ لأنَّه لا منفذ له، بل هو كالكيس يخرج منه ما دخل من حيث دخل. وحكمته أنَّه يَتِمُّ فيه ما يَعْسُر هَضْمُه من الأشياء الصُّلْبة، كما يتمُّ ذلك في قَوَانِص الطيور. ووضعه في الجانب الأيمن. والخامس: المسمَّى: بـ "قُولُون"، يبتدئ من الجانب الأيمن، ويأخذ عرضًا إلى الأيسر، ويُحْتَبَسُ فيه الثُّفْلُ ريثما يستقصي ما فيه. والسادس: هو الآخِر، وهو: "المِعَى المستقيم"؛ لأنَّه مستقيم (٢) الوضع في طول البدن، وهو واسعٌ جدًّا، يجتمع فيه الثُّفْل كما يجتمع البول في "المثانة"، وعليه الفَضْلة المانعة لخروج الثُّفْل بدون الإرادة. وقد صحَّ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "المؤمن يأكل في مِعَىً واحدٍ، والكافر يأكل في سبعة أمعاء" (٣)، فأطلق على "المعدة" اسم "المِعَى" تغليبًا، ولمشابهتها بـ "الأمعاء"؛ لكون كل واحدٍ من "الأمعاء" و"المعدة"

стр. 645

مَحَلًّا للغذاء - وهذا لغة العرب، كما يقولون: القَمَران، والعُمَران، والرُّكْنَان اليمانيَّان، والشامِيَّان، والعراقِيَّان (١)، ونظائر ذلك -، ولا سيَّما فإنَّ تركيب "الأمعاء" كتركيب "المعدة"، إذ هي مركَبةٌ من طبقتين: لَحْميَّةٍ خارجةٍ (٢)، وعصبيةٍ داخلةٍ. والطبقة الدَّاخلة فيها (٣) لُزُوجَاتٌ متصلةٌ بها؛ لتقيها من تراكم (٤) البَرَاز، ورداءة كثِيفهِ ولَفيفِه (٥)، فلا تمسكه ولا يتعلَّق بها شيءٌ منه. ولمَّا كان الكافر ليس في قلبه شيءٌ من الإيمان والخير يغتذي به؛

стр. 646

انصرفت قُواه ونَهْمَتُه كلُّها إلى الغذاء الحيوانيِّ البهيميِّ، لمَّا فَقَدَ الغذاءَ الروحيَّ القلبيَّ، فتوفرت أمعاؤه وقُواه على هذا الغذاء، واستفْرَغَتْ أمعاؤه هذا (١) الغذاء وامتلأت به بحسب استعدادها وقبولها، كما امتلأت به "العُرُوق" و"المعدة". وأمَّا المؤمن فإنَّه إنَّما يأكل العُلْقَة (٢) ليتقوَّى بها على ما أُمِرَ به، فهِمَّتُه وقُوَاه مصروفةٌ إلى أُمورٍ (٣) وراء الأكل. فإذا أخَذَ ما يُغَذيه ويقيمُ صُلْبَه استغنى قلبُه ونفسُه وروحُه بالغذاء الإيماني عن الاستكثار من الغذاء الحيوانيِّ، فاشتغل مِعَاهُ الواحد - وهو "قُولُون" - بالغذاء، فأمسكه حتَّى أخذت منه الأعضاءُ والقُوى مقدارَ الحاجة، فلم يحتج إلى امْتِلَاءِ (٤) أمعائه كلِّها من الطعام، وهذا أمرٌ معلومٌ بالتجربة. وإذا قويت موادُّ الإيمان، ومعرفةِ الله وأسمائه وصفاته، ومحبتِه، ورجائه، والشوقِ إلى لقائه في "القلب" = استغنى بها العبدُ عن كثيرٍ من الغذاء، ووجد لها قوَّة تزيد على قوَّة الغذاء الحيوانيِّ. فإن كَثُفَت طِبَاعُك عن هذا، وكنتَ عنه بمعزلٍ؛ لاشتغالك بالغذاء الحيوانيِّ وامتلائك به (٥)، فتأمَّلْ حال الفَرِح المسرور بتجدُّدِ نعمةٍ عظيمةٍ، واستغنائه مدَّةً عن الطعام والشراب مع وفور قوَّته، وظهور

стр. 647

الدَّمَوِيَّة (١) على بَشَرَته، وتَغَذِّيه بالسرور والفرح. ولا نسبة لذلك إلى فرح "القلب" ونعيمه، وابتهاج "الرُّوح" بقُرْب الرَّبِّ - تعالى - ومحبته ومعرفته، كما قيل (٢): لها أحادِيثُ من ذِكْرَاكَ تَشْغَلُها … عن الشَّرَابِ، وتُلْهِيها عن الزَّادِ وقد قال ﷺ في الحديث المتفق على صحته: "إنِّي أَظَلُّ عند رَبِّي يُطْعِمُني ويَسْقِيني" (٣). وصدق الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه؛ فإنَّ المقصودَ من الطعام والشراب التغذيةُ المُمْسِكَةُ، فإذا حصل له أعلى الغذاءين وأشرفُهما وأنفعُهما فكيف لا يُغْنيه ذلك عن الغذاء المشْتَرَك. وإذا كنَّا نشاهد أنَّ الغذاءَ الحيوانيَّ يَغْلِب على الغذاء القلبيِّ الروحيِّ حتَّى يصير الحكم له، ويَضْمَحِلَّ غذاء "القلب" و"الرُّوح" (٤) بالكُلِّية، فكيف لا يضمحِلُّ غذاء البدن عن استيلاء غذاء "القلب" و"الرُّوح" ويصير الحكم له؟

стр. 648

وقد كان النبيُّ ﷺ يمكث الأيامَ لا يَطْعَمُ شيئًا (١)، وله قوَّة ثلاثين رجلًا، ويطوف - مع ذلك - على نسائه كلِّهنَّ في ليلةٍ واحدةٍ، وهُنَّ تسع نسوة (٢). وهذا المسيح ابن مريم ﷺ حيٌّ لم يَمُتْ، وغذاؤه من جنس غذاء الملائكة (٣).

стр. 649

وأنت تشاهد المريضَ يمكث الأيام العديدة لا يأكل ولا يشرب، لاشتغال نفسه بمجاذَبَةِ المرض ومدافعته، واكتفاء الطبيعة ببقية الغذاء الذي في "الأمعاء" و"المعدة" مع شِدَّة (١) الحرب، فإذا وضعت الحرب أوزارها رأيتَ شدَّةَ طلبه للغذاء. فالخائفُ، والمحبُّ، والفَرِحُ، والحزينُ، والمستولي عليه الفِكْرُ لا تطالبه نفسه من الغذاء بما تُطالب (٢) به الخالي من ذلك. فصل و"الكبد" عضوٌ لحمِيٌّ تتخلَّلُهُ عروقٌ دِقاقٌ وغِلَاظٌ، وعلى "الكبد" غشاءٌ عصبيٌّ حسَّاسٌ يحيط بها، وينتهي إلى عِلَاقة. و"الكبد" هي الأصل في الغذاء، وآلاتُ الغذاء خَدَمٌ لها ومُعِيناتٌ. فإنَّ الإنسان لمَّا كان كالشجرة المنتقِلَةِ جُعِلَ له ما يقوم مقام النهر الجاري في أصول الشجر يسقيها وهو "الأمعاء"، و"المعدة" بمنزلة العين، وتجري منها [العروق مجرى] (٣) السَّوَاقي. وعروق "الكبد" المتصلة بـ "الأمعاء". بمنزلة عروق الشجرة

стр. 650

المتصلة بأرض السَّاقية، تمتصُّ الماءَ منها وتؤدِّيه إلى الشجرةِ، وأغصانِها، وورقِها، وثمارِها. وهذه العروق تمصُّ الماءَ من الطِّين والثَّرَى. وكذلك عروق "الكبد" تمتصُّ صَفْوَ الماءِ وخالصَه من كَيْلُوسِهِ (١)، وتحيله إلى طبيعة الأعضاء، كما تفعل عروق الشجرة. وشكل "الكبد" شَكْلٌ (٢) هلاليٌّ، مُحَدَّبٌ من ظاهره، مُقَعَّرٌ من باطنه، وهي تحت "الأضلاع" الخمس، ولها خمس شُعَبٍ يقال لها: "الزوائد"، تحتوي على "المعدة" كما تحتوي "الكَفُّ" بأصابعها على الشيء المقبوض. ويقال للشُّعْبة الصغيرة منها خاصةً (٣): "زائدة الكبد"، وفي "الصحيح" عن النبيِّ ﷺ : "إنَّ سبعين ألفًا من أهل الجنَّة يأكلون من زيادة كبد الحوت، الذي هو أوَّلُ طعامهم" (٤)، وهذا يدلُّ على عِظَمِ قَدْرِ هذه الزيادة، فما الظَّنُّ بـ "الكبد" التي هي زيادته؟ فكيف بالحُوت الذي حواها؟

стр. 651

[و] (١) مقْعَرُها يسمَّى: "المُورِد"؛ لأنَّه (٢) يُورِد الغذاء من "المعدة" و"الأمعاء"، ويسمَّى: "باب الكبد". ثُمَّ تتشعَّبُ هذه "العُرُوق" من جانبيه بِشُعَبٍ (٣) تتَّصِلُ بـ "الأمعاء"، وتسمَّى: "الجداول"؛ لشَبَهِها بالسَّوَاقي الصِّغَار، تؤدِّي إلى مَقَرَّةٍ عظيمةٍ. ولهذه "الجداول" أَغشيةٌ من فوقها ومن تحتها، فتستدير مع "الأمعاء" ومع "العُرُوق" المتصلة بها، وتسمَّى هذه الأغشية وما تحويه: "المَرَابِط". فصل والعرق الثاني ينقسم في مجاذبها إلى عُرُوقٍ صِغَارٍ، وأصغر منها، حتَّى تبلغ غاية الدِّقَّة، ثُمَّ تعود تجتمع أوَّلًا فأوَّلًا على قياس ما تفرَّقت، فتأخذ من كثرةٍ إلى وَحْدَةٍ، ومن دِقَّةٍ إلى غِلَظٍ، حتَّى يجتمع منها العرق الخارج من "الكبد" المسمَّى بـ "الأجوف"، ومنه يتأدَّى "الدَّم" إلى البدن كلِّه. وحين يخرج ينقسم قسمين: فيأخذ أحدهما نافذًا في "الحِجَاب" نحو "القلب"، ويسمَّى: "الوتين". قال أهل اللغة: "الوتين" (٤) عرقٌ يسقي "القلب". قال في

стр. 652

"الصِّحَاح" (١): ""الوتين": عرقٌ في "القلب"، إذا انقطع مات صاحبه، ووتَنْتُه: أَصَبْتُ وَتِينَهُ"، فهو موتون. وقال الواحديُّ (٢): ""الوتين": نياط "القلب"، وهو عِرْقٌ يجري في "الظَّهْر" حتَّى يتصل بـ "القلب"، إذا انقطع بَطَلَت القُوى، ومات صاحبه". وهذا قول جميع أهل اللغة، وأنشدوا للشمَّاخ (٣): إذا بَلَّغْتِني وحَمَلْتِ رَحْلِي … عَرَابَةَ فَاشْرَقي بِدَمِ الوَتِينِ وقال ابن عباس وجمهور المفسِّرين: هو حَبْلُ "القلب" ونيَاطُه. وأمَّا "الأَبْهَر" - الذي قال فيه النبيُّ ﷺ : "هذا أَوَانُ انقطَاع أَبْهَرِي" (٤) - فقال الجوهري: ""الأَبْهَر": عِرْقٌ إذا انقطع مات صاحبه، وهما "أبْهَرَان" يخرجان من "القلب"، ثُمَّ يتشعَّبُ منهما سائر "الشرايين". وأنشد الأصمعي (٥): وللفُؤَادِ وَجِيبٌ تحتَ أَبْهَرِهِ … لَدْمَ الغُلَامِ ورَاءَ الغَيبِ بالحَجَرِ" (٦).

стр. 653

فصل و"المَرَارَةُ" موضوعةٌ على "الكبد"، ولها مجريان: أحدهما: متصِلٌ بتقعير "الكبد"، يجتذب "المِرَّةَ الصفراءَ". والآخر: متصِلٌ بـ "الأمعاء العليا"، يَصُبُّ "المِرَّةَ"؛ ليغسلها ويَجْلُوها، ويتصل منه السَّيْر (١) بأسفل "المعدة" لتمتزِجَ بالغذاء، فيكون فيه معونةٌ على هضمه. فصل والقوَّةُ التي وكَّلَها اللهُ بتدبير البدن من أعظم آياته الدَّالَّةِ عليه، فإنَّها تفعل في الطعام والشراب الوارِدَينِ عليه أفعالًا متنوِّعةً من تقطيعٍ، وتفصيلٍ، وتَمْزِيجٍ، وتحليلٍ، وتركيبٍ. فمبدأ ذلك في "الفَم"، وهو تقطيعُه بـ "الأسنان"، ومَضْغُه، واختلاطُه بالرُّطُوبات التي فيه، وانهضَامُه فيه انهضامًا تامًّا. ثُمَّ بعد ذلك عند وروده إلى "المعدة"، فإنَّ "المعدة" (٢) تهضِمُهُ هَضْمًا آخر، ويسمَّى: "الهَضْم الأوَّل". ويعينها على هضمه ما يُجَاوِرُها من الأعضاء؛ فـ "الكبد" عن يمينها، و"الطِّحَال" عن يسارها، و"القلب" من فوقها، و"الثَّرْبُ" (٣)

стр. 654

أمامها، و"الأمعاء": السُّبُل الموصِلَةُ إليها، و"العُرُوق": الطرق المؤدِّيةُ منها، والحرارةُ: النَّارُ الطابِخة للطعام فيها، والقُوَى الهاضِمةُ والجاذبةُ والغاذِيةُ والدافِعةُ خَدَمٌ لها. فإذا انْهَضَمَ الطعامُ فيها صار كَيْلُوسًا (١)، شبيهًا بماء الكَشْكِ (٢) الثَّخِين، ثُمَّ تَنْهَزُ صَفْوَهُ ولَطِيفَهُ، فتقذفه (٣) في "العُرُوق" الدِّقَاق الشَّعْرِيَّةِ التي هي بدِقَّة "الشَّعْر"، ويَنْجَذِبُ إلى "الكبد"، فإذا ورد هذا اللَّطِيفُ إلى "الكبد" اشتملت عليه بجملته؛ فطَبَخَتْهُ، وهضَمَتْهُ، وأحَالَتْهُ إلى جوهرها، وصَيَّرَتْهُ دَمًا، ويسمَّى هذا: "الهضم الثاني". ولمَّا كان هذا الإنْضَاجُ والطبخُ يشبه طبخ القِدْرِ؛ عَلَاهُ شيءٌ كالرَّغْوَة والزَّبَد، وهو: "الصَّفْرَاء". ورَسَب منه شيءٌ مثل العَكَر، وهو: "السوداء". وتَخَلَّفَ عن (٤) تمام النُّضْج شيءٌ بَقِيَ على فُجُوجَتِهِ (٥) وهو: "البَلْغَم". والشيء الذي يُصَفَّى ويبقى من ذلك كلِّه هو: "الدَّم". فاندفع من

стр. 655

"الكبد" في العرق الأعظم المعروف (١) بـ "الأجوف"، بعد أن تَصَفَّت (٢) عنه المائية إلى آلة البَول، فيسلك هذا "الدَّم" في "الأَوْرِدَةِ" المُتَشَعِّبة من "الأَجْوَف"، ثُمَّ في جَدَاوِلَ مُتَشَعِّبة (٣) من "الأَوْرِدَةِ"، ثُمَّ في سَوَاقٍ مُتَشَعِّبة من الجداول، ثُمَّ في رَوَاضِعَ مُتَشَعِّبة من (٤) السَّوَاقي، ثُمَّ في عُرُوقٍ دِقَاقٍ (٥) شَعْرِيَّةٍ، ثُمَّ يَرْشَحُ من أفواهها في الأعضاء لتغتذي به، فتُحِيلُهُ الأعضاء، وتسيرُ به بجواهرها، فيصير في "اللَّحْم" لحمًا، وفي "العَظْم" عَظْمًا، وفي "العَصَب" عَصَبًا، وفي "الظُّفُر" ظُفُرًا، وفي "الشَّعْر" شَعْرًا، وفي السَّمْع والبصر وآلةِ الحِسِّ كذلك. فتبارك من هذا صُنْعُهُ في قَطْرةٍ من ماءٍ مهينٍ. فصل و"الدَّمُ" هو الخِلْطُ الأصليُّ، والغذاءُ الحقيقيُّ للبدن، والمُخْلَفُ عليه بَدَل ما ينقص ويتحلَّلُ منه، والأخلاط الأُخَر كالأَبَازِير والتَّوَابِل. وهو صنفان: ١ - لطيفٌ؛ وهو دم "القلب". ٢ - وغليظٌ؛ وهو دم "الكبد".

стр. 656

ومَثَلُه مَثَلُ السلطان إذا كان وقورًا، حليمًا، ساكنًا؛ عاشَتْ به رعيته، وإذا غضب واحتَدَّ قَتَلَ. فصل وأمَّا "البَلْغَم": فخِلْطٌ فِجٌّ مُسْتَعْدٍ لَيِّنٌ، يستكمل نُضْجَه عند عَوَز الغذاء إذا ما تولَّتْهُ الحرارة الغريزيَّة، فهَضَمَتْهُ وصَيَّرَتْهُ دمًا، فيتكوَّنُ في "المعدة" و"الأمعاء"، وفي "الكبد" عند قصور الهضم. وفيه من المنفعة أنَّه يرطِّبُ البدنَ، وَيَبُلُّ المفاصلَ، لِيُسْلِسَ (١) حركاتها، ويخالِطُ "الدَّم" في تغذية الأعضاء البلغميَّة المِزَاج كـ: "الدِّماغ". فإن قيل: ما الحكمة أنَّه لم يجعل "للبَلْغَم" عضوًا (٢) مخصوصًا ينصبُّ إليه كـ "الرئتين"؟ (٣) قيل: لمَّا كانت الأعضاءُ محتاجةً أن يكون قريبًا منها لترطيبها؛ لم يُجْعَل له عضوٌ يختصُّ به، لا سيَّما والأعضاء تغتذي به إذا أَعْوَزَها الغذاءُ. فصل وأمَّا "الصَّفْراء": فخِلْطٌ لطيفٌ حادٌّ.

стр. 657

وحاجة البدن إليها في أن تخالط "الدَّم"، وتُرِقَّهُ (١) بلُطْفِها، وتُنْفِذَه في المسالك الضيِّقة، ولتعينه في تغذية الأعضاءِ الحارَّةِ اليابسة. وما ينفصِلُ (٢) عنها ممَّا يُسْتَغْنَى عنه يتصفَّى إلى "المَرَارة" لتأخذ نصيبها منه، وما تستغني عنه "المَرَارة" تَصُبُّهُ إلى "الأمعاء" لتغسلها عن لَطْخَة الأَثْفَال ولُزُوجَتِها، وَلِتَدْعُوَ عَضَلَ "المَقْعَدة" فتحسَّ بالحاجة إلى التبرُّزِ. فصل وأمَّا "المِرَّةُ السوداءُ": فخِلْطٌ باردٌ يابِسٌ. وفيه من المنافع أنَّه يَنْفُذُ مع "الدَّم" في "العُرُوق" ليشدَّهُ (٣)، ويقوِّيه، ويكفِتَهُ (٤)، ويمسكه، ويمنعه من سهولة الحرمة (٥) عند الحاجة إلى ذلك، وتعينه في تغذية الأعضاء المحتاجة إلى (٦) أن يكون في غذائها شيءٌ من "السوداء" (٧) كـ "العِظَام". وما انفَصَلَ (٨) منه واستغنى عنه يُصَفَّى إلى "الطِّحَال"، فيصفِّيه "الطِّحَالُ" جدًّا، ويتغذَّى به، ثُمَّ يُجْلَبُ ما يَسْتَغنِي عنه "الطِّحَال" إلى فَم

стр. 658

"المعدة"، فَيُدَغْدِغُهُ بالحُمُوضَة التي فيه، فتتحرك الشهوةُ، وتحسُّ بالجوع، فتطلب الأعضاء القصوى معلُومَها ورَاتِبَها من الأعضاء التي تليها، وتطلبه الأعضاء التي تليها من التي تجاورها، وهكذا حتَّى ينتهي الطلب إلى "المعدة". فالجوعُ: طَلَبُ الأعضاءِ (١) القُصْوَى معلومَها من الأعضاءِ (٢) الدنيا. فصل ولمَّا اقتضت حكمة الرَّبِّ ﷻ ، وتقدَّسَت أسماؤه، ولا إله غيره - حيث كان بدنُ الإنسان مشبهًا في أحواله بالمدينة = أن يوجد فيه (٣) أعضاء رئيسة تقوم بمصالحه - كما يقوم رؤساء المدينة بمصالحها - تكون له (٤) بمنزلة الولاة والأمراء. وأعضاء تكون خادمةً لهذه الأعضاء الرئيسة؛ فإنَّ الرئيس لا يكون رئيسًا إلا بمرؤوس، وهي بمنزلة: الشُّرَط، والجَلَاوِزَة (٥)، والنُّقَبَاء (٦). وأن يوجد فيه أعضاء كالرعيَّةِ؛ وهي قسمان: ١ - ماله اتصالٌ بالرؤساء، وإن لم يكن اتِّصالُهُ (٧) اتِّصَالَ خدمةٍ.

стр. 659

٢ - وما لا اتِّصال له بهم، بل هو مستقلٌّ بنفسه. فالأعضاء إذًا بهذا التقسيم أربعة: أحدها: الأعضاء الرئيسة المخدومة. الثاني: الأعضاء المرؤوسة الخادمة. الثالث: الأعضاء المرؤوسة بلا خدمة. الرابع: الأعضاء التي ليست رئيسة ولا مرؤوسة. فصل والأعضاء الرئيسة إنَّما استحقَّت الرياسة لشَرَفِها، إذ كانت هي الأصولُ والمعادنُ والمبادئُ للقُوى الأوليَّهِ في البدن، المضطرُّ إليها في بقاء الشَّخْص والنَّوع. وهي بحسب بقاء الشَّخْصِ ثلاثةٌ: "القلب"، و"الكبد"، و"الدِّماغ". وبحسب بقاء النَّوع أربعةٌ: الثلاثةُ المذكورةُ، و"الأُنْثَيَان". وأمَّا "القلب"؛ فهو العُضْو الذي جعله الخَلَّاقُ العليمُ قائمًا بأمر البدن كقيام الملك (١) بأمر الرعيَّة، وهو أوَّلُ عُضْوٍ يتحرَّكُ في البدن، وآخرُ عُضْوٍ يَسْكُنُ منه، وهو مبدأ جميع القُوى، وما يلحقه من صلاحٍ أو فسادٍ يتأدَّى منه إلى غيره من الأعضاء. وأمَّا "الكبد"؛ فهو العضو الذي يقوم بحِفْظِ الحياة، إذ كانت هي التي تملأُ الأعضاء بالغذاء؛ ليبقى البدن محفوظًا ما أمكن بقاؤه.

стр. 660

وأمَّا "الدِّمَاغ"؛ فهو العضو القائم بأمر الحِسِّ والإدراك وتكميل الحياة، إذ فيه آلاتُ الإحساس التي بها يُعرف النافعُ من الضَّارِّ، والملائمُ من المُنَافِرِ، وبواسطته (١) صارت الحياة نافعةً (٢) صالحةً، متجاوِزَةً لرتبة (٣) حياة النَّبَات. وأمَّا "الأُنْثَيَان"؛ فهما اللَّذَان يقومان بحِفْظِ بقاء النَّوع. فصل وأمَّا الأعضاء الخادمة: فـ "الرِّئة"، و"الشرايين" الحاملة المؤدِّية من "القلب" الحرارةَ الغريزيَّة والقُوى والأرواحَ الحيوانية التي بها قِوَام البدن. فهذان خادِمان "للقلب". و"المعدة" و"الأَوْرِدَة" خادمان "للكبد". و"الأَوْرِدَة" تُنفِذُ "الدَّمَ" الغاذِي، والأرواح، والقُوى إلى جميع البدن. و"الكبد" خادِمةٌ "للدِّمَاغ"، وكذلك "الأعصاب" التي بها يحصل الحِسُّ والحركة. و"الأُنْثَيَان" يخدِمُهما الأعضاء المولِّدة "للمَنِيِّ"، والمجاري المؤدِّية عنهما إلى موضع التَّوَالُدِ.

стр. 661

فصل وأمَّا الأعضاء المرؤوسة بلا خدمة؛ فهي أعضاءٌ مختصَّةٌ بقُوىً لها طبيعيَّة، بها يتمُّ تدبيرها، ويستقيم أمرها. ولا بدَّ مع ذلك من أن (١) يفيضَ (٢) عليها من الأعضاء الرئيسة قُوىً تمدُّها بإذن الله - تعالى - كـ: "الأُذن"، و"العين"، و"الأنف". فإنَّ كلَّ واحدٍ منها يقوم بأمر نفسه بما فيه من القوَّةِ الطبيعيَّةِ التي أعطاها إيَّاهُ الخالقُ (٣) سبحانه، ولا يتمُّ ذلك لها إلا بأن تأتيها قوَّةٌ حسَّاسَةٌ تنزل عليها من "الدِّمَاغ" بإذن الرَّبِّ تعالى. فصل وأمَّا الأعضاء التي ليست برئيسة ولا مرؤوسة؛ فهي التي اختصَّت بقُوىً غريزيَّة فيها من أصل الخِلْقَة في أوَّل التكوين، ليتمَّ بها قَوَامُ أمرها، وتدبيرُها في اجتلاب المنافع ودفع المضارِّ، كـ: "العظام"، و"الغَضَاريف". وسائر الأعضاء المتشابهة الأجزاء - مثل: "الرِّبَاطات"، و"الأعصاب"، و"الأوتارِ"، و"الشرايين"، و"الأَوْرِدَةِ"، و"الأغْشِيَةِ"، و"اللَّحْمِ"، و"العظَامِ" - كالأساس والاسطوانات لبناء هيكل (٤) البدن. فإن قيل: هل في "العظام" قوَّةُ الإحساس وحياته أم لا؟

стр. 662

قيل: هذا موضعٌ اختلف فيه أرباب الشريعة فيما بينهم، وأرباب الطبيعة فيما بينهم: فقالت طائفة: لا حياة في "العظام" وإن كان فيها قوَّة النُّمُو والاغتذاء. قالوا: لأنَّ الحياةَ إنَّما هي بالرُّوح الحيوانيِّ، ولَا حَظَّ "للعظام" فيه. قالوا: ولأنَّ مَرْكَبَ الحياةِ (١) إنَّما هو "الدَّمُ" المُنْبَثُّ في "العُرُوق" و"الأعصاب" و"اللَّحم". ولهذا لم يكن "للشَّعْر" ولا "للظُّفُر" نصيبٌ من ذلك، ولهذا لم يأْلَم الحيوانُ بأَخْذِهِ. قالوا: فحياةُ "العظام" و"الشَّعْر" حياةُ نُمُوٍّ واغتذاءٍ، وحياةُ أعضاء البدن حياةُ نُمُوٍّ وإحساسٍ. قالوا: ولهذا قلنا إنَّ "العظام" لا تَنْجَس بالموت؛ لأنَّها لم يكن فيها حياةٌ تزول بالموت. قالوا: وزوالُ النُّمُوِّ لا يُوجب نجاسة ما فَارَقَهُ، بدليل يُبْسِ الزَّرعْ والشَّجر. قال آخرون: الدليلُ على أنَّ "العظام" تَحُلُّ فيها الحياةُ قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٨، ٧٩].

стр. 663

والحِسُّ يدلُّ على ذلك أيضًا، فإنَّ "العَظْم" يأْلَم، ويَضْرِبُ (١)، ويَسْكُن، وذلك نفس إحساسه. قالوا: ولا يمكن إنكارُ كون "العظام" فيها قوَّةٌ حسَّاسَةٌ تحسُّ بالبارد والحَارِّ. قال الآخرون: الإحساس والألم ليس "للعظم" في نفسه، وإنَّما هو لما جاوره من "اللَّحْم". قال المنازعون لهم: هذا مكابَرَةٌ ظاهرةٌ؛ فإنَّ "العظْمَ" نفسَه يَأْلَمُ، ولا سيَّما إذا انْصَدَع. ثُمَّ إنَّ "الأسنانَ" و"الأضراسَ" تحسُّ بالألم والحارِّ والبارد بأنفسها، لا بِمُجَاوِرِها من "اللَّحم". ولهذا توسَّطت طائفةٌ ثالثةٌ، وقالت: عظامُ "الأسنان" خاصةً لها الإحساس، بخلاف سائر "العظام". وهؤلاء قد (٢) سلَّمُوا المسألة من مكانٍ قريب، فإنَّ الذي دلَّ على إحساس "الأسنان" وحياتها هو الدَّالُّ على حياة سائر "العظام"، والشبهة التي ذكروها لو صحَّت لمَنَعَت من إحساس "الأسنان". وأمَّا حديث الطهارة والنَّجَاسة فذاكَ لأمرٍ آخر وراءَ الحياة.

стр. 664

ومَنْ نَجَّسَها بالموت سَوَّى بينها وبين "اللَّحم"، ومن لم يُنَجِّسْها - وهو الراجح في الدليل - فذاك لعدم عِلَّة التنجيس فيها، فإنَّ الموت ليس بِعلَّةِ النَّجَاسة، وإنَّما هو دليلُ العلَّة وسبَبُها. والعِلَّةُ هي احتقانُ الفَضَلات في "اللَّحْمِ"، و"العَظْمُ" بريءٌ من ذلك. والدليل على هذا؛ أنَّ الشارعَ لم يحكم بنجاسة الحيوان التَّامِّ الذي (١) لا نَفْسَ له سائلةٌ؛ لعدم احتقان الفَضَلات فيه، فَلأَنْ لا يُحكم بنجاسة "العَظْم" أَولى وأحرى. فإنَّ الرُّطُوباتِ التي في "الذُّبَاب" و"العقرب" و"الخنفساء" أكثرُ من الرُّطُوباتِ التي في "العظام"، فهي أَولى بعدم التنجيس من تلك الحيوانات. والله أعلم (٢). فصل والذي أحصاه المُشَرِّحُون من "العظام" في البدن: مائتان وثمانيةٌ وأربعون عظمًا، سِوَى الصِّغَار السُّمْسُمَانيَّات (٣) التي أُحْكِمت (٤) بها مفاصل: "الأصابع"، والتي في "الحَنْجَرَة".

стр. 665

وقد أخبر النبيُّ ﷺ أنَّ الإنسانَ خُلق من ثلاثمائةٍ وستين مَفْصِلًا (١): فإن كانت "المفاصل" هي "العظام": فقد اعترف "جالينوس" وغيره بأنَّ في البدن عظامًا صغارًا لم تدخل تحت ضبطهم وإحصائهم. وإن كان المراد بـ "المفاصل": المواضع التي تنفصل بها الأعضاء بعضها من بعضٍ - كما قال الجوهريُّ (٢) وغيره: "المَفْصِل: واحد مفاصل الأعضاء" - فتلك أعمُّ من "العظام"، فتأمَّلْهُ. وإنَّ "السُّلَامَيَاتِ" المذكورةَ في الحديث الذي رواه مسلم في "صحيحه" (٣) من حديث أبي ذَرٍّ: "يُصْبِحُ على كُلِّ سُلامَى من أحدكم صدقةٌ، فكلُّ تسبيحةٍ صدقةٌ، وكلُّ تحميدةٍ صدقةٌ، وكلُّ تَهْلِيلةٍ صدقةٌ، وكلُّ تكبيرةٍ صدقةٌ" الحديث، فـ "السُّلَامَى": العُضْو (٤)،

стр. 666

وجمعه: سُلَاميَات. فهنا ثلاثة أمور: أعضاء، وعظام، ومفاصل. وجعل الله - سبحانه - "العظام" أَصْلَبَ شيءٍ في البدن، لتكون أساسًا وعمدةً في البدن، إذ كانت الأعضاءُ كلُّها موضوعةً على "العظام"، حتَّى "القلب"، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وهي حاملةٌ للأعضاء، والحاملُ أقوى من المحمول. ولتكون وقايةً وجُنَّةً - أيضًا - كـ "القِحْفِ" (١) فإنَّه وقايةٌ "للدِّمَاغ"، و"عظام الصَّدرِ" وقايةٌ له. و جعلت "العظامُ" كثيرةً لفوائدَ ومنافعَ عديدة: منها: الحركة؛ فإنَّ الإنسانَ قد يحتاجُ إلى حركة بعض أجزائه دون بعضٍ، وقد يحتاج إلى حركة جزءٍ من عُضْوٍ. ومنها: أنَّه لو كان على عظمٍ واحدٍ لكَانَ إذا أراد أن يتحرَّكَ تحرَّكَ بجملته. ومنها: أنَّه (٢) كان يتعذَّر عليه الصنائع، والحَلُّ، والرَّبْطُ. ومنها: أنَّه (٣) كان إذا أصابته آفةٌ عمَّتْ جميع البدن، فجُعِلَت "العظامُ" كثيرةً ليكون متى نالَ بعضَها آفةٌ لم تَسْرِ إلى غيره، وقام غيره من

стр. 667

"العظام" مقامه في تحصيل تلك المنفعة. ومنها: تعدُّدُ (١) المنافع التي حصلت بسبب تعدُّدِ "العظام"، ولولا كثرتها وتعدُّدها لفاتت تلك المنافع. ومنها: أنَّ من "العظام" ما يحتاجُ البدنُ إلى كَبيرِهِ، ومنها ما يحتاجُ إلى صغِيرِهِ، ومنها ما يحتاج إلى مستطيلِهِ، ومنها ما يحتاجُ إلى مستدِيرِه، ومنها ما يحتاج إلى عريضِهِ، ومنها ما يحتاج إلى مُصْمَتِهِ (٢)، ومنها ما يحتاج إلى مُجَوَّفِهِ، ومنها ما يحتاج إلى مُنْحَنِيهِ، ومنها ما يحتاج إلى (٣) مستقيمه؛ ولا يحصل ذلك إلا بتعدُّدِ "العظام". ومنها: بديع الصَّنْعة، وحسن التأليف والتركيب. وغير ذلك من الفوائد. ثُمَّ شَدَّ الخالقُ - سبحانه - بعضَها إلى بعضٍ بالرِّبَاطَاتِ والأسْرِ المُحْكَم، ثُمَّ كَسَاها لحمًا؛ حفظًا لها ووقاية، ثُمَّ كَسَا اللَّحمَ جلدًا؛ صُوَانًا (٤) له. ولمَّا كانت الفَضَلاتُ تنقسم إلى: لطيفةٍ، وغليظةٍ؛ جعل الله - سبحانه - للغليظة منها مجاري تنجذب فيها إلى أسفل، وتخرُجُ منها خروجًا ظاهرًا للحِسِّ.

стр. 668

وأمَّا اللطيفة فهي الفَضَلات البُخَاريَّة، فإنَّ من شأنها أن تصعدَ إلى فوق، وتخرج عن البدن بالتحليل، بأنْ (١) جَعَلَ في "العظام" العليا منافذ يتحلَّلُ منها البُخَار المتصاعد. ولم تكن تلك المنافذ محسوسة، لئلَّا يَضْعُف صُوَانُ "الدِّماغ" (٢) - وهو "القِحْفُ" - بوصول الأجسام المؤذية إليه. فجَعَلَ "الدِّماغ" مركَّبًا عن عظامٍ كثيرةٍ، وَوَصَلَ بعضَها ببعضٍ بوُصَلٍ يقال لها: "الشُّؤون"، ومنه قولهم: فلان لم تُجْمَعْ شؤونُ رأسه (٣). ويشتمل "الرأس" بجملة أجزائه على تسعةٍ وخمسين عظمًا، وجُعل "القِحْفُ" مستديرًا بائنًا (٤) في مُقَدَّمِهِ ومُؤَخَّرِهِ وجانبيه، بمنزلة غِطَاء القِدْر. وعظامُه ستةٌ، وهي: عظم "اليَأفُوخ" (٥)، وعظم "الجَبْهَة"، وعظم مؤخَّر "الرأس"، والعظمان اللذان فيهما ثُقْبَا (٦) السَّمْع، وفي كلِّ واحدٍ من "الصُدْغَين" (٧) عظمان مُصْمَتَان.

стр. 669

وعظام "اللَّحْي الأعلى" أربعةَ عشر عظمًا: ستةٌ منها في مَحَاجِر (١) "العَينَين"، واثنان "للأنف"، واثنان تحت "الأنف" وهما المثقوبان (٢) إلى "الفم"، واثنان في "الوَجْنَتَين" (٣)، واثنان تحت "الشَّفَة العليا". وأمَّا العظم الشبيه بالوَتِد فهو واحدٌ، وهو كالقاعدة "للرأس". وعظام "اللَّحْي الأسفل" اثنان؛ وهما مُتَّصِلان في وَسْط "الذَّقَن" (٤)، وبينهما "الأسنان" (٥)، ويتصلان من فوق بـ "اللَّحْي الأعلى" اتصالًا مَفْصِليًّا. و"الأسنان": اثنان وثلاثون، في كل "لَحْي" ستة عشر: "ثَنِيَّتَان"، وتليهما "الرَّبَاعِيتان" (٦)، وتليهما "النَّابَان" (٧)، وتليهما "الأَضْرَاس": خمسةٌ من هاهنا، وخمسةٌ من هاهنا. و"النَّاجِذُ" أوَّلُ "الأَضْرَاس"، وهما "ناجِذَان"، في كلِّ ناحيةٍ "ناجِذٌ"، ورُبَّما نقصت "النواجِذُ" في بعض الأفراد، وكان في كلِّ جانبٍ

стр. 670

أربعة "أَضْرَاس". وقد سَلَّمَ اللهُ - سبحانه - غذاءَ الإنسان إلى يده، فتأخُذُه فتسلِّمُهُ إلى "شَفَتَيه"، فتسلِّمُهُ "الشَّفَتان" (١) إلى "الأَنْيَاب" و"الثَّنايا" فتُفَصِّلُهُ، ثُمَّ تسلِّمُه إلى "الأضراس" فتطحَنُهُ (٢)، ثُمَّ تسلِّمُه إلى "اللِّسَان" و"الفم" فَيَعْجِنُهُ، ثُمَّ يسلِّمُه إلى "الحُلْقُوم" و"المَرِيء" فَيَتَسَلَّمُهُ ويُوصِلُه إلى "المعدة"، فتطبَخُهُ وتُنضِجُهُ، وتُصْلِحُهُ كما ينبغي، ثُمَّ تُسلِّمُهُ إلى "الكبد"، فَيَتَسلَّمُهُ منها، ثُمَّ يُرسِلُ به إلى كلِّ عُضْوٍ راتِبَهُ ومعلُومَهُ، ثُمَّ يَصُبُّ "مِرَّتَهُ (٣) الصَّفْراءَ" في "المَرَارة"، و"السَّوْدَاءَ" في "الطِّحَالِ"، والثُّفْلَ يخرجه عنها كما تقدَّم بيانه. فصل و"الرأس" يقال بالعموم على ما يُقِلُّهُ "العُنُق" بجملته، ويقال بالخصوص على: ١ - "الفَرْوَةِ"؛ وهي جلدة "الرأس" حيث مَنْبَت "الشَّعْر". ٢ - و"الجُمْجُمَةِ": العظمِ الذي يحوي "الدِّماغ"، وهي مؤلَّفَةٌ من سبع قطعٍ متقابِلةٍ تسمَّى: "القَبَائل". وتسمَّى مواضع التأليف: "شؤونًا". ووَسْط "الجُمْجُمَة" يسمَّى: "الهَامَة". وحَدُّ "الهَامَة" من الجانبين قَرْنَا "الرأس"، وحَدُّ "الهَامَة" من
следующие страницы →