١٣: ٦٣ ارتاح إلى أن هذه العصابة عامة مفرقة بين أنواع المؤمنين، فمنهم علماء محدثون، ومنهم فقهاء، ومنهم زهاد، ومنهم مجاهدون مقاتلون، ومنهم قائمون بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، إلى غير ذلك من أنواع الخير، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين في بلد واحد أو قطر واحد" اهـ (التصريح).
١٠٨٤ - * روى البخاري ومسلم، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم؟ " وفي رواية لمسلم (١): "فأمكم" وفي رواية أخرى (٢): "فأمكم منكم".
ورواه أحمد (٣)؛ قال: "كيف بكم إذا نزل ... ؟ ".
قال الشيخ عبد الفتاح:
"قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" ٦: ٣٥٨: "وعند أحمد من حديث جابر في قصة الدجال ونزول عيسى: "وإذا هم بعيسى، فيقال: تقدم يا روح الله، فيقول: ليتقدم إمامكم فليصل بكم". ولابن ماجه في حديث أبي أمامة:
"وكلهم- أي المسلمون- ببيت المقدس، وإمامهم رجل صالح، قد تقدم ليصلي بهم، إذ نزل عيسى، فرجع الإمام ينكص ليتقدم عيسى، فيقف عيسى بين كتفيه ثم يقول: تقدم فإنها لك أقيمت". وعند مسلم من حديث جابر: "فيقال له: صل لنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة لهذه الأمة".
قال الحافظ ابن حجر بعد هذه الأحاديث: "وفي صلاة عيسى خلف رجل من هذه
стр. 1017
الأمة مع كونه في آخر الزمان وقرب قيام الساعة: دلالة للصحيح من الأقوال أن الأرض لا تخلو عن قائم لله بحجة، والله أعلم". انتهى. وقبل. في معنى (وإمامكم منكم): وهو منكم أي عيسى، فوضع الاسم المظهر موضع الاسم المضمر تعظيماً له وتربية للمهابة في النفوس". اهـ (التصريح).
١٠٨٥ - * روى مسلم، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "والذي نفسي بيده: ليهلن ابن مريم بفج الروحاء حاجًا أو معتمرًا، أو ليثنينهما".
وأخرجه أحمد في مسنده (١) ولفظه: "ينزل عيسى ابن مريم، فيقتل الخنزير، ويمحو الصليب، وتجمع له الصلاة، ويعطي المال حتى لا يقبل، ويضع الخراج، وينزل الروحاء، فيحج منها أو يعتمر أو يجمعهما". وتلا أبو هريرة ﵁: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾. فزعم حنظلة أن أبا هريرة قال: يؤمن به قبل موت عيسى، فلا أدري هذا كله حديث النبي ﷺ ؟ أو شيء قاله أبو هريرة؟
وأخرجه الحاكم (٢) وصححه كما في الدر المنثور ولفظه: "ليهبطن ابن مريم حكما عدلًا، وإماما مقسطًا، وليسلكن فجا حاجا أو معتمرًا، وليأتين قبري حتى يسلم علي، ولأردن عليه". يقول أبو هريرة: أي نبي أخي! إن رأيتموه فقولوا: أبو هريرة يقرئك السلام.
قال الشيخ عبد الفتاح حفظه الله:
"معنى (ليهلن): ليرفعن صوته بالتلبية قائلًا: لبيك اللهم لبيك، محرما بحج أو بعمرة. ومعنى (أو ليثنينهما): أو ليجمعن بين الحج والعمرة. وفج الروحاء: مكان في طريق النبي ﷺ من المدينة إلى بدر. قيل يبعد عن المدينة ستة أميال.
стр. 1018
(وتجمع له الصلاة): أي يصير هو الإمام في الصلاة مع قيامه بأعباء الإمامة العظمى. وإمامته بالصلاة إنما تكون بعد صلاته الصبح فور نزوله مؤتما بإمام المسلمين إظهارًا لكرامة هذه الأمة وفضلها.
(فزعم حنظلة): هو حنظلة الأسلمي المدني، تابعي روى هذا الحديث عن أبي هريرة. ومعنى (زعم): قال صادقًا. فإن الزعم كما يطلق على القول الكذب أو المشكوك فيه، يطلق أيضًا على القول المحقق والصدق الذي لا شك فيه". اهـ (التصريح).
١٠٨٦ - * روى البخاري ومسلم، عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: لا والله ما قال النبي ﷺ لعيسى: "أحمر" ولكن قال: "بينما أنا نائم أطوف بالبيت، فإذا رجل آدم سبط الشعر، يهادى بين رجلين، ينطف رأسه ماء" أو "يهراق رأسه ماء"، "فقلت: من هذا؟ قالوا: ابن مريم، فذهبت ألتفت، فإذا رجل أحمر جسيم جعد الرأس، أعو عينه اليمنى، كان عينه اليمنى عنبة طافية، قلت: من هذا؟ قالوا: هذا الدجال، وأقرب الناس به شبها ابن قطن". قال الزهري: رجل من خزاعة هلك في الجاهلية، ليس عند مسلم قول الزهري.
وفي رواية (١) قال: ذكر رسول الله ﷺ يوما بين ظهراني الناس المسيح الدجال، فقال: "إن الله ﵎ ليس بأعور، ألا إن المسيح الدجال أعور عين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية". قال: وقال رسول الله ﷺ "أراني الليلة في المنام عند الكعبة، فإذا رجل آدم، كأحسن ما ترى من أدم الرجال، تضرب لمته بين منكبيه، رجل الشعر، يقطر رأسه ماء، واضعًا بيديه على منكبي رجلين، هو بينهما، يطوف بالبيت. فقلت: من هذا؟ فقالوا: المسيح ابن مريم، ورأيت
стр. 1019
وراءه رجلاً جعداً قططاً، أعور عين اليمنى، كأشبه من رأيت من الناس بابن قطن، واضعًا يديه على منكبي رجلين، يطوف البيت، فقلت: من هذا؟ فقالة: هذا المسيح الدجال".
وفي رواية (١) قال: قال النبي ﷺ : "رأيت عيسى وموسى وإبراهيم ﵈، فأما عيسى: فأحمر جعد، عريض الصدر، وأما موسى: فآدم جسيم سبط، كأنه من رجال الزط".
(آدم): رجل آدم: شديد السمرة.
(يهادى): تهادى الرجل في مشيته: إذا تمايل، ورأيت فلانا يهادى بين رجلين: إذا كان يمشي متكئا [عليهما] من ضعف وتمايل.
(ينطف): أي: يقطر.
(عنبة طافية): إذا كانت خارجة القد والسمت عن أخواتها في العنقود.
(لمته): اللمة: شعر الرأس.
(رجل الشعر): شعر رجل، أي: مسرح غير شعث.
(قططاً): شعر قطط: متناهي الجعودة.
(الزط): جيل من الهند والسودان، معرب "جت".
قال محقق الجامع:
"قال الحافظ في الفتح: اللام في قوله: "لعيسى" بمعنى "عن" وهي كقوله تعالى:
стр. 1020
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ قال: وفيه جواز اليمين على غلبة الظن، لأن ابن عمر ظن أن الوصف اشتبه على الراوي، وأن الموصوف بكونه أحمر إنما هو الدجال، لا عيسى، وقرب ذلك أن كلا منهما يقال له: المسيح، وهي صفة مدح لعيسى، وصفة ذم للدجال، قال: وكان ابن عمر قد سمع سماعًا جزمًا في وصف عيسى أنه آدم، فساغ له الحلف على ذلك لما غلب على ظنه أن من وصفه بأنه أحمر واهم". اهـ.
أقول:
لقد مرت معنا رواية تصف المسيح ﵊ بالحمرة والبياض، فليس ما رده ابن عمر في وصف المسيح صحيحًا، بل هو الحق، ولذلك استعمل ابن حجر تعبير الوهم أثناء الكلام عن موقف ابن عمر في وصفه المسيح بالسمرة ونفيه الحمرة عنه.
قال محقق الجامع:
"ابن قطن: رجل من خزاعة هلك في الجاهلية، قال الحافظ في "الفتح": اسمه: عبد العزى بن قطن بن عمرو بن جندب بن سعيد بن عائذ بن مالك بن المصطلق، وأمه هالة بنت خويلد، أفاده الدمياطي، قال: وقال ذلك أيضًا عن أكثم بن أبي الجون، وأنه قال: يا رسول الله هل يضرني شبهه؟ قال: "لا، أنت مسلم وهو كافر". حكاه عن ابن سعد، والمعروف في الذي شبه به ﷺ أكثم بن عمرو بن لحي جد خزاعة، لا الدجال، كذلك أخرجه أحمد وغيره، وفيه دلالة على أن قوله ﷺ : "إن الدجال لا يدخل المدينة ولا مكة". أي في زمن خروجه، ولم يرد بذلك نفي دخوله في الزمن الماضي، والله أعلم". اهـ.
١٠٨٧ - * روى أحمد، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إني لأرجو إن طال بي عمر أن ألقى عيسى ابن مريم ﷺ ، فإن عجل بي موت فمن لقيه منكم فليقرئه منى السلام".
стр. 1021
١٠٨٨ - * روى أبو سعيد النقاش، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "طوبي لعيش بعد المسيح، يؤذن للسماء في القطر، ويؤذن للأرض في النبات، حتى لو بذرت حبك على الصفا لنبت، وحتى يمر الرجل على الأسد فلا يضره، ويطأ على الحية فلا تضره، ولا تشاح، ولا تحاسد، ولا تباغض".
أقول:
هذا دليل على أن بعد وفاة عيسى ﵇ يبقى الخير ويستمر السلام والبركة، وأن الريح التي تقبض أرواح المؤمنين كما سيمر معنا تكون بعد ذلك، وهذا النص يؤكد أن النص المروي عن ابن عمرو الذي علقنا عليه وعلق عليه الشيخ عبد الفتاح أبو غدة قد حصل فيه وهم أو لبس أو اختصار مخل من أحد الرواة.
стр. 1022
مسائل وفوائد
(١)
من أعظم الكتب التي ألفت في نزول المسيح ﵇ كتاب "التصريح بما تواتر في نزول المسيح" الذي حققه الشيخ عبد الفتاح أبو غدة حفظه الله، فقد ذكر فيه مؤلف الكتاب الشيخ محمد أنور شاه الكشميري ستة وسبعين حديثًا في نزول المسيح، وأضاف إليها الشيخ عبد الفتاح حفظه الله عشرة أحاديث استدركها على الشيخ فأصبحت الأحاديث الواردة في نزول المسيح ﵇ ستة وثمانين، ثم ذكر الشيخ أنور من الآثار عن الصحابة والتابعين خمسة وعشرين أثرًا، واستدرك عليه الشيخ عشرة أثار فبلغت الآثار عن الصحابة والتابعين خمسة وثلاثين، فيكون مجموع الوارد في نزول المسيح ما بين خبر وأثر (١٢١)، فدل ذلك على أن هذه المسألة من القطعيات في الشريعة من أنكرها فقد كفر.
وفي سياق هذه الآثار والأخبار تمر نصوص كثيرة لها علاقة بالدجال ويأجوج ومأجوج والمهدي ﵇ وأشراط الساعة، مما يضاف على ما ورد من أحاديث مفردة في بعض هذه الشؤون ليقويها، ومن ها هنا كانت أحاديث الدجال متواترة وكذلك أحاديث المهدي ﵇. وفي الكتاب من الفوائد ما لو وزن الكتاب بالذهب لكان قليلًا في حقه.
(٢)
ورد في القرآن الكريم أربع آيات تشير إلى نزول المسيح ﵇ في آخر الزمان وهي:
١ - ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (١).
٢ - ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ (٢).
стр. 1023
٣ - ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا * وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ (١).
٤ - ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ (٢). ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (٣). ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ (٤).
أشارت الآية الأولى والثانية إلى نزوله بتكليمه الناس كهلا والصحيح أنه رفع إلى السماء وهو ابن ثلاث وثلاثين والكهولة فوق هذه السن.
وأشارت الآية الثالثة إلى نزوله بإيمان أهل الكتاب به إيمانًا صحيحًا قبل أن يموت وذلك بعد نزوله.
وأشارت الآية الرابعة إلى المسيح علم للساعة على قراءة: أي علامة، و (علم) في قراءة، فهو في كل الأحوال يدل بنزوله على أن الساعة أصبحت قريبة.
روى ابن حبان (٥)، عن أبي يحيى مولى ابن عفراء، عن عبد الله بن عباس ﵁ عن النبي ﷺ في قوله تعالى: (وإنه لعلم للساعة) قال: "نزول عيسى ابن مريم قبل يوم القيامة".
وعن ابن عباس (٦) ﵁ في قوله تعالى: (وإنه لعلم للساعة) قال: خروج عيسى ﵇ قبل يوم القيامة).
стр. 1024
قال الشيخ عبد الفتاح:
"أي أن سيدنا عيسى ﵇ -والمراد نزوله- أمارة وعلامة على قرب وقوع الساعة. والآية المذكورة من سورة الزخرف: ٦١. وهذه قراءة ابن عباس وأبي هريرة وأبي العالية وأبي مالك وعكرمة والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم كما في "تفسير ابن كثير": ٤: ١٣٢، وهي قراءة الأعمش من القراء أصحاب القراءات كما في "إتحاف فضلاء البشر بالقراءات الأربعة عشر" للدمياطي ص ٣٨٦. وقراءة الجمهور: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾. وفي هذه القراءة أيضًا الضمير عائد إلى عيسى ﵇. والمراد أن عيسى ﵇ بحدوثه من غير أب وبإحيائه الموتى: يكفي دليلًا على صحة البعث وإعادة الخلق يوم القيامة، وهو ﵇ أيضًا علم للساعة أي تعلم لنزوله، فهو أمارة وعلامة عليها، قال الزمخشري في "الكشاف" ٣: ٤٢٤ ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ أي أن عيسى ﵇ شرط -علامة- من أشراطها تعلم به، فسمي الشرط علما لحصول العلم به. انتهى وهكذا فسر الآية أبو حيان الأندلسي في تفسيره "البحر" ٨: ٢٦ وابن قتيبة في "غريب القرآن" ص ٤٠٠ وغيرهم من المفسرين، وتكون الآية بقراءتيها ناطقة أن عيسى ﵇ علم وعلامة على الساعة بنزوله من السماء قبل قيامها". اهـ (التصريح).
وروى ابن جرير (١)، عن ابن زيد في قوله تعالى: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾. قال: قد كلمهم عيسى ﵇ في المهد، وسيكلمهم إذا قتل الدجال وهو يومئذ كهل.
وروى ابن جرير وابن أب حاتم (٢)، عن ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قال: قبل موت عيسى.
стр. 1025
(٣)
صرح جماعة من الراسخين في العلم أن الأحاديث في نزول عيسى ﵇ متواترة، فقال العلامة السيد محمود الألوسي في تفسيره: "روح المعاني": "ولا يقدح في ذلك- أي في ختم النبوة- ما أجمعت الأمة عليه، واشتهرت فيه الأخبار -ولعلها بلغت مبلغ التواتر المعنوي- ونطق به الكتاب على قول- ووجب الإيمان به. وأكفر منكره كالفلاسفة: من نزول عيسى ﵇ آخر الزمان، لأنه كان نبيا قبل تحلي نبينا ﷺ بالنبوة في هذه النشأة". اهـ.
وقال العلامة الألوسي في تفسيره بعد هذا: "ثم إن عيسى ﵇ حين ينزل باق على نبوته السابقة لم يعزل عنها مجال، لكنه لا يتعبد بها لنسخها في حقه وحق غيره، وتكليفه بأحكام هذه الشريعة أصلًا وفرعًا، فلا يكون إليه ﵇ وحي ولا نصب أحكام، بل يكون خليفة لرسول الله ﷺ ، وحاكمًا من حكام ملته بين أمته بما علمه في السماء قبل نزوله من شريعته ﵊ كما في بعض الآثار". اهـ.
وبه صرح الحافظ عماد الدين ابن كثير، حيث قال في "تفسيره" في تفسير سورة الزخرف عند قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾: "وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله ﷺ أنه أخبر بنزول عيسى ﵇ قبل يوم القيامة "إمامًا عادلًا، وحكمًا مقسطًا" اهـ. وصرح به في تفسير سورة النساء أيضًا.
وقال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة:
" [ومنهم]: الإمام ابن جرير الطبري في "تفسيره" عند قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ ٣: ٢٠٣، فقد قال بعد أن ذكر الأقوال في معنى التوفي: "وأولى هذه الأقوال بالصحة عندنا قول من قال معنى ذلك: أني قابضك من الأرض ورافعك إلي. لتواتر الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ينزل عيسى ابن مريم فيقتل الدجال ... ".
قال شيخنا الإمام الكوثري رحمه الله تعالى في كتابه: "نظرة عابرة في مزاعم من ينكر
стр. 1026
نزول عيسى ﵇ قبل الآخرة" ص ٣١: "وليس في قول الإمام ابن جرير الطبري: "وأولى الأقوال بالصحة) ما يحتج به أن تلك الأقوال مشتركة في أصل الصحة، وكيف وقد ذكر بينها ما هو معزو إلى النصارى؟ ولا يتصور أن يصح ذلك في نظره، بل كلامه هذا من قبيل ما يقال: فلان أذكى من حمار، وأفقه من جدار، كما يظهر من عادة ابن جرير في "تفسيره" عند نقله لروايات مختلفة، كائنة ما كانت قيمتها العلمية، وقد يكون بينها ما هو باطل حتمًا، فلا يكون لأحد إمكان التمسك بمثل تلك العبارة في تقوية الروايات المردودة".
قلت: وهذه قاعدة وفائدة تستفاد لفهم كلام ابن جرير في "تفسيره" فاعلمها واشدد عليها بيديك، فغنها من العلم المكنون.
ومنهم: الإمام المفسر ابن عطية الغرناطي الأندلسي، فقد قال في "تفسيره": "وأجمعت الامة على ما تضمنه الحديث المتواتر من أن عيسى في السماء حي، وأنه ينزل في آخر الزمان فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويقتل الدجال، ويفيض العدل، وتظهر به ملة محمد ﷺ ، ويحج البيت، ويعتمر". انتهى
ومنهم: العلامة الشوكاني اليمني، قال في كتابه: "التوضيح في تواتر ما جاء في المنتظر والدجال والمسيح" بعد أن ساق الأحاديث الواردة في ذلك: "فتقرر أن الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر متواترة، والاحاديث الواردة في الدجال متواترة، والأحاديث الواردة في نزول عيسى بن مريم متواترة". كما نقله عنه أستاذنا العلامة الشيخ عبد الله ابن الصديق الغماري فرج الله عنه في كتابه: "عقيدة أهل الإسلام في نزول عيسى ﵇" ص ١١.
ومنهم: شيخ شيوخنا العلامة المحدث الشريف سيدي محمد بن جعفر الكتاني رحمه الله تعالى في كتابه: "نظم المتناثر من الحديث المتواتر": ص ١٤٧ حيث قال: "وقد ذكروا أن نزول سيدنا عيسى ﵇ ثابت بالكتاب والسنة والإجماع. ثم قال: والحاصل أن الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر متواترة، وكذا الواردة في الدجال وفي نزول عيسى ابن مريم ﵇" اهـ (التصريح).
стр. 1027
(٤)
قال الشيخ عبد الفتاح حفظه الله:
(تواردت النصوص المتواترة على نزول سيدنا عيسى ﵇، ولكن لا توقيت فيها لزمن نزوله بالتحديد والتعيين، وإنما التوقيت فيها بالأمارات والعلامات الدالة على نزوله.
قال الإمام ابن جرير الطبري في مقدمة "تفسيره": ١: ٧٤ و ٩٢: "تأويل جميع القرآن على أوجه ثلاثة: أحدها لا سبيل إلى الوصول إليه، وهو ما لا يعلم تأويله إلا الله الواحد القهار، وهو الذي استأثر الله بعلمه، وحجب علمه عن جميع خلقه، وذلك ما فيه من الخبر عن آجال حادثة، وأوقات آتية، كوقت قيام الساعة، والنفخ في الصور، ونزول عيسى ابن مريم، ووقت طلوع الشمس من مغربها، وما أشبه ذلك.
فإن تلك أوقات لا يعلم أحد حدودها، ولا يعرف أحد من تأويلها إلا الخبر بأشراطها، لاستئثار الله بعلم ذلك على خلقه، وبذلك أنزل ربنا محكم كتابه، فقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١).
وكان نبينا محمد ﷺ إذا ذكر شيئًا من ذلك، لم يدل عليه إلا بأشراطه، دون تحديده بوقته، كالذي روي عنه ﷺ أنه قال لأصحابه، إذ ذكر الدجال: "إن يخرج وأنا فيكم، فأنا حجيجه، وإن يخرج بعدي، فالله خليفتي عليكم". وما أشبه ذلك من الأخبار الدالة على أنه ﷺ ، لم يكن عنده علم أوقات شيء منه بمقادير السنين والأيام، وأن الله جل ثناؤه إنما عرفه مجيئه بأشراطه، ووقته بأدلته") اهـ (التصريح).
стр. 1028
(٥)
جدول ما ثبت بالقرآن والسنة من أمارات المسيح عيسى ﵇
تأليف العلامة المحقق الجليل الشيخ محمد شفيع
مفتي باكستان حفظه الله تعالى
ننقلها مع شيء من الحذف:
- اسمه السامي: عيسى، يدل عليه ما لا يحصى من الآيات والأحاديث.
- كنيته: ابن مريم ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ مريم: ٣٤.
- لقبه: المسيح.
- و: كلمة الله.
- و: روح منه ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ النساء: ١٧١.
- والدته: مريم، يدل عليه ما لا يحصى من الآيات والأحاديث.
- نفي الوالد: ولد عيسى من غير أب بمحض قدرة الله تعالى.
- والد أمه: عمران ﵇ ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ﴾ التحريم: ١٢.
- خاله: هارون ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ مريم: ٢٨.
- والدة أمه: امرأة عمران -حنة- ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ آل عمران: ٣٥.
- نذر جدته حملها للوقف على بيت المقدس: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ آل عمران: ٣٥.
- ولادة حملها أنثى: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ آل عمران: ٣٦.
- اعتذارها في حضرة الله بأنها وضعتها أنثى وهي لا تليق أن تخدم بيت المقدس:
стр. 1029
﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ آل عمران: ٣٦.
- تسميتها مريم: ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ آل عمران: ٣٦.
بعض ما ورد من أحوال أمه ﵉
- استعاذتها: من مس الشيطان: ﴿أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ آل عمران: ٣٦. وقد نص الحديث النبوي بأن هذا مما خص الله به مريم ﵍ كما في صحيحي البخاري ومسلم.
- اختصام مجاوري بيت المقدس في تربية مريم وكفالة زكريا ﵇ لها: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ آل عمران: ٤٤.
- إقامتها بالمحراب ورزقها من الغيب: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ آل عمران: ٣٧.
- سؤال زكريا عن الرزق وجوابها أنه من عند الله: ﴿قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ آل عمران: ٣٧.
- مخاطبة الملائكة إياها: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ﴾ آل عمران: ٤٢.
- كونها مقبولة عند الله: ﴿اصْطَفَاكِ﴾ آل عمران: ٤٢.
- كونها طاهرة من الحيض: ﴿وَطَهَّرَكِ﴾ آل عمران: ٤٢.
كونها أفضل نساء زمنها: ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ آل عمران: ٤٢.
- ذهابها إلى زاوية: ﴿إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ مريم: ١٦.
- كون الزاوية في جانب شرقي: ﴿مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ مريم: ١٦.
- اتخاذها حجابًا: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا﴾ مريم: ١٧.
- وجاءها ملك بشكل إنسان ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ مريم: ١٧
стр. 1030
- استعاذتها: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ﴾ مريم: ١٨.
- ثم بشرها الملك بولادة عيسى ﵇: ﴿لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ مريم: ١٩.
- تعجبها بهذا الخبر ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ مريم: ٢٠.
- إخبار الملك بأن ذلك ليس بصعب على الله ﴿قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ مريم: ٢١.
- حملها عيسى بمحض قدرة الله من غير أن يمسها رجل: ﴿فَحَمَلَتْهُ﴾ مريم: ٢٢.
- ذهابها إلى جذع نخلة وقت المخاض: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ مريم: ٢٣.
وقال العلماء: إن كلما حصل لمريم ﵍ من خوارق العادة كان في الأصل إرهاصات تبشر بنبوة عيسى ﵇.
محل ولادته ﵇ وكيفية ذلك
- ولد في زاوية بستان بعيد من العمارة ﴿فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾ مريم: ٢٢.
- كانت متكئة إلى جذع نخلة: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ مريم: ٢٣.
أحوال مريم بعد ولادته ﵇
- اضطرابها حياء وخوفًا من تهمة الناس: ﴿قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ مريم: ٢٣.
- نداء الملك من تحت الشجرة أن لا تحزني فقد منحك الله ابنًا من سادة الناس: ﴿أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ مريم: ٢٤.
- رزقها الله تعالى رطبًا جنيًا: ﴿تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ مريم: ٢٥.
- إتيانها قومها بعيسى ﵇ في حجرها: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ مريم: ٢٧.
- تهمة القوم للسيدة مريم: ﴿يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ مريم: ٢٧.
- كلام سيدنا عيسى ﵇ في حجرها: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ مريم: ٣٠.
стр. 1031
وجاهة عيسى ﵇
- ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ آل عمران: ٤٥.
- قامته معتدلة.
- لونه أبيض مشرب بالحمرة.
- شعر رأسه يمتد إلى منكبيه.
- شعره أسود كأنه يقطر وإن لم يصبه بلل.
- شعره جعد، في بعض الروايات أنه سبط، ويمكن أن هذا الاختلاف باختلاف الأوقات.
- نظيره في الحلية: يشابهه من الصحابة عروة بن مسعود ﵁
خصائص عيسى المسيح ﵇
- إحياؤه الموتى بإذن الله ﴿وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ آل عمران: ٤٩.
- إبراء الأكمه بإذن الله: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾ آل عمران: ٤٩.
- إبراء الأبرص بإذن الله: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ﴾ آل عمران: ٤٩.
- النفخ في تراب حتى يصير طيرًا ﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ آل عمران: ٤٩.
- الإخبار بما أكله الناس وما ادخروا في بيوتهم: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ آل عمران: ٤٩.
- عزم بني إسرائيل على قتله، وحفظ الله تعالى له: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ آل عمران: ٥٤.
- رفع الله تعالى له إلى السماء حيًا: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ آل عمران: ٥٥.
- نزوله ﵇ من السماء إلى الدنيا ثانيًا في قرب من يوم القيامة.
стр. 1032
حليته ﵇ وقت نزوله
- يلبس ثوبين أصفرين.
- على رأسه قلنسوة طويلة.
- يلبس درعًا.
بعض أحواله ﵇ وقت نزوله
- ينزل واضعًا يديه على أجنحة ملكين.
- في يده حربة يقتل بها الدجال.
- لا يجد كافر ريح نفسه إلا ويموت.
- يبلغ نفسه إلى ما يبلغ طرفه.
محل نزوله ﵇ ووقت نزوله
- ينزل في الشام.
- ينزل في الجانب الشرقي من دمشق.
- ينزل عند المنارة البيضاء.
- وقت نزوله: عند صلاة الفجر.
أحوال الحاضرين في المسجد وقت نزوله ﵇
- جماعة من المسلمين يقودهم المهدي يجتمعون لقتال الدجال.
- يؤمهم الإمام المهدي.
بعض أحواله بعد نزوله ﵇
- يدعوه الإمام المهدي لإمامة الصلاة بالناس فيأبى.
стр. 1033
- حينما يريد الإمام المهدي أن يتخلف يضع عيسى ﵇ يده على ظهره ولا يرضى إلا أن يكون المهدي إمامًا.
- ثم يتقدم الإمام المهدي ويصلي بهم.
- اقامته في الدنيا بعد نزوله أربعين سنة.
- نكاحه بعد النزول وأولاده: يتزوج عيسى ﵇ بعد النزول.
- يتزوج عيسى بامرأة من قوم شعيب ﵉.
- يولد له بعد النزول أولاد.
المشروعات التي يقوم بها بعد نزوله ﵇
- يكسر الصليب ويستأصل عبادته ولا يبقي في الدنيا من النصرانية شيئًا.
- يقتل الخنازير.
- يفتح باب المسجد بعد الفراغ من الصلاة فيرى وراءه الدجال وقوما من اليهود.
- يقاتل ﵇ الدجال وأعوانه من اليهود.
- يقتل الدجال.
- يقتل ﵇ الدجال في أرض فلسطين عند باب لد.
- ثم يقتل ﵇ ما بقي من اليهود.
- ولا يجد يهودي ملجأ.
- حتى تشهد الحجارة والأشجار على أن وراءها يهوديًا.
- ومن أجل ذلك لا يبقى حكم الجزية.
- ويعم ﵇ الناس بالمال حتى لا يبقى من يقبل الصدقات.
стр. 1034
- ويؤم ﵇ الناس بعد صلاة الفجر الأولى التي صلاها مقتديًا بالإمام المهدي.
- يسافر إلى موضع فج الروحاء.
- يحج أو يعتمر أو يؤدي كلا النسكين.
- يسافر إلى روضة سيد الأنبياء ﷺ .
- ويرد على سلامه سيد الأنبياء ﷺ .
- مذهبه الذي يدعو إليه الناس: يعمل بالقرآن والسنة ويحث الناس عليه.
البركات الظاهرة والباطنة في زمنه ﵇
- ينزل في زمنه بركات دينية ودنيوية من كل نوع.
- ويخرج الحقد والضغينة من أفئدة الناس.
- يكون الرمان في زمانه كبيرًا حتى تكفي الرمانة الواحدة لجماعة من الناس.
- ويكفي لبن ناقة واحدة لجماعة من الناس.
- ويكفي لبن شاة واحدة لقبيلة واحدة.
- وتنزع الحمة من كل ذي حمة حتى يدخل الوليد يده في فم الحية فلا تضره.
-وتكشف الوليدة عن أسنان الأسد فلا يضرها.
- ويكون الذئب مع الغنم كأنه كلبها.
- وتمتلئ الأرض من السلم كما يمتلئ الإناء من الماء.
- ولا يوجد فقير وتترك الصدقة.
أحوال العرب في ذلك الزمان
- العرب يومئذ قليل وأكثرهم ببيت المقدس
стр. 1035
- يجتمع المسلمون بجبل أفيق حذرًا من الدجال.
-ويصيب المسلمين بؤس ومجاعة شديدة حتى إن أحدهم ليحرق وتر قوسه ويأكله.
- ثم ينادي مناد: يا أيها الناس أتاكم الغوث.
- فيتعجب منه الناس ويقول بعضهم لبعض: إن هذا لصوت رجل شبعان.
وفاته ﵇ وبعض الأحوال قبل وفاته
- ويأمر المسيح ﵇ بأن يستخلفوا بعده رجلًا من بني تميم اسمه: المقعد.
- ثم يتوفاه الله تعالى.
- قبره ﵇: ويدفن في روضة النبي ﷺ بجنب أبي بكر وعمر ﵄
أحوال المسلمين بعد وفاته ﵇
- ويستخلف الناس (المقعد) كما أمرهم المسيح ﵇
اهـ من (التصريح بما تواتر في نزول المسيح).
* * *
стр. 1036
الفقرة الحادية والعشرون
في:
يأجوج ومأجوج
مقدمة
ذكر الله يأجوج ومأجوج في موضعين من كتابه، مرة في سياق بناء السد الذي بناه ذو القرنين ليحمي به أقوامًا من إفسادهم: ﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا * قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا * آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا * فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ....﴾ (١).
وذكرهم القرآن مرة أخرى في سورة الأنبياء (٢):
﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾.
وقد أخذ الكلام عن يأجوج ومأجوج وعن ذي القرنين وعن السد الذي بناه كل مأخذ وتشتت بالمفسرين المذاهب والافتراضات والحد الذي لا خلاف عليه هو أن مجيء يأجوج ومأجوج إلى بلاد الشام زمن عيسى ابن مريم وما يحدث لهم هو من أشراط الساعة الكبرى.
ونقطة البداية الصحيحة في البحث هو أن الذي توجه بالسؤال عن ذي القرنين هم اليهود أو قريش بإيحاء من اليهود وكان السؤال امتحانًا لنبوة رسول الله ﷺ فيكون الجواب الصحيح من أعلام النبوة ومعجزاتها، وهذا لا يتحقق إلا إذا كان الجواب معروفا عند السائلين أو الدافعين للسؤال، وبالجواب الصحيح تقوم الحجة عليهم وتثبت بذلك الحجية برسالة محمد ﷺ غلى أهل السؤال وغيرهم، وقد انطلق من هذا العلامة الهندي الكبير أبو الكلام
стр. 1037
أزاد في بحثه الذي نشر تحت عنوان (يسألونك عن ذي القرنين) فأتى به بما يثبت المعجزة ويقيم الحجة، وقد استغرق البحث مائة وثلاث صفحات تحدث فيه عن شخصية ذي القرنين كما ذكرها القرآن ثم تحدث فيه عن حيرة المفسرين في تعيين شخصه ثم وصل إلى أن المفروض أن تكون نقطة البداية في البحث هي في كتب العهد القديم على اعتبار أن السائلين أو الدافعين للسؤال هم اليهود فعثر على نقطة البداية في سفر دانيال وهذه هي:
"في السنة الثالثة لجلوس بيلش فر الملك كنت بمدينة سوس هيرا من أعمال عيلام على شاطئ النهر أولائي، فرأيت الرؤيا للمرة الثانية، رأيت كبشًا واقفًا على شاطئ النهر له قرنان عاليان. وكان الواحد منهما منحرفًا إلى ظهره، ورأيت الكبش ينطح بقرنيه غربًا وشرقًا وجنوبًا لا قبل لحيوان بالوقوف أمامه فهو يفعل ما يشاء وصار هو كبيرًا جدًا وبينما أنا أفكر في هذه الظاهرة إذ رأيت تيسا أقبل من جهة الغرب وغشي وجه الأرض كلها، وكان بارزا بين عيني التيس قرن عجيب. ثم إن التيس اقترب من الكبش ذي القرنين ونفر منه مغضبا ثم عمد إليه فكسر قرنيه وصرعه وداسه فأصبح الكبش ذو القرنين عاجزًا عن مقاومته، محروما من ناصر ينصره عليه- "سفر دانيال ٨: ١".
ثم ذكر الكتاب على لسان دانيال أن الملك جبريل ظهر له وشرح رؤياه قائلًا: إن الكبش ذا القرنين يمثل اتحاد المملكتين، مادا وفارس، فيملكهما ملك قوي لا تقدر دولة على مواجهته. أما التيس ذو القرن الواحد الذي رآه بعد الكبش، فالمراد منه ملك اليونان، والقرن البارز بين عيني التيس، يدل على أول ملك من اليونان (٨: ١٥). اهـ رسالة (ويسألونك عن ذي القرنين).
ومظهر هذه النبوءة المتفق عليه هو الملك (قورش) أو (غورش) والذي يسميه اليونان (سائرس) واليهود (خورس) وهو الذي وحد مملكتي مادا وفارس واستولى على بابل وكانت له ثلاث توجهات في حروبه: توجه نحو الغرب حارب فيه اليونان وقهرهم، وتوجه نحو الشرق حارب فيه قبائل رحلا، وتوجه نحو الشمال سيطر فيه على القبائل الجبلية، وكان من صفاته الرحمة والعدل والحرص على الرعية، وكان على الدين الصحيح لزرادشت الذي قام دينه على التوحيد ثم حرفته الديانة المجوسية التي كانت سابقة على دين
стр. 1038
زرادشت، ويرجع أبو الكلام أن (قورش) كان معاصرًا لزرادشت، وأن هذه المملكة التي أقامها قورش أنهاها بعد فترة الإسكندر المقدوني وهو الذي ذكرته رؤيا دانيال بأنه ذو القرن، ومن نبوات أشعيا في (قورش) ما يلي:
"وإني أقول في حق خورس (غورش) بأنه راع لي وهو يتم مرضاتي كلها .. يقول الرب في شأن مسيحه خورس، أنا أخذت بيده اليمنى لأجعل الأمم في حوزته وأنزع القوة من سواعد الملوك وأفتح له الأبواب تلو الأبواب. أجل، إني أمشي بين يديك وأقوم ما اعوج من سبلك، وأكسر الأبواب النحاسية، وأمنحك الخزائن المدفونة والكنوز التي في البيوت المغيبة. أفعل كل ذلك لتعلم أنني أنا الرب، إله إسرائيل الذي ناداك باسمك صراحة لأجل إسرائيل، شعبة المختار" (٤٥: ١).
وشبه غورش بعقاب الشرق في مكان آخر من الكتاب فقال: "ها! انظروا إني أدعو عقابًا من الشرق أدعو ذلك الرجل الذي يأتي من أرض بعيدة ويتم سائر مرضاتي" (٤٦: ١١) اهـ رسالة (ويسألونك عن ذي القرنين).
فسفر أشعيا يشبه قورش بالعقاب، وسفر دانيال يصفه أنه ذو القرنين، وقد عثر على تمثال لقورش يعتبر من أعظم الآثار الفارسية القديمة لقورش فيه جناحا عقاب وقرنان، ومن المعروف أن قورش هو الذي أنقذ اليهود من أسر بابل، ولذلك فإن له مقامًا كبيرًا عندهم.
كان ظهور أمر قورش في سنة (٥٥٩) ق. م. في ظروف لم تكن مقدماتها لتؤهل إلى أن يصل قورش إلى الملك ولم يكد يستقر له الملك حتى دانت له مادا وفارس تلقائيًا ثم خضعت له ولايات ومهد لخضوع ولايات لخلفائه فكانت مجموع الولايات التي خضعت له ولخلفائه ثمانية وعشرين ولاية حتى انتهى هذا الوضع للإسكندر المقدوني، وكانت حملته الأولى نحو الغرب إلى بلاد الأناضول التي كانت يونانية وقتذاك وهي التي بدأت الحرب فانتصر عليها وعاملها برحمة ووصل بحربه هذه إلى شاطئ البحر وكان هجومه الثاني نحو الشرق ففتح ما يسمى الآن بمكران وبلوخستان وبلخ، والغالب أنه فتح بلاد السند في حملته هذه.
стр. 1039
وكانت في هذه المناطق قبائل همجية يغلب على معظمها الترحل، ثم فتح بعد ذلك بابل وأنقذ اليهود من الأسر، ثم كان هجومه الثالث نحو الشمال أي نحو البلاد التي سميت فيما بعد بالقوقاز، وقد وصل غورش في حربه هذه إلى نهر أطلق عليه ولا يزال يطلق عليه اسم (نهر سائرس) أي نهر غوروش، وهناك بني سدًا حديديًا في الممر الجبلي الوحيد الذي يمكن أن يعبر منه سكان شرقي تلك البلاد إلى أرض القوقاز وكانت وفاته سنة (٥٢٩) قبل الميلاد ومن المجمع عليه عند كل من كتب عنه من صديق وعدو أنه كان عادلًا رحيمًا حكيمًا، وأسفار العهد القديم تصفه بالتوحيد والعبودية الخالصة لله ، وتعليل ذلك أنه كان من أتباع زرادشت نبي الفرس على القول الراجح وذلك قبل أن يحرف دين زرادشت.
وبعد أن يعرض أبو الكلام أزاد هذا العرض يأتي بالنص القرآني الوارد في حق ذي القرنين ويبرهن على أنه ينطبق على قورش، وبالنسبة للعين الحمئة التي وقف عندها ذو القرنين يقول أبو الكلام:
"لنضع خريطة الساحل الغربي لآسيا الصغرى أمامنا. نرى فيها معظم الساحل قد تقطع في خلج صغيرة، لا سيما على مقربة من أزمير، حيث اتخذ الخليج صورة عين. كانت سارديز على مقربة الساحل الغربي، ولا تبعد كثيرًا عن أزمير الحاضرة. فلنا أن نقول إن غوروش لما تقدم بعد استيلائه على سارديز، وصل من ساحل بحر أيجة إلى مكان قريب من أزمير، ورأى الساحل قد اتخذ صورة تشبه العين، وكان الماء قد انكدر من وحل الساحل، فرأى الشمس تغرب مساء في هذه العين، هذا هو ما عبر عنه القرآن بقوله ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ (١). أي أنه تراءى له كأن الشمس تغرب في بقعة كدرة من الماء.
ومن المعروف أن الشمس لا تغرب في مكان ما، ولكنك إن وقفت على ساحل بحري، رأيت الشمس كأنها تغرب رويدًا رويدًا في البحر" اهـ رسالة (ويسألونك عن ذي القرنين).
ثم يتحدث أبو الكلام أزاد عن المهمة الشرقية ويذكر أن كلا من المؤرخين اليونانيين
стр. 1040
هيرودوتس وني سياز يذكرانها ويقولان:
"إن طغيان بعض القبائل الهمجية الصحراوية حمله على القيام بهذه المهمة".
يقول أبو الكلام: (وهذا يطابق ما قاله القرآن: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾ (١). أي أنه لما وصل إلى نهاية الشرق، رأى الشمس تطلع على قوم ليس لديهم ما يستترون به من قيظها، يعني أنهم كانوا من القبائل الرحالة التي لا تسكن المدن ولا تبني لها البيوت) اهـ رسالة (ويسألونك عن ذي القرنين).
ثم يتحدث أبو الكلام عن المهمة الشمالية وسد يأجوج ومأجوج. قال أبو الكلام:
كانت هذه مهمته الثالثة، وصل بها، تاركًا على يمينه بحر الخزر، إلى جبال القوقاز Caueasus حيث وجد مضيقًا بين جبلين منها.
ذكر القرآن هذا الخبر قائلًا: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ (٢). أي انهم كانوا جبليين متوحشين، حرموا من المدينة والعقل والفهم.
والمقصود بسدين، مضيق في جبال القوقاز. وإنك تجد على يمين القوقاز، بحر الخزر الذي يسد طريق الحافة الشرقية منها، وعلى اليسار البحر الأسود الذي يسد طريق الحافة الغربية، وترى في الوسط سلسلة جبالها الشاهقة التي صارت جدارًا طبيعيًا، فلم يكن هنالك منفذ للمهاجمين من الشمال إلا مضيق وسطى في هذه الجبال، يجتازه المهاجمون ويشنون الغارات على البلاد الواقعة وراءه. فبنى غوروش في هذا المضيق سدًا حديديًا، أخذ به الطريق على المغيرين. ولم يأمن أهل سهول قوقاز وحدهم بهذا السد بل أصبح السد بابًا مقفلًا منيعًا لسلامة سائر بلاد آسيا الغربية فأمنت جميع الشعوب القاطبة في آسيا الغربية وفي مصر من جهة الشمال. اهـ.
стр. 1041
وقال أبو الكلام:
"أما القوم الذي وجدهم ذو القرنين هنالك، وكانوا خلوا من العقل، فيحتمل أن يكونوا القوم الذين ذكرهم اليونان باسم "كولشي" وذكروا في لوحة دارديوش باسم "كوشيا". هؤلاء الذين شكوا إلى غوروش هجمات يأجوج ومأجوج، ولما كانوا مجردين من الحضارة، وصفهم القرآن بقوله: ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ (١). أي لا يفهون الكلام" اهـ.
وبعد أن يبرهن أبو الكلام على أن كل ما وصف به القرآن ذا القرنين ينطبق على قورش ينقل عن مؤرخين يونانيين هما في الأصل من أمة معادية للفرس ما قالاه في قورش:
ويقول هيرودوتس: "كان (غوروش) ملكا كريما، جوادا سمحا للغاية، لم يكن حريصًا على جمع المال كغيره من الملوك، بل كان حرصه على الكرم والعطاء. يبذل العدل للمظلومين، ويحب كل ما فيه خير البشر".
ويقول زينوفن: "كان ملكًا عاقلًا رحيمًا، اجتمعت فيه مع نبل الملوك فضائل الحكماء، همته تفوق عظمته، وجوده يغلب جلالته، خدمة الإنسانية شعاره، وبذل العدل للمظلومين ديدنه. حل فيه -مكان الكبر والعجب- التواضع والسماحة". اهـ.
وبعد كلام طويل ينتقل إلى الحديث عن سد يأجوج ومأجوج. فيقول أبو الكلام:
(علينا أن نتذكر في معالجة هذا البحث أن القرآن ذكر أمرين عن السد بخصوصية، وهما أنه، أي السد، بني في مكان ارتفعت الجبال كجدارين على جانبيه، أي كان المكان مضيقًا جبليًا، وأن السد الذي أقيم به، استخدمت فيه زبر الحديد، وأفرغ عليها النحاس المذاب، وعلى ذلك يجب أن نجد السد في مضيق جبلي، ويجب أن يكون هو جدارًا حديديًا، لا جدارًا من الحجر والآجر، ويكون قد سد طريق المضيق الجبلي) اهـ.
стр. 1042
ثم يتحدث عن يأجوج ومأجوج فيقول:
(إن كلمتي " يأجوج" و"مأجوج" تبدوان كأنهما عبريتان، ولكنهما في أصلهما قد لا تكونان عبريتان. إنهما كلمتان أجنبيتان اتخذتا الصورة العبرية، فهما تنطقان باليونانية "غاغ" (Gog) و"ماغاغ" (Magog) وقد ذكرتا بهذا الشكل في الترجمة السبعينية للتوراة، وراجتا بالشكل نفسه في سائر اللغات الأوروبية.
وقد ورد هذا الاسم لأول مرة في التوراة في كتاب الخلق عند ذكره خروج أمم العالم من ذرية نوح، فقال: "ولد ليافث بن نوح، جمر، ومأجوج، ومادي، ويونان، وتوبال، ومسك، وتيراس" (١٠: ٣) ثم تكرر ذكرهم في الصحف الأخرى، وقد ذكروا بصراحة وتعيين واضحين في صحيفة حزقيال كما ستراه. وكذلك جاءت نبوءة بظهورهم في مكاشفات يوحنا من العهد الجديد.
فمن كان هؤلاء القوم يا ترى؟ لقد تضافرت الشواهد التاريخية على أنهم لم يكونوا إلا قبائل همجية بدوية من السهول الشمالية الشرقية، تدفقت سيولها من قبل العصر التاريخي إلى القرن التاسع الميلادي نحو البلاد الغربية والجنوبية. وقد سميت هي بأسماء مختلفة في عصور مختلفة، وعرف قسم منها في الزمن المتأخر باسم "ميغر" في أوروبا، وباسم التتار في آسيا. ولاشك أن فرعا لهؤلاء القوم، كان قد انتشر على سواحل البحر الأسود في سنة ٦٠٠ ق. م. وأغار على آسيا الغربية نازلًا من جبال القوقاز. وقد سماه اليونان باسم "سي تهين" (Sythians) وذكر بنفس هذا الاسم في كتابه دارايوش باستخر. ولنا أن نجزم بأن هؤلاء هم الذين شكت غاراتهم الشعوب الجبلية إلى غوروش، فبنى السد الحديدي لمنعها.
القبائل المنغولية واليواشية:
تسمى هذه البقعة الشمالية الشرقية من الأرض "منغوليا" وقبائلها الرحالة "منغول" وتقول لنا المصادر الصينية إن أصل كلمة منغول، هو "منكوك (بالكاف الفارسية بعد النون) أو "منجوك (بالجيم الفارسية) وفي الحالتين تقرب الكلمة من النطق العبري "ماكوك" (بالكافين الفارسيتين) والنطق اليوناني "ميكاك" (بالكافين الفارسيتين).
стр. 1043
ويخبرنا تاريخ الصين عن قبيلة أخرى من هذه البقعة، كانت تعرف باسم "يواشي" والظاهر أن هذه الكلمة ما زالت تحرف عند الأمم حتى أصبحت "يأجوج" في العبرية.
منغوليا، مهد الشعوب القديمة:
إن الجزء المرتفع من الكرة الأرضية الواقع في الشمال الشرقي الذي يسمى الآن بمنغوليا وتركستان الصينية، كان مهدًا لشعوب قديمة لا تحصى. إنه كان معينًا بشريًا، تتدفق مياهه وتتجمع، حتى إذا بلغت النهاية طغت وانصبت إلى الغرب والجنوب، وجدت الصين في الشرق منه، وآسيا الغربية والجنوبية في غربه وجنوبه، وأوروبا في الشمال الغربي منه، فما زالت سيول القبائل والشعوب تتدفق، فيستوطن بعض القبائل آسيا الوسطى والبعض الآخر يتقدم فيصل إلى أوروبا، أو ينزل بآسيا الغربية والجنوبية. وكانت هذه القبائل بعد خروجها من مسقط رأسها، وحط رحالها في البلاد الجديدة، تفقد خصائصها الأولى وتصطبغ بصبغة أوطانها الجديدة، فتصير على مرور الأيام شعوبًا بنفسها. ولما كان موطنها القديم لا تتغير أحواله، لم تزل تنشأ فيه قبائل جديدة، وتتدفق في دورها إلى الخارج كأخواتها السابقة، دون أن تتغير هذه البقعة بل تظل على همجيتها القديمة، ولكن الذين كانوا ينسحبون منها ويسكنون البلاد الأخرى، كانوا يتحضرون مع مر الزمن، فتختلف حالتهم الجديدة من الحالة القديمة، فبينما المدنية تهذبهم وتزيل بربريتهم، فيشتغلون بالزراعة والصناعات، ويعيشون عيشة سهلة هنية، يبقى إخوانهم في مسقط رأسهم على حالتهم الأولى من الهمجية والخشونة والقسوة، ولذلك يظلون شبحا مخيفًا للمتحضرين) اهـ.
ثم يتحدث أبو الكلام عما عرف تاريخيًا من موجات متعاقبة لخروج يأجوج ومأجوج، فموجة كانت نحو آسيا الوسطى، وموجة نحو آسيا الغربية، وموجة نحو آسيا الغربية التي أوقفها (قورش) وموجة نحو الصين اقتضت من إمبراطور الصين (شين هوانغ تي) أن يبني جدار الصين العظيم، وموجة نحو أوروبا بقيادة أتيلا أنهت الإمبراطورية الرومانية، وموجة نحو الشرق العربي بقيادة جنكيز خان كان من آثارها تدمير أكثر البلدان الإسلامية ومنها بغداد (أقول: ولعلها المشار إليها بالحديث: "ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج كذا" وحلق الرسول ﷺ بين أصبعيه).
стр. 1044
"ويذكر أبو الكلام نبوءة لحزقيال عن يأجوج ومأجوج تذكر جوج بأنه رئيس منسك وتوبال فيقول ليس منسك إلا ما نسميه الآن موسكو، أما توبال فهي بلاد البحر الأسود المرتفعة"، ومن كلام أبي الكلام نفهم أن يأجوج ومأجوج يشكلون الشعوب التي تعتبر وراء جبال القوقاز كما يشكلون بالموجات التي انساحوا فيها في البلاد شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا وسيطروا عليها وامتزجوا بها بشعوب أخرى، إنهم يشكلون أكثرية سكان هذا العالم، وهذا الذي يشير إليه الحديث الصحيح الذي يذكر أن الله يأمر آدم يوم القيامة أن يخرج بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، وأن سبب كثرة بعث النار وجود أمتين يأجوج ومأجوج ما كانتا في شيء إلا كثرتاه، فسكان أوروبا وآسيا الشرقية بما في ذلك الصين وسيبيريا ومنغوليا وحتى الجنس الآري كله مظنة ان يكون لهم صلة بيأجوج ومأجوج، واما من هم الذين انصبت عليهم النصوص بأن خروجهم ومجيئهم إلى بلاد الشام قبيل يوم القيامة، فأمر غيبي يعرف ساعة وقوعه ولنعد إلى كلام أبي الكلام أزاد: يخصص أبو الكلام آخر بحثه عن سد يأجوج ومأجوج ومن كلامه:
(توجد في البقعة الواقعة بين بحر الخزر والبحر الأسود سلسلة جبال قوقاز كأنها جدار طبيعي، وقد سد هذا الجدار الجبلي الطرق الموصلة بين الشمال والجنوب، إلا طريقًا واحدًا بقي مفتوحًا، وهو مضيق في وسط سلسلة الجبال، يوصل بين الشمال والجنوب، ويسمى هذا المضيق في أيامنا هذه بمضيق داريال، ويشار إلى موضعه في الأطالس الحاضرة بين ولادي كيوكز Vladi Koukas وطفليس، حيث يوجد إلى الآن جدار حديدي من قديم الأزمان، ولا ريب أن هذا هو الجدار الذي بناه غوروش إذ تنطبق عليه الأوصاف التي وصف بها القرآن سد ذي القرنين قائلًا إنه استخدمت في بنائه زبر الحديد وأفرغ عليه النحاس بعد أن أذابوه لتتصل مفاصله، فلا يبقي به خلل، وقال إنه بني بين جدارين جبليين. وهذا هو ما نراه في مضيق داريال جدارين جبليين شاهقين أقيم بينهما هذا السد الحديدي الذي قفل باتصاله بالجدارين الطريق الذي كان مفتوحًا بينهما.
وإن الكتابات الأرمنية لها أهمية كبيرة في المسألة، لأنها لقرب المكان أصبحت بمنزلة الشهادة المحلية، قد سمى هذا السد أو الجدار الحديدي في اللغة الأرمنية من الدهور السالفة
стр. 1045
بـ"بهاك غورائي" و"كابان غورائي" ومعنى الكلمتين واحد وهو "مضيق غوروش" أو "ممر غوروش". ولا يخفى أن "غور" جزء لاسم غوروش بلا ريب. أفلا يثبت هذا أن غوروش هو الذي بنى الجدار وإليه نسبوه من قديم الزمان؟
وهناك شهادة أخرى لا تقل في أهميتها عن الأولى، وهي شهادة لغة بلاد جورجيا التي هي القوقاز بعينها، فقد سمي هذا المضيق باللغة الجورجية من الدهور الغابرة "الباب الحديدي" وترجمه الأتراك إلى لغتهم "دامركبو" وهو مشهور إلى الآن عندهم.
ألف الكاتب التركي وأستاذ التركية والفارسية في سنت بتربورغ، كاظم بك في سنة ١٨٤٥ تاريخًا لهذه الجهات باسم "دربند نامه" وترجم الكتاب إلى الإنجليزية باسم تاريخدربند، فراجعه، ص ٢١.
أما المؤرخون القدماء، فأول من ذكره منهم، هو الرحالة اليهودي الشهير، يوسف الذي كان عائشا في القرن الأول الميلادي ثم ذكره بعد أن عاينه بنفسه المؤرخ بروكويس Procopius في القرن السادس الميلادي، وذلك أن القائد الروماني، بلي ساريس Bolisarius لما أغار على هذه الجهة في سنة ٥٢٨ م كان الرجل معه فشاهد الأرض وما عليها.
سبق لنا أن أشرنا إلى "نهر سائرس" الذي يثبت وصول غوروش إلى هذه البقعة، فهنالك في القوقاز أنهار، ينبع كلها من هذه الجبال. وقد سمى واحد منها بنهر سائرس أي غوروش. وقد وثقت المصادر الأرمنية والكرجية هذا الاسم. وذكره كذلك بعض السياح الأوروبيين من القرن السادس عشر، فهذا أنتوني جن كنسن Anthonie Jenkinson الذي أرسلته شركة تجارية في لندرة إلى إيران من طريق روسيا سنة ١٥٥٧ م، يذكر هذا النهر في رحلته قائلًا بأنه يسمى بنهر سائرس، ثم إن جميع الخرائط التي وضعت لهذه الجهات في القرن الثامن عشر، ذكرت "نهر سائرس" هذا بصراحة تامة). اهـ.
ثم يتحدث أبو الكلام عن خطأ شائع سببه وجود سد آخر على ساحل بحر الخزر تسمى دربند وسماها العرب باب الأبواب فاختلط على بعضهم الأمر فظنوا أن سد دربند هو سد ذي القرنين مع أن هذا السد بني بالحجارة ولا يوجد بين جبلين، فيؤكد أن سد ذي القرنين
стр. 1046
هو الأول ويرجح أن هذا السد بني متأخرا وأن الذي بناه هو كسرى أنوشروان لضرورات دفاعية، ومن كلام أبي الكلام عن سد دربند:
"توجد على ساحل بحر الخزر الغربي بلدة، اشتهرت من العصر الساساني باسم "دربند" وسمتها العرب "باب الأبواب" وهي واقعة في نفس المكان الذي انتهت إليه سلسلة جبال القوقاز واتصلت بساحل بحر الخزر. وقد وجد هاهنا جدار حجري من الزمن القديم، يبتدئ من ساحل البحر ويرتفع على منحدرات الجبل صاعدًا إلى مرتفعاته، حتى يبلغ طوله نحو ثلاثين ميلًا.
وتفصيل ذلك أنك تجد قبل وصولك بلدة دربند، جدارًا يسد الطريق كله من الساحل إلى مرتفعات الجبل، فلا يمكنك الدخول في البلدة إلا من باب في الجدار نفسه، وكذلك إذا خرجت من البلدة، وجدت جدارًا آخر مثل الأول يسد الطريق، إلا أن به كذلك بابًا يمكنك من التقدم. ويمتد الجداران جنبًا إلى مرتفعات الجبل، وينقص الفصل بينهما كلما تقدما، حتى يصبح عند الساحل خمسمائة ياردة. وفي هذا الفصل تقع البلدة ثم ينقص الفصل بعد ميلين كذلك، فلا يجاوز مائة ياردة. وهنا تنتهي سلسلة الجدارين، فيصيران جدارًا واحدًا. ويمتد هذا الجدار إلى ثمانية وعشرين ميلًا، وينتهي على المرتفعات العالية من الجبل. وكانت قد اشتهرت سلسلة الجدارين عند الفرس باسم "دوبارة" والمكان الذي انتهت إليه هذه السلسلة أقيمت فيه قلعة.
وقد سدت هذه السلسلة جميع الطرق الموصلة بين الشمال والجنوب سدًا محكمًا، لأنها توغلت إلى داخل البحر، فسدت طريق الساحل كلية، ثم امتدت فوق الجبل إلى ثلاثين ميلًا، فسدت سائر الطرق التي وجدت في منحدرات الجبل سدًا تامًا، وليس لأحد أن يخترق من الشمال إلى الجنوب إلا بطريق واحد وهو الطريق الذي يفتحه البابان في سلسلة الجدار نفسه.
ومن المحقق أن هذا الجدار العظيم وجد قبل الإسلام وسمي المكان في العصر الساساني "دربند" لوجود الجدار به أي باب المملكة المقفل. وقد ذكر الإصطخري، والسعودي، والمقدسي، وياقوت الحموي، والقزويني وغيرهم من المؤرخين والجغرافيين العرب هذا المكان
стр. 1047
باسم "دربند" قائلين إنه كان يعد أهم مكان في العصر الساساني. لأن المتغيرين ما كانوا يستطيعون مهاجمة إيران الشمالية إلا من هذا الطريق، فكان المكان مفتوحًا للمملكة الإيرانية، يملكها من يملكه.
ولما فتح العرب هذه الجهات في القرن الأول من الهجرة، أدركوا أهمية المكان كالساسانيين، فدعوه "باب الأبواب" عوضًا من "دربند" وسماه البعض "باب الخزر" أو "باب الترك" لأنه كان الطريق لغارات هذه الشعوب. والاسم ترجمة حرفية لاسمه الرومي "كاسبين بورتا" أي باب الخزر". اهـ.
ويختم أبو الكلام حديثه بقوله:
"لقد كان في عصر غوروش أكبر خطر على آسيا الغربية من جهة قبائل سي تهين، وكان طريق غاراتهم من مضيق داريال، ولكن الوضع الجغرافي تغير بعد ألف عام، فلم يبق خطر من قبل سي تهين، ولكن حلت محله أخطار أخرى، كان أكبرها من جهة الإمبراطورية الرومانية الشرقية في بيزنطة التي كانت تنافس الإمبراطورية الفارسية، وتحاول القضاء عليها. وهي لم تكتف بطرق آسيا الصغرى المطروقة في حروبها، بل كانت تطرق هذا الطريق كذلك. ثم كانت هناك القبائل التركية في سهول بحيرة يورال وبحر الخزر التي انتشرت جماهيرها في الشمال، وكانت هي تهاجم الجهات الشمالية من الإمبراطورية الفارسية، فكان لزاما أن يحصن هذا المكان باهتمام كبير، وعلى ذلك شيد أنوشروان جدار دربند وسد به هذا الطريق في وجه المهاجمين". اهـ رسالة (ويسألونك عن ذي القرنين).
أقول:
إن هذا التوجه الذي اتجه إليه أبو الكلام هو الذي يناسب سبب النزول وهو الذي تقوم به الحجة، وهو الذي تتحقق به المعجزة فيكون ذلك علمًا من أعلام نبوة رسولنا ﵊، وهو الذي ينسجم مع الواقع الحالي للمعرفة البشرية، كما أنه ينسجم مع حديث: "ويل للعرب من شر قد اقترب". وينسجم مع حديث: "أخرج بعث النار ... ". ولا يتعارض مع نص قرآني إذ يمكن أن تفهم النصوص على ضوئه فقوله
стр. 1048
تعالى على لسان ذي القرنين: ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ (١) لا يشترط في فهمه أن يكون الوعد هو يوم القيامة بل هو اليوم الموعود لخرابه، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ (٢). لا يشترط أن يكون خروجهم بين يدي الساعة منوطًا بوجود السد بل المراد خروجهم من مواطنهم غازين هذا العالم ومنه بلاد الشام، ويحتمل أن يكونوا هم شيوعي هذا العالم -إن بقوا-، ويحتمل أن يكونوا شعوب الاتحاد السوفياتي خاصة، ويحتمل أن يكونوا الصينيين خاصة، ويحتمل أن يكونوا غيرهم ولا يتحددون إلا بظهورهم بين يدي الساعة.
إن تحقيقات العلماء كلها منصبة على أن يأجوج ومأجوج من ذرية آدم من ولد يافث ابن نوح ويدخل في ذرية يافث الروم والترك والجنس الآري والجنس الصيني، وعلى ذلك فسكان الهند والصين وشعوب شرقي آسيا وشعوب أوروبا أكثريتهم من ولد يافث ابن نوح، فمن هم الذين يعتبر خروجهم ومجيئهم بكثرتهم الكاثرة إلى بلاد الشام؟ هم يأجوج ومأجوج الذين يعتبر خروجهم من أشراط الساعة؟ الاحتمالات متعددة، والظاهر أنهم يأتون من الشرق.
لقد غزا في عصرنا الاتحاد السوفياتي أفغانستان وأصبح بينه وبين بلدان الخليج أقل من أربعمائة كيلو متر وهذا نموذج على ما يمكن أن يفعله شيوعيو الاتحاد السوفياتي -إن بقوا- في يوم ما تجاه منطقتنا، والصينيون يبلغون اليوم مليارًا، ولا يبعد أن يجتاحوا آسيا في يوم من الأيام وهذا نموذج على ما يمكن أن يحدث.
وقد وجدت روايات كاذبة حول السد ويأجوج ومأجوج، ووجدت روايات ضعيفة، فإذا ما وجد تحقيق قوى يمكن أن تفهم على ضوئه النصوص القرآنية والنصوص الحديثية الصحيحة والحسنة فإنه يكون مقدمًا حتى يأتي تحقيق آخر أقوى منه.
ومع ذلك كله فالأسلم التسليم والتفويض.
وقد مرت معنا بمناسبة الكلام عن عيسى ابن مريم وفي أحاديث الدجال أحاديث كثيرة لها علاقة بيأجوج ومأجوج ومع ذلك أفردنا لها هذه الفقرة.
стр. 1049
نصوص
١٠٨٩ - * روى أحمد عن ابن حرملة وهو خالد بن عبد الله بن حرملة عن خالته قال خطب رسول الله ﷺ وهو عاصب رأسه من لدغة عقرب فقال: "إنكم تقولون لا عدو وإنكم لن تزالوا تقاتلون حتى يأتي يأجوج ومأجوج عراض الوجوه صغار العيون صهب الشعاف ومن كل حدب ينسلون كأن وجهوهم المجان المطرقة".
١٠٩٠ - * روى البخاري ومسلم عن زينب بنت جحش ﵂ أن النبي ﷺ دخل عليها فزعا يقول: "لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق بأصبعيه: الإبهام والتي تليها" فقال زينب بنت جحش: فقلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم، إذا كثر الخبث".
هذه رواية البخاري ومسلم.
وفي رواية الترمذي (١) قالت: استيقظ رسول الله ﷺ من النوم محمرا وجهه، يقول: "لا إله إلا الله ... "وذكر نحوه. وفيه: وعقد عشرا.
قوله: "ويل للعرب" إنما خص الويل بهم، لأن معظم مفسدتهم راجع إليهم، وقد وقع بعض ما أخبر به ﷺ حيث قال: "إن يأجوج ومأجوج هم الترك" وقد أهلكوا الخليفة المستعصم، وجرى ما جرى ببغداد، قاله الكرماني.
قال النووي: "الخبث" هو بفتح الخاء والباء. وفسره الجمهور: بالفسوق والفجور. وقيل: المراد به: الزنا خاصة. وقيل أولاد الزنا. والظاهر: أنه المعاصي مطلقًا.
стр. 1050
"ونهلك" بكسر اللام، على اللغة الفصيحة المشهورة، وحكي فتحها، وهو ضعيف أو فاسد. ومعنى الحديث: أن الخبث إذا كثر، فقد يحصل الهلاك العام وإن كان هناك صالحون.
١٠٩١ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وعقد بيده تسعين".
قال النووي: "فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه" وعقد سفيان بيده عشرة، هكذا وقع في رواية سفيان عن الزهري. ووقع بعده في رواية يونس "وحلق بأصبعيه الإبهام والتي تليها".
وفي حديث أبي هريرة بعده "وعقد وهب بيده تسعين" فأما روايتا سفيان ويوسف، فمتفقتان في المعنى، وأما رواية أبي هريرة فمخالفة لهما؛ لأن عقد التسعين أضيق من العشرة.
قال القاضي: لعل حديث أبي هريرة متقدم، فزاد قدر الفتح بعد هذا القدر، قال: أو يكون المراد: التقريب للتمثيل، لا حقيقة التحديد، و"يأجوج ومأجوج" غير مهموزين ومهموزان، قرئ في السبع بالوجهين، والجمهور بترك الهمزة".
стр. 1051
مسائل وفوائد
(١)
قد مر معنا من قبل حديث النواس بن سمعان وفيه:
"فبينما هو كذلك (أي عيسى ﵇ إذ أوحى الله إلى عيسى ﵇ إني قد أخرجت عبادًا لي لا يدان لأحد بقتالهم فحرز عبادي إلى الطور. ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء، ويحصر نبي الله عيسى ﵇ وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرًا من مائة دينار لأحدكم اليوم فيرغب نبي الله عيسى ﵇ وأصحابه إلى الله تعالى فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة. ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم، فيرغب نبي الله عيسى ﵇ وأصحابه إلى الله فيرسل الله طيرًا كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله. ثم يرسل الله مطرًا لا يكن منه بيت مدر ولا وبر فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة ... " (١).
стр. 1052
(٢)
قال ابن كثير في النهاية:
"يأجوج ومأجوج طائفتان من الترك من ذرية آدم ﵇ كما ثبت في الصحيح، يقول الله تعالى يوم القيامة:
"يا آدم فيقول: لبيك وسعديك فينادي بصوت: ابعث بعث النار فيقول كم؟ فيقول من كل ألف تسعمائة وتسع وتسعون على النار وواحد إلى الجنة، فيومئذ يشيب الصغير وتضع كل ذات حمل حملها؛ فيقال: أبشروا؛ فإن في يأجوج ومأجوج لكم فداء؛ وفي رواية فيقال: إن فيكم أمتين ما كانتا في شيء إلا كثرتاه، يأجوج ومأجوج"
"وهم يشبهون الناس كأبناء جنسهم من الأتراك المخرومة عيونهم الزلف أنوفهم الصهب شعورهم على أشكالهم وألوانهم، ومن زعم أن منهم الطويل الذي كالنخلة السحوق أو أطول، ومنهم القصير الذي هو كالشيء الحقير، ومنهم من له أذنان يتغطى بإحداهما ويتوطى بالأخرى، فقد تكلف ما لا علم له به، وقال ما لا دليل عليه". اهـ (النهاية في الفتن والملاحم).
أقول: تطلق كلمة الأتراك على الأقوام القاطنة وراء جبال تركستان، فلا ينبغي أن ترتبط كلمة الترك بما هو مشهور ومعروف الآن: أن الأتراك هم سكان آسيا الصغرى في شمال بلاد الشام، فهناك أتراك مسلمون كانت لهم أدوار كبيرة في خمة الإسلام والمسلمين، فهؤلاء من الأمة الإسلامية ولا يدخلون فيما ورد من كلام للعلماء في كفار الترك.
(٣)
قال الشيخ عبد الفتاح:
"ويأجوج ومأجوج كل واحد من هذين اللفظين: اسم لقبيل وأمة من الناس، مسكنهم في أقصى الشرق، وما يقال في خلقتهم وصفاتهم مما يخيل إلى سامعه أنهم ليسوا من طبيعة البشر ولا على خلقة الناس فكذب لا أصل له. قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" في تفسير سورة الكهف ٣: ١٠٣ - ١٠٤: "هم من سلالة آدم ﵇، كما ثبت في "الصحيحين": أن الله تعالى يقول -أي يوم القيامة- يا آدم فيقول: لبيك وسعديك،
стр. 1053
فيقول: ابعث بعث النار -أي ميز أهل النار من غيرهم- فيقول: وما بعث النار؟ -أي وما مقدارهم؟ - فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار، وواحد إلى الجنة، فحينئذ يشيب الصغير! وتضع كل ذات حمل حملها! فقال -أي رسول الله ﷺ : إن فيكم أمتين ما كانت في شيء إلا كثرتاه: يأجوج ومأجوج". انتهى.
قال العلامة جمال الدين القاسمي رحمه الله تعالى في تفسيره "محاسن التأويل" عند ذكرهم في سورة الكهف ١١: ٤١١٦: "قال بعض المحققين: كان يوجد من وراء جبل من جبال القوقاز المعروف عند العرب بجبل قاف في إقليم داغستان: قبيلتان، تسمى إحداهما: (آقوق)، والثانية (ماقوق)، فعربها العرب باسم (يأجوج) و (مأجوج)، وهما معروفان عند كثير من الأمم، وورد ذكرهما في كتب أهل الكتاب، ومنهما تناسل كثير من أمم الشمال والشرق في روسيا وآسيا".
ثم قال الحافظ ابن كثير: "وما يذكر في الأثر عن وهب بن منبه في أشكالهم وصفاتهم وآذانهم وطولهم وقصر بعضهم ففيه غرابة ونكارة. وروى ابن أبي حاتم عن أبيه في ذلك أحاديث غريبة لا تصح أسانيدها". انتهى. وقال الشيح أبو حيان الاندلسي في تفسيره: "البحر" ٦: ١٦٣ "قد اختلف في عددهم وصفاتهم، ولم يصح في ذلك شيء". ونقله عنه العلامة الألوسي في تفسيره "روح المعاني" ٥: ١٤٢ مرتضيًا له. ويعني أبو حيان أن الأخبار التي تروى في ذلك ضعيفة لا تثبت على محك النقد.
وقد اتفقت كلمة القرآن الكريم والحديث الشريف على كثرة يأجوج ومأجوج، وشدة إفسادهم كما هو صريح في ... [حديث النواس بن سمعان]، وكما هو صريح في حديث "الصحيحين" الذي نقلناه عن الحافظ ابن كثير ... ، وكما جاء ذلك في أحاديث كثيرة لا تحصى.
وقد أفصح القرآن الكريم عن هذا أيضًا فقال تعالى في سورة الكهف مخبرًا عن ذي القرنين وعنهم: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا * قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا
стр. 1054
عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ (١)؟ ثم قال سبحانه: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ (٢).
وقال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" ٣: ١٠٥ "وقال السدي في قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ (٣) قال: ذاك حين يخرجون على الناس. وهذا كله قبل يوم القيامة وبعد الدجال، كما سيأتي بيانه عند قوله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ (٤). وقال عند هذه الآية في سورة الأنبياء ٣: ١٩٥: "وهذه صفتهم في حال خروجهم".
اهـ (التصريح بما تواتر في نزول المسيح)
* * *
стр. 1055
الفقرة الثانية والعشرون
في
لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق
مقدمة
بعد وفاة المسيح علية السلام بفترة ما يرسل الله ريحًا تقبض روح كل مؤمن كما مر معنا من قبل، وأصل هذا الموضوع وهو أن ريحًا تكون بعد المسيح ﵇ بزمن ما تقبض روح كل مؤمن فلا يبقى إلا شرار الخلق عليهم تقوم الساعة، هذا القدر فيه نصوص كثيرة منها حديث عبد الله بن عمرو الذي ذكرناه من قبل وناقشنا بعض أجزائه، والذي فيه (١):
" ... ثم يرسل الله ريحا فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته حتي لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلت عليه حتى تقبضه فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان".
وفي رواية لأحمد ومسلم وغيرهما (٢) " ... فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحًا طيبة. فتأخذهم تحت آباطهم. فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم ويبقى شرار الناس، يتهارجون فيها تهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة".
(يتهارجون تهارج الحمر): قال الشيخ عبد الفتاح:
"أي يتسافدون في الأرض تسافد الحمر، أي يجامع الرجال علانية النساء بحضرة الناس كما يفعل الحمير، ولا يكترثون لذلك. والهرج: الجماع. وهذا نموذج لشيوع الفساد والفواحش حينذاك " اهـ (التصريح).