← Акыда

Акыда · id 18338

الأساس في السنة وفقهها - العقائد الإسلامية

سعيد حوى

Полный текст (1 514 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

فيقتلها، وينشرها بالمنشار، حتى يلقى شقتين. ثم يقول: انظروا إلى عبدي هذا. فإني أبعثه الآن، ثم يزعم أن له ربًا غيري. فيبعثه الله، ويقول له الخبيث: من ربك؟ فيقول: ربي الله، وأنت عدو الله. أنت الدجال. والله ما كنت، بعد، أشد بصيرة بك مني اليوم". قال أبو الحسن الطنافسي: فحدثنا المحاربي. ثنا عبيد الله بن الوليد الوصافي عن عطية، عن أبي سعيد؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "ذلك الرجل أرفع أمتي درجة في الجنة". قال: قال أبو سعيدٍ: والله! ما كنا نرى ذلك الرجل إلا عمر ابن الخطاب. حتى مضى لسبيله. قال المحاربي: ثم رجعنا إلى حديث أبي رافع. قال: "وإن من فتنته أن يأمر السماء أن تمطر فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت. وإن من فتنته أن يمر بالحي فيكذبونه، فلا تبقى لهم سائمة إلا هلكت. وإن من فتنته أن يمر بالحي فيصدقونه، فيأمر السماء أن تمطر فتمطر، يأمر الأرض أن تبنت فتنبت، حتى تروح مواشيهم، من يوهم ذلك، أسمن ما كانت وأعظمه، وأمده خواصر، وأدره ضروعًا. وإنه لا يبقى شيء من الأرض إلا وطئه وظهر عليه، إلا مكة والمدينة، لا يأتيهما من نقبٍ من نقابهما إلا لقيته الملائكة بالسيوف صلته حتى ينزل عند الظريب الأحمر، عند منقطع السبخة، فترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفاتٍ. فلا يبقى منافق ولا منافقة إلا خرج إليه. فتنفي البخث منها كما ينفي الكير خبث الحديد. ويدعى ذلك اليوم يوم الخلاص". (١)

стр. 982

فقالت أُمُّ شريك بنت أَبي العكر: يا رسول الله! فأين العرب يومئذٍ؟ قال: "هم يومئذٍ قليل. وجُلُّهم ببيت المقدس. وإمامهم رجلٌ صالح فبينما إمامهم قد تقدَّم يُصلِّي بهم الصبح، إذ نزل عليهم عيسى ابن مريم الصبح، فرجع ذلك، فرجع ذلك الإمام ينكص، ويمشي القهقرى، ليتقدَّم عيسى يُصلي بالناس، فيضع عيسى يده بين كتِفيه ثمَّ يقول له: تقدَّم فصلِّ فإنَّها لك أُقِيمت. فيصلِّي بهم إمامهم، فإذا انصرفَ قال عيسى ﵇: افتحوا الباب. فيُفتَح، ووراءه الدَّجَّال، معاه سبعون ألفِ يهودي، كلُّهم ذو سيف مُحلَّى وساجِ، فإذا نظر إليه ذابَ كما يذوب الملح في الماء، وينطلق هارباً, ويقول عيسى ﵇: إن لي فيك ضربة لن تسبقني بها. فيُدرِكه عند باب اللِّدِّ الشرقي فيقتله، فيهزم الله اليهود، فلا يبقى شيء مما خلق الله يتوارى به يهودي إلا أنطق الله ذلك الشيء، لا حجر ولا شجر ولا حائط ولا دابَّة (إلا الغرقدة، فإنها من شجرهم، لا ينطق) إلا قال: يا عبد الله المسلم! هذا يهودي فتعال اقتله". قال رسول الله ﷺ : "وإن أيامه أربعون سنةً. السنةُ كنصف السنة, والسنة كالشهر، والشهر كالجمعة, وآخر أيامه كالشررة. يصبح أحدكم على باب المدينة، فلا يبلغ بابها الآخر حتى يُمسي". فقيل له: يا رسول الله! كيف نًصلِّي في تلك الأيام القِصار؟ قال: "تقدرون فيها الصلاة كما تقدرونها في هذه الأيام الطِوال، ثمَّ صلُّوا". قال رسول الله ﷺ : "فيكون عيسى ابن مريم ﵇ (١)

стр. 983

في أمَّتي حكَماً عدْلاً، وإماماً مُقسِطاً. يدقُّ الصليب، ويذبح الخنزر، ويضع الجِزيَة، ويترك الصدَقَة، فلا يسعى على شاةٍ ولا بعيرٍ. وتُرْفَع الشحْناء والتباغُض، وتُنْزَع حُمَةُ كل ذاتِ حُمَةٍ، حتى يُدْخِل الوليد يده في الحيَّة، فلا تضُرُّه. وتُفِرُّ الوليدة الأسد، فلا يضُرُّها. ويكون الذئب في الغنم كأَّنه كلبها. وتُمْلَأُ الأرضُ من السِّلم كما يُمْلَأُ الإناء من الماء. وتكون الكلمة واحدةً, فلا يُعْبَدُ إلا الله وتضع الحرب أوزارها. وتُسْلَبُ قُريش مُلكها. وتكون الأرض كفاثور الفضَّة، تُنْبِتُ نباتها بعهد آدم. حتَّى يجتمع النفر على القُطف من العنب فيُشْبِعُهم، ويجتمع النفر على الرُّمَّانة فتُشْبِعُهم. ويكون الثور بكذا وكذا، من المال. وتكون الفرس بدُرَيْهِمات" قالوا: يا رسول الله! وما يُرْخِص الفَرَس؟ قال: "لا تُرْكَبُ لحربٍ أبداً" قِيلَ له: فما يُغْلِي الثَّوْر؟ قال: "تُحْرَثُ الأرض كلَّها. وإن قبل خروج خروج الدَّحَّال ثلاث سنواتٍ شدادٍ، يُصِيبُ الناس فيها جوعٌ شديدٌ. يأمرُ اللهُ السماءَ في السنة الأولى أن تحبس ثُلثَ مطرها, ويأمُرُ الأرض فتحبِس ثُلُث نباتها. ثم يأمر السماء في الثانية، فتحبِسُ ثُلُثَي نباتها. ثمَّ يأمر الله (١)

стр. 984

(١) السماء، وفي السَّنة الثالثة، فتحبس مطرها كلَّه، فلا تقطُر قطرةٌ، ويأمر الأرض، فتحبس نباتها كلَّه، فلا تُنْبِتُ خضراءَ. فلا تبقى ذات ظِلْفٍ إلَّا هَلَكَتْ إلا ما شاء الله". قيل: فما يُعِيش الناس في ذلك الزمان؟ قال: "التهليلُ والتكبيرُ والتسبيحُ والتحميدُ، ويُجْرِي ذلك عليهم مُجْرِي الطعام". قال أبو عبد الله: سمعتُ أبا الحسن الطنافسي يقول: سمعتُ عبد الرجمن المحاربي يقول: ينبغي أن يُدْفَع هذا الحديث إلى المؤدِّب، حتى يُعلمَّه الصبيان في الكتاب. ١٠٧٦ - * روى الحاكم عن حُذَيفة بن أُسَيْدٍ ﵁، قال أبو الطفيل الليثي: كنت بالكوفة، فقيل: قد خرج الدَّجَّال! فأتينا حُذَيفة بن أسيد، فقلت: هذا الدَّجَّال قد خرج! فقال: اجلس فجلست، فنُودِيَ إنَّه كِذْبةُ صبَّاغ. فقال حُذَيْفة: إن الدَّجَّال لو خرج في زمانكم لرمته الصبيان بالخَذَف، ولكنه يخرج في نقصٍ من الناس، وخِفَّةٍ من الدّين، وسوء ذات بَيْنٍ، فيَرِدُ كلُّ مَنْهَلٍ، وتُطْوَى له الأرض طيّ فَرْوَة الكبش حتى يأتي المدينة فيغلب على خارجها، ويُمنَع داخلها، ثم جبلَ إيلياء فيُحاصِر عصابة من المسلمين. فيقول لهم الذي عليهم: ما تَنتظرون بهذا الطاغية أن تقاتلوه حتى تَلْحقوا بالله أو يُفْتَحَ

стр. 985

لكم؟ فيأتمرون أن يقتلوه إذا أصبحوا، فيُصبِحون ومعهم عيسى ابن مريم، فيَقتل الدَّجَّال ويهزِم أصحابه. حتى أن الشَّجر والحجر والمَدَر يقول: يا مؤمن هذا يهودي عندي فاقتله. قال: وفيه ثلاثُ علامات، هو أعور، وربُّكم ليس بأعور. ومكتوبٌ بين عينيه: (كافر)، يقرأُه كلُّ مؤمنٍ أُمِّي وكاتبٍ ولا يثسخَّر له من المطايا إلا الحمار، فهو رِجسٌ على رجسٍ. ثمَّ قال: أنا لغير الدَّجَّال أخوف ُ عليَّ وعليكم! فقلنا: ما هو؟ قال: فِتَن كأنَّها قِطَع الليل المظلِم. قال: فقلنا: أي الناس فيها خير؟ قال: كلُّ غنيّ خفي. قال: فقلتُ: ما أنا بالغني ولا بالخفي، قال: فكن كابنِ اللَّبُون: لا ظَهْر فيركب، ولا ضَرْعَ فيُحْلَب. ١٠٧٧ - * روى الحاكم عن عبد الله بن مسعود ﵁، ذُكِر عنده الدَّجَّال فقال: يفترق على الناسُ عند خُروجه ثلاثَ فِرقٍ: فِرقة تتبعه، وفِرقة تلْحَق بأرض آبائِها بمنابتِ الشِّيح، وفِرقة تأخذُ شطَّ الفُرات فيُقاتِلُهم ويُقاتِلُونه حتى يَجتمع المؤمنون بقُرى الشَّام، فيَبعثون إليه طلِيعة فيهم فارسٌ على فرسٍ أشقر أو أبلق، فيُقتلُون لا يرجع منهم أحدٌ. ثم إن المسيح ﵇ ينزل فيقتله.

стр. 986

ثم يخرج يأجوج ومأجوج فيموجون في الأرض فيفسدون فيها، ثم قرأ عبد الله: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ (١). ثمّ يبعث الله عليهم دابَّة مثل النَّغف، فتدخل في أسماعهم ومناخِرهم فيموتون منها، فتُنتن الأرض منها، فيَجأُ أهلُ الأرض إلى الله، فيرسلُ الله ماءً فيُطهِّر الأرض منهم، ثم يبعث الله ريحاً فيها زمهريرُ باردة، فلا تَدَعُ على وجه الأرض مؤمناً إلا كفأته تلك الريح. ثم تقوم الساعةُ على شِرارِ الناس. ثم يقوم ملك الصُّور بين السَّماء والأرض، فينفُخ فيه فلا يَبقى خلق لله في السماوات والأرض إلا مات إلا من شاء ربك. ثم يكون بين النفختين ما شاء الله أن يكون، فليس من بني آدم خلق إلا وفي الأرض منه شيء. ثمَّ يرسل الله ماءً من تحتِ العرش كَمِنيَ الرِّجال، فتنبتُ جسمانهم ولحمانهم من ذلك الماء، كما تنبُتُ الأرض من الرَّي، ثمَّ قرأ عبد الله: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ (٢). ثم يقوم ملك بالصور بين السَّماء والأرض، فينفخ فيه فتنطلق كل نفس إلى جسدها حتى تدخل فيه، فيقومون فيجبون تجبِيَة رجلٍ واحدٍ قياماً لربِّ العالمين. ثم يتمثَّل الله تعالى للخلق فيلقاهم، فليس أحدٌ من الخلق يعبد من دون الله شيئاًإلا وهو مرفوع له يتبعه.

стр. 987

فيلقى اليهود فيقول: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: نعبد عُزيراً، فيقول: هل يسرُّكم الماء؟ فيقولون نعم، فيُريهم جهنَّم كهيئةِ السَّراب، ثم قرأ عبد الله: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا﴾ (١). ثم يلقي النصارى فيقول: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: المسيح، فيقول: هل يسرُّكم الماء؟ فيقولون نعم، فيُريهم جهنَّم كهيئةِ السَّراب. ثم كذلك كلُّ من كان يعبد من دون الله شيئاً، ثمَّ قرأ عبد الله: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ (٢). ثم يتمثَّل الله تعالى للخلق حتى يبقى المسلمون فيلقاهم، فيقول: من تعبدون؟ فيقولون: نعبدُ الله ولا نُشرِك به شيئاً، فينْتَهِرهم مرتين أو ثلاثاً فيقول: من تعبدون؟ فيقولون: نعبدُ الله ولا نُشرِك به شيئاً، فيقول هل تعرفون ربَّكم؟ فيقولون: سبحانه إذ تعرَّف لنا عرفناه، فعند ذلك يُكْشَفً عن ساق، فلا يبقى مؤمنٌ إلا خرّ لله ساجداً ويبقى المنافقون ظُهورهم طبقٌ واحد، كأنما فيها السفافيد، فيقولون: ربَّنا! قد كنتم تُدعَون إلى السجود وأنتم سالمون. ثمَّ يأمر الله سبحانه بالصراط، فيُضرَب على جهنَّم، فيمرُّ الناس بقدر أعمالهم زُمراً أوائلهم كلمحِ البرق، ثمَّ كمرِّ الريح، ثمَّ كمرِّ الطير، ثمَّ كأسرع البهائم، ثم كذلك حتى يمرُّ الرَّجل سعياً، حتى يمرُّ الرجل مشياً حتى يجيء آخرهم رجلٌ يتلبَّط على بطنه، فيقول، يا رب لمَ أبطأتَ بي؟ فيقول: لم أُبطِئ بك، إنَّما أبطأبك عملك! ثم يأذن الله تعالى في الشفاعة، فيكون أوَّل شافع روح القُدُس جبريل، ثمّ إبراهيم خليل الله، ثم موسى، أو قال: عيسى، ثمَّ يقوم نبيكم رابعاً، لا يشفع أحدٌ بعده فيما يشفع فيه وهو المقام المحمود الذي وعده الله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (٣). فليس من نفسٍ إلا وهي تنظر إلى بيتٍ في الجنَّة، وبيتٍ في النَّار، وهو يوم الحسرة!

стр. 988

فيُرى أهل النار البيت الذي في الجنَّة فيقال: لو عملتم؟! فتأخذهم الحسرة! ويرى أهل الجنَّة البيت الذي في النَّار فيقال: لولا أن مَنَّ الله عليكم. ثمّ يشفع الملائكة والنبيُّون والشهداء والصالحون والمؤمنون فيُشفِّعهم الله تعالى. ثمّ يقول الله: أنا أرحم الراحمين. فيجرخ من النار أكثر مما أخرج من جميع الخلق برحمته، حتى لا يترك فيها أحداً فيه خير. ثم قرأ عبد الله: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ (١). فعقد عبد الله بيده أربعاً ثم قال: هل ترون من هؤلاء أحداً فيه خير؟ لا، وما يترك فيها أحدٌ فيه خير! فإذا أراد الله أن لا يُخرِج منها أحداً غير وجوههم وألوانهم، فيجيء الرجل من المؤمنين فيُشَفَّع، فيقال له: من عرف أحداً فليُخرِجه. فيجيء الرجل فينظر فلا يعرِف أحداً، فيناديه الرجل فيقول: يا فلان أنا فلان. فيقول: ما أعرِفك. فعند ذلك يقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ (٢) فيقول عند ذلك: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ (٣). فإذا قال ذلك أُطبِقت عليهم فلا يُخرَج منهم أحدٌ! شرح الشيخ عبد الفتاح وتعليقاته: (الشّيح): يعني: البدية، إذ الشِّيح: نبْتٌ يخرج في البادية. (الطَّليعة): جماعة يتقدَّمون الجيش ليكشفوا أحوال العدو. (أبلق): أي فيه سواد وبياض. (النغف): هو دُودٌ يكون في أنوف الإبل والغنم. (يجأرون): أي يتضرَّعون إلى الله بالدعاء. (الزمهرير): شِدَّة البرد، ووصْفة بالباردة نظراً لمعناه وإشارة إلى بالغ برودته. وفي

стр. 989

رواية للحاكم: ٤: ٥٥٦، "زمهرير بارد". (كفأته): أي أمالته ميتاً بلُطفٍ وراحة. (الصُّور): هو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل ﵇. قوله: (فليس من بني آدم خلق إلا وفي الأرض منه شيء) (أي ليس من بني آدم مخلوقٌ إلا وفي الأرض جزءٌ منه. وهذا الجزء كما قال سفيان الثوري: (عَجْبُ الذنب) كما في (تذكرة القرطبي) و (مختصرها) للشعراني ص ٤٠. وعَجْب الذّنب- ويقال: عجم الذَّنب بالميم-: هو عظم لطيف كحبَّة الخردل في أصل الصُّلب، وهو رأس العُصْعُص بين الأليتين، وهو مكان الذَنَب من الحيوانات ذوات الأربع، كما قاله الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) ٨: ٤٢٤. قد روى البخاري ٨: ٤٢٤، ومسلم ١٨: ٩٢ عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "كل ابن آدم يأكله التُّراب إلا عَجْب الذَّنْب، ومنه خُلِق، ومنه يُرَكَّب الخلق يوم القيامة". قال الحافظ ابن حجر: "قال الشيخ ابن عقيل الحنبلي: لله في هذ سرٌّ لا نعلمه، لأنّ من يُظهر الوجود من العدَم لا يحتاج إلى شيءٍ يبني عليه". انتهى. (كمني الرجال): أي من حيثُ شكله وصورته، لا من حيث الحقيقة. ويُقال لذلك الماء: ماءُ الحياة، مطر الحياة. (جسمانهم ولحمانهم): أي أجسادهم ولحومهم. (من الرَّي): أي من ارتوائها بالماء. وفي رواية "من الثَّرى" أي التُّراب النديّ. (فيجيبون): أي يضعون أيديهم على رُكبَهُم وهم قائمون. كما في "النهاية". (يتمثَّل الله تعالى للخلق): أي يتجلَّى لهم سبحانه. (السَّراب): ما تراه في شدَّة الحر على وجه الأرض كالماء.

стр. 990

تعليقاُ على قوله: (من كان يعبد من دون الله شيئاُ): "وفي حديث أبي هريرة عند البخاري ١٣: ٣٥٧ ومسلم ٣: ١٨ قوله ﷺ : "يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول: من كان يعبُد شيئاً فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمسُ الشمسَ، ويتبع من كان يعبد القمرُ القمرَ، ويتبع من كان يعبد الطواغيتُ الطواغيتَ، وتبقى هذه الأمَّة فيها شافعوها". وفي حديث أبي سعيد الخدري ١٣: ٣٥٨ ومسلم ٣: ٢٦ قوله ﷺ : "ثم ينادي منادٍ: ليذهب كلُّ قومٍ إلى ما كانوا يعبدون، فيذهب أصحاب الصليب مع صليبهم، وأصحاب الأوثان مع أوثانهم، وأصحاب كل آلهة مع ألهتم، فلا يَبقى أحدٌ كان يعبد غير الله سبحانه من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النَّار". (إذا تعرَّف لنا عرفناه): "أي إذا ظهر لنا على وجه لا يشبه المخلوقين، في مُلكٍ لا ينبغي لغيره، وعظَمةٍ لا تشبه شيئاً من مخلوقاته: عرفناه أنه ربَّنَا سبحانه فيتجلَّى لهم سبحانه، فإذا تجلَّى فلا يبقى مؤمناً إلآ خرَّ له ساجداً". تعليقاً على قوله: (فيكشف عن ساق): "وفي صحيح مسلم" ٣: ٢٧ - ٢٨ من حديث أبي سعيد الخدري قوله ﷺ :: "فيُكشَف عن ساقٍ، فلا يبقى من كان يسجُد لله من تلقاء نفسه إلا أَذِنَ الله له بالسجود- أي سهَّل له وهوَّن عليه- ولا يبقى من كان يسجُد اتقاءً ورِياءً إلا جعل الله ظهره طبقةً واحدةً، كلَّما أراد أن يسجُدَ خرَّ على قفاه". (السفافيد): هي جمع سفُّود، وهو الحديدة التي يُشْوى فيها اللحم. (يأمر الله سبحانه بالصراط): أي يأمر الله سبحانه أن يُضرَب الجِسر على جهنَّم ليعبر

стр. 991

المؤمنون عليه إلى الجنَّة. وفي حديث أبي سعيد الخدري عند البخاري ١٣: ٣٥٩ ومسلم ٣: ٢٩ قلنا: يا رسول الله وكما الجسر! قال: ""٠ مَدْحضة مَزَلَّة- أي تَزْلق عليه الأقدام وتزِلُّ- عليه خطاطيف وكلاليب وحسك- شوكٌ صُلبٌ من حديد- لها شوكة عقيفة- ملتوية- فيمرّ المؤمنون كطرف العين، وكالبرق، وكالريح، وكالطير، وكأجاويد الخيل والرِّكاب، فناجٍ مسلمٌ، ومخدوشٌ مرسَلٌ- أي مطلق من العذاب بعد أن أصابه- ومكدوس- مدفوع مصروع- في نار جهنَّم". (زمراً): أي جماعات. (سعياً): أي ركضاً. (يتلبط): أي يتقلَّب على بطنه. تعليقاً على قوله: (ثمَّ يقوم نبيُّكم رابعاً): قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" ١١: ٣١٩ عقب حديث ابن مسعود: وهذا الحديث لم يُصرَّح برفعه، وقد ضعّفه البخاري وقال: المشهور قوله ﷺ : "أنا أوَّل شافع". ثمّ قال الحافظ ابن حجر: وعلى تقدير ثبوته فليس من طُرُقه التصريح بأنَّه المقام المحمود. انتهى. قلت: في السياقة المذكورة التصريحُ بذكر المقام المحمود، فالحق ما قاله الإمام البخاري والحافظ الهيثمي. تعليقاً على قوله: (فيُرى أهل النار البيت الذي في الجنَّة ... ويُرى أهل الجنَّة البيت الذي في النار): عن أبي هريرة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : "لا يدخل أحدٌ الجنَّة إلا أُرِيَ مقعده في النار- لو أساء* ليزداد شكراً. ولا يدخل أحد النار أحدٌ إلا أُرِيَ مقعده في الجنَّة-

стр. 992

لو أحسن- ليكون عليه حسرة" رواه البخاري ١١: ٣٨٤. (فيه خير): أي إيمان ولو كحبَّة خردل. يعني يُخرِج الله من النار- بعد خروج الذين عُذِّبوا فيها من المؤمنين بشفاعة الأنبياء والملائكة والصالحين ... - كلُّ من كان في قلبه إيمان بالله ولو كحبَّة خردل، ولكن بعد أن يُصيبَه من عذاب جهنَّم ما يُصيبه! اهـ. (التصريح بما تواتر في نزول المسيح). أقول: رأينا ملاحظة ابن حجر على بعض ما وَرَدَ في حديث ابن مسعود الأخير وموافقة الشيخ عبد الفتَّاح له، والحديث بشكل عام يعرض علينا مشاهد مما يكون قبل يوم القيامة ومما يكون بعدها، وكثير من مشاهده تحتاج إلى وضعها في الإطار الكلِّي لما يكون بين يدي الساعة وما بعدها، وقد مرَّ معنا وسيمرُّ معنا ما يوضِّح هذا الإطار الكلِّي, ونعرف محل كل جزء من الحديث بالنسبة للإطار الكلِّي. والمشهور عند لعلماء أنَّ المقام المحمود هو الشَّفاعة لفصل الخطاب ثمَّ الشفاعة لعبور الصراط، ثمَّ الشفاعة لدخول الحنَّة، والحديث وصف المقام المحمود بغير ذلك، وهو محمول على مقام محمود لرسول الله ﷺ عامَّةً وليس المراد به المقام المحمود المخصوص بالذِّكر في النصوص، ولا مانع أن تكون هناك شفاعة من الشفاعات يكون البادئ فيها جبريل ﵇ ويكون رسولنا ﵊ هو الرابع، وهذه غير الشفاعة التي يكون فيها رسولنا ﵊ هو أوَّل الشافعين.

стр. 993

فوائد ومسائل (١) قال ابن كثير في كتابه (النهاية في الفِتَن والملاحِم): قد سأل سائل سؤالا فقال: ما الحكمة في أن الدجَّال مع كثرة شرِّه وفجوره وانتشار أمره ودعواه الربوبيَّة وهو في ذلك ظاهر الكذب والإفتراء وقد حذِّر منه جميع الأنبياء لم يُذكَر في القرآن ويُحذَّر منه ويُصرَّح باسمه ويُنَوَّه بكذبه وعناده؟ والجواب: من وجوه، أحدها: أنه قد أُشِير إلى ذكره في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ (١) الاية. قال أبو عيسى الترمذي (٢) عند تفسيرها: حدَّثنا عبد بن حميد حدَّثنا يعلي بن عُبيد عن فضيل بن غزوان عن أبي حازم عن أبي هُريرة عن النبي ﷺ قال: "ثلاثٌ إذا خرجنَ لم ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً: الدَّجَّال والدَّابة وطلوع الشمس من المغرب أو من مغاربها". ثم قال: هذا حديث حسن صحيح. الثاني: أن عيسى ابن مريم ينزل من السماء الدنيا كما تقدَّم وكما سيأتي وقد ذُكِر في القرآن نزوله في قوله تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا * وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا

стр. 994

لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ (١). وقد قرَّرنا في التفسير أن الضمير في قوله قبل موته عائد على عيسى أي سينزل إلى الأرض ويؤمن به أهل الكتاب الذين اختلفوا فيه اختلافاً متبايناً؛ فمِن مُدَّعي الإلهيَّة كالنصارى، ومن قائل فيه قولاً عظيماً وهو أنه وُلِدَ رِيبَةً وهم اليهود، فإذا نزل قبل يوم القيامة تحقَّق كل من الفريقين كذب نفسه فيما يدَّعيه من الافتراء ... وعلى هذا فيكون ذِكر نزول المسيح عيسى ابن مريم إشارة إلى المسيح الدَّجال شيخ الضلال وهو ضد مسيح الهدى ومن عادة العرب أنها تكتفي بِذِكر أحد الضدَّيْن عن ذكر الآخر كما هو مقرر في موضعه. الثالث: أنه لم يُذكر اسمه في القرآن احتقاراً له حيث يدَّعي الإلهيَّة وهو ليس ينافي حالة جلال الرّب وعظَمَته وكبريائه وتنزيهه عن النقص فكان أمره عند الرَّب أحقر من أن يُذكر وأصغر وأدخر من أن يُحكى عن أمر دعواه ويحذِّر؛ ولكن انتصر الرُّسل بجناب الرَّب فكشفوا لأمَمِهم عن أمره وحذَّروهم ما معه من الفتن المُضِلَّة والخوارق المضمحلَّة فاكتُفِيَ بإخبار الأنبياء، وتواتر ذلك عن سيد ولد آدم إمام الأتقياء عن أن يذكر أمره الحقير بالنسبة إلى جلال الله في القرآن العظيم، ووكَّلَ بيان أمره إلى كل نبيٍّ كريم. أ. هـ. (النهاية). (٢) مرَّ معنا حديث المغيرة بن شُعبة والذي فيه عن الدَّجَّال: "وهو أهون على الله من ذلك". وقد علَّق ابن كثير في النهاية على هذا الحديث فذكر رواية مسلم، وذكر أنَّ البخاري رواه أيضاً، ومن كلامه: عن المغيرة بن شُعبة قال ما سأل أحد النبي ﷺ عن الدَّجَّال أكثر مما سألته، قال وما سؤالك؟ قال: إنهم يقولون: إن معه جبالاً من خبزٍ ولحمٍ ونهراً من ماء؟ قال: "هو أهون على الله من ذلك".

стр. 995

وقد تقدَّم حديث حُذَيْفة وغيره أن ماءه نار وناره ماء بارد وإنما ذلك في رأي العين، وقد تمسَّك بهذا الحديث طائفة من العلماء كابن حزم والطحاوي وغيرهما في أنّ الدَّجَّال ممخرق مموِّه لا حقيقة لما يُبْدِي للناس من الأمور التي تُشَاهَد في زمانه بل كلها خيالات ضد هؤلاء. والذي يظهر من الأحاديث المتقدمة أن الدَّجَّال يمتحن الله به عباده بما يخلقه معه من الخوارق لمشاهدة في زمانه كما تقدَّم أن من استجاب له يأمر السماء لتمطرهم والأرض فتنبت لهم زرعاً تأكل منه أنعامهم وأنفسهم وترجع إليهم سٍماناً ومن لا يستجيب له ويرد عليه أمره تصيبهم السنة والجدب والقحط والعلَّة وموت الأنعام ونقص الأموال والأنفس والثمرات. وأنَّه تتبعه كنوز الأرض كيعاسيب النحل. ويقتل ذلك الشاب ثم/َّ يُحييه. وهذا كله ليس بمخرقة بل له حقيقة امتحن الله به عباده في ذلك الزمان فيُضِلّ به كثيراً ويهدي به كثيراً، يكفر المرتابون، ويزداد الذين آمنوا إيماناً. وقد حمل القاضي عياض وغيره على هذا المعنى معنى الحديث: "هو أهون على الله من ذلك". أي هو أقل من أن يكون معه ما يُضِلُّ به عباده المؤمنين. وما ذاك إلا لأنه ظاهر النقص والفجور والظُّلم، وإن كان معه ما معه من الخوارق. أهـ (النهاية). (٣) قال الشيخ عبد الفتَّاح أبو غدة: وقد بيَّن سيدنا رسول الله ﷺ اوصاف هذا الدَّجَّال وأحواله وأفعاله ونهايته أوفى بيان، ... وإليك بعض أحواله كما ذكره الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" ١٣: ٨٦ و ٨٩ - ٩٠ مما رواه- خاصَّةً- الصحابي الجليل أبو سعيد الخدري ﵁، قال: إنَّ النبي ﷺ قال: "إنَّه يهودي، وإنَّه لا يُولد له ولد، وإنَّه لا يدخل المدينة ولا مكَّة". رواه

стр. 996

مسلم في "صحيحه" ١٨: ٥٠، "وإنَّ عينه اليمنى عوراءُ، جاحظة، لا تخفى، كأنها نُخاعة- أي نُخامة- في حائط مُجَصَّص، عينه اليسرى كأنها كوكبٌ دُرِيٌ- يعني شدَّة اتقادها- معه من كل لسان، ومعه صورة الجنَّة خضراء تجي فيها الماء، وصورة النار سوداء". رواه أحمد في "مسنده" ٣: ٧٩، "وبين يديه رَجُلان يُنذران أهل القرى، كلما خرجا من قرية دخل أوائله" رواه أبو يعلي والبزَّار. وذكر الحافظ ابن حجر موطن خروجه فقال في "فتح الباري" أيضاً ١٣: ٧٩: وسيكون خروجه مِن قِبَل المشرق جزماً، ثمَّ جاء في رواية أنه يخرج من خُراسان، أخرج ذلك أحمد والحاكم من حديث أبي بكر، وفي رواية أخرى أنه يخرج من أصبهان، أخرجها مسلم. ويخرج أولاً فيدَّعي الإيمان والصلاح، ثم يدَّعي النُّبُوَّة، ثمَّ يدعي الإلهيَّة!. ثم قال الحافظ رحمه الله تعالى في "فتح الباري" ١٣: ٩١ - ٩٣ "قال الخَطَّابي: فإن قيل كيف يجوز أن يُجرِي الله الآية على يد الكافر؟ فإنَّ إحياء الموتى آية عظيمة من آيات الأنبياء، فكيف ينالها الدَّجَّال وهو كذاب مُفْترٍ يدَّعي الربوبيَّة؟ " فالجواب: أنه على سبيل الفتنة للعباد، إذ كان عندهم ما يدُلُّ على أنه مُبْطِل غير محقٍّ في دعواه، وهو أنه أعور، مكتوب على جبهته: كافر، يقرأه كل مسلم. فدعواه داحضة مع وسم الكفر، ونقص الذات والقَدْر، إذ لو كان إلهاً لأزال ذلك عن وجهه وآيات الأنبياء سالمة من المعارضة، فلا يشتبِهان" ثمّ قال الحافظ ابن حجر بعد كلام الخطابي هذا: وفي الدَّجَّال دلالةٌ بيِّنةٌ- لمن عقِلَ- على كذبه، لأنه ذو أجزاءٍ مؤلفة، وتأثير الصَّنعة فيه ظاهر، مع ظهور الآفة به من عور عينيهِ، -أي عيبهما- فإذا دعدا الناس إلى أنَّه ربهم، فأسواء حال من يراه من ذوي العقول أن يعلم أنه لم يكن ليُسَوِّي خلق غيره ويُعدِّلَه ويُحسِّنه ولا يدفع النقص عن نفسه. فأقل ما يجب أن يقول: يا من يزعم أنه خالق السماء والأرض، صوِّر نفسك وعدِّلها، وأزل عنها العاهة! فإن زعمت أن الرَّب لا يُحدِث في نفسه شيئاً فأزِل ما هو مكتوبٌ بين عينيك! ثم قال الحافظ رحمه الله تعالى: وقال القاضي عِيَاض: في هذه الأحاديث حُجَّة لأهلِ

стр. 997

الشُّنَّة في صحَّة وجود الدجَّال، وأنَّه شخص معيَّن، يبتلي الله به العباد، ويُقدِره على أشياء كإحياء الميت الذي يقتله، وظهور الخِصب، والأنهار، والجنَّة والنَّار، واتِّباع كنوز الأرض له فتُنبِت، وكل ذلك بمشيئة الله تعالى، ثم يُعجِزَه الله فلا يقدر على قتل ذلك الرجل ولا غيره، ثم يُبطِل أمره، ويقتله عيسى ابن مريم ﵊. وقال الشيخ أبو بكر بن العربي: الذي يظهر على يد الدَّجَّال من الآيات: من إنزال المطر والخِصب على من يُصدِّقه، والجدب على من يكذِّبه، واتباع كنوز الأرض له، وما معه من جنَّةٍ ونار، ومياه تجري، كل ذلك مِحْنة من الله واختبار، ليهلك المرتاب وينجو المتيقِّن، وكل ذلك أمر مُخوِّف، ولهذا قال ﷺ : "لا فِتنة أعظم مِن فِتنة الدَّجَّال، وكان ﷺ يستعيذُ منها في صلاته تشريعاً لأمته ﷺ ". وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى في "شرح صحيح مسلم" ١٨: ٥٨ - ٥٩، بعد ذِكر أحاديث الدَّجَّال ... [وبعد ذِكر كلام القاضي عِياض السابق ذكره]: هذا مذهب أهل السُّنَّة والجماعة وجميع المحدِّثين والفقهاء والنُّظَّار خلافاً لمن أنكره وأبطل أمره من الخوارج والجهْميَّة وبعض المعتزلة .. أهـ (التصريح). أقول: وقد ذهب بعض أهل العصر إلى مقولة لم يقلها أحد من قبل، فأّوَّل أحاديث الدجَّال بأن المراد بها الحضارة الغربيَّة لأنَّها حضارة عوراء وهو تأويل يكفر به من يعتقد أن النصوص لا تحتمل ذلك بحال من الأحوال، وهي نصوص متواترة والإجماع منعقد على أنها تصف شخصاً بعينه، وهناك فارق بين ما يحتمل التأويل وبين ما لا يحتمله، وهذا الفارق لا يعرفه إلا الراسخون في العلم، فإذا تنطَّع له من ليس مظنة العلم والاستقامة ضلَّ وأضَلَّ. وهل الفِرَق الباطنية المجمع على كفرها إلا أصحاب التأويل الفاسد الذي يُخرِج قطعيات الشريعة إلى معانٍ أخرى؟!

стр. 998

(٤) قال الشيخ عبد الفتَّاح تعليقاً على قوله ﵊: "يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة .. ": (وقال العلامة ابن ملك: "وهذا القول في تفسير امتداد الأيام الثلاثة جارٍ على حقيقته، لا امتناع فيه، لأن الله قادرٌ على أن يزيد كل جزء من أجزاء اليوم الأوَّل حتى يصير مقدار سنة، خارقاً للعادة، كما يزيد في أجزاء ساعة من ساعات اليوم". وقال العلامة علي القاري في "المرقاة شرح المشكاة" ٥: ١٩٥ بعد نقله كلام ابن ملكٍ المذكور: وهذا القول الذي قررهُ لا يفيد إلا بسط الزمان كما وقع له ﷺ في قصَّة الإسراء مع زيادةٍ على المكان. لكن لا يخفى أن كلِّ صلاة إنما هو وقتها المقدَّر من طلوع صبح، وزوال شمس، وغروبها، وغيبوبة شفقها، وهذا لا يُتَصوَّر إلا بتحقُّق تعدُّد الأيَّام والليالي على وجه الحقيقة، وهو مفقود. فنقول- وبالله التوفيق ومنه المعونة في التحقيق- قد تبيَّن لنا بإخبار الصادق المصدوق صلوات الله تعالى وسلامه عليه أنَّ الدَّجَّال يبعث معه من المشبهات ويفيض على يديه من التمويهات. ما يسلب عن ذوي العقول عقولهم، ويخطف من ذوي الأبصار أبصارهم، فمن ذلك تسخير الشياطين له، ومجيئه بجنَّة ونار، وإحياء الميت على ما يدَّعيه، وتقويته على من يُريد إضلاله تارةٌ بالمطر والعُشب، وتارةٌ بالأزمة والجدب. ثم لا خفاء أنه أسحر الناس، فلم يستقم لنا تأويل هذا القول إلا أن نقول: إنه يأخذ بأسماع الناس وأبصارهم، حتى يُخَيَّل إليهم أن الزمان قد استمرَّ على حالةٍ واحدة: إسفارٌ بلا ظلام، وصباحٌ بلا مساء، يحسبون أن الليل لا يمدُّ عليهم رِواقه، وأن الشمس لا تطوي عنهم ضياءها، فيبقون في حيرة والتباس من امتداد الزمان، ويدخل عليهم دواخل باختفاء الآيت الظاهرة في اختلاف الليل والنهار، فأمرهم ﷺ أن يجتهدوا عند مصادمة تلك الأحوال، ويُقدِّروا لكل صلاةٍ قدرها، إلى أن يكشف الله عنهم تلك الغُمَّة. هذا الذي اهتدينا إليه من

стр. 999

التأويل، والله الموفق لإصابة الحق وهو حسبنا ونعم الوكيل. انتهى) أهـ (التصريح). أقول: الذي ذهبت إليه أثناء العرض للنصوص أن اليوم الأول كَسَنة في الشِّدة واليوم الثاني كشهر في الشِّدة واليوم الثالث كأسبوع في الشِّدة، وبكلام فضيلة الشيخ عبد الفتاح أصبح أمامك اتجاهان يمكن أن يحمل عليهنا النص، ولا يبعد أن يكون هناك سبب وراء ذلك الطول في تلك الأيام، فالذي دعانا إلى حمل هذه النصوص على غير ظاهرها نصوص أخرى من ناحية، ومن ناحية أخرى أن بقاء يوم مستمر سنة كاملة قبل طلوع الشمس من مغربها لا يُستغرَب معه أن تطلع الشمس من مغربها بعد ذلك، مع أن الشارع رتب على هذه القضية ما رتَّب، ثم إذ لم تكن المسألة محمولة على شيءٍ ما لا نستطيع تصوره فإن اليوم الذي كسنة في حق بعض الناس سيكون منيراً في حقهم مظلماً بحق ناس آخرين بسبب كروية الأرض، فهذه الأشياء وأمثالها دعت إلى التأويل أو إلى التفسير مع احتمال أن يكون للمسألة سرها الذي يُعَرَّف في إبانه، ولذلك فمع أننا ذهبنا إلى ما ذهبنا إليه ونقلنا ما نقلناه فإننا نرجِّح التسليم خاصةً وسياق النصوص ليس صالح للتأويل. (٥) تعليقاً على قوله ﵊: "وآخر أيامه كالشررة". الوارد في حديث ابن ماجه عن أبي أمامة قال الشيخ عبد الفتاح حفظه الله: هذا يخالف ما تقدَّم في حديث النوَّاس بن سمعان، فقد جاء فيه أن إقامة الدجَّال في الأرض: "أربعون يوماً، يومٌ كَسَنة، ويومٌ كشهر، ويومٌ كجمعة، وسئر أيامه كأيامكم". وهو حديث صحيح أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه والإمام أحمد كما تقدَّم. وحديث أبي أُمامة هذا- على صحته- في سنده مقال فيُقدَّم عليه الحديث الصحيح الذي لا كلام في سنده. والظاهر أن ما وقع في هذا الحديث من مغايرة للحديث الصحيح في مُدَّة ُمُكْثِ الدَّجَّال في الأرض: إنما هو من اشتباه بعض الرُّوَاة وتصرفاتهم، كما قرَّره المؤلِّف الإمام الكشميري

стр. 1000

رحمه الله تعالى في قاعدةله تراها في كتابه "فيض الباري على صحيح البخاري" (٤: ٤٤ - ٤٧). وبعد ما استظهرتُ هذا الاستظهار رأيتُ حديثَ أبي إمامة في "مستدرك الحاكم" ٤: ٥٣٦ - ٥٣٧، وقد جاء في تحديد مكث الدجال موافقاً لما جاء في "صحيح مسلم"، ولفظه: "وإن أيامه أربعون، فيومٌ كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، ويوم كالأيام، وآخِرُ أيامه كالسَّراب، يُصبِح الرَّجُل عند باب المدينة فيُمسي قبل أن يبلغ بابها الآخر". فجزمت بأن الرواية الواقعة في "سنن ابن ماجه" وقع فيها اشتباهٌ وتصرفٌ من بعض الرواة، كما قرَّره شيخ شيوحنا المؤلِّف إمام العصر الكشميري في قاعدته المشار إليها، فرحمةُ الله عليه ورضوانه العظيم، وجَزَى الله خير الجزاء أستاذنا العلامة المفيد الشيخ محمَّد بدر عالَم على تبسيطه قاعدة شيخه المؤلِّف الإمام الكشميري فيما علَّقه عليها. وعلى فرض قبول هذه الرواية مع التحديد لإقامة الدَّجَّال قال العلامة علي القاري في "المرقاة شرح المشكاة" ٥: ٢١١ "ولعلَّ وجه الجمع بين الروايتين اختلاف الكميَّة والكيفيَّة، كما يُشيرُ إليه قوله: السنة كشهر. فإنه محمول على سرعة الانقضاء، كما أن ما سبق من قوله: يومٌ كسنةٍ، محمولٌ على أنَّ الشِّدَّة في غاية الاستقصاء، على أنه يمكن اختلافه باختلاف الأحوال والرِّجال. انتهى. أهـ (التصريح). أقول: ما ذكره الشيخ ملا علي القاري يمكن أن نستأنس به لِما ذهبنا إليه أن اليوم الأوَّل كسنة في الشِّدَّة، وهكذا، ومن المعروف أن استغراق الإنسان في أمر ما ينسيه الوقت فلا يحس به، ولذلك كان الشعور بالوقت نسبيَّاً، فمن كان شِدَّة أحسَّ بطول الوقت ومن كان في لذَّة لم يشعر بالوقت، ومن كان مستغرقاً في أمر لم يحس بمرور الزمن، فلعلَّ المراد هو ذلك. (٦) قال الشيخ عبد الفتاح في السؤال والجواب الواردين: "ما إسراعه في الأرض؟ قال كالغيث استدبرته الريح ... ":

стр. 1001

(وفي رواية "الدُّر المنثور" للسيوطي ٤: ٢٣٧ "كالغيث يشتدُّ به الريح". والمراد بالغيث هنا: الغيم، إطلاقاً للمُسَبِّب على السبب، أي يُسرع في الأرض إسراع الغَيْم تسوقه الريح بقوَّة وعنف. وإنَّما يُسرعُ هذا الإسراع كي لا يتأمَّل الرُّعاع المغترُّون به حاله ودلائل نقصه وعيوبه، فينكشفَ لهم دَجَلَه، ويتَّضح لهم كذبه، وتبطل عندهم دعاويه الباطلة المزوَّرة) أهـ (التصريح). (٧) قال الشيخ عبد الفتاح حفظه الله: وقد عقد العلامة السَّفَارينيُّ المتوفِّي سنة ١١٨٨ رحمه الله تعالى في شرح منظومته في العقيدة المسمَّى "لوامع الأسرار البهيَّة" ٢: ١٠٦ تنبيهاتٍ، وقال: التنبيه الثالث: مما ينبغي لكل عالمٍ: أن يبِثَّ أحاديث الدَّجَّال بين الأولاد والنساء والرِّجال، وقد قام الإمام ابن ماجه: سمعتُ المحاربي يقول: ينبغي أن يُدفع هذا الحديثُ يعني حديث الدَّجَّال إلى المؤدِّب حتى يعلمَّه الصبيان في الكُتَّاب. وقد وردَ أن من علامات خروجه نسيان ذكره على المنابر. وقد أخرج الإمام أحمد وابن خزيمة وأبو يعلي والحاكم عن جابر بن عبد الله مرفوعاً: "يخرج الدَّجَّال في خِفةٍ من الدين، وإدبارٍ من العلم". فينبغي لكلِّ عالِم التذكير به ولا سيما في زماننا هذا الذي اشرأبَّت فيه الفِتَن، وكثُرَت فيه المِحَن، واندرسَت فيه معالم السُّنَن، وصارت السُّنَّة فيه كالبِدَع، والبدعةُ شرع يُتَّبَع!). أهـ (التصريح). (٨) الدَّجَّال في سطور تأليف العلَّامة الشيخ محمَّد شفيع، وننقله هنا من التصريح مع شيءٍ من الحذف: * خروج الدَّجَّال قبل نزول عيسى ﵇: - يخرج الدَّجَّال من بين الشام والعراق.

стр. 1002

* أمارات الدَّجَّال وأوصافه: - مكتوب بين عينيه كافر بشكل ك ف ر. - يكون أعور العين اليسرى. - بعينه اليمنى ظفرة غليظة. - يدور في جميع أنحاء العالم. - ولا يبقى على وجه الأرض موضع محفوظ من شرِّه إلا مكَّة والمدينة. - يحرس الملائكة أبوابهما ولا يستطيع الدَّجَّال أن يدخلهما. - ويقيم حيث ينتهي السبيخة من الظريب الأحمر بعدما يدفعه الملائكة من الحرمين؟ - يأخذ أرض المدينة زلازل تُخرِج المنافقين من المدينة، ويلتحق المنافقون رجالهم ونساؤهم بالدَّجَّال. - يكون معه نهران يقول لأحدهما: أنه جنَّة. ولثانيهما: إنه النار. فمن أدخل الذي يسميه الجنَّة فهو النار، ومن أدخل الذي يسميه النار فهو الجنَّة. -يركب حماراً عرض ما بين أذنيه أربعون ذراعاً. -يكون معه شياطين تُكلِّم الناس. * أحوال الدجَّال الأكبر: - يأمر السحاب فيمطر. - وتجدب الأرض متى شاء. - يُبرئ الأكمه والأبرص. - يأمر كنوز الأرض فتخرج وتتبعه. - يقتل شاباً ويقطعه بالسَّيف نصفين ثمَّ يدعوه فيأتي حيَّاً ضاحكاً.

стр. 1003

- يكون معه سبعون ألف يهودي، كلهم ذو سيف محلي وساج. - يقترف الناس ثلاث فِرَق: فِرقَة تتبعه، وفِرقة تلحق آبائها، وفِرقة تقاتله على شاطئ الفرات. - يجتمع المسلمون بقرى الشام فيبعثون إليه طليعة. - يكون في هذه الطليعة فارس على فرَس أشقر أو أبلق فيقتلون ولا يرجع منهم أحد. - حينما ينظر الدَّجَّال إلى المسيح ﵇ يذوب كما يذوب الملح في الماء. - وحينئذٍ ينهزم جميع اليهود. أهـ (التصريح بما تواتر في نزول المسيح).

стр. 1004

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسّلامُ عَلَىَ رَسُولِ اللهِ وَآلِهِ وَأَصْحَابِهِ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا، إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ راجع هذا القسم ودققه فضيلة الشيخ عبد الحميد الأحدب حفظه الله

стр. 1005

الفقرة العشرون في: صفة المسيح ابن مريم ﵇ ونزوله مقدمة قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ (١) والتوفي هو: القبض، أي قابضك من الدنيا ورافعك إلي، وقد رفعه الله إلى السماء الثانية وهناك رآه رسول الله ﷺ ليلة الإسراء والمعراج، وقد غلط غلطًا كبيرًا من فسر الوفاة بالآية بالموت لأن ذلك يتعارض مع فكرة نزوله مرة ثانية إلى الأرض كما هو متواتر، فالمراد بالوفاة التنويم أو القبض أو أن الآية تشير إلى أنه معصوم من القتل فهو سيرفع إلى السماء ثم سينزل إلى الأرض ويتوفى وفاة لا كما زعم أنه قتل وصلب. قال تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا * وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ (٢). فالذي قتل رجل ألقي عليه شبهه، ومن تأمل الروايات النصرانية التي تذكر القتل والصلب يعرف أنه يستحيل أن تصدر من المسيح ﵇ التصرفات التي ظهرت من القتيل المصلوب يوم ذاك، وفي قوله تعالى: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. دليل على أن المسيح لم يمت وأنه سينزل في آخر الزمان، وأن النصارى سيؤمنون به وقتذاك. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ (٣). وفي قراءة: (وإنه لعلمٌ للساعة). وقد فسر أكثر العلماء الآية بأن نزول المسيح من أعلام الساعة، وجاءت النصوص المتواترة بنزوله وقد جمعت أكثر هذه النصوص في كتاب: (التصريح بما تواتر في نزول المسيح) للشيخ محمد أنور الكشميري، وقد حققه الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، وأضاف إليه وعلق

стр. 1006

عليه ما زاد به الكتاب قيمة على قيمته وفضلًا على فضله، وقد ذكر في الكتاب حوالي خمسة وثمانين حديثًا عن رسول الله ﷺ وآثارًا كثيرة عن الصحابة، فنزول المسيح ﵇ قضية متواترة يكفر منكرها، وهو ﵇ ينزل حاكما بشريعة رسولنا ﵊، فلا يتناقض نزوله مع فكرة ختم النبوة، فهو ﵇ ينزل تابعًا لمحمد ﷺ ، أخرج أحمد (١) عن رسول الله ﷺ : "لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي". وأحاديث نزول المسيح ﵇ مرتبطة بأحاديث ظهور الدجال وأحاديث خروج يأجوج ومأجوج وقد ذكرنا الكثير عنها في هاتين الفقرتين، ومع ذلك خصصنا هذه الفقرة لها.

стр. 1007

نصوص ١٠٧٨ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضى الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده، ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد". زاد في رواية (١): "وحتى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدنيا وما فيها". ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ...﴾ الآية. [النساء: ١٥٦]. وفي أخرى (٢) قال: قال رسول الله ﷺ : "وكيف أنتم إذ نزل ابن مريم فيكم، وإمامكم منكم؟ ". وفي رواية (٣): "فأمكم". وفي أخرى (٤): "فأمكم منكم". قال ابن أبي ذئب: تدري. ما أمكم منكم؟ قلت: تخبرني. قال: فأمكم بكتاب ربكم وسنة نبيكم ﷺ . وفي أخرى (٥) قال: قال رسول الله ﷺ : "والله لينزلن ابن مريم حكما عادلًا، فليكسرن الصليب، وليقتلن الخنزير، وليضعن الجزية، ولتتركن القلاص فلا يسعى عليها، ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد، وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد".

стр. 1008

وفي رواية أبي داود (١): أن رسول الله ﷺ قال: "ليس بيني وبينه" -يعنى المسيح- "نبي، وإنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربوع، إلى الحمرة والبياض، وينزل بين ممصرتين، كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل، فيقاتل الناس على الإسلام، فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، ويهلك المسيح الدجال، ثم يمكث في الأرض أربعين سنة ثم يتوفي، ويصلي عليه المسلمون". (الحكم): الحاكم الذي يقضي بين الناس، والأمير الذي يلي أمورهم. (مقسطا): المقسط: العادل، والقاسط: الجائر. (فيكسر الصليب): قال الشيخ عبد الفتاح: "قال الحافظ ابن حجر: أي يبطل دين النصرانية، بأن يكسر الصليب حقيقة، ويبطل ما تزعمه النصارى من تعظيمه" ا. هـ (التصريح). (ويقتل الخنزير): قال الشيخ عبد الفتاح: قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري: ٤/ ٣٤٣": أي يأمر بإعدام الخنزير، مبالغو في تحريم أكله. وفيه توبيخ عظيم للنصارى الذين يدعون أنهم على طريقة عيسى ﵇، ثم يستحلون أكل الخنزير، ويبالغون في محبته. اهـ (التصريح). (وضع الجزية) هو إسقاطها عن أهل الكتاب، وإلزامهم بالإسلام، ولا يقبل منهم غيره، فذلك معنى وضعها. (حكمًا عادلًا): قال الشيخ عبد الفتاح: أي حاكمًا عادلًا. قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" ٦: ٣٥٦ "والمعنى أنه ﵇ ينزل حاكمًا بهذه الشريعة، فغن هذه الشريعة باقية لا تنسخ، بل يكون عيسى ﵇ حاكمًا من حكام هذه الأمة. وعند الإمام أحمد من حديث عائشة: "ويمكث

стр. 1009

عيسى في الأرض أربعين سنة". وللطبراني من حديث عبد الله بن مغفل: "ينزل عيسى ابن مريم مصدقا بمحمد على ملته". انتهى. وقال القرطبي في "التذكرة بأحوال الآخرة" ص ٦٧٨ عند ذكره لنزول سيدنا عيسى ﵇ في آخر الزمان: قال العلماء ﵃: وإذا نزل عيسى ﵇ في آخر الزمان، يكون مقررا لشريعة محمد ﷺ ومجددا لها، لأنه لا نبي بعد رسول الله ﷺ يحكم بشريعة غير شريعة محمد ﷺ ، لأنها آخر الشرائع، ونبيها خاتم النبيين. فيكون عيسى حكمًا مقسطًا، لأنه لا سلطان يومئذ للمسلمين، ولا إمام ولا قاضي ولا مفتي لهم، وقد قبض الله العلم وخلا الناس منه. فينزل وقد علم بأمر الله تعالى له في السماء قبل أن ينزل، ما يحتاج إليه من علم هذه الشريعة، ليحكم به بين الناس. وليعمل به في نفسه فيجتمع المؤمنون عند ذلك ويحكمونه على أنفسهم، إذ لا أحد يصلح لذلك غيره، ولأن تعطيل الحكم غير جائز، وأيضًا فإن بقاء الدنيا إنما يكون بالتكليف، فلا يزال التكليف قائمًا إلى أن لا يبقى على وجه الأرض من يقول: الله، الله. انتهى من "مختصر تذكرة القرطبي" للشعراني ص ١٧٩ - ١٨٠ من طبعة القاهرة سنة ١٣٠٨. وجاء في "صحيح مسلم" ١٥: ١٧٤: عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لعلي بن أبي طالب: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى"، إلا أنه لا نبي بعدي". قال الإمام النووي في شرحه ١٥: ١٧٤ "قال العلماء: في هذا الحديث دليل على أن عيسى ابن مريم ﷺ ، إذا نزل في آخر الزمان نزل حكما من حكام هذه الأمة، يحكم بشريعة نبينا محمد ﷺ ، ولا ينزل نبيا ... " اهـ (التصريح). (القلاص): جمع قلوص، وهي الناقة. (الشحناء): العداوة.

стр. 1010

(ممصرتين) ثوب ممصر: إذا كان فيه صفرة خفيفة يسيرة. (ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام): قال الشيخ عبد الفتاح "يعلق على قوله: (فيهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام) بما يلي: هذا النص في الحديث، يفيد شمول طهارة الأرض من الشرك والكفر، وانبساط الإسلام عليها، وهو يخالف ما ذهب إليه المؤلف الكشميري في كتابه "فيض الباري" ٣: ١٩٥، وأنقله لينظر فيه. قال رحمه الله تعالى: "ما اشتهر على الألسنة أن دين الإسلام يبسط في زمن عيسى ﵊ على البسيطة كلها، ليس في الأحاديث، والذي فيها أنه لا يقبل اليهودية والنصرانية بعد نزوله، فينقذ نفسه من أسلم، ويقتل من أبى. وهذا أيضا حيث يغزو نبي الله عيسى ﵊. وملخص الأحاديث: أن اليوم تجري الأديان الثلاثة، فإذا نزل عيسى ﵊ لا يقبل إلا الإسلام، وحينئذ يكون الدين كله لله. فهذا بيان للمسألة، لا إخبار بما يكون في الخارج، فيجوز أن يبقى الكفر والكفار أيضًا، لكن إن يبلغ إليهم عيسى ﵊، لا يقبل منهم إلا دين الإسلام، لا الجزية، كما هو اليوم. ويستفاد من الأحاديث أن الغلبة المعهودة، إنما تكون في الشام ونواحيه، حيث ينزل عيسى ﵊، وفساد يأجوج ومأجوج في هذه الأطراف، والجزيرة طبرية: أيضا نحو الشام. وبالجملة: لم نجد في حديث أن عيسى ﵊ أيضًا يدور في الأرض كدور الدجال، فلا تكون غلبة موعودة إلا في موضع نزوله، أما سائر البلاد فمسكوت عنها، والله تعالى أعلم بما يكون فيها. انتهى.

стр. 1011

وقال المؤلف الكشميري أيضًا في كتابه "فيض الباري" ١: ١٧٢، عند حديث "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون": "أي لا يخلو زمان إلا وتوجد فيه تلك الطائفة القائمة على الحق، لا أنهم يكثرون في كل زمان، ولا أنهم يغلبون على من سواهم، كما سبق إلى بعض الأفهام. حتى أن غلبة الدين في زمن عيسى ﵊ عندي ليس كما اشتهر على الألسنة، بل الموعود هو الغلبة، حيث يظهر ﵊ فيما حواليه، أما فيما وراء ذلك فلم يتعرض إليه الحديث، والعمومات كلها واردة في البلاد التي يظهر فيها، ولا تتجاوز فيما وراءها، وإنما هو من بداهة الوهم والسبق إلى ما اشتهر بين الأنام". انتهى كلام الشيخ الكشميري، فتأمل. اهـ. (التصريح). أقول: إذا صح ما ذكره الشيخ الكشميري في تفسيره لهلاك الملل فهذا يرجح ما ذهبنا إليه أن بيننا وبين نزول المسيح ﵊ أمدًا تقوم به دولة عالمية للإسلام كما ورد في مضمون بعض النصوص التي وردت معنا، ثم يحدث انحسار بالإسلام لدرجة القسطنطينية نفسها يحكمها النصارى من جديد ويفتحها المسلمون مرة أخرى، وبعد الفتح الثاني يظهر الدجال وينزل عيسى ابن مريم ﵊، ولاشك أن ذكره الكشميري في عدم وجود نصوص تدل على تحرك عالمي للمسيح حق، ولكن إذا عرفنا أن يأجوج ومأجوج وهم الذين يسيطرون على العالم وقتذاك يهلكون في زمن المسيح ﵇، وأن المسيح ﵇ يقتل اليهود الذين يكونون مع الدجال، ولا يقبل من يهودي أو نصراني جزية فإن هذا يدل على هلاك للملل التي تكون في دائرة وجوده وسلطانه، وهل يعم ذلك العالم كله أو لا؟ الأمر محتمل وتفسيره وقوعه. (ثم يمكث في الأرض أربعين سنة): قال الشيخ عبد الفتاح: "يعلق على قوله: (ثم يمكث عيسى ﵇ أربعين سنة) بما يلي: هذه الأداة العاطفة (ثم) للترتيب الذكري لا الزمني، إذ مكثه ﵇ في الأرض

стр. 1012

كله أربعون سنة منذ نزوله حتى وفاته، وليس ابتداؤها بعد قتله الدجال، كما هو ظاهر العبارة. قاله العلامة الشيخ ناجي أبو صالح حفظه الله تعالى". اهـ (التصريح). ١٠٧٩ - * روى أحمد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ينزل ابن مريم إماماً عادلًا وحكمًا مقسطًا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويرجع السلم ويتخذ السيوف مناجل ويذهب حمة كل ذات حمة. وينزل من السماء رزقها، وتخرج من الأرض بركتها، حتى يلعب الصبي بالثعبان ولا يضره، وترعى الغنم والذئب ولا يضرها، ويرعى الأسد والبقر ولا يضرها". ١٠٨٠ - * روى الترمذي عن مجمع بن جارية الأنصاري ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يقتل ابن مريم الدجال بباب لُد". ١٠٨١ - * روى الطبراني، عن أوس بن أوس عن النبي ﷺ قال: "ينزل عيسى بن مريم عند المنارة البيضاء في دمشق". ١٠٨٢ - * روى مسلم، عن يعقوب بن عاصم بن عروة بن مسعود الثقفي قال: سمعت عبد الله بن عمرو ﵁ -وجاءه رجل- فقال: ما هذا الحديث الذي تحدث به الناس؟ تقول: إن الساعة تقوم إلى كذا وكذا، فقال: سبحان الله! - أو لا إله إلا الله، أو كلمه نحوها- لقد هممت أن لا أحدث شيئًا أبدًا، إنما قلت: إنكم سترون بعد قليل أمرًا عظيمًا؛ يحرق البيت، ويكونُ ويكونُ. ثم سمعته يقول: قال رسول الله ﷺ :

стр. 1013

"يخرج الدجال في أمتي، فيمكث أربعين". لا أدري -وفي رواية قال ابن عمرو: لا أدري أربعين يوما، أو شهرًا، أو عامًا- "فيبعث الله عيسى بن مريم، كأنه غزوة ابن مسعود، فيطلبه فيهلكه، ثم يمكث الناس سبع سنين، ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحًا باردةً من قبل الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال من خير أو إيمان إلا قبضته، حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلت عليه حتى تقبضه". قال: سمعتها من رسول الله ﷺ . قال: "فيبقى شرار الناس في خفة الطير، وأحلام السباع، لا يعرفون معروفًا، ولا ينكرون منكرًا، فيتمثل لهم الشيطان، فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك دار رزقهم، حسن عيشهم، ثم ينفخ في الصور، فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا، ورفع ليتا، فأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله" قال: "فيصعق، ويصعق الناس". قال: "ثم يرسل الله" -أو قال: "ينزل الله مطرًا كأنه الطل، أو الظل"- نعمان [أحد رواة الحديث] يشك- "فينبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، ثم يقال: يا أيها الناس، هلموا إلى ربكم ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ ثم يقال لهم: أخرجوا بعث النار، فيقال: من كم؟ فيقال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين" قال: "فذاك يوم يجعل الولدان شيبًا، وذلك يوم يكشف عن ساق". أقول: كثيرًا ما يحدث أثناء الكلام عن الساعة وأشراطها وعما يكون بعدها أن يطوي بعض الرواة بعض المشاهد، أو يفهم بعض الرواة عن المحدثين فهما فيصوغه بعبارته، فيحدث لبس أو وهم، فمثلًا: ورد في هذا النص قول ابن عمرو: (ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحًا باردة من قبل الشام فلا يبقى

стр. 1014

على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته) فهذه الرواية تفهم: أن بعد سبع سنين من قتل الدجال يبعث الله هذه الريح ويصفها أنها تأتي من قبل الشام مع أن المعروف المشهور: أن عيسى ﵇ يمكث في الأرض أربعين سنة، وبعد وفته يبقى الناس على فترة من الزمان على خير، ثم تأتي ريح من قبل اليمن فتقبض روح أهل الإيمان. فالحديث يحتاج إلى توجيه ومن ثم قال الشيخ عبد الفتاح حفظه الله معقبا على رواية عبد الله بن عمرو: (ثم يمكث الناس سبع سنين) بما يلي: "هكذا جاء في جميع نسخ "صحيح مسلم" التي رجعت إليها وهي مختلفة الطبعات، وهكذا جاء في "المسند" و"الدر المنثور" و"المستدرك" في جميعها بلفظ (ثم يمكث الناس سبع سنين) برفع (الناس) على الفاعلية، وهي رواية صحيحة واضحة، ومعناها عندي- والله أعلم- أن الناس يعيشون متحابين ليس بينهم عداوة ولا بغضاء سنين طويلة، وهي أربعون سنة كما بينها رواية أبي داود وأحمد المتقدمة في ص ٩٦، ونصها: "فيمكث- أي سيدنا عيسى- في الأرض أربعين سنة، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون". ويكون ذكر (سبع سنين) هنا رمزًا للكثرة لا للحصر كقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ إذ التمثيل فيها للتكثير لا للحصر، وكقوله سبحانه: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾. قال الألوسي في "تفسيره" ٦: ٤٨٦ عند هذه الآية "المراد بالسبعة الكثرة بحيث تشمل المائة والألف مثلًا، لا خصوص العدد المعروف، كما في قوله ﵊: "المؤمن يأكل في معي واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء". انتهى أما الرواية التي وقعت قديمًا في بعض نسخ "صحيح مسلم" بلفظ "ثم يمكث الناس سبع سنين" كما جاء منقولًا عن "صحيح مسلم" بهذا اللفظ في "مشكاة المصابيح" من طبعة الهند ص ٤٨١ ومن طبعة دمشق ٣: ٥١ وفي نسخة "المرقاة شرح المشكاة" للعلامة على القاري ٥: ٢٢٧ فتحتاج إلى تأويل، إذ الضمير فيها في "يمكث سبع سنين" عائد إلى سيدنا عيسى، فلهذا علق عليها كل من الحافظ ابن كثير والحافظ ابن حجر رحمهما الله تعالى.

стр. 1015

قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" ١: ٥٨٣ "جاء في حديث عبد الرحمن بن آدم عن أبي هريرة أن عيسى ﵇ يمكث في الأرض بعد نزوله أربعين سنة. رواه الإمام أحمد، وفي حديث عبد الله بن عمرو عند مسلم أنه يمكث سبع سنين. فيحتمل والله أعلم أن يكون المراد بلبثه في الأرض أربعين سنة مجموع إقامته فيها قبل رفعه وبعد نزوله، فإنه رفع وله ثلاث وثلاثون سنة في الصحيح". انتهى. قلت: لكن الحافظ ابن حجر لم يرتض هذا الجمع، فلذا حط كلامه على أن مدة إقامته بعد نزوله. ﵇ أربعين سنة إذ ذكر رواية "سبع سنين" ثم أعقبها بروايات صحيحة فيها ذكر "أربعين سنة" وسكت عليها مرتضيًا لها، وهذه عبارته في "فتح الباري" ٦: ٣٥٧ "روى مسلم من حديث ابن عمرو في مدة إقامة عيسى بالأرض بعد نزوله أنها سبع سنين. وروى نعيم بن حماد في كتاب الفتن من حديث ابن عباس أن عيسى إذ ذاك يتزوج في الأرض ويقيم بها تسع عشرة سنة، وبإسناد فيه راو مبهم عن أبي هريرة يقيم بها أربعين سنة، وروى أحمد وأبو داود بإسناد صحيح من طريق عبد الرحمن بن آدم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: فيمكث -أي عيسى- في الأرض أربعين سنة". انتهى. فليكن هو المعول عليه، والله تعالى أعلم." اهـ (من التصريح). ١٠٨٣ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تزال طائفة من أمتي، يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة" قال: "فينزل عيسى ابن مريم ﵇ فيقول أميرهم: تعال فصل فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء، تكرمة الله هذه الأمة". فسر بعضهم أحاديث الطائفة بأنهم أهل الشام وممن فسرها بذلك قتادة، وعلق الشيخ عبد الفتاح على تفسير قتادة بقوله: "هذا التفسير من قتادة لـ (العصابة) هو أحد أقوال عشرة لخصها شيخنا عبد الله الغماري في "إقامة البرهان" ص ٣٠، وحكى أن الإمام النووي في "شرح صحيح مسلم"

стр. 1016

١٣: ٦٣ ارتاح إلى أن هذه العصابة عامة مفرقة بين أنواع المؤمنين، فمنهم علماء محدثون، ومنهم فقهاء، ومنهم زهاد، ومنهم مجاهدون مقاتلون، ومنهم قائمون بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، إلى غير ذلك من أنواع الخير، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين في بلد واحد أو قطر واحد" اهـ (التصريح). ١٠٨٤ - * روى البخاري ومسلم، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم؟ " وفي رواية لمسلم (١): "فأمكم" وفي رواية أخرى (٢): "فأمكم منكم". ورواه أحمد (٣)؛ قال: "كيف بكم إذا نزل ... ؟ ". قال الشيخ عبد الفتاح: "قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" ٦: ٣٥٨: "وعند أحمد من حديث جابر في قصة الدجال ونزول عيسى: "وإذا هم بعيسى، فيقال: تقدم يا روح الله، فيقول: ليتقدم إمامكم فليصل بكم". ولابن ماجه في حديث أبي أمامة: "وكلهم- أي المسلمون- ببيت المقدس، وإمامهم رجل صالح، قد تقدم ليصلي بهم، إذ نزل عيسى، فرجع الإمام ينكص ليتقدم عيسى، فيقف عيسى بين كتفيه ثم يقول: تقدم فإنها لك أقيمت". وعند مسلم من حديث جابر: "فيقال له: صل لنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة لهذه الأمة". قال الحافظ ابن حجر بعد هذه الأحاديث: "وفي صلاة عيسى خلف رجل من هذه

стр. 1017

الأمة مع كونه في آخر الزمان وقرب قيام الساعة: دلالة للصحيح من الأقوال أن الأرض لا تخلو عن قائم لله بحجة، والله أعلم". انتهى. وقبل. في معنى (وإمامكم منكم): وهو منكم أي عيسى، فوضع الاسم المظهر موضع الاسم المضمر تعظيماً له وتربية للمهابة في النفوس". اهـ (التصريح). ١٠٨٥ - * روى مسلم، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "والذي نفسي بيده: ليهلن ابن مريم بفج الروحاء حاجًا أو معتمرًا، أو ليثنينهما". وأخرجه أحمد في مسنده (١) ولفظه: "ينزل عيسى ابن مريم، فيقتل الخنزير، ويمحو الصليب، وتجمع له الصلاة، ويعطي المال حتى لا يقبل، ويضع الخراج، وينزل الروحاء، فيحج منها أو يعتمر أو يجمعهما". وتلا أبو هريرة ﵁: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾. فزعم حنظلة أن أبا هريرة قال: يؤمن به قبل موت عيسى، فلا أدري هذا كله حديث النبي ﷺ ؟ أو شيء قاله أبو هريرة؟ وأخرجه الحاكم (٢) وصححه كما في الدر المنثور ولفظه: "ليهبطن ابن مريم حكما عدلًا، وإماما مقسطًا، وليسلكن فجا حاجا أو معتمرًا، وليأتين قبري حتى يسلم علي، ولأردن عليه". يقول أبو هريرة: أي نبي أخي! إن رأيتموه فقولوا: أبو هريرة يقرئك السلام. قال الشيخ عبد الفتاح حفظه الله: "معنى (ليهلن): ليرفعن صوته بالتلبية قائلًا: لبيك اللهم لبيك، محرما بحج أو بعمرة. ومعنى (أو ليثنينهما): أو ليجمعن بين الحج والعمرة. وفج الروحاء: مكان في طريق النبي ﷺ من المدينة إلى بدر. قيل يبعد عن المدينة ستة أميال.

стр. 1018

(وتجمع له الصلاة): أي يصير هو الإمام في الصلاة مع قيامه بأعباء الإمامة العظمى. وإمامته بالصلاة إنما تكون بعد صلاته الصبح فور نزوله مؤتما بإمام المسلمين إظهارًا لكرامة هذه الأمة وفضلها. (فزعم حنظلة): هو حنظلة الأسلمي المدني، تابعي روى هذا الحديث عن أبي هريرة. ومعنى (زعم): قال صادقًا. فإن الزعم كما يطلق على القول الكذب أو المشكوك فيه، يطلق أيضًا على القول المحقق والصدق الذي لا شك فيه". اهـ (التصريح). ١٠٨٦ - * روى البخاري ومسلم، عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: لا والله ما قال النبي ﷺ لعيسى: "أحمر" ولكن قال: "بينما أنا نائم أطوف بالبيت، فإذا رجل آدم سبط الشعر، يهادى بين رجلين، ينطف رأسه ماء" أو "يهراق رأسه ماء"، "فقلت: من هذا؟ قالوا: ابن مريم، فذهبت ألتفت، فإذا رجل أحمر جسيم جعد الرأس، أعو عينه اليمنى، كان عينه اليمنى عنبة طافية، قلت: من هذا؟ قالوا: هذا الدجال، وأقرب الناس به شبها ابن قطن". قال الزهري: رجل من خزاعة هلك في الجاهلية، ليس عند مسلم قول الزهري. وفي رواية (١) قال: ذكر رسول الله ﷺ يوما بين ظهراني الناس المسيح الدجال، فقال: "إن الله ﵎ ليس بأعور، ألا إن المسيح الدجال أعور عين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية". قال: وقال رسول الله ﷺ "أراني الليلة في المنام عند الكعبة، فإذا رجل آدم، كأحسن ما ترى من أدم الرجال، تضرب لمته بين منكبيه، رجل الشعر، يقطر رأسه ماء، واضعًا بيديه على منكبي رجلين، هو بينهما، يطوف بالبيت. فقلت: من هذا؟ فقالوا: المسيح ابن مريم، ورأيت

стр. 1019

وراءه رجلاً جعداً قططاً، أعور عين اليمنى، كأشبه من رأيت من الناس بابن قطن، واضعًا يديه على منكبي رجلين، يطوف البيت، فقلت: من هذا؟ فقالة: هذا المسيح الدجال". وفي رواية (١) قال: قال النبي ﷺ : "رأيت عيسى وموسى وإبراهيم ﵈، فأما عيسى: فأحمر جعد، عريض الصدر، وأما موسى: فآدم جسيم سبط، كأنه من رجال الزط". (آدم): رجل آدم: شديد السمرة. (يهادى): تهادى الرجل في مشيته: إذا تمايل، ورأيت فلانا يهادى بين رجلين: إذا كان يمشي متكئا [عليهما] من ضعف وتمايل. (ينطف): أي: يقطر. (عنبة طافية): إذا كانت خارجة القد والسمت عن أخواتها في العنقود. (لمته): اللمة: شعر الرأس. (رجل الشعر): شعر رجل، أي: مسرح غير شعث. (قططاً): شعر قطط: متناهي الجعودة. (الزط): جيل من الهند والسودان، معرب "جت". قال محقق الجامع: "قال الحافظ في الفتح: اللام في قوله: "لعيسى" بمعنى "عن" وهي كقوله تعالى:

стр. 1020

﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ قال: وفيه جواز اليمين على غلبة الظن، لأن ابن عمر ظن أن الوصف اشتبه على الراوي، وأن الموصوف بكونه أحمر إنما هو الدجال، لا عيسى، وقرب ذلك أن كلا منهما يقال له: المسيح، وهي صفة مدح لعيسى، وصفة ذم للدجال، قال: وكان ابن عمر قد سمع سماعًا جزمًا في وصف عيسى أنه آدم، فساغ له الحلف على ذلك لما غلب على ظنه أن من وصفه بأنه أحمر واهم". اهـ. أقول: لقد مرت معنا رواية تصف المسيح ﵊ بالحمرة والبياض، فليس ما رده ابن عمر في وصف المسيح صحيحًا، بل هو الحق، ولذلك استعمل ابن حجر تعبير الوهم أثناء الكلام عن موقف ابن عمر في وصفه المسيح بالسمرة ونفيه الحمرة عنه. قال محقق الجامع: "ابن قطن: رجل من خزاعة هلك في الجاهلية، قال الحافظ في "الفتح": اسمه: عبد العزى بن قطن بن عمرو بن جندب بن سعيد بن عائذ بن مالك بن المصطلق، وأمه هالة بنت خويلد، أفاده الدمياطي، قال: وقال ذلك أيضًا عن أكثم بن أبي الجون، وأنه قال: يا رسول الله هل يضرني شبهه؟ قال: "لا، أنت مسلم وهو كافر". حكاه عن ابن سعد، والمعروف في الذي شبه به ﷺ أكثم بن عمرو بن لحي جد خزاعة، لا الدجال، كذلك أخرجه أحمد وغيره، وفيه دلالة على أن قوله ﷺ : "إن الدجال لا يدخل المدينة ولا مكة". أي في زمن خروجه، ولم يرد بذلك نفي دخوله في الزمن الماضي، والله أعلم". اهـ. ١٠٨٧ - * روى أحمد، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إني لأرجو إن طال بي عمر أن ألقى عيسى ابن مريم ﷺ ، فإن عجل بي موت فمن لقيه منكم فليقرئه منى السلام".
следующие страницы →