بعث النار. فيخرج من كل ألف تسعمائة وتسعين".
١١٣٦ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا قبر الميت" أو قال: "أحدكم أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما: المنكر، وللآخر: النكير، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: ما كان يقول، هو عبد الله ورسوله، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعًا في سبعين، ثم ينور له فيه، ثم يقال له: نم. فيقول: أرجع إلى أهلي فأخبرهم، فيقولان: نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك، وإن كان منافقًا قال: سمعت الناس يقولون قولا، فقلت مثله، لا أدري، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك، فيقال للأرض: التئمي عليه، فتلتئم عليه، فتختلف أضلاعه، فلا يزال فيها معذبا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك".
١١٣٧ - * روى الترمذي عن مولى عثمان بن عفان قال: كان عثمان ﵁ إذا وقف على قبر بكى، حتى يبل لحيته، فقيل له: تذكر الجنة والنار فلا تبكي، وتذكر القبر فتبكي؟ فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "القبر أول منزل من منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه" قال: وسمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما رأيت منظرا قط إلا القبر أفظع منه".
١١٣٨ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: مرّ
стр. 1087
رسول الله ﷺ على قبرين، فقال: "أما إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير" ثم قال: "يلى، أما أحدهما: فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر: فكان لا يستتر من بوله" قال: فدعا بعسيب رطب، فشقه باثنين، ثم غرس على هذا واحدًا، وعلى هذا واحدًا، ثم قال: "لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا"
وفي رواية (١) "لا يستبرئ من البول".
وفي أخرى (٢) "لا يستنزه عن البول".
أقول: في الحديث إشارة إلى أهمية وجود النبات على القبر ومن ذلك نأخذ أن من أداب المسلمين مع المقابر أن يجعلوها خضرة بل لو جعلوها كالحدائق لكان لذلك وجه.
١١٣٩ - * روى أحمد عن أبي هريرة ﵁ قال: مر رسول الله ﷺ على قبر فقال: "ائتوني بجريدتين" فجعل إحداهما على رأسه والأخرى عند رجليه فقيل: يل رسول الله أينفعه ذلك؟ قال: "لن يزال يخفف عن بعض عذاب القبر ما دام فيهما ندو".
١١٤٠ - * روى النسائي عن عبد الله بن دينار، قال: كنت جالسًا وسليمان بن صرد وخالد بن عرفطة، فذكروا أن رجلا توفي، مات ببطنه، فإذا هما يشتهيان أن يكونا شهيدا جنازته، فقال أحدهما للأخر: ألم يقل رسول الله ﷺ : "من يقتله بطنه
стр. 1088
لم يعذب في قبره؟ " فقال الآخر: بلى.
واختصره الترمذي (١): أن سليمان بن صرد قال لخالد بن عرفطة- أو خالد لسليمان- أما سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من قتله بطنه لم يعذب في قبره"؟ فقال أحدهما لصاحبه: نعم.
١١٤١ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضي عنه".
١١٤٢ - * روى البزار عن عائشة ﵂ قالت: قلت يا رسول الله تبتلى هذه الأمة في قبورها فكيف بي وأنا امرأة ضعيفة؟ قال: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾.
١١٤٣ - * روى الطبراني عن عبد الله قال إذا حدثتكم بحديث أنبئكم بتصديق ذلك: إن المؤمن إذا مات جليس في قبره فيقال: من ربك ما دينك من نبيك فيقول ربي الله وديني الإسلام ونبي محمد ﷺ فيوسع له في قبره ويفرح له فيه، ثم قرأ عبد الله ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾.
١١٤٤ - * روى البخاري ومسلم عن البراء بن عازب ﵁، أن رسول الله ﷺ
стр. 1089
قرأ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ (١) قال: "نزلت في عذاب القبر".
وفي رواية (٢): أن النبي ﷺ قال: "المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ ".
وفي أخرى (٣) قال: " ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾. "نزلت في عذاب القبر، يقال له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، وبني محمد ﷺ ".
١١٤٥ - * روى البخاري عن أم خالد بنت سعيد بن العاص ﵄: إنها سمعت رسول الله ﷺ : يتعوذ من عذاب القبر.
١١٤٦ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂، أن يهودية دخلت عليها، فذكرت عذاب القبر، فقالت لها: أعاذك الله من عذاب القبر، قالت عائشة: فسألت رسول الله ﷺ عن عذاب القبر؟ فقال: "نعم، عذاب القبر حق"، قالت: فما رأيت رسول الله ﷺ بعد صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر.
وفي رواية (٤) لها قالت: دخلت على عجوزان من عجوز يهود المدينة، فقالتا: إن أهل القبور يعذبون في قبورهم، قالت: فكذبتهما، ولم أنعم أن أصدقهما، فخرجتا، ودخل على رسول الله ﷺ ، فقلت له: يا رسول الله إن عجوزين من عجوز يهود المدينة دخلتا علي فزعمتا أن أهل القبور يعذبون في قبورهم، فقال: "صدقتا، إنهم يعذبون عذابا تسمعه
стр. 1090
البهائم"، ثم ما رأيته بعد في صلاته إلا يتعوذ من عذاب القبر.
وفي رواية النسائي (١): أنها سألت رسول الله ﷺ عن عذاب القبر فقال: "نعم، عذاب القبر حق"، قالت عائشة: فما رأيت رسول الله ﷺ يصلي صلاة بعد إلا تعوذ من عذاب القبر.
وفي أخرى (٢) له قالت: دخلت علي امرأة من اليهود، فقالت: إن عذاب القبر من البول، فقلت: كذبت، فقالت: بلى، إنا لنقرض منه الجلد والثوب، فخرج رسول الله ﷺ إلى الصلاة وقد ارتفعت أصواتنا، فقال: ما هذا؟ فأخبرته بما قالت، فقال: "صدقت"، قالت: فما صلى بعد يومئذ إلا قال في دبر الصلاة: "رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، أعذني من حر النار، وعذاب القبر".
وفي أخرى (٣) قالت: دخلت يهودية عليها، فاستوهبتها شيئًا، فوهبت لها عائشة، فقالت: أجارك الله من عذاب القبر، قالت عائشة: فوقع في نفسي من ذلك، حتى جاء رسول الله ﷺ ، فذكرت ذلك له فقال: "إنهم ليعذبون في قبورهم عذابا تسمعه البهائم".
١١٤٧ - * روى البخاري عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: قال رسول الله ﷺ خطيبًا، فذكر فتنة القبر التي يفتن فيها المرء، فلما ذكر ذلك ضج المسلمون ضجة.
وزاد النسائي (٤): حالت بيني وبين أن أفهم كلام رسول الله ﷺ ، فلما سكت ضجتهم، قلت لرجل قريب مني: أي بارك الله لك، ماذا قال رسول الله ﷺ آخر قوله؟ قال: "قد أوحي إلي، أنكم تفتنون في القبور قريبًا من فتنة الدجال".
стр. 1091
١١٤٨ - * روى ابن ماجه عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إن الميت يصير إلى القبر، فيجلس الرجل الصالح في قبره، غير فزع ولا مشعوف. ثم يقال له: فيم كنت: فيقول: كنت في الإسلام. فيقال له: ما هذا الرجل؟ فيقول: محمد رسول الله ﷺ ، جاءنا بالبينات من عند الله فصدقناه، فيقال له: هل رأيت الله؟ فيقول: ما ينبغي لأحد أن يرى الله؛ فيفرج له فرجة قبل النار. فينظر إليها يحطم بعضها بعضا. فيقال له: انظر إلى ما وقاك الله. ثم يفرج له قبل الجنة. فينظر إلى زهرتها وما فيها. فيقال له: هذا مقعدك. ويقال له: على اليقين كنت. وعليه مت، وعليه تبعث، أن شاء الله. ويجلس الرجل السوء في قبره فزعا مشعوفا. فيقال له: فيم كنت؟ فيقولك لا أدري. فيقال له: ما هذا الرجل؟ فيقول: سمعت الناس يقولون قولًا فقلته. فيفرج له قبل الجنة. فينظر إلى زهرتها وما فيها، فيقال له: انظر إلى ما صرف الله عنك. ثم يفرج له فرجة قبل النار. فينظر إليها. يحطم بعضها بعضا. فيقال له: هذا مقعدك. علي الشك كنت. وعليه مت، وعليه بعثت، إن شاء الله تعالى".
١١٤٩ - * روى أحمد عن أبي سعيد الخدري قال شهدت مع رسول الله ﷺ جنازة فقال
стр. 1092
رسول الله ﷺ : "يا أيها الناس إن الأمة تبتلي في قبورها فإذا الإنسان دفن فتفرق عن أصحابه جاءه ملك في يده مطراق فأقعده قال: ما تقول في هذا الرجل؟ فإن كان مؤمنا قال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله. فيقول له: صدقت ثم يفتح له باب إلى النار فيقول هذا كان منزلك لو كفرت بربك فأما إذا أمنت بربك فهذا منزلك فيفتح له باب من الجنة فيريد أن ينهض إليه فيقول له اسكن ويفسح له في قبره. وإن كان كافرًا أو منافقًا يقول له ما تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري سمعت الناس يقولون شيئًا. فيقول لا دريت ولا تليت ولا اهتديت ثم يفتح له باب إلى الجنة فيقول: هذا منزلك لو آمنت بربك فأما إذ كفرت بربك فإن الله أبدلك هذا ويفتح له باب إلى النار ثم يقمعه مقمعه بالمطراق يسمعها خلق الله كلهم غير الثقلين" فقال بعض القوم: يا رسول الله ما أحد يقوم عليه ملك في يده مطراق إلا هيل عند ذلك. فقال رسول الله ﷺ : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ " وزاد البزار: " ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ ".
١١٥٠ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: "إن الموتى ليعذبون في قبورهم حتى إن البهائم تسمع أصواتهم".
١١٥١ - * روى أحمد عن عبد الله بن عمرو ﵄، أن رسول الله ﷺ ذكر فتان القبر فقال عمر أترد عقولنا يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : "نعم كهيئتكم اليوم" فقال عمر: بفيه الحجر.
١١٥٢ - * روى أبو داود عن البراء بن عازب ﵁، قال: خرجنا مع رسول الله
стр. 1093
صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولما يلحد بعد، فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله كأنما على رؤوسنا الطير، وبيده عود ينكت به في الأرض، فرفع رأسه فقال: "تعوذوا بالله من عذاب القبر" مرتين، أو ثلاثا.
زاد في رواية (١): وقال: "أن الميت ليسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدبرين حين يقال له: يا هذا، من ربك؟ وما دينك؟ وما نبيك؟ ".
وفي رواية (٢): "ويأتيه ملكان، فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فبقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله، فيقولان له: وما يدريك؟ فيقول: قرأت كتاب الله، آمنت به، وصدقت".
زاد في رواية (٣) "فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ ثم اتفقنا: "فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة، فيأتيه من روحها وطيبها، وفسح له في قبره مد بصره، وإن الكافر ... " فذكر موته، قال: "فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان، فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري، فيقولان: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري، فينادي مناد من السماء: أن كذب، فأفرشوه من النار، وألبسوه من النار، وافتحوا له بابا إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه".
стр. 1094
زاد في رواية (١): "ثم يقيض له أعمى أبكم، معه مرزبة من حديد لو ضرب بها جبل لصار ترابا، فيضربه بها ضربة يسمعها من بيت المشرق والمغرب، إلا الثقلين، فيصيرا ترابًا، ثم تعاد فيه الروح".
١١٥٣ - * روى أحمد عن البراء بن عازب ﵁، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الانصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله وكأن على رؤوسنا الطير وفي يده عود ينكت به في الأرض فرفع رأسه فقال: "استعيذوا بالله من عذاب القبر" مرتين أو ثلاثا، ثم قال: "إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال في الآخرة نزل الله ملائكة من السماء بيض الوجوه كأن وجهوهم شمس معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة حتى يجلسوا منه مد البصر ويجيء ملك الموت ﵇ حتى يجلس عند رأسه فيقول أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفره من الله ورضوان قال: فتخرج فيقول أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان" قال: "فتخرج عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الحنوط ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض" قال "فيصعدون بها فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا فيستفتحون لهم فيشيعهم من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها حتى ينتهى بها إلى السماء السابعة فيقول اله : اكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض في جسده فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان: من ربك؟ فيقول ربي الله فيقولان: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام. فيقولان له: ما هذا الرجل الذى بعث فيكم؟ فيقول: رسول الله. فيقولان له: ما عملك؟ فيقول:
стр. 1095
قرأت كتاب الله وآمنت به وصدقته فينادي منادي من السماء: أن صدق عبدي فافرشوا له من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له بابا إلى الجنة قال: "فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له في قبره مد بصره" قال: "ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فيقول أبشر بالذي بشرك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول: من أنت فوجهك الوجه يجيء بالخير فيقول: أنا عملك الصالح فيقول: رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي. وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل ملائكة سود الوجوه معهم المسوح فيجلسون منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب فتفرق في جسده فينزعها كما ينزع السفود من الصوف المبلول فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح ويخرج منها كأنتن جيفة على وجه الأرض فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الريح الخبيثة فيقولون: فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمي بها في الدنيا حتى ينتهى بها إلى السماء الدنيا فيستفتح له فلا يفتح" ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ فيقول الله : اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى ثم تطرح روحه طرحًا" ثم تلا: " ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ فيعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري فينادي مناد من السماء: أن كذب فأفرشوه من النار وافتحوا له بابًا إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح فيقول أبشر بالذي يسوؤك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول: من أنت؟ فوجهك الذي يأتي بالشر فيقول: أنا عملك الخبيث فيقول: رب لا تقم الساعة".
стр. 1096
وفى رواية عنه (١) أيضًا نحو هذا وزاد فيه "فيأتيه آت قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح فيقول: أبشر بهوان من الله وعذاب مقيم فيقول: فبشرك الله بالشر من أنت؟ فيقول: أنا عملك الخبيث كنت بطيئا عن طاعة الله سريعًا في معصيته فجزاك الله شرًا ثم يقيض له أعمى أصم أبكم في يده مرزبة لو ضرب بها جبل كان ترابًا فيضربه ضربة فيصير ترابا ثم يعيده الله ما كان فيضربه ضربه أخرى فيصيح صيحة يسمعه كل شيء إلا الثقلين". قال البراء ثم يفتح له باب إلى النار ويمهد له من فراش النار.
١١٥٤ - * روى أحمد عن أسماء، أنها كانت تحدث عن النبي ﷺ قالت: "إذا دخل الإنسان قبره فإن مؤمنًا أحف به عمله الصلاة والصيام" قال: "فيأتيه الملك من نحو الصلاة فيرده ومن نحو الصيام فيرده فيناديه اجلس" قال: "فيجلس فيقول له: ما تقول في هذا الرجل"؟ يعني النبي ﷺ "قال من؟ قال: محمد، قال: أشهد أنه رسول الله" قال: "يقول: على ذلك عشت وعليه مت وعليه تبعث". قال: "وإن كان فاجرًا أو كافرًا" قال: "جاء ملك ليس بينه وبينه شيء يرده". قال "فأجلسه قال: اجلس ماذا تقول عن هذا الرجل؟ قال أي رجل؟ قال: محمد، يقول: ما أدري والله سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته. قال له الملك: على ذلك عشت وعليه مت وعليه تبعث وتسلط عليه دابة في قبره معها سوط ثمرته جمرة مثل البعير تضربه ما شاء الله صماء لا تسمع صوته فترحمه".
١١٥٥ - * روى الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده إنه ليسمع خفق نعالهم حين يولون عنه فإذا كان مؤمنًا
стр. 1097
كانت الصلاة عند رأسه، والزكاة عن يمينه، والصوم عن شماله وفعل الخيرات والمعروف والإحسان إلى الناس من قبل رجليه، فيؤتي من قبل رأسه، فتقول الصلاة: ليس قبلي مدخل، فيؤتي عن يمينه، فتقول الزكاة: ليس قبلي مدخل، ويؤتي من قبل شماله فيقول الصوم: ليس قبلي مدخل ثم يؤتى من قبل رجليه: فيقول فعل الخيرات إلى الناس: ليس من قبلي مدخل فيقال له أجلس فيجلس وقد مثلت له الشمس للغروب فيقال له: ما تقول في هذا الرجل الذي كان قبلكم يعني النبي ﷺ فقال: أشهد أنه رسول الله ﷺ جاءنا بالبينات من عند ربنا فصدقناه واتبعناه، فيقال له: صدقت وعلى هذا حييت وعلى هذا مت وعليه تبعث إن شاء الله ويفسح له قبره مد بصره فذلك قول الله : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ ويقال: افتحوا له بابا إلى النار فيقال: هذا كان منزلك لو عصيت الله فيزداد غبطة وسرورا. ويقال: افتحوا له بابا إلى الجنة فيفتح له فيقال: هذا منزلك وما أعده الله لك فيزداد غبطةٌ وسروراً، فيعاد الجلد إلى ما بدا منه، ويجعل روحه في نسم طير يعلق في شجر الجنة، وأما الكافر فيؤتي من قبل رأسه فلا يوجد شيء، فيؤتي من قبل رجليه فلا يوجد شيء، فيجلس خائفًا مرعوبًا فيقال له: ما تقول في هذا الرجل كان فيكم وما تشهد به؟ فلا يهتدي لاسمه فيقال: محمد ﷺ فيقول: سمعت الناس يقولون شيئًا فقلت كما قالوا فيقال له: صدقت على هذا حييت وعليه مت وعليه تبعث إن شاء الله ويضيق عليه قبره حتي تختلف أضلاعه فذلك قول الله : ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ فيقال: افتحوا له بابا إلى الجنة فيقال له: هذا كان منزلك وما أعد الله لك لو أطعته، فيزاد حسرة وثبورا ثم يقال: افتحوا له بابا إلى النار فيفتح له إليها فيقال: هذا
стр. 1098
منزلك وما أعد الله لك فيزداد حسرةً وثبوراً". قال أبو عمر يعني الضرير قلت لحماد ابن سلمة كان هذا من أهل القبلة؟ قال: نعم: قال أبو عمر كأنه يشهد بهذه الشهادة على غير يقين يرجع إلى قلبه كأن يسمع الناس يقولون شيئًا فيقوله.
١١٥٦ - * روى ابن ماجه عن سالم عن أبيه، قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله: إن أبي كان يصل الرحم وكان وكان، فأين هو؟ قال: "في النار" قال فكأنه وجد من ذلك فقال: يا رسول الله فأين أبوك؟ فقال رسول الله ﷺ "حيثما مررت بقبر مشرك فبشره بالنار" قال فأسلم الأعرابي بعد وقال: لقد كلفني رسول الله ﷺ تعبا ما مررت بقبر كافر إلا بشرته بالنار.
١١٥٧ - * روى الطبراني عن قتادة أن أنسا دفن ابنا له فقال: اللهم جاف الأرض عن جنبيه وافتح أبواب السماء لروحه وأبدله داراً خيراً من داره.
١١٥٨ - * روى أحمد عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ أنه قال: "يأكل التراب كل الإنسان إلا عجب ذنبه" قيل: وما مثله يا رسول الله؟ قال: "مثل حبة الخردل منه تنبتون".
١١٥٩ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له.
стр. 1099
١١٦٠ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ "يتبع الميت ثلاث: أهله، وماله، وعمله، فيرجع اثنان، ويبقى واحد، يرجع أهله وماله، ويبقى عمله".
١١٦١ - * روى الطبراني عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن كعب، قال: لما حضرته الوفاة أتته أم مبشر فقالت اقرأ على النبي السلام. فقال لها: أو ما سمعت رسول الله ﷺ يقول: "روح المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يبعث يوم القيامة" قالت: بلى ولكن ذهلت.
١١٦٢ - * روى مالك بن كعب بن مالك ﵁، كان يحدث أن النبي ﷺ : "إنما نسمة المؤمن طير يعلق في شجر الجنة يرجعه الله في جسده يوم يبعثه".
أقول: الظاهر أن هذا ليس عامًا في كل مؤمن بل هو خاص بالشهداء وبمن يكرمه الله من أهل خاصته.
١١٦٣ - * روى مسلم عن مسروق ﵀ قال: سألنا عبد الله بن مسعود عن هذه الآية ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (١) فقال: أما إن قد سألنا عن ذلك رسول الله ﷺ ؟ فقال: "أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى
стр. 1100
تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعه، فقال: هل تشتهون شيئًا؟ قالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا؟ ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لم يتركوا من أن يسألوا، قالوا: يا رب، نريد أن ترد علينا أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا".
وفي رواية الترمذي (١): أنه سئل عن قوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ فقال: أما إنا قد سألنا عن ذلك؟ فأخبرنا أن: "أرواحهم في طير خضر، تسرح في الجنة حيث شاءت، وتأوي إلى قناديل معلقة بالعرش، فاطلع ربك اطلاعه، فقال: هل تستزيدون شيئا، فأزيدكم؟ قالوا: ربنا، وما نستزيد ونحن في الجنة نسرح حيث شئنا؟! ثم اطلع إليهم الثانية، فقال: هل تستزيدون شيئا، فأزيدكم؟ فلما رأوا أنهم لا يتركون، قالوا: تعيد أرواحنا في أجسادنا حتى نرجع إلى الدنيا فنقتل في سبيلك مرة أخرى".
وللترمذي (٢) في رواية أخرى- مثله- وزاد: "وتقرئ نبينا السلام، وتخبره أن قد رضينا، ورضي عنا".
١١٦٤ - * روى أحمد عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "الشهداء على بارق نهر بباب الجنة في قبة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيا".
стр. 1101
١١٦٥ - * روى أحمد عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "الشهداء على باب بارق نهر بباب الجنة يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيا".
* * *
стр. 1102
مسائل وفوائد
ذكر أخونا الشيخ الشهيد أديب كيلاني في شرحه لعقائد أهل السنة والجماعة عن الموت والحياة البرزخية ما نأخذ منه هذه المقتطفات:
- "ولابد من سؤال الميت، ولو تمزقت أعضاؤه أو أكلته السباع في أجوافها؛ إذ لا يبعد أن الله تعالى يعيد له الروح في أعضائه ولو كانت متفرقة، لأن قدرته تعالى صالحة لذلك. وإن مات جماعة في وقت واحد بأقاليم مختلفة، فقد ذهب القرطبي إلى جواز أن الملكين يعظمان فيسألان الجميع بوقت واحد أو أن ملائكة السؤال عديدون، كما ذهب إليه الحافظ السيوطي ووافقه عليه الحليمي.
- والأنبياء لا يسألون، وقيل يسألون عن الوحي وجبريل، وكذلك الصديقون والشهداء والمرابطون والملازمون لقراءة سورة الملك كل ليلة من حين بلوغ الخبر إليهم ولا يضر الترك مرة بعذر، وذكر بعضهم سورة السجدة كذلك، وكذلك من قرأ بمرض موته سورة الإخلاص، ومريض البطن، والميت بالطاعون أو بغيره في زمنه صابرًا محتسباً، والميت ليلة الجمعة أو يومها. والراجح أن غير الأنبياء وشهداء المعركة يسألون سؤالًا خفيفاً. والظاهر كما جزم به الجلال السيوطي وغيره اختصاص السؤال بالمكلفين بخلاف الأطفال ...
-مما يجب اعتقاده عذاب القبر، وإنما أضيف العذاب للقبر لأنه الغالب، وإلا فكل ميت أراد الله تعذيبه عذب، قبر أو لم يقبر، ولو غرق أو صلب أو التهمته الضواري أو حرق ثم ذرته الرياح، وتفتت الأعضاء لا يمنع من وجود العذاب.
- والعذاب للكافر والمنافق دائم ديمومة البرزخ. وينقطع عن المؤمن العاصي إن خفت جرائمه، كما يرفع بالدعاء أو الصدقة، أو غير ذلك، كما قال ابن القيم وكل من لا يسأل في القبر لا يعذب. وضغطة القبر من عذابه، وهي التقاء حافتيه التقاءً برزخياً يتناسب مع عالم البرزخ، وما يحكمه من قوانين، فتضمه الأرض حتى تختلف أضلاعه ولا ينجو من الضمة أحد حتى الصلحاء، ما خلا الأنبياء.
стр. 1103
- وأما المؤمنون الصالحون الذين قدر الله لهم ألا يعذبون فهم في نعيم القبر. وقد بلغت النصوص في نعيمه مبلغ التواتر. وكما أن العذاب لا يختص بالقبر فكذلك النعيم، فهو يشمل كل ميت قدر له، قبر أو لم يقبر، ولا يختص بالمؤمنين في هذه الأمة، ولا بالمكلفين ومن النعيم توسيع القبر، وفتح طاقة فيه من الجنة، وامتلاؤه بالريحان وجعله روضة من رياض الجنة وتنويره حتى يغدو كالقمر ليلة البدر، وكل هذا بما يتناسب مع عالم البرزخ.
والأنبياء- وإن كانوا جميعهم أحياء حياة برزخية- أكمل حياة من الشهداء، والشهداء أكمل حياة من بقية الأموات.
- وعلى كل فهي أمور خارقة للعادة فلا يقاس عليها غيرها، ويجب اعتقاد أن الله تعالى يرزق شهيد الحرب من محبوب نعيم الجنات، إلا إنه يتناولون الأكل والشرب للتلذذ، لا للاحتياج.
- وإنما سمي الشهيد شهيدًا لشهادة الله وملائكته له بالجنة والرضا عنه.
- ولأن روحه شهدت دار السلام بخلاف غيره، فإنه لا يشهدها إلا يوم القيامة. وقد قال النسفي: بأن أرواح المسلمين- إن دخلت الجنة الآن، كما دلت عليه الأحاديث- لا تكون كالشهيد في الحياة والرزق بل لا تأكل فيها ولا تتمتع. أهـ.
أقول: وكخاتمة لهذا الوصل، وكجسر للكلام عن الوصل اللاحق نذكر لك ما قاله صاحب الإحياء وهو يوصيك عما ينبغي أن يكون عليه عقلك وقلبك بالنسبة للنصوص التي تتحدث عن اليوم الآخر:
قال الإمام الغزالي في الإحياء:
"إياك أن تنكر شيئا من عجائب يوم القيامة لمخالفته قياس ما في الدنيا، فإنك لو لم تكن شاهت عجائب الدنيا، ثم عرضت عليك قبل المشاهدة لكنت أشد إنكارًا لها، وفي طبع الآدمي إنكار كل ما لم يأنس به!
ولو لم يشاهد الإنسان الحيه وهي تمشي على بطنها كالبرق الخاطف لأنكر تصور المشي على غير رجل والمشي بالرجل أيضًا مستبعد عند من لم يشاهد ذلك. ولولم يشاهد
стр. 1104
الإنسان توالد الحيوان، وقيل له: إن له صانعاً يصنع من النطفة القذرة مثل هذا الآدمي: المصور، العاقل، المتكلم، المتصرف ... لاشتد نفور باطنه عن التصديق به.
ففي خلق الآدمي مع كثرة عجائبه واختلاف تركيب أعضائه: أعاجيب تزيد على الأعاجيب في بعثه وإعادته، فكيف ينكر ذلك من قدرة الله تعالى وحكمته: من يشاهد ذلك في صنعته وقدرته؟! فإن كان في إيمانك ضعف فقو الإيمان بالنظر في النشأة الأولى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ (١) بلى إن الله على كل شيء قدير". أهـ.
* * *
стр. 1105
الوصل الثالث
في
الساعة وما يأتي بعدها
وفيه:
مقدمات وفقرات وخاتمة
стр. 1106
المقدمة
هذا الموضوع من أهم قضايا العقيدة، لأنه يصف أخطر شيء وأعظم حقيقة يغفل عنها الإنسان، وهو من أهم الأمور في التربية وأهمها في التعليم، ومن أهمها فيما ينبغي أن يكون الإنسان منه على تذكر دائم، ومن ههنا كل التأمل فيه وتذكره يوميًا من أساسيات السير إلى الله ، وهو زاد الوعظ وزاد جلسات المذاكرة وهو طريق المسلم للوصول إلى مقام المخلص (بفتح اللام).
فالحسن البصري ﵀ يقول: "الناس هلكي إلا العالمين، والعالمون هلكي إلا العاملين، والعاملون هلكي إلا المخلصين، والمخلصون على خطر عظيم".
فإذا كان المخلصون على خطر فمن هم الناجون؟ يذكر الله سياسة إبليس عليه اللعنة: ﴿وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (١) فالمخلص هو الذي سار في طريق النجاة، وطريق الوصول إلى مقامه هو تذكر الآخرة، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ * إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ (٢) فلقد وصلوا إلى مقام المخلص بعمل خالص هو تذكر الدار الآخرة.
وما أكثر الكفر بالآخرة والشك في شأنها والغفلة عنها، فيا ويح الكافرين والغافلين بماذا يكفرون ولماذا يغفلون؟ أيغفلون عن الجنة والنار؟
وقضية الآخرة منوطة بالإيمان بالله فمن عرف قدرة الله الذي خلق كل شيء وعرف علم الله الذي لا يغيب عنه شيء وعرف عدله وفضله وكرمه آمن بالآخرة، وقضية الآخرة كذلك منوطة بالإيمان بالرسول ﷺ فمن آمن به عرف الآخرة لأن عليها مدار البعثة فالبعثة يترتب عليها تكليف ومسؤولية وجزاء.
ومن عرف أن القرآن كتاب الله وعرف معجزاته وإعجازة لا يشك في اليوم الآخر.
стр. 1107
وأمر اليوم الآخر مداره على الإيمان والتسليم فتلك عوالم نحن مقبلون عليها لا نعرف عنها إلا ما أخبرنا عنه الله ورسوله، وواجبنا في الأخبار: الإيمان والتسليم دون الاعتراض والتشكك: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (١).
ولذلك فنحن سنقلل من التعليق على أحاديث هذا الوصول حتى لا نفسد على القارئ تفاعله مع النص وتأثره فيه وسنقسم أبحاث هذا الوصول إلى فقرات مع الملاحظة أن كثيرًا من النصوص تتعلق بأكثر من فِقرة.
стр. 1108
الفقرات
الفقرة الأولى: في عرض إجمالي.
الفقرة الثانية: في النفختين وفي يوم القيامة.
الفقرة الثالثة: في الحشر.
الفقرة الرابعة: في مشاهد من القرآن الكريم فيما يجري في اليوم الآخر من حوار.
الفقرة الخامسة: في أحاديث جامعة تصف بعض ما في الموقف وما بعده.
الفقرة السادسة: في الحوض.
الفقرة السابعة: في الحساب والميزان.
الفقرة الثامنة: في الصراط.
الفقرة التاسعة: في الشفاعات.
الفقرة العاشرة: في الجنة والنار.
الفقرة الحادية عشر: في ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾.
стр. 1109
الفقرة الأولى
عرض إجمالي
تحكم الإنسان وهو في بطن أمه أسباب تختلف نوعا ما عن الأسباب التي تحكمه بعد ولادته، ولهذا العالم أسبابه وقوانينه، ولعالم البرزخ أسبابه وقوانينه، وللقيامة وما يكون بعدها أسباب وقوانين، وكل ذلك بعلم الله وإرادته وقدرته، فإذا ما جاءت النصوص القرآنية أو النصوص الحديثية الثابتة عن رسول الله ﷺ ، فلا يصح أن يستغرب شيء منها لأن ذلك كفر بوجود الله وصفاته أصلًا، ومن رأى عظمة هذا الكون وامتداده ملايين السبين الضوئية وأنه كله بقدرة الله كيف يستغرب شيئًا على هذه القدرة أخبر الله عنه أو أخبر رسوله ﷺ أن الله فاعله.
- قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١).
- لقد خلق الله الماء والعرش، ثم من الماء خلق مجرات هذا الكون ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ (٢) ثم خلق الأرض بعد السماء ثم خلق السماوات السبع بعد الأرض، فال تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ (٣)، ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ (٤)، ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ (٥) ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ (٦). والسماوات السبع والكرسي والعرش مغيبة عنا في فهمي بدليل أن رسول الله ﷺ قال في حديث صحيح: "والله لقد رأيت ما أنتم لاقون في دنياكم وآخرتكم" (٧) قال الشيخ
стр. 1110
عبد الفتاح أبو غدة في كتاب (التصريح بما تواتر في نزول المسيح ﵇:
وظاهر الحديث في رؤية الجنة والنار أنه ﷺ رآهما رؤية عين، فمن العلماء من حمل ذلك على أن الحجب كشف له ﷺ دونها، فرآهما على حقيقتهما، ومنهم من حمل ذلك على أنها مثلتا له في الحائط كما ينطبع الصورة في المرآة، فرآي جميع ما فيها. ويشهد لكل من هذين القولين أحاديث ذكرها الحافظ بن حجر في "فتح الباري" ٢: ٤٤٨. وقال القاضي عياض: القول الأول- وهو أنها رؤية عين حقيقة- أولى كما حكاه عن النووي في "شرح صحيح مسلم" ٦: ٢٠٧، وأقره. أ. هـ.
أقول: وجمهور العلماء يذهبون أن الجنة الأن فوق السماء السابعة فهي كالجزء منها، فإذا رآها الرسول الله ﷺ لم يرها غيره، فذلك دليل على إنها مغيبة، وهذا يجعلنا نستأنس أن السماوات السبع كلها مغيبة عنا.
- وجعل الكرسي سقفا للسماوات السبع: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ (١). وجعل العرش سقفا لهذا العالم: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ (٢). وقد ورد في الحديث: "ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض" (٣).
- وخلق الملائكة والإنس والجن والحيوانات والنباتات والجنة والنار.
- وكما أن الخلق كان بقدرة الله ابتداء فإنه يحتاج إلى إمداد الله باستمرار، قال تعالى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾ (٤)، ولذلك شبه بعضهم هذا الكون للإمداد الإلهي كنور الكهرباء في احتياجه لإمداد المولد الكهربائي ولله المثل الأعلى، ولذلك فلا محل لتساؤل من يتساءل أنه إذا مات الإنسان والحيوان وتفرقت أجزاؤهما فأصبحت في أجسام أخرى كيف تحشر هذه الأجسام نفسها فذرة الآن غير ذرة اللحظة السابقة واللاحقة، ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ (٥)، ولا محل للتساؤل كيف تعرض الأعمال كلها تعرض الأيام والليالي وكيف تشهد الأرض والأعضاء مع
стр. 1111
أن بعض الأعضاء في الأحياء تتجدد.
نقول هذا بمناسبة أن علماء أهل السنة والجماعة يذكرون أن ما مر على الأجساد من أعراض وما مر من أزمنة يعرض كذلك على قول قوي لعلماء العقائد في الإسلام، فالزمن وما حدث فيه والأعراض التي مر عليها الإنسان والأحوال كلها تعرض يوم القيامة على الأنسان، قال الشيخ أديب الكيلاني ﵀ وهو يشرح عقائد أهل السنة والجماعة: فما كان من الأعراض الملازمة للذات من بياض وطول ونحوه يعاد متعلقًا بها، وما كان من غير ذلك- كالكفر والمعاصي والإيمان والطاعة- فإنه يعاد مصورًا بصور حية، فتكون حسنة من الحسنات وقبيحة في السيئات، هذا هو الظاهر. وهذه الإعادة ليست دفعة واحدة بل هي على التدرج حسبما كانت في الدنيا، لكنها تمر كلمح البصر، وربك على كل شيء قدير.
قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (١) اهـ.
وقال: الأرجح أن جميع أزمنة الأجسام- التي مرت عليها في الدنيا- تعاد لتشهد الإنسان وعليه، بما أوقع فيها من الطاعات والآثام، لكنها إعادة على التدريج حسبما مرت في الدنيا وإن كانت في الآخرة أسرع أهـ.
ونعود للسياق الرئيسي في موضوعنا:
- هذا الكون بما فيه ماذا سيحدث له؟
إنه سيكون هناك نفخة في الصور يحدث فيها ما يحدث وهي التي تسمى نفخة الصعق ثم تكون نفخة أخرى يكون فيها بعث كل من مات من الأحياء، وبالنفخة الأولى تقوم القيامة وبالنفخة الثانية يبدأ اليوم الآخر على قول: قال الشيخ أديب الكيلاني ﵀: إن اول اليوم الآخر من وقت الحشر إلى ما لا يتناهى على الصحيح. وقيل حتى يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار. وإنما سمي آخرًا لأنه متصل لآخر أيام الدنيا لا أنه آخرها.
стр. 1112
وسمي يوم القيامة لقيام الناس من قبورهم بين يدي خالقهم، ولقيام الحجة لهم أو عليهم وله أسماء نحو الثلاثمائة أهـ.
ومنهم من يرى أن هناك نفخة قبل النفخة الأولى تسمى نفخة الفزع، والقول الراجح أنهما نفختان فقط.
- فماذا يحدث في النفخة الأولى وما بعدها:
أما السموات السبع فتطوى، والأرضون الست ماعدا أرضنا تجمع: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (١)، ومجرات هذا الكون كلها تطوى فكما كانت كتلة واحدة ثم انفصلت ترجع كتلة واحدة: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ (٢) أما البشر والجن والحيوانات الموجودة وقتذاك فتصعق وتموت، وأما الأرض فتؤجج بحارها نارًا وتدك جبالها وتنسف وتمد بعد أن كانت كروية فتصبح كالبساط الواحد لا معلم فيها من جبال أو وديان أو أنهار أو غير ذلك.
أما الملائكة فيصعقون إلا بعضهم، ثم هؤلاء المستثنون على قول، وأما الأرواح التي قبضت من قبل فتصعق إلا روح موسى ﵇ على قول- وأما الجنة وما فيها من الحور العين فلا يحدث لها شيء والنار لا يحدث لها شيء والعرش والكرسي في الظاهر لا يصيبهما مما يحدث شيء وقد أخذ العلماء هذه الاستثناءات من قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ (٣)، ومن استقراءات وتحقيقات كثيرة يرد معنا بعضها.
أما الشمس والقمر فيكوران ويجمعان مع بعضهما كما ورد في نص صحيح، ويحتمل أن يدمجا مع بقية العوالم والمجرات ليعود الكون كله كتلة واحدة وذلك كله مقدمة لتكوين جديد ووضع جديد.
- وفي النفخة الثانية يتم البعث والنشر للمخلوقات جميعًا، والنصوص تحدثنا بإجمال عن
стр. 1113
حشر الحيوانات لتحقيق العدل ثم إفناؤها فتكون ترابًا، وتحدثنا بشيء من التفصيل عن أوضاع للحيوانات لها ارتباط بقضايا الإنسان كالحيوانات التي تجب فيها الزكاة ولا يؤدي الإنسان زكاتها، وعن الحيوانات التي يقتلها الإنسان عبثًا.
قال الشيخ الأديب الكيلاني ﵀ عن البعث والحشر:
البعث عبارة عن إحياء الموتى وإخراجهم من قبورهم بعد جمع الاجزاء الأصلية وهي التي من شأنها البقاء من أول العمر إلى آخره، ولو قطعت قبل موته بخلاف التي ليس نت شأنها ذلك، كالظفر مثلًا، والحشر عبارة عن سوقهم جميعًا إلى الموقف، وهو الموضع الذي يقفون فيه لفصل القضاء، ووزن الاعمال، ومنه إما إلى جنة أو إلى نار، وهو أرض لم يعص الله عليها.
ولا فرق في الحشر بين من يجازي ومن لا يجازي، كالبهائم والوحوش، على ما ذهب إليه المحققون، وصححه النووي. وذهبت طائفة إلى أنه لا يحشر إلا من يجازي، أما السقط -إن لم ينفخ فيه الروح- فكسائر الأجسام التي لا روح فيها، وأما -إن نفخت فيه- فيحشر ويصير عند دخول الجنة كأهلها في الجمال والطول. اهـ.
- ويوم القيامة مدته خمسون ألف سنة قال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (١)، وقد ورد في نصوص حديثية صحيحة هذا التحديد، ويختلف حال الناس في استشعار طوله وفي مكثهم في الموقف واستقرارهم في الجنة أو النار.
- وبعد البعث يحشر الناس إلى أرض المحشر ومركزها بلاد الشام، وهناك يكون الموقف، فمن الخلق من يكون في ظل الرحمن، ومنهم من يكون بالعراء، ويخلق الله شمسًا دانية من العباد وتكون شدة الحر أكثر منحر الدنيا بعشرة أمثال، ويؤمر الناس بالاصطفاف والوقوف استعدادًا كوقفة الجندي وصف العساكر "ويؤتى بالنار لها سبعون ألف زمام على كل زمام سبعون ألف ملك ويؤتى بالجنة فتكون ملاصقة للنار وعلى النار الصراط".
стр. 1114
- ويطول الوقوف ويفزع الناس إلى الأنبياء ليشفعوا لهم ليبدأ فصل القضاء إما إلى جنة وإما إلى نار فلا يشفع لفصل الخطاب إلا محمد ﷺ وعندئذ تبدأ مواقف جديدة متعددة، فمن ذلك ما يصفه الله بقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ (١). وتؤمر كل أمة أن تتبع ما كانت تعبد من دون الله، وتميز الأمم عن بعضها بعضًا، ويكون هناك جدال وعتاب ومعاذير وإقامة حجج، ويكون هناك في موقف من المواقف عرض للأمم كلها على النار فتجثوا الأمم كلها باركة على ركبها حول النار، وفي موقف من المواقف تشهد الأنبياء على أممها، وتشهد أمتنا لصدق الرسول ﷺ ، يكون هناك حوار بين الأتباع والمتبوعين، وفي موقف من المواقف يدعى أئمة الهدى وأئمة الضلالة، فيرجع أئمة الهدى بالبشرى لمن تابعهم، ويرجع أئمة الضلالة ببشارة السوء لمن تابعهم. وفي هذه الأجواء تكون براءة من المتبوعين على الضلال، ويتمنى الأتباع لو أنهم أعيدوا إلى الحياة الدنيا ليتبرأوا ممن اتبعوهم، ثم يطير صحف أعمال العباد فآخذ بيمينه وآخذ بشماله وآخذ وراء ظهره، ويقال إن الآخذين وراء ظهورهم هم أصحاب الشمال أنفسهم، ثم يبدأ الحساب وهو قبل الوزن والميزان.
قال الشيخ الأديب الكيلاني ﵀: والحساب حق: أي ثابت بالكتاب والسنة والإجماع وهو توقيف الله الناس على أعمالهم خيرًا كانت أم شرًا، قولًا كان أو فعلًا، بعد أخذهم كتبها، ويشمل الحساب المؤمن والكافر من الإنس والجن، إلا من استثنى الله تعالى منهم اهـ.
والنصوص تدل على أن بعض أهل الجنة لا يحاسبون. ويذهب بعض الناس إلى أن بعض أهل الكفر لا يحاسبون، ولكن الظاهر أن هذا القول مرجوح، لأن إدخال أهل الجنة بدون حساب فضل، أما أهل النار فمن سنة الله أن يقيم عليهم الحجج كاملة. قال الشيخ أديب: ولا يشغله سبحانه محاسبة أحد عن أحد بل يحاسب الناس جميعاً معاً، حتى أن كل أحد يرى أنه المحاسب وحده وكيفية الحساب مختلفة، فمنه اليسير والعسير، والسر والجهر، والتوبيخ والفضل والعدل. اهـ.
стр. 1115
وفي مقام الحساب وفي مقامات أخرى تكون شهادات، قال الشيخ الأديب الكيلاني ﵀: وفيه شهادة الألسنة والأيدي والأرجل والسمع والجلد والأرض والليل والنهار والحفظة، أما الانبياء والأولياء وسائر الصلحاء فهم عن كل هذا مبعدون اهـ.
وبعد الحساب: يكون الوزن والميزان فتدعى الأمم كلها إلى الوزن والميزان، فتحضر الأمم للوزن جاثية على ركبها. قال تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا﴾ (١).
وهكذا يحضر الناس وبيد كل واحد منهم صحيفته، قال الشيخ الأديب الكيلاني ﵀: إن أخذ الصحف واجب لوروده بالكتاب والسنة ولانعقاد الإجماع عليه، فمن أنكره كفر، والصحف هي الكتب التي كتب فيها الملائكة ما فعله العباد في الدنيا، ولكل مكلف صحيفة واحدة يوم القيامة، وإن كانت متعددة في الدنيا اهـ.
فكل إنسان بيده صحيفته، ولكل إنسان كتابه الذي ضم ما سجلته الملائكة عليه، وهناك الكتاب الذي سجل فيه كل شيء على الأفراد والأمم.
ويبدأ الوزن والميزان، أما الكافرون فلا قيمة لأعمالهم ولا وزن، وأما المؤمنون فتوزن حسناتهم وسيئاتهم إلا من يستثنى ممن لا حساب عليهم أصلًا، وفي هذا المقام يقول الشيخ أديب ﵀: والميزان: هو ميزان واحد على الراجح له قصبة وعمود وكفتان، كل منهما أوسع من أطباق السموات والأرض، وجبريل آخذ بعموده ناظر إلى لسانه وميكائيل أمين عليه، ومحله بعد الحساب، وقيل لكل عامل موازين يوزن بكل منها صنف من عمله.
وقد بلغت أحاديثه مبلغ التواتر، فيجب الإيمان به، ونمسك عن تعيين حقيقته.
وقال: أما الكفر فلا فائدة في وزنه، لأن عذابه دائم، وقد ورد في كلام القرطبي ما يدل على أنه يوزن حيث قال: فتجمع له هذه الأمور وتوضع في ميزان الكافر فيرجح الكفر بها.
وقال: اختلف العلماء في الموزون فذهب جمهور المفسرين، إلى أن الموزون هي الكتب
стр. 1116
المشتملة على أعمال العباد بناء على أن الحسنات مميزة بكتاب، والسيئات بآخر.
وذهب بعضهم إلى أن الموزون أعيان الأعمال، فتصور الاعمال الصالحة بصورة حسنة نورانية، ثم تطرح في كفة النور، وهي اليمنى، فتثقل بفضل الله سبحانه. وتصور الأعمال السيئة بصورة قبيحة ظلمانية، ثم تطرح في كفة الظلمة، وهي الشمال، فتخف وهذا في المؤمن. أما الكافر فتخف حسناته وتثقل سيئاته بعدل الله . وقيل: قد يوزن الشخص نفسه.
وقال: يجازي الله على السيئات بعقاب يليق بها، إن جازى عليها، وله أن يعفو عنها إن لم تكن كفرًا، وإلا خلد صاحبه في النار، والسيئة ما يذم فاعلها عليها شرعًا، صغيرة كانت أو كبيرة. وسميت سيئة لأن فاعلها يساء عند المقابلة عليها يوم القيامة. والمراد بها التي عملها العبد حقيقة، أو حكمًا بأن طرحت عليه لظلامة اجترحها بعد نفاد حسناته، فإنه يؤخذ من حسنات الظالم ويعطى للمظلوم، فإذا نفدت حسنات الظالم طرح عليه من سيئات المظلوم، ثم قذف بالظالم في النار.
أما الحسنات فيضاعفها الله تعالى بفضله، إذ لا يجب عليه ذلك. والحسنة مما يمدح عليها صاحبها شرعًا، وسميت حسنة لحسن وجه صاحبها عند رؤيتها يوم القيامة، المراد الحسنات المقبولة المعمولة للعبد أو ما في حكمها بأن عملها عنه غيره كما إذا تصدق غيره عنه بصدقة. أما الحسنات المأخوذة نظير ظلامة فلا تضاعف. والحسنات المردودة ما خالطها الرياء، فهذه لا ثواب فيها أصلًا. الحسنة التي يهم الإنسان بفعلها ولكنه لا يفعلها تكتب حسنة واحدة من غير تضعيف .. وأقل مراتب التضعيف عشر مراتب، وقد تضاعف إلى سبعين، إلى سبعمائة، أو أكثر من غير انتهاء إلى حد تقف عنده. وتفاوت هذه المراتب إنما هو تبع لما يقترن بالحسنة من إخلاص، وحسن نية اهـ.
ويعرف بالوزن والميزان كل إنسان نتيجة عمله والظاهر أنه قبل الوزن يحاول الناس أن يشربوا من أحواض أنبيائهم عليهم الصلاة والسلام، وتشرب هذه الأمة من حوض رسولها ﷺ ، فيرد من يرد ويشرب من يشرب ويحبس الناس في الظلمة دون الصراط، وههنا
стр. 1117
يحدث تبدل جديد للأرض، فمال الأرض في النهاية إلى أن تكون خبزة يأكلها أهل الجنة وتوجد سموات جديدة، والظاهر أنه في هذا الموقف يؤمر آدم بأن يخرج بعث النار فيخرج من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، ويخرج عنق من النار فيأخذ أصنافًا من الناس ويبدأ أهل النار يردون على النار أفواجًا أفواجًا كل أمة مع أئمتها في الضلال وأئمة الضلال يدخلون النار قبل أتباعهم، والسابقون من الأمم في الغواية يدخلون النار قبل اللاحقين، فكل شيء في الآخرة على غاية من الترتيب والنظام والعدل والانضباط.
ومن كتب له المرور على الصراط لا يمر إلا بعد شفاعة جديدة من رسولنا ﷺ ، فبعد أن يلجأ الناس إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مرة ثانية فيحيلون الأمر إلى رسولنا ﵊ فيشفع ويؤذن بالمرور على الصراط، والظاهر أن المنافقين يبقون مع المؤمنين طامعين فيأن يعبروا معهم على الصراط، فيضرب بينهم وبين المؤمنين بسور باطنه فيه الرحمة وظاهرة من قبله العذاب، فبعض العلماء يقولون إن هذا السور يضرب في أول الصراط، والظاهر أنه لا يعبر على الصراط إلا من له نور مهما كان هذا النور ضعيفًا، والذين يمرون على الصراط بعضهم تكون سيئاتهم أكثر من حسناتهم فلا يعبرون بل يسقطون في النار، وبعضهم تكون حسناتهم أكثر فيعبرون، وبعضهم تتساوى حسناتهم وسيئاتهم فيعبرون، وهؤلاء هم أهل الأعراف الذين يكونون في مكان بين الجنة والنار أمدًا من الزمن، ومالهم إلى الجنة بإذن الله.
وعلى ضوء صحائف الأعمال التي تكون بيد المارين على الصراط تقتص الملائكة من بعض المؤمنين لبعض، فينجو من نجا، ويسقط في النار من لا تكفي حسناته الزائدة على سيئاته ليأخذها من له عليه حق، حتى إذا تجاوز الناجون الصراط يبقى بعضهم على الأعراف، ويحبس الأخرون فلا يؤذن لهم بدخول الجنة حتى يشفع بذلك رسول الله ﷺ ، فهذه شفاعة ثالثة تكون بعد أن يلجأ الناس إلى الأنبياء فيحيلونهم على رسولنا ﵊.
وفي هذا المقام تنزع الاحقاد من القلوب، وتبدأ شفاعات بمن دخل النار من أهل الإيمان، ثم يدخل أهل الجنة الجنة وتستمر الشفاعات، ويخرج أهل الإيمان من النار،
стр. 1118
وعندئذ يذبح الموت بين الجنة والنار، ويكتب الخلود لكل من أهل الجنة والنار، وكل في موطنه، وفي ذبح الموت أعظم بشارة لأهل الجنة وأعظم كآبة لأهل النار.
ومن كلام الشيخ أديب الكيلاني ﵀ عن الصراط والجنة والنار ما يلي:
كذا الصراط ... [أي] في وجوب الإيمان به، لورود الدليل السمعي، مثل أخذ العباد الصحف ومثل الوزن والميزان. ومعناه -لغة- الطريق الواضح، لأنه يصرط المارة أي يبتلعهم، وشرعًا: هو جسر ممدود على متن جهنم يرده الأولون والآخرون حتى الكفار. إلا أن الحليمي ذهب إلى أنهم لا يمرون، ويجوز أنه قصد بالكفار الذين لا يمرون من تلقي بهم الملائكة في النار من الموقف. وكل من يمر ساكت إلا الأنبياء يقولون: "اللهم سلم سلم".
وفي بعض الروايات "أنه أدق من الشعرة وأحد من السيف"، وهو المشهور ونازع في ذلك العز بن عبد السلام والشيخ القرافي، وغيرهما كالبدر الزركشي. قالوا: على فرض صحة ذلك فهو محمول على غير ظاهره، بان يؤول: بأنه كناية عن شدة المشقة، وحينئذ فلا ينافي ما ورد في الأحاديث الدالة على قيام الملائكة على جنبيه، وكون الكلاليب فيه. وزاد القرافي: والصحيح أنه عريض، وفيه طريقان يمنى ويسرى، فأهل السعادة يسلك بهم ذات اليمين، وأهل الشقاوة يسلك بهم ذات الشمال، وفيه طاقات، كل طاقة تنفذ إلى طبقة من طبقات جهنم. وقال بعضهم: إنه يدق ويتسع بحسب ضيق النور وانتشاره، فعرض صراط كل أحد بقدر انتشار نوره فإن نور كل إنسان لا يتعداه إلى غيره. ومن هنا كان دقيقًا في حق قوم، عريضًا في حق آخرين.
وتفاوتهم في المرور إنما هو بحسب تفاوتهم في الإعراض عن حرمات الله تعالى، فمن كان منهم أسرع إعراضًا عما حرم الله كان أسرع مرورًا في ذلك اليوم.
النار التي هي دار العذاب ثابتة بالكتاب والسنة، واتفاق علماء الامة. أوجدها الله تعالى فيما مضى كالجنة التي هي دار الثواب. فالنار حق كالجنة، وهما موجودتان الآن.
ولم يرد نص صريح في تعيين مكانهما، كما في شرح المقاصد. إلا أن الكثيرين على أن الجنة فوق السموات السبع وتحت العرش، وأن النار تحت الارضين السبع. والحق تفويض
стр. 1119
علم ذلك إلى اللطيف الخبير.
واختلف في الجنة هل هي سبع جنات متجاورات، أو أربع، أو جنة واحدة؟ فذهب ابن عباس إلى أنها سبع، أفضلها وأوسطها الفردوس وهي أعلاها، والمجاورة لا تنافي العلو، وفوقها عرش الرحمن، ومنها تنفجر أنهار الجنة، ويليها في الأفضلية "عدن" ثم "الخلد" ثم "النعيم" ثم "المأوى" ثم "دار السلام" ثم "دار الجلال.
وذهب الجمهور إلى أنها واحدة، وهذه الأسماء كلها جارية عليها لتحقق معانيها.
وأولاد المشركين في الجنة على الصحيح، ولا فرق في السعادة والشقاوة بين إنسي وجني.
الناس في الموقف على حالتهم التي ماتوا عليها. ثم يدخل المؤمنون الجنة جردًا مردًا أبناء ثلاث وثلاثين سنة، طول كل واحد منهم ستون ذراعًا، وعرضه سبعة أذرع، ثم لا يزيدون ولا ينقصون اهـ.
-ومما مر معنا نعرف أن لرسولنا ﷺ ثلاث شفاعات متميزة، لا يشاركه فيها غيره، وهذه الشفاعات الثلاث هي المقام المحمود، يطلق على ثلاثتها المقام المحمود، ويطلق على كل منها المقام المحمود، وله شفاعات أخرى، فالمقام المحمود يتمثل بثلاث شفاعات:
الشفاعة الأولى: بعد طول المقام في الموقف وهي التي تسمى الشفاعة لفصل الخطاب وهي التي يكون بعدها الجدال والمعازير والشهادات والحساب والميزان.
الشفاعة الثانية: للإذن لعبور الصراط وتكون بعد لجوء إلى الأنبياء وإحالة على رسول الله صلوات الله وتسليماته.
الشفاعة الثالثة: تكون كذلك بعد لجوء إلى الأنبياء وإحالة إلى رسول الله ﷺ وهي الشفاعة للإذن بدخول الجنة.
-وكثيرًا ما يحدث أن رواة الاحاديث يتحدثون بمناسبة الكلام عن المقام المحمود عن شفاعة من هذه الشفاعات الثلاث ويطوون غيرها، فيلتبس الفهم على القارئ، والتحقيق أن الأمر كذلك.
стр. 1120
- ونحن إذا نعرض نصوص السنة قد لا تقف لبيان هذه الحقيقة اكتفاء بما ذكرناه هنا، فليبق القارئ على ذكر لذلك.
- ومن عقائد أهل السنة والجماعة أنه في الموقف وفي الصراط وفي الجنة وفي النار يكون للملائكة وظائفهم.
- وفي الموقف يرى أهل الإيمان الله نوع رؤية وإنما تكون الرؤية للجلال والجمال في الجنة وذلك أعظم نعيم أهل الجنة.
- والنار على طبقات والجنة على درجات ومنازل وفيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر من أصناف الملذات والنعيم والبهجة والسرور والمتعة.
- والجن المؤمنون لهم ما للإنس المؤمنين، والكافرون من الجن لهم ما للإنس الكافرين، وكذلك شأن الفساق من الجن.
- ومشاهد القيامة ووصف النار والجنة يأخذ من الكتاب والسنة حيزًا كبيرًا؛ لأن ذلك هو المقصد الثاني من بعثة الرسل عليهم الصلاة والسلام بعد معرفة الله ، وقد أعاد بعض المفسرين الضمير في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ (١) على القرآن، فمن أعظم مقاصد القرآن تبيان أمر اليوم الآخر، قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٢).
- ولكي تقوم الحجة على الخلق قيامًا كاملًا جعل الله كتابه القرآن معجزًا، وجعل فيه من المعجزات الكثير، وجعل أمر محمد ﷺ بينًا، وأظهر على يديه وعلى لسانه من المعجزات الكثير، وأرسل قبله الرسل وبعث الأنبياء مبشرين بما بشر به، ومنذرين بما أنذر به ليكون ذلك توطئة وتمهيدًا وتشييدًا لصرح الإيمان.
- وقد رأينا في هذا القسم كيف أن الأديان السابقة فيها شواهد على صحة المعاني
стр. 1121
الكبرى التي بعث بها محمد ﷺ ، ورأينا أنها حرفت وبدلت وطمست معالمها وأصبحت أحكامها ضائعة أو بحاجة إلى تغيير فجاءت الرسالة الخاتمة مصححة وناسخة ومبينة ومطالبة للإنس والجن باتباعها وحدها.
- ولا مطمع لمن يريد أن يعرف تفصيلات ما يجري في اليوم الآخر إلا بأن يستعرض نصوص الكتاب والسنة وفهوم الراسخين في العلم من علماء هذه الأمة.
- ونختم هذا العرض الإجمالي بالتذكير: أن الله يجعل لرسولنا ﵊ ولأمتنا من الكرامة والفضل ما يمتازون به على غيرهم من الأمم يظهر ذلك في الموقف وفيما بعده وفي الجنة.
- وهذا لا ينفي أن يكون للأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين من كل الأمم ميزانهم، وهناك تفصيلات ستمر معنا، وبعضه قد مر من قبل في القسم السابق عند الكلام عن فضل الأمة المحمدية.
- وها نحن سنعرض عليك نصوصًا من الكتاب والسنة في فقرات متعددة تجعلك على بيان في هذه الحقيقة العظمى التي غفل عنها أكثر الخلق.
فائدة:
من عقائد أهل السنة والجماعة ما ذكره الشيخ اللقاني:
وواجب تعذيب بعض ارتكب ... كبيرة ثم الخلود مجتنب
وقد شرح هذا البيت أديب الكيلاني بقوله:
وواجب تعذيب بعض: إن تعذيب بعض غير معين من عصاة هذه الأمة، ارتكبوا الكبيرة، من غير تأويل ويعذرون به، وماتوا بلا توبة، ثابت وواقع شرعًا، بخلاف من ارتكب صغيرة أو كبيرة بتأويل، كما يقع من البغاة المتأولين، أو ارتكبها من غير تأويل لكنه مات بعد التوبة. والمقصود هنا أمة الإجابة. والمراد ببعض طائفة، ولو واحدًا من كل صنف من أصناف العصاة كالزناة، وقتلة الأنفس، وشاربي الخمر. فلابد من نفوذ
стр. 1122
الوعيد في طائفة من كل صنف، أقلها واحد. وهذه المسألة على طريقة الماتريدية، من أنه لا يجوز تخلف الوعيد. وذهب الأشاعرة إلى جواز تخلفه، لأنه على تقدير المشيئة، فإن شاء عذب، وإن شاء غفر. نعم، قد ورد تعذيب بعض الموحدين، والشفاعة فيهم، لكن لا يعم الأنواع كلها. والحاصل: أن الناس قسمان مؤمن وكافر فالكافر مخلد -إجماعًا- في النار. والمؤمن قسمان، طائع وعاص، فالطائع -إجماعًا- في الجنة، والعاصي على قسمين، تائب وغير تائب فالتائب -إجماعًا- في الجنة، وغير التائب متروك للمشيئة، وعلى تقدير عذابه لا يخلد في النار اهـ (شرح جوهرة التوحيد).
* * *
стр. 1123
الفقرة الثانية
في:
النفختين وفي: يوم القيامة
بمناسبة الكلام عن يوم القيامة يمر علينا ذكر الصوم الذي تتم فيه النفختان: النفخة الأولى، والنفخة الثانية، نفخة الإماتة وما يعقبها، ونفخة الإحياء وما يعقبها، والصور أشبه بالقرن والنافخ فيه هو إسرافيل بإجماع العلماء.
- وبمناسبة الكلام عن النفخة الأولى يمر معنا أن هناك خلقًا مستثنين من الإماتة قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ (١)، وهناك تحقيقات للعلماء فيمن يستثنى من الصعق. والمطلوب منا الإيمان بالاستثناء إجمالًا دون الدخول في التفصيلات، وكما أن بعض الأحياء مستثناة من الصعق فهناك بعض المخلوقات لا يدخل عليها تغير بسبب النفخة الأولى كالعرش.
- وبمناسبة الكلام عن النفخة الثانية تمر معنا كلمة عجب الذنب وهو العظم اللطيف الذي هو في أسفل الصلب وهو رأس العصعص وهو أول ما يجمع من الأرض في ابن آدم يوم القيامة، وهو الذي يبقى منه ليعاد تركيب الخلق عليه والظاهر أن هذا الجزء من الإنسان إذا مات لا يدخل في تركيب أي جسم آخر، وليس المراد ببقائه أنه لا يتحلل، بل المشاهد أنه يحترق ويتحلل، ولكن الله يحفظ أجزاءه فحيثما ذهبت فهي محفوظة، وهي أول ما تجمع يوم القيامة ثم يبنى عليها الإنسان من المطر الذي ينزله الله ويتضمن أجزاء المخلوقات ليذهب كل جزء إلى صاحبه.
- وبمناسبة الكلام عن النفختين نذكر المدة بينهما، ومجموع الروايات تفيد أنها أربعون سنة والله أعلم.
- وبمناسبة الكلام عن النفخة الأولى يذكر ما يحدث للأرض، فالأرض لها تبدلات متعددة، والتبدل الأول هو ما يحدث من تسجير البحر بأن تصبح نارًا، والجبال تندك فتكون كالصوف المندوف ثم تصبح كالهباء المنبث في الهواء، ثم تسوى الأرض جميعًا فلا
стр. 1124
يبقى فيها ارتفاع أو انخفاض، ثم تمد مدًا بعد أن كانت كروية، ثم تحدث لها تبدلات أخرى كما ذكرنا من قبل وكما سنرى من بعد، فقد نقل الألوسي عن بعضهم أن الأرض تبدل صفتها ابتداء ثم تبدل ذاتها بعد أن تحدث أخبارها قال: ولا مانع أن تكون هناك تبدلات على أنحاء شتى.
قال ابن كثير في النهاية:
وفي صحيح مسلم، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ : سئل أين يكون الناس يوم تبدل الأرض والسموات؟ فقال: "في الظلمة دون الجسر".
وقد يكون المراد بذلك تبدلًا آخر غير هذا المذكور في هذا الحديث، وهو أن تبدل معالم الأرض فيما بين النفختين، نفخة الصعق، ونفخة البعث، فتسير الجبال، وتميد الأرض، ويبقى الجميع صعيدًا واحدًا، لا اعوجاج فيها ولا روابي ولا أودية قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ (١). أي لا انخفاض فيها ولا ارتفاع وقال تعالى: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ (٣).
وقال تعالى: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ (٤).
وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا * وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾ (٥). اهـ (النهاية في الفتن والملاحم).
- وبمناسبة النفخة الثانية تذكر بعض النصوص الصحيحة أن أول من تنشق عنه الأرض رسول الله ﷺ ثم أبو بكر ثم عمر.
والنصوص القرآنية والحديثية كثيرة وحسبنا أن نذكر ههنا بعضها مع ملاحظة أن النصوص كثيرًا ما تتحدث عن أكثر من مشهد من مشاهد يوم القيامة.