← Акыда

Акыда · id 18338

الأساس في السنة وفقهها - العقائد الإسلامية

سعيد حوى

Полный текст (1 514 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

الكبرى التي بعث بها محمد ﷺ ، ورأينا أنها حرفت وبدلت وطمست معالمها وأصبحت أحكامها ضائعة أو بحاجة إلى تغيير فجاءت الرسالة الخاتمة مصححة وناسخة ومبينة ومطالبة للإنس والجن باتباعها وحدها. - ولا مطمع لمن يريد أن يعرف تفصيلات ما يجري في اليوم الآخر إلا بأن يستعرض نصوص الكتاب والسنة وفهوم الراسخين في العلم من علماء هذه الأمة. - ونختم هذا العرض الإجمالي بالتذكير: أن الله يجعل لرسولنا ﵊ ولأمتنا من الكرامة والفضل ما يمتازون به على غيرهم من الأمم يظهر ذلك في الموقف وفيما بعده وفي الجنة. - وهذا لا ينفي أن يكون للأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين من كل الأمم ميزانهم، وهناك تفصيلات ستمر معنا، وبعضه قد مر من قبل في القسم السابق عند الكلام عن فضل الأمة المحمدية. - وها نحن سنعرض عليك نصوصًا من الكتاب والسنة في فقرات متعددة تجعلك على بيان في هذه الحقيقة العظمى التي غفل عنها أكثر الخلق. فائدة: من عقائد أهل السنة والجماعة ما ذكره الشيخ اللقاني: وواجب تعذيب بعض ارتكب ... كبيرة ثم الخلود مجتنب وقد شرح هذا البيت أديب الكيلاني بقوله: وواجب تعذيب بعض: إن تعذيب بعض غير معين من عصاة هذه الأمة، ارتكبوا الكبيرة، من غير تأويل ويعذرون به، وماتوا بلا توبة، ثابت وواقع شرعًا، بخلاف من ارتكب صغيرة أو كبيرة بتأويل، كما يقع من البغاة المتأولين، أو ارتكبها من غير تأويل لكنه مات بعد التوبة. والمقصود هنا أمة الإجابة. والمراد ببعض طائفة، ولو واحدًا من كل صنف من أصناف العصاة كالزناة، وقتلة الأنفس، وشاربي الخمر. فلابد من نفوذ

стр. 1122

الوعيد في طائفة من كل صنف، أقلها واحد. وهذه المسألة على طريقة الماتريدية، من أنه لا يجوز تخلف الوعيد. وذهب الأشاعرة إلى جواز تخلفه، لأنه على تقدير المشيئة، فإن شاء عذب، وإن شاء غفر. نعم، قد ورد تعذيب بعض الموحدين، والشفاعة فيهم، لكن لا يعم الأنواع كلها. والحاصل: أن الناس قسمان مؤمن وكافر فالكافر مخلد -إجماعًا- في النار. والمؤمن قسمان، طائع وعاص، فالطائع -إجماعًا- في الجنة، والعاصي على قسمين، تائب وغير تائب فالتائب -إجماعًا- في الجنة، وغير التائب متروك للمشيئة، وعلى تقدير عذابه لا يخلد في النار اهـ (شرح جوهرة التوحيد). * * *

стр. 1123

الفقرة الثانية في: النفختين وفي: يوم القيامة بمناسبة الكلام عن يوم القيامة يمر علينا ذكر الصوم الذي تتم فيه النفختان: النفخة الأولى، والنفخة الثانية، نفخة الإماتة وما يعقبها، ونفخة الإحياء وما يعقبها، والصور أشبه بالقرن والنافخ فيه هو إسرافيل بإجماع العلماء. - وبمناسبة الكلام عن النفخة الأولى يمر معنا أن هناك خلقًا مستثنين من الإماتة قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ (١)، وهناك تحقيقات للعلماء فيمن يستثنى من الصعق. والمطلوب منا الإيمان بالاستثناء إجمالًا دون الدخول في التفصيلات، وكما أن بعض الأحياء مستثناة من الصعق فهناك بعض المخلوقات لا يدخل عليها تغير بسبب النفخة الأولى كالعرش. - وبمناسبة الكلام عن النفخة الثانية تمر معنا كلمة عجب الذنب وهو العظم اللطيف الذي هو في أسفل الصلب وهو رأس العصعص وهو أول ما يجمع من الأرض في ابن آدم يوم القيامة، وهو الذي يبقى منه ليعاد تركيب الخلق عليه والظاهر أن هذا الجزء من الإنسان إذا مات لا يدخل في تركيب أي جسم آخر، وليس المراد ببقائه أنه لا يتحلل، بل المشاهد أنه يحترق ويتحلل، ولكن الله يحفظ أجزاءه فحيثما ذهبت فهي محفوظة، وهي أول ما تجمع يوم القيامة ثم يبنى عليها الإنسان من المطر الذي ينزله الله ويتضمن أجزاء المخلوقات ليذهب كل جزء إلى صاحبه. - وبمناسبة الكلام عن النفختين نذكر المدة بينهما، ومجموع الروايات تفيد أنها أربعون سنة والله أعلم. - وبمناسبة الكلام عن النفخة الأولى يذكر ما يحدث للأرض، فالأرض لها تبدلات متعددة، والتبدل الأول هو ما يحدث من تسجير البحر بأن تصبح نارًا، والجبال تندك فتكون كالصوف المندوف ثم تصبح كالهباء المنبث في الهواء، ثم تسوى الأرض جميعًا فلا

стр. 1124

يبقى فيها ارتفاع أو انخفاض، ثم تمد مدًا بعد أن كانت كروية، ثم تحدث لها تبدلات أخرى كما ذكرنا من قبل وكما سنرى من بعد، فقد نقل الألوسي عن بعضهم أن الأرض تبدل صفتها ابتداء ثم تبدل ذاتها بعد أن تحدث أخبارها قال: ولا مانع أن تكون هناك تبدلات على أنحاء شتى. قال ابن كثير في النهاية: وفي صحيح مسلم، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ : سئل أين يكون الناس يوم تبدل الأرض والسموات؟ فقال: "في الظلمة دون الجسر". وقد يكون المراد بذلك تبدلًا آخر غير هذا المذكور في هذا الحديث، وهو أن تبدل معالم الأرض فيما بين النفختين، نفخة الصعق، ونفخة البعث، فتسير الجبال، وتميد الأرض، ويبقى الجميع صعيدًا واحدًا، لا اعوجاج فيها ولا روابي ولا أودية قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ (١). أي لا انخفاض فيها ولا ارتفاع وقال تعالى: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا * وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾ (٥). اهـ (النهاية في الفتن والملاحم). - وبمناسبة النفخة الثانية تذكر بعض النصوص الصحيحة أن أول من تنشق عنه الأرض رسول الله ﷺ ثم أبو بكر ثم عمر. والنصوص القرآنية والحديثية كثيرة وحسبنا أن نذكر ههنا بعضها مع ملاحظة أن النصوص كثيرًا ما تتحدث عن أكثر من مشهد من مشاهد يوم القيامة.

стр. 1125

١ - النصوص القرآنية ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ * فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ (١). ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ * فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ * قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ * فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٢). ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا * إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا * كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ (٣). ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (٤).

стр. 1126

﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ (١). التبدل يكون بالذات والصفات، وأول تبدل للأرض يكون بالصفات يوم القيامة عند النفخة الأولى، ثم يكون التبدل بالذات بعد انتهاء الحساب والناس محبوسون قبل الصراط، وللسموات تبدلان كذلك، تبدل في الصفات بأن يجمع الكون كله إلا ما شاء الله كتلة واحدة وذلك في النفخة الأولى، ثم تبدل آخر مع التبدل الثاني للأرض. ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ * وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ * وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ (٢). في الآيات دليل على طي السموات وقد رأينا ذلك من قبل فهي تطوى مع غيرها إلا ما شاء الله استثناءه. وقوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ يحتمل اللوح المحفوظ ويحتمل صحف الأعمال وذلك يكون بعد الموقف الطويل والشفاعة لفصل الخطاب وبعد العرضتين الأولى والثانية وعندئذ يكون الحساب والميزان والظاهر أن شهادة الأنبياء وغيرهم إنما تكون في هذا المقام قبل بدء الحساب والله أعلم. ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ * يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ * كَلَّا لَا وَزَرَ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ * يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ * بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ (٣).

стр. 1127

والظاهر أن جمع الشمس مع القمر يكون مع طي السموات وغيرها وذلك في النفخة الأولى. ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ * وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ * وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ * وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ * وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ * وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ * وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ (١). التكوير: اللف للرفع. والمراد هنا: ذهاب ضوئها بين يدي دمجها مع غيرها في كتلة واحدة. انكدار النجوم: انقضاؤها بدمجها مع بعضها ومه ما شاء الله. تسيير الجبال: يكون بعد دكها حتى تكون هباء فتسوى مع بقية الأرض، تسجير البحر: جعلها نارًا، وذلك كله يكون بالنفخة الأولى. العشار: هي الإبل. وتعطيلها: عدم وجود مالك لها، وحشر الوحوش: دليل على أن الحيوانات تبعث لإقامة العدل ثم تكون ترابًا، وهذا وهذا مع تزويج الأنفس للأجساد، وما جاء بعد ذلك في الآيات يكون بعد النفخة الثانية، والله أعلم. ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ * وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ * وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ * لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ * لِيَوْمِ الْفَصْلِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (٢). ﴿طُمِسَتْ﴾ طمس النجوم: ذهاب ضوئها بين يدي دمجها مع غيرها، وفسرها بعضهم بالانسحاق وما ذكرناه هو تفسيرها، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ﴾: أي صدعت وانشقت بين يدي دمجها مع غيرها، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾: أي عين لها الوقت الذي تحضر فيه للشهادة على أممها وذلك -الله أعلم- بعد الشفاعة لفصل الخطاب وقبل الحساب والميزان ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ * وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا

стр. 1128

وَتَخَلَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ (١). ذكر البيضاوي عند قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ عن علي ﵁ أنها تشق من المجرة، وهذا يكون مقدمة لدمجها مع بعضها. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ أي بسطت وزالت جبالها وآكامها وخرجت من الكروية إلى الانبساط، وهذا وهذا يكون بالنفخة الأولى. وقوله تعالى: ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ ألقت ما في جوفها من الكنوز والأموات وتكلفت في الخلو أقصى جهدها حتى لم يبق شيء في باطنها والظاهر أن هذه الأخيرة في النفخة الثانية وما سبقها يكون في النفخة الأولى. ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ (٢). (الانفطار): الانشقاق، وهو وانتثار الكواكب مقدمة لجمعها كتلة واحدة، وتفجير البحار: أي فتحها على بعضها وذلك مقدمة لتسجيرها ثم لجعل الأرض لا ارتفاع فيها ولا انخفاض وذلك في النفخة الأولى، يحدث بهذه النفخة نوع من بعثرة القبور، والظاهر أن مقدمة ذلك في النفخة الأولى حتى إذا كانت النفخة الثانية كان الإحياء والبعث. ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا * يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا * وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا * وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ (٣). الظاهر أن هذا المشهد يتحدث عن النفخة الثانية في أوله، وفي آخره يتحدث عما يكون في النفخة الأولى. ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ * وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ * يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ (٤).

стр. 1129

بدأ هذا المشهد في الحديث عما يكون في النفخة الأولى ثم انتقل إلى الحديث عما يكون في النفخة الثانية، وقد عرض النص مجريات الأمور بما أفاد أن ما يجري في النفخة الثانية استمرار لما يجري في النفخة الأولى. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ (١). للمفسرين أكثر من قول حول هذا المشهد متى يكون، فبعضهم جعل هذه زلزلة هائلة تكون قبل طلوع الشمس من مغربها وبعضهم جعلها زلزلة تكون بعد النشور، وبعض النصوص تشير إلى أنها زلزلة معنوية تكون في أحد مشاهد يوم القيامة، وذلك يوم يقول الله لآدم ﵇ أخرج بعث النار، فيخرج من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين. ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٢). المراد بالزلزال: النفختان الأولى والثانية على رأي بعض المفسرين، وإخراج الأرض أثقالها كقوله تعالى: ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾، وتتمة السورة تتحدث عما يكون بعد النفخة الثانية. ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ * فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ (٣). المراد بالقارعة ما يحدث في النفخة الأولى، ثم السورة تتحدث عن بعض آثار النفخة الأولى، وعما يجري في النفخة الثانية.

стр. 1130

﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ * إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ (١). ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ يدل على أن هناك خلقاً يثبت الله قلوبهم فلا يصيبهم الفزع، وقوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ أي كل من المحشورين يأتون إلى المحشر طائعين خاضعين، وقد يراد بقوله: ﴿دَاخِرِينَ﴾: الذلة فعندئذ يراد بها المجرمون والذين يصيبهم الفزع، أما أولياؤه ﷻ فلهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الأخرة. ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا * يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا * وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا * يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا * يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا * وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا * وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ (٣). في هذا المشهد حديث عما يكون بعد النفخة الثانية وإجابة على سؤال له صلة بالنفخة الأولى. وهذا المشهد يتحدث عن كون المجرمين يحشرون عميا زرق العيون لعماهم، وهناك نصوص تذكر أنهم يحشرون سود الوجوه، ومن هول الموقف فإنهم يتناجون سرا، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ﴾ أي ملكًا يدعوهم إلى مكان الحشر وقوله في وصفهم لاتباع الداعي: ﴿لَا عِوَجَ لَهُ﴾ أي لا يعوج له مدعو ولا يعدل عنه. ومعنى: ﴿وَعَنَتِ

стр. 1131

الْوُجُوهُ﴾ أي ذلت وخضعت وذلك وصف لوجوه المجرمين يوم القيامة. ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي * فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ (١). دك الأرض يكون بالنفخة الأولى ومجيء الملائكة واصطفافهم يكون بعد أن يجمع الناس في المحشر وبعد ذلك يؤتى بجهنم تجرها الملائكة. ويكون المآل أن الكافرين يوثقون وثاقاً لا مثل له في الدنيا ويعذبون عذابًا لا مثل له في الدنيا. ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى * فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (٢). * * *

стр. 1132

٢ - النصوص الحديثية ١١٦٦ - * روى البخاري عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: " ... ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما، فلا يتبايعانه، ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته، فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه، فلا يطعمها". ١١٦٧ - * روى الطبراني عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "ما هلك قوم لوط إلا في الأذان ولا تقوم الساعة إلا في الأذان". قال الطبراني معناه عندي والله أعلم في وقت أذان الفجر وهو وقت الاستغفار والدعاء. ١١٦٨ - * روى الطبراني عن أبي رزين قال قلت يا رسول الله كيف يحيي الله الموتى؟ قال: "أو ما مررت بوادي قومك محلًا ثم يمر به محلا ثم به خضرًا ثم تمر به محلا ثم تمر به خضرا كذلك يحيي الله الموتى". ١١٦٩ - * روى البزار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لتقمصن بكم قماص البكر" يعني الأرض. أقول: هل هذا يكون قبل النفخة الأولى أو أن المراد به النفخة الاولى؟ قولان للعلماء.

стр. 1133

١١٧٠ - * روى الطبراني عن عقبة بن عامر: قال: قال رسول الله ﷺ : "يطلع عليكم قبل الساعة سحابة سوداء من قبل المغرب مثل الترس فلا تزال ترفع في السماء وتنتشر حتى تملأ السماء ثم ينادي مناد أيها الناس أتى أمر الله فلا تستعجلون". قال رسول الله ﷺ : "فو الذي نفسي بيده إن الرجلين ينشران الثوب فلا يطويانه وإن الرجل ليمدر حوضه فلا يسقي منه شيئًا أبدا والرجلين ينشران الثوب فلا يطويانه وإن الرجل ليمدر حوضه فلا يسقي منه شيئًا أبدا والرجل يحلب ناقته فلا يشربه أبدا. ١١٧١ - * روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كيف أنعم وقد التقم صاحب القرن القرن، وحنا جبهته، وأصغى سمعه، ينتظر أن يومر فينفخ؟ " فكأن ذلك ثقل على أصحابه، فقالوا: فكيف نفعل يا رسول الله، أو نقول؟ قال: "قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا". وربما قال: "توكلنا على الله". وفي رواية: ("كيف أنتم ... ". قال الحافظ في "الفتح" ١١/ ٣١٧: بعد ذكر حديث أبي سعيد هذا: وأخرجه الطبراني من حديث زيد بن أرقم، وابن مردويه من حديث أبي هريرة، ولأحمد والبيهقي من حديث ابن عباس، وفيه جبريل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، وهو صاحب الطور يعني إسرافيل، وفي أسانيد كل منها مقال، وللحاكم بسند حسن عن يزيد بن الأصم عن أبي هريرة ورفعه: إن طرف صاحب الصور منذ وكل بعد مستعد، وينظر نحو العرش مخافة أن يؤمر قبل أن إليه طرفه كان عينيه كوكبان دريان. ١١٧٢ - * روى البخاري (تعليقًا) عن عبد الله بن عباس ﵄ قال في قوله

стр. 1134

تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ [المدثر: ٨]: الصور، قال: والراجفة: النفخة الأولى، والرادفة: الثانية. ١١٧٣ - * روى أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ ، فقال: ما الصور؟ قال: "قرن ينفخ فيه". ١١٧٤ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما بين النفختين أربعون" قيل: أربعون يومًا؟ قال أبو هريرة: أبيت، قالوا: أربعون شهرًا؟ قال: أبيت، قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيت. "ثم ينزل من السماء ماء، فينبتون كما ينبت البقل، وليس من الإنسان شيء إلا بلي، إلا عظم واحد، وهو عجب الذنب، منه يركب الخلق يوم القيامة". ولمسلم (١) طرف في ذكر عجب الذنب، قال: "إن في الإنسان عظما لا تأكله الأرض أبدا، فيه يركب يوم القيامة" قالوا: أي عظم هو يا رسول الله؟ قال: "عجب الذنب". وفي رواية (٢) قال: قال رسول الله ﷺ : "كل ابن آدم تأكله الأرض، إلا عجب

стр. 1135

الذنب، منه خلق، وفيه يركب". أقول: الظاهر أن أجزاء عجب الذنب لا يدخل في تركيب أجزاء أخرى فليس المراد ألا تتحلل، والمشاهد أنها تحترق وتتحلل، ولكن لهذا الجزء من الأنسان ميزه على غيره، بحيث يحفظ الله أجزاءه ثم تجمع يوم القيامة ويعاد بناء الإنسان عليها. ١١٧٥ - * روى ابن ماجه عن أبي هريرة؛ قال: قال رجل من اليهود، بسوق المدينة: والذي اصطفي موسى على البشر فرفع رجل من الأنصار يده فلطمه، قال: تقول هذا؟ وفينا رسول الله ﷺ فذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: "قال الله : ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ (١) فأكون أول من رفع رأسه. فإذا أنا بموسى أخذ بقائمة من قوائم العرش. فلا أدري أرفع رأسه قبلي، أو كان ممن استثنى الله . ومن قال: أنا خير من يونس بن متى، كذب". أقول: لا يصح لأحد أن يفضل أحدًا عند الله إلا بوحي، وعلى هذا فلا يصلح أن يفضل أحدًا أحدًا على يونس ﵇ من عنه نفسه، وإلا فالنصوص تذكر صراحة تفاضل النبيين وأن محمدًا ﷺ أفضلهم. وقل مثل ذلك في أي تفضيل بين البشر ومن ذلك التفضيل بين الصحابة فمن من عند نفسه فقد افترى، ومن فضل بحق بناء على نص فقد اهتدى، وعلى ذلك يحمل كلام بعض الدعاة إلى الله إذ ينهون عن التفضيل بين الصحابة، فمرادهم التفضيل بلا نص. ١١٧٦ - * روى مالك عن كعب بن مالك ﵁ كان يحدث أن النبي ﷺ قال: "إنما نسمة المؤمن طير يعلق في شجر الجنة، حتى يرجعه الله في جسده يوم يبعثه".

стр. 1136

أقول: رزق الشهداء في الجنة واضح في النصوص، وهذا الحديث يوسع الدائرة فيعمم، والظاهرة أنه مخصوص ببعض النصوص الأخرى، فهو في الجملة يدل على أن بعض المؤمنين ولو كانوا غير شهداء فإن لهم عند ربهم كرامة الكينونة في الجنة في الحياة البرزخية، ولا شك أن مقام الرسل والانبياء أرقى من مقام الشهداء ويوم عرج برسول الله ﷺ رأى عددًا من الأنبياء في السماوات فقد رأى في كل سماء رسولًا من الرسل كما ورد في قصة الإسراء. * * *

стр. 1137

٣ - بعض ما يكون بالنفخة الأولى قال تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ (١). ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ (٢). ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ * وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ (٣). ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ * إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا * وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ (٤). (بست الجبال): فتتت. ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (٥). ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ * وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾ (٦). ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ (٧). ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ * وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ (٨). ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ * يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ * كَلَّا لَا وَزَرَ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ (٩).

стр. 1138

١١٧٧ - * روى ابن ماجه عن عبد الله بن عمر؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ ، وهو على المنبر يقول: "يأخذ الجبار سماواته وأرضيته بيده" وقبض يده فجعل يقبضها ويبسطها ثم يقول: "أنا الجبار. أنا الملك. أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ " قال ويتمايل رسول الله ﷺ عن يمينه وعن شماله. حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه حتى أني لأقول: أساقط هو برسول الله ﷺ ؟. (يأخذ الجبار) هذا الحديث كالتفسير لقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾. أقول: لقد كان رسول الله ﷺ إذا تحدث عن يوم القيامة ومشاهدها ظهر التأثر البالغ عليه ﵊ وهذا أدب ينبغي أن يفطن له كل مسلم وخاصة الدعاء إلى الله، فلا يمرون بمشاهد يوم القيامة إلا وقلوبهم يقظى وتأثرهم بها بالغ مبلغة من أنفسهم ومن سامعيه. ١١٧٨ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: الشمس والقمر مكوران يوم القيامة. قال ابن الأثير: (مكوران) التكوير: لف العمامة، والمراد: أن السماء والأرض تجمعان وتلفان كما تلف العمامة.

стр. 1139

٤ - بعض ما يكون بالنفخة الثانية قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ (١). ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾، ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ (٢). ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ (٣). ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ (٤). ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ (٥). ١١٧٩ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تقيء الأرض أفلاذ كبدها، مثل الأسطوان من الذهب والفضة، فيجيء القاتل، فيقول: في هذا قتلت، ويجيء القاطع، فيقول: في هذا قطعت رحمي، ويجيء السارق، فيقول: في هذا قطعت يدي، ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئًا". وفي رواية الترمذي مثله ولم يذكر السارق وقطع يده (٦). قال ابن كثير في النهاية: وذكرنا في التفسير: أن الكافر إذا قام من قبره أخذ بيده الشيطان، فيلزمه ولا يفارقه حتى يرمى بهما إلى النار، وقال تعالى: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ * قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ (٧). اهـ (النهاية في الفتن والملاحم).

стр. 1140

الفقرة الثالثة في الحشر - بعد البعث والنشر يكون الحشر، ومركز الحشر بلاد الشام، والحشر سوق الناس والجن ومن يبعثهم الله من الخلائق إلى مكان الحساب الذي تجتمع فيه الخلائق وفيه يحاسبون وتوزن أعمالهم ويعرف كل مصيره؛ فالحشر جمع الخلائق كلهم إلى الموقف بعد بعثهم وإحيائهم قال تعالى: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ (١). - وكربات الحشر والموقف وما يكون فيه وما يكون يعده شيء هائل إلا على أهل هذا المقام ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٢). - والناس يحشرون عراه حفاه مختونين ومن تحقيقات العلماء أخذًا من بعض النصوص أن رسولنا ﵊ يبعث كاسيًا وأن إبراهيم ﵇ أول من يكسى في الموقف. - ويجمع الناس في الموقف ويخلق الله شمسًا تدنو من رؤوس العباد فيصيب الناس من الحر عشرة أضعاف حر الدنيا إلا من يظله الله بظله وفي مرحلة يؤتى بالنار إلى المحشر كما ورد في نصوص صحيحة، ويؤتى بالجنة فتكون قريبة، قال تعالى ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ (٣)، وقال: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ (٤)، وذلك لكي يبتهج المتقون ويستبشروا ويحزن الآخرون ويخافوا ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾ (٥). وفوق النار الصراط والصراط طريق العبور إلى ما بعده، ومن هناك إلى الجنة بعد الشفاعة الثالثة لرسول الله ﷺ .

стр. 1141

ويطول الموقف بعد الحشر على الناس وهم في الحر والعرق إلا من وردت النصوص أنهم في ظل الله يومذاك ومن الوقافين عند الحق، والذين ينظرون المعسرين أو يضعون عنهم، والواصلون الأرحام، والأمهات اللواتي ترعى يتامى زوجها، والمطعمون الطعام، والعارفون بالله والمتحابون بالله وأصحاب الأخلاق الحسنة والقائمون بحقوق الله، ومنهم السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله الذين ورد فيهم الحديث الصحيح المعروف. - وعلى طول يوم القيامة وهو خمسون ألف سنة فإنه يخفف على المؤمن فلا يحس بطوله بل هو عليه كوقت قصير من نهار. - وبعض أهل الموقف يخصون بمزيد من العذاب. - ويطول الموقف والناس صافون أقدامهم رافعو رؤوسهم ينتظرون فصل القضاء. - وأهل الإيمان في الظل محشورون مع من يحبونه من أهل الفضل. ولواء الحمد بيد رسول الله ﷺ ، والكافرون محشورون مع من يحبونهم. وبعد طول المقام يفزع الناس إلى الأنبياء ليشفعوا في فضل القضاء فلا يستجيبون إلا رسولنا ﵊ فإنه يَشْفَع ويُشَفَّعُ. وبعد شفاعته ﵊ لفصل الخطاب تحدث أحداث كبرى، فتتبع كل أمة ما كانت تعبد من دون الله، وتتميز الأمم عن بعضها، وتكون هناك عرضتان فيهما جدال ومعاذير ثم تطير الصحف آخذ بيمينه وآخذ بشماله وآخذ وراء ظهره وفي هذه المقامات تكون هناك شهادات الأنبياء على أقوامهم وشهادات أخرى، ويستدعى دعاة الضلالة ودعاة الهداية ليرجع أولئك ببشارة السوء امن تابعهم، ويرجع هؤلاء ببشارة الخير لمن تابعهم، ويزداد عطش الناس فيردون على أحواض أنبيائهم، فمنهم من يشرب ومنهم من يرد، ويكون الحساب والميزان، وبعد الحساب والميزان يحبس الناس قبل الصراط، وعندئذ يحدث تبدل جديد للسموات والأرض ثم يفزع الناس إلى الأنبياء ليؤذن لهم بالمرور على الصراط فيحيلون الأمر إلى رسول الله ﷺ فتكون الشفاعة الثانية، ويؤذن بالمرور على الصراط.

стр. 1142

وعند الحساب والميزان تكون شفاعات وبعد ذلك تكون شفاعات. والحيوانات يقضى بينها ثم تكون ترابًا. ومن الحشر إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار تكون هناك مظاهر الجلال الإلهي وتتجلى هيبة الملائكة من ربهم وطاعتهم له، وتظهر مظاهر من كثرة جند الله وضبطهم للأمور على مقتضى أمر الله وتظهر الجندية الكاملة للملائكة ويظهر من جلال الله ما تزداد به قلوب المؤمنين رهبة وتبلغ قلوب الكافرين الحناجر، وكل وصف إلا وصف النصوص لما يرجى في عرصات اليوم الآخر قاصر عن تأدية المراد، ومع دقة الوصف في النصوص، فالنصوص تذكر أنه يوم يأتي تأويلها على أرض الواقع يظهر للكثيرين أكثر مما قدروه أو توقعوه، قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ (٢)، وعن أنس بن مالك ﵁ قال: بلغ رسول الله ﷺ عن أصحابه شيء، فخطب، فقال: "عرضت علي الجنة والنار، فلم أر كاليوم في الخير والشر، ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا". قال فما أتى على أصحاب رسول الله ﷺ يوم أشد منه. قال: غطوا رؤوسهم ولهم خنين (٣). والنصوص في الحشر والموقف وما يكون في ذلك اليوم الطويل كثيرة. نسأل الله أن يجعلنا من أهل كرامته وولايته وهذه بعض نصوص من الكتاب والسنة في هذا الشأن وقد مرت وستمر معنا نصوص كثيرة لها علاقة بهذا المقام.

стр. 1143

١ - النصوص القرآنية ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ * تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ * فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا * يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ * وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا * يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ * وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ * كَلَّا إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى * تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى * وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾ (١). أقول: إن الحديث الصحيح الذي يتحدث عن عذاب من لا يؤدي زكاة الأنعام يذكر صراحة أن يوم القيامة مدته خمسون ألف سنة وذلك صريح في مدة يوم القيامة كما نصت عليه سورة المعارج. ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ * يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ (٢).

стр. 1144

﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ (١). أقول: وللمفسرين أكثر من اتجاه في فهم الآية فبعض المفسرين ذهب إلى أن هذا يحدث لهم بعد الموقف حيث يؤمر بهم إلى النار، وبعضهم حملها على أنهم يحشرون بعد نشرهم إلى أرض المحشر هكذا، وبعضهم حملها محامل أخرى والكلام يراد به الكافرون والظاهر أن الكافر يوم القيامة تكون له أكثر من حالة بالنسبة للعمى والصم والبكم، ففي بعض المواقف يكون أعمى وأصم وأبكم وفي بعض المواقف يكون بصيرًا سميعًا متكلمًا وفي بعض المواقف قد يسلب منه السمع أو البصر أو الكلام. والله أعلم. ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ * فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ * هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٢). أقول: وهذا الحوار يكون بين المشركين وبين ما كانوا يعبدون من دون الله أو بينهم وبين ما يصورون لهم ممن كانوا يعبدون من دون الله وهذا يكون بعد شفاعة فصل الخطاب إذ تؤمر كل أمة أن تتبع ما كانت تعبد من دون الله. ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ (٣). ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (٤) ﴿يَوْمَ

стр. 1145

يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (١). ﴿يَدْعُوكُمْ﴾ أي يبعثكم ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ﴾ أي: فتنبعثون للمحاسبة والجزاء. وقوله ﴿بِحَمْدِهِ﴾: حامدين الله على كمال قدرته، والظاهر أن هذا يقوله الكافر والمؤمن بعد إذ انكشف الغطاء فليس أمام الكافر إلا إعلان الولاء والحمد لله ولا ينفعه ذلك. ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾ (٢). إن لكل نبي أمته وبعض أمم الأنبياء منهم مسلمون ومنهم كافرون، وبعض الأمم كلهم كافرون، والمراد بالآية والله أعلم أن الكافرين من أمة كل رسول يحشرون مع بعضهم بعضًا، وقوله تعالى (يوزعون) أي يحبس أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا جميعًا، وتكون المخاطبة والمحاسبة والظاهر أن الخطاب يكون بعد الشفاعة لفصل الخطاب، وتميز كل أمة كانت تعبد شيئًا سوى الله عن غيرها، ومواقف القيامة متعددة وفي كل موقف قد توجد حال لا تكون في موقف آخر. ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ * ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ * انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٣). الظاهر أن هذا المشهد يكون بعد إذ يخاطب المشركون مجتمعين مع ما أشركوا به بعد شفاعة فصل الخطاب، فيغيب عنهم شركاؤهم بعد إذ يجمعون بهم أو بما يخيل لهم أنهم شركاؤهم، ويحدث الجدال فيما بينهم فيخاطبون بعد غيب الشركاء، ويحلفون كاذبين أنهم لم يكونوا مشركين والمراد بالفتنة في الآية كذبهم الذي هو مظهر خبثهم كما أن النار تفتن الذهب فتخلص زيفه من جوهره.

стр. 1146

﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ (١). ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ (٢). من مواقف يوم القيامة أن يعرض الكافرون على النار وحدهم، ومن المواقف أن تجثو الأمم كلها حول النار كما سنرى، ولكن الموقف الذي يتحدث عنه هذا النص خاص بعرض الكافرين وحدهم على النار ليندموا على ما فعلوا ثم يعرضون بعد ذلك على ربهم ليعترفوا بأن ما بعث به الرسل ﵈ كان حقًا. ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ (٣). يتحدث هذا المشهد عما يكون من تقريع وتوبيخ من الله للشياطين ولأتباعهم من الإنس إذ استمتع الشياطين بطاعة الإنس واستمتع أتباعهم من الإنس بالملذات والشهوات التي دعاهم إليها الشياطين. والظاهر أن هذا الخطاب للفريقين يكون في إحدى العرضتين اللتين تكونان بعد الشفاعة لفصل الخطاب.

стр. 1147

﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ * وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ * وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ * وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ * وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ * ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ (١). بعد الموقف الطويل والشفاعة لفصل الخطاب والجدال والمعاذير وبعد تطاير الصحف فإن أحد مشاهد يوم القيامة أن تجثو الأمم على ركبها كل منهم معه صحيفته. وهناك الكتاب الذي يجمع ما كتبته الملائكة عن فعل كل مكلف من الأمم ليكون ذلك بيد يدي الحساب والميزان، ومن المعلوم أنه من أنواع العذاب أن يجلس الإنسان على ركبتيه وأطراف أصابعه فذلك لا يتحمله الإنسان في الدنيا كثيرًا، والظاهر أن هناك أكثر من موقف من مواقف القيامة يجثو الناس على ركبهم من الهول كما سنرى. ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا * إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا * إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ * بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ (٢). قوله تعالى ﴿وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾: أي بشماله من وراء ظهره، وذلك يكون عند تطاير الصحف وبعد الشفاعة لفصل الخطاب وبعد عرضتين من عرضات ثلاث يكون في كل منها إقامة حجة.

стр. 1148

وقوله تعالى: ﴿لَنْ يَحُورَ﴾: لن يرجع أي كان غير مؤمن باليوم الآخر. - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا * يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا * وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا * أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا * وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا * الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا * وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ (١). قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ﴾: إشارة إلى رؤيتهم الملائكة عند الموت والضمير في قوله تعالى ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ قد يرجع إلى الكفار وقد يرجع إلى الملائكة فإن رجع إلى الكفار فالمراد أنهم يطلبون أن يحال بينهم وبين لقاء الله وإن رجع الضمير على الملائكة فالمراد أن الملائكة تقول لهم: حرامًا محرمًا عليكم الجنة والبشرى. وقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ أي أبطلنا أعمالهم فلا قيمة لها ولا وزن لأن شرط قبول العمل هو الإيمان، وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ فيه إشارة إلى غمام يكون بعد شفاعة فصل الخطاب وعند تطاير صحف الأعمال وعندئذ يكون نزول الملائكة مع أن للملائكة نزولًا ووجودًا قبل ذلك وهذه الآية تشبه قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ (٢). ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ * أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ * هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ * وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا

стр. 1149

اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ﴾ (١). قوله تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ المراد به على رأي بعض المفسرين الموقف الذي ينفصل فيه أهل الإيمان عن أهل الكفر ذلك يكون بعد شفاعة فصل الخطاب إذ يأمر الله كل أمة أن تتبع ما كانت تعبد من دون الله، وقوله تعالى ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ﴾ هذا يكون يوم القيامة في أكثر من موقف يكون عند الحساب وعند الميزان ويكون قبل ذلك عندما ينكرون ما كانوا عليه من الشرك، وهذا الموقف قد يتعدد والله أعلم بتفصيلاته وإنما استأنسنا لما ذكرناه استئناسًا ببعض النصوص. وفي تميز أهل الإيمان عن أهل الكفر قال ابن كثير في النهاية: فإذا نصب كرسي فصل القضاء انماز الكافرون عن المؤمنين في الموقف إلى ناحية الشمال، وبقي المؤمنون عن يمين العرش، ومنهم من يكون بين يديه، قال الله تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ (٣). اهـ. (النهاية في الفتن والملاحم). ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ * وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٤). قوله تعالى عن الكاذبين على الله بأن وصفوه بما هو منزه عنه أو لم يعطوا الألوهية حقها وجوههم مسودة ذكر البيضاوي في تفسيرها: مسودة مما ينالهم من الشدة أو مما يتخيل عليها من ظلمة الجهل. أقول ولا مانع من حملها على ظاهرها بأن يعاقبهم الله بأن تكون وجوههم سوداء مظلمة. والظاهر أن الكافرين تصيبهم تلونات قبيحة متعددة يوم القيامة فإنهم يحشرون زرقًا وإذا رأوا صحائفهم سوداء اسودت وجوههم ومن قبل ذلك تسود

стр. 1150

وجوهم، وهكذا سواد على سواد وظلمة على ظلمه، ولعل الذين يفتخرون ببياض الألوان في هذه الدنيا وينتقصون من كانت خلقتهم سوداء ويعاقبون بما عابوا عليه غيرهم في الدنيا إذا كانوا من أهل الإيمان، والمعروف أن المسلم لا عبرة عنده للسواد الخلقي وأن الكافرين وحدهم هم الذين يعطون لهذا الأمر وضعه المقيت في الدنيا. والمفازة هي الفلاح. ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا * وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا * وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (١). ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ * وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ * وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾ (٢). ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (٣).

стр. 1151

قوله تعالى ﴿يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ﴾ أي في أحد مشاهد الموقف بعد شفاعة الخطاب بأن يحسبوا وتعرض أعمالهم. ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ (١). هذا يدل على أن الكافرين لا تنفعهم شفاعة، وأنهم يكونون يوم القيامة في غاية الخوف. ﴿وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (٢). ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ (٣). ﴿أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ﴾ عمله المقدر له. ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا﴾ أي كتاب أعماله وهذا يكون قبيل الحساب والميزان. وفي الآية دليل على أنه لا يدخل النار أحد إلا بحساب على خلاف من قال: كما أن بعض أهل الجنة يدخلون الجنة بلا حساب فبعض أهل النار يدخلون النار بلا حساب. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ (٤). أقول: إنما ينتفع الوالد بالولد والولد بالوالد يوم القيامة إذا كانا مؤمنين وأراد لله ذلك أما من سوى أهل الإيمان فلا ينتفع أحد بأحد.

стр. 1152

﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ (١). (المعيشة الضنك): المعيشة الضيقة، وحملها بعضهم على الشقاء النفسي والجسدي في الدنيا لغير أهل الإيمان، وحملها بعضهم على الحياة البرزخية، وقوله تعالى ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ دليل لمن ذهب أن أول ما يحشر الكافر يوم القيامة يحشر وهو أعمى وهناك اتجاه يقول: إن هذا الحشر يكون بعد إذ يؤمر بالكافرين إلى النار فيحشرون عمياً بكماً صماً ليدخلوا النار وهم كذلك. ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا * لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ (٢). قوله تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ هذه صفة للكيفية التي يذهب بها الكفار إلى النار وهى أنهم يساقون كما تساق البهائم وتدفع دفعا ويدخلون النار وهم عطاش. ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ (٣). ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ (٤). ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (٥).

стр. 1153

في هذه الآية دليل على أن أهل الإيمان يحشرون مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين فهم معهم في المواقف وهم معهم في الجنة، ولذلك فإن على أهل الإيمان أن يطيعوا الله والرسول وأن يحبوا الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين فإن المرء يحشر مع من أحب. ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ * وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ (١). قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ يدل على أن هناك أئمة ضلال كما أن هناك أئمة هداية وكما أن المؤمن يحشر مع أئمته فإن الكافر يحشر مع أئمته ويدخل النار معهم. ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا * وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (٢). قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ أي بنبيهم أو بمقدمهم في الدين ويحتمل النص معاني أخرى وعلى المعنى المذكور فالآية تدل على أنه في موقف من مواقف يوم القيامة يدعى كل إمام لقوم فأئمة الهدى يكرمون ويرجعون إلى أتباعهم مبشرين وأئمة الضلال يهانون ويرجعون إلى أتباعهم يائسين موئيسين بائسين مبئسين. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ * يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ * وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ (٣). قوله تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ﴾: أي إلى النار كما كان يقدمهم في الدنيا إلى الضلال وهذا دليل على أن إمام القوم في الهدى أو في الضلالة يكون معه أتباعه إما إلى جنه إن كان من

стр. 1154

أهل الهداية وإما إلى نار إن كان من أهل الضلال وهذا يجعلنا نؤكد على أن يحب الإنسان الصالحين وأن يكون له إمام في الخير ينتسب إليه ويتعاون معه على ما يرضي الله ويطيعه في المعروف. ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ * وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ (١). ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ (٢). قوله تعالى: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ يحبس أولهم على آخرهم. وشهادات الأعضاء على الإنسان من زيادة إقامة الحجة. والشهادة تكون عند الحساب والميزان وتكون في مواقف أخرى، ولا يدخل احد النار إلا أن تقول عليه الحجة كاملة بشهادة الملائكة والأنبياء والأعضاء. وقوله تعالى ﴿يَسْتَعْتِبُوا﴾ أي يطلبوا العتبى وهي الرجوع إلى ما يحبون. ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ * فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ * ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً

стр. 1155

بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ (١). قوله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا﴾: أي وقدرنا. ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ * فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ * خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ * مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ (٢). قوله تعالى ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾: الداع هنا: إسرافيل إذ ينفخ في الصور. ﴿إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾: فظيع تنكره النفوس لأنها لم تعهد مثله وهو هول القيامة، ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ مسرعين مادين أعناقهم إليه أو ناظرين إليه، ويحتمل أن يكون الداعي هنا إسرافيل ويحتمل أن يكون ملكا آخر يدعو الناس إلى مركز الحشر. ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٣). ﴿لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾ هو اليوم الذي يجمع الله فيه الملائكة والإنس والجن والوحوش والأنعام، ﴿الْجَمْعِ ذَلِكَ﴾ أي اليوم الذي يغبن فيه الناس بأن يأخذ المؤمنون منازلهم في الجنة ويأخذ الكافرون منازل المؤمنين في النار لو كانوا كفارا. ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ (٤). في الآية دليل على أن موقفًا من مواقف يوم القيامة يكون للرسل عليهم الصلاة والسلام اجتماع بأمر الله فيسألهم ربهم عما أجابتهم به أقوامهم توبيخًا لهذه الأقوام فينفون العلم إما لهول الموقف أو ينفون العلم المحيط قال البيضاوي: أي لا علم لنا بما كنت تعلمه إنك أنت علام الغيوب فتعلم ما نعلمه مما أجابونا وأظهروا لنا وما لا نعلم مما أضمروا في قلوبهم.

стр. 1156

وقيل: لا علم لنا إلى جنب علمك أو لا علم لنا بما احدثوا بعدنا وإنما الحكم للخاتمة اهـ. (تفسير البيضاوي). ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ (١). ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ (٢). ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا * يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ (٣). قوله تعالى ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ المراد بالشهيد هنا: نبي الأمة فهو يشهد عل إجابة أمته، ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ الخطاب للرسول ﷺ والمراد بكلمه هؤلاء إما أمته وإما الأنبياء جميعا وإما المؤمنون ممن استجاب له فإنه يشهد لهم وإما الكفرة. والآية تدل على أن للأنبياء عليهم الصلاة والسلام شهادة على أقوامهم أنهم بلغوهم رسالات الله. ﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (٤). ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾] (٥). قوله تعالى ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ أي على النار ﴿خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ متذللين متقاصرين مما يحلقهم من الذل ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ أي يبتدئ نظرهم إلى النار من تحريك لأجفانهم ضعيف، وقد رأينا وسنرى أن النار يؤتى بها إلى المحشر كما رأينا أن الكافرين يعرضون على النار في أحد مواقف يوم القيامة والآيات التي تدل على أن هناك حالات يبصر بها الكافرون يوم القيامة تشير إلى أن للكافرين بالنسبة للإبصار والصم البكم حالات يوم القيامة فتارة ينطقون ويسمعون ويبصرون وأخرى لا يكون لهم ذلك، ويوم

стр. 1157

القيامة طويل وأحواله كثيرة. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ * وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ * اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ (١). قوله تعالى ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ إنكار لما اقترفوه لأنه مدون في صحائف أعمالكم تشهد عليه جوارحكم. ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٢). هناك بياض وسواد خلقيان في الدنيا فهذا وهذا لا يقربان من الله او يبعدان بل العبرة في الدنيا والآخرة للتقوى، وأما السواد الذي يصيب الكافرين يوم القيامة فإنه عقوبة لهم والبياض إكرام لأهل الإيمان وجعل بعضهم النص على ظاهره لكن البيضاوي في تفسيره قال البياض والسواد كنايتان عن ظهور بهجة السرور وكآبة الخوف فيه وقيل يوسم أهل الحق ببياض الوجه والصحيفة وإشراق البشرة وسعى النور بين يديه ويمينه وأهل الباطل بأضداد ذلك ا. هـ (تفسير البيضاوي). ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ (٣). ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ * بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ (٤).

стр. 1158

﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ * إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ * لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾ (١). قوله تعالى ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾: دليل على أن من عبد من دون الله مآله النار إلا من عبد وهو كاره فهذا تحدثت عنه الآية اللاحقة ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾، و ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ وهو ما يرمى به إليها وتهيج به وهذه الآية تشبه الآية ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (٢). ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (٣). ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ * قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ * وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ * وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ * فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ (٤). ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ * وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٥). في هذا المشهد ثلاثة خطابات للكافرين من الله تعالى خطاب يسألهم فيه عما أشركوا وخطاب يسألهم فيه عما أجابوا المرسلين وخطاب يسألهم فيه مرة أخرى عما أشركوا وفي الخطاب الأول يتبرأ الشياطين والمعبودون ممن أشرك بهم وفي الخطاب الثاني يتحير الكافرون بماذا يجيبون وفى الخطاب الثالث يطلب من الأنبياء أن يشهدوا على أقوامهم وعلى تبليغهم رسالات الله وهذه الخطابات تكون بعد شفاعة نبينا ﷺ لفصل الخطاب وبعد أن تتميز

стр. 1159

الأمم عن بعضها بعضا والله أعلم. ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى * وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ (١). ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ (٢). ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ * وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ * فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ * قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ * فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ * فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣). قوله تعالى ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي قربت بحيث يرونها ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾ أي أظهرت حتى يروها والمعروف أن النار يؤتى بها إلى المحشر وكذلك الجنة ولكن الجنة تكون بعد النار والعبور إليها يكون على الصراط، والجنة والنار مرئيتان لأهل الموقف. وقوله تعالى ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا﴾ أي في النار (هم والغاوون) أي الضالون والمراد بالكبكبة تكرير الكب حتى يستقروا في قعرها. والضمير (هم) يعود عل الآلهة المعبودة من دون الله فهم وعبادهم يكبكبون في النار هذه الكبكبة الهائلة. ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ

стр. 1160

الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾ (١). من المعلوم أنه بعد الشفاعة بفصل الخطاب وبعد العرضتين اللتين يكون فيها جدال ومعاذير تطير صحف الأعمال فالمؤمنون يأخذونها بأيمانهم والكافرين يأخذونها بشمالهم وقوله تعالى ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ أي اجعلوا الأغلال في عنقه ويديه ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ أي أدخلوه أو احرقوه فيها، ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ قال البيضاوي: "أي أدخلوه فيها بأن تلفوها على جسده وهو فيها بينها مرهق لا يقدر على حركه"، والغسلين: صديد أهل النار. ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٢). الآية الأولى تدل على أن أهل الإيمان آمنون مما يصيب الكافرين من هلع وفزع وجزع وإهانة وسوء مصير. ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ * انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ * لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ * إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ * كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (٣). قوله تعالى ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ أي إلى النار ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾ أي إلى ظل دخان جهنم وهو يتشعب لعظمه وهو كقوله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾ (٤)، وللتأكيد على أن ظل الدخان فيه مزيد من العذاب قال ﴿لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾، وقوله تعالى عن النار ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ الشرر هو ما تطاير من النار متفرقاً، كالقصر: كالبناء المشيد في العظم والارتفاع ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ كأن الشرر إبل سود في الكثرة والتتابع وسرعة الحركة واللون. -وتطلق العرب على الجمل الأسود الأصفر (الجمالة) جمع جمل.
следующие страницы →