- إذا وجد التصديق والإذعان والقبول ولم ينطق الإنسان بالشهادتين سواء باللغة العربية أو بغيرها من اللغات فإن كل ذلك لمانع كالخرس أو لوجود الموت المفاجئ بعد الإيمان فصاحبه ناج عند الله، وإن اتفق له عدم النطق دون عناد أو إباء فهناك خلاف، فبعضهم قال: لا ينجو عند الله. وبعضهم قال: هو عاصٍ فقط وهو ناجٍ، وكلهم أجمعوا على أننا لا نعامله معاملة المسلمين في الدنيا فلا نزوجه ولا ندفنه في مقابر المسلمين، أما من نطق الشهادتين نفاقاً دون تصديق وإذعان قلبي فذلك لا ينفعه عند الله لأنه منافق، ولكنا نعامله معاملة المسلمين في الأحكام الدنيوية وأما من أبى النطق بالشهادتين عناداً وإباء ولو كان مصدقاً فهو كافر إجماعاً.
ومن مباحث كتاب العقائد:
زيادة الإيمان ونقصه، وهو خلاف لفظي في النهاية وفي بعض دقائق الموضوع، لأنهم كلهم متفقون بأن أعمال الإسلام يتفاوت الناس فيها، فليست طاعات الأفراد واحدة، والطاعة أثر من آثار الإيمان وكلهم يتفقون على أن ما يرافق هذه الأعمال من معان قلبية متفاوت، ولذلك علاقة بالإيمان والإسلام، وكلهم متفقون بأن إيمان الصديقين أرقى من إيمان غيرهم، وكلهم متفقون على أن نور الإيمان في القلوب يختلف من مكلف لمكلف، ُم إن الفهم الفطري للنصوص يدل على أن الإيمان يزيد. قال تعالى:
(وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً) (١).
﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ (٢).
﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ (٣).
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (٤).
﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ (٥).
стр. 107
﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (١).
ومن نصوص السنة في هذا الشأن ما يلي:
١١٧ - * روى البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ثم يقول الله تعالى "أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان".
١١٨ - * روى الترمذي عن أنس قوله ﷺ : "يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من إيمان، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من إيمان، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه ذرة من إيمان".
وذلك يدل على تفاوت الإيمان في القلوب، فالذرة دون البرة، والبرة دون الشعيرة.
- إذا أراد كافر أن يدخل في الإسلام، فباب الدخول هو النطق بالشهادتين، وهل يشترط التلفظ بكلمة (أشهد) في الشهادتين أو مرادفه، قولان للعلماء، والاحتياط النطق بهما.
- قد يصل بعض الكفار إلى التوحيد وأصل الرسالة مع بقائهما على معتقدٍ كفري كالقول بعدم العالم أو كالقول بخصوصية الرسالة المحمدية للعرب، أو كالقول أن التكليف بالإسلام كله للجيل الأول فقط، فهذا وأمثاله لا يخرج الإنسان عن الكفر ولو نطق بالشهادتين.
- هناك من يدعي الإسلام وعنده نواقض للشهادتين يتستر عليها، كطوائف الباطنية والزنادقة والوجوديين والماديين وأمثال هؤلاء فهؤلاء إذا تابوا وأرادوا الدخول في الإسلام
стр. 108
حقاً فلابد أن يتبرأوا من معتقداتهم هذه.
إذا عرفت ما مر أدركت بعض جوانب ما يجب عليك من إيمان وإسلام، ثم من تصديق اللسان والأعمال للإيمان والإسلام، ثم التحقق لكمال الإسلام والإيمان والقلبيين والعلميين، وفي عصرنا المليء بالفتن لابد أن تحذر من الكفر ونواقض الشهادتين، وهذا كله يقتضي علماً ليعرف المكلف أن يضع كل شيء في محله، فبدون العلم المحيط بنصوص الكتاب والسنة والعلوم التي انبثقت عنها كعلوم أصول الفقه والعقائد والفقه والسلوك، فإن الإنسان قد يهجم على المكفرات وهو لا يدري، وقد يهجم على تكفير الناس وهم مؤمنون، وقد يثبت لهم الإيمان وهم كافرون، وقد يستحل دمائهم وهي معصومة، وقد يرى عصمة دمائهم وحكمهم القتل، فالعلم العلم على أصول أهل السنة والجماعة ومذاهبهم فإنه باب النجاة.
* * *
стр. 109
تحقيقات للعلماء في الإسلام والإيمان:
وإليك ما قاله العلماء في تحقيق بعض ما مر معنا:
قال النووي: فأما الزهري فقال: الإسلام الكلمة، والإيمان العمل، واحتج بقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾. وذهب غيره إلى أن الإسلام والإيمان شيء واحد واحتج بقوله تعالى ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ قال الخطابي: وقد تكلم في هذا الباب رجلان من كبراء أهل العلم وصار كل واحد منهما إلى قول من هذين، ورد الآخر منهما على المتقدم وصنف عليه كتاباً يبلغ عدد أوراقه المئتين. قال الخطابي: والصحيح من ذلك أن يقيد الكلام في هذا ولا يطلق، وذلك أن المسلم قد يكون مؤمناً في بعض الأحوال ولا يقيد الكلام في هذا ولا يطلق، وذلك أن المسلم قد يكون مؤمناً في بعض الأحوال ولا يكون مؤمناً في بعضها، والمؤمن مسلم في جميع الأحوال فكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمناً، وإذا حملت الأمر على هذا استقام لك تأويل الآيات واعتدل القوم فيها ولم يختلف شيء منها.
وأصل الإيمان التصديق وأصل الإسلام الاستسلام والانقياد فقد يكون المرء مستسلماً في الظاهر غير منقاد في الباطن وقد يكون صادقاً في الباطن غير منقاد في الظاهر.
وقال الخطابي أيضاً في قول النبي ﷺ "الإيمان بضع وسبعون شعبة": في هذا الحديث بيان أن الإيمان الشرعي اسم لمعنى ذي شعب وأجزاء له أدنى وأعلى، والاسم يتعلق ببعضها كما يتعلق بكلها، والحقيقة تقتضي جميع أجزائها وتستوفي جملة أجزائه كالصلاة الشرعية لها شعب وأجزاء والاسم يتعلق ببعضها والحقيقة تقتضي جميع أجزائها وتستوفيها، ويدل عليه قول ﷺ "الحياء شعبة من الإيمان" وفيه إثبات التفاضل في الإيمان وتباين المؤمنين في درجاته. هذا آخر كلام الخطابي.
وقال الإمام أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي الشافعي ﵀ في حديث سؤال جبريل ﷺ عن الإيمان والإسلام وجوابه قال: جعل النبي ﷺ الإسلام اسماً لما ظهر من الأعمال وجعل الإيمان اسماً لما بطن من الاعتقاد وليس ذلك لأن الأعمال ليست من الإيمان والتصديق بالقلب ليس من الإسلام بل ذلك تفصيل لجملة هي كلها شيء واحد وجماعها الدين وذلك
стр. 110
قال ﷺ "ذاك جبريل أتاكم يعلمكم دينكم" والتصديق والعمل يتناولهما اسم الإيمان والإسلام جميعاً يدل عليه قوله ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ فأخبر أن الذين الذي رضيه ويقبله من عباده هو الإسلام ولا يكون الدين في محل القبول والرضا إلا بانضمام التصديق إلى العمل. أ. هـ.
وقال للنووي أيضاً: وفي كتاب التحرير في شرح صحيح مسلم لأبي عبد الله التميمي:
الإيمان في اللغة هو التصديق فإن عنى به ذلك فلا يزيد ولا ينقص لأن التصدق ليس شيئاً يتجزأ حتى يتصور كماله مرة ونقصه أخرى، والإيمان في لسان الشرع هو التصديق بالقلب والعمل بالأركان. وإذا فسر بهذا تطرق إليه الزيادة والنقص وهو مذهب أهل السنة. قال: فالخلاف في هذا على التحقيق إنما هو أن المصدق بقلبه إذا لم يجمع إلى تصديق العمل بمواجب الإيمان هل يسمى مؤمناً مطلقاً أم لا؟ والمختار عندنا أنه لا يسمر به قال رسول الله ﷺ "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" لأنه لم يعمل بموجب الإيمان فيستحق هذا الإطلاق. هذا آخر كلام صاحب التحرير.
وقال الإمام أبو الحسن علي بن خلف بن بطال المالكي في شرح صحيح البخاري: مذهب جماعة أهل السنة من سلف الأمة وخلفها أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، والحجة على زيادته ونقصانه ما أورده البخاري من الآيات يعني قوله ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ وقوله تعالى ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ وقوله تعالى ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ وقوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ وقوله تعالى ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ وقوله تعالى ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ وقوله تعالى ﴿فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ وقوله تعالى ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ قال ابن بطال فإيمان من لم تحصل له الزيادة نقص. قال: فإن قيل الإيمان في اللغة التصديق فالجواب أن التصديق يكمل بالطاعات كلها فما ازداد المؤمن من أعمال البر كان إيمانه أكمل وبهذه الجملة يزيد الإيمان وينقصانها ينقص، فمتى نقصت أعمال البر نقص كمال الإيمان ومتى زادت زاد الإيمان كمالاً. هذا توسط القول في الإيمان وأما التصديق بالله تعالى ورسول ﷺ فلا ينقص
стр. 111
ولذلك توقف مالك ﵀ في بعض الروايات عن القول بالنقصا، إذ لا يجوز نقصان التصديق لأنه إذا نقص صار شكا وخرج عن اسم الإيمان.
وقال بعضهم إذا توقف مالك عن القول بنقصان الإيمان خشية أن يتأول عليه موافقة الخوارج الذين يكفرون أهل المعاصي من المؤمنين بالذنوب وقد قال مالك بنقصان الإيمان مثل قول جماعة أهل السنة.
قال عبد الرازق: سمعت من أدركت من شيوخنا وأصحابنا سفيان الثوري ومالك بن أنس وعبيد الله بن عمر والأوزاعي ومعمر بن راشد وابن جريح وسفيان بن عيينه يقولون الإيمان قول وعمل يزيد وينقص وهذا قول ابن مسعود وحذيفة والنخعي والحسن البصري وعطاء وطاووس ومجاهد وعبد الله بن المبارك.
فالمعنى الذي يستحق به العبد المدح والولاية من المؤمنين هو إتيانه بهذه الأمور الثلاثة التصديق بالقلب والإقرار باللسان والعمل بالجوارح وذلك أنه لا خلاف بين الجميع أنه لو أقر وعمل على غير علم منه ومعرفة بربه لا يستحق اسم مؤمن ولو عرفه وعمل وجحد بلسانه وكذب ما عرف من التوحيد لا يستحق اسم مؤمن، وكذلك إذا أقر بالله تعالى وبرسله سلوت الله وسلامه عليهم أجمعين ولا يعمل بالفرائض لا يسمى مؤمناً بالإطلاق وإن كان في كلام العرب يسمى مؤمناً بالتصديق فذلك غير مستحق في كلام الله تعالى لقوله ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ فأخبرنا أن المؤمن من كانت هذه صفته. وقال ابن بطال في باب من قال الإيمان هو العمل: فإن قيل قد قدمتم أن الإيمان هو التصديق قيل: التصديق هو أول منازل الإيمان، ويوجب للمصدق الدخول فيه، ولا يوجب له استكمال منازله، ولا يسمى مؤمناً مطلقاً. هذا مذهب جماعة أهل السنة أن الإيمان قول وعمل. قال أبو عبيد: وهو قول مالك والثوري والأوزاعي ومن بعدهم من أرباب العلم والسنة الذين كانوا مصابيح الهدى وأئمة الدين من أهل الحجاز العراق والشام وغيرهم.
قال بن بطال: وهذا المعنى أراد البخاري ﵀ إثباته في كتاب الإيمان وعليه بوب
стр. 112
أبوابه كلها، فقال: باب أمور الإيمان وباب الصلاة من الإيمان وباب الزكاة من الإيمان وباب الجهاد من الإيمان وسائر أبوابه وإنما أراد الرد على المرجئة في قولهم إن الإيمان قول بلا عمل وتبيين غلطهم وسوء اعتقادهم ومخالفتهم للكتاب والسنة ومذاهب الأئمة. ثم قال ابن بطال في باب آخر: قال المهلب: الإسلام على الحقيقة هو الإيمان الذي هو عقد القلب المصدق لإقرار اللسان الذي لا ينفع عند الله تعالى غيره.
وقالت الكرامية وبعض المرجئة: الإيمان هو الإقرار باللسان دون عقد القلب.
ومن أقوى ما يرد به عليهم إجماع الأمة على إكفار المنافقين وإن كانوا قد أظهروا الشهادتين. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إلى قوله تعالى ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ هذا آخر كلام ابن بطال.
وقال الشيخ الإمام أبو عمرو بن الصلاح ﵀: قوله ﷺ الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً والإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره قال هذا بيان لأصل الإيمان وهو التصديق الباطن وبيان لأصل الإسلام وهو الاستسلام والانقياد الظاهر وحكم الإسلام في الظاهر ثبت بالشهادتين ثبت بالشهادتين وإنما أضاف إليهما الصلاة والزكاة والحج والصوم لكونها أظهر شعائر الإسلام وأعظمها وبقيامه بها يتم استسلامه وتركه لهل يشعر بانحلال قيد انقياده أو اختلاله ثم إن اسم الإيمان يتناول ما فسر به الإسلام في هذا الحديث وسائر الطاعات لكونها ثمرات التصديق الباطن الذي هو أصل الإيمان ومقويات ومتممات وحافظات له ولهذا فسر ﷺ الإيمان في حديث وفد عبد القيس بالشهادتين والصلاة والزكاة وصوم رمضان وإعطاء الخمس من المغنم ولهذا لا يقع اسم المؤمن المطلق على من ارتكب كبيرة أو بدل فريضة لأن اسم الشيء مطلقاً يقع على الكامل منه ولا يستعمل في الناقص ظاهراً ولذلك جاز إطلاقه نفيه عنه في قوله ﷺ "لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن" واسم الإسلام يتناول أيضاً ما هو أصل الإيمان وهو التصديق الباطن ويتناول الطاعات فإن ذلك كله استسلام قال: فخرج مما
стр. 113
ذكرناه وحققنا أن الإيمان والإسلام يجتمعان ويفترقان، وأن كل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمناً. قال: وهذا تحقيق وافر بالتوفيق بين متفرقات نصوص الكتاب والسنة الواردة في الإيمان والإسلام التي طالما غلط فيها الخائضون وما حققناه من ذلك موافق لجماهير العلماء من أهل الحديث وغيرهم. هذا آخر كلام الشيخ أبي عمرو بن الصلاح.
فإذا تقرر ما ذكرناه من مذاهب السلف وأئمة الخلف فهي متظاهرة متطابقة على كون الإيمان يزيد وينقص، وهذا مذهب السلف والمحدثين وجماعة من المتكلمين وأنكر أكثر المتكلمين زيادته ونقصانه، وقالوا: متى قبل الزيادة كان شكا وكفرا. قال المحققون من أصحابنا المتكلمين: نفس التصديق لا يزيد ولا ينقص، والإيمان الشرعي يزيد وينقص بزيادة ثمراته وهي الأعمال ونقصانها. قالوا: وفي هذا توفيق بين ظواهر النصوص التي جاءت بالزيادة وأقاويل السلف وبين أصل وضعه في اللغة وما عليه المتكلمون. وهذا الذي قاله هؤلاء وإن كان ظاهراًً حسناً فالأظهر والله أعلم أن نفس التصديق يزيد بكثرة النظر وتظاهر الأدلة، ولهذا يكون إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم بحيث لا تعتريهم الشبه ولا يتزلزل إيمانهم بعارض، بل لا تزال قلوبهم منشرحة نيرة وإن اختلف عليهم الأحوال، وأما غيرهم من المؤلفة ومن قاربهم ونحوهم فليسوا كذا فهذا مما لا يمكن إنكاره، ولا يتشكك عاقل في أن نفس تصديق أبي بكر الصديق ﵁ لا يساويه تصديق آحاد الناس. ولهذا قال البخاري في صحيحه: قال ابن أبي ملكية: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه ما تنهم أحد يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل والله أعلم.
وأما إطلاق اسم الإيمان على الأعمال فمتفق عليه عند أهل الحق ودلائله في الكتاب والسنة أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تشهر، قال الله تعالى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أجمعوا على أن المراد صلاتكم.
واتفق أهل السنة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين على أن المؤمن الذي يحكم بأنه من أهل القبلة ولا يخلد في النار لا يكون إلا من اعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقاداً جازماً خالياً من الشكوك، ونطق بالشهادتين، فإن اقتصر على إحداهما لم يكن من أهل القبلة أصلا إلا إذا
стр. 114
عجز عن النطق لخلل في لسانه أو لعدم التمكن منه لمعاجلة المنية أو لغير ذلك فإنه يكون مؤمناً، أما إذا أتى بالشهادتين فلا يشترط معهما أن يقول وأنا بريء من كل دين خالف الإسلام إلا إذا كان من الكفار الذين يعتقدون اختصاص رسالة نبينا ﷺ إلى العرب فإنه لا يحكم بإسلامه إلا بأن يتبرأ. ومن أصحابنا - أصحاب الشافعي ﵀ من شرط أن يتبرأ مطلقاً، وليس بشيء أما إذا اقتصر على قوله لا إله إلا الله ولم يقل محمد رسول الله فالمشهور من مذهبنا ومذاهب العلماء أنه لا يكون مسلماً ومن أصحابنا من قال يكون مسلماً ويطالب بالشهادة الأخرى فإن أبى جعل مرتداً ويحتج لهذا القول بقوله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوا ذلك عصموا من دماءهم وأموالهم". وهذا محمول عند الجماهير على قول الشهادتين واستغنى إحداهما عن الأخرى لارتباطهما وشهرتها والله أعلم.
أما إذا أقر بوجوب الصلاة أو الصوم أو غيرهما من أركان الإسلام وهو على خلاف ملته التي كان عليها فهل يجعل بذلك مسلماً؟ فيه وجهان لأصحابنا، فمن جعله مسلماً قال: كل ما يكفر المسلم بإنكاره يصير الكافر بالإقرار به مسلماً وفيه وجهان لأصحابنا: الصحيح منهما أنه يصير مسلماً لوجود الإقرار. وهذا الوجه هو الحق ولا يظهر للآخر وجه وقد بينت ذلك مستقضى في شرح المذهب والله أعلم.
واختلف العلماء من السلف وغيرهم في إطلاق الإنسان قوله أنا مؤمن: فقالت طائفة: لا يقول أنا مؤمن مقتصراً عليه، بل يقول أنا مؤمن إن شاء الله. وحكى هذا الذهب بعض أصحابنا عن أكثر أصحابنا المتكلمين وذهب آخرون إلى جواز الإطلاق وأنه لا يقول إن شاء الله. وهذا هو المختار، وقول أهل التحقيق. وذهب الأوزاعي وغيره إلى جواز الأمرين والكل صحيح باعتبارات مختلفة، فمن أطلق نظر إلى الحال وأحكام الإيمان جارية عليه في الحال، ومن قال إن شاء الله فقالوا فيه: هو إما للتبرك وإما لاعتبار العاقبة وما قدر الله تعالى، فلا يدري أيثبت على الإيمان أم يصرف عنه، والقول بالتخيير جسن صحيح نظراً إلى مأخذ القولين ورفعاً لحقيقة الخلاف.
стр. 115
واعلم أن مذهب أهل الحق أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب، ولا يكفر أهل الأهواء والبدع، وأن من جحد ما يعلم من دين الإسلام ضرورة حكم بردته وكفره، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية ونحوه ممن يخفي عليه فيعرف ذلك، فإن استمر حكم بكفره، وكذا حكم من استحل الزنا أو الخمر أو القتل أو غير ذلك من المخرمات التي يعلم تحريمها ضرورة. أ. هـ.
* * *
стр. 116
الفصل الرابع
في فضل الانتساب إلى الأمة الإسلامية
وفيه:
مقدمة ونصوص
стр. 117
المقدمة
ليس هناك من نسب أعلى وأعظم وأرفع وأشرف من الانتساب للأمة الإسلامية، لأنه الانتساب إلى الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، ثم هو الانتساب لسيد الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام محمد رسول الله ﷺ وهو انتماء للإسلام وأهله، وأي انتماء أعظم من الانتماء لدين الله .
ولقد خالط الانتماء لأمة الإسلام في عصرنا أنواع من الانتماءات بعضها جائز مباح لولا ما رافقها من غلو، وبعضها فوق، وبعضها ضلال، وبعضها ردة فاقتضى ذلك أن ندخل بعض النصوص الحديثية في فضل الانتماء للأمة الإسلامية في قسم العقائد بعد أن أدخلناه في قسم السيرة النبوية. فقد حدث غلو في فكرة الانتماء للإنسانية أو للقومية أو للوطنية أو لحزب من الأحزاب مما أضعف انتماء المسلم للأمة الإسلامية أو عكر عليه أو أماته أحيانا بأن أوقع المسلم في الردة.
وكل ما ورد في شرف الأمة الإسلامية وكرامتها إنما يرد في حق من لا زال من أبناء هذه الأمة، أما المرتدون وذراريهم الذين هم على طريقتهم فليس لهم شيء من هذا الشرف أو الفضل. وليس لأحد لم يؤمن بمحمد صلى الله عليه بعد بعثته وبلوغه دعوته فضل هذه النسبة ولو كان يدعي النسب لأحد من الرسل الذين بعثوا قبل محمد ﷺ .
* * *
стр. 118
النصوص
قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (١).
﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (٢).
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٣).
﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (٤).
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (٥).
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٦).
وهذه بعض النصوص الحديثية في شرف هذه الأمة وشرف الانتساب إليها:
١١٩ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁، قال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال: خير الناس للناس يأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام.
стр. 119
١٢٠ - * رواه الترمذي عن بهز بن حكيم ﵁، عن أبيه عن جده، أنه سمع النبي ﷺ يقول في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال: "أنتم تتمون سبعين أمة، أنتم خيرها، وأكرمها على الله".
١٢١ - مروى الترمذي عن عبد الله بن بسر ﵁، أن النبي ﷺ قال: "أمتي يوم القيامة غر من السجود، محجلون من الوضوء".
١٢٢ - * روى مسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁، عن النبي ﷺ قال: "لا يموت رجل مسلم إلا أدخل الله مكانه النار يهودياً، أو نصرانياً".
قال: فاستحلف عمر بن عبد العزيز أبا بردة بالذي لا إله إلا هو ثلاث مرات: أن أباه حدثه عن رسول الله ﷺ ؟ قال: فحلف له، فلم يحدثني سعيد - هو ابن أبي بردة - أنه استحلفه، ولم ينكر على عون - هو ابن عتبة - قوله.
وفي رواية "إذا كان يوم القيامة دفع اله إلى كل مسلم يهودياً أو نصرانياً فيقول: هذا فكاكك من النار".
١٢٣ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه، فهدانا الله [له] فغداً لليهود، وبعد غدٍ للنصارى" فسكت، ثم قال: "حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوماً، يغسل فيه رأسه وجسده". ليس فيه عند مسلم ذكر الغسل.
стр. 120
وفي رواية نحوه (١)، وفيه ذكر الغسل.
وفي رواية للبخاري (٢) "نحن الآخرون السابقون ... " لم يزد.
وفي أخرى لمسلم (٣) "نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنة ... " وذكر نحوه.
وفي أخرى له (٤) قال: "أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا، فهدانا الله ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة، المقضي [لهم] قبل الخلائق".
وفي رواية (٥) للبخاري ومسلم والنسائي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "نحن الآخرون السابقون، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم، فاختلفوا فيه فهدانا الله له".
زاد النسائي: "يعني يوم الجمعة، ثم اتفقوا، فالناس لنا تبع، اليهود غداً، والنصار بعد غدٍ".
стр. 121
١٢٤ - * روى ابن ماجه عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال "نحن آخر الأمم وأول من يحاسب يقال أن الأمة الأمية ونبيها فنحن الآخرون الأولون".
١٢٥ - * روى البخاري عن سهل بن سعد ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفاً - أو سبعمائة ألفٍ - سماطين آخذ بعضهم ببعض، حتى يدخل أولهم وآخرهم ووجوههم على صورة القمر ليلة البدر".
١٢٦ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يدخل الجنة من أمتي زمرة - هم سبعون ألفاً - تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر" قال أبو هريرة: فقام عكاشة بن محصن الأسدي فرفع نمرة عليه، فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، فقال رسول الله ﷺ : "اللهم اجعله منهم" ثم قام رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: "سبقك [بها] عكاشة".
ولمسلم (٤): أن النبي ﷺ قال: "يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفاً بغير حساب" فقال رجل: يا رسول الله، ادع الله لنا أن يجعلني منهم، فقال: "اللهم اجعله منهم" ثم قام آخر، فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، قال: "سبقك بها عكاشة".
стр. 122
وفي أخرى (١) قال: "يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً، زمرة واحدة منهم على صورة القمر".
١٢٧ - * روى الترمذي عن أبي أمامة الباهلي ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً لا حساب عليهم ولا عذاب، ومع كل ألف سبعون ألفاً، وثلاث حثياتٍ من حثياتِ ربي".
١٢٨ - * روى أحمد، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ "يجيء النبي ومعه الرجلان ويجيء النبي ومعه الثلاثة وأكثر من ذلك وأقل فيقال له هل بلغت قومك فيقول: نعم فيدعى قومه فيقال: هل بلغكم فيقولون: لا، فيقال: من شهد لك؟ فيقول محمد وأمته، فتدعي أمة محمد فيقال: هل بلغ هذا، فيقولون نعم فيقول: وما علمكم بذلك؟ فيقولون أخبرنا نبينا بذلك أن الرسل قد بلغوا فصدقناه، قال: فذلكم قوله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾.
١٢٩ - * روى الحاكم عن ابن عباس ﵄ في قوله ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ قال: مع أمة محمد ﵌ وأمته شهدوا له بالبلاغ وشهدوا للرسل أنهم قد بلغوا.
стр. 123
١٣٠ - * روى أحمد والترمذي عن بريدة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "أهل الجنة عشرون ومائة صف، ثمانون منها من هذه الأمة، وأربعون من سائر الأمم".
١٣١ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال" كنا مع النبي ﷺ في قبة نحواً من أربعين، فقال: "أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ " قلنا: نعم، قال: "أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ " فلنا: نعم، قال: "أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ " قلنا: نعم، قال: "والذي نفس محمد بيده، إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، وذلك: أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة، وما أنتم في أهل الشرك إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر".
وفي رواية الترمذي (٣) مثله، إلا أنه قال: "أترضون أن تكونوا شطر أهل الجنة؟ إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة ... " وذكره.
١٣٢ - * روى الترمذي عن عمران بن حصين ﵁، أن النبي ﷺ قال لما نزلت ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ إلى الآية ﴿عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ وهو في سفر، فقال: "أتدرون أي يوم ذاك؟ " قالوا: الله ورسول أعلم قال: "ذلك يوم يقول الله لآدم: ابعث بعث النار، قال: يارب، وما بعث النار؟ قال: تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار، وواحد إلى الجنة" فأنشأ المسلمون يبكون، فقال النبي ﷺ : "قاربوا وسددوا، فإنه لم تكن نبوة قط إلا كان
стр. 124
بين يديها جاهلية، فتؤخذ العدة من الجاهلية، فإن تمت وإلا كملت من المنافقين، وما مثلكم ومثل الأمم إلا كمثل الرقمة في ذراع الدابة، أو كالشامة في جنب البعير" ثم قال: "إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة"، فكبروا، ثم قال: "إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة" فكبروا، ثم قال: "إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة" فكبروا، قال: ولا أدري: أقال الثلثين أم لا؟
وفي رواية قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فتفاوت أصحابه في السير، فرفع رسول الله ﷺ صوته بهاتين الآيتين ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ - إلى قوله - ﴿عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ فلما سمع ذلك أصحابه حثوا للطي، وعرفوا أنه عند قول يقوله، فقال: "أتدرون أي يوم ذلك؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "ذلك يوم ينادي الله فيه آدم، فيناديه ربه، فيقول: يا آدم، ابعث بعث النار، فيقول: أي رب وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار، وواحد إلى الجنة" فيئس القوم حتى ما أبدوا بضاحكة، فلما رأى رسول الله ﷺ الذي بأصحابه، قال: "اعملوا وأبشروا، فو الذي نفس محمد بيده، إنكم لمع خليقتين، ما كانتا مع شيء إلا كثرتاه: يأجوج ومأجوج، ومن مات من نبي آدم، ومن بني إبليس".
فسري عن القوم بعض الذي يجدون، قال: "اعملوا وابشروا، فو الذي نفس محمد بيده، ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير، أو كالرقمة في ذراع الدابة".
стр. 125
١٣٣ - * روى أحمد عن علي بن خالد أن أبا إمامة الباهلي مر على خالد بن يزيد بن معاوية فسأله عن ألين كلمة سمعها من رسول الله ﷺ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كلكم في الجنة ألا من شرد على الله شراد البعير على أهله".
١٣٤ - * روى الطبراني في الأوسط عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده لتدخلن الجنة كلكم إلا من أبى أوشرد على الله شراد البعير" قيل يا رسول الله ومن أبي أن يدخل الجنة؟ فقال: "من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني دخل النار".
١٣٥ - * روى أحمد وأبو داود عن زيد بن أرقم، ﵁، كما مع رسول الله ﷺ ، فنزلنا منزلاً، فقال: "ما أنتك جزء من مائة ألف جزء ممن يرد على الحوض" قيل: كم كنتم يومئذ؟ قال: سبعمائة، أو ثمانمائةٍ.
١٣٦ - * روى أحمد عن أبي كعبٍ ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "بشر هذه الأمة - وروي: بشر الأئمة - بالسناء والنصر والتمكين، ومن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا، لم يكن له في الآخرة نصيب".
стр. 126
١٣٧ - * أخرج الحاكم عن قتادة في قوله تعالى ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾ فقال، قال أنس: ذهب رسول الله ﷺ وبقيت النقمة ولم ير الله نبيه ﷺ في أمته شيئا يكرهه حتى مضى ولم يكن نبي إلا وقد رأى العقوبة في أمته إلا نبيكم ﷺ .
١٣٨ - * روى البزار عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: "أنا حظكم من الأنبياء وأنتم حظي من الأمم".
١٣٩ - * روى أحمد عن أبي الدرداء قال: سمعت أبا القاسم رسول الله ﷺ يقول: "إن الله يقول يا عيسى إني باعث بعدك أمة إن أصابهم ما يحبون حمدوا وشكروا وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا ولا حلم ولا علم قال يارب كيف لهم ولا حلم ولا علم قال أعطيهم من حلمي وعلمي".
١٤٠ - * روى الحاكم عن عوف بن مالك الأشجعي قال: نزلنا مع رسول الله ﵌ فاستيقظت من الليل فإذا لا أرى في العسكر شيئاً أطول من موخرة رحلي لقد لصق كل إنسان وبعيره بالأرض فقمت أتخلل الناس حتى دفعت إلى مضجع رسول الله ﵌، فإذا ليس فيه فوضعت يدي على الفراش فإذا هو بارد فخرجت أتخلل الناس أقول إنا إليه راجعون ذهب برسول الله ﵌ حتى خرجت من العسكر كله فنظرت سواداً فرميت بحجر فمضيت إلى السواد فإذا معاذ بن جبل وأبو عبيدة بن الجراح وإذا بين أيدينا صوت كدوى الرحا أو كصوت الحصباء حين يصيبها
стр. 127
الريح فقال بعضنا لبعض: يا قوم اثبتوا حتى تصبحوا أو يأتيكم رسول الله ﵌ قال: فلبثنا ما شاء الله ثم نادى" أثم معاذ بن جبل وأبو عبيدة بن الجراح وعوف ابن مالك" فقلنا: أي نعم فأقبل إلينا فخرجنا نمشي معه لا نسأله عن شيء ولا نخبره بشيء فقعد على فراشه فقال: "أتدرون ما خيرني به ربي الليلة" فقلنا: الله ورسوله أعلم قال: "فإنه خيرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة فاخترت الشفاعة" قلنا: يا رسول الله ادع الله أن يجعلنا من أهلها قال: "هي لكل مسلم".
١٤١ - * روى أحمد عن أبي جمعة قال: تغدينا مع رسول الله ﷺ ومعنا أبو عبيدة بن الجراح فقال: يا رسول الله: أحد أفضل منا أسلمنا معك وجاهدنا معك.
قال: "نعم قوم يكونون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني".
الأفضلية هنا من حيثية أن هؤلاء آمنوا ولم يشاهدوه فلهم فضل على الصحابة من هذه الحيثية، أما فضل أصحاب رسول الله ﷺ بحيثية الصحبة فلا يلحقهم أحد.
١٤٢ - * روى البزار عن أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "أي الحلق أعجب إيماناً" قالوا الملائكة قال: "الملائكة كيف لا يؤمنون" قالوا النبيون قال: "النبيون يوحى إليهم فكيف لا يؤمنون" قالوا: الصحابة قال: "الصحابة مع الأنبياء فكيف لا يؤمنون ولكن أعجب الناس إيماناً قوم يجيئون من بعدكم فيجدون كتاباُ من الوحي فيؤمنون به ويتبعونه فهم أعجب الناس إيماناً أو الخلق إيماناً".
стр. 128
أقول:
الخصوصية لا تقتضي الأفضلية المطلقة إلا إذا كانت كذلك، فخصوصية هؤلاء بالفضل من هذه الحيثية التي ذكرها رسول الله ﷺ لكن الفضل بإطلاق إنما هو للنبيين ثم الصديقين ثم الشهداء ثم الصالحين والله أعلم، وأصحاب رسول الله ﷺ هم أفضل الخلق بعد النبيين لحيثية الصحبة.
١٤٣ - * روى الطبراني عن سهل بن سعد قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إن في أصلاب أصلاب أصلاب رجالٍ من أصحابي رجالاً ونساءً يدخلون الجنة بغير حساب" ثم قرأ ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
١٤٤ - * روى الطبراني والبزار على رفاعة بن عرابة، قال: صدرنا مع رسول الله ﷺ فجعل أناس يستأذنون رسول الله ﷺ فجعل يأذن لهم، فقال رسول الله ﷺ : "ما بال شق الشجرة التي تلي رسول الله ﷺ أبغض إليكم من الشق الآخر" فلا ترى من القوم إلا باكياً، فقال أبو بكر: إن الذي يستأذنك في نفسي بعدها لسفية فقال رسول الله ﷺ فحمد الله وأثني عليه وقال: "أشهد عند الله - وكان إذا حلف قال: والذي نفس محمد بيده - ما منكم من أحدٍ يؤمن بالله ثم يسدد إلا سلك الجنة ولقد وعدني ربي أن يدخل من أمتي الجنة سبعين ألفاً لا حساب عليهم ولا عذاب وإني لأرجو أن لا يدخلوها حتى تبوأوا أنتم ومن صلح من أزواجكم وذراريكم مساكن في الجنة ثم قال: إذا مضى شطر الليل أو قال ثلثاه ينزل الله إلى سماء الدنيا فيقول: لا أسأل عن عبادي غيري، من ذا الذي يسألني أعطيه؟ من ذا الذي يدعوني أستجيب له؟ من ذا الذي يستغفرني أغفر له؟ حتى ينصدع الفجر".
стр. 129
في هذا الحديث دليل على فضل الصحبة، وأن الصحابة مقدمون في دخول الجنة على غيرهم. والسبعون ألفاً المذكرون في هذا الحديث ممن يأتون بعد الصحابة، فهم غير السبعين ألفاً الذين سيكون منعهم عكاشة بن محصن. والله أعلم.
١٤٥ - * روى البزار والطبراتي في الأوسط بن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ : "مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره".
١٤٦ - * روى أحمد بن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله ﷺ "مثل أمتي مثل المطر: لا يدرى آخره خير، أم أخره؟ ".
١٤٧ - * روى الترمذي عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " مثل أمتي مثل المطر: لا يدرى آخره خير، أم أوله؟ ".
١٤٨ - * روى أحمد عن أبي عبد الرحمن الجهني قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ طلع راكبان فلما رآهما قال "كنديان مذحجيان" حتى إذا أتياه قال: فدنا أحدهما إليه ليبايغه قال: فلما اخذ بيده قال: يا رسول الله: أرأيت من رآك وآمن بك وصدقك واتبعك ماذا له قال: "طوبى له" فمسح على يده وانصرف ثم أقبل الآخر حتى أخذ بيده ليبايعه قال: أرأيت يا رسول الله من آمن بك وصدقك واتبعك ولم يرك قال: "طوبى له ثم طوبى له" قال فمسح على يده وانصرف.
стр. 130
١٤٩ - * روى أحمد والطبراني عن أبي إمامة، قال: قال رسول الله ﷺ : "طوبي لمن رآني وآمن بي، وطوبي لمن آمن بي ولم يرني" سبع مرات.
١٥٠ - * روى ابن خزيمة في صحيحه عن حذيفة بن اليمان، قال: قال رسول الله ﷺ "فضلنا على الناس بثلاث، جعلت لنا الأرض كلها مسجداً، وجعل ترابها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء، وجعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وأوتيت هؤلاء الآيات من آخر سورة البقرة من بيت كنز تحت العرش لم يعط منه أحد قبلي ولا أحد بعدي".
* * *
وبعد: فإن ما فضلت به هذه الأمة وفضل به رسولها ﷺ أكثر مما يحصى، وخاصة هذا القرآن العظيم المعجزة المتجددة الخالدة، وإنما ذكرنا بعضاً من الأحاديث في فضل هذه الأمة سابقها ولاحقها هنا حتى لا يخلو قسم العقائد من مثل هذا الموضوع، فالإيمان بفضل هذه الأمة على غيرها من المعلومات من الدين بالضرورة، وقد جرت عادة المؤلفين في العقائد أن يدخلوا في كتبهم موضوع الفاضل والأفضل من الرجال والأعمال والأمم، واكتفينا هنا بذكر فضل هذه الأمة ليحرص المسلم على الانتماء ويستشعر شرف ذلك ﴿وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.
* * *
стр. 131
الفصل الخامس
في:
فصل الإيمان وفي فضل المؤمن
وفيه:
ومقدمة ونصوص
стр. 132
المقدمة
ليس هناك شيء أعظم ولا أفضل من الإيمان، وليس هناك أحد من الناس يكرم عند الله إلا بالإيمان، وإنما يتفاوت الناس عند الله بمقدار إيمانهم: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (١) ولا يعرف عظمة الإيمان إلا من آمن باليوم الآخر وعرف ما أعده الله للمؤمنين وللكافرين، إن من عرف أن هناك جنة وناراً عرف فضل الإيمان ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (٢). فإذا كان الإنسان يخرج من النار بسبب ذرة إيمان في قلبه عرف أهمية ذرة الإيمان هذه، وعرف فضل الإيمان بذلك، ومن عرف أن الحكمة في كل ما خلق الله أن يوجد المؤمن، عرف فضل المؤمن: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (٣).
﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٤).
ومن عرف فضل الإيمان المؤمن عرف منة الله على عباده بإرساله محمداً ﷺ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٥) ومن ههنا كان أهم ما يحرص عليه المؤمن تحصيل أصل الإيمان، وتحصيل المزيد منه بالعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر بالمذاكرة مع أهل الإيمان وبالاجتماع مع أهل القرآن، وبتحمل ما ينتج عن حمل الحق:
وما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة ... (٦).
стр. 133
ومن آثار تنزل السكينة زيادة الإيمان ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ (١).
وكان عبد الله بن رواحة إذا لقي الرجل من أصحاب رسول الله ﷺ قال: (تعال نؤمن بربنا ساعة). أخرجه أحمد، وأخرج البخاري تعليقاً قال: قال معاذ (اجلس نؤمن ساعة).
قال ابن حجر: وصله أحمد بسند صحيح ...
* * *
стр. 134
النصوص الحديثة
١٥١ - * روى البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ قال: "يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، ثم يقول الله تعالى أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فيخرجون منها قد اسودوا فيلقون في نهر الحيا - أو الحياة، شك مالك - فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل، ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية"؟!.
١٥٢ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁؛ قال: سئل رسول الله ﷺ : أي العمل أفضل؟ قال: "إيمان بالله ورسوله" قيل ثم ماذا؟ قال: "الجهاد في سبيل الله"، قيل: "حج مبرور".
وفي أخرى للنسائي (٣): أي الأعمال أفضل؟ قال: "الإيمان بالله ورسوله" لم يزد.
وفي رواية الترمذي (٤)، قال: سئل رسول الله ﷺ : أي الأعمال خير؟ .. وذكر الحديث وفيه قال: "الجهاد سنام العمل".
стр. 135
١٥٣ - * روى البخاري ومسلم عن أبي ذر الغفاري ﵁؛ قال: سألت رسول الله ﷺ : أي العمل أفضل؟ قال: "الإيمان بالله، والجهاد في سبيله"، قلت: فأي الرقاب أفضل؟ قال: "أغلاها ثمناً، وأنفسها عند أهلها"، قلت: فإن لم أفعل؟ قال: "تعين ضائعاً، أو تصنع لأخرق" قلت: يا رسول الله أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ قال: "تكف شرك عن الناس، فإنه صدقة تتصدق بها على نفسك".
وفي رواية النسائي (٢): أنه سأل النبي ﷺ : "أي العمل خير؟ قال: إيمان بالله، وجهاده في سبيل الله" لم يزد.
١٥٤ - * روى أحمد عن ماعز، عن النبي ﷺ أنه سئل: أي الأعمال أفضل قال: "إيمان بالله وحده ثم الجهاد ثم حجة برة تفضل سائر الأعمال كما بين مطلع الشمس إلى مغربها".
١٥٥ - * روى أحمد عن سعد بن أبي وقاص: قال رسول الله ﷺ : "عجبت من قضاء الله للمؤمن إن أصابه خير حمد ربه وشكر وإن أصابته مصيبة حمد ربه وصبر، المؤمن يؤجر في كل شيء".
стр. 136
١٥٦ - * روى مسلم عن صهيب، رفعه: "عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيراً، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً".
١٥٧ - * روى الشيخان عن أبي سعيد مرفوعاً: "يخرج من النار من كان قلبه مثقال ذرة من الإيمان" قال: أبو سعيد فمن شك فليقرأ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾.
١٥٨ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعود؛ قال: إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يؤتي المال من يحب ومن لا يحب ولا يؤتي الإيمان إلا من أحب، فإذا أحب الله عبداً أعطاه الإيمان فن ضن بالمال أن ينفقه وهاب العدو أن يجاهده والليل أن يكابده فليكثر من قول لا إله إلا الله والله أكير والحمد لله وسبحان الله.
١٥٩ - * روى الحاكم عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ "إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب".
١٦٠ - * روى الطبراني عن عبادة بن الصامت قال: بينما أن عند رسول الله ﷺ إذا جاءه رجل فقال: يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: "إيمان بالله وجهاد في سبيله
стр. 137
وحج مبرور" فلما ولى الرجل قال: "وأهون عليك من ذلك إطعام الطعام ولين الكلام وحسن الخلق" فلما ولى قال: "وأهون عليك من ذلك لا تتهم الله على شيء قضاة عليك"، وفي رواية إن الرجل هو الذي قال يا رسول الله أريد أهون من ذلك، قال: "السماحة والصبر".
١٦١ - * روى أحمد والطبراني عن عبد الله بن سلام ﵁ قال: بينما نحن نسير مع رسول الله ﷺ إذ سمع القوم وهم يقولون: أي الأعمال أفضل يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : "إيمان بالله وجهاد في سبيل الله وحج مبرور" ثم سمع نداء في الوادي يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فقال رسول الله ﷺ : "وأنا أشهد وأشهد ألا يشهد بها أحد إلا برئ من الشرك".
١٦٢ - * روى أحمد بن عبد الله بن عمرو أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "والذي نفسي بيده إن مثل المؤمن كمثل النحلة أكلت طيباً ووقعت فلم تكسر ولم تفسد".
١٦٣ - * روى أحمد عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله يقول إن عبدي المؤمن عندي بمنزلة كل خير يحمدني وأنا أنزع نفسه من بين جنبيه".
* * *
стр. 138
الفصل السادس
في
أمثال مثل بها لدعوة الرسول ﷺ
وللمستجيبين له
стр. 139
النصوص
قال تعالى: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ (١).
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ (٢).
﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ (٣).
فضرب الأمثال أسلوب جاء به القرآن، وقد تأدب به رسول الله ﷺ ، فكان يكثر من ضرب الأمثال، والعالم وحده هو الذي يدرك حقيقة المثل، قد يفهم الإنسان العادي المثل، ولكن الفهم شيء وإدراك حقيقة المثل شيء آخر، وقد مثل رسول الله ﷺ لدعوته أمثلة كثيرة. وهذه نماذج من ذلك:
١٦٤ - * روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن مثل ما بعثني الله من الهدى والعلم، كمثل غيث أصاب أرضاً، فكانت منها طائفة طيبة، قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا منها، وسقوا ورعوا، وأصاب طائفة منها أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ، ونفعه ما بعثتي الله به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به".
قال النووي في شرح مسلم، أما الغيث: فهو المطر، وأما العشب والكلأ والحشيش، فكلها أسماء للنبات، لكن الحشيش مختص باليابس. والعشب والخلا - مقصوراً - مختصان بالرطب، و"الكلأ" بالهمز يقع على اليابس والرطب. "والأجادب" بالجيم والدال المهملة، وهي التي لا تنبت كلأ.
стр. 140
وقد جاء في "الفتح": قال القرطبي وغيره: ضرب النبي ﷺ ، لما جاء به من الدين مثلاً بالغيث العام الذي يأتي الناس في حال حاجتهم إليه، وكذا حال الناس قبل مبعثه، فكما أن الغيث يحيي البلد الميت، فكذا علوم الدين تحيي القلب الميت، ثم شبه السامعين له بالأرض المختلفة التي ينزلها بها الغيث، فمنهم العالم العامل المعلم، فهو بمنزلة الأرض الطيبة شربت فانتفعت في نفسها وأنبتت فنفعت غيرها، ومنهم الجامع للعلم المستغرق لزمانه، غير أنه لم يعلم بنوافله، أو لم يتفقه فيها جمع لكنه أداء لغيره، فهو بمنزلة الأرض التي يستقر فيها الماء فينتفع الناس به، وهو المشار إليه بقوله "نضر الله امرءاً سمع مقالتي فأداها كما سمعها"، ومنهم من يسمع فلا يحفظه ولا يعمل به، ولا ينقله لغيره، فهو بمنزلة الأرض السبخة أو الملساء التي لا تقبل الماء أو تفسده غيرها، وإنما جمع في المثل بين الطائفتين الأوليين المحمودتين لاشتراكهما في الانتفاع بهما، وأفراد الطائفة الثالثة المذمومة لعدم النفع بها، والله أعلم.
أقول: الأرض الجدباء هنا هي الأرض التي لا تنبت لكنها تحفظ الماء على ظهرها، والمراد بالقاع هنا الأرض التي لا تنبت ولا تحفظ الماء على ظهرها.
لقد جاء محمد ﷺ متمثلاً بالكتاب والسنة، والكتاب والسنة للقلوب بمثابة المطر للأرض، والمسلمون أقسام: فقسم لا يقرأ ولا يسمع كتاباً وسنة ولو سمع وقرأها ما أفاد ولا استفاد قلوبهم كالصحاري، وناس يقرؤون فيستفيدون فيعلمون ويفيدون فهؤلاء بساتين هذه العالم وناس يحفظون ويعلمون فهؤلاء أحواض يشرب منها الناس، إن الذين يسمعون فلا يحفظون ولا يعلمون هم غرابيل الناس.
وعلى كل فلا شيء يكشف طبيعة القلوب مثل عرض الكتاب والسنة عليها، وهذه مهمة الربانيين: اقرأ على الناس الكتاب والسنة فتظهر قلوبهم، وعلى من لم يكن قلبه بستاناً أن يجاهد نفسه. فالله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (١).
стр. 141
١٦٥ - * روى الترمذي عن النواس بن سمعان، رفعه: "إن الله ضرب مثلاً صراطاً مستقيماً، على كنفي الصراط داران لهما أبواب مفتحة، على الأبواب ستورٌ، وداع يدعو على رأس الصراط وداع يدعو فوقه، ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ والأبواب التي على كنفي الصراط حدود الله، فلا يقع أحد في حدود الله، حتى يكشف الستر والذي يدعو من فوقه واعظ ربه".
في الحديث: إشارة إلى: إسلام وقرآن وفطرة: فالإسلام هو دين الله وهو الصراط المستقيم، ومما يثبت على الصراط القرآن وواعظ الله في القلب المؤمن، فمن كان له تلاوة في القرآن، ومن كانت في قلبه بقية من حياة وفطرة، فجرى به أن يستقيم، وعوامل الانحراف كثيرة وأبوابها كثيرة والشيطان ودعاة الضلال يدفعون نحو هذه الأبواب فالشهوات الحسية والمعنوية والضلالات والشبهات كل من أفرادها باب من دخله ضل إلا أن يرجع.
وأهل الصراط المستقيم هم المطيعون من أهل السنة والجامعة، وإذن هم من اجتمع لهم اعتقد صحيح وعمل صحيح، أما من سوى ذلك من المكلفين فهم بين داخل في طريق كفري أو في ضلال أو معصية:
﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (١).
﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (٢).
стр. 142
١٦٦ - * روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "إن مثلي ومثل ما بعثني الله به، كمثل رجل أتي قومه فقال: إني رأيت الجيش بعيني، و [إني] أنا النذير العريان. فالنجاء، النجاء، فأطاعه طائفة من قومه، فأدلجوا، فانطلقوا على مهلهم فنجوا، وكذبت طائفة منهم، فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش فأهلكهم، واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني، واتبع ما جئت به، ومثل من عصاني، وكذب ما جئت به من الحق".
١٦٧ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إنما مثلي ومثل الناس، كمثل رجل استوقد ناراً، فلما أضاءت ما حوله، جعل الفراش وهذي الدواب، التي تقع في النار، تقع فيها، فجعل ينزعهن ويغلبنه، فيتقحمن فيها، فأنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تقحمون فيها".
١٦٨ - * روى مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ : ذكر أحاديث منها: قال رسول الله ﷺ : "مثلي كمثل رجل استوقد ناراً، فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه الدواب التي في النار يقعن فيها وجعل يحجزهن ويغلبنه فيتقحمن فيها. قال فذلكم مثلي ومثلكم. أنا آخذ بحجزكم عن النار هلم عن النار هلم عن النار، فتغلبوني وتقحمون فيها".
وأخرجه الترمذي بنحوه (٤).
стр. 143
١٦٩ - * روى مسلم عن جابر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد ناراً، فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها، وهو يذبهن عنها، وأنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تفلتون من يدي".
١٧٠ - * روى البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "مثل المؤمن كمثل شجرة خضراء، لا يسقط ورقها، ولا يتحات". فقال القوم كذا، هي شجرة كذا، فأردت أن أقول: هي النخلة، وأنا غلام شاب، فاستحييت، فقال: "هي النخلة".
١٧١ - * روى البخاري عن جابر بن عبد الله؛ قال: جاءت ملائكة إلى النبي ﷺ ، وهو نائم، فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم، إن العين نائمة، والقلب يقظان فقالوا: إن لصاحبكم هذا مثلاً، فاضربوا له مثلا، فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة، والقلب يقظان. فقالوا: مثله كمثل رجل بنى داراً، وجعل فيها مأدبة، وبعث داعياً، فمن أجاب الداعي، دخل الدار، وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعي، لم يدخل الدار، ولم يأكل من المأدبة.
стр. 144
فقالوا: أولوها له يفقها، قال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة، والقلب يقظان، فقالوا: فالدار: الجنة، والداعي: محمد، فمن أطاع محمداً، فقد أطاع الله، ومن عصى محمداً، فقد عصى الله، ومحمد فرق بين الناس.
* * *
стр. 145
الفصل السابع
في:
الإسلام وأسهمه وأركانه ومقاماته وبعض أعماله
وفيه:
مقدمة وفقرات
الفقرة الأولى: في أسهم الإسلام.
الفقرة الثانية: في أركان الإسلام.
الفقرة الثالثة: في مقامات الإسلام.
الفقرة الرابعة: في أمهات من أعمال الإسلام.