← Акыда

Акыда · id 18338

الأساس في السنة وفقهها - العقائد الإسلامية

سعيد حوى

Полный текст (1 514 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

٩٣ - * روى البخاري عن ابن عباسٍ ﵂، قال: ما رأيتُ شيئاً أشبه باللمم مما قال أبو هريرة إنَّ النبي ﷺ قال: "إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العينين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذللث أو يكذبه". ٩٤ - * روى الجاعة إلا الترمذي عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "يفقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقدٍ، يضرب على كل عقدةٍ مكانها، عليك ليلٌ طويلٌ فارقد، فان استيقظ فذكر الله انحلت عقدةٌ، فإن توضأ انحلت عقدةٌ، فإن صلى انحلت عقده كلها، فأصبح نشيطاً طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان". ٩٥ - * روى مسلم عن زيد بن أرقم ﵁، قال: - وقد سئل عما سمع رسول الله ﷺ يقول: كان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجين والبخل والهرم، وعذاب القبر، اللهم آت نفسي تقواها، ورزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهمَّ إني أعوذ بك من علم لا ينفعُ، ومن قلبٍ لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا تُستجاب". ٩٦ - * روى الترمذي عن فضالة بن عبيدٍ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "المجاهد من جاهد نفسه".

стр. 72

٩٧ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵂، أن رسول الله ﷺ رأي امرأة، فأتى امرأته زينب، وهي تمعس منيئة [له]، فقضى حاجته منها، ثم خرج إلى أصحابه، فقال: "إن المرأة تُقبل في صورة شيطان، وتُدبرُ في صورة شيطانٍ، فإذا أبصر أحدُكم امرأة فليأت أهله، فإن ذلك يرد ما في نفسه". ٩٨ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "ليس الغني عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس". ٩٩ - * روى البخاري ومسلم عن سهل بن حنيف ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يقولن أحدكم: خبُثت نفسي، ولكن ليقل: لقست نفسي".

стр. 73

٤ - نصوص في النفس ويراد بها القلب قال الله تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ (١). ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾ (٢). ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾ (٣). ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٤). ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ (٥). من النصوص النبوية: ١٠٠ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا نودي الصلاة أدبر الشيطان له ضُراط حتى لا يسمع التأذين، حتى إذا قضي التثويب، أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه يقول: اذكر كذا، واذكر كذا، لما لم يكن يذكر من قبل، حتى يظل الرجل ما يدري كم صلى". ١٠١ - * روى أبو داود عن أبي رافع ﵁، قال: بعثني قريش إلى رسول الله ﷺ ، فلما رأيت رسول الله ﷺ ألقي في قلبي الإسلام، فقلت: يا رسول الله، إني والله لا أرجع إليهم أبداً، فقال رسول الله ﷺ : "إني لا أخيس بالعهد، ولا أحبس البرد، ولكن ارجع، فإن كان في نفسك الذي في نفسك الآن فارجع". قال: فذهبت، ثم أتيت رسول الله ﷺ ، فأسلمت.

стр. 74

قال أبو داود: وكان أبو رافع قبطياً، قال: وإنما كانوا يردون أول الزمان، وأما الآن فلا يصلح. ١٠٢ - * روى مسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "من مات ولم يغز، ولم يحدث به نفسه، مات على شعبة من النفاق". قال ابن المبارك فنرى أن ذلك كان على عهد رسول الله ﷺ . ١٠٣ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، وإن تقرب إلى شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إلي ذراعاً اقتربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة". قال الحافظ في الفتح: قوله: (ذراعاً تقربت منه باعاً، وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة) قال ابن بطال: وصف سبحانه نفسه بأنه يتقرب إلى عبده ووصف العبد بالتقرب إليه ووصفه بالإتيان والهرولة كل ذلك يحتمل الحقيقة والمجاز فحملها على الحقيقة يقتضي قطع المسافات وتداني الأجسام وذلك في حقه تعالى محال، فلما استحالت الحقيقة تعين المجاز لشهرته في كلام العرب، فيكون وصف العبد بالتقرب إليه شبراً وذراعاً وإتيانه ومشيه معناه التقرب إليه بطاعته وأداء مفترضاته ونوافله ويكون تقربه سبحانه من عبده وإتيانه والمشي عبارة عن إثباته على طاعته وتقربه من رحمته، ويكون قوله أتيته هرولة أي أتاه ثوابي مسرعا، وثقل عن

стр. 75

الطبري أنه إنما مثل القليل من الطاعة بالشبر منه والضعف من الكرامة والثواب بالذراع فجعل ذلك دليلاً على مبلغ كرامته لمن أدمن على طاعته أن ثواب عمله له على عمله الضعف وأن الكرامة مجاوزة حده إلى ما يثيبه الله تعالى، وقال ابن التين: القرب هنا نظير ما تقدم في قوله تعالى ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ فإن المراد به قرب التربة وتوفير الكرامة، والهرولة كناية عن سرعة الرحمة إليه ورضا الله عن العبد وتضعيف الأجر، قال: والهرولة ضرب من المشي السريع وهي دون العدو. وقال صاحب المشارق: المراد بما جاء في هذا الحديث سرعة قبول توبة الله للعبد أو تيسير طاعته وتقويته عليه وتمام هدايته وتوفيقه والله أعلم بمراده. ا. هـ. ١٠٤ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁، قال: سمعت النبي ﷺ يقول "والذي نفسي بيده، لولا أن رجالاً من المؤمنين لا تطيب أنفسهم بأن يتخلفوا عني، ولا أجد ما أحملهم عليه، ما تخلفت عن سرية. تغزو في سبيل الله، ولوددت أني أقتل في سبيل الله. ثم أحيا، ثم أقتل، ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل". ١٠٥ - * روى أبو داود عن معاذ ابن جبل ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة، ومن سأل الله القتل في سبيل الله صادقاً من نفسه، ثم مات أو قتل: كان له أجر شهيد، ومن جرح جرحاً في سبيل الله، أو نكب نكبة، فإنها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت، لونها لون الزعفران، وريحها ريح المسك، ومن خرج به خراج في سبيل الله، فإن عليه طابع الشهداء".

стр. 76

وبعد: فهذه نصوص في الجسد والعقل والقلب والروح والنفس بدأنا بها قسم العقائد لأن لها صلة بها، ثم إن لها صلة بالتكليف الذي هو الفصل الثاني من هذا الباب: فهناك تكاليف للذات وهناك تكاليف جسدية، والنية وأصل الإيمان لابد منهما لقبولها، وهناك تكاليف للنفس، ومن تكاليفها أن تزكى من الأمراض كالحسد والعجب والكبر. وهناك تكاليف للقلب أن يؤمن وأن ينور، وللروح ارتباط بهذا كله فهي المكلفة بالعبودية لله، وكل ما كلف به الإنسان إنما هو تحقيق لما كلفت له الروح من العبودية لله رب العالمين، لهذه الأسباب وغيرها قدمنا هذا الفصل، فقد رأينا أن بعض الناس يغلطون في فهم هذه المصطلحات الشرعية ويترتب على الغلط فيها شر كبير وانحراف خطير، وها نحن ننتقل إلى الفصل الثاني لنعرف بالتكليف وماهيته وشروطه ثم ننتقل إلى الحديث عن الإسلام والإيمان اللذين كلف الله بهما عباده. * * *

стр. 77

الفصل الثاني في التكليف ومسؤولية الإنسان أمام الله وفيه: مقدمة نصوص ونقول ومسائل

стр. 78

المقدمة جعل الله الإنس والجن مسؤولين أمامه، مكلفين بالعبادة والعبودية له ومحاسبين على ذلك ومجازين عليه في الدنيا وفي الآخرة. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١). ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا﴾ (٢). فالإنسان من المخلوقات المحسوسة هو المكلف الوحيد، والجن من المخلوقات المغيبة هم المكلفون الوحيدون. والتكليف الشرعي في الاصطلاح هو طلب الله من المكلفين ما فيه كلفة في الفعل أو الترك، ويدخل في الفعل الفريضة والواجب والمندوب، ويدخل في الترك الحرمة والكراهة. قال البغدادي: التكليف في اللغة مأخوذ من الكلفة وهي التعب والمشقة ثم أطلق التكليف في الشرع الأمر والنهي. والتكليف منوط بالعقل وببلوغ الدعوة، وبالبلوغ وبوجود ما به يدرك الخطاب من الحواس، فمن ولد أعمى أصم أو أصابه العمى والصم قبل أن يعقل الخطاب لا يعتبر مكلفاً لأن شرط التكليف فهم الخطاب، أما إذا كان سميعاً أعمى أو أصم مبصراً يستطيع الفهم فهو مكلف بقدر ما يفهم، أما العقل فلا تكليف إلا به، ألا ترى أن الله خاطب الناس بقوله ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (٣) فمن لا عقل له لا حجة عليه، وأما بلوغ الرسالة فهو شرط من شروط التكليف فمن لم تبلغه الرسالة لا يكون مكلفاً. قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (٤).

стр. 79

﴿كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (١). ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (٢). ومن ﵀ أنه لم يجعل الإنسان مكلفا قبل البلوغ وذلك لقصور عقله من استيعاب التكليف والقيام بحقوقه قبل ذلك لكن الشارع كلف أهل الولاية عليه أن يؤدبوه ليؤهلوه للقيام بالتكليف بعد البلوغ. وإذا أردنا أن نعرف التكليف باختصار فإننا نصفه بأنه معرفة الله والرسول ﷺ والإسلام والقيام لله بحقوق العبادة والعبودية وبإقامة ما يطلب من المكلف من الإسلام. * * * إن مسئولية الإنسان أمام الله من أخطر القضايا تأثيراً على السلوك البشري ومن أعظم القضايا التي يجب على الإنسان أن يعرفها، فالإنسان الذي لا يستشعر مسئوليته أمام الله يجب أن ينطلق بلا حدود، ومن ها هنا تأتي فكرة حيوانية الإنسان وما يترتب عليه من فوضى شاملة، وتأتي فكرة إتباع الأهواء وما يترتب عليها من خراب شامل، قال تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ (٣). أما إذا أقر الإنسان بمسئوليته أمام الله ، واعترف بذلك واعتنق دينه الحق الإسلام، وعرف أنه مجازي على ذلك أمامه في حياة أخرى، فإن ذلك أمامه في حياة أخرى، فإن ذلك ينبثق عنه كل خير. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ (٤).

стр. 80

ولقد جعل الله مسئولية الإنسان في رسالة الخاتمة تنحصر بالتسليم له بالإسلام الذي أنزله على محمد ﵊. وإن فهم الإسلام والتكاليف التي يطالب به كل إنسان وهو ما يسمى بالمطلوبات العينية وفهم ما تطالب به الأمة الإسلامية ومما يطلق عليه اسم المطلوبات الكفائية، من أوجب الواجبات على كل مسلم، وقد فصلنا ذلك في كتاب: "كي لا نمضي بعيداً عن احتياجات العصر". وذكرنا هناك تفصيلات للمطلوبات العينية والكفائية، وذكرنا أن المسلم لو استهدى بتفصيلات هذه الشئون لكفاه ذلك للوصول إلى سيادة العالم بإذن الله، ولنال بذلك الخلود الأبدي في نعيم الله وجنته، ومن رحمة الله أن جعل التكليف بالإسلام في دائرة اليسر ورفع الحرج، وجعله متوطاً بالطاقة، فكل ما لا يدخل في دائرة الوسع أو يدخل الإنسان في دائرة الحرج فقد خفف الله فيه. وتفصيلات هذا الأمر أكبر من أن يحاط بها ولذلك فإننا ها هنا سنقتصر على لباب من النقول وعلى أصول من النصوص نردك فيها الكثير مما ذكرناه في مقدمة هذا الفصل. * * *

стр. 81

١ - نصوص ونقول في التكليف قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ (١). ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٢). ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٣). ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (٤). ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٥). ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (٦). ومن نصوص السنة المتعلقة بالتكليف: ١٠٦ - * روى الجماعة إلا الموطأ عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "إن اله تعالى تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها، وما لم يعملوا به أو يتكلموا". ولفظ أبي داود: "إن الله تجاوز لأمتي ما لم تكلم به أو تعمل به، وما حدثت به أنفسها".

стр. 82

١٠٧ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عباس ﵄، قال: أتى عمر بمجنونة قد زنت، فاستشار فيها أناساً، فأمر بها أن ترجم، فمر بها علي بن أبي طالب، فقال: ما شأن هذه؟ قالوا: مجنونة بني فلان زنت، فأمر لها [عمر] أن ترجم، فقال: ارجعوا بها، ثم أتاه، فقال: يا أمير المؤمنين، أما علمت أن القلم قد رفع عن ثلاثة: عن المجنون حتى يبرأ؟ - وفي رواية: يفيق -، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يعقل؟ فقال: بلى، قال: فما بال هذه؟ قال: لا شيء، [فأرسلها]، قال: فأرسلها عمر، قال: فجعل يكبر. وفي أخرى: قال له أو ما تذكر أن رسول الله ﷺ قال: "رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم"؟ قال: صدقت فخلى عنها. وفي أخرى قال: أتى عمر بامرأة قد فجرت، فأمر برجمها، فمر علي، فأخذها، فخلى سبيلها، فاخبر عمر، فقال: ادعوا لي عليا، فجاء علي، فقال: يا أمير المؤمنين، لقد علمت أن رسول الله ﷺ قال: "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المعتوه حتى يبرأ". وإن هذه معتوهة بني فلان، لعل الذي أتاها أتاها في بلائها. ١٠٨ - * روى مسلم عن أبي هريرة، رفعه: "والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار". (الأمة): هنا: أمة الدعوة وهم المكلفون من الإنس والجن، وإذا كان اليهود

стр. 83

والنصارى يستحقون النار إذا لم يؤمنوا به وهم أهل دين سماوي في الأصل فمن باب أولى غيرهم. وهل مجرد السماع بمحمد ﷺ يوجب على من سمع به أن يبحث ثم يؤمن أو أنه السماع الذي تقوم به الحجة كأن يسمع من مسلم مباشرة أو بالواسطة؟ قولان للعلماء: فالغزالي يرى أن بلوغ الدعوة الذي تقوم به الحجة هو ما كان عن طريق مسلم بشكل مباشر كالكلام المباشر، أو بشكل غير مباشر كالكتاب والخطاب، وفي عصرنا تكاد الحجة أن تكون قد قامت على كل إنسان، فما من إنسان إلا وقد سمع عن الإسلام ورسوله بواسطة المذياع أو التلفاز أو المجلة أو المحاضرات أو الدعوة المباشرة أو الخلطة لمسلم. وكان شيخنا الحامد ﵀ يرى أالحجة في عصرنا قد قامت على كل إنسان بما شاع واستفاض عن بعثة محمد ﷺ مما يوجب على الإنسان البحث والسؤال، فإذا لم يفعل فهو المقصر. وهل هناك مخففات في حق بعض الناس؟ وهل هذه المخففات تعفي من العقاب والحساب فتسقط التكليف أو أنها تقتضي تكليفاً آخر يوم القيامة؟ إن الحديث اللاحق يجيب على هذا: ١٠٩ - * روى أحمد عن الأسود بن سريع، أن نبي الله ﷺ قال: "أربعة يحتجون يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع شيئاً ورجل أحمق ورجل هرم ورجل مات في فترةٍ: فأما الأصم فيقول لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئاً، وأما الأحمق: فيقول

стр. 84

يارب لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفونني بالبعر، وأما الهرم فيقول يارب لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئاً. وأما الذي مات في فترة فيقول: ما أتاني لك رسول فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه فيرسل إليهم أن ادخلوا النار. فو الذي نفسي بيده لو دخلوها كانت عليهم برداً وسلاماً". وفي الحديث: إشارة إلى ثقل التكليف بالإيمان بالغيب، فإنه لا يعدل ذلك إلا أن يمتحن الإنسان بعد أن ينكشف الغيب بأن يؤمر في دخول النار، وما أشده امتحان؟ وما أثقل الإيمان بالغيب في الميزان؟؟؟ قلنا إن شروط التكليف: العقل والبلوغ وبلوغ الدعوة ووجود الحواس التي يتأتى بها فهم الخطاب، ولفهم الموضوع البلوغ نذكر ما قاله أبو زهرة في كتابه أصول الفقه: "ولكن ما هو حد البلوغ الذي يخرج بع الغلام من دور الصبا إلى دور الرجولة المكلفة المتحملة للتبعات؟ قالوا إنه يكون ببلوغه النكاح، فالجارية برؤيتها الحيض، والغلام بالاحتلام، وذلك لأن القرآن حد البلوغ يبلغ النكاح، أي الصلاحية لاستيفاء حقوق ذلك العقد، إذ يقول تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ وإن الأمارات الحسية هي التي تدل على بلوغ النكاح، والشارع يعتبر الأمور مغيرة للأحكام بأمارات حسية. وإذا لم تظهر هذه الأمارات الحسية في إبان المراهقة، اعتبر البلوغ بالسن، وجمهور الفقهاء يعتبرون سن البلوغ خمسة عشر عاما" ا. هـ. أقول: والحمل في حق المرأة ينوب مناب الحيض، والإنزال بالنسبة للرجل ينوب مناب الاحتلام، والمراد بالبلوغ في السن: السنون القمرية، وهاتان روايتان حول البلوغ بغير السن: (١)

стр. 85

١١٠ - * روى البخاري معلقاً عن الحسن بن صالح، قال: أدركت جارة لما جدة، بنت إحدى وعشرين سنة. ١١١ - * أخرج البخاري تعليقا عن المغيرة بن مقسم الضبي ﵀، قال: احتلمت وأنا ابن ثنتي عشرة سنة. وبعد إذ أخذنا تصوراً عن شروط التكليف وعرفنا أنه بالعقل والبلوغ والتبليغ وجود الحاسة التي يفهم بها التبليغ تقوم الحجة على الإنسان فيكون مكلفاً بالإسلام، فإنه من المناسب أن نذكر أن الإنسان في دار الإسلام يعتبر مكلفاً حكماً، وأما خارج دار الإسلام فلا يعتبر مبلغاً إلا إذا جاءه التبليغ من مسلم بشكل مباشر أو غير مباشر (على رأي الغزالي كما ذكرنا) سواء كان ذلك باللسان أو بالكتاب أو بوسيلة من وسائل الإعلام، أما إذا بلغته الصورة مشوشة عن كافر ولم يصل إليه الإسلام بواسطة صحيحة من الوسائط فقد ذهب الغزالي إلى أن التبليغ لم يحص له وهذا في غير دار الإسلام. وقال البغدادي في أصول الدين: "وقد أصبحنا إن الواجبات كلها معلوم وجوبها بالشرع. وقالوا فيمن كان وراء السد أو في قطر من الأرض ولم تبلغه دعوة الإسلام ينظر فيه فإن اعتقد الحق في العدل والتوحيد وجهل شرائع الأحكام والرسل فحكمه حكم المسلمين وهو معذور فيما جهله من الأحكام لأنه لم يقم به الحجة عليه. ومن اعتقد منهم الإلحاد والكفر والتعطيل فهو كافر بالاعتقاد وينظر فيه فإن كان قد انتهت إليه دعوة بعض الأنبياء ﵈ فإن يؤمن بها كان مستحقا للوعيد على التأييد. وإن لم تبلغه دعوة شريعة بحال لم يكن مكلفا ولم يكن له في الآخرة ثواب ولا عقاب فإن عذبه الله في الآخرة كان ذلك عدلا منه ولم يكن عقاباً له كما أن إيلام

стр. 86

الأطفال والبهائم في الدنيا عدل من الله تعالى وليس بعقاب لهم على شيء. وإن نعم عليه في الآخرة فهو فضل منه وليس بثواب له على الطاعة، كما أن إدخاله ذراري المسلمين الجنة فضل منه وليس بثواب على طاعة. وإن كان هذا الذي لم تبلغه دعوة الإسلام غير معتقد كفراً ولا توحيداً فليس بمؤمن ولا كافر فإن شاء الله عذبه في الآخرة عدلا وإن شاء عليه فضلا" ا. هـ. * * *

стр. 87

مباحث في العذر بالجهل ولعلمائنا مباحث تصل إلى موضوعنا بسبب: يبحثونها عادة تحت عنوان الجهل بالأحكام متى يعتبر عذراً، وقد لخص الشيخ أبو زهرة في كتابه أصول الفقه: هذه الأبحاث وهذه مستخلصات من كلامه: الأحكام الشرعية المقررة في الكتاب والسنة، والأمور التي انعقد الإجماع عليها لا يسع أحدا أن يخالفها بدعوى الجهل بها، فلا يعد هذا الجهل عذراً مسوغاً، وذلك لمن يقيم في الديار الإسلامية. وهذا النوع من العلم هو الذي يسميه الشافعي ﵁ [علم] عامة لا يسع أحداً أن يجهله. وذلك لأن العلم قسمان، تولى النص بيانها، ولنترك الكلمة للإمام العظيم، فهو يقول في رسالة الأصول: "العلم علمان: علم عامة لا يسع أحداً غير مغلوب على عقله جهله، مثل الصلوات الخمس، وأن لله على الناس صوم رمضان وحج البيت إذا استطاع، وزكاة أموالهم، وأنه حرم عليهم القتل والزنى والسرقة وأموالهم، وأن يكفوا عما حرم عليهم منه، وهذا الصنف كله من العلم موجود نصاً في كتاب الله تعالى، وموجود عاما عند أهل الإسلام ينقله عوامهم عمن مضى من عوامهم، يحكونه عن رسول الله ﷺ ولا يتنازعون في حكايته ولا وجوبه، وهذا العلم هو الذي لا يمكن الغلط فيه من الخبر ولا التأويل ولا يجوز التنازع فيه". وبهذا يتبين أن هذا العلم هو المأخوذ من صريح الكتاب والسنة المتواترة، والمشهور من الأحاديث الذي انعقد على أحكامه إجماع المسلمين. أما القسم الثاني فقد بينه الشافعي في الرسالة أيضاً، وسماه علم الخاصة، وهو ما ينوب العباد من فروع الفرائض، ولم يرد فيه نص صريح من كتاب أو سنة ولم ينعقد عليه إجماع.

стр. 88

وإن هذا النوع من العلم يختص به الفقهاء الذين عكفوا على الدراسات الفقهية، وهو درجة عالية يسع العامة أن يجهلوه ولا يسع الفقهاء أن يهملوه. وبهذا يتبين أن الأصول العامة للمحرمات والفرائض تعتبر كل مقيم في الديار الإسلامية على علم بها، ولا يعذر بالجهل به، إلا في حال الاشتباه ولا يستثنى من ذلك الذميون الذين يقيمون في الديار الإسلامية. فلا يعذرون في الجهل بالحد والقصاص والديات وموجباتها، وغير ذلك مما يطبق عليهم من عقوبات تطبق على المسلمين، وذلك لأنهم يقيمون في الديار الإسلامية فيفترض فيهم مثلاً العلم بما يعلمه عامتهم من أن: الزنى يوجب الحد، وغير ذلك من العقوبات مع موجباتها، ولأنهم يقيمون مع المسلمين على أساس أن لهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم. وإن الأحكام التفصيلية التي تؤخذ بالاستنباط بالأقيصة وغيرها من طرق الرأي لا يعرفها كما ذكرنا إلا الخاصة من علماء الشرع المتخصصين. هذا وإن الجهل بأحكام النصوص منه ما يكون عذراً، ومنه ما لا عذر فيه، ولقد ضبط علماء الأصول ذلك في أقسام أربعة: القسم الأول - جهل لا يعذر فيه صاحبه، ولا شبهة فيه كالردة بعد إيمان، وارتكاب ما نص القرآن نصاُ قاطعاً القرآن نصاً قاطعاً على تحريمه معتقداً حلة، وكذلك ما تواتر وثبت بالإجماع، فإن الجهل بهذا إثم، والإثم لا يبرر الإثم. وقد ذكر علماء الأصول من ذلك جهل غير للسلم بالوحدانية، وجهله بالرسالة المحمدية إذا بلغ الدعوة الإسلامية على الوجه الصحيح. وأقيمت الأدلة القاطعة بصدقها، فإنهم قالوا إن ذلك جهل لا يعذر صاحبه. القسم الثاني - جهل يعذر فيه الشخص لأنه موضع اشتباه من حيث الدليل، وذلك يكون في الجهل بالمسائل التي يحتاج فهمها إلى ضرب من التأويل والتفسير، وتكون هي محتملة للتأويل، والحق فيها لا يتبين إلا بعد الفحص والتأمل .... القسم الثالث - الجهل في مواضع الاجتهاد، والجهل الذي لا تتوافر فيه أسباب العلم

стр. 89

توافراً تاماً، أو يكون الجهل معه شبهة أسقطت العقاب .... القسم الرابع - الجهل بالأحكام الإسلامية في غير الديار الإسلامية وهو جهل قوي إلى درجة أن جمهور الفقهاء قال إنه تسقط عنه التكليفات الشرعية، حتى إنه لو أسلم رجل في دار الحرب، ولم يهاجر إلى الديار الإسلامية، ولم يعلم أنه عليه الصلاة والصوم والزكاة، ولم يؤد فرضاً من هذه الفرائض. فإنه لا يؤديها قضاء إذا علم، ووجهه انه بقبوله الإسلام صار ملتزماً أحكامه وعليه أداؤها، ويعذر إذا لم يؤدها في وقتها، ولكن إذا علم فحكم الالتزام ثابت، ويجب عليه قضاء ما التزم. ووجهة جمهور الفقهاء، أن دار الحرب ليست موضع بالأحكام الشرعية، فلم تستفض فيها مصادر الأحكام، ولم تشتهر، فكان الجهل جهلاً بالدليل، والجهل بالدليل يسقط التكليف، إذ لم يتوجه الخطاب. وعلى ذلك يتميز هذا القسم عن بقية الأقسام السابقة، بأن الجهل هنا ليس عذراً فقط، بل إنه مسقط للخطاب. ويجب أن نقرر هنا أنه إذا كان الجهل ليس موضوعه أمراً من الأمور التي تعد من أصول الإسلام الثابتة بالكتاب والسنة، بل كان أمراً هو موضوع اجتهاد واختلف فيه الفقهاء، واختار ولي الأمر الأخذ بأقوال بعض الأئمة، وأعلن ولي الأمر الأخذ به، فإن ذلك يكون موضوع عذر، حتى يشيع الإعلان بحيث لا يسع أحداً أن يجهله" ا. هـ. كلام أبي زهرة. أقول: هناك أمور معلومة من الدين بالضرورة، فهذه لا يعذر أحد بالجهل بها في دار الإسلام، فمن أنكرها أو جهلها كفر وبالتالي: لا يعتبر مسلماً بسبب الجهل أو الإنكار، وفقهاء الحنفية يحكمون بكفره قبل أن يقر بها، فإذا أقر بها بعد البيان فكأنه أسلم من جديدي ويرتبون على ذلك فساد نكاحه وبطلان حجه، وأما الشافعية فيقولون: لا يكفر بالجهل إلا بعد البيان فإذا أصر بعد البيان حكم بكفره. وأما الجهل بالأحكام التي تعتبر معرفتها فريضة عينية على كل مسلم مما ليس من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة فهذه الجهل بها في دار الإسلام فوق، والفتوى هي التي تحكم

стр. 90

التقصير في العمل من وجوب التوبة وحدها أو وجوبها مع غيرها. أما الجهل في غير دار الإسلام فإنه يعتبر عذراً ما لم يكن تقصير، فلو افترضنا أن إنساناً جاهلاً حدث إنساناً كافراً في غير دار الإسلام في الشهادتين فنطق بها ذلك المبلغ مؤمناً بها ولم يعلمه الآخر شيئاً آخر ولا يستطيع هو أن يتعلم من مسلم آخر أو كان يجهل وسيلة تصل به إلى العلم فالعذر في حقه قائم. * * * ومن رحمة الله بالمكلف أنه جعل التكليف ضمن الوسع والطاقة وجعل دينه الإسلام ميسراً فرفع فيه الحرج والتكاليف الشاقة. قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (١). ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ (٢). ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٣). ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٤). ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (٥). ومن مظاهر التخفيف في التكليف ما تحدث عنه هذان النصان: ١١٢ - * عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمك "تجاوز الله عن آمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".

стр. 91

١١٣ - * روى الجماعة إلا الموطأ عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله تعالى تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم يعلموا به أو يتكلموا". وفي رواية: "ما وسوست به صدورها". ولفظ أبي داود: "إن الله تجاوز لأمتي ما لم تكلم به أو تعمل به، وما حدثت به أنفسها". وبمناسبة الكلام عن اليسر ورفع الحرج والتكاليف بقدر الوسع لابد من تصحيح مفهوم خطائ يقع فيه بعض الناس وهو أن بعضهم يتصور أن التكليف موافق للهوى أو للراحة الجسمية، والأمر ليس كذلك فالإسلام جاء بمخالفة الهوى، والتكليف هو طلب ما فيه كلفة في الأصل، فالمنفي هو التكليف المعنت المرهق الذي لا تستطيعه النفس باستمرار، وللشيخ أبي زهرة تحقيق لطيف بهذه المناسبة نستخلص منه بعضه. قال ﵀: التكليف بما يشق: إن المشقة قسمان: أولهما - مشقة يمكن احتمالها والاستمرار عليها، وهذه يمكن فيها التكليف ويمكن المؤاخذة عليها، كالصوم والحج، فإنها مشقات يمكن احتمالها، ويمكن الاستمرار على أدائها وما من تكليف إلا وفيه مشقة محتملة، أدناها رياضة النفس على ترك الممنوع، والأخذ بالمشروع، إذ كل ممنوع متبوع، ولذلك ورد في الحديث الشريف "حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات" فإن أسباب العصيان دائماً إتباع للهوى والشهوة، والسير في سبيلها إلى أقصى الغاية من غير تحرج ولا تأثم، وأسباب

стр. 92

الطاعات فطن للنفس عن كثير من الشهوات أو وقوف بها عند حد، وهذا في ذاته فيه مشقة على النفس التي لم تتعود الضبط، والوقوف بها عند حد محدود حده الشارع، ولو كانت كل التكليفات يسراً خالصاً مخالفون ولا عصاة، ولو كانت التكليفات تسير مع الأهواء جنباً لجنب ما وجد اعتداء ولا ظلم، ولكن الله تعالى اختبر الإنسان فجعل فيه داعي الطاعة وداعي المعصية ينبعثان من جنبيه، كما قال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ وكما قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. القسم الثاني: المشتقات التي يصعب الاستمرار على أدائها أو لا تحتمل إلا ببذل أقصى الطاقة. [من ذلك الجهاد في سبيل الله تعالى]، وكذلك الصبر عند الإكراه على النطق بكلمة الكفر هو موضع ثواب عند الله مع أنه مشقة فوق الاحتمال العادي، ولكن النبي ﷺ اعتبر منزلته يوم القيامة بجوار منزلته. ومن ذلك الجهر بكلمة الحق في وقت يسود فيه الظلم، ولذا قال ﵇: "أفضل الجهاد كلمة حق لسلطان جائز" وقال ﵇: "سيد الشهداء حمزة ابن عبد المطلب، ورجل قال كلمة حق عند سلطان جائز فقتله" ولذا كان التكليف في المشقة التي لا تحتمل إلا بأقصى الطاقة جائزاً في تلك الدائرة المحدودة. وننتهي من هذا إلى أن التكليفات التي تكون فيها مشتقات غير معتادة ثابتة في إحدى أحوال ثلاثة: (أ) - في الفروض الكفائية كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عندما يعرض الأمر نفسه إلى التلف. (ب) - في الصور التي لا يتحقق نفع عام كامل إلا ببذل أقصى البذل في النفس والنفيس. [كالجهاد]. (جـ) - في الأحوال التي يكون فيها اعتداء على حق من حقوق الله تعالى، أو حقوق العباد، فإن الصبر في هذه الحال مطلوب وإن كان شاقاً مشقة فوق المعتادة كمن يكره بالقتل لينفذ الاعتداء بالعمل على قتل غيره، فإنه يجب عليه أن يصبر ولا يقتل غيره.

стр. 93

[بل إن فعل يكون آثما ولا يعتبر عذره بحال]. ففي هذه الصور وأشباهها يكون العمل الذي فيه مشقة غير معتادة مطلوباً. ويلاحظ في هذه الصور أن المشقة ليست مقصودة لذاتها، فليست المشقة في ذاتها أمراً يتعبد به، أن تعذيب الجسم، لتطهير الروح ليس من مقاصد الإسلام، إنما المشقة غير المعتادة تطلب، لأنها تكون دفعاً لضرر أشد، أو جلباً لنفع أسمى. فهي تكون تحقيقاً لمقصد من المقاصد الإسلامية العليا، على أنها وسيلة متعينة له، وليست مقصودة لذاتها. واليسر هو الأصل في الشريعة الإسلامية، ولذلك تقول السيدة عائشة رضي عنها في وصف النبي ﷺ : ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لك يكن إثماً. لذا نهى النبي ﷺ من نذر أن يصوم قائماً في الشمس أن يستمر قائماً في الشمس وآمره أن يتم صومه وقال ﵇ "هؤلاء المتنطعون" وبذلك يكون أمره بما هو طاعة في ذاته وهو الصيام، ونهاه عما ليس طاعة وهو القيام في الشمس، وذلك النهي تقرر أن القيام ﷺ : "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصى الله فلا يعصه" ولقد روي أن بعض الصحابة أخذ نفسه بقيام الليل وصوم النهار، وبعضهم أخذ نفسه باعتزال النساء، فبلغ النبي ﷺ أمرهم جميعاً، فقال ﵇ "ما بال أقوام قالوا كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء. فبلغ النبي ﷺ أمرهم جميعاً، فقال ﵇ "ما بال أقوام قالوا كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم الله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء. فمن رغب عن سنتي فليس مني". وقد كان النبي ﷺ حريصاً على ألا يلتزم الشخص عبادات ليست فرضاً، ولا يطيق الاستمرار عليه، وكان يجب العبادة الدائمة التي لا صعوبة فيها على العبادة الشاقة التي لا يمكن الاستمرار عليها، ولذا كان يقوم ﷺ "أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل" (١). وكان يقول: "إن الله يحب الديمة من الأعمال" وكان يقول ﷺ "لن يشاد أحد هذا الدين إلا غلبه، ولكن سددوا وقاربوا". ا. هـ. كلام أبي زهرة.

стр. 94

وقال عبد القاهر البغدادي في بيان أنواع التكليف: اختلف أصحابنا في أقسام التكليف: فمنهم من قال إن التكليف مقصور على ثلاثة أوجه: أمر ونهي وخبر. فالتكليف بالأمر. كقوله: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ ونحوه والتكليف بالنهي كقوله: ﴿لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾. والتكليف بالخبر على ضربين: أحدهما فيم معنى الأمر كقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾. والثاني خبر في معنى النهي كقوله تعالى ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ ومنهم من قصر التكليف على الأمر والنهي. فأما الخبر عن وجوب شيء أو عن تحريمه فإنما حمل على معناه: بأمر الله تعالى أن يحمل عليه. ومنهم من قصر التكليف على معنى الأمر وقال إن النهي إنما صار تكليفا لأنه أمر بترك المنهي وترك ضد المأمور بفعله. فهذا بيان أقسام التكليف في الجملة. وتفصيله أن التكليف على خمسة أقسام: أحدها موجب وثانيها محرم وثالثها دليل على أن ما ورد به سنة ورابعها دليل على أن ما ورد به مكروه وخامسا دليل على إباحة ما ورد به من غير وجول ولا حظر ولا كراهية ولا استحباب. وحقيقة الواجب ما يستحق بتركه العقاب والحرام ما يستحق بفعله العقاب ا. هـ من كتاب أصول الدين. وبمناسبة الكلام عن التكليف يثير أصوليو العقائد وأصوليو الفقه عدداً من المسائل بعضها لا يتوقف عنده وهناك بعض مسائلهم المهمة:

стр. 95

٢ - مسائل في التكليف المسألة الأولى في أهل الفترة: أهل الفترة هم من كانوا في زمن رسل لم يبعثوا إليهم أو كانوا بقية أمل أرسل لأسلافهم رسول ثم اندثر هديه أو حرف وذلك كذرية إسماعيل ﵊ بعد اندثار هديه فهؤلاء في القول الراجح ناجون لأنه لم تبلغهم رسالة رسول بطريق صحيح عن أهل ذلك فلم تقم عليهم بسبب ذلك حجة، وواضح مما مر معنا أنه ما دامت الرسالة الرسول باقية في إطارها الصحيح وبلغت عن طريق صحيح لمن هو مكلف بها فقد قامت عليه الحجة. وعلى هذا نقول: إنه ما دامت رسالة إبراهيم وإسماعيل تصل بطريق صحيح إلى الذين بعثا إليهم فهم مكلفون ومؤاخذون على النكول والتقصير، أما بعد أن ضاعت ولم يبق أحد يبلغها على وجهها الصحيح فإن الناس وقتذاك يكونون أهل فترة، وهم على القول الراجح ناجون، وبناء عليه فإننا نحمل الأحاديث الواردة في عذاب بعض أهل الجاهلية على أنه وصلهم دين إبراهيم وإسماعيل صحيحا ثم حرفوا وبدلوا كما فعل عمرو بن لحي الذي أدخل الأصنام إلى جزيرة العرب، وعلى ضوء هذه القواعد نقول: إن أبوي رسول الله ﷺ ناجيان لأنهما رسالة سابقة ولم يدركا رسول الله ﷺ وما ورد خلاف ذلك فإنه إما مؤول، وإما أنه محمول على توهم عند بعض الرواة فإن روايات صحيحة تعارض ذلك. فحديث مسلم الذي يقول "إن أبي وأباك في النار" قد ورد في صيغة أخرى بإسناد على شرط الشيخين: أن رسول الله ﷺ قال بعد أن ذكر أن أبا السائل في النار: "حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار". كما أن الحديث يحتمل التأويل، فالأب في اللغة يطلق على الأب المباشر والجد ومن قله من الجدد. ومما يدل على وجود فترة: الحديث الذي سبق معانا وفيه: عن الأسود بن سريع، أن رسول الله ﷺ قال: "أربعة يحتجون يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع شيئاً، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في

стр. 96

قبره .... ، .... وأما الذي مات في فترة فيقول ما أتاني لك رسول" (١). ومما يدل على أنهم ناجون قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (١). وأما قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (٢): لا يعني عدم وجود أناس لم يصلهم دين صحيح، فأمة العرب خلا فيهم إبراهيم، وإسماعيل، ولكن دينهم حرف وبدل فمن لم يصله منهم الدين الصحيح لا يؤاخذ ويعتبر من أهل الفترة إلى أن بعث محمد ﷺ . المسألة الثانية: الماتريدية يرون أن الإنسان مكلف بمعرفة الله ولو لم يرسل إليه رسول، والمعتزلة يقولون بان الإنسان مكلف بفعل كل ما يصل إلى حسنه ويترك كل ما يصل العقل إلى حسنه وبترك كل ما يصل العقل إلى قبحه ولو لم يكن رسل، والأشاعرة يرون أنه لا تكليف بأصول أو فروع إلا إذا بعث رسول وتشهد لهم نصوص: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٣). ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (٤). ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (٥). ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى﴾ (٦). ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ﴾ (٧).

стр. 97

المسألة الثالثة: المجنون ليس مكلفا إن بلغ مجنونا واستمر على ذلك حتى مات بخلاف ما لو بلغ عاقلا ثم جن وكان كذلك فهو غير ناج وهو محاسب بعد البلوغ على الفترة التي عقل فيها. المسألة الرابعة: اتفق الأصوليون على أن العبد لا يؤاخذ إلا بما هو في طاقته فلا يؤاخذ بما لا يمكنه فعله ولا يكلف أصلا بأمر مستحيل الوقوع عقلا أو عادة كالجمع بين الضدين. المسألة الخامسة: هل الكفار مخاطبون بالأصول والفروع ومكلفون بها ومحاسبون على الجميع، أو أنهم مكلفون بالأصول فإذا آمنوا كلفوا بالفروع؟ قولان للعلماء، وجمهور العلماء: أن الكفار غير مكلفين بالفروع إلا بعد الإيمان. والمراد بالأصول: أصول العقائد من إيمان بالله وبالرسول وباليوم الآخر إلى غير ذلك، والمراد بالفروع ما ينبثق عن الأصول من أحكام الشريعة كأداء الصلاة والزكاة والصوم والحج وغير ذلك. المسألة السادسة: في مسئولية الطفل والمجنون مالياً: "ولكن يلاحظ أن المجنون وهو فاقد التمييز، والصبي غير المميز مثله تتعلق بهما تكليفات مالية، فإذا أتلف أحدهما شيئاً وجب في ماله، وإذا جنى أحدهما جناية وجبت الدية في مالهما، وقد قرر جمهور الفقهاء أن الزكاة تجب في مالهما، [والحنفية لا يرون ذلك]. وقرر الفقهاء بالإجماع أن زكاة الزرع والثمار تجب من زرعها وثمارهما" أ. هـ. [أصول الفقه - أبو زهرة]. المسألة السابعة: في أولاد المسلمين والمشركين: رأينا أن مما يناط به التكليف: البلوغ، وعلى هذا فما لم يبلغ الإنسان لا يعتبر مكلفا، فإذا مات قبل البلوغ فالمرجو أن يكون ناجياً عند الله، غير أن الشارع أدبنا أن نسكت

стр. 98

عن هذا الموضوع وأن نفوض الأمر فيه لله لأن في السكوت عنه مدعاة لبذل الجهد في الدعوة للصغار وتربيتهم. وفي شأن الصغار ورد عدد من الآثار يلحظ في بعضها ما ذكرناه. وهذه بعض النصوص في ذلك: ١١٤ - * روى مسلم عن عائشة ﵂، قالت: توفي صبي، فقلت: طوبي له، عصفور من عصافير الجنة، فقال رسول الله ﷺ : "أولا تدرين أن الله خلق الجنة، وخلق النار، فخلق لهذه أهلاً ولهذه أهلا". وفي رواية: قالت: دعي رسول الله ﷺ إلى جنازة صبي من الأنصار، فقلت: يا رسول الله، طوبي لهذا، عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء، ولم يدركه، فقال: "أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلاً، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلاً، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم". وأخرج أبو داود والنسائي الثانية، وقالا فيه: طوبي لهذا، لم يعلم سوءاً ولم يدر به (٢). هذا نموذج على ما أدبنا به الشارع في التفويض في أمر الذين يموتون وهم صغار للحكم التي ذكرناها مع أن القواعد تفيد أنهم ناجون ويشهد لذلك الحديث اللاحق: ١١٥ - * روى البزار عن ابن عباس، أن النبي ﷺ عمن في الجنة؟ فقال: "النبي في الجنة والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة والمؤودة في الجنة".

стр. 99

١١٦ - * روى الشيخان وأبو داود والنسائي عن ابن عباس، سئل النبي ﷺ عن أولاد المشركين فقال: "الله إذ خلقهم أعلم بما كانوا عاملين". وهذان النصان يؤكدان فكرة تأديب الشارع للمسلم أن يفوض في أمر الصغار لما يترتب على ذلك من حكم، ومن أمثال هذا أخذ العلماء فكرة أدب الوعظ وأدب العلم، فأدب الواعظ ألا يدخل في تفصيلات تخفف من قوة التأثير والتأثر أو تؤدي إلى إثارة أسئلة عند العامة أو تؤدي إلى تشويش عقائد العامة أو تستدرجهم لمواطن فتنة في الرأي أو في العمل، وأدب العالم مع طلاب العلم أن يدرجهم في التعليم حتى يوصلهم إلى أن يفهموا دقائق العلوم وعويصات المسائل. فأدب الواعظ: ليس كل ما يعلم يقال، وأدب العالم مع طلاب العلم الذين يؤهلون للإمامة في الدين أن يقول لهم كل شيء مع ملاحظة التدرج، وتشهد لذلك كثير من نصوص السنة. كما أخذ العلماء من الأحاديث فكرة الحكم العقلي والحكم الشرعي، والواجب العقلي لله، والواجب الشرعي، فمثلاُ: قالوا: إن قدرة الله صالحة أن تعذب الكافر والمؤمن، فالواجب العقلي أن نعتقد أنه يجوز على الله أن يعذب الكافر والمؤمن، ولكن إذ ورد الشرع أن الله لا يعذب مؤمناً، فقد أصبح الواجب الشرعي أن نؤمن بأن الله لا يعذب مؤمناً ولا يترك كافراً، والأحاديث التي بين أيدينا تدل على هذا المذهب الذي هو مذهب أهل السنة والجماعة، وخالفهم فيها المعتزلة، وهذه من عويصات المسائل التي لا يدركها إلا العلماء المحققون. ويتفرع عنها مسائل كثيرة تذكر في كتاب العقائد. ولنعد إلى موضوعنا: فمن أقوال العلماء في أطفال المشركين ما يلي:

стр. 100

قال البغوي: "لا يحكم لهم بجنة ولا نار بل أمرهم موكول إلى علم الله فيهم كما أفتى رسول الله ﷺ ". وقال ابن القيم: في الاستدلال هذا نظر، فإن النبي ﷺ لم يجب فيهم بالوقف ولمن وكل علم ما كانوا يعلمون إلى الله سبحانه، والمعنى: الله أعلم بما كانوا يعملون لو عاشوا فيعلم القابل المهدي والعامل به والقابل منهم للكفر المؤثر له .... وأنه يعلم منهم ما هم عاملون بتقدير حياتهم". وقال النووي: أجمع من يعتد به من علماء المسلمين على أن من مات من أطفال المسلمين فهو في الجنة". أ. هـ. واخرج البخاري بسنده عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث (١) إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم". أقول: أفلا يكون الأولاد في الجنة خاصة وقد وردت نصوص أنهم يشفعون لآبائهم وأمهاتهم. وقال المحقق الأستاذ شعيب الأرناؤوط في تعليقه على شرح السنة: إن المذهب الصحيح الذهب ذهب إليه المحققون من العلماء وارتضاه جمع من المفسرين والمتكلمين هو أنهم في الجنة واحتجوا بما رواه البخاري في صحيحه من حديث سمرة بن جندب قال: كان رسول الله ﷺ مما يكثر أن يقول لأصحابه: هل رأى أحد منكم رؤيا؟. قال فيقص عليه ما شاء الله أن يقص، وأنه قال لنا ذات غداة: "أتاني الليلة آتيان" .... فذكر حديث، وفيه ... "وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم ﷺ وأما الولدان الذين حوله: فكل مولود مات على الفطرة" قال؟: فقال بعض المسلمين: يا رسول الله وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله ﷺ : "وأولاد المشركين".

стр. 101

ثم نقل آيات تؤكد أن الإنسان لا يعذب إلا كان بالغاً عاقلاً ومختاراً مبلغا: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾. ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾. والأحاديث التي سبق ذكرها (١). المسألة الثامنة: قرر علماء المسلمين أن المطلوبات على نوعين: مطلوبات عينية، ومطلوبات كفائية. فالكفائبة تطالب بها الأمة بمجموعها، والعينية يطالب بها كل فرد على حدة، وتحديد المطلوبات الكفائية والمطلوبات العينية من أهم ما يجب أن يعرفه المسلم، وقد كتبنا في ذلك رسالة ضمناها كتاب (كي لا نمضي بعيداً عن احتياجات العصر) وفي الحقيقة فإن المطلوبات العينية والكفائية هي الجانب العملي في التكليف. * * *

стр. 102

الفصل الثالث في: مباحث في الإسلام والإيمان

стр. 103

الإيمان والإسلام الإيمان في اللغة: هو التصديق. قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ (١) أي وما أنت بمصدقٍ لنا. والإسلام في اللغة معناه التسليم والاستسلام والإذعان. قال تعالى ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (٢) والمطلوب من المكلف أن يكون مؤمناً مسلماً في قلبه ابتداءً، أي مصدقاً بقلبه مذعناً بقلبه ليدخل في أصل الإيمان وأصل الإسلام، فلا إيمان بلا إذعان ولا إذعان بلا تصديق لصحة اسم الإيمان والإسلام، ثم الإيمان الكامل يقتضي تطابقاً بين تصديق الجنان وإقرار اللسان وعمل الجوارح بالأركان، والإسلام الكامل يقتضي إسلام القلب كله لله رب العالمين بالتصديق والتسليم، وإسلام اللسان بالإقرار وعمل الجوارح بالأحكام، ومن ههنا كان الإسلام والإيمان في حدهما الأدنى متطابقين وفي حدهما الأعلى متطابقين. ولذلك نجد نصوصاً تذكر هذا التطابق من مثل قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٣). ﴿يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ (٤). فالمؤمن الحق هو المسلم الحق وهو من آمن بالكتاب والسنة وآمن بالأحكام والأوامر والنواهي المنبثقة عن الكتاب والسنة وأذعن لذلك وصدقت أقواله وأفعاله تصديقه وإذعانه. ولكن من الناحية العملية الناس يتفاوتون، ومن ها هنا تتوضع مباحث شتى حول تعريف الإيمان والإسلام وحقيقة الإيمان والإسلام، وما هو القدر المنجي عند الله من الإيمان والإسلام. ومتى يتطابق الإيمان والإسلام؟ ومتى يتداخلان؟ ومتى بتكاملان؟ وماذا.

стр. 104

يدخل في الإيمان والإسلام؟ وما هي شروط قبول الإيمان والإسلام؟ وإذا كان العمل في الإسلام يتفاوت بين آحاد المتكلفين، فهل التصديق القلبي يتفاوت؟ وهل النور القلبي يتفاوت؟ وهكذا يتوضع حول موضوعي الإيمان والإسلام مسائل شتى منها محل اتفاق بين أهل السنة والجماعة وغيرهم من فريق منشقة عن الجماعة، ومنها ما هو محل اختلاف لفظي، ومنها ما هو محل اختلاف بين أهل السنة والجماعة ونحن إذ تطالب كل مسلم أن يدرس عقائد أهل السنة والجماعة في كتبها وعلى أهلها لا نرغب أن نتوسع في هذه المسائل حتى لا يخرج هذا الكتاب عن مقصوده، ولذلك فإننا نكتفي في ذكر أمهات من المسائل: - المعتزلة يقولون أن الإيمان هو العمل والنطق والاعتقاد، فمن ترك العمل فليس بمؤمن لأنه فقد جزء الإيمان وليس بكافر لوجود التصديق، فهم عندهم بين الكافر والمؤمن ويخلد في النار ويعذب بأقل من عذاب الكافر، والخوارج يكفرون مرتكب الكبائر، وأهل السنة يقولون: من وجد منه التصديق المعهود شرعاً، وهو تصديق النبي بكل ما جاء به، وعلم من الدين بالضرورة مع الإذعان القلبي فقد ثبت له أصل الإيمان ولو لم يرافقه عمل ومآله إلى الجنة وهو في المشيئة إن شاء الله أن يعذبه على نقصان العمل عذبه وإن شاء عفا. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١). وهناك بعض التفصيلات هي محل خلاف بين أهل السنة والجماعة. ومن أدلة محققي أهل السنة والجماعة لهذا المذهب قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ﴾ (٢). ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (٣). ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (٤).

стр. 105

﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ (١). والشروط غير المشروط فدل ذلك على أن الإيمان خير العمل: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ (٢). أثبت أصل الإيمان ولو حدثت مخالفة، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (٣). عطف العمل الصالح على الإيمان والعطف يقتضي المغايرة، ثم إن الله خاطب أهل الإيمان بالعمل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ (٤). فأثبت لهم أصل الإيمان ثم طالبهم بالعمل، فدل ذلك على أن الإيمان غير العمل. والخلاف بين أهل السنة والجماعة وغيرهم أو بين المحققين من أهل السنة من غيرهم يرجع إلى الاستيعاب والاستشراق، ووضع كل نص في محله في الهيكل العام لمضمون الإيمان والإسلام، فهناك الحقيقة والمجاز والنقص، والحد الأدنى والحد الأعلى. - إذا وجد التصديق القلبي دون الإذعان فإن ذلك لا ينفع صاحبه عند الله ، فقد وصف بعض الكافرين بقوله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ (٥). ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٦).

стр. 106

- إذا وجد التصديق والإذعان والقبول ولم ينطق الإنسان بالشهادتين سواء باللغة العربية أو بغيرها من اللغات فإن كل ذلك لمانع كالخرس أو لوجود الموت المفاجئ بعد الإيمان فصاحبه ناج عند الله، وإن اتفق له عدم النطق دون عناد أو إباء فهناك خلاف، فبعضهم قال: لا ينجو عند الله. وبعضهم قال: هو عاصٍ فقط وهو ناجٍ، وكلهم أجمعوا على أننا لا نعامله معاملة المسلمين في الدنيا فلا نزوجه ولا ندفنه في مقابر المسلمين، أما من نطق الشهادتين نفاقاً دون تصديق وإذعان قلبي فذلك لا ينفعه عند الله لأنه منافق، ولكنا نعامله معاملة المسلمين في الأحكام الدنيوية وأما من أبى النطق بالشهادتين عناداً وإباء ولو كان مصدقاً فهو كافر إجماعاً. ومن مباحث كتاب العقائد: زيادة الإيمان ونقصه، وهو خلاف لفظي في النهاية وفي بعض دقائق الموضوع، لأنهم كلهم متفقون بأن أعمال الإسلام يتفاوت الناس فيها، فليست طاعات الأفراد واحدة، والطاعة أثر من آثار الإيمان وكلهم يتفقون على أن ما يرافق هذه الأعمال من معان قلبية متفاوت، ولذلك علاقة بالإيمان والإسلام، وكلهم متفقون بأن إيمان الصديقين أرقى من إيمان غيرهم، وكلهم متفقون على أن نور الإيمان في القلوب يختلف من مكلف لمكلف، ُم إن الفهم الفطري للنصوص يدل على أن الإيمان يزيد. قال تعالى: (وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً) (١). ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ (٢). ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ (٣). ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (٤). ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ (٥).

стр. 107

﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (١). ومن نصوص السنة في هذا الشأن ما يلي: ١١٧ - * روى البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ثم يقول الله تعالى "أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان". ١١٨ - * روى الترمذي عن أنس قوله ﷺ : "يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من إيمان، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من إيمان، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه ذرة من إيمان". وذلك يدل على تفاوت الإيمان في القلوب، فالذرة دون البرة، والبرة دون الشعيرة. - إذا أراد كافر أن يدخل في الإسلام، فباب الدخول هو النطق بالشهادتين، وهل يشترط التلفظ بكلمة (أشهد) في الشهادتين أو مرادفه، قولان للعلماء، والاحتياط النطق بهما. - قد يصل بعض الكفار إلى التوحيد وأصل الرسالة مع بقائهما على معتقدٍ كفري كالقول بعدم العالم أو كالقول بخصوصية الرسالة المحمدية للعرب، أو كالقول أن التكليف بالإسلام كله للجيل الأول فقط، فهذا وأمثاله لا يخرج الإنسان عن الكفر ولو نطق بالشهادتين. - هناك من يدعي الإسلام وعنده نواقض للشهادتين يتستر عليها، كطوائف الباطنية والزنادقة والوجوديين والماديين وأمثال هؤلاء فهؤلاء إذا تابوا وأرادوا الدخول في الإسلام

стр. 108

حقاً فلابد أن يتبرأوا من معتقداتهم هذه. إذا عرفت ما مر أدركت بعض جوانب ما يجب عليك من إيمان وإسلام، ثم من تصديق اللسان والأعمال للإيمان والإسلام، ثم التحقق لكمال الإسلام والإيمان والقلبيين والعلميين، وفي عصرنا المليء بالفتن لابد أن تحذر من الكفر ونواقض الشهادتين، وهذا كله يقتضي علماً ليعرف المكلف أن يضع كل شيء في محله، فبدون العلم المحيط بنصوص الكتاب والسنة والعلوم التي انبثقت عنها كعلوم أصول الفقه والعقائد والفقه والسلوك، فإن الإنسان قد يهجم على المكفرات وهو لا يدري، وقد يهجم على تكفير الناس وهم مؤمنون، وقد يثبت لهم الإيمان وهم كافرون، وقد يستحل دمائهم وهي معصومة، وقد يرى عصمة دمائهم وحكمهم القتل، فالعلم العلم على أصول أهل السنة والجماعة ومذاهبهم فإنه باب النجاة. * * *

стр. 109

تحقيقات للعلماء في الإسلام والإيمان: وإليك ما قاله العلماء في تحقيق بعض ما مر معنا: قال النووي: فأما الزهري فقال: الإسلام الكلمة، والإيمان العمل، واحتج بقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾. وذهب غيره إلى أن الإسلام والإيمان شيء واحد واحتج بقوله تعالى ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ قال الخطابي: وقد تكلم في هذا الباب رجلان من كبراء أهل العلم وصار كل واحد منهما إلى قول من هذين، ورد الآخر منهما على المتقدم وصنف عليه كتاباً يبلغ عدد أوراقه المئتين. قال الخطابي: والصحيح من ذلك أن يقيد الكلام في هذا ولا يطلق، وذلك أن المسلم قد يكون مؤمناً في بعض الأحوال ولا يقيد الكلام في هذا ولا يطلق، وذلك أن المسلم قد يكون مؤمناً في بعض الأحوال ولا يكون مؤمناً في بعضها، والمؤمن مسلم في جميع الأحوال فكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمناً، وإذا حملت الأمر على هذا استقام لك تأويل الآيات واعتدل القوم فيها ولم يختلف شيء منها. وأصل الإيمان التصديق وأصل الإسلام الاستسلام والانقياد فقد يكون المرء مستسلماً في الظاهر غير منقاد في الباطن وقد يكون صادقاً في الباطن غير منقاد في الظاهر. وقال الخطابي أيضاً في قول النبي ﷺ "الإيمان بضع وسبعون شعبة": في هذا الحديث بيان أن الإيمان الشرعي اسم لمعنى ذي شعب وأجزاء له أدنى وأعلى، والاسم يتعلق ببعضها كما يتعلق بكلها، والحقيقة تقتضي جميع أجزائها وتستوفي جملة أجزائه كالصلاة الشرعية لها شعب وأجزاء والاسم يتعلق ببعضها والحقيقة تقتضي جميع أجزائها وتستوفيها، ويدل عليه قول ﷺ "الحياء شعبة من الإيمان" وفيه إثبات التفاضل في الإيمان وتباين المؤمنين في درجاته. هذا آخر كلام الخطابي. وقال الإمام أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي الشافعي ﵀ في حديث سؤال جبريل ﷺ عن الإيمان والإسلام وجوابه قال: جعل النبي ﷺ الإسلام اسماً لما ظهر من الأعمال وجعل الإيمان اسماً لما بطن من الاعتقاد وليس ذلك لأن الأعمال ليست من الإيمان والتصديق بالقلب ليس من الإسلام بل ذلك تفصيل لجملة هي كلها شيء واحد وجماعها الدين وذلك

стр. 110

قال ﷺ "ذاك جبريل أتاكم يعلمكم دينكم" والتصديق والعمل يتناولهما اسم الإيمان والإسلام جميعاً يدل عليه قوله ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ فأخبر أن الذين الذي رضيه ويقبله من عباده هو الإسلام ولا يكون الدين في محل القبول والرضا إلا بانضمام التصديق إلى العمل. أ. هـ. وقال للنووي أيضاً: وفي كتاب التحرير في شرح صحيح مسلم لأبي عبد الله التميمي: الإيمان في اللغة هو التصديق فإن عنى به ذلك فلا يزيد ولا ينقص لأن التصدق ليس شيئاً يتجزأ حتى يتصور كماله مرة ونقصه أخرى، والإيمان في لسان الشرع هو التصديق بالقلب والعمل بالأركان. وإذا فسر بهذا تطرق إليه الزيادة والنقص وهو مذهب أهل السنة. قال: فالخلاف في هذا على التحقيق إنما هو أن المصدق بقلبه إذا لم يجمع إلى تصديق العمل بمواجب الإيمان هل يسمى مؤمناً مطلقاً أم لا؟ والمختار عندنا أنه لا يسمر به قال رسول الله ﷺ "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" لأنه لم يعمل بموجب الإيمان فيستحق هذا الإطلاق. هذا آخر كلام صاحب التحرير. وقال الإمام أبو الحسن علي بن خلف بن بطال المالكي في شرح صحيح البخاري: مذهب جماعة أهل السنة من سلف الأمة وخلفها أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، والحجة على زيادته ونقصانه ما أورده البخاري من الآيات يعني قوله ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ وقوله تعالى ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ وقوله تعالى ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ وقوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ وقوله تعالى ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ وقوله تعالى ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ وقوله تعالى ﴿فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ وقوله تعالى ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ قال ابن بطال فإيمان من لم تحصل له الزيادة نقص. قال: فإن قيل الإيمان في اللغة التصديق فالجواب أن التصديق يكمل بالطاعات كلها فما ازداد المؤمن من أعمال البر كان إيمانه أكمل وبهذه الجملة يزيد الإيمان وينقصانها ينقص، فمتى نقصت أعمال البر نقص كمال الإيمان ومتى زادت زاد الإيمان كمالاً. هذا توسط القول في الإيمان وأما التصديق بالله تعالى ورسول ﷺ فلا ينقص
следующие страницы →