← Акыда

Акыда · id 18338

الأساس في السنة وفقهها - العقائد الإسلامية

سعيد حوى

Полный текст (1 514 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

وقيل: لا علم لنا إلى جنب علمك أو لا علم لنا بما احدثوا بعدنا وإنما الحكم للخاتمة اهـ. (تفسير البيضاوي). ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ (١). ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ (٢). ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا * يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ (٣). قوله تعالى ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ المراد بالشهيد هنا: نبي الأمة فهو يشهد عل إجابة أمته، ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ الخطاب للرسول ﷺ والمراد بكلمه هؤلاء إما أمته وإما الأنبياء جميعا وإما المؤمنون ممن استجاب له فإنه يشهد لهم وإما الكفرة. والآية تدل على أن للأنبياء عليهم الصلاة والسلام شهادة على أقوامهم أنهم بلغوهم رسالات الله. ﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (٤). ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾] (٥). قوله تعالى ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ أي على النار ﴿خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ متذللين متقاصرين مما يحلقهم من الذل ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ أي يبتدئ نظرهم إلى النار من تحريك لأجفانهم ضعيف، وقد رأينا وسنرى أن النار يؤتى بها إلى المحشر كما رأينا أن الكافرين يعرضون على النار في أحد مواقف يوم القيامة والآيات التي تدل على أن هناك حالات يبصر بها الكافرون يوم القيامة تشير إلى أن للكافرين بالنسبة للإبصار والصم البكم حالات يوم القيامة فتارة ينطقون ويسمعون ويبصرون وأخرى لا يكون لهم ذلك، ويوم

стр. 1157

القيامة طويل وأحواله كثيرة. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ * وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ * اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ (١). قوله تعالى ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ إنكار لما اقترفوه لأنه مدون في صحائف أعمالكم تشهد عليه جوارحكم. ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٢). هناك بياض وسواد خلقيان في الدنيا فهذا وهذا لا يقربان من الله او يبعدان بل العبرة في الدنيا والآخرة للتقوى، وأما السواد الذي يصيب الكافرين يوم القيامة فإنه عقوبة لهم والبياض إكرام لأهل الإيمان وجعل بعضهم النص على ظاهره لكن البيضاوي في تفسيره قال البياض والسواد كنايتان عن ظهور بهجة السرور وكآبة الخوف فيه وقيل يوسم أهل الحق ببياض الوجه والصحيفة وإشراق البشرة وسعى النور بين يديه ويمينه وأهل الباطل بأضداد ذلك ا. هـ (تفسير البيضاوي). ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ (٣). ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ * بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ (٤).

стр. 1158

﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ * إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ * لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾ (١). قوله تعالى ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾: دليل على أن من عبد من دون الله مآله النار إلا من عبد وهو كاره فهذا تحدثت عنه الآية اللاحقة ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾، و ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ وهو ما يرمى به إليها وتهيج به وهذه الآية تشبه الآية ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (٢). ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (٣). ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ * قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ * وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ * وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ * فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ (٤). ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ * وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٥). في هذا المشهد ثلاثة خطابات للكافرين من الله تعالى خطاب يسألهم فيه عما أشركوا وخطاب يسألهم فيه عما أجابوا المرسلين وخطاب يسألهم فيه مرة أخرى عما أشركوا وفي الخطاب الأول يتبرأ الشياطين والمعبودون ممن أشرك بهم وفي الخطاب الثاني يتحير الكافرون بماذا يجيبون وفى الخطاب الثالث يطلب من الأنبياء أن يشهدوا على أقوامهم وعلى تبليغهم رسالات الله وهذه الخطابات تكون بعد شفاعة نبينا ﷺ لفصل الخطاب وبعد أن تتميز

стр. 1159

الأمم عن بعضها بعضا والله أعلم. ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى * وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ (١). ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ (٢). ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ * وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ * فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ * قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ * فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ * فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣). قوله تعالى ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي قربت بحيث يرونها ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾ أي أظهرت حتى يروها والمعروف أن النار يؤتى بها إلى المحشر وكذلك الجنة ولكن الجنة تكون بعد النار والعبور إليها يكون على الصراط، والجنة والنار مرئيتان لأهل الموقف. وقوله تعالى ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا﴾ أي في النار (هم والغاوون) أي الضالون والمراد بالكبكبة تكرير الكب حتى يستقروا في قعرها. والضمير (هم) يعود عل الآلهة المعبودة من دون الله فهم وعبادهم يكبكبون في النار هذه الكبكبة الهائلة. ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ

стр. 1160

الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾ (١). من المعلوم أنه بعد الشفاعة بفصل الخطاب وبعد العرضتين اللتين يكون فيها جدال ومعاذير تطير صحف الأعمال فالمؤمنون يأخذونها بأيمانهم والكافرين يأخذونها بشمالهم وقوله تعالى ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ أي اجعلوا الأغلال في عنقه ويديه ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ أي أدخلوه أو احرقوه فيها، ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ قال البيضاوي: "أي أدخلوه فيها بأن تلفوها على جسده وهو فيها بينها مرهق لا يقدر على حركه"، والغسلين: صديد أهل النار. ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٢). الآية الأولى تدل على أن أهل الإيمان آمنون مما يصيب الكافرين من هلع وفزع وجزع وإهانة وسوء مصير. ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ * انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ * لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ * إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ * كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (٣). قوله تعالى ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ أي إلى النار ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾ أي إلى ظل دخان جهنم وهو يتشعب لعظمه وهو كقوله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾ (٤)، وللتأكيد على أن ظل الدخان فيه مزيد من العذاب قال ﴿لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾، وقوله تعالى عن النار ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ الشرر هو ما تطاير من النار متفرقاً، كالقصر: كالبناء المشيد في العظم والارتفاع ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ كأن الشرر إبل سود في الكثرة والتتابع وسرعة الحركة واللون. -وتطلق العرب على الجمل الأسود الأصفر (الجمالة) جمع جمل.

стр. 1161

﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ * وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (١). قوله تعالى ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾ معناه أي بما لا ينفع أو لا ينطقون أصلا ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ لأنه لا محل لاعتذارهم بعد ما فعلوه. والظاهر أن عدم النطق وعدم السماح بالاعتذار يكون في بعض المواقف وإلا فقد أخبرنا الله أن كل نفس تجادل عن نفسها: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾ (٢)، ولكن هناك مرحله في الموقف لا محل فيها لنطق أو اعتذار لهيبة الموقف وهناك مرحلة ينتهي فيها النطق والاعتذار لأن الحجج قد قامت على أهل النار من جهات متعددة فلا فائدة في نطق ولا اعتذار. ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ * فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (٣). ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ أي بين الحق والمبطل. ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ (٤). يرى المؤمنون الله في عرصات القيامة كما يرونه في الجنة والظاهر أن الآية تتحدث عن رؤيته في عرصات القيامة بدليل ما بعد ذلك وقوله تعالى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ أي بهية متهللة، ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ﴾ أي شديدة العبوس. ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ أي تتوقع داهية تكسر فقار الظهور. ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ (٥). ﴿الصَّاخَّةُ﴾ أي النفخة، ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ أي مضيئة ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ أي

стр. 1162

غبار وكدورة ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ أي يغشاها سواد وظلمه. ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (١). ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا * ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا * ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا * وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ (٢). وقوله تعالى ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ﴾ أي لنحشرن كل كافر مع شيطانه مقرونا به. ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ الظاهر أن هذا يكون لجميع الخلق ليزداد السعيد سعادة بأن أنجى من هذه النار ويزداد الكافر هولا بما يرى من مال ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾ أي من كل أمة ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ أي أكثر عصيانا فنطرحهم فيها ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا﴾ أي أولى بالعذاب بالنار ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ الكافرون يردونها مسجونين فيها أبدًا وعصاة المؤمنين يسجنون فيها مؤقتا والمؤمنون يردون عليها فوق الصراط في طريقهم إلى الجنة، ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ كان ورودهم واجبًا أوجبه الله على نفسه وقضى بأن وعد به وعدًا لا يمكن خلفه وقيل أقسم عليه. ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ بأن يعبروا إلى الجنة ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ أي باركين على الكرب كما كانوا جاثين حولها والظاهر أن الآيات تتحدث عن مشهد من مشاهد يوم القيامة وذلك بعد الحساب والميزان فإن الجميع يؤخذ بهم حتى يجثوا حول النار فيشاهدوها عن قرب. ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ) (٣). هذا المشهد يكون بعد أن تميز الأمم عن بعضها بعضًا ويرى المؤمنون ربهم ويتعرفون عليه فعندئذ يسجد أهل الإيمان ويريد أهل النفاق أن يسجدوا فلا يستطيعون وذلك بعد

стр. 1163

الشفاعة لفصل الخطاب. ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ (١). ﴿نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ أي من الحياء والخزي قائلين: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ أي أبصرنا ما وعدتنا وسمعنا منك تصديق رسلك والظاهر أن هذا المشهد يكون بعد أن تقوم عليهم الحجة بشهادة الملائكة والنبيين والأعضاء.

стр. 1164

٢ - نصوص حديثية ١١٨٠ - * روى البخاري ومسلم عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يحشر الناس يوم القيامة على ثلاث طرائق: راغبين وراهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، وتحشر بقيتهم النار، تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسى معهم حيث أمسوا". أقول: هذه النار التي تحشر الناس إلى الموقف غير النار التي مر ذكرها معنا على أنها آخر أشراط الساعة فتلك تكون قبل قيام الساعة. ١١٨١ - * روى الترمذي عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ "يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف: صنفا مشاة، وصنفا ركبانا، وصنفا على وجوههم"، قيل: يا رسول الله، وكيف يمشون على وجوههم؟ قال: "إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم، أما إنهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك". ١١٨٢ - * روى الترمذي عن بهز بن حكيم ﵀ عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنكم تحشرون رجالاً وركبانا، وتجرون على وجوهكم".

стр. 1165

١١٨٣ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ أن رجلا قال: يا رسول الله، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ (٢) أيحشر الكافر على وجهه؟ قال رسول الله ﷺ : "أليس الذي أمشاه على رجليه في الدنيا قادر على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة؟ " قال قتادة حين بلغه: بلى، وعزة ربنا. ١١٨٤ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول لله ﷺ : "يبعث كل عبد على ما مات عليه". ١١٨٥ - * روى الطبراني عن جرير عن النبي ﷺ قال: "من يتزود من الدنيا ينفعه في الآخرة". ١١٨٦ - * روى أبو يعلى عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "أنتم الغر المحجلون". ١١٨٧ - * روى أحمد عن عبد الله بن عمرو قال: كنت عند رسول الله ﷺ يوما وطلعت الشمس فقال: "يأتي قوم يوم القيامة نورهم كنور الشمس" قال أبو بكر: نحن هم يا رسول الله؟ قال: "لا ولكم خير كثير، ولكنهم الفقراء المهاجرون الذين يحشرون من أقطار الأرض".

стр. 1166

أقول: الخصوصية لا تقتضي الأفضلية، فالذين ذكروا ليس أفضل من أبى بكر ولكن لهم خصوصية. ١١٨٨ - * روى الطبراني عن أبى أمامة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا كان يوم القيامة قامت ثلة من الناس يسدون الأفق، نورهم كالشمس، فيقال: النبي الأمي فيتحشحش لها كل نبي فيقال محمد وأمته، ثم تقوم ثلة أخرى تسدما بين الأفق، نورهم مثل كل كوكب في السماء فيقال النبي الأمي فيتحشحش لها كل نبي ثم يحثى حثيتين فيقال: هذا لك يا محمد وهذا منى لك يا محمد ثم يوضع المزان ويؤخذ في الحساب". ١١٨٩ - * روى أبو يعلى عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "رأيت الناس جمعوا للحساب". ١١٩٠ - (٣) روي الطبراني عن ابن مسعود قال: "إنكم مجموعون بصعيد واحد ينفذكم البصر وتسمعون الداعي". ١١٩١ - * روى البزار عن سمرة بن جندب أن رسول الله ﷺ كان يقول لنا: "إنكم تحشرون إلى بيت المقدس ثم تجتمعون يوم القيامة". أقول: من المعلوم أن نار عدن التي تخرج قبيل الساعة تحشر الناس إلى الشام فالنص يحتمل الإشارة إلى هذا ويحتمل الإشارة إلى ما يحدث من اجتماع المؤمنين في مرحلة نزول المسيح ﵇ ويحتمل الحشر بعد البعث وفي كل الأحوال فإن مركز الحشر بلاد الشام ومركز بلاد الشام بيت المقدس.

стр. 1167

١١٩٢ - * روى البخاري ومسلم عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء، كقرصة النقي ليس فيها علم لأحد". وفي رواية (١) إلى قوله (كقرصة النقي) ثم قال: قال سهل، أو غيره "ليس فيها معلم لأحد". ١١٩٣ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يحشر الناس حفاة عراة غرلا" قالت عائشة، فقلت: الرجال والنساء جميعا ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: "الأمر أشد من أن يهمهم ذلك". وفى رواية (٢) "من أن ينظر بعضهم إلى بعض". وللنسائي (٣) في أخري قال: "لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه". ١١٩٤ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يخطب على المنبر يقول: "إنكم ملاقو الله حفاة عراة غرلا" وزاد في رواية (٤) في أوله: "مشاة" وزاد في رواية (٥): قال سفيان هذا مما يعد أن ابن عباس

стр. 1168

سمعه من النبي ﷺ . وفي أخرى (١) قال: قام فينا رسول الله ﷺ بموعظة، فقال: "يا أيها الناس إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلاً ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (٢) إلا إن أول الخلائق يكسى يوم القيامة: إبراهيم ﵇، ألا وإنه سيجاء برجال من أمتي، فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: يا رب، أصحابي، فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ -إلى قوله- ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٣) قال: "فيقال لي: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم". زاد في رواية (٤): "فأقول: فسحقاً، فسحقاً". أقول: هذا النص محمول على من ارتد من أصحابه بعد وفاته وقتل وهو مرتد وهؤلاء الذين حدث لهم ذلك ناس قليلون من جفاة الأعراب الذين لم يتأثروا بالتربية النبوية وسمير معنا هذا الموضوع بمناسبة الكلام عن الحوض وننقل هناك بعض ما ذكره ابن حجر حوله. ١١٩٥ - * روى البخاري ومسلم عن نافع مولي ابن عمر عن ابن عمر ﵁ من النبي ﷺ : ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٥) قال: "يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه".

стр. 1169

١١٩٦ - * روى مسلم عن المقداد الأسود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق، حتى تكون منهم كمقدار الميل" زاد الترمذي "أو اثنين" قال سليم بن عامر: فو الله ما أدري ما يعنى بالميل: أمسافة الأرض، أو الميل الذي تكحل به العين؟ - قال: "فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاما" وأشار رسول الله ﷺ بيده إلى فيه. وفي رواية الترمذي (١) قال: "فتصهرهم الشمس، فيكونون في العرق كقدر اعمالهم" ... الحديث. أقول: مر معنا من قبل أن الشمس والقمر يكوران يوم القيامة وهذا يفيد أن شمسنا الحالية لا تبقى فالشمس المذكورة في الحديث شمس أخرى والله أعلم فأمر القيامة غيب. ١١٩٧ - * روى البخاري ومسلم عن أبى هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يعرق الناس يوم القيامة، حتى يذهب في الأرض عرقهم سبعين ذراعا، وإنه يلجمهم حتى يبلغ آذانهم". ١١٩٨ - * روى الطبراني في الأوسط عن عبد العزيز العطار عن أنس بن مالك لا أعلمه إلا رفعه قال "لم يلق ابن آدم شيئا منذ خلقه الله أشد عليه من الموت

стр. 1170

أهون مما بعده وإنهم ليقلون من هول ذلك اليوم شدة حتى يلجمهم العرق حتى إن السفن لو أجريت فيه لجرت". ١١٩٩ - * روى مسلم عن عبدالله بن مسعود رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يؤتى بالنار يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها". ١٢٠٠ - * روى البخاري ومسلم عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "يجمع الله الناس يوم القيامة، فيهتمون لذلك" وفى رواية: "فيلهمون لذلك فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا، حتى يريحنا من مكانتنا هذا؟ " قال: "فيأتون آدم فيقولون: أنت آدم أبو الخلق، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك. اشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيقول: لست هناكم، فيذكر خطيئته التي أصاب. فيستحي ربه منها، ولكن ائتوا نوحا أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض" قال: "فيأتون نوحا، فيقول: لست هناكم، فيذكر خطيئته التي أصاب، فيستحي ربه منها، ولكن ائتوا إبراهيم الذي اتخذه الله خليلا، فيأتون إبراهيم، فيقول: لست هناكم، وذكر خطيئته التي أصاب، فيستحى ربه منها، ولكن ائتوا موسى الذي كلمه الله وأعطاه التوراة" قال: "فيأتون موسى، فيقول: لست هناكم ويذكر خطيئته التي أصاب، فيستحي ربه منها، ولكن ائتوا عيسى روح الله وكلمته فيأتون عيسى روح الله وكلمته، فيقول: لست هناكم، ولكن ائتوا محمد، عبدا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر" قال: قال رسول الله ﷺ : "فيأتونني، فاستأذن على ربى، فيؤذن لي، فإذا رأيته وقعت ساجدا، فيدعني ما شاء الله، فيقال: يا محمد، ارفع، قل يسمع، سل تعطه اشفع تشفع، فأرفع رأسي، فأحمد ربى

стр. 1171

بتحميد يعلمنيه ربي، ثم أشفع، فيحد لي حدا، فأخرجهم من النار، وأدخلهم الجنة، ثم أعود فأقع ساجدًا، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال لي: ارفع يا محمد، قل يسمع، سل تعطه، اشفع تشفع، فأرفع رأسي، فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع، فيحد لي حداً، فأخرجهم من النار، وأدخلهم الجنة" قال: فلا أدري في الثالثة أو في الرابعة "فأقول: يا رب، ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن" أي وجب عليه الخلود. أقول: بدأ الحديث يذكر طلب الشفاعة لفصل القضاء، ثم ذكر الشفاعة للإخراج من النار ودخول الجنة، فالحديث طوى ما حدث من شفاعة لفصل الخطاب لأنها قد حصلت وذكر شفاعات أخرى لأن السامع يفهم ذلك من سياق الخطاب. قال ابن كثير في توضيح هذا المعنى في كتابه النهاية: والعجب كل العجب من إيراد الأئمة لهذا الحديث من أكثر طرقه لا يذكرون أمر الشفاعة الأولى في أن يأتي الرب لفصل القضاء كما ورد هذا في حديث الصور كما تقدم وهو المقصود في هذا المقام، ومقتضى سياق أول الحديث أن الناس إنما يستغيثون إلى آدم فمن بعده من الأنبياء طمعًا في أن يفصل بين الناس ويستريحوا من مقامهم ذلك كما دلت عليه سياقاته من سائر طرقه فإذا وصلوا إلى المحشر فإنما يذكرون الشفاعة في عصاة الأمة وإخراجهم من النار، وكان مقصود السلف في الاقتصار على هذا المقدار من الحديث هو الرد على الخوارج ومن تابعهم من المعتزلة الذين أنكروا خروج أحد من النار بعد دخولها يذكرون هذا القدر من الحديث الذي فيه النص الصريح في الرد عليهم فيما ذهبوا إليه من البدعة المخالفة للأحاديث. اهـ. ١٢٠١ - * روى البزار موقوفا عن حذيفة قال: يجمع الله الناس في صعيد واحد ولا تكلم نفس فأول من -أحسبه قال- يتكلم محمد ﷺ فيقول: "لبيك وسعديك والخير في يديك والشر ليس إليك والمهدي من هديت وعبدك بين يديك

стр. 1172

ومنك وإليك لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك تباركت وتعاليت سبحانك رب البيت" فهذا قوله ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾. ١٢٠٢ - * روى أحمد عن كعب بن مالك عن النبي ﷺ قال: "يبعث الناس يوم القيامة فأكون أنا وأمتي على تل ويكسوني ربي حلة خضراء ثم يؤذن لي فأقول ما شاء الله أن أقول فذلك المقام المحمود". أقول: المقام المحمود هو الذي يشفع فيه رسول الله ﷺ لأهل الموقف بعد طول الوقوف ليفصل الله في شأنهم وهذه الشفاعة هي التي تسمى شفاعة فصل الخطاب ولرسول الله ﷺ شفاعتان بعدها تكونان بعد أن يلجأ الناس إلى الأنبياء، فيحال الأمر عليه، وهي الشفاعة لجواز الصراط، والشفاعة لدخول الجنة وله مع ذلك ست شفاعات أخرى سنراها والشفاعات الثلاثة الأولى كلها تدخل تحت ما يسمى المقام المحمود. ١٢٠٣ - * روى الطبراني عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : "إن شئتم أنبأكم بأول ما يقول الله للمؤمنين يوم القيامة وبأول ما يقولون". قالوا: نعم قال: "إن الله يقول للمؤمنين: هل أحببتم لقائي؟ فيقولون: نعم يا ربنا، فيقول: لم؟ فيقولون: رجونا رجمتك وعفوك. فيقول: فقد وجبت لكم رحمتي". ١٢٠٤ - * روى الترمذي عن عمرة بن شعيب ﵀ عن أبيه عن جده: أن رسول الله ﷺ قال: "يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يساقون إلى سجن في جهنم، يقال

стр. 1173

له: بولس، تعلوهم نار الأنيار، يسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال". ١٢٠٥ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أول من يدعى يوم القيامة: آدم ﵇، فتراءى ذريته، فيقال لهم: هذا أبوكم آدم؟ فيقول: لبيك وسعديك، فيقول: أخرج بعث جهنم من ذريتك، فيقول: يا رب، كم أخرج؟ فيقول: اخرج من كل مائة تسعة وتسعين"، فقالوا: يا رسول الله، إذا أخذ منا من كل مائة تسعة وتسعون فماذا يبقى ما؟ قال: "إن أمتي في الأمم كالشعرة البيضاء في الثور الأسود". ١٢٠٦ - * روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "يقول الله يوم القيامة: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك" زاد في رواية: "والخير في يديك فينادى بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار، قال: يا رب، وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، فحينئذ تضع الحامل حملها، ويشيب الوليد ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ " (١) فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم. زاد بعض الرواة (٢): قالوا: يا رسول الله، أينا ذلك الرجل؟ فقال رسول الله ﷺ : "من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون، ومنكم واحد -ثم أنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور الأبيض، أو كالشعرة البيضاء في

стр. 1174

جنب الثور الأسود". وفي رواية (١): "أو كالرقمة في ذراع الحمار- وإني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة"، فكبرنا، ثم قال: "ثلث أهل الجنة" فكبرنا، ثم قال: "شطر أهل الجنة" فكبرنا. ١٢٠٧ - * روى البخاري عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول الله: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك، والخير في يدي". قال: "يقول: أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، فذاك حين يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكرى وما هم بسكرى ولكن عذاب الله شديد". فاشتد ذلك عليهم فقالوا: يا رسول الله أينا ذلك الرجل؟ قال: "أبشروا، فإن من يأجوج ومأجوج ألفا ومنكم رجل". ثم قال: "والذي نفسي بيده، إني لأطمع أن تكونوا ثلث أهل الجنة". قال فحمدنا الله وكبرنا. ثم قال: "والذي نفسي بيده، إني لأطمع أن تكونوا شطر أهل الجنة إن مثلكم في الأمم كمثل الشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالرقمة في ذراع الحمار". قال ابن حجر في فتح الباري: قوله (أخرج بعث النار) ... معناها هنا ميز أهل النار من غيرهم، وإنما خص بذلك آدم لكونه والد الجميع ولكونه كان قد عرف أهل السعادة من أهل الشقاء، فقد رآه النبي ﷺ ليلة الإسراء وعن يمينه أسودة ... وعن شماله أسودة الحديث كما تقدم في حديث الإسراء، وقد أخرج ابن أبي الدنيا من مرسل الحسن قال: يقول الله لآدم: يا آدم أنت اليوم عدل بيني وبين ذريتك، قم فانظر ما يرفع إليك من أعمالهم ... وفي التوفيق بين العددين من كل ألف واحد ومن كل مائة واحد قال الكرماني: والمقصود

стр. 1175

من العددين واحد وهو تقليل عدد المؤمنين وتكثير عدد الكافرين اهـ. قلت: ومقتضى كلامه الأول تقديم حديث أبي هريرة على حديث أبي سعيد فإنه يشتمل على زيادة، فإن حديث أبي سعيد يدل على أن نصيب أهل الجنة من كل ألف واحد، وحديث أبي هريرة يدل على عشرة فالحكم للزائد، ومقتضى كلامه الأخير أن لا ينظر إلى العدد أصلا بل القدر المشترك بينهما ما ذكره من تقليل العدد، وقد فتح الله تعالى في ذلك بأجوبة أخر وهو حمل حديث أبي سعيد ومن وافقه على جميع ذرية آدم فيكون من كل ألف واحد، وحمل حديث أبي هريرة ومن وافقه على من عدا يأجوج ومأجوج فيكون من كل ألف عشرة، ويقرب ذلك أن يأجوج ومأجوج ذكروا في حديث أبي سعيد دون حديث أبي هريرة، ويحتمل أن يكون الأول يتعلق بالخلق والثاني بخصوص هذه الأمة، ويقربه قوله في حديث أبي هريرة "إذا أخذ منا" لكن في حديث ابن عباس "وإنما أمتي جزء من ألف جزء" ويحتمل أن تقع القسمة مرتين مرة من جميع الأمم قبل هذه الأمة فيكون من كل ألف واحد ومرة من هذه الأمة فقط فيكون من كل ألف عشرة، ويحتمل أن يكون المراد ببعث النار الكفار ومن يدخلها من العصاة فيكون من كل ألف تسعمائة وتسعون كافرًا ومن كل مائة تسعة وتسعون عاصيًا والعلم عند الله تعالى. قوله (فذاك حين يشيب الصغير وتضع، وساق إلى قوله شديد) ظاهرة: أن ذلك يقع في الموقف، وقد اسشكل بأن ذلك الوقت لا حمل فيه ولا وضع ولا شيب، ومن ثم قال بعض المفسرين: إن ذلك قبل يوم القيامة، لكن الحديث يرد عليه، وأجاب الكرماني بأن ذلك وقع على سبيل التمثيل والتهويل، وسبق إلى ذلك النووي فقال: فيه وجهان للعلماء فذكرهما وقال: التقدير أن الحال ينتهي إلى أنه لو كانت النساء حينئذ حوامل لوضعت: كما تقول العرب: وأصابنا أمر يشيب منه الوليد، وأقول: يحتمل أن يحمل على حقيقته، فإن كل أحد يبعث على ما مات عليه فتبعث الحامل حاملًا والمرضع مرضعة والطفل طفلًا، فإذا وقعت زلزلة الساعة، وقيل ذلك لآدم ورأى الناس آدم وسمعوا ما قيل له وقع بهم من الوجل ما يسقط معه الحمل ويشيب له الطفل وتذهل به المرضعة). اهـ (الفتح).

стр. 1176

أقول: وقع في رواية أبي هريرة (أول من يدعى يوم القيامة آدم ﵇: هذه الأولية هنا تحتمل الأولية المطلقة وتحتمل الاولية النسبية فإن كان المراد الأولية المطلقة فذلك يكون حين يميز أهل النار من أهل الجنة في الموقف قبل الحساب والميزان وإقامة الحجج، وإن كان المراد الأولية النسبية وهي ما تدل عليه النصوص التي تذكر خطاب الله لرسولنا ﵊ آذنا له بالشفاعة لفصل الخطاب، فذلك يكون في موقف من مواقف يوم القيامة وذلك بعد أن يتم الحساب والميزان وعندئذ ينادى آدم ليخرج بعث النار، وهذا الذي أرجحه في هذا المقام، وهذه النصوص الواردة في بعث النار تدل على كثرة يأجوج ومأجوج بالنسبة لسكان الأرض، وهذا يرجح ما ذكرناه أثناء الكلام عن يأجوج ومأجوج ويرد على من يزعم أن سد يأجوج ومأجوج لا زال موجودًا يحجزهم عن الخروج وأنهم وإياه في مكان ما على الأرض لا زال مجهولًا، فهذا يتعارض تعارضًا صريحًا مع الواقع المعروف ومع هذه النصوص، ثم إن النصوص القرآنية الواردة في يأجوج ومأجوج لا تفيد ما يذكره هؤلاء بل هي محمولة على ما اتجهنا إليه دون تكلف. ١٢٠٨ - * روى أحمد عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: "إن الله يقول يوم القيامة لآدم ﵇: قم فجهز من ذريتك تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار، وواحدًا إلى الجنة"، فبكى أصحابه وبكوا ثم قال لهم رسول الله ﷺ : "ارفعوا رؤوسكم فو الذي نفسي بيده ما أمتي في الأمم إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود" فخفف ذلك عنهم. ١٢٠٩ - (٢) روي أبو يعلي عن أنس قال: نزلت ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ إلى قوله ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ على النبي ﷺ في مسير له فرفع بها صوته حتى ثاب إليه أصحابه، فقال: "أتدرون أي يوم هذا؟ يوم يقول الله لآدم: قم فابعث بعثًا إلى النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار، وواحدًا إلى الجنة" فكبر ذلك

стр. 1177

على المسلمين فقال النبي ﷺ : "سددوا وقاربوا وأبشروا فو الذي نفسي بيده ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير أو كالرقمة في ذراع الدابة. إن معكم لخليقتين ما كانتا في شيء قط إلا كثرتاه: يأجوج ومأجوج ومن هلك من كفرة الجن والإنس". ١٢١٠ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يخرج عنق من النار يوم القيامة، له عينان تبصران، وأذنان تسمعان، ولسان ينطق، يقول: إني وكلت بثلاثة، بمن جعل مع الله إلها آخر، وبكل جبار عنيد، وبالمصورين". أقول: الظاهر أن هذا العنق يخرج بعد أن تقام الحجة على الناس قيامًا كاملًا بالشهادات وبالصحف وبالوزن والميزان. ١٢١١ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال: رسول الله ﷺ : "يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فأما عرضتان، فجدال ومعاذير وأما العرضة الثالثة، فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي، فآخذ بيمينه وآخذ بشماله". أقول: وقد تعجب ابن كثير في كتابه النهاية من تضعيف الترمذي للحديث وناقش ذلك. الظاهر أنه بعد الوقوف الطويل والإذن بالشفاعة لفصل القضاء تكون العرضة الأولى ويكون السؤال عن الشرك وعن الاستجابة للرسل ويكون تنصل وعتاب، وفي العرضة الثانية تشهد الرسل وينكر الكافرون ويشهد محمد ﷺ وأمته على صدق شهادة الرسل وتقوم

стр. 1178

الحجة على الخلق، ثم تطير الصحف فيعرف كل إنسان ذنوبه ثم يكون الحساب والميزان وقد ذهب ابن كثير في كتابه النهاية إلى أن الحساب يكون قبل الميزان، قال ﵀: قال أبو عبد الله القرطبي: قال العلماء: إذا انقضى الحساب، كان بعده وزن الأعمال؛ لأن الوزن للجزاء، فينبغي أن يكون بعد المحاسبة، فإن المحاسبة لنفس الأعمال، والوزن لإظهار مقاديرها، فيكون الجزاء بحسبها قال: وقوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ يحتمل أن يكون ثم موازين متعددة توزن فيها الأعمال، ويحتمل أن يكون المراد الموزونات، فجمع باعتبار تنوع الأعمال الموزونة، والله أعلم. اهـ (النهاية في الفتن والملاحم). وبمناسبة الكلام عن حديث العرضات الثلاث نقل ابن حجر في فتح الباري ما يلي: قال الترمذي الحكيم: الجدال للكفار يجادلون لأنهم لا يعرفون ربهم فيظنون أنهم إذا جادلوا نجوا، والمعاذير اعتذار الله لآدم وأنبيائه بإقامته الحجة على أعدائه، والثالثة للمؤمنين وهو العرض الأكبر. اهـ. أقول: أما ما ذكره الترمذي الحكيم في الجدال فمسلم، أما ما بعده فغير مسلم؛ فكيف يعتذر الله والموقف موقف جلال، وتخصيص العرضة الثالثة بالمؤمنين يتنافى مع النص: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ (١). ١٢١٢ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء". ١٢١٣ - * روى أحمد عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يقتص

стр. 1179

للخلق بعضهم من بعض حتى للجماء من القرناء وحتى للذرة من الذرة". أقول: الظاهر أن الاقتصاص للحيوانات من بعضها بعضا يتقدم على حساب المكلفين لأنه بعد أن يتقص منها يقال لها كوني ترابًا فتكون ترابًا فيتمنى الكافر لو أنه كان معها، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا * ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا * إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ (١)، غير أن هناك الحيوانات التي لم تؤد زكاتها، فهذه يعذب أهلها بها، فهذه قد تؤخر، على أن النصوص لم تحدد المقام الذي يقال فيه للحيوانات كوني ترابًا، فتكون ترابًا. ١٢١٤ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة من النعيم، أن يقال له: ألم نصح لك جسمك؟ ونروك من الماء البارد؟ "؟ ١٢١٥ - * روى الترمذي عن أبي سهيد الخدري، وأبي هريرة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : "يؤتى بالعبد يوم القيامة، فيقول له: ألم أجعل لك سمعًا وبصرًا ومالًا وولدًا؟ وسخرت لك الأنعام والحرث؟ وتركتك ترأس وتربع؟ فكنت تظن أنك ملاقي يومك هذا؟ فيقول: لا، فيقول له: اليوم أنساك كما نسيتني". وقال: معنى قوله "اليوم أنساك كما نسيتني": اليوم أتركك في العذاب.

стр. 1180

الفقرة الرابعة في: مشاهد من القرآن الكريم فيما يجري في اليوم الآخر من حوار إن الإنسان في الدنيا عندما يجد نفسه في خطر فإنه يبذل غاية وسعه للخلاص من الخطر، وعندما يكون للإنسان حق يجادله فيه الآخرون، ثم يظهر حقه فإن له مقالًا، وعندما يقهر الظالمون يعتذرون، فالإنسان له طبيعته ومواقفه، واليوم الآخر هو يوم الفصل فيما كان الناس يختلفون فيه، وهو اليوم الذي تظهر فيه الأمور على حقائقها، وينكشف فيه صدق الرسل، ويرى الناس تحقق الوعد والوعيد. وفي هذا كله تجد الإنسان يجادل عن نفسه أقصى الجدال لعل ذلك ينفعه، وترى أهل الباطل يعتذرون أشد الاعتذار لعل ذلك ينفعهم، وترى الحوار بين أهل الباطل فيما بينهم، وترى الحوار بين أهل الحق فيما بينهم، وترى الحوار بين أهل الجنة وأهل النار، وترى مناشدة أهل النار للملائكة وأهل الجنة، وترى الكلمة الطيبة من الملائكة لأهل الجنة، وكل ذلك تجد تفصيلاته في القرآن. وفي هذه الفقرة سنعرض نماذج على ذلك للتذكير كي لا يخلو الكتاب من هذا الجانب المهم من مشاهد اليوم الآخر: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ * وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ * أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ * قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ * قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ * يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ * وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ *

стр. 1181

لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ (١). قوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ السائق والشهيد ملكان، وقيل: السائق كاتب السيئات، والشهيد كاتب الحسنات. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾: المراد بالقرين الملك الموكل عليه، والعتيد الحاضر، أي يقول الملك هذا ما هو مكتوب عندي حاضر لدي. ﴿أَلْقِيَا﴾ هذا خطاب للملكين السائق والشهيد. قوله تعالى: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾ القرين هنا هو الشيطان المقيض له والمقيد معه ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾ أي ما أضللته، وكأن هذا جواب على شكوى من الإنسان باتهام الشيطان؛ ولذلك قال تعالى: ﴿قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾، وهذا يفيد أن حوارًا يجري بين الشيطان وبين قرينه من الإنس يحمل كل منهما الآخر مسؤولية الضلال. والظاهر أن هذا الحوار بين الشيطان وقرينه في موقف الحساب. ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٢). قال تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٣) هذان السؤالان قائمان في موقف الحساب: يسأل الذين أرسل إليهم عن قبول الرسالة وإجابة الرسل، ويسأل المرسلون عن البلاغ وعما أجابتهم به أقوامهم، وفي هذه الآيات نموذج على سؤال المرسلين، والمرسل إليهم ينكرون عادة أن رسلهم بلغتهم ويتبرؤون، فيشهد محمد ﷺ وأمته أن الرسل قد بلغت ومن خلال هذا النص الذي معنا نفهم أن النصارى الذين أشركوا

стр. 1182

يزعمون أن دعوة عيسى كانت أمرًا لهم بأن يتخذوه وأمه إلهين، وعيسى ﵊ ينفي ويرد. ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ * ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ (١). الظاهر أن القائلين للمجرمين في النار هم الملائكة. والمشركون عندئذ يعرفون أنهم ما كانوا يدعون جهة يعتد بها، والظاهر أن هذا السؤال يكون في مرحلة تسبق المرحلة التي يقرن فيها مع المشركين ما كانوا أشركوا به. ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٢). قوله تعالى: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: الظاهر أن هذا على الصراط، وذكر الأيمان لأن فيها صحائف الاعمال المنيرة، وقوله تعالى: ﴿قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ﴾ القائل للمنافقين هذا القول هو المؤمنون أو الملائكة ﴿فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ أي اطلبوا النور إما من الموقف أو من الدنيا إشعارًا لهم بأن النور إنما يكون من العقائد الصالحة والأعمال الطيبة في الدنيا. وقوله تعالى: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ﴾ أي بحائط له باب يدخل منه المؤمنون فيؤول بهم إلى الجنة، ولذلك قال: ﴿بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ وذلك لئلا يقرب هذا الباب المنافقون. ويبدو أن هذا كائن إما في أول الصراط

стр. 1183

أو في آخر الصراط أو في مكان ما على الصراط. ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ * وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ (١). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾ أي يتعام عن القرآن ويعرض عنه ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾ نسلط ﴿فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ أي مصاحب ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ الضمير في الكلمتين يعود على الإنسان الضال وقرينه؛ فإن هؤلاء يتعاونون على صد الخلق عن سبيل الله، وهم يتصورون أنهم مهتدون بذلك كما نرى حال الكافرين في عصرنا دعاة ومدعوين، فكل صاحب دعوة يتوهم أنه يدعو الناس إلى هداية، ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾ أي ذلك الإنسان الذي أضله الشيطان ﴿قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾، وذلك أن الكفار يحشرون مقرنين مع شياطينهم. ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ * إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ (٢). ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ أي المتبعون ممن كانوا يتبعونهم، ويدخل في المتبعين هما أئمة الضلال ومن عبد من دون الله، والظاهر أن هذا يكون بعد شفاعة فصل الخطاب. وقوله تعالى: (وتقطعت بهم الأسباب) أي الوصل التي كانت بينهم من الاتباع والاتفاق على الدين والأغراض الداعية إلى ذلك وهذا نموذج على الحوار بين الأتباع والمتبوعين عندما تؤمر كل طائفة أن تتبع ما كانت تعبد من دون الله أو عندما يدعى كل أناس بإمامهم وذلك بعد شفاعة فصل الخطاب. ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا

стр. 1184

وَهِيَ تَفُورُ * تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ * وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ * ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (١). هذا نموذج على ما تتلقى به الملائكة أصحاب النار من سؤال، وهو سؤال يأتي بعد أن قامت عليهم الحجة، وهم يجيبون على هذا السؤال معترفين مقرين بعد إذ رأوا أن إنكارهم من قبل لم يفدهم لكثرة الشهود ولقطعية الشهادات. ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ * فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ * إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ * إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ * قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ (٢). هذا نموذج على نوع مما يحدث من خطاب لأهل النار من الله ، ومن دعاء وجواب من أهل النار، وظاهر النص أن الخطاب مباشر من الله لأهل النار، وبعض المفسرين ذهب إلى أنه بالواسطة. ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ * وَقَالُوا يَاوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ * هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ * احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ * وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ * مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ * وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ

стр. 1185

عَنِ الْيَمِينِ * قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ * فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ * فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ * فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ * إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ * بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ * إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ * وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ * أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ * فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ * لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ * وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ * كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ * فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ * قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ * قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ * أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ * أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ * فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ * ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ (١). قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا يَاوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ * هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ يحتمل هذا النص أن يكون من إجابة بعضهم لبعض، أو من إجابة الملائكة لهم، ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ أي وأشباهم، والخطاب من الله ، وهذا يفيد أن عباد الأصنام أو عباد صنم ما أو عباد الكواكب أو عباد كوكب ما، وهكذا قل في سائر المشركين أنهم يحشرون مع بعضهم بعضًا، والأمر بحشر الأصناف بعضها مع بعض من الله . والظاهر كما أنه تحشر الأصناف مع بعضها فإنها تدخل النار مع بعضها وهذا مقتضى قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ أي فعرفوهم طريقها ليسلكوها ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ عن عقائدهم وأعمالهم، ومعنى قوله ﴿وَقِفُوهُمْ﴾ أي واحبسوهم يوم الموقف. ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ هذا سؤال يوجه إليهم تبكيتا

стр. 1186

وتوبيخًا، والسائل إما الله تعالى، وإما الملائكة، وفي السؤال إشارة إلى أن سر اشتراكهم في الكفر هو التناصر، ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ أي الرؤساء والأتباع أو الكفرة والقرناء ﴿قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ أي بأقوى ما تستطيعون أن تأتونا به من الشبه لتضلونا، فيجيب المتبوعون ما يجيبون به، وفي النص نموذج على حوار متعدد بين أكثر من متكلم. ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا * وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١). قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي محبوسون عند ربهم وذلك يكون في موقف الحساب قبل الوزن والميزان وبعد الشفاعة لفصل الخطاب. ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ أي يتحاورون وهذا الحوار بين المتبوعين من الأنس من السادة والكبراء وأئمة الضلالة وبين أتباعهم، وقوله تعالى على لسان المستضعفين: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أي بل مكركم في الليل والنهار حتى فتنتمونا وأمررتم علينا ضلالكم فأضللتمونا، ومن يشهد في عصرنا سهر الدوائر الكافرة ودأبها على الإضلال يرى ما ذكرته الآية واقعًا حيًا وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ المراد بذلك ما يقيدون به في النار بعد إذ يدخلونها. ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ * فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ (٢).

стр. 1187

هذا نموذج على سؤال الله والملائكة وجوابهم فهناك ناس عبدوا الملائكة من دون الله وأظهر ما يظهر ذلك في ديانة الصابئة الموجودين في العراق حاليًا إذ يعبدون الأرواح العلوية. ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ * وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ * قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ * إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ * يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ (١). هذا نموذج للحوار بين أئمة الضلالة وأتباعهم في النار، كما أنه نموذج على حوار أهل النار للملائكة وطلبهم منهم تخفيف العذاب ولو يومًا واحدًا ورد الملائكة عليهم، وأمثال هذه النصوص التي تتحدث عن الحوار بين الأتباع والمتبوعين تؤكد أن على المسلم أن يختار للاقتداء والاتباع من يطمئن إلى ربانيته وولايته، وأن يكون مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وذلك بحبهم وطاعتهم. ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (٢). ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ * وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ * وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ * وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٣). قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ أي نبيا يشهد لهم وعليهم بالإيمان والكفر، وفي هذا المقام مقام شهادة الأنبياء على الأمم ﴿لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أي ولا هم يسترضون. وبعد هذا المقام يشكو المشركين متبوعيهم إما من باب

стр. 1188

الطلب أن يضاعف لهم العذاب، وإما من باب الاعتراف بأنهم كانوا مخطئين، ويكذبهم المتبوعون ويستسلم الجميع لحكم رب العالمين حين لا ينفعهم الاستسلام الذي كان مطلوبا منهم في الدنيا بأن يدخلوا الإسلام ويستسلموا لله فيه. وتتمة المشهد هو: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ (١) وقد مر معنا من قبل. ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (٢). قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾ أي عن ذاتها وتسعى في خلاصها لا يهمها غيرها فتقول نفسي نفسي ولكن النفس الكافرة لابد أن توفى أعمالها أما النفس المؤمنة فلله فيها مشيئة وهناك شفاعات تصيبها وتنفعها. ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ * الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ * وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٣). وهذا نموذج آخر على ما يكون من سؤال وجواب وحوار يوم القيامة وفيه دعوة للكينونة من أهل التقوى والبعد عن الشرك ومظاهره. ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا * وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ (٤).

стр. 1189

﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾ أي الله تعالى للكافرين: ﴿نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أي زعمتم أنهم شركائي أو شفعاؤكم يمنعونكم من عذابي والمراد ما بعد من دونه، وقيل إبليس وذريته (فَدَعَوْهُمْ﴾ أي فنادوهم (وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ أي بين الكافرين وآلهتهم ﴿مَوْبِقًا﴾ مهلكا يشتركون فيه وهو النار أو عداوة هي في شدتها هلاك. ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ * وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١). قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أي لما أحكم وفرغ منه ودخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار فإن الشيطان يقوم خطيبا في الأشقياء من الثقلين، وفي النص نموذج على الحوار بن الأتباع والمتبوعين في النار ومحاولة الشيطان أن يخرج من لوم اللائمين على إغوائهم وقوله ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ أي ما أنا بمغيثكم ولا أنتم تغيثونني. ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ * هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ * وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ (٢). قوله تعالى: ﴿حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ أي شراب يغلي، والغساق صديد أهل النار ﴿وَآخَرُ﴾ أي وعذاب آخر ﴿مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ من مثله أجناس. ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ * قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ * قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا النَّارِ﴾ (٣).

стр. 1190

النص يدل على أن أئمة الضلال يدخلون النار قبل أتباعهم فيكون بين الأتباع والمتبوعين هذا التخاصم الذي ذكره النص الكريم. ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ * أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ * إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ (١). ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا * فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ (٢). ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ أي للجزاء ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي كل معبود سواه ﴿فَيَقُولُ﴾ أي الله تعالى للمعبودين ﴿أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾. ﴿قَالُوا﴾ الظاهر من السياق أن المراد بذلك أن من عبد فلم يرض أو عبد ولم يشعر يقولون ﴿سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ أي هالكين ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا﴾ أي دفعاً للعذاب عنكم ﴿وَلَا نَصْرًا﴾ يعينكم أحد عليه، وفي النص دليل على أن كثيرا ممن عبد من دون الله لا مسؤولية عليهم. ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ * وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ (٣). في النص دليل على أن الأمم المتقدمة في الزمن تدخل النار قبل الأمم المتأخرة في الزمن، ومن سبق في الضلال فتابعه عليه لاحقون يلومون السابقين، والسابقون يشمتون

стр. 1191

بهم؛ لأن اللاحقين يدعون فضلاً على المتقدمين كما نرى في عصرنا؛ إذ يرى اللاحقون أنهم قد سبقوا المتقدمين في العلم والتقدم، وبعد استكمال النار أهلها يدعو اللاحقون أن يضاعف الله للسابقين العذاب فيعرفهم أن العذاب المضاعف للجميع لمن ضل وأضل بسبب ضلاله وإضلاله، ولمن ضل متابعا للأولين بسبب ضلاله وتقوية الضلال وأهله بتقليد الضالين. ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ * وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ * وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ * أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ (١). (أهل الأعراف): قوم تساوت سيئاتهم وحسناتهم فلا هم استحقوا النار فيدخلونها، ولا استحقوا الجنة فيدخلونها لكنهم يطمعون أن يدخلوها بفضل الله وهم داخلون في المآل، ويكونون قبل دخولهم الجنة بين أهل الجنة والنار، والنص يدل على أن حوارًا يجري بين أهل الجنة والنار، وبين أهل الأعراف وأهل النار وهذا يفيد أن أهل الجنة يطلعون على أهل النار وذلك من تمام النعمة والاعتبار ليشكروا. ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ * الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ (٢). ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ * ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ

стр. 1192

أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا * سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا * إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ * وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ * كَلَّا وَالْقَمَرِ * وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ * وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ * إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ * نَذِيرًا لِلْبَشَرِ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ * كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ * فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ * فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ (١). هذا نموذج آخر على حوار بين أهل الجنة وأهل النار. ﴿النَّاقُورِ﴾ الصور ﴿نُقِرَ﴾ نفخ ﴿لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ أي معاندًا جاحدًا للحق. ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ سأكلفه عذابًا شاقا لا يطاق. ﴿وَبَسَرَ﴾ اشتد في العبوس وكلوح وجهه ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ سأدخله جهنم ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ مسودة للجلود محرقة لها ﴿الْكُبَرِ﴾ الدواهي العظيمة ﴿رَهِينَةٌ﴾ أي مرهونة عنده تعالى بعملها ﴿مَا سَلَكَكُمْ﴾ ما أدخلكم ﴿حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ حمر وحشية شديدة النفار ﴿قَسْوَرَةٍ﴾ أسد. ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ * قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ * قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ * أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ

стр. 1193

الْعَظِيمُ * لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ (١). هذا نموذج على حوار بين أهل الجنة فيما بينهم ونموذج على أن أهل الجنة يطلعون على أهل النار. والمراد بالقرين في الآيات الصاحب الكافر في الدنيا، والذي يجمعه مع المؤمن سبب من عمل مشترك أو جوار أو غير ذلك من الأسباب التي تجعل المؤمن يجالس الكافر، وكيف أن الكافر كان ينكر على المؤمن إيمانه. فههنا المؤمن يخاطب الكافر هذا الخطاب المذكور في الآية وقد جاءت هذه الآيات بعد الكلام عن اجتماع أهل الجنة على شرابهم فهم يتحدثون ويجرهم الحديث إلى هذا الموقف. ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (٢). قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ أي خيارًا أو عدولًا مزكين بالعلم والعمل ﴿شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ أي على معاصريكم وعلى من قبلكم وبعدكم ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ فيشهد لكم بالعدالة، وشهادته لكم بالعدالة في الموقف تأكيد لشهادتكم على الأمم، وهذا يكون عندما تنكر الأمم أن رسلها قد بلغتها وذلك في موقف من مواقف القيامة. * * * وبعد: فلقد حرصنا ألا يخلو الكلام عن اليوم الآخر من الإكثار من النصوص القرآنية ليزداد المسلم فهما وبصيرة بما يجري في اليوم الآخر، وحرصنا أن نبين ما استطعنا تسلسل الأحداث في اليوم الآخر لأن الكتابة في هذا الشأن قليلة فاقتضى هذا منا الإكثار من النصوص والنقول والتعليقات

стр. 1194

الفقرة الخامسة في: أحاديث تصف بعض ما في الموقف وما بعده ١٢١٦ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: "هل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة ليست في سحابة"؟ قالوا: لا، قال: "فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس في سحابة"؟ قالوا: لا. قال: "فو الذي نفسي بيده، لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في رؤية أحدهما، فيلقى العبد ربه، فيقول: أي فل، ألم أكرمك وأسودك وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى يا رب. فيقول: أظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا، فيقول: فإني أنساك كما نسيتني، ثم يلقى الثاني، فيقول: أي فل: ألم أكرمك وأسودك وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى يا رب. فيقول: أظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا، فيقول: فإني أنساك كما نسيتني، ثم يلقى الثالث، فيقول: أي فل، ألم أكرمك وأسودك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى يا رب، فيقول: أظننت أنك ملاقي؟ فيقول: أي رب: آمنت بك وبكتابك وبرسلك، وصليت وصمت وتصدقت، ويثني بخير ما استطاع، فيقول ها هنا إذن، ثم يقول: الآن نبعث شاهدا عليك، فيتفكر في نفسه: من ذا الذي يشهد عليه؟ فيختم على فيه، ويقال لفخذه: انطقي، فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعلمه، وذلك ليعذر من نفسه، وذلك المنافق ذلك الذي يسخط الله عليه". أقول: في الحديث عن الرؤية وهي خاصة بأهل الإيمان، وكلام عن المحاسبة والمخاطبة في موقف من مواقف القيامة وهي عامة كما هو ظاهر من الحديث.

стр. 1195

١٢١٧ - * روى البخاري عن سعيد بن المسيب، وعطاء بن يزيد الليثي أن أبا هريرة أخبرهما: أن الناس قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: "هل تمارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب"؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: "فهل تمارون في الشمس ليس دونها سحاب"؟ قالوا: لا، قال: "فإنكم ترونه كذلك، يحشر الناس يوم القيامة، فيقول: من كان يعبد شيئا فليتبع، فمنهم من يتبع الشمس، ومنهم من يتبع القمر، ومنهم من يتبع الطواغيت، وتبقى هذه الأمه فيها منافقوها، فيأتيهم الله، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتنا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا؟ فيدعوهم، ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم، فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته، ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل، وكلام الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم، وفي جهنم كلاليب، مثل شوك السعدان، هل رأيتم شوك السعدان"؟ قالوا: نعم، قال "فإنها مثل شوك السعدان، غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله تعالى، تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم من يوبق بعمله، ومنهم من يخردل، ثم ينجو، حتى إذا أراد الله رحمة من أراد من أهل النار" وفي رواية: "فمنهم المؤمن بقي بعمله، ومنهم المجازى حتى ينجى- حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد، وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار أمر الملائكة أن يخرجوا من كان يعبد الله، فيخرجونهم، ويعرفونهم بآثار السجود، وحرم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار، فكل ابن آدم تأكله النار، إلا أثر السجود فيخرجون من النار قد امتحشوا، فيصب عليهم ماء الحياة، فينبتون كما تنبت الحبه في حميل السيل،
следующие страницы →