حتى يجلسوا عليها، ثم حف المنابر بكرسي من ذهبٍ، ثم جاء الصديقون والشهداء حتى يجلسوا عليها، ثم يجيء أهل الجنة حتى يجلسوا على الكثيب، فيتجلى لهم ربهم ﵎ حتى ينظروا إلى وجهه، وهو يقول: أنا الذي صدقتم وعدي، وأتممتم عليكم نعمتي، هذا محل كرامتي فسلوني، فيسألونه الرضى، فيقول : رضائي أحلكم داري، وأنالكم كرامتي، فسلوني، فيسألونه حتى تنتهي رغبتهم، فيفتح لهم عند ذلك ما لا عينٌ، رأت ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر إلى مقدار منصرف الناس يوم الجمعة، ثم يصعد ﵎ على كرسيه، فيصعد معه الشهداء والصديقون-أحسبه قال-: ويرجع أهل الغرف إلى غرفهم، درة بيضاء لا فصم فيها ولا قسم، أو ياقوتة حمراء، أو زبرجدة خضراء منها غرفها وأبوابها، مطردة فيها أنهارها، متدلية فيه ثمارها، فيها أزواجها وخدمها فليسوا إلى شيء أحوج منهم إلى يوم الجمعة ليزدادوا فيه كرامة، وليزدادوا فيه نظرًا إلى وجهه ﵎، ولذلك دُعي يوم المزيد".
١٣٨٣ - * روى مسلم عن صهيب الرومي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة، يقول ﵎: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ " قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم ﵎" زاد في رواية: ثم تلا هذه الآية ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (١).
١٣٨٤ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ان الناس قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ : "هل تضارون في القمر ليلة البدر"؟
стр. 1332
قالوا: لا يا رسول الله، قال: "فإنكم ترونه كذلك يجمع الله الناس يوم القيامة، فيقول من كان يعبد شيءٍ فليتبعه فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها شافعوها، أو منافقوها، -شك إبراهيم-فيأتيهم الله فيقول: أنا ربكم، فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جار ربنا عرفناه، فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه، ويضرب الصراط بين ظهري جهنم، فأكون أنا وأمتي أول من يجزيها، ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل ودعوى الرسل يومئذ: اللهم سلِّم سلِّم ... ".
أقول:
فالرؤية للمؤمنين ثابتة وكذلك هي بعض مواقف يوم القيامة، وهي ثابتة لبعض المؤمنين في البرزخ، فقد ورد في حديث صحيح أن الله كلم والد جابر بعد أن أستشهد كفاحًا أي ليس من وراء حجاب.
قال الخطابي عن رؤية الله في مواقف القيامة:
وهذه الرؤية التي في هذا المقام يوم القيامة غير الرؤية التي في الجنة لكرامة أولياء الله وإنما هذه للامتحان والله أعلم.
١٣٨٥ - * روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قلنا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: "هل تضارون في رؤية الشمس والقمر إذا كانت صحوًا؟ " قلنا: لا، قال: "فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم يومئذ إلا كما تضارون في رؤيتهما" ثم قال: "ينادي منادٍ ليذهب كل قوم إلى ما كانوا عليه يعبدون فيذهب أصحاب الصليب مع صليبهم، وأصحاب الأوثان مع
стр. 1333
أوثانهم وأصحاب كل آلهةٍ مع آلهتهم، حتى يبقي من كان يعبد الله من بر أو فاجرٍ وغبرات من أهل الكتاب، ثم يؤتى بجهنم تعرض كأنها سراب، فيقال لليهود: ما كنتم تعبدون؟ قالوا كنا نعبد عزيزًا ابن الله، فيقال: كذبتم لم يكن له صاحبة ولا ولد فما تريدون؟ قالوا: نريد أن تسقينا، فيقال اشربوا فيتساقطون في جهنم، ثم يقال للنصارى: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال: كذبتم لم يكن له صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟ فيقولون نريد أن تسقينا، فيقال اشربوا فيتساقطون حتى يبقى من كان يعبد الله من بر أو فاجرٍ، فيقال لهم: ما يحبسكم وقد ذهب الناس؟ فيقولون: فارقناهم ونحن أحوج منا إليه اليوم، وإنا سمعنا مناديًا ينادي: ليلحق كل قوم بما كانوا يعبدون وإنما ننتظر ربنا". قال: "فيأتيهم الجبار في صور غير صورته التي رأوه فيها أول مرة، فيقول أنا ربكم، فيقولون أنت ربنا، فلا يكلمه إلا الأنبياء، فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه؟ فيقولون: الساق. فيكشف عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن، ويبقى من كان يسجد لله رياءً وسمعةً فيذهب كي ما يسجد فيعود ظهره طبقًا واحدًا ... ".
стр. 1334
٧ - في ذبح الموت
١٣٨٦ - * روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : يؤتي بالموت كهيئة كبش أملح، فينادي مناد: يا أهل الجنة، فيشرئبون وينظرون، فيقول لهم: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت، وكلهم قد رآه، ثم ينادي مناد: يا أهل النار فيشرئبون وينظرون، فيقول لهم: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت، وكلهم قد رآه، فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقول: يا أهل الجنة خلودً فلا موت، ويا أهل النار خلودً فلا موت"، ثم قرأ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (١) وأشار بيده إلى الدنيا.
وأخرجه (٢) الترمذي قال: "إذا كان يوم القيامة أُتي بالموت كالكبش الأملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيذبح وهم ينظرون، فلو أن أحدًا مات فرحًا لمات أهل الجنة، ولو أن أحدًا مات حزنًا لمات أهل النار".
١٣٨٧ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا صار أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، جيء بالموت، حتى يجعل بين الجنة والنار، فيذبح، ثم ينادي مناد: يا أهل الجنة لا موت، يا أهل النار لا موت، فيزداد أهل الجنة فرحًا إلى فرحهم، وأهل النار حزنًا إلى حزنهم".
стр. 1335
وفي رواية (١): أن النبي ﷺ قال: "يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ثم يقوم مؤذن بينهم، فيقول: يا أهل الجنة لا موت، ويا أهل النار لا موت، كلٌ خالدٌ فيما هو فيه".
стр. 1336
٨ - في متفرقات
في الجنة والنار وبعض صفات أهلهما
وبعض ما يحصل لأهل كل منهما
١٣٨٨ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت أن لا أفتح لأحدٍ قبلك".
١٣٨٩ - * روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا ربنا وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك؟ فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: وأي شيء أفضل؟ فيقول: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدًا".
١٣٩٠ - * روى أبو يعلي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "سألت ربي اللاهين من ذرية البشر أن لا يعذبهم فأعطانيهم".
١٣٩١ - * روى أحمد عن مطرف قال: قال لي عمران: إني لأحدثك بالحديث اليوم
стр. 1337
لعل الله ينفعك به بعد اليوم: أعلم أن خيار عبد الله يوم القيامة الحمادون.
١٣٩٢ - * روى مسلم عن أبي التياح قال: كان لمطرف بن عبد الله الشخير امرأتان، فخرج من عند إحداهما، فلما رجع قالت له: أتيت من عند فلانة؟ قال: أتيت من عند عمران بن حصين، فحدثنا: أن رسول الله ﷺ قال "إن أقل ساكني الجنة النساء".
١٣٩٣ - * روى أحمد عن أبي بكر الصديق عن النبي ﷺ قال: "لا يدخل الجنة بخيلً ولا خبٌ ولا خائنً ولا سيء الملكة، وأول من يقرع باب الجنة المملوكون إذا أحسنوا فيما بينهم وبين الله ، وفيما بينهم وبين مواليهم".
١٣٩٤ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "عرض علي أول ثلاثة يدخلون الجنة: شهيد، وعفيف متعفف، وعبدٌ أحسن عبادة الله ونصح لمواليه".
١٣٩٥ - * روى البخاري عن طريف بن تميمة قال: شهدت صفوان وجندبًا وأصحابه وهو يوصيهم فقالوا: هل سمعت من رسول الله ﷺ شيئًا؟ قال: سمعته يقول: "من سمع سمع الله به يوم القيامة"، قال: "ومن شاق شقق الله عليه يوم القيامة" فقالوا: أوصنا، فقال: "إن أول ما ينتن من الإنسان بطنه، فمن استطاع أن لا يأكل إلا طيبًا فليفعل، ومن استطاع أن لا يحال بينه وبين الجنة بملء كف
стр. 1338
من دم هراقه فليفعل". قلت [أي راوي كتاب البخاري] لأبي عبد الله: من يقول: سمعت رسول الله ﷺ ، جندب؟ قال: نعم جندب.
مما قال بن حجر في شرحه: (قوله: "من شاق شقق الله عليه": من أدخل على الناس المشقة أدخل الله عليه المشقة فهو من: الجزاء من جنس العمل. قوله: "من سمع سمع الله به": من عمل عملًا على غير إخلاص وإنما يريد ان يراه الناس ويسمعوه جوزي على ذلك بأن يشهره الله ويفضحه ويظهر ما كان يبطنه، وقيل من قصد بعمله الجاه والمنزلة عند الناس ... وقيل من شهر بغيره ... فيكون أيضًا من: الجزاء من جنس العمل، والمراد في الحديث النهي عن القول القبيح في المؤمنين وكشف مساويهم وعيوبهم وترك مخالفة سبيل المؤمنين ولزوم جماعتهم والنهي عن إدخال المشقة عليهم والإضرار بهم وكانت وصية صفوان هذه لمجموعة من الخوارج).
وزيد في رواية: قال: فبكى القوم فقال جندب: لم أر كاليوم قط قومًا أحق بالنجاة من هؤلاء إن كانوا صادقين- ولقد صدقت فراسته لذا قال: إن كانوا صادقين فإنهم لما خرجوا بذلوا السيف في المسلمين وقتلوا الرجال والأطفال وعظم البلاء بهم.
وفي رواية (١): عن جندب بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "من استطاع أن لا يحول بينه وبين الجنة ملء كف من دمٍ يهريقه كأنما يذبح دجاجة كلما يعرض لباب من أبواب الجنة حال بينه وبينه، ومن استطاع منكم أن لا يجعل، في بطنه إلا طيبًا فإن أول ما ينتن من الإنسان بطنه".
١٣٩٦ - * روى أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "سألت ربي عز فوعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا على صورة القمر ليلة البدر، فاستزدته فزادني مع كل ألفٍ سبعين الفًا، فقلت: أي رب إن لم يكن هؤلاء
стр. 1339
مهاجر أمتي قال إذًا أكملهم لك من الأعراب".
١٣٩٧ - * روى أحمد عن معاوية بن حيدة أن رسول الله ﷺ قال: "أنتم توفون سبعين أمة أنتم آخرها وأكرمها على الله ".
١٣٩٨ - * روى أحمد عن حذيفة قال: غاب عنا رسول الله فلم يخرج حتى ظننا أنه لن يخرج، فلما خرج سجد سجدةً حتى ظننا أن نفسه قد قبضت فيها، فلما رفع رأسه قال: "إن ربي استشارني في أمتي ماذا أفعل بهم؟ قلت: ما شئت ربي هم خلقك وعبادك. فاستشارني الثانية، فقلت له: كذلك، فقال لا نخزيك في أمتك يا محمد، وأخبرني أن أول من يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا مع كل ألف سبعون ألف ليس عليهم حساب، ثم أرسل إلى، فقال: أدع تجب وسل تعطه، فقلت لرسوله، أو معطي ربي سؤالي؟ قال: ما أرسلني إليك إلا ليعطيك، ولقد اعطاني ربي ولا فخر، وغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر وأنا أمشي حيًا صحيحًا واعطاني أن لا تجوع أمتي ولا تغلب، وأعطاني الكوثر من الجنة يسيل في حوضي، وأعطاني العز والنصر والرعب يسير بين يدي ولأمتي شهرًا، وأعطاني إني أول الأنبياء أدخل الجنة وطيب لي ولأمتي الغنيمة وأحل لنا كثيًرا مما شدد على من قبلنا ولم يجعل علينا من حرج".
١٣٩٩ - * روى أحمد عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله وعدني أن يدخل الجنة من أمتي أربعمائة ألف" فقال أبو بكر زدنا يا رسول الله، قال: "وهكذا" وجمع كفيه فذكر نحوه.
١٤٠٠ - * روى أحمد عن أنس أن النبي ﷺ قال: "وعدني ربي أن
стр. 1340
يدخل الجنة من أمتي مائة الفٍ" فقال أبو بكر ﵁: زدنا يا رسول الله، قال: "وهكذا" وأشار بيده، قال: يا نبي الله زدنا قال "وهكذا" قال عمر: قطك يا أبا بكر قال: ما لنا ولك يا ابن الخطاب. قال عمر: إن الله إن شاء يدخل الناس الجنة كلهم بحفنةٍ قال النبي ﷺ : "صدق الله عمر"
١٤٠١ - * روى أحمد عن ابن مسعودٍ قال: قال لنا رسول الله ﷺ "كيف أنتم وربع أهل الجنة، لكم ربعها ولسائر الناس ثلاثة أرباعها"، فقلنا: الله ورسوله أعلم. قال: "فكيف أنتم وثلثها" قالوا: فذاك أكثر. فقال رسول الله ﷺ : "أهل الجنة يوم القيامة عشرون ومائة صف أنتم منها ثمانون صفًا.
١٤٠٢ - * روى أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله ﷺ أنه قال: "هل تدرون أول من يدخل الجنة من خلق الله ؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "الفقراء المهاجرون الذين تسد بهم الثغور، وتتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء، فيقول الله لمن يشاء من ملائكته: أئتوهم فحيوهم. فتقول الملائكة: نحن سكان سمائك وخيرتك من خلقك أفتأمرنا أن نأتي هؤلاء فنسلم عليهم" قال: "إنهم كانوا عبادًا يعبدوني لا يشركون بي شيئًا، وتسد بهم الثغور، وتتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء". قال: "فتأتيهم الملائكة عند
стр. 1341
ذلك فيدخلون عليهم من كل بابٍ ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (١) ".
١٤٠٣ - * روى أحمد عن عبد الله بن عمر وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أول ثلةٍ تدخل الفقراء المهاجرين الذين تتقى بهم المكاره، وإذا أمروا سمعوا وأطاعوا، وإذا كان لرجلٍ مهم حاجةٌ إلى السلطان لم تقض حتى يموت وهي في صدره، والله يدعو يوم القيامة الجنة فتأتي بزخرفها وزينتها، فيقول: إن عبادي الذين قاتلوا في سبيلي وقتلوا وأوذوا في سبيلي وجاهدوا أدخلوا الجنة فيدخلونها بغير حساب".
١٤٠٤ - * روى الطبراني عن عبد الله بن عمر قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "تدخل فقراء أمتي الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفًا"، فقيل: صفهم لنا. فقال: الدنسة ثيابهم، الشعثة رؤوسهم، الذين لا يؤذن لهم على السدات، ولا ينكحون المتنعمات، توكل بهم مشارق الأرض ومغاربها، كل الذي عليهم ولا يعطون كل الذي لههم".
١٤٠٥ - * روى أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ "إن المتحابين في الله لترى غرفهم في الجنة كالكواكب الطالع الشرقي أو الغربي، فيقال: من هؤلاء؟ فيقال هؤلاء المتحابون في الله ".
стр. 1342
١٤٠٦ - * روى مسلم عن أبي هريرة رفعه: "يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير".
قال النووي: (قيل مثلها في رقتها وضعفها كالحديث الآخر أهل اليمن أرق قلوبًا وأضعف أفئدة وقيل في الخوف والهيبة، والخوف أكثر الحيوان خوفًا وفزعًا كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ وكان المراد قوم غلب عليهم الخوف كما جاء عن جماعات من السلف في شدة خوفهم، وقيل المراد متوكلون) أهـ (شرح النووي على مسلم).
١٤٠٧ - * روى الترمذي عن عبد الله بن مسعودٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا أخبركم بمن يحرم على النار، وبمن تحرم عليه النار؟ على كل قريبٍ هينٍ سهلٍ".
١٤٠٨ - * روى البزار عن ابن عباس أن النبي ﷺ سئل من في الجنة؟ قال: "النبي في الجنة، والشهيد في الجنة والمولود في الجنة، والموءودة في الجنة".
١٣٠٩ - * روى أحمد عن أبي أُمامة قال: أستضحك رسول الله ﷺ يومًا، فقيل له: يا رسول الله ما يضحكك؟ قال: "قومٌ يساقون إلى الجنة مقرنين في السلاسل".
أقول: المراد بهؤلاء والله أعلم الأسرى الذين يسلمون بعد أسرهم.
١٤١٠ - * روى الطبراني عن شريك بن طريفٍ قال: قال: رسول الله ﷺ : "لن
стр. 1343
لن يدخل الجنة أحدٌ منك بعملٍ" قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمةٍ منه وفضلٍ".
١٤١١ - * روى أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : لن يدخل الجنة أحدُ إلا برحمة الله" قالوا: ولا أنت؟ قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله" وقال بيده فوق رأسه.
١٤١٢ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ كان يتحدث-وعنده رجل من أهل البادية- "أن رجلًا استأذن ربه في الزرع، فقال: ألست فيما شئت؟ يقول: بلى، ولكن أحب ذلك، فيؤذن له، فيبذر، فيبادر الطرف نباته واستحصاده، وتكويره أمثال الجبال، فيقول الرب سبحانه: دونك يا ابن آدم فإنه لا يشبعك شيء" فقال الأعرابي: إنك لن تجده إلا قرشيًا أو أنصاريًا، فإنهم أصحاب زرعٍ، فأما نحن فلسنا بأصحاب زرعٍ، فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجدذه.
١٤١٣ - * روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن المؤمن إذا أشتهى الولد في الجنة، كان حمله ووضعه وسته في ساعةٍ واحدة كما يشتهي".
١٤١٤ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "صنفان من أهل النار، لم أرهما: قومٌ معهم سياط كأذناب البقر، يضربون بها
стр. 1344
الناس، ونساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا".
١٤١٥ - * روى أحمد عن عمارة بن خزينة قال: بينما نحن عند عمرو بن العاص في حج أو عمرةٍ قال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ في هذه الشعب: إذ قال: "أنظروا هل ترون شيئًا" فقلنا نرى غربانًا منها غراب أعصم أحمر المنقار والرجلين. فقال رسول الله ﷺ : "لا يدخل الجنة من النساء إلا من كان منهن مثل هذا الغراب في الغربان".
أقول: المؤمنات من النساء كثيرات بفضل الله تعالى، ومآلهن الجنة، ولكن قسمًا كبيرًا منهن يدخلن النار بما يفعلنه من موجبات دخول النار، ثم يكون المآل إلى الجنة بفضل الله تعالى، فالنص يتحدث عن مرحلة متقدمة بالنسبة للجنة.
١٤١٦ - * روى أحمد عن عبد الرحمن بن شبلٍ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الفساق أهل النار"، قالوا يا رسول الله: ومن الفساق؟ قال: "النساء" قال رجل: يا رسول الله أولسن أمهاتنا ونساؤنا وأزواجنا وبناتنا؟ قال: "بلى! ولكنهن إذا أعطين لم يشكرن، وإذا ابتلين لم يصبرن".
١٤١٧ - * روى البخاري ومسلم عن أسامة بن زيد ﵁ قال: قال النبي
стр. 1345
صلى الله عليه وسلم: "قمت على باب الجنة، فكان عامة من دخلها المساكين، وأصحاب الجد محبوسون، غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار، وقمت على باب النار، فإذا عامة من دخلها النساء".
١٤١٨ - * روى أحمد عن عبد الله بن عباس قال قال رسول الله ﷺ : "اطلعت في الجنة فرأيت اكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء".
١٤١٩ - * روى البخاري ومسلم عن حارثة بن وهب ﵁ سمع رسول الله ﷺ : يقول "ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتل جواظ مستكبر".
ولمسلم (١) في رواية: "ألا أخبركم بأهل الجنة؟ " قالوا: بلى ... وذكره، وكذلك في أهل النار، قالوا: بلى. وله في أخرى (٢) مثله، وقال في ذكر أهل النار: "كل جواظ زنيم متكبر".
١٤٢٠ - * روى مسلم عن عياض بن حماد المجاشعي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم في خطبته: "ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا، كل مال نحلته عبدًا حلالٌ، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم
стр. 1346
الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا، وأن الله نظر إلى أهل الأرض، فمقتهم، عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: أنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتابًا لا يغسله الماء، تقرؤه نائمًا ويقظان، وإن الله أمرني أن أحرق قريشًا، فقلت: رب إذًا يثلغوا رأسي، فيدعوه خبزة، قال: استخرجهم كما أخرجوك، واغزهم نعنك، وأنفق فسننفق عليك، وابعث جيشًا نبعث خمسة مثله، وقاتل بمن أطاعك، قال: وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال. وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زبر له، الذين هم فيكم تبعًا لا يتبعون أهلًا ولا مالًا، والخائن الذي لا يخفي له طمع وإن دق إلا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك" وذكر البخل أو الكذب "والشنظير الفحاش".
زاد في (١) رواية: "وإن الله أوحى إلى: أن تواضعوا حتى لا يفخر أحدً على أحدٍ، ولا يبغي أحدً على أحد".
وقال في حديثه: "وهم فيكم تبعًا"، لا يبغون أهلًا ولا مالًا" فقلت: فيكون ذلك يا أبا عبد الله؟ قال: نعم، والله لقد أدركتهم في الجاهلية، وإن الرجل ليرعى على الحي ما به إلا وليدتهم يطؤها.
стр. 1347
١٤٢١ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "حجبت النار بالشهوات، وحجبت الجنة بالمكاره".
١٤٢٢ - * روى البخاري عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك".
١٤٢٣ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات".
١٤٢٤ - * روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لما خلق الله الجنة، قال لجبريل: أذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها، فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها. فحفها بالمكاره، فقال: اذهب فانظر إليها، فذهب إليها ثم جاء وقال: وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد" قال: "ولما خلق الله النار، قال لجبريل: أذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها، ثم جاء فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها، فحفها بالشهوات، فقال: اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها، فلما رجع، قال: وعزتك لقد خشيت أن لا يبقى أحد إلا دخلها".
وزاد النسائي (١) في ذكر الجنة بعد قوله: "قال لجبريل: اذهب إليها": "وإلى
стр. 1348
ما أعددت لأهلها فيها" وكذلك زاد في ذكر النار مثل.
١٤٢٥ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يخرج من النار أربعة، فيعرضون على الله ، فيلتفت أحدهم فيقول: أي رب، إذا أخرجتني منها فلا تعدني فيها، فينجيه الله منها".
١٤٢٦ - * روى أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "كل أهل النار يرى مقعده من الجنة فيقول: لو أن الله هداني فتكون عليه حسرة" قال: "وكل أهل الجنة يرى مقعده من النار فيقول: لولا أن الله هداني فيكون له شكرًا".
وفي رواية (٣): "لا يدخل أحدً النار إلا رأى مقعده من الجنة لو أحسن ليكون عليه حسرةً، ولا يدخل أحدً الجنة إلا رأى مقعده من النار لو أساء ليزداد شكرًا".
١٤٢٧ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة، فيصبغ في النار صبغةً، ثم يقال: يا ابن آدم، هل رأيت خيرًا قط؟ هل مر بمك من نعيم قط؟ فيقول: لا والله يارب، ويؤتى بأشد الناس بؤسًا من أهل الجنة فيصبغ صبغةً في الجنة فيقال له يا ابن آدم هل رأيت بؤسًا قط؟ فيقول: لا والله يارب، ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط".
١٤٢٨ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تحاجت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين،
стр. 1349
وقال الجنة: فمالي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم؟ ".
زاد في رواية (١): "وغرتهم فقال الله للجنة: أنت رحمتي، أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار إنما أنت عذابي، أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدةٍ منهما ملؤها، فأما النار: فلا تمتلئ حتى يضع رجله".
وفي رواية (٢): "حتى يضع الله ﵎ رجله فتقول: قط قط قط، فهنالك تمتلئ، ويزوي بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله من خلق أحدًان وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقًا".
وللبخاري (٣) قال: "اختصمت الجنة والنار إلى ربهما، فقال الجنة: يا رب ما لها لا يدخلها إلا ضعفاء الناس وسقطهم: وقال النار: يعني أوثرت بالمتكبرين، فقال الله للجنة: أنت رحمتي، وقال للنار: أنت عذابي أصيب بك من أشاء، ولكل واحدةٍ منهما ملؤها، فأما الجنة، فان الله لا يظلم من خلقه أحدًا، وإنه ينشئ للنار من يشاء، فيلقون فيها، فتقول: هل من مزيد؟ ويلقون فيها، فتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع قدمه فيها فتمتلئ، ويزوي بعضها إلى بعض، وتقول قط قط قط".
قال معلق فتح الباري:
جزم ابن القيم بأن هذا غلط من الراوي، صوابه "ينشئ للجنة" كما تقدم برقم ٤٨٥٠ من طريق عبد الرازق عن همام عن أبي هريرة، وكما في رقم ٧٣٨٤ من طريق قتادة عن أنس، فتبين منهما أن الراوي هنا سبق لفظه من الجنة إلى النار، ويسمونه في مصطلح الحديث (المنقلب) أهـ.
وقال ابن حجر: قال أبو الحسن القابسي المعروف في هذا الموضع إن الله ينشئ للجنة
стр. 1350
خلقًا وأما النار فيضع فيها قدمه فقال: ولا أعلم في شيء من الأحاديث أنه ينشئ للنار خلقًا إلا هذا. أهـ.
١٤٢٩ - * روى أحمد عن علي بن خالد أن أبا أمامة مر على خالد بن يزيد بن معاوية فسأله عن ألين كلمة سمعها من رسول الله ﷺ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ألا كلكم يدخل الجنة إلا من شرد على الله شراد البعير على أهله".
١٤٣٠ - * روى أبو داود عن حارثة بن وهب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يدخل الجنة الجواظ، ولا الجعظري" قال: والجواظ: الغليظ الفظ.
١٤٣١ - * روى أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: عند ذكر أهل النار "وكل جعظري جواظٍ مستكبرٍ جماعٍ مناعٍ، وأهل الجنة الضعفاء المغلوبون".
١٤٣٢ - * روى الطبراني في الأوسط عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "أتيت ليلة أسري بي على رجال تقرض شفاهم بمقاريض من نار قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء خطباء أمتك الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون".
١٤٣٣ - * روى أحمد عن أبي سعيدٍ قال: قال رسول الله ﷺ : "يخرج عنق من
стр. 1351
النار يوم القيامة فتكلم بلسان طلقٍ زلقٍ لها عينان تبصر بهما ولها لسان تكلم به فتقول: إني أمرت بمن جعل مع الله إلهًا آخر، وبكل جبارٍ عنيد، وبمن قتل نفسٍ بغير نفس، فتنطلق بهم قبل سائر الناس بخمسمائة عام".
١٤٣٤ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: "إن اصحاب الصور يعذبون يوم القيامة يقال لهم: أحيوا ما خلقتم".
١٤٣٥ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "يقول الله تعالى لأهون أهل النار عذابًا: لو كانت لك الدنيا كلها، أكنت مفتديًا بها؟ فيقول: نعم فيقول: قد أردت منك أيسر من هذا، وأنت في صلب آدم: أن لا تشرك بي ولأدخلك النار، وأدخلك الجنة، فأبيت إلا الشرك".
وفي رواية له (١) وللبخاري قال: "يجاء بالكافر يوم القيامة، فيقال له: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبًا، أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم، فيقال له: لقد كنت سئلت ما هو أيسر من ذلك: أن لا تشرك بي".
стр. 1352
٩ - الجنة والنار مخلوقتان موجودتان
قال ابن كثير في كتاب النهاية رادًا على من زعم أن الجنة والنار ستخلقان وليستا موجودتين الآن:
قال تعالى:
﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١).
وقال تعالى:
﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (٢).
وقال تعالى:
﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (٣).
وقال في حق آل فرعون:
﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ (٤).
وقال تعالى:
﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٥).
وثبت في الصحيحين (٦) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على
стр. 1353
قلب بشر ذخرًا بله ما أطلعتم عليه". ثم قرأ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾. الآية
[بله: تأتي هنا بمعنى فضلًا عما أطلعتم عليه، ومعناها في الأصل: دع].
وفي الصحيحين (١)، من حديث مالك؛ أن رسول الله ﷺ قال: "إن أحدكم إذا مات. عرض عليه مقعده بالغداة والعشي. إن كان من أهل الجنة، فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار، فمن أهل النار، فقيل: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة".
وفي صحيح مسلم (٢)، عن أبي مسعود: "أرواح الشهداء في حواصل طير خضر، تسرح في الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى قناديل معلقةٍ في العرش".
وروينا من حديث الإمام أحمد بن حنبل (٣)، حدثنا محمد بن إدريس الشافعي، عن مالك، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب مالك، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: "إنما نسمة المؤمن في طائر معلق في شجر الجنة حتى يرجعها الله إلى جسده يوم يبعثه".
وتقدم الحديث المتفق عليه (٤): من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات".
وذكر الحديث المروي (٥) من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة، عن
стр. 1354
أبي هريرة مرفوعًا: "لما خلق الله الجنة قال لجبريل: اذهب فانظر إليها" الحديث.
وتقدم الحديث الآخر (١): "لما خلق الله الجنة، قال لها تكلمي: فقالت: قد أفلح المؤمنون".
وفي الصحيحين (٢): عن أبي هريرة، وعند مسلم: عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: "تحاجت الجنة والنار". الحديث.
وفيهما (٣) عن ابن عمر، مرفوعًا: "الحمى من فحيح جهنم".
وفيهما (٤): عن أبي ذر، مرفوعًا: "إذا أشتد فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم".
وفي الصحيحين (٥): "إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار".
وقد ذكرنا في حديث الإسراء: أن رسول الله ﷺ ، رأي الجنة والنار ليلتئذ.
وقال الله تعالى (٦): ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾.
стр. 1355
وفي الصحيحين (١) "ثم أدخلت الجنة، فإذا جنابذ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك".
[جنابذ اللؤلؤ: قباب اللؤلؤ واحدتها جنبذة].
وفي صحيح (٢) مسلم: من طريق قتادة: عن أنس، عن رسول الله ﷺ قال: "بينما أنا أسير في الجنة، إذا أنا بنهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف، فقلت: ما هذا؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك ".
وفي مناقب عمر: أنه ﷺ قال: "أدخلت الجنة فرأيت جارية تتوضأ عند قصرٍ، فقلت: لمن أنت؟ قالت: لعمر بن الخطاب. فأردت أن أدخله، فذكرت غيرتك". فبكى عمر وقال: أو عليك أغار يا رسول الله؟!.
والحديث في الصحيحين (٣)، عن جابر.
وقال لبلال (٤): "دخلت الجنة فسمعت خشف نعليك بين يدي في الجنة، فأخبرني بأرجى عملٍ عملته في الإسلام" فقال: ما عملت عملًا في الإسلام أرجى عندي منفعة من إني لا أتطهر طهورًا تامًا في ساعةٍ من ليل ولا نهار، إلا صليت بذلك الطهور ما كتب الله لي أن أصلي.
وأخبرني عن الرميصاء أنه رآها في الجنة.
أخرجاه (٥) عن جابر بن عبد الله.
стр. 1356
[الرميصاء: قال ابن الأثير: (يقال غمصت العين ورمصت، من الغمص والرمص، وهو البياض الذي تقطعه العين ويجتمع في زوايا الأجفان، والرمص: الرطب منه، والغمص: اليابس، والغمص والرمص: جمع أغمص وأرمص، وانتصبا على الحال لا على الخبر، لأن أصبح تامة، وهي بمعنى الدخول في الصباح. قاله الزمخشري) أهـ من النهاية].
وأخبر في يوم صلاة الكسوف (١)، أنه عرضت عليه الجنة والنار، وأنه دنت منه الجنة، وأنه هم أن يأخذ منها قطفًا من عنب.
وفي الصحيحين (٢): من طريق الزهري: عن سعيد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ ": رأيت عمرو بن عامر بن لحي الخزاعي ... يجر قصبة في النار".
[قصبه: القصب: المعى].
وقال في الحديث الآخر (٣): "ورأيت فيها صاحب المحجن".
وقال رسول الله ﷺ (٤) "دخلت امرأة النار، في هرة حبستها حتى ماتت، فلا هي أطعمتها وسقتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض" "ولقد رأيتها تخمشها".
وأخبر (٥) عن الرجل الذي ينحي غصن شوكٍ عن طريق المارة، فقال: "فلقد رأيته يستظل به في الجنة".
وفي الحديث في صحيح مسلم (٦): عن أبي هريرة، بلفظ آخر.
стр. 1357
وفي الصحيحين (١): عن عمران بن حصين، أن رسول الله ﷺ قال: "اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار، فرأيت أكثر أهلها النساء".
وفي صحيح مسلم (٢): من طريق المختار بن فلفل المخزومي: عن أنس، عن رسول الله ﷺ قال: "والذي نفسي بيده، لو رأيتم ما رأيت، لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا" قالوا: يا رسول الله فما رأيت؟ قال: "رأيت الجنة والنار".
وأخبر (٣) أن المتوضئ إذا تشهد بعد وضوئه فإنه تفتح له أبواب الجنة، يدخل من أيها شاء.
وفي صحيح البخاري (٤): من حديث شعبة، عن عدي بن ثابتٍ، عن البراء بن عازبٍ، قال: لما توفي إبراهيم ابن رسول الله ﷺ قال: "إن له لمرضعًا في الجنة".
وقال البيهقي (٥): أخبرنا الحاكم .... [وساق سنده].
عن أبي هريرة (٦)، قال: قال رسول الله ﷺ : "أولاد المؤمنين في جبل الجنة، يكفلهم إبراهيم وسارة حتى يردهم إلى آبائهم يوم القيامة".
وكذا رواه وكيع: عن سفيان-وهو الثوري-والأحاديث في هذه كثيرة جدًا.
وقال الله تعالى (٧): ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
والجمهور على أن هذه جنة المأوى أهـ (النهاية في الفتن والملاحم).
стр. 1358
الفقرة الحادية عشر
﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾
في تاريخ العالم ظهرت ممالك ودول وإمارات وظهر ملوك ورؤساء وأمراء، وكل ذلك يخلقه ﷻ بعلمه وإرادته وقدرته وكل ما خلقه الله إنما خلقه ليتعرف المكلفون على مملكته وأسمائه، فمن خلال معرفة الحكم والملك تعرف أسمي الله: الحكم والملك، ومن خلال سعة الكون تعرف عظمة الله وتعرف أسم الله: العظيم، ولكن مهما تأمل الإنسان وتفكر فإنه لا يقدر الله حق قدره، قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ (٢). أنظر إلى اسم الملك وتدبر ما مر معنا في هذا القسم فهل تقدر هذا الاسم حق قدره؟.
أنظر إلى سعة هذا الكون وما فيه من مخلوقات غيبية وحسية تعرف سعة مملكته وهو قادر على أن يخلق ما لا يتناهى من أمثالها وغير أمثالها، ثم أنظر إلى انتظام مملكته وحسن تقديره وبديع صنعه ولطيف حكمته وجميل إحسانه، ثم أنظر إلى أن كل ما قضاه أن يكون مسجلًا في أم الكتاب وهو اللوح المحفوظ، وإن كل ما يجري لا يخرج عما سجله القلم، وأنت ترى عجز الملوك والحكام عن التخطيط الشامل، وترى عجزهم عند تنفيذ كل ما سطروه، ثم أنظر إلى ترتيبات شيءون الملائكة لتعرف أي جند جنده، ثم أنظر إلى اصطفاء الرسل وإنزال الشرائع لتعرف أي كمال في رسله ورسالاته، ثم أنظر إلى قهره في الدنيا وإمداده لتعرف انتقامه وحلمه، ثم تأمل أي سجن أعده للمخالفين عن أمره: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ (٣). وتأمل مكافأة أوليائه بالجنة، ثم تأمل كيف يقيم الحجة على خلقه بالإشهاد والكتابة والحساب لتعرف عدله، ثم تأمل هول الموقف إذ يقف الناس صافين أقدامهم رافعي رؤوسهم غاية الاستعداد والخوف، وكيف تأتي الملائكة صفًا صفًا وكيف تحف الملائكة بالعرش لتعرف أي جلال جلاله. ثم أنظر إلى قبول شفاعة الشفعاء لتعرف أي إكرام إكرامه.
стр. 1359
إن غاية ما ذكر من جلال الملوك ومن ترتيباتهم ومن عدلهم ومن قهرهم ومن سعة سلطانهم ومن أعمالهم أن تتعرف من خلال نقصهم على كماله ومن خلال كمالاتهم على حقارة ذلك بالنسبة لكمالاته.
فاعرف أيها المسلم أن الملك الحق هو الله وكن له عبدًا بكل ما تقتضيه صفات العبودية وترنم مع الحداة:
لا تدعني إلا بيا عبده ... فإنه أشرف أسمائي
* * *
стр. 1360
خاتمة الباب الثاني
ذكرنا في فصل اليوم الآخر بعض ما يكون بين يدي الساعة، كما ذكرنا عن الموت والحياة البرزخية.
وذكرنا بعض ما يكون يوم القيامة وما بعد ذلك، وما ذكرناه في هذا الفصل هو بعض ما ورد في اليوم الآخر، فالنصوص في شأن اليوم الآخر أوسع؛ لأن الكلام عن اليوم الآخر نجده من الكثرة في نصوص الكتاب والسنة بحيث يحتاج الإنسان لاستكمال المعرفة للمكنة إلى دراسة الكتاب والدراسة، ولكن الحاجة إلى التعليم تقتضي التبويب.
والمطلوب من المسلم أن يكون عنده تصور إجمالي عن اليوم الآخر، ويندب له أن يعرف التفصيلات ما استطاع إلى ذلك سبيلا، كما يطالب المسلم بالتصديق والتسليم، وألا يفر إلى التأويل في شأن اليوم الآخر، إلا إذا وجد الراسخين في العلم من أهل السنة والجماعة يؤولون، فله بهم أسوة، والتفويض أسلم وأحكم وأدل على الإيمان، كما أن مما يندب للمسلم أن يتأمل في ما هو كائن من أحداث اليوم الآخر فيتأمل ما أخبر به الرسول ﷺ ووقع، ليزيد ذلك يقينًا فيما أخبر عنه ولم يقع، أنه واقع، فيتذكر قرب الساعة ويتذكر ما يكون بين يديها من أهوال وفتن، فينوي ويدعو أن يكون ظاهرًا وباطنًا على ما هو الأحب إلى الله تعالى.
ثم ليتذكر الموت وليتأمل ما ورد في الحياة البرزخية ويجدد مع الله نية، ثم يتذكر النفخة الأولى وما يكون فيها ما يحدث للأرض والسموات، وما يحدث للمخلوقات، ثم يتذكر النفخة الثانية وما يكون بعدها من نشر وحشر، وموقف وشفاعة لرسول الله ﷺ لفصل الخطاب، وما يكون بعد ذلك من جدال ومعاذير، وإقامة حجة وتميز لأهل التوحيد والإيمان عن أهل الشرك والكفر، وليتذكر بعث النار، وليتذكر قبل ذلك الجنة والنار وقد جيء بهما ثم ليتذكر حال العطش، وأن الري لا يكون إلا من الحوض، وليحذر أن يرد عن الحوض، ثم ليتذكر الحساب والميزان وليطلب من ربه أن يكون من الذين يدخلون الجنة بغير حساب. وليتذكر انحباس الناس دون الصراط فلا يعبرون إلا
стр. 1361
بشفاعة جديدة من رسول الله ﷺ ، ثم ليتذكر المرور على الصراط، ويتذكر أن على الصراط قناطر، فيتذكر هول المرور وهول المقاصة، ثم ليتذكر أنه حتى إذا تجاوز الصراط فإنه لا دخول إلى الجنة إلا بعد أن يتطهر من أمراضه القلبية كلها، ليكون مؤهلا لهيئة أهل الجنة في طولهم وحسنهم وعرضهم، ثم ليتذكر أنه لا دخول إلى الجنة إلا بشفاعة جديدة من رسول الله ﷺ ، فيعرف لهذا الرسول ﷺ بعض قدره، ثم ليتذكر الجنة وما أعده الله فيها، وليذكر تفاوت الناس في منازلهم فيطلب ويعمل ليكون من أهل عليين وليتذكر النار وأهلها الباقين فيها، وأهلها الذين يخرجون بشفاعات الشافعين، فينوى ويعمل ويدعو ويبكي من أجل أن يكون من الشافعين، وهكذا فلتكن لك يا أخي المسلم جولات من التأملات اليومية فيما سيكون، فهذا باب كثرت عنه الغفلة، فقل داخلوه وهو الذي لو عقل الناس ما نسوه طرفة عين، ومع هذا كله فإنه مما ينبغي أن يكون له من يومك نصيب تلاوة القرآن الكريم والتأمل في كل آية، فإن فيه علم الأولين والآخرين، وتأمل الآيات التي تتحدث عن اليوم الآخر وتدبرها وأعطها حقها من الرهبة والرغبة، فتلك من سنن المرسلين عليهم الصلاة والسلام، ثم ليكن لك نظرك في السنة النبوية وما فيها من تذكير بما يستقبل الإنسان، فإن استطعت أن تبكي فتلك علامة على سلامة القلب وعلى تشربه العلم والحكمة، ولينبثق عن ذلك كله قيام بحق الله ابتداء بكثرة العبادة والذكر، وتوسطًا بالقيام بحقوق الله، وحقوق العباد في المعاملة وانتهاء بتعلق القلب بالله وبيعًا للنفس في مرضاته.
ولننتقل الآن إلى الباب الثالث من قسم العقائد وهو تحت عنوان: (مباحث عقدية).
стр. 1362
الباب الثالث
في:
مباحث عقدية
وفيه:
مقدمة وفصول
стр. 1363
المقدمة
ذكرنا في قسم السيرة النبوية الكثير من معجزاته ﵊، وندر أن يمر معنا قسم إلا وفيه من أعلام نبوته ﵊، وأثناء تفسيرنا للقرآن مرت معنا معجزات كثيرة، والمعجزة القرآنية هي أعظم المعجزات على الإطلاق في كل العصور لظهورها وديمومتها، وظهور المعجزة على يد الرسول علامة الرسالة.
ولقد كان من سنة الله ليتأصل الإيمان ويتعمق ولتبقى حجج الله على خلقه متوالية أن جعل الكرامات على يد أوليائه استمرارًا للمعجزات وتثبيتًا لأهل الإيمان.
ومع الكرامات نجد المعونات والتأييدات والتوفيقات التي يكرم الله بها عباده المؤمنين على مقتضى الأسباب ولكن بما يظهر معه توفيق الله للمؤمنين أو بركته.
ومن المكرمات أو المعونات استجابة الدعاء، وإنما جعل ﷻ المعجزات بالقدر الذي تقوم به الحجة حتى لا تصبح عادة فتضعف بذلك حجيتها، ومن ناحية أخرى فإن الذين يكذبون بالآيات بعد ظهورها يستحقون العذاب:
قال الله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ (١).
ولقد جعل الله ظواهر الكون ومظاهره بحيث يعرف بها الله ، وجعل في المعجزات والكرامات والمعونات مزيدًا من الحجج وعلامة على قدرته، ﷻ ، ومن خلال ذلك يعرف المكلف ربه ويعرف رسل ربه وأولياءه، ويقتضي ذلك منه إيمانًا والتزامًا بوحي الله ، وإجلالًا لله ولرسله وأوليائه.
وهذا هو دين الله الإسلام، الذي هو معرفة الله ورسوله والتصديق بقول الله ورسوله، والالتزام بأمر الله ورسوله، وإذا كان الكون وقوانينه وما فيه من روائع وخدمات مسخرًا للإنسان:
стр. 1364
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (١).
﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ (٢).
﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ (٣).
وإذا كان الإنسان باحثاً عن المصلحة والمنفعة حريصا عليهما لايني يبحث عن أمور دنياه ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (٤).
فقد جعل الله أمر استكشاف الدنيا للإنسان ومن ههنا جاء قوله ﵊: "أنتم أعلم بأمور دنياكم" (٥).
وقال ﷻ : ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٦).
ومن هذا وغيره قسم علماء العقائد الأحكام التي يصدرها الإنسان إلى ثلاثة: فهناك الحكم العقلي الذي يدرك بمحض العقل.
وهناك الحكم العملي الذي يدرك بالتجربة والاستقراء والاستنتاج وهو الذي يسمونه بالحكم العادي.
وهناك الحكم الشرعي الذي يعرف بواسطة الوحي.
ولكل مجاله، ولكل وسائل البحث فيه ومن لم يعرف أنه لا يتناقض حكم عادي مع حكم عقلي أو شرعي ولا حكم عقلي مع حكم عادي أو شرعي، ولا حكم شرعي مع عقلي أو عادي فقد أخطأ التصور، ومن طلب من الشرع أن يعرفه على الحكم العادي إلا بقدر ما يحتاجه الحكم الشرعي، أو طلب من الشرع أن يعرفه بالحكم العقلي إلا الأحكام العقلية
стр. 1365
التي تحتاجها إقامة الحجة على صحة الشرع فإنه يأتي البيوت من غير أبوابها، نعم فقد يخرق الله الحكم العادي بمعجزة أو كرامة لتقوم الحجة على الخلق أو ليزداد أهل الإيمان إيمانًا.
وهناك حالة من خرق العوائد تأتي استدراجًا لأصحابها كما يظهر على يد المسيح الدجال وذلا لا يكون إلا إذا كانت حجة الله على أصحاب ذلك قائمة بأنهم كاذبون في دعواهم.
إن معرفة هذه القضايا تأتي بالدرجة العليا من الأهمية في قسم العقائد ولذلك أحببنا الإشارة إليها هنا مؤكدين ما مر معنا من قبل، وبمناسبة أننا ضممنا هذا الباب كلاما عن المشوشات على المعجزات والكرامات والمعونات.
إن في المعجزات والكرامات حجة لله على خلقه، ويشوش على ذلك في حق بعض الناس الخوارق التي هي من باب الاستدراج كما يظهر على يد المسيح الدجال، وإنما جعل الله هذا النوع من الخوارق ليبقى للعقل وللشرع دوره في الإثبات والنفي. فالاستقامة على الشرع شرط وجود الكرامة وإلا فهي استدراج، وموافقة الدعوى للحكم العقلي شرط وجود الخارقة التي هي حجة لصاحبها، فعندما يدعى المسيح الدجال الألوهية وهو أعور، وهو جسد فدعواه تنقضها العقول، فالعقول تثبت أن الله صفات الكمال وأنه تنزه عن صفات الحوادث.
ومن ههنا إن هذا النوع من الخوارق تشويشًا على المعجزة والكرامة في حق الجاهلية والسفهاء، وهناك مشوشات أخرى على المعجزات والكرامات:
فهناك الكهانة والتنجيم اللذان يشوشان على النبوءة والكشف، واللذان هما أثر عن إيحاء الشياطين وإنما يعرف أصحاب ذلك من الكذب وعدم الاستقامة.
ومن المشوشات على المعجزة والكرامة السحر، وهناك فارق بين السحر والخارق: أن السحر يجري على مقتضى عالم الأسباب، بينما المعجزة والكرامة خرق لعالم الأسباب.
ومن ههنا أدخلنا في هذا الباب فصولًا حول هذه المشوشات:
وقد وقع أهل الجاهلية في إسفافات خطيرة من جملتها قضية تحكيم الأزلام والطيرة التي تعني في النهاية تحكيم الجماد والطير في قرار الإنسان، وقد أبدلنا الله بهما الاستخارة فلا
стр. 1366
أروع ولا أشرف.
ومن طبيعة الإنسان التفاؤل والتشاؤم، ولذلك تأثيره على سلوك الإنسان وهو بشكل من الأشكال له علاقة بالتوكل، فالتفاؤل يرافقه توكل والتشاؤم إضعاف للتوكل وضعف فيه.
والإنسان بطبيعته إذا أصابته مصيبة يفر إلى غيره فإذا كان الفرار إلى الله فما أحلاه، ولكنه يفر أحيانًا إلى عالم الأسباب، فإذا كان فراره مقيدًا بالحكم الشرعي فلا حرج، ومما يفر إليه الإنسان أن ينسب أشياء إلى عالم الأسباب ناسيًا خالقها، ومما يفر إليه الإنسان التميمة والرقي، فإذا فر إلى مباح شرعًا فذلك له وجهه وإلا فقد وقع في المحظور، وقد أدخلنا هذه الأبحاث في هذا الباب لأن لها صلة بالعقائد.
ولا زال هذا الإنسان مجهولًا، ولا زال بعض الناس لهم خاصيات، ومن الخواص التي ذكرها الشارع خاصية العين، ولورودها في كلام الشارع ولأن فيها جانبًا غيبيًا أدخلناها في هذا الباب.
وانتقال المرض من إنسان لإنسان ومن حيوان لحيوان أو من حيوان لإنسان أو من إنسان لحيوان مشاهد معروف، ولكن هذه قضية متداخلة ومتسلسلة وخفية ولذلك أهدرها الشارع، وعلى هذا نفهم قوله ﵊: "لا عدوى" (١) فليس المراد بذلك أن أحدًا لا يعدي أحدًا بمرض فذلك منفي بالمشاهدة ومنفي في أحاديث أخرى لرسول الله ﷺ ؛ وإنما المراد أن العدوى لا يترتب عليها حكم ولا مسألة، ولالتباس هذا الأمر أدخلناه في العقائد.
وكان أهل الجاهلية ينذرون لأصنامهم وأوثانهم، والنذر عبادة، ثم إن النذر يعني في النهاية إنشاء لعبادة يوجبها الإنسان على نفسه، وهي قضية يختلف فيها الحكم الفقهي بالحكم الاعتقادي ويقع فيها لبس قد يوصل إلى شرك أو إثم فأدخلنا موضوع النذر ههنا، واليمين
стр. 1367
بالله فيه معنى التعظيم لله واليمين بغيره فيه تعظيم لذلك الغير، وفي كل الأحوال فإن الأمر مرتبط بالعقائد بشكل من الأشكال وإن كانت تفريعات من مسائل الإيمان تدخل في كتب الفقه، فأدخلنا هذا الموضوع ههنا.
فهذه موضوعات هذا الباب الذي أسميناه: مباحث عقدية:
السحر والكهانة والتنجيم وقطع نسبة الأشياء إلى الله والطيرة والفأل والشؤم والعدوى والعين والرقي والنذور والإيمان وقد جعلناها في فصول هذا الباب:
الفصل الأول: في بعض المشوشات الزائفة على النبوة: السحر والكهانة والتنجيم.
الفصل الثاني: في نسبة الحادثات إلى الأسباب مقطوعة عن الله .
الفصل الثالث: في الطيرة والفأل والشؤم والعدوى وما يجري مجراها.
الفصل الرابع: في العين والتمائم والرقي.
الفصل الخامس: في النذر.
الفصل السادس: في اليمين.
* * *
стр. 1368
الفصل الأول
في:
بعض المشوشات الزائفة على النبوة
السحر والكهانة والتنجيم
وفيه:
مقدمة ونقول ونصوص
стр. 1369
المقدمة
إذا أردت أن تقيم الحجة على الناس برسالات الرسل، فإن من جملة ما تحتج به خوارق العادات التي تظهر على أيديهم أو معهم، وهي التي تسمى بالمعجزات ومن جملة ذلك: إخبار الرسل عن مستقبل لم يقع فيقع كما أخبروا فإذا ما احتججت على الناس بهذا فر بعض الناس من هذه الحجج: فتحدثوا عن السحر وعن الكهانة وعن التنجيم وكأنهم يعتبرون أن ما يظهر على أيدي الرسل عليهم الصلاة والسلام هو من هذا القبيل.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ (١).
وغاب عن هؤلاء أن المعجزة لا دخل لعالم الأسباب بها، أما السحر فهو جزء من عالم الأسباب، عرفه من عرفه، وجهله من جهله، وكذلك قل فيما يحصل من غرائب بسبب رياضة روحية أو تدريبات خاصة، فما هي إلا من عالم الأسباب، أما المعجزة فليست كذلك، ولذلك كان من المهم جدًا أن يكون عند المسلم معرفة المسلم معرفة يفرق بها بين ما هو سحر وخارق للعادة سواء كان معجزة لرسول أو كرامة لولي، كذلك من المهم جدًا أن تكون عند المسلم معرفة يفرق بها بين ما هو كهانة أو تنجيم، وبين ما هو نبوءة نبي، فنبوءات الأنبياء حق خالص فما أخبروا به أنه واقع، فإنه كائن حتمًا، أما الكهانة والتنجيم فإنهما يختلط فيهما الحدس والتوسم والكذب والاحتمال، فالفارق كبير بين وحي هو أثر عن علم الله المحيط، وبين إيحاءات الشياطين وهواجس الكاذبين، وإذا صدق الكاهن يومًا فهي مرة مختلطة بأكاذيب، وهي إما بالحدس أو من باب إلقاءات الشياطين الذين قد يسمعون الكلمة من الملائكة حال استراقهم السمع فيخلطون بها ما يخلطون.
المهم أن يكون عند المسلم معرفة يميز بها بين ما هو سحر وتنجيم وكهانة، وبين ما هو معجزة وكرامة ونبوءة صادقة، والإسلام إذ ذكر المعجزة والكرامة، وأنباء الغيب لم ينف أن يكون هناك سحر وكهانة وتنجيم، إلا أنه حرم السحر والكهانة والتنجيم، وحرم على المسلم أن يكون ساحرًا أو يتبع الساحر أو يصدق الكاهن والمنجم، ومن ههنا فإن التعرف
стр. 1370
على السحر والكهانة والتنجيم له ثلاثة آثار عملية.
الأثر الأول: التمييز بين ذلك، وما يصدر عن الأنبياء والأولياء.
الأثر الثاني: ينأى المسلم بنفسه أن يدخل في دائرة دعاوي السحرة والكهنة والمنجمين.
الأثر الثالث: أن يعتقد أن السحر والكهانة لهما وجودهما، فلقد نص القرآن في أكثر من مكان على أن للسحر وجودًا قال تعالى: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ (١)، والكهانة ذكرت في السنة النبوية وإّا كان الأمر كذلك فقد عقدنا هذا الفصل ليكون المسلم على ذكر لهذه الأمور، وهذه تقول ونصوص تشير إلى بعض ما ذكرناه: