أروع ولا أشرف.
ومن طبيعة الإنسان التفاؤل والتشاؤم، ولذلك تأثيره على سلوك الإنسان وهو بشكل من الأشكال له علاقة بالتوكل، فالتفاؤل يرافقه توكل والتشاؤم إضعاف للتوكل وضعف فيه.
والإنسان بطبيعته إذا أصابته مصيبة يفر إلى غيره فإذا كان الفرار إلى الله فما أحلاه، ولكنه يفر أحيانًا إلى عالم الأسباب، فإذا كان فراره مقيدًا بالحكم الشرعي فلا حرج، ومما يفر إليه الإنسان أن ينسب أشياء إلى عالم الأسباب ناسيًا خالقها، ومما يفر إليه الإنسان التميمة والرقي، فإذا فر إلى مباح شرعًا فذلك له وجهه وإلا فقد وقع في المحظور، وقد أدخلنا هذه الأبحاث في هذا الباب لأن لها صلة بالعقائد.
ولا زال هذا الإنسان مجهولًا، ولا زال بعض الناس لهم خاصيات، ومن الخواص التي ذكرها الشارع خاصية العين، ولورودها في كلام الشارع ولأن فيها جانبًا غيبيًا أدخلناها في هذا الباب.
وانتقال المرض من إنسان لإنسان ومن حيوان لحيوان أو من حيوان لإنسان أو من إنسان لحيوان مشاهد معروف، ولكن هذه قضية متداخلة ومتسلسلة وخفية ولذلك أهدرها الشارع، وعلى هذا نفهم قوله ﵊: "لا عدوى" (١) فليس المراد بذلك أن أحدًا لا يعدي أحدًا بمرض فذلك منفي بالمشاهدة ومنفي في أحاديث أخرى لرسول الله ﷺ ؛ وإنما المراد أن العدوى لا يترتب عليها حكم ولا مسألة، ولالتباس هذا الأمر أدخلناه في العقائد.
وكان أهل الجاهلية ينذرون لأصنامهم وأوثانهم، والنذر عبادة، ثم إن النذر يعني في النهاية إنشاء لعبادة يوجبها الإنسان على نفسه، وهي قضية يختلف فيها الحكم الفقهي بالحكم الاعتقادي ويقع فيها لبس قد يوصل إلى شرك أو إثم فأدخلنا موضوع النذر ههنا، واليمين
стр. 1367
بالله فيه معنى التعظيم لله واليمين بغيره فيه تعظيم لذلك الغير، وفي كل الأحوال فإن الأمر مرتبط بالعقائد بشكل من الأشكال وإن كانت تفريعات من مسائل الإيمان تدخل في كتب الفقه، فأدخلنا هذا الموضوع ههنا.
فهذه موضوعات هذا الباب الذي أسميناه: مباحث عقدية:
السحر والكهانة والتنجيم وقطع نسبة الأشياء إلى الله والطيرة والفأل والشؤم والعدوى والعين والرقي والنذور والإيمان وقد جعلناها في فصول هذا الباب:
الفصل الأول: في بعض المشوشات الزائفة على النبوة: السحر والكهانة والتنجيم.
الفصل الثاني: في نسبة الحادثات إلى الأسباب مقطوعة عن الله .
الفصل الثالث: في الطيرة والفأل والشؤم والعدوى وما يجري مجراها.
الفصل الرابع: في العين والتمائم والرقي.
الفصل الخامس: في النذر.
الفصل السادس: في اليمين.
* * *
стр. 1368
الفصل الأول
في:
بعض المشوشات الزائفة على النبوة
السحر والكهانة والتنجيم
وفيه:
مقدمة ونقول ونصوص
стр. 1369
المقدمة
إذا أردت أن تقيم الحجة على الناس برسالات الرسل، فإن من جملة ما تحتج به خوارق العادات التي تظهر على أيديهم أو معهم، وهي التي تسمى بالمعجزات ومن جملة ذلك: إخبار الرسل عن مستقبل لم يقع فيقع كما أخبروا فإذا ما احتججت على الناس بهذا فر بعض الناس من هذه الحجج: فتحدثوا عن السحر وعن الكهانة وعن التنجيم وكأنهم يعتبرون أن ما يظهر على أيدي الرسل عليهم الصلاة والسلام هو من هذا القبيل.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ (١).
وغاب عن هؤلاء أن المعجزة لا دخل لعالم الأسباب بها، أما السحر فهو جزء من عالم الأسباب، عرفه من عرفه، وجهله من جهله، وكذلك قل فيما يحصل من غرائب بسبب رياضة روحية أو تدريبات خاصة، فما هي إلا من عالم الأسباب، أما المعجزة فليست كذلك، ولذلك كان من المهم جدًا أن يكون عند المسلم معرفة المسلم معرفة يفرق بها بين ما هو سحر وخارق للعادة سواء كان معجزة لرسول أو كرامة لولي، كذلك من المهم جدًا أن تكون عند المسلم معرفة يفرق بها بين ما هو كهانة أو تنجيم، وبين ما هو نبوءة نبي، فنبوءات الأنبياء حق خالص فما أخبروا به أنه واقع، فإنه كائن حتمًا، أما الكهانة والتنجيم فإنهما يختلط فيهما الحدس والتوسم والكذب والاحتمال، فالفارق كبير بين وحي هو أثر عن علم الله المحيط، وبين إيحاءات الشياطين وهواجس الكاذبين، وإذا صدق الكاهن يومًا فهي مرة مختلطة بأكاذيب، وهي إما بالحدس أو من باب إلقاءات الشياطين الذين قد يسمعون الكلمة من الملائكة حال استراقهم السمع فيخلطون بها ما يخلطون.
المهم أن يكون عند المسلم معرفة يميز بها بين ما هو سحر وتنجيم وكهانة، وبين ما هو معجزة وكرامة ونبوءة صادقة، والإسلام إذ ذكر المعجزة والكرامة، وأنباء الغيب لم ينف أن يكون هناك سحر وكهانة وتنجيم، إلا أنه حرم السحر والكهانة والتنجيم، وحرم على المسلم أن يكون ساحرًا أو يتبع الساحر أو يصدق الكاهن والمنجم، ومن ههنا فإن التعرف
стр. 1370
على السحر والكهانة والتنجيم له ثلاثة آثار عملية.
الأثر الأول: التمييز بين ذلك، وما يصدر عن الأنبياء والأولياء.
الأثر الثاني: ينأى المسلم بنفسه أن يدخل في دائرة دعاوي السحرة والكهنة والمنجمين.
الأثر الثالث: أن يعتقد أن السحر والكهانة لهما وجودهما، فلقد نص القرآن في أكثر من مكان على أن للسحر وجودًا قال تعالى: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ (١)، والكهانة ذكرت في السنة النبوية وإّا كان الأمر كذلك فقد عقدنا هذا الفصل ليكون المسلم على ذكر لهذه الأمور، وهذه تقول ونصوص تشير إلى بعض ما ذكرناه:
стр. 1371
نُقول
في:
السحر والكهانة والتنجيم
قال فريد وجدي في دائرة معارفه عن السحر:
قال العلماء هو ما يستعان في تحصيله بالتقرب إلى الشياطين مما لا يقدر عليه الإنسان.
قال ابن خلدون في مقدمته: هو علم بكيفية الاستعدادات، تقتدر النفوس البشرية به على التأثيرات في عالم العناصر ...
ولما كانت هذه العلوم مهجورة عند الشرائع لما فيها من الضرر ولما يشترط فيها من الوجهة إلى غير الله من كوكب أو غيره؛ كانت كتبها كالمفقودة بين الناس إلا ما وجد في كتب الأمم والأقدمين فيما قيل نبوة موسى ﵇ مثل النبط والكلدانيين، وكانت هذه العلوم في أهل بابل من السريانيين والكلدانيين، وفي أهل مصر من القبط وغيرهم، وكان لهم فيها التأليف والآثار، ولم يترجم لنا كتبهم فيها إلا القليل مثل الفلاحة النبطية من أوضاع أهل بابل فأخذ الناس منها هذا العلم، وتفننوا فيه ووضعت بعد ذلك الأوضاع مثل مصاحف الكواكب السبعة وكتاب طمطم الهندي في صور الدرج والكواكب وغيرهم.
[و] أعلم أن وجود السحر لامرية فيه بين العقلاء من أجل التأثير الذي ذكرناه وقد نطق به القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (١).
وقد شاهد الأوربيون أن في الأقيانوسية عقيدة تأثير الساحر على الإنسان منتشرة كل
стр. 1372
الانتشار، ويكيفه للاستيلاء عليه أن يملك خصلة من شعره أو أي قطعة من جسمه وقد لا يعوزه غير خرقة كانت له.
وللسحرة في أفريقيا شأن يذكر؛ فأين يتوجه السائح يجد الساحر معتبرًا كأنه شخص إلهي عنده الأسرار الملكوتية يشفي من الأمراض ويطرد المردة والجنة وينزل الأمطار على الأماكن المجدية. فلا يتحول ملك الصقع الذي هو فيه لمحاربة عدو أو لسكني جهة أو للبحث عن أنعام ضالة إلا استشارة، وجعل رأيه متنزلًا من حكيم حميد، ويدعونه هناك مانجانا أو نيانجا.
[و] تكثر عند الأفريقيين القائم والتعاويذ والطلاسم فإنهم يعزون لها أمورا خارقة للعادة تحفظ من الحسد وتشفي من الأمراض وتجلب الرزق وتوجب المحبة والانعطاف فإذا بدا لأحدهم أن طلسما أخطأ غرضا ولم ينتج النتيجة المنتظرة منه لا يشك في أصله ولا يزيد على أن يبدله بسواه معتقدًا فيه العقيدة عينها التي كانت عنده لسابقه.
ولما احتل الإسبانيون أمريكا وجدوا للسحر الاعتبار نفسه الذي لأمثالهم في جميع بقاع الأرض. رأوهم منقطعين في الفيافي يأوون إلى الغيران صائمين متقشفين محافظين على رسوم محدودة من الرياضة يزعمون أنها وصلتهم إلى مناجاة الأرواح والتسلط على نواميس الطبيعة.
ورأوا للسحرة في أمريكا الشمالية اطلاعًا واسعًا على خواص النباتات، فكانوا يصفونها للأمراض المختلفة، وكانوا يزعمون أنهم بالتأثير على صورة الشخص أو تمثاله ينتقل ذلك التأثير إلى صاحب الصورة أو التمثال فيضره أو ينفعه كما يريد الساحر.
وقد دلت المخطوطات المصرية القديمة التي وجدت على ورق البردي أن السحر كان له في مصر الاعتبار الأعلى عند جميع الطوائف حتى رتبت له رسوم وطقوس وجعلت له وظائف يقوم بها رجال الدين.
[و] الأمم التي تعتبر أنبغ الأمم في السحر والنجامة هم الكلدانيون.
وقد ذكر القرآن الكريم السحر في مواضيع كثيرة وقد مضى متقدمو الأمة معتقدين
стр. 1373
وجدوه وأنه من العلوم السرية التي يتحصل عليها بالرياضة وغيرها. ومال بعضهم وكثير من المتأخرين إلى زعم أن السحر سرعة في اليد وصناعة في التمويه وليس لها سبب ما وراء الطبيعة. وهو قول ليس له دليل يسنده، كما أنه ليس لنا دليل على إثبات السحر إلا لما نص عليه القرآن، ثم ما تقرؤه في كتب الخوارق التي ظهرت في أوروبا من منذ تسعين سنة باسم اسبرتزم وغيره مما يرينا جلياً أن هنالك عالماً روحانياً وفيه من الكائنات ما لا نتصوره وأننا نستطيع أن نناجي تلك الكائنات وتناجيا بوسائل خاصة. ومتى كان هذا ممكنا وتقرر أن الوجود عامر بالآيات المغيبة عنا فلا يبعد أن يكون السحر تابعاً لقوى روحانية وأنه ليس بمجرد صناعة أو سرعة في يد الساحر. أهـ.
وقال فريد وجدي في دائرة معارفه عن التنجيم:
قال العلامة ابن خلدون في مقدمته:
هذه الصناعة يزعم أصحابها أنهم يعرفون بها الكائنات في عالم العناصر قبل حدوثها من قبل معرفة قوى الكواكب وتأثيرها في المولدات العنصرية مفردة ومجتمعة.
ثم إنه يشترط مع العلم بقوى النجوم وتأثيراتها مزيد حدس وتخمين وحينئذ يحصل عنده الظن بوقوع الكائن.
وقد بان لك بطلان هذه الصناعة من طريق الشرع، وضعف مداركها مع ذلك عن طريق العقل مع مالها من المضار في العمران الإنساني بما تبعث في عقائد العوام من الفساد، إذا اتفق الصدق من أحكامها في بعض الأحايين اتفاقًا لا يرجع إلى تعليل ولا تحقيق فيلهج بذلك من لا معرفة له ويظن أطراد الصدق في سائر أحكامها وليس كذلك فيقع في رد الأشياء إلى غير خالقها. ثم ما ينشأ عنها كثيرًا في الدول من توقع القواطع وما يبعث عليه ذلك التوقع من تطاول الأعداء والمتربصين إلى الفتك والثورة، وقد شاهدنا من ذلك كثيرًا فينبغي أن تحظر هذه الصناعة على جميع أهل العمران لما ينشأ عنها من المضار في الدين والدول.
ولكن لا يجوز لنا الانتقال من هذه المادة حتى نورد تاريخ علم التنجيم من المصادر
стр. 1374
الأوروبية ليكون المبحث تامًا من كل وجه فنقول:
يطلق التنجيم عند الأوروبيين على صناعة الإنباء بالحوادث المستقبلية من النظر في الكواكب والحوادث العلوية. وقد رأى العلماء الباحثون في أساطير كل أمة أقوالا عن هذه الصناعة وإن لم تكن بالغة من الإتقان مبلغًا يرفعها إلى درجة العلوم المقررة. أول أمة رقت هذا العلم إلى درجته المعروفة هي أمة الكلدانيين، ثم أخذه عنهم المصريون الأقدمون وعن هؤلاء أخذه اليونان فنقله عنهم الهنديون والرومانيون. وانتقل هذا العلم من العالم القديم إلى القرون الوسطى، واشتغل به ناس كثيرون وعكفوا عليه وما زال آخذًا من الأذهان محلا إلى القرن الماضي حيث انتشرت العلوم الكونية وعرف الناس حقائق الأجرام السماوية فقل الاشتغال به وكاد يزول لولا أن العالم لا يخلو في كل زمان من رؤوس لا ترى لها لذة إلا التمسك بكل قديم وإن ناقض العقل والحس معًا، ولا تزال هذه الصناعة تأوي إلى رؤوس في الشرق والغرب فيتلقف بعض الناس ما يقوله أهلها كأنه الوحي، ويذهبون في النظر فيه وتأويله وتوجيهه كل مذهب ويلتمسون لقائليه الأعذار مهما كذبتهم الحوادث حتى إننا لنرى أن من الناس من يسهل عليه أن يتهم عقله في فهم أقوال أولئك الأفاكين ولا يسهل عليه أن يتهمهم بالإفك.
على أن مبنى هذه الصناعة ظاهر البطلان، لا يحتاج إلى إطالة بيان، وذلك أن أكثر الأقدمين كانوا يؤلهون الكواكب ويعبدونها وكانوا يتخيلون أن لكل منها نصيبًا من إرادة الكون، وكان الكلدانيون والمصريون من أكثر الأمم تشبثًا بهذه العقيدة، فلا عجب أن تكون صناعة التنجيم نتيجة لازمة لهذه العقائد الباطلة، فما دامت الكواكب آلهة وأبناء آلهة وأن لها أرواحاً وحياة وتصريفاً في الكون فما الذي يمنع من تعرف إرادتها، بوجهة حركاتها، أو بوقت اقترانها بسواها، فلما جاء الإسلام وأسقط الآلهية الخيالية والحسية وقرر عبادة الخالق الحق وحده لم يبق لصناعة التنجيم مجال لأن طبيعة الإسلام تنافي التأثير لغير الله أهـ.
وقال فريد وجدي في دائرة معارفه عن الكهانة:
والكهانة هي استخدام الجن في معرفة الأمور المغيبة، وقد كانت هذه الصناعة معروفة عند العرب فكان إذا ناب أحدهم أمر يريد معرفة دخيلته أو مستقبله منه ذهب إلى الكاهن
стр. 1375
فأخبره بما يهمه منه. وكان لكل كاهن منهم صاحب من الجن يحضر إليه فيخبره بما يريد، وليس هذا الاستخدام ببعيد عن العقل؛ فإن ما يحصل في أوروبا من استحضار الأرواح يسهل فهمه على الباحثين أهـ.
وقال البغوي في شرح ألسنة:
"فالكاهن: هو الذي يخبر عن الكوائن في مستقبل الزمان، ويدعي معرفة الأسرار، ومطالعة علم الغيب، وكان في العرب كهنة يدعون معرفة الأمور، فمنهم من كان يزعم أن له رئيسًا من الجن، وتابعة تلقي إليه الأخبار، ومنهم من كان يدعي أنه يستدرك الأمور بفهم أعطيه. والعراف هو الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات أسباب يستدل بها على مواقعها، كالمسروق من الذي سرقها، ومعرفة مكان الضالة، وتتهم المرأة بالزنى، فيقول: من صاحبها، ونحو ذلك من الأمور. ومنهم من يسمى المنجم كاهنًا" أهـ.
وقال البغوي في شرح السنة (١) مثبتًا السحر وإمكانية تأثيره على أجساد الأنبياء وأن ذلك لا يترتب عليه ضرر في مهمات الرسل:
قال الله : ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ (٢) وقال جل ذكره: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ (٣) وقال : ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ (٤). وقال : ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ (٥).
فنفي السحر جهل، والرد على من نفاه لغو وفضل.
فأما زعموا من دخول الضرر في الشرع بإثباته، فليس كذلك، لأن السحر إنما يعمل في أبدانهم [أي في أبدان الأنبياء] وهم بشر يجوز عليهم من العلل والأمراض ما يجوز على
стр. 1376
غيرهم، وليس تأثير السحر في أبدانهم بأكثر من القتل، وتأثير السم، وعوارض الأسقام فيهم، وقد قتل زكريا وابنه وسم نبينا ﷺ بخيبر. فأما أمر الدين، فإنهم معصومون فيما بعثهم الله جل ذكره، وأرصدهم له، وهو جل ذكره حافظ لدينه، وحارس لوحيه أن يلحقه فساد أو تبديل، وإنما كان خيل إليه أنه يفعل الشيء من أمر النساء خصوصًا، وهذا من جملة ما تضمنه قوله: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ (١). فلا ضرر إذا يلحقه فيما لحقه من السحر على نبوته وشريعته والحمد لله على ذلك، والسحر من عمل الشيطان يفعل في الإنسان بنفثه، ونفخه، وهمزه، ووسوسته، ويتلقاه الساحر بتعليمه إياه، ومعونته عليه، فإذا تلقاه عنه، استعمله في غيره بالقول والنفث في العقد، وللكلام تأثير في الطباع والنفوس، ولذلك صار الإنسان إذا سمع ما كره يحمي ويغضب، وربما حم منه، وقد مات قوم بكلام سمعوه، ويقول امتعضوا منه، ولولا طول الكتاب لذكرناهم. هذا كلام الخطابي في كتابه أهـ.
وقال النووي ﵀ في شرح مسلم (٢):
عمل السحر حرام، وهو من الكبائر بالإجماع، وقد عده النبي ﷺ من السبع الموبقات، ومنه ما يكون كفرًا، ومنه ما لا يكون كفرًا، بل معصية كبيرة، فإن كان فيه ما يقتضي الكفر، كفر واستبيت منه، ولا يقتل، فإن تاب، قبلت توبته، وإن لم يكن فيه ما يقتضي الكفر، عزر، وعن مالك: الساحر كافر يقتل بالسحر ولا يستتاب، بل يتحتم قتله كالزنديق، قال عياض: وبقول مالك قال أحمد وجماعة من التابعين. أهـ.
стр. 1377
نصوص
في:
السحر والكهانة والتنجيم
١٤٣٦ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: "سحر رسول الله ﷺ حتى إنه ليخيل إليه فعل الشيء وما فعله، حتى إذا كان ذات يوم وهو عندي، دعا الله ودعاه، ثم قال: "أشعرت يا عائشة، أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه؟ " قلت: وما ذاك يا رسول الله؟ فقال: "جاءني رجلان، فجلس أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، ثم قال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب، قال: ومن طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم اليهودي، من بني زريق، قال: فماذا؟ قال: في مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر، قال: فأين هو؟ قال: في بئر ذي أروان- ومن الرواة من قال: في بئر ذروان، قال: في بئر ذروان، قال: وذروان: بئر في بني زريق- فذهب النبي ﷺ في أناس من أصحابه إلى البئر فنظر إليها، وعليها نخل، قال: ثم رجع إلى عائشة، فقال: "والله لكأن ماءها نقاعة الحناء، ولكأن نخلها رؤوس الشياطين" قلت: يا رسول الله، أفأخرجته؟ قال: "لا، أما أنا فقد عافاني الله وشفاني، وخشيت أن أثور على الناس منه شرًا، وأمر بها فدفنت".
وفي رواية (١): كان رسول الله ﷺ سحر، حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن.
وفيها: رجل من بني زريق حليف ليهودي وكان منافقًا.
قال محقق الجامع: قال النووي في شرح مسلم: قال القاضي عياض: كل ما جاء في
стр. 1378
الروايات من أنه يخيل إليه فعل شيء لم يفعله ونحوه فمحمول على التخيل بالبصر، لا لخلل تطرق إلى العقل، وليس في ذلك ما يدخل لبسا على الرسالة ولا طعنًا لأهل الضلالة، قال: وقد جاء روايات هذا الحديث مبينة أن السحر إنما تسلط على جسده وظواهر جوارحه، لا على عقله وقلبه واعتقاده.
١٤٣٧ - * روى النسائي عن زيد بن أرقم ﵁ قال: سحر النبي ﷺ رجل من اليهود، فاشتكى لذلك أيامًا، فأتاه جبريل فقال: إن رجلا من اليهود سحرك، عقد لك عقدًا في بئر كذا وكذا، فأرسل رسول الله ﷺ فاستخرجها فحلها، فقام رسول الله ﷺ كأنما أنشط من عقال، فما ذكر ذلك لذلك اليهودي ولا رآه في وجهه قط.
أقول: والظاهر أن هذه حادثة أخرى غير التي ذكرتها الرواية السابقة.
١٤٣٨ - * روى مالك عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها أعتقت جارية لها عن دبر منها، ثم إن عائشة مرضت، فدخل عليها سندي، فقال: إنك مطبوبة، فقالت: من طببني؟ قال: امرأة من نعتها كذا وكذا، وقد بال في حجرها صبي، فقالت عائشة: ادع لي فلانة، لجارية لها تخدمها، فوجدوها في بيت جيران لها، في حجرها صبي قد بال، فقالت: حتى اغسل بول هذا الصبي، فغسلته: ثم جاءت فقالت لها عائشة: أسحرتيني؟ فقالت: نعم، فقالت: لم؟ قالت: أحببت العتق، قالت عائشة: والله لا تعتقي أبدًا، فأمرت ابن أخيها أن يبيعها من الأعراب ممن يسيئ ملكتها، ثم اتبع بثمنها رقبة حتى أعتقها، ففعلت. قالت عمرة: فلبثت عائشة ما شاء الله من الزمان، ثم إنها رأت في النوم أن اغتسلي من ثلاث أبور يمد بعضها بعضا، فإنك تشفين فاغتسلت، فشفيت".
стр. 1379
أقول: إن كلام السندي لعائشة يدل على أن هناك ناسًا يكتشفون السحر والساحر، وقد وجد في البيئات الإسلامية من يحلون السحر إذا وقع بطريق مشروع، مثل هذا لا حجر عليه ولا إنكار فيه، وهناك فارق بين الساحر وبين من يحل السحر أو يكتشفه.
١٤٣٩ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "من اقتبس علمًا من النجوم اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد".
١٤٤٠ - * روى البخاري عن قتادة بن دعامة قال: خلق الله هذه النجوم لثلاث، جعلها الله زينة السماء، ورجومًا للشياطين، وعلامات نهتدي بها، فمن تأول فيها غير هذا، فقد أخطأ حظه، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا يعنيه، وما لا علم له به، وما عجز عن علمه الأنبياء والملائكة، صلوات الله عليهم أجمعين.
وعن الربيع مثله، وزاد: والله ما جعل الله في نجم حياة أحدٍ ولا رزقة ولا موته، وإنما يفترون على الله الكذب، ويتعللون بالنجوم.
قال محقق الجامع:
ذكره البخاري تعليقًا ٦/ ٢١١ في بدء الخلق، باب في النجوم إلى قوله: ولا علم له به، قال الحافظ في "الفتح": وصله عبد بن حميد من طريق شيبان عنه به، وزاد في آخره: و'ن ناسًا جهلة بأمر الله قد أحدثوا في هذه النجوم كهانة، من غرس بنجم كذا كان كذا، ومن سافر بنجم كذا كان كذا، ولعمري ما في النجوم نجم إلا ويولد به الطويل والقصير، والأحمر والأبيض، والحسن والدميم، وما علم هذه النجوم وهذه الدابة وهذا الطائر شيء من هذا الغيب. أهـ.
أقول: إنما ترمى الشياطين بالشهب، والشهب جزء من عالم النجوم، فأطلق هنا الكل وأريد الجزء وذلك من باب قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ
стр. 1380
فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ (١).
قال ابن الأثير:
(الرجوم) جمع رجم، وهو مصدر سمي به ما يرجم به، ومعنى كونها رجومًا لهم: أن الشهب التي تنقض لرمي الشياطين، منفصلة من نار الكواكب، لا أنهم يرجمون بالكواكب أنفسها، لأنها ثابتة في الفلك على حالها، وما ذاك إلا كقيس يؤخذ من نار، والنار ثابتة في مكانها. أهـ.
أقول: ليس شرطًا أن تكون الشهب منفصلة عن الكواكب المرئية، بل قد تكون قطعًا من كواكب منفجرة، والمعروف أن في مجموعتنا الشمسية كوكبًا متفجرًا أضحت أجزاؤه مبعثرة، وموقعه بين المريخ والمشتري.
١٤٤١ - * روى مسلم عن صفية بنت أبي عبيد رحمها الله عن بعض أزواج رسول الله ﷺ ، عن النبي ﷺ قال: "من أتى عرافًا فسأله عن شيء فصدقة/ لم تقبل له صلاة أربعين يومًا".
١٤٤٢ - * روى الطبراني عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من أتى عرافًا لم تقبل له صلاة أربعين ليلة".
١٤٤٣ - * روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من أتى كاهنًا فصدقة بما يقول، أو أتى امرأة في دبرها- في رواية: امرأة حائضًا- فقد برئ مما أنزل على محمد".
стр. 1381
أقول: هناك ناس لهم صلة بجن مؤمنين، فهؤلاء يمكن أن يعرفوا بواسطة هؤلاء الجن بعض أحداث وقعت، فإذا ثبت صدقهم فإن هؤلاء لا يدخلون في باب الكهانة والعرافة وما يقدمونه من خدمات ليس بمستنكر إذا كانوا لا يلبسون على الناس، ولا يقربون محرمًا، وأمرهم ولا يستعملون وسيلة حركها الشارع.
١٤٤٤ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا قضي الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم، قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترق السمع- ومسترقو السمع هكذا، بعضه فوق بعض- ووصف سفيان بكفه، فحرقها، وبدد بين أصابعه- فيسمع الكلمة، فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيان الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركها الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا، كذا وكذا؟ فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء" وذكر في رواية: قراءة من قرأ (فرغ) وقال سفيان عن عمرو: (فزع) قال: وهي قراءتنا.
أقول: إن الناقل إلى الكاهن هو شيطان من الشياطين، وهو غير مؤتمن على النقل عن الملائكة أو غيرهم، وهذا فارق كبير بين وحي الأنبياء وكهانة الكهان، وحي الأنبياء معصوم، لأنه يصل إلينا بواسطة معصومين من الملائكة والنبيين، وغير ذلك محله الاتهام
стр. 1382
والتكذيب، وقد يصدق الكذوب.
١٤٤٥ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: سئل رسول الله ﷺ عن الكهان؟ فقال: "ليسوا بشيء" قالوا: يا رسول الله إنهم يحدثونا أحيانًا بالشيء، فيكون حقًا؟ فقال رسول الله ﷺ : "تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني، فيقذفها في أذن وليه، فيخلطون معها مائة كذبة".
زاد في رواية (١): "فيرقوها في أذن وليه كقرقرة الدجاجة".
وفي رواية (٢): "فيقرها في أذن وليه قر الدجاجة".
وفي رواية (٣)، قالت: سألت أنا رسول الله ﷺ .... وذكرت مثله.
وللبخاري في رواية (٤)، قال: "الملائكة تحدث في العنان- والعنان: الغمام- بالأمر يكون في السماء، فتسمع الشياطين الكلمة، فتقرها في أذن الكاهن كما تقر
стр. 1383
القارورة، فيزيدون معها مائة كذبة".
وفي أخرى له نحوه، وزاد في آخره، "من عند أنفسهم".
قال البغوي في شرح السنة في تفسير الخطف: يخطفها الجني. أي: يأخذها ويستلبها بسرعة، كما قال الله : ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ (١) أي استرق السمع بسرعة أهـ.
أقول: لابد من التفريق بين ما هو إخبار عن المستقبل وبين ما هو إخبار عن حاصل، وبين صلة إنسان مسلم بجني مسلم، وبين صلة بالشياطين، فصلة الإنسان المسلم بجني مسلم ثابتة وواقعة، وقد يترتب عليها شيء من نفع.
١٤٤٦ - * روى مسلم عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: أخبرني رجل من أصحاب النبي ﷺ من الأنصار: أنهم بينا هم جلوس ليلة مع رسول الله ﷺ رمي بنجم واستنار، فقال لهم رسول الله ﷺ : "ما كنتم تقولون في الجاهلية إذا رمي بمثل هذا؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، كنا نقول: ولد الليلة رجل عظيم، ومات رجل عظيم، فقال رسول الله ﷺ : "فإنها لا يرمى بها لموت أحدٍ ولا لحياته، ولكن ربنا- تبارك اسمه- إذا قضى أمرًا سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء الدنيا، ثم قال الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبروهم ما قال، فيستخير بعض أهل السموات بعضًا، حتى يبلغ الخبر هذه السماء الدنيا، فيخطف الجن السمع فيقذفون إلى أوليائهم، ويرمون، فما جاؤوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يفرقون فيه ويزيدون".
стр. 1384
وفي رواية (١): رجال من أصحاب رسول الله ﷺ " وزاد "وقال الله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (٢).
وللترمذي (٣) في أخرى: أن ابن عباس قال: بينما رسول الله ﷺ جالس ... وذكر الحديث، ولم يذكر فيه: عن رجل من الأنصار.
١٤٤٧ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعود قال: من أتى كاهنا أو عرافًا وتيقن بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ .
* * *
стр. 1385
الفصل الثاني
في:
نسبة الحادثات إلى الأسباب
مقطوعة عن الله
وفيه:
مقدمة ونصوص
стр. 1386
مقدمة
الإيمان بالأسباب جزء من عقيدة المسلم. ولكن الجزء الآخر من عقيدة المسلم ألا يعتمد عليها، فهذا ينافي التوكل، وألا يجعل لها تأثيرًا فهذا يتنافى مع الإيمان بشمول تعلق الإرادة الإلهية بالحوادث وشمول تعلق القدرة الإلهية بما تعلقت به الإرادة، وذلك قول بالقوة المودعة التي ذهب إليها المعتزلة وهو نوع شرك يصل بصاحبه إلى ضلال أو كفر، ولذلك قال علماؤنا: من عطل الأسباب فقد كفر، ومن جعل لها تأثيرًا فقد أشرك.
فالمسلم لا ينفي ارتباط الأسباب ببعضها ولكن يعتقد أن كل ما جرى ويجري إنما هو بعلم الله وإرادته وقدرته ولذلك كان من أذكار المسلم: لا حول ولا قوة إلا بالله. وكنموذج على ما قلناه لنأخذ حادثة المطر، فأن يتعرف الإنسان على احتمالات نزول المطر فهذا شيء مقر والله قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ (١)، ومن القديم كان العربي من خلال شمه للرياح ورؤيته للسحاب يدرك إمكانية نزول المطر، فهذا جزء من عالم الأسباب لا اعتراض ولا إنكار بل ينبغي إثباته وقد طورت في عصرنا وسائل لاستكشاف احتمالات ما يجري ولكن ما تقدمه هذه الوسائل يبقى في حدود الاحتمالات، ولكن الشيء الذي يكمل هذا التصور أن نعتقد أن ما يحدث هو بإرادة الله وعلمه وقدرته، وأن إنزال المطر النافع هو أثر رحمته وعنايته، فمن غفل عن ذلك مع صحة الاعتقاد فلا إثم عليه، ومن اعتقد أنه لا تدخل لله في ما يجري، ونسب ما يحدث إلى الأسباب قاطعًا إياها عن المسبب فهو ضال إن كان يقول بالقوة المودعة، وكافر إن كان يؤمن بأنه لا دخل ابتداء وانتهاء لله فيما يجري.
وهذا موضوع مباحثه طويلة وأدلته كثيرة وقد وفق أهل السنة والجماعة فيه للحق، وضل عنه كثيرون، وكنموذج على بعض ما ورد في هذا الشأن ما ورد في موضوع نزول المطر، فالله قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ (٢)، وقال ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى
стр. 1387
مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ * فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٢).
ومن ههنا لفت رسول الله ﷺ النظر إلى أن المسلم يستقبل المطر بنسبته إلى الله كدأب المسلم في كل شيء، وهذا لا ينفي الإيمان بعالم الأسباب.
وهذه نصوص في هذه المسألة تعرف منها موقف الإسلام بالقول بالأسباب، وألا يجعل لها تأثيرًا بل المؤثر هو الله، قال تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ (٣).
стр. 1388
النصوص
١٤٤٨ - * روى البخاري ومسلم عند زيد بن خالد ﵁، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية في أثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف، أقبل على الناس، فقال: "هل تدرون ماذا قال ربكم؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: قال: "أصبح من عبادي مؤمن بي، وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي، كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي، مؤمن بالكوكب.
وفي رواية (١) النسائي قال: مطر الناس على عهد رسول الله ﷺ ، فقال: "ألم تسمعوا ما قال ربكم الليلة؟ قال: ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبح طائفة منهم كافرين، يقولون: مطرنا بنوء كذا، ونوء كذا، فأما من آمن بس وحمدني على سقياي، فذلك الذي آمن بي، وكفر بالكوكب، ومن قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك الذي كفر بي، وآمن بالكوكب".
قال ابن الأثير:
(إثر سماء) السماء هاهنا: المطر، سمي بذلك، لأنه ينزل من السماء.
(النوء): واحد الأنواء، وهي ثمان وعشرون منزلة، ينزل القمر كل ليلة في منزلة منها، ويسقط في الغرب كل ثلاث عشرة ليلة منزلة مع طلوع الفجر، وتطلع أخرى مقابلها، فتنقضي جميعها مع انقضاء السنة، وكانت العرب تزعم أن مع سقوط المنزلة، وطلوع رقيبها: يكون مطر، فينسبون المطر إلى المنزلة، ويقولون: "مطرنا بنوء كذا" وإنما سمي نوءًا، لأنه إذا سقط الساقط منها بالمغرب ناء الطالع بالمشرق، ينوء نوءًا، أي:
стр. 1389
نهض وطلع، وقيل: إن "النوء": هو الغروب فهو من الأضداد، قال أبو عبيد: لم نسمع في النوء أنه السقوط، إلا في هذا الموضع، وإنما غلظ النبي ﷺ في أمر الأنواء، لأن العرب كانت تنسب المطر إليها، فأما من جعل المطر من فعل الله تعالى، وأراد بقوله: "مطرنا بنوء كذا" أي: في وقت كذا، وهو هذا النوء الفلاني، فإن ذلك جائز، فقد قيل: "إن عمر بن الخطاب ﵁: أراد أن يستسقى، فنادي بالعباس بن عبد المطلب: كم بقي من نوء الثريا؟ فقال: إن العلماء بها يزعمون أنها تعترض في الأفق سبعًا بعد وقوعها، فما مضت تلك السبع حتى غيث الناس، وأراد عمر: كم بقي من الوقت الذي قد جرت العادة أنه إذا تم أتى الله بالمطر، وأما قوله: "كافر بي" فيحتمل أنه أراد به الكفر الذي هو ضد الإيمان، ويحتمل أنه أراد به الكفر الذي هو ضد الشكر، يعني أنه كفر نعمة الله، حيث نسبها إلى غيره.
وعلى النجوم المنهي عنه: هو ما يدعيه أهل التنجيم من علم الكائنات والحوادث التي لم تقع وستجئ في المستقبل، وأنهم يدركون معرفتها بتسيير الكواكب، وانتقالاتها واجتماعها وافتراقها، وأن لها تأثيرًا أختياريًا في العالم، فأما من يعرف من النجوم لمعرفة الأوقات، والاهتداء بها في الطرقات، ومعرفة القبلة وأشباه ذلك، فليس به بأس. أهـ.
١٤٤٩ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ألم تروا إلى ما قال ربكم؟ قال: ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين، يقولون: الكوكب، وبالكوكب".
وفي رواية (١): أن رسول الله ﷺ قال: "ما أنزل الله من السماء من بركة إلا أصبح فريق من الناس بها كافرين، ينزل الله الغيث، فيقولون: الكوكب كذا وكذا".
وفي رواية النسائي (٢)، قال: قال رسول الله ﷺ : "قال الله ما أنعمت
стр. 1390
على عبادي من نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين، يقولون: الكوكب، وبالكوكب".
١٤٥٠ - * روى النسائي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لو أمسك الله القطر عن عباده خمس سنين، ثم أرسله لأصبحت طائفة من الناس كافرين، يقولون: سقينا بنوء المجدح".
١٤٥١ - * روى الطبراني عن العباس بن عبد المطلب قال: خرجت مع رسول الله ﷺ من المدينة فالتفت إليها فقال: "إن الله قد برأ هذه الجزيرة من الشرك ولكن أخاف أن تضلهم النجوم"، قال: "ينزل الغيث فيقولون مطرنا بنوء كذا وكذا".
* * *
стр. 1391
الفصل الثالث
في:
الطيرة والفأل والشؤم والعدوى
وما يجري مجراها
وفيه:
مقدمة ونصوص
стр. 1392
المقدمة
للوهم تأثيره على الإنسان حتى قالوا: ما قادك شيء مثل الوهم. وكثيرًا ما تعصف الأوهام بالإنسان، فتخرجه من دوائر الطمأنينة والتعقل إلى دوائر القلق والحيرة والخرق، وجاءت شريعة الإسلام وأعطت الإنسان التثبت والتعقل والطمأنينة من خلال الذكر والتوكل والتشريع بحيث غدا حرًا من تعبد الأوهام.
ومن مظاهر تعبد الإنسان للوهم أن يحكم في تصرفاته الجمادات والحيوانات، فترى أهل الجاهلية يستقسمون بالأزلام بأن يضعوا أقلامًا في شيء ما، وبعض هذه الأقلام مكتوب عليها: نعم أو لا، فإذا أراد الإنسان السفر أو غيره أدخل يده هو أو غيره فإذا خرج سهم يقول له: لا، ترك، وإذا خرج سهم يقول: نعم، فعل، فهذا مظهر من تحكيم الجماد بالإنسان، وكان من عاداتهم الطيرة التي نهى عنها الشرع، ومن صورها: إذا أراد إنسان أن يسافر أو يعمل عملا أرسل الطير، فإن رجعت عن يمينه تفاءل فأقدم، وإن رجعت عن شماله تشاءم وأحجم، فهذا مظهر من مظاهر تحكيم الحيوان بالإنسان، وعدا عن كون هذا وهذا استخفافًا في العقل البشري فهو كذلك تحكيم للوهم في إرادة الإنسان، ولذلك تأثيراته على أعصاب الإنسان وجسمه وقلبه، ولا زال بعض الناس يفعلون شبيهًا بهذا فترى بعضهم يبحث عن حظه يضربه نرد أو بإلقاء علبة أو بغير ذلك من صور، كلها تحوي فكرة تعبيد النفس للوهم، والتشاؤم كله تعبيد للنفس للوهم، وما يترتب على ذلك من انعكاسات تظهر في أمراض نفسية شتى، وما أكثر أمراض النفس التي تعد في عصرنا من اكتئاب إلى السويداء إلى الخوف إلى القلق والتشاؤم دخل في هذه الأمراض، وللعدوى دخل كبير في الوهم مع أنها حاصلة إلا أن كثرة الخشية من العدوى تورث التوهم الذي يؤدي إلى خلل مع علاقات الناس، كما أنها قد تؤدي إلى شرور بين الناس خاصة إذا أخذ الناس يرفعون دعاوي على بعضهم بأن فلانًا أعداني، أو أن إبل فلان أعدت إبلي، وهي قضايا ظنية، ومن الناحية الطبية، فالعدوى في كثير من الأحيان إنما توجد إذا وجد عند الجهة الأخرى استعداد للعدوى.
ومن ههنا أقر الشارع العدوى كحقيقة، وعلم الإنسان الاحتياط ولكنه أهدر آثارها.
стр. 1393
وهكذا عالج الإسلام الذي أنزله الله طبًا للإنسان في كل شيء، عالج الوهم في حياة الإنسان وحرره من أن يتعبد للجمادات أو الحيوانات أو للأوهام بأي شكل من أشكال التعبد والطاعة، ومن ههنا حرم الإسلام والاستسقام بالأزلام وحرم الطيرة وعالج التشاؤم وأهدر العدوى، فلم يعلق عليه آية مسؤولية، وأبدلنا كله توكلا على الله وطمأنينته قلب لقضائه، واستخارة حيث تندب الاستخارة، واستشارة حيث تندب الاستشارة، وحسن ظن بالله، وحسن ظن في الخلق في محله، وغير ذلك مما يكون عليه المسلم السوي في اعتقاده وأعماله وفي نفسه وقلبه وعقله، وهذه قضايا لا يعرف قيمتها إلا من عرف كيف تتمزق النفس بالأوهام عندما يكون إسلام أو عندما لا يكون إسلام، لم يصل بعد إلى القلب فيجعله يستقر باليقين، ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (١).
ولارتباط هذه المعاني بالعقيدة والإيمان فقد عقدنا هذا الفصل في هذا الباب.
стр. 1394
النصوص
١٤٥٢ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: إن النبي ﷺ قال: "لا عدوى، ولا صفر، ولا هامة" فقال أعرابي: يا رسول الله، فما بال إبل تكون في الرمل كأنها الظباء، فيأتي البعير الأجرب، فيدخل فيها فيجربها كلها؟ فقال: "فمن أعدى الأول".
قال البخاري: ورواه الزهري عن أبي سلمه عن عبد الرحمن، وسنان بن أبي سنان، وفي رواية سنان وحده: بنحو ذلك.
وفي رواية لأبي سلمه (١): أنه سمع أبا هريرة بعد يقول: قال النبي ﷺ : "لا يوردن ممرض على مصح". وأنكر أبو هريرة حديث الأول، قلنا: ألم تحدث: أنه "لا عدوى؟ " فرطن بالحبشية، قال أبو سلمه: فما رأيته نسي حديثًا غيره.
وفي رواية أخرى (٢) عن أبي سلمه: أن رسول الله ﷺ قال: "لا عدوى" وتحدث: أن رسول الله ﷺ قال: "لا يورد ممرض على مصح". قال الزهري: قال أبو سلمه: كان أبو هريرة يحدث بهما كليهما عن رسول الله ﷺ ، ثم صممت أبو هريرة بعد ذلك عن قوله: "لا عدوى"، وأقام على أن "لا يورد ممرض على مصح". قال: فقال الحارث بن أ [ي ذباب- وهو ابن عم أبي هريرة- قد كنت أسمعك يا أبا هريرة تحدثنا مع هذا الحديث حديثًا آخر قد سكت عنه، كنت تقول: قال رسول الله ﷺ "لا عدوى" فأبي أبو هريرة أن يعرف ذلك، وقال: "لا يورد ممرض على مصح". فماراه الحارث في ذلك حق غضب أبو هريرة فرطن بالحبشية، فقال للحارث: أتدري ماذا قلت؟ قال: لا، أبو هريرة: إني قلت: "أتيت". قال أبو سلمه: ولعمري، لقد كان أبو هريرة يحدثنا: أن رسول الله ﷺ قال: "لا عدوى". فلا
стр. 1395
أدري: أنسي أبي هريرة، أو نسخ أحد القولين الآخر؟
وفي رواية أخرى (١) قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا طيرة، وخيرها الفأل". قيل: يا رسول الله، وما الفأل؟ قال: "الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم".
وعند البخاري (٢): أن رسول الله ﷺ قال: "لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا صفر".
وله في أخرى (٣) زيادة: "وفر من المجذوم كما تفر من الأسد".
وفي رواية لمسلم (٤): أن رسول الله ﷺ قال: "لا عدوى، ولا هامة، ولا نوء، ولا صفر".
وفي أخرى (٥): "لا عدوى، ولا هامة، ولا طيرة، وأحب الفأل الصالح".
قال أبو داود: قال بقية: سألت محمد بن راشد عن قوله: "ولا هامة"؟ فقال: كان أهل الجاهلية يقولون: ليس أحد يموت فيدفن إلا خرج من قبره هامة. وعن قوله: "ولا صفر"؟ قال: كانوا يستشئمون بدخول صفر، فقال النبي ﷺ : "لا صفر". قال: وسمعت من يقول: هو وجع يأخذ في البطن، يزعمون أنه يعدي. قال أبو داود: وقال مالك: كان أهل الجاهلية يحلون صفر عامًا، ويحرمونه عامًا، فقال رسول الله ﷺ : "لا صفر".
(ولا هامة) الهام جمع هامة، وهو طائر كانت العرب تزعم أن عظام الميت تصير هامة فتطير، وكانوا يقولون: إن القتيل تخرج من هامته - أي: رأسه- هامة، فلا تزال تقول: اسقوني، حتى يقتل قاتله.
стр. 1396
(لا يورد مُمرض على مُصح) الممرض: هو الذي إبله مراض، والمصح: الذي إبله صحاح، فنهى أن يورد اصحب الإبل المراض إبله على إبل ذي الإبل الصحاح.
(فرطن) الرطانة: التكلم بالعجمية أي لغة كانت.
(فماراه) المماراة والمجادلة: المخاصمة.
(أتيت) أي: ذهبت وتغير عليك حسك، فتوهمت ما ليس بصحيح صحيحًا.
(خيرها الفأل) هو مثل أن يكون الرجل مريضًا، فيسمع آخر يقول: يا سالم. أو يكون طالبًا، فيسمع آخر يقول: يا واجد. فيقع في ظنه أن يبرأ من مرضه، ويجد ضالته، فيتوقع صحة هذه البشرى، ويتنفس بذلك نفسه؛ لأنه وقع من القائل على جهة الاتفاق، تقول منه: تفاءلت، والافتئال: افتعال منه، فالفأل: فيما يرجى وقوعه من الخير، ويتحسن ظاهره ويسر، والطيرة: لا تكون إلا فيما يسوء، وإنما أحب النبي ﷺ الفأل: لأن الناس إذا أملوا فائدة من الله، ورجوا عائدته عند كل سبب ضعيف أو قوي: فهم على خير، وإن لم يدركوا ما أملوا، فقد أصابوا في الرجاء من الله وطلب ما عنده، وفي الرجاء لهم خير معجل، ألا ترى أنهم إذا قطعوا أملهم ورجاهم من الله كان ذلك من الشر؟. فأما الطيرة: فإن فيها سوء الظن، وقطع الرجاء، وتوقع البلاء وقنوط النفس من الخير، وذلك مذموم بين العقلاء، منهي عنه من جهة الشرع.
(ولا نوء) النوء: واحد الأنواء، وهو ثمانية وعشرون نجمًا، هي منازل القمر، تسقط كل ثلاث عشرة ليلة، منها منزلة من طلوع الفجر وتطلع أخرى مقابلها، فتنقضي هذه الثمانية والعشرون مع انقضاء السنة، وكانت العرب تزعم أن مع سقوط المنزلة وطلوع نظيرها يكون مطر، فينسبون المطر إلى المنزلة، ويقولون: مطرنا بنوء كذا، وإنما سمي نوءًا لأنه إذا سقط الساقط منها بالمغرب ناء الطالع بالمشرق، أي: طلع ونهض، وقيل: إن النوء هو الغروب، وهو من الأضداد، قال أبو عبيد: ولم يسمع في النوء أنه السقوط إلا في هذا الموضع.
وإنما غلظ النبي ﷺ في أمر الأنواء، لأن العرب كانت تنسب المطر إليها، فأما من
стр. 1397
جعل المطر من فعل الله ، وأراد بقوله: مطرنا بنوء كذا، أي: في وقت كذا، وهو هذا النوء الفلاني، فإن ذلك جائز.
وفي معنى النوء قال البغوي في شرح السنة:
قوله: "ولا نوء" أراد به ما كانت العرب تنسب المطر إلى أنواء الكواكب الثمانية والعشرين التي هي منازل القمر، وتقول: مطرنا بنوء كذا، فأبطل الشرع أن يكون بنوء النجوم شيء إلا بإذن الله أ. هـ.
أقول: لقد لاحظنا في الحديث الذي مر معنا إثبات العدوى، ولذلك ورد: لا يوردن ممرض على مصح. كما رأينا أن فيه نفي العدوى، والجمع بينهما أن الشارع أثبت العدوى كواقع، وطالب بالاحتياط منها، ونفى أن يترتب على العدوى مسؤولية قضائية.
وقد مر في الحديث النهي عن التشاؤم بذكر ما جرت عادة العرب أن تتشاءم منه، ومن ذلك التشاؤم من صفر، وأبطل الحديث خرافة الهامة التي كانت موجودة عند العرب في الجاهلية ولا زالت بعض الشعوب تتشاءم حيث لا ينبغي التشاؤم، ومن ذلك تشاؤم الغربيين بالعدد رقم- ١٣ - ، وهو من قبيل تشاؤم الجاهلية.
١٤٥٣ - * روى الترمذي عن عبيد الله بن مسعود ﵁، قال: قام فينا رسول الله ﷺ مقامًا، فقال: "لا يعدي شيء شيئًا". فقال أعرابي: يا رسول الله، فما بال الإبل يأتيها البعير الأجرب الحشفة بذنبه فيجربها كلها؟ فقال رسول الله ﷺ : "فمن أجرب الأول منها؟ ألا لا عدوى ولا صفر، إن الله خلق كل نفس وكتب حياتها ورزقها ومصائبها ومحابها".
١٤٥٤ - * روى مسلم عن عمرو بن الشريد ﵁، عن أبيه قال: كان في وفد ثقيف رجل مجذوم، فأرسل إليه النبي ﷺ : "إنا قد بايعناك، فارجع".
стр. 1398
أقول: هذا الحديث أحد الأدلة على أن العدوى ثابتة بالشرع، وإنما المنفي هو إثبات المسؤولية المادية بسببها.
١٤٥٥ - * روى الطبراني عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا عدوى"، فقال أعرابي: يا رسول الله فإنا نأخذ الشاة الجربة فنطرحها في الغنم فتجرب. فقال رسول الله ﷺ : "يا أعرابي من أجرب الأولى".
١٤٥٦ - * روى أبو داود عن عبد الله بن مسعود ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "الطيرة شرك، الطيرة شرط، الطيرة شرك"- ثلاثًا- "وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل".
وفي رواية الترمذي (١) قال: قال رسول الله ﷺ : "الطيرة من الشرك، وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل".
ورواه أيضًا ابن حبان (٢).
(الطيرة) ما يتشاءم به من الفأل الرديء وغيره، واشتقاقها من الطير، وكانت العرب تتطير من الغراب والأخيل ونحوهما من الطير، وتتشاءم به، وترى أن ذلك مانع من الخير، فنفى الإسلام ذلك، وقال: "ولا طيرة": وهو مصدر، كالتطير، تطير الرجل تطيرًا وطيرة، كما قالوا: تخيرت الشيء تخيرًا وخيرة، ولم يجئ من المصادر على هذا القياس غيرهما.
وقال البغوي في شرح السنة مبينًا ماهية الطيرة:
وذلك أن العرب كانت تتطير ببروح الطير وسنوحها، فيصدهم ذلك عما يمموه من مقاصدهم، فأبطل النبي ﷺ أن يكون لشيء منها تأثير في اجتلاب نفع، أو ضر، ويقال:
стр. 1399
الطيرة أن يخرج لأمر، فإذا رأي ما يحب، مضى، وإن رأى ما يكره انصرف، فأما ما يقع في قلبه من محبوب ذلك ومكرهه، فليس بطيرة، إذا مضى لحاجته، وتوكل على ربه. قال ابن عباس: إن مضيت، فمتوكل، وإن نكصت فمتطير. وقال إبراهيم: قال عبد الله: لا تضر الطيرة إلا من تطير. أهـ.
(وما منا إلا) في هذا الكلام محذوف، تقديره: وما منا إلا ويعتريه التطير، ويسبق إلى قلبه الكراهة له، فحذف ذلك اختصارًا واعتمادًا على فهم السامع، وقد جاء في كتاب الترمذي أن هذا من كلام ابن مسعود، وليس من الحديث، والله أعلم.
١٤٥٧ - * روى أحمد عن بريدة ﵁، أن رسول الله ﷺ كان لا يتطير من شيء، وكان إذا بعث عاملًا سأل عن اسمه؟ فإذا أعجبه فرح به، ورئي بشر ذلك في وجهه، وإن كره اسمه رئى كراهية ذلك في وجهه.
قال ابن الأثير:
(بشر) البشر: طلاقة الوجه وأمارات الفرح التي تظهر على الإنسان عند رؤية ما يسر، أو سماعه. أهـ.
قال البغوي: وينبغي للإنسان أن يختار لولده وخدمة الأسماء الحسنة أ. هـ.
١٤٥٨ - * روى مسلم عن معاوية بن الحكم، قال: قلت يا رسول الله: منا رجال يتطيرون؟ قال: "ذلك شيء تجدونه في أنفسكم، فلا يصدنكم". قال: قلت: ومنا رجال يأتون الكهان؟ قال: "فلا تأتوهم". قال: قلت: ومنا رجال يخطون. قال: "خط نبي، فمن وافق علمه علم".
стр. 1400
قال البغوي في شرح السنة في تفسير قوله ﵇ "يخطون":
قال الخطابي: فقد يحتمل أن يكون معناه: الزجر عنه، إذ كان من بعده لا يوافق خطه، ولا ينال حظه من الصواب؛ لأن ذلك إنما كان آية لذلك النبي، وعلمً لنبوته، فليس لمن بعده أن يتعطاه طمعًا في نيله والله أعلم. روي عن طاووس قال: سمعت ابن عباس يقول: إن قومًا يحسبون بأبي جاد، وينظرون في النجوم، وما أرى لمن فعل ذلك من خلاق أهـ.
أقول: أبي جاد: المراد بها الأحرف الأبجدية نسبة على (أبجد هوز) والمعروف أن العرب تعطي لكل حرف منها عددًا، وبعض الناس يحسبون أعداد الأحرف لشيء ما وعلى ضوء ذلك يقدمون أو يحجمون. وهذا الذي نهى عنه ابن عباس وسفه أهله لأنه تحكم وتحكيم لغير العاقل بالعاقل، وهو في الأصل شيء غير معقول المعنى ولم يأت به شرع.
١٤٥٩ - * روى البخاري ومسلم، عن أنس بن مالك ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "لا عدوى، ولا طيرة، ويعجبني الفأل". قالوا: وما الفأل؟ قال: "كلمة طيبة".
وروى البخاري مثله (١)، وقال: "ويعجبني الفأل الصالح: الكلمة الحسنة".
وروى مسلم مثله (٢)، وقال: "ويعجبني الفأل: الكلمة الحسنة، الكلمة الطيبة".
قال ابن الأثير:
(لا عدوى) يقال: أعداه المريض: إذا أصابه منه بمقارنته ومجاورته أو مؤاكلته ومباشرته.
стр. 1401
١٤٦٠ - * روى الطبراني، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : "من يبلغنا من لقاحنا". فقام رجل فقال: أنا. فقال له رسول الله ﷺ : "ما اسمك"؟ قال: صخر أو جندل. فقال له رسول الله ﷺ : "اجلس". ثم قال: "من يبلغنا لبن لقاحنا"؟ فقام رجل آخر فقال له رسول الله ﷺ : "ما اسمك" قال: يعيش. قال: "بلغنا من لقاحنا".
١٤٦١ - * روى الترمذي، عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يعجبه إذا خرج لحاجة: أن يسمع: يا راشد، يا نجيح.
وفي الصحيحين (١) معناه عن أبي هريرة ﵁.
١٤٦٢ - * روى الطبراني، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : "لن ينال الدرجات العلى من تكهن أو استقم أو رجع من سفر تطيرًا". وفي رواية: "أو تطير طيرة ترده عن سفر لم ينظر إلى الدرجات العلى".
١٤٦٣ - * روى أبو داود عن قطن بن قبيصة عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "العيافة والطيرة والطرق: من الخبث".
قال ابن الأثير:
(العيافة): زجر الطير والتفاؤل بها، كما كانت العرب تفعله، عاف الطير يعيفه: إذا زجره.
стр. 1402
(الطرق): الضرب بالعصا، وقيل: هو الخط في الرمل، كما يفعله المنجم لاستخراج الضمير ونحوه، وقد جاء في كتاب أبي داود: أن الطرق: الزجر، والعيافة: الخط.
(الجبت) كل ما عبد من دون الله، وقيل: هو الكاهن والشيطان.
قال البغوي في شرح السنة:
وأراد بالعيافة: زجر الطير. والطرق: هو الضرب بالحصى، وأصل الطرق: الضرب: ومنه سميت مطرقة الصائغ والحداد؛ لأنه يطرق بها. وقال ابن سيرين: الجبت: الساحر، والطارق: الكاهن.
قال ابن جرير في (جامع البيان) ٨/ ٤٦٥:
والصواب من القول في تأويل ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ أن يقال: يصدقون بمعبودين من دون الله يعبدونهما من دون الله، ويتخذونهما إليهن، وذلك أن "الجبت" و"الطاغوت" اسمان لكل معظم بعبادة من دون الله أو طاعة أو خضوع له كائنًا مال كان ذلك المعظم من حجر أو إنسان أو شيطان، وإذ كان ذلك كذلك، وكانت الأصنام التي كانت الجاهلية تعبدها، كانت معظمة بالعبادة من دون الله، فقد كان جبوتًا وطواغيت، وكذلك الشياطين التي كانت تطيعها في معصية الله، وكذلك الساحر والكاهن اللذان كان مقبولًا منهما ما قالا في أهل الشرك بالله. أهـ.
أقول: الحاصل أن الحديث نهى عن ضرب الرمل الذي عرفنا فيما مضى أن الخط فيه لاستخراج أمر كان معجزة لنبي، وقد حرم في شريعتنا، كما حرم في الحديث الطيرة التي هي زجر الطير والبناء على خط سيرها سلبًا أو إيجابًا من العمل، كما نهى الحديث عن ضرب الحصى للبناء على ذلك، كأن يضرب الإنسان حصاة فإذا وقعت في مكان مضى لشانه وإلا أحجم، فكل ذلك وكل ما أدخله الشراح في شرح الحديث من صور على اختلاف تفسيراتهم، كل ذلك يدخل في إتباع خطوات الشيطان، فهي من الجبت الذي هو عبادة غير الله والخضوع له.
стр. 1403
١٤٦٤ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "لا عدوى، ولا صفر، ولا غول".
قال ابن الأثير:
(ولا غول) الغول: هذا الحيوان التي كانت العرب تزعم أنه يعرض لها في بضع الأوقات والطرق، فيغتال الناس، وإنه ضرب من الشياطين، وليس قوله: "ولا غول" نفيًا لعين الغول ووجوده، وإنما فيه إبطال زعم العرب في اغتياله وتلونه في الصور المختلفة، يقول: لا تصدقوا بذلك. أهـ.
أقول: إن النصوص أثبتت إمكانية تشكل الجن ببعض الصور، فهذه الحيثية ليست منفية في الحديث، ولكن تصورًا وهميًا من تصورات الجاهلية عن شيء يسمونه الغول فيتوهمون بسببه، قد أبطله الإسلام.
وقد قال الله عن الإنسان: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ (١) فالإنسان، محفوظ إلا إذا قضى الله عليه قضاء، ولذلك فإن المسلم يغلب عليه حال التوكل فلا يخشى إلا الله، فإذا داهمه أمر عمل بمقتضى أمر الله.
١٤٦٥ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا عدوى، ولا طيرة، وإنما الشؤم في ثلاث: في الفرس، والمرأة، والدار".
وفي رواية (٢) قال: ذكروا الشؤم عند النبي ﷺ ، فقال: "إن كان الشؤم: ففي الدار، والمرأة، والفرس".
стр. 1404
ولمسلم (١): "في المرأة والفرس والمسكن".
١٤٦٦ - * روى أبو داود عن سعد بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول: "لا هامة، ولا عدوى، ولا طيرة، وغن تكن الطيرة في شيء: ففي الفرس، والمرأة، والدار".
١٤٦٧ - * روى أبو داود عن أنس بن مالك ﵁، قال: قال وجل: يا رسول الله، غنا كنا في دار، كثر فيها عددنا، وكثر فيها أموالنا، فتحولنا إلى دار أخرى، فقل فيها عددنا، وقلت فيها أموالنا، فقال رسول الله ﷺ "ذروها ذميمة".
قال ابن الأثير:
(ذروها ذميمة) أي: اتركوها مذمومة، وإنما أمرهم بالتحول عنها إبطالًا لما وقع في نفوسهم من أن المكروه غنما أصابهم بسبب الدار وسكناها، فإذا تحولوا عنها انقطعت مادة ذلك الوهم، وزال ما خامرهم من الشبهة والوهم الفاسد، والله أعلم.
١٤٦٨ - * روى أحمد عن أبي حسان نحوه وفيه: قالت عائشة: والذي أنزل القرآن على محمد ما قالها رسول الله ﷺ قط إنما قال: "كان أهل الجاهلية يتطيرون من ذلك".
وفي رواية (٢): "كان أهل الجاهلية يقولون: الطيرة في الدار والمرأة والدابة".
ثم قرأت عائشة: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ (٣) الآية.
стр. 1405
١٤٦٩ - * روى البخاري ومسلم عن سهل بن سعد ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: "إن كان في شيء: ففي الفرس والمرأة والمسكن". يعني: الشؤم.
وفي رواية مسلم والنسائي عن جابر مثله (١).
قال ابن الأثير:
(إن كان الشؤم في شيء) يعني: إن كان ما يكره ويخاف عاقبته ففي هذه الثلاثة، وتخصيصه المرأة والفرس والربع والدار؛ لأنه لما أبطل مذهب العرب في التطهير بالسوانح والبوارح من الطير والظباء ونحو ذلك، قال: فإن كان لأحدكم دار يكره سكناها، أو امرأة يكره صحبتها، أو فرس لا يعجبه ارتباطه، فليفارقها، بأن ينتقل عن الدار، ويبيع الفرس، ويطلق الزوجة، وكان محل هذا الكلام محل استثناء الشيء من غير جنسه، وسبيله سبيل الخروج من كلام إلى غيره.
وقد قيل: إن شؤم الدار. ضيقها وسوء جارها، وشؤم الفرس: أن لا يغزى عليها، وشؤم المرأة: أن لا تلد.
قال ابن حجر حول هذا الحديث:
قال ابن قتيبة: ووجهه أن أهل الجاهلية كانوا يتطيرون فنهاهم النبي ﷺ وأعلمهم أن لا طيرة، فلما أبوا أن ينتهوا بقيت الطيرة في هذه الأشياء الثلاثة. قلت: فمشى ابن قتيبة على ظاهره، ويلزم على قوله: أن من تشاءم بشيء منها نزل به ما يكره، قال القرطبي: ولا يظن به أنه يحمله على ما كانت الجاهلية تعتقده بناء على أن ذلك يضر وينفع بذاته فإن ذلك خطأ، وإنما عنى أن هذه الأشياء هي أكثر ما يتطير به الناس، فمن وقع في نفسه شيء أبيح له أن يتركه ويستبدل به غيره.