١٤٦٠ - * روى الطبراني، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : "من يبلغنا من لقاحنا". فقام رجل فقال: أنا. فقال له رسول الله ﷺ : "ما اسمك"؟ قال: صخر أو جندل. فقال له رسول الله ﷺ : "اجلس". ثم قال: "من يبلغنا لبن لقاحنا"؟ فقام رجل آخر فقال له رسول الله ﷺ : "ما اسمك" قال: يعيش. قال: "بلغنا من لقاحنا".
١٤٦١ - * روى الترمذي، عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يعجبه إذا خرج لحاجة: أن يسمع: يا راشد، يا نجيح.
وفي الصحيحين (١) معناه عن أبي هريرة ﵁.
١٤٦٢ - * روى الطبراني، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : "لن ينال الدرجات العلى من تكهن أو استقم أو رجع من سفر تطيرًا". وفي رواية: "أو تطير طيرة ترده عن سفر لم ينظر إلى الدرجات العلى".
١٤٦٣ - * روى أبو داود عن قطن بن قبيصة عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "العيافة والطيرة والطرق: من الخبث".
قال ابن الأثير:
(العيافة): زجر الطير والتفاؤل بها، كما كانت العرب تفعله، عاف الطير يعيفه: إذا زجره.
стр. 1402
(الطرق): الضرب بالعصا، وقيل: هو الخط في الرمل، كما يفعله المنجم لاستخراج الضمير ونحوه، وقد جاء في كتاب أبي داود: أن الطرق: الزجر، والعيافة: الخط.
(الجبت) كل ما عبد من دون الله، وقيل: هو الكاهن والشيطان.
قال البغوي في شرح السنة:
وأراد بالعيافة: زجر الطير. والطرق: هو الضرب بالحصى، وأصل الطرق: الضرب: ومنه سميت مطرقة الصائغ والحداد؛ لأنه يطرق بها. وقال ابن سيرين: الجبت: الساحر، والطارق: الكاهن.
قال ابن جرير في (جامع البيان) ٨/ ٤٦٥:
والصواب من القول في تأويل ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ أن يقال: يصدقون بمعبودين من دون الله يعبدونهما من دون الله، ويتخذونهما إليهن، وذلك أن "الجبت" و"الطاغوت" اسمان لكل معظم بعبادة من دون الله أو طاعة أو خضوع له كائنًا مال كان ذلك المعظم من حجر أو إنسان أو شيطان، وإذ كان ذلك كذلك، وكانت الأصنام التي كانت الجاهلية تعبدها، كانت معظمة بالعبادة من دون الله، فقد كان جبوتًا وطواغيت، وكذلك الشياطين التي كانت تطيعها في معصية الله، وكذلك الساحر والكاهن اللذان كان مقبولًا منهما ما قالا في أهل الشرك بالله. أهـ.
أقول: الحاصل أن الحديث نهى عن ضرب الرمل الذي عرفنا فيما مضى أن الخط فيه لاستخراج أمر كان معجزة لنبي، وقد حرم في شريعتنا، كما حرم في الحديث الطيرة التي هي زجر الطير والبناء على خط سيرها سلبًا أو إيجابًا من العمل، كما نهى الحديث عن ضرب الحصى للبناء على ذلك، كأن يضرب الإنسان حصاة فإذا وقعت في مكان مضى لشانه وإلا أحجم، فكل ذلك وكل ما أدخله الشراح في شرح الحديث من صور على اختلاف تفسيراتهم، كل ذلك يدخل في إتباع خطوات الشيطان، فهي من الجبت الذي هو عبادة غير الله والخضوع له.
стр. 1403
١٤٦٤ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "لا عدوى، ولا صفر، ولا غول".
قال ابن الأثير:
(ولا غول) الغول: هذا الحيوان التي كانت العرب تزعم أنه يعرض لها في بضع الأوقات والطرق، فيغتال الناس، وإنه ضرب من الشياطين، وليس قوله: "ولا غول" نفيًا لعين الغول ووجوده، وإنما فيه إبطال زعم العرب في اغتياله وتلونه في الصور المختلفة، يقول: لا تصدقوا بذلك. أهـ.
أقول: إن النصوص أثبتت إمكانية تشكل الجن ببعض الصور، فهذه الحيثية ليست منفية في الحديث، ولكن تصورًا وهميًا من تصورات الجاهلية عن شيء يسمونه الغول فيتوهمون بسببه، قد أبطله الإسلام.
وقد قال الله عن الإنسان: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ (١) فالإنسان، محفوظ إلا إذا قضى الله عليه قضاء، ولذلك فإن المسلم يغلب عليه حال التوكل فلا يخشى إلا الله، فإذا داهمه أمر عمل بمقتضى أمر الله.
١٤٦٥ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا عدوى، ولا طيرة، وإنما الشؤم في ثلاث: في الفرس، والمرأة، والدار".
وفي رواية (٢) قال: ذكروا الشؤم عند النبي ﷺ ، فقال: "إن كان الشؤم: ففي الدار، والمرأة، والفرس".
стр. 1404
ولمسلم (١): "في المرأة والفرس والمسكن".
١٤٦٦ - * روى أبو داود عن سعد بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول: "لا هامة، ولا عدوى، ولا طيرة، وغن تكن الطيرة في شيء: ففي الفرس، والمرأة، والدار".
١٤٦٧ - * روى أبو داود عن أنس بن مالك ﵁، قال: قال وجل: يا رسول الله، غنا كنا في دار، كثر فيها عددنا، وكثر فيها أموالنا، فتحولنا إلى دار أخرى، فقل فيها عددنا، وقلت فيها أموالنا، فقال رسول الله ﷺ "ذروها ذميمة".
قال ابن الأثير:
(ذروها ذميمة) أي: اتركوها مذمومة، وإنما أمرهم بالتحول عنها إبطالًا لما وقع في نفوسهم من أن المكروه غنما أصابهم بسبب الدار وسكناها، فإذا تحولوا عنها انقطعت مادة ذلك الوهم، وزال ما خامرهم من الشبهة والوهم الفاسد، والله أعلم.
١٤٦٨ - * روى أحمد عن أبي حسان نحوه وفيه: قالت عائشة: والذي أنزل القرآن على محمد ما قالها رسول الله ﷺ قط إنما قال: "كان أهل الجاهلية يتطيرون من ذلك".
وفي رواية (٢): "كان أهل الجاهلية يقولون: الطيرة في الدار والمرأة والدابة".
ثم قرأت عائشة: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ (٣) الآية.
стр. 1405
١٤٦٩ - * روى البخاري ومسلم عن سهل بن سعد ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: "إن كان في شيء: ففي الفرس والمرأة والمسكن". يعني: الشؤم.
وفي رواية مسلم والنسائي عن جابر مثله (١).
قال ابن الأثير:
(إن كان الشؤم في شيء) يعني: إن كان ما يكره ويخاف عاقبته ففي هذه الثلاثة، وتخصيصه المرأة والفرس والربع والدار؛ لأنه لما أبطل مذهب العرب في التطهير بالسوانح والبوارح من الطير والظباء ونحو ذلك، قال: فإن كان لأحدكم دار يكره سكناها، أو امرأة يكره صحبتها، أو فرس لا يعجبه ارتباطه، فليفارقها، بأن ينتقل عن الدار، ويبيع الفرس، ويطلق الزوجة، وكان محل هذا الكلام محل استثناء الشيء من غير جنسه، وسبيله سبيل الخروج من كلام إلى غيره.
وقد قيل: إن شؤم الدار. ضيقها وسوء جارها، وشؤم الفرس: أن لا يغزى عليها، وشؤم المرأة: أن لا تلد.
قال ابن حجر حول هذا الحديث:
قال ابن قتيبة: ووجهه أن أهل الجاهلية كانوا يتطيرون فنهاهم النبي ﷺ وأعلمهم أن لا طيرة، فلما أبوا أن ينتهوا بقيت الطيرة في هذه الأشياء الثلاثة. قلت: فمشى ابن قتيبة على ظاهره، ويلزم على قوله: أن من تشاءم بشيء منها نزل به ما يكره، قال القرطبي: ولا يظن به أنه يحمله على ما كانت الجاهلية تعتقده بناء على أن ذلك يضر وينفع بذاته فإن ذلك خطأ، وإنما عنى أن هذه الأشياء هي أكثر ما يتطير به الناس، فمن وقع في نفسه شيء أبيح له أن يتركه ويستبدل به غيره.
стр. 1406
قال ابن العربي: معناه إن كان خلق الله الشؤم في شيء مما جرى من بعض العادة فإنما يخلقه في هذه الأشياء، قال المازري: مجمل هذه الرواية: إن يكن الشؤم حقًا فهذه الثلاث أحق به، بمعنى أن النفوس يقع فيها التشاؤم بهذه أكثر مما يقع بغيرها. وجاء عن عائشة أنها أنكرت هذا الحديث، فروى أبو داود الطيالسي في مسنده عن محمد بن راشد عن مكحول قال: قيل لعائشة إن أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "الشؤم في ثلاثة". فقالت: لم يحفظ، إنه دخل وهو يقول: "قاتل الله اليهود، يقولون الشؤم في ثلاثة". فسمع آخر الحديث ولم يسمع أوله. قلت: ومكحول لم يسمع من عائشة فهو منقطع، لكن روى أحمد وابن خزيمة والحاكم من طريق قتادة عن أبي حسان، أن رجلين من بني عامر دخلا على عائشة فقالا: إن أبا هريرة قال: غن رسول الله ﷺ قال: "الطيرة في الفرس والمرأة والدار". فغضبت غضبًا شديدًا وقالت: ما قاله، وإنما قال: "إن أهل الجاهلية كانوا يتطيرون من ذلك". انتهى. ولا معنى لإنكار ذلك على أبي هريرة مع موافقة من ذكرنا من الصحابة له في ذلك، وقد تأوله غيرها على أن ذلك سبق لبيان اعتقاد الناس في ذلك، لا أنه إخبار من النبي ﷺ بثبوت ذلك، وسياق الأحاديث الصحيحة يبعد هذا التأويل لأنه ﷺ . إنما بعث ليعلمهم ما يلزمهم أن يعتقدوه.
قال عبد الرزاق في مصنفه عن معمر: سمعت من يفسر هذا الحديث يقول: شؤم المرأة إذا كانت غير ولود، وشؤم الفرس إذا لم يغز عليه، وشؤم الدار جار السوء، وروى أبو داود في الطب عن ابن القاسم عن مالك، أنه سئل عنه فقال: كم من دار سكنها ناس فهلكوا. قال المازري: فيحمله مالك على ظاهره، والمعنى أن قدر الله ربما اتفق ما يكره عن سكني الدار فتصير في تلك كالسبب فتسامح في إضافة الشيء إليه اتساعًا. وقال ابن العربي: لم يرد مالك إضافة الشؤم إلى الدار، وغنما هو عبارة عن جري العادة فيها فأشار إلى أنه ينبغي للمرء الخروج عنها صيانة لاعتقاده عن التعلق بالباطل. وقيل: معنى الحديث أن هذه الأشياء يطول تعذيب القلب بها مع كراهة أمرها لملازمتها بالسكنى والصحبية ولو لم يعتقد الإنسان الشؤم فيها، فأشار الحديث إلى الأمر بفراقها ليزول التعذيب. أ. هـ (فتح الباري).
стр. 1407
أقول: في النصوص التي ذكرت الشؤم في الدار والمرأة والفرس حض على حسن الاختيار للمرأة والمسكن والفرس وإباحة لمفارقة ما يكرهه الإنسان منها، فكأن هذه النصوص تبين أن هذا النوع الذي يمكن أن يدخل في مسمى الطيرة لا يعتبر من الطيرة المنهى عنها والتي كان عليها الجاهلية، ويبدو أن أهل الجاهلية كانوا يتطيرون في بعض الأحوال من مجرد رؤية المرأة أو الفرس أو الدار، فهذا النوع من الطيرة منفي في الإسلام وعلى هذا يحمل كلام عائشة ﵂، وعلى الأول تحمل الروايات الأخرى.
* * *
стр. 1408
الفصل الرابع
في:
العين والتمائم والرقي
وفيه:
مقدمة ونصوص
стр. 1409
المقدمة
لم تزل في الإنسان عوالم مجهولة، ولم تزل تستكشف في الإنسان خواص وخصائص، ولم يزل الإنسان يستكشف من دقائق أسرار الكون ما يقرب إليه فهم الكثير من المغيبات، فتأثير الإشعاعات المختلفة على الجسم البشري مثلًا يقرب إلينا فكرة أن يكون لبعض أعين الناس خاصية التأثير في إنسان آخر أو في شيء ما، وهذا كلام تقوله لتقريب فكرة الإصابة بالعين التي أثبتها الشارع، إنه من خلال استقراء لحوادث كثيرة نجد أن إنسانًا ما تعرض لنوع من الضرر أو المرض بسبب رؤية من إنسان رافقتها كلمة أو لم ترافقها وهذا الموضوع أثبته الشارع وتكلم عنه وفيه جانب غيبي، ولذلك رأينا الحديث عنه وإثباته في هذا الباب، ونحن وإن كنا قد حاولنا في ما مر أنفًا أن تقرب موضع الإصابة بالعين إلى الأذهان بما ذكرناه، إلا أن أصل الموضوع لا يبحث هكذا في العادة، فالله إذا أراد أن يصيب إنسانًا بإصابة، أصابه بها عن طريق عالم الأسباب أو بشكل مباشر، وقد جعل الله جزءًا من عالم الأسباب أن يصيب أناسًا بأعين ناس، وجعل لهذا النوع من الإصابات وقاية كي لا يقع وعلاجًا إن وقع.
وبعض نصوص هذا الفصل تتحدث عن هذه الشؤون. والإنسان إذا وقع في مأزق يفر في العادة فرارين، فرارًا إلى الله بالدعاء، وفرارًا إلى عالم الأسباب بأخذ بها، فمثلًا إذا مرض المريض دعا وبحث عن العلاج، واجتماع هذين الفرارين مباح للمسلم بل مطلوب منه، ومن ههنا نجد أن الإسلام حض على الوقاية كما حض على التداوي وأذن مع التداوي بالرقية وهي نوع دعاء من الأخ لأخيه أو من الإنسان لنفسه أو هي طلب استشفاء أو شفاء من الله تعالى لنفس الإنسان أو لأخيه.
ومن ههنا وجدت نصوص في الرقية وإذا كان للرقية دخل في أمر الغيب لأنها طلب فاء من الله مباشرة فقد أدخلناها في أبحاث هذا الفصل، وقد ذهب بعض العلماء إلى جواز حمل نوع من المكتوبات يعلقها الإنسان على نفسه وعلى أهله، ليحرزهم من شر وهي ما يسمى بالتمائم، والذين أجازوهم بشروط من مثل أن تكون مفهومة وأن لا يكون فيها
стр. 1410
شرك وأن تكون بشيء مشروع؛ وإذ كان الأمر يختلط فيه ما هو مخل بالاعتقاد بما هو مباح فقد رأينا لذلك أن ندخل هذا البحث ههنا وهكذا كان عنوان الفصل: في: العين والتمائم والرقي.
стр. 1411
النصوص
١ - في: العين
١٤٧٠ - * روى مسلم عن عبد الله بن عباس ﵄ عن رسول الله صلى الله عله وسلم: "العين حق، ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين، وإذا استغسلتم فاغتسلوا".
(إذا استغسلتم فاغسلوا) كان من عادتهم: أن الإنسان إذا أصابته العين من
احد جاء إلى العائن، فجرد من ثيابه وغسل جسده ومعاطفه ووجهه وأطرافه، وأخذ المعين ذلك الماء فصبه عليه، فيبرأ بإذن الله تعالى.
قال الشوكاني في نيل الأوطار:
ظاهرة: إثبات العين التي تصيب إما بما جعل الله تعالى فيها من ذلك وأودعه إياها، وإما بإجراء العادة بحدوث الضرر عند تحديد النظر.
قال المازري: أخذ الجمهور بظاهر الحديث وأنكره طوائف من المبتدعة لغير معنى: لأن كل شيء ليس محالًا في نفسه ولا يؤدي إلى قلب حقيقة ولا فساد دليل فهو من مجوزات العقول فإذا أخبر الشرع بوقوعه لم يكن لإنكاره معنى. وهل من فرق بين إنكارهم هذا وإنكارهم ما يخبر به في الآخرة من الأمور. أهـ.
١٤٧١ - * روى أبو داود عن عائشة ﵂، قالت: كان يؤمر العائن، فيتوضأ، ثم يغتسل منه المعين.
١٤٧٢ - * روى أحمد عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "العين حق
стр. 1412
ويحضرها الشيطان وحسد ابن آدم".
أقول: ذكر الحسد بمناسبة الإصابة بالعين فيه إشارة إلى التأثير النفسي، فالإنسان يمكن أن يؤثر نفسيًا في إنسان آخر، وتختلف قوة التأثير من إنسان لآخر، وكم كلمة أمرضت إنسانًا، فكيف إذا اجتمع على نفس التأثير النفسي والكلمة الحاسدة ووسوسة الشيطان، وما يمكن أن يكون في أعين بعض الناس من خواص.
١٤٧٣ - * روى البزار عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله وسلم: "أكثر من يموت من أمتي بعد كتاب الله وقضائه وقدر بالأنفس". قال البزار: يعني بالعين.
أقول: ذكرت هذا الحديث هنا لتفسير البزار الأنفس بالأعين، وعندي أن النفس هنا قد يراد بها معنى آخر، فقد يراد بالنفس الدم، ومن عناوين الفقهاء: (ما لا نفس سائلة له) أي ما لا دم سائلًا له، فإذا كان المراد بالنفس هنا الدم ففي الحديث معجزة طبية، فما عرف في عصرنا أن أمراض الدم وما يطرأ عليه هي من أكثر مسببات الموت.
١٤٧٤ - * روى أبو داود عن شيبان القتباني أن مسلمة بن مخلد استعمل رويفع بن ثابت على أسفل الأرض، قال شيبان: فسرنا معه من كوم شريك إلى علقماء- أو من علقماء إلى قوم شريك - يريد: علقام، فقال رويفع: إن كان أحدنا في زمن رسول الله ﷺ ليأخذ نضو أخيه، على أن له النصف مما يغنم ولنا النصف، وإن كان أحدنا ليطير له النصل والريش، وللآخر القدح، ثم قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا رويفع، لعل الحياة ستطول بك بعدي، فأخبر الناس أنه من عقد لحيته، أو تقلد وترًا أو استنجى برجيع دابة أو عظم، فإن محمدًا منه بريء".
١٤٧٥ - * روى أحمد عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : "إن العين لتولع
стр. 1413
الرجل بإذن الله حتى يصعد حالقًا ثم يتردى منه".
١٤٧٦ - * روى مالك عن محمد بن أبي أسامة بن سهل بن حنيف أنه سمع أباه يقول: اغتسل أبي - سهل بن حنيف - بالخرار، فنزع جبة كانت عليه؛ وعامر بن ربيعة ينظر إليه. وكان سهل شديد البياض، حسن الجلد، فقال عامر: ما رأيت كاليوم، ولا جلد مخبأة عذراء، فوعك سهل مكانه، واشتد وعكه، فأخبر رسول الله ﷺ بوعكه، فقيل له: ما يرفع رأسه. وكان قد اكتتب في جيش. فقالوا له: هو غير رائح معك يا رسول الله، والله ما يرفع رأسه. فقال: "هل تتهمون أحدًا؟ " قالوا: عامر بن ربيعة. فدعاه رسول الله، فتغيظ عليه، وقال: "علام يقتل أحدكم أخاه؟ ألا بركت؟ اغتسل له". فغسل عامر وجهه، ويديه، ومرفقيه، وركبتيه، وأطراف رجليه، وداخله إزاره، في قدح، ثم صب عليه من ورائه، فبرأ سهل من ساعته.
وفي رواية (١) نحوه على قوله: واشتد وعكه وبعده: فأتى رسول الله ﷺ ، فأخبره بالذي كان من شأن عامر، فقال رسول الله ﷺ : "علام يقتل أحدكم أخاه؟ ألا بركت؟ إن العين حق، توضأ له". فتوضأ له عامر، وصب عليه من خلفه، فراح سهل مع رسول الله ﷺ ليس به بأس.
وفي بيان ما ينبغي فعله للمصاب قال البغوي:
قال الزهري: يؤتي الرجل العائن بقدح، فيدخل كفه فيه، فيمضمض، ثم يمجه في القدح، ثم يغسل وجهه في القدح، ثم يدخل يده اليسرى، فيصب على كفه اليمنى في
стр. 1414
القدح، ثم يدخل يده اليمنى، فيصب على يده اليسرى، ثم يدخل يده اليسرى، فيصب على مرفقه الأيمن، ثم يدخل يده اليمنى، فيصب على مرفقه الأيسر، ثم يدخل يده اليسرى، فيصب على قدمه اليمنى، ثم يدخل يده اليمنى، فيصب على قدمه اليسرى، ثم يدخل يده اليسرى، فيصب على ركبته اليمنى، ثم يدخل يده اليمنى، فيصب على ركبته اليسرى، ثم يغسل داخلة إزاره، ولا يوضع القدح في الأرض، ثم يصب على رأس الرجل الذي أصيب بالعين من خلفه صبة واحدة.
واختلفوا في غسل داخلة الإزار: قال أبو عبيد: إنما أراد بداخلة إزاره، طرف إزاره: الذي يلي جسده، مما يلي الجانب الأيمن، فهو الذي يغسل قال: ولا أعلمه إلا جاء مفسرًا في بعض الحديث هكذا. أهـ.
وقال البغوي في شرح السنة مبينًا أدب الرؤية لما يعجب:
وروى هاشم بن عروة، عن أبيه انه كان إذا رأى من ماله شيئًا يعجبه، أو دخل حائطًا من حيطانه قال: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله، وروي عن عائشة أنها كانت لا ترى بأسًا أن يعوذ في الماء، ثم يعالج به المريض، وقال مجاهد: لا بأس أن يكتب القرآن ويغسله، ويسقيه المريض، ومثله عن أبي قلابة، وكرهه النخعي، وابن سيرين.
وروي عن ابن عباس أنه أمر أن يكتب لامرأة تعسر عليها ولادتها، آيتين من القرآن وكلمات، ثم يغسل وتسقى. وقال أيوب: رأيت أبا قلابة كتبت كتابًا من القرآن، ثم غسله بماء، وسقاه رجلًا كان به وجع، يعني: الجنون أهـ.
وقال الشوكاني في نيل الأوطار:
أرشد الشارع إلى ما يدفعه بقوله في قصة سهل بن حنيف المذكورة "ألا بركت عليه" وفي رواية ابن ماجه: "فليدع بالبركة". ومثله عند ابن السني من حديث عامر ابن ربيعة. وأخرج البزار وابن السني من حديث أنس رفعه: "من رأى شيئًا فأعجبه فقال ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم يضره". وقد اختلف في القصاص بذلك، فقال القرطبي: لو أتلف العائن شيئًا ضمنه، ولو قتل فعليه القصاص أو الدية إذا تكرر ذلك
стр. 1415
منه بحيث يصير عادة وهو في ذلك كالساحر. قال الحافظ: ولم تتعرض الشافعية للقصاص في ذلك بل منعوه وقالوا: إنه لا يقتل غالبًا ولا يعد مهلكًا. وقال النووي في الروضة: ولا دية فيه ولا كفاترة؛ لأن الحكم إنما يترتب على منضبط عام دون ما يختص ببعض الناس في بعض الأحوال مما لا انضباط له كيف ولم يقع منه فعل أصلًا وإنما غايته حسد وتمن لزوال نعمة، وأيضًا فالذي ينشأ عن الإصابة حصول مكروه لذلك الشخص ولا يتعين المكروه في زوال الحياة فقدي حصل له مكروه بغير ذلك من أثر العين. ونقل ابن بطال عن بعض أهل العلم أنه ينبغي للإمام منع العائن إذا عرف بذلك من مداخلة الناس وأن يلزم بيته، فإن كان فقيرًا رزقه ما يقوم به فإن ضرره أشد من ضرر المجذوم الذي أمر عمر بمنعه من مخالطة الناس، وأشد من ضرر الثوم الذي منع الشارع أكله من حضور الجماعة. قال النووي: هذا القول صحيح متعين لا يعرف عن غيره تصريح بخلافه. أهـ.
١٤٧٧ - (١) روي البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: "إن العين حق". ونهى عن الوشم.
١٤٧٨ - * روى ابن ماجة عن أبي سعيد، قال: كان رسول الله صلي الله عليه وسلم يتعوذ من عين الجان ثم أعين الإنس، فلما نزل المعوذتان أخذهما وترك ما سوي ذلك.
١٤٧٩ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: رخص رسول الله صلي الله عليه وسلم في الرقية من العين، والحمة، والنملة.
وفي رواية أبي داود (١) قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "لا رقية إلا من عين أو حمة
стр. 1416
أو دم يرقأ".
وفي رواية لم يذكر العين.
قال ابن الأثير:
(النملة): قروح تخرج في الجنبين، وقد تخرج في غير الجنب، ترقى فتذهب بإذن الله تعالى.
(لا رُقية إلا من عين أو حُمة) تخصيصه العين والحمة لا يمنع جواز الرقية في غيرهما من الأمراض، لأنه قد ثبت أنه رقى بعض أصحابه من غيرهما، وإنما معناه: لا رقية أولى وأنفع من رقية العين والسم، كما قيل في المثل: لا فتى إلا علي، ولا سيف إلا ذو الفقار.
١٤٨٠ - * روى البخاري عن أم سلمة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال لجارية في بيتها رأى في وجهها سفعة - يعني: صفرة - فقال: "بها نظرة، استرقوا لها".
١٤٨١ - * روى مالك عن عروة بن الزبير ﵁، أن رسول الله ﷺ دخل بيت أم سلمة وفي بيتها صبي يبكي، فذكروا أن به العين، فقال أن رسول الله ﷺ : "ألا تسترقون له من العين؟ ".
١٤٨٢ - * روى الترمذي عن عمران بن حصين ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "لا رقية إلا من عين أو حمة".
стр. 1417
١٤٨٣ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يأمر أن نسترقي من العين. وفي رواية: (١) "أمرني".
١٤٨٤ - * روى الترمذي عن عبيد الله بن رفاعة الزرقي ﵁، أن أسماء بنت عميس قالت: يا رسول الله، إن ولد جعفر تسرع إليهم العين. أفأسترقي لهم؟ قال: "نعم، فإنه لو كان شيء سابق القدر لسبقته العين".
стр. 1418
٢ - في: التمائم
قال البغوي في شرح السنة:
التمائم: جمع التميمة، وهي خرزات كانت العرب تعلقها على أولادهم يتقون بها العين بزعمهم، فأبطلها الشرع، ويقال: التميمة: قلادة يعلق فيها العود.
وقال عطاء: لا يعد من التمائم ما يكتب من القرآن. وسئل سعيد بن المسيب عن الصحف الصغار يكتب فيه القرآن، فيعلق على النساء والصبيان؟ فقال: لا بأس بذلك إذا جعل في كير من ورق، أو حديد، أو يخرز عليه. أهـ.
١٤٨٥ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا فرغ أحدكم في النوم فليقل: أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعذابه وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون، فإنها لن تضره". وكان عبد الله يلقنها من بلغ من أولاده، ومن لمي بلغ منهم، كتبها في صك وغلقها في عنقه.
قال محقق الجامع:
هذا عمل صحابي، وقد اختلف العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم في تعليق التمائم التي من القرآن وأسماء الله وصفاته، فقالت طائفة: يجوز ذلك، وهو عمل عبد الله بن عمرو بن العاص وغيره من الصحابة والتابعين، وحملوا حديث "إن الرقى والتمائم والتولة شرك" على التمائم التي فيها شرك، وقالت طائفة: لا يجوز ذلك، وهو قول عبد الله بن مسعود وابن عباس وغيرهما من الصحابة والتابعين، والأفضل ترك تعليق التمائم من القرآن وغيره، واستعمال الترقية بالمعوذات وغيرهما كما ورد ذلك عن الصادق المصدوق ﷺ في
стр. 1419
أحاديث كثيرة.
١٤٨٦ - * روى أحمد عن مالك بن أنس ﵀ سئل عن تعليق التمائم والخرز فقال: ذلك شرك، وقال: بلغني أن ابن عمر قال: سكعت رسول الله ﷺ يقول: "ما يبالي ما أتى من شرب ترياقًا، أو تعلق تميمة".
١٤٨٧ - * روى الترمذي عن عيسى بن حمزة قال: دخلت على عبد الله بن عكيم - أبي معبد الجهني- أعوده وبه حمرة، فقلت: ألا تعلق تميمة؟ فقال: نعوذ بالله من ذلك، قال رسول الله ﷺ : "من تعلق شيئًا وكل إليه".
١٤٨٨ - * روى أبو داود عن جابر بن عبد الله ﵄، أن رسول الله ﷺ سئل عن النشرة، فقال: "هو من عمل الشيطان".
قال ابن الأثير:
(النشرة) كالتعويذ والرقية، يقال: نشرته تنشيرًا: إذا رقيته وعوذته، وإنما سميت نشرة، لأنها يتشر بها عن المريض، أي: يحل عنه ما خامره من الداء .. أهـ.
والنشرة المنهي عنها: هي النوع الذي كان أهل الجاهلية يعالجون به.
قال البغوي في شرح السنة:
والنشرة: ضرب من الرؤية يعالج بها من كان يظن به مس الجن، سميت نشرة لأنه ينشر بها عنه، أي: يحل عنه ما خامره من الداء، وكرهها غير واحد، منهم إبراهيم وحكي عن الحسن أنه قال: النشرة من السحر، وقال سعيد بن المسيب: لا بأس بها. أهـ.
стр. 1420
١٤٨٩ - * روى ابن ماجة عن عمران بن الحصين أن النبي ﷺ رأى رجلًا في يده حلقة من صفر فقال: "ما هذه الحلقة"؟ قال: هذه من الواهنة، قال: "انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنًا.
١٤٩٠ - * روى أحمد عن عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ : أبصر على عضد رجل حلقة أراه قال: من صفر قال: "ويحك ما هذه؟ " قال: من الواهنة. قال: "أما أنها لا تزيدك إلا وهنًا انبذها عنك فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدًا".
١٤٩١ - * روى أحمد عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من يعلق تميمة فلا أتم الله له ومن يعلق ودعة فلا ودع الله له".
١٤٩٢ - * روى أحمد عن عقبة بن عامر الجهني أن رسول الله ﷺ أقبل إليه رهط فبايع تسعة وأمسك عن واحد فقيل له يا رسول الله بايعت تسعة وتركت هذا؟ قال: "إن عليه تميمة" فأدخل يده فقطعها فبايعه. وقال: "من علق تميمة فقد أشرك".
стр. 1421
٣ - في: الرقى
قال البغوي في شرح السنة:
والمنهي من الرقي ما كان فيه شرك، أو كان بذكر مردة الشياطين، أو ما كان منها بغير لسان العرب، ولا يدرى ما هو، ولعله يدخله سحر، أو كفر، فأما ما كان بالقرآن، وبذكر الله ، فإنه جائز مستحب. أهـ.
قال الشوكاني في نيل الأوطار:
قال الربيع: سألت الشافعي عن الرقية فقال: لا بأس أن ترقى بكتاب الله وبما تعرف من ذكر الله. قلت: أيرقي أهل الكتاب المسلمين؟ قال: نعم إذا رقوا بما يعرف من كتاب الله وذكر الله. أهـ.
أقول: وللشافعي فيما ذهب إليه من جواز رقية أهل الكتاب للمسلمين ما يستدل به كما سنرى، وإذا حدث شفاء فإن ذلك ليس من باب الكرامة للراقي، وإنما هو من باب المعجزة لرسوله.
١٤٩٣ - * روى مسلم عن عمران بن حصين ﵁ قال: قال نبي الله ﷺ : " يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بغير حساب" قالوا: ومن هم يا رسول الله؟ قال: "هم الذين لا يكتوون، ولا يسترقون، وعلى ربهم يتوكلون"، فقام عكاشة فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: "أنت منهم"، فقام رجل فقال: يا نبي الله، ادع الله أن يجعلني منهم، قال: "سبقك بها عكاشة".
وفي رواية (١) نحوه، وزاد فيه "ولا يتطيرون" ولم يذكر فيها قول عكاشة إلى آخره.
стр. 1422
١٤٩٤ - * روى أحمد عن عبد الله بن مسعود قال التزمنا الحديث عند رسول الله ﷺ ذات ليلة ثم غدونا إليه فقال: "عرضت على الأنبياء الليلة بأتمها فجعل النبي يمر ومعه الثلاثة والنبي يمر ومعه العصابة، والنبي يمر ومعه النفر، والنبي ليس معه أحد، حتى مر على موسى ﵁ معه كبكبة من بني إسرائيل فأعجبوني فقلت: من هؤلاء؟ فقيل هذا أخوك موسى معه بنو إسرائيل" قال: "فقلت فأين أمتي؟ فقيل: لي: انظر عن يمينك فنظرت فإذا الأفق قد سد بوجوه الرجال فقيل لي أرضيت؟ فقلت: رضيت رب" قال: "فقيل لي إن مع هؤلاء سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب" فقال النبي ﷺ : "فدى لكم أبي وأمي وإن استطعتم أن تكونوا من السبعين الألف فافعلوا، فإن قصرتم فكونوا من أهل الضراب، فإن قصرتم فكونوا من أهل الأفق فأني قد رأيت ثم ناسًا يتهاوشون": فقام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله لي يا رسول الله أن يجعلني من السبعين، فدعا له، فقام رجل آخر فقال: ادع الله يا رسول الله أن يجعلني منهم فقال: "سبقك بها عكاشة". ثم تحدثنا فقلنا: من ترون هؤلاء السبعين الألف؟ فقال: قوم ولدوا في الإسلام ثم لم يشركوا بالله شيئًا حتى ماتوا، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون".
١٤٩٥ - * روى البخاري عن عامر عن عمران بن حصين قال: لا رقية إلا من عين أو حمة، فذكرته لسعيد بن جبير، فقال: حدثنا ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "عرضت على الأمم، فجعل النبي والنبيان يمرون معهم الرهط، والنبي ليس معه أحد، حتى رفع لي سواد عظيم، فقلن: ما هذا؟ أمتى هذه؟ قيل: بل هذا موسى وقومه، قيل: انظر إلى الأفق، فإذا سواد عظيم قد ملأ الأفق، ثم
стр. 1423
قيل لي: انظر ها هنا وها هنا في آفاق السماء، فإذا سواد قد ملأ الأفق، قيل: هذه أمتك، ويدخل الجنة من هؤلاء سبعون ألفًا بغير حساب" ثم دخل ولم يبين لهم، فأفاض القوم، وقالوا: نحن الذين آمنا بالله، واتبعنا رسوله، فنحن هم، أم أولادنا الذين ولدوا في الإسلام، فإنا ولدنا في الجاهلية، فبلغ النبي ﷺ ، فخرج فقال: "هم الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون"، فقال عكاشة بن محصن: أمنهم أنا يا رسول الله؟ فقال: "نعم"، فقال آخر: أمنهم أنا؟ فقال: "سبقك بها عكاشة".
وللبخاري في أخرى (١) على ابن عباس قال: خرج علينا رسول الله ﷺ يومًا، فقال: "عرضت على الأمم، فجعل يمر النبي معه الرجل، والنبي معه الرجلان، والنبي معه الرهط، والنبي ليس معه أحد، ورأيت سوادًا كثيرًا سد الأفق، فرجوت أن تكون أمتي، فقيل: هذا موسى، ثم قيل: انظر، فرأيت سوادًا كثيرًا سد الأفق، فقيل: انظر هكذا وهكذا، فرأيت سوادًا كثيرًا سد الأفق، فقيل: هؤلاء أمتك، ومع هؤلاء سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب" فتفرق الناس، ولم يبين لهم، فتذاكر أصحاب النبي ﷺ ، فقالوا: أما نحن فولدنا في الشرك، ولكنا آمنا بالله ورسوله، ولكن هؤلاء هم أبناؤنا، فبلغ النبي ﷺ ، فقال: "هم الذين لا يتطيرون، ولا يسترقون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون" فقام عكاشة ابن محصن، فقال: أمنهم أنا يا رسول الله؟ فقال: "نعم"، فقال آخر: أمنهم أنا؟ فقال: "سبقك بها عكاشة".
أقول: الرقية في حق بعض الناس ليست هي الأكمل؛ لأن لهم قدمًا عظيمًا في التوكل، والإشارة في هذه الأحاديث إلى فضل ترك الاسترقاء من أمثال هؤلاء لا ينفي جواز الرقية فقد فعلها رسول الله ﷺ .
قال البغوي عند قوله: "لا رقية إلا من عين أو حمة أو نملة"
стр. 1424
ولم يرد به نفي جواز الرقية في غيرهما، بل تجوز الرقية بذكر الله في جميع الأوجاع.
ومعنى الحديث: لا رقية أولى وأنفع منهما. أهـ.
١٤٩٦ - * روى الترمذي عن المغيرة بن شعبة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "من اكتوى أو استرقى، فقد برئ من التوكل".
أقول: التقدير: فقد برئ من التوكل الكامل بدليل ما سيأتي من أن بعض الصحابة قد استرقوا وبعضهم قد اكتوى ففعلهم لا ينفي أن أصل التوكل موجود عندهم لكن كمال التوكل يقتضي عدم الاكتواء والاسترقاء وهو مقام أصحابه في الأمة الإسلامية قلة.
١٤٩٧ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ رخص لأهل بيت من الأنصار في الرقية من كل ذي حمة.
وفي رواية (١) قال: سألت عائشة عن الرقية من الحمة؟ فقالت: رخص رسول الله ﷺ في الرقية من كل ذي حمة.
أقول: لقد رأينا كلام العلماء أكثر من مرة: في أن الترخيص في الرقية المقيدة لا ينفي الإطلاق بدليل فعل الرسول ﷺ والصحابة كما سنرى.
١٤٩٨ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁، قال: أذن رسول الله ﷺ لآل بيت من الأنصار أن يرقوا من الحمة والأذن، قال أنس: كويت من ذات الجنب
стр. 1425
ورسول الله ﷺ حي، وشهدني أبو طلحة، وأنس بن النضر، وزيد بن ثابت، وأبو طلحة كواني.
قال ابن الأثير:
(الحمة) بالتخفيف: سم العقرب ونحوها، كالزنبور وغيره، وقد تسمى إبرة العقرب والزنبور حمة.
١٤٩٩ - * روى أبو داود عن الشفاء بنت عبد الله ﵂، قالت: دخل علي رسول الله ﷺ وأنا عند حفصة، فقال: "ألا تعلمين هذه رقية النملة كما علمتيها الكتابة؟ ".
١٥٠٠ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اشتكى الإنسان الشيء منه، أو كانت به قرحة أو جرح، قال بإصبعه هكذا - وضع سفيان سبابته بالأرض ثم رفعها- وقال: "بسم الله تربة أرضنا، بريقة بعضنا، يشفى به سقيمنا، بإذن ربنا".
١٥٠١ - * روى الترمذي عن أبي سعيد الخضري ﵁ أن النبي ﷺ كان يتعوذ ويقول: "أعوذ بالله من الجان، ومن عين الإنسان" فلما نزلت المعوذتان، أخذ بهما، وترك ما سواهما.
١٥٠٢ - * روى البخاري عن عبد العزيز بن صهيب قال: دخلت أنا وثابت على أنس ابن مالك، فقال ثابت يا أبا حمزة، اشتكيت، فقال أنس: ألا أرقيك برقية رسول الله
стр. 1426
صلى الله عليه وسلم؟ قال: بلى، قال: "اللهم رب الناس، مذهب الباس، أشف، أنت الشافي، لا شافي إلا أنت، شفاء لا يغادر سقمًا".
١٥٠٣ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة أن النبي ﷺ كان يعوذ بعض أهله، يمسح بيده اليمنى ويقول: "اللهم رب الناس، مذهب الباس، أشف، أنت الشافي، لا شافي إلا أنت، شفاء لا يغادر سقمًا".
وفي رواية (١): فلما مرض ﷺ وثقل، أخذت بيده لأصنع به نحو ما كان يصنع، فانتزع يده من يدي، ثم قال: "اللهم اغفر لي، واجعلني مع الرفيق الأعلى، " فذهبت أنظر فإذا هو قد قضى.
١٥٠٤ - * روى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن جبريل ﵇ أتى النبي ﷺ ، فقال: يا محمد، اشتكيت؟ فقال: "نعم". قال: باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك، باسم الله أرقيك.
١٥٠٥ - * روى مسلم عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اشتكى رقاه جبريل، يقول: باسم الله يبريك، ومن كل داء يشفيك، ومن شر حاسد إذا حسد، ومن شر كل ذي عين.
١٥٠٦ - * روى مسلم عن عثمان بن أبي العاص الثقفي الطائفي ﵁ أنه شكا إلى رسول الله ﷺ وجعًا يجده في جسده منذ أسلم، فقال له: "ضع يدك على الذي يألم من جسدك، وقل: باسم الله، ثلاث مرات، وقل سبع مرات: أعوذ بالله
стр. 1427
وقدرته من شر ما أجد وأحاذر".
وعند الموطأ (١) "بعزة الله وقدرته من شر ما أجد" قال: فقلت ذلك، فاذهب الله ما كان بي، فلم أزل آمر بها أهلي وغيرهم.
وفي رواية الترمذي (٢) وأبي داود (٣) مثل الموطأ، وأول حديثهما: أتاني رسول الله ﷺ وبي وجع قد كاد يهلكني، فقال رسول الله ﷺ : "امسح بيمينك سبع مرات، وقل: أعوذ بعزة الله وقدرته" .. الحديث.
١٥٠٧ - * روى الترمذي عن محمد بن سالم الربعي البصري قال: قال لي ثابت البناني: يا محمد، إذا اشتكيت فضع يدك حيث تشتكي، ثم قل: "باسم الله، أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد من وجعي هذا"، ثم ارفع يدك، ثم أعد ذلك وترًا، فإن أنس بن مالك حدثني: أن رسول الله ﷺ حدثه بذلك.
١٥٠٨ - * روى البخاري عن عبد الله بن عباس ﵄ أن نفرًا من أصحاب رسول الله ﷺ مروا بماء فيهم لديغ- أو سليم - فعرض لهم رجل من أهل الماء، فقال: هل منكم من راق، فإن في الماء رجلًا لديغًا أو سليمًا؟ فانطلق رجل منهم، فقرأ بفاتحة الكتاب على شاء، قبرًا، فجاء بالشاء إلى أصحابه، فكرهوا ذلك، وقالوا: أخذت على كتاب الله أجرًا، حتى قدموا المدينة، فقالوا: يا رسول الله، أخذ على كتاب الله أجرًا، فقال رسول الله ﷺ : "إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله".
١٥٠٩ - * روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كنا في مسير
стр. 1428
لنا، فنزلنا منزلًا، فجاءت جارية، فقالت: إن سيد الحي سليم، وغن نفرنا غيب، فهل منكم راق، فقام معها رجل ما كنا نأبنه برقية، فرقاه فبرأ، فأمر له بثلاثين شاة، وسقانا لبنًا، فلما رجع قلنا له: أكنت تحسن رقية؟ أو: كنت ترقي؟ قال: لا، ما رقيت إلا بأم الكتاب، قلنا: لا تحدثوا شيئًا حتى نأتي - أو نسأل - رسول الله ﷺ ، فلما قدمنا المدينة ذكرناه للنبي، فقال: "وما كان يدريه أنها رقية، اقسموا، واضربوا لي بسهم".
وفي رواية (١) قال: انطلق نفر من أصحاب رسول الله ﷺ في سفرة سافروها، حتى نزلوا علي حي من أحياء العرب، فاستضافوهم، فأبوا أن يضيفوهم، فلدغ سيد ذلك الحي، فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا بكم، لعلك عندهم بعض شيء؟ فأتوهم، فقالوا: يا أيها الرهط، إن سيدنا لدغ، وسعينا له بكل شيء لا ينفعه شيء، فهل عند أحدكم منكم من شيء؟ فقال بعضهم: إني والله لأرقي، ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيقونا، فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جعلًا، فصالحوهم على قطيع من الغنم، فانطلق يتفل عليه ويقرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فكأنما أنشط من عقال، فانطلق يمشي، وما به قلبه، قال: فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه، وقال بعضهم: اقتسموا، فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي النبي ﷺ فنذكر له الذي كان، فننظر الذي يأمرنا به، فقدموا على النبي ﷺ فذكروا له، فقال: "وما يدريك أنها رقية؟ " ثم قال: "قد أصبتم، اقسموا، واضربوا لي معكم سهمًا"، وضحك النبي ﷺ .
وفي رواية الترمذي (٢) قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية ... وكذر نحوه، وفيه "أن أبا سعيد هو الذي رقاه، وفيه: أنه قرأ ﴿الْحَمْدُ﴾ سبع مرات، وأن الغنم كانت ثلاثين شاة.
стр. 1429
قال ابن الأثير:
(سليم) السليم: اللديغ: سمي به تفاؤلًا له بالسلامة.
(النفر) هاهنا: الرجال خاصة، أرادت: أن رجالنا غيب، والغيب: الغائبون عن الحي، جمع غائب.
(نأبنه) أبنه بكذا يأبنه ويأبنه: إذا اتهمه به.
(جعلًا) الجعل: الأجرة التي تجعل لك على أمر تفعله.
(يتفل) التفل: أكثر من النفث، فإن النفث لا يكون معه بزاق يرى، والتفل لابد له من ذلك.
(أنشط من عقال) العقال: الحبل الذي تشد به ركبة البعير لئلا يسرح، وأنشطت البعير" إذا حللت عقاله، ونشطته: إذا شددته، وقد جاء في بعض الروايات: "كأنما نشط من عقال، والمعروف: أنشط.
(قلبة) ما به قلبة، أي: ما به علة، قيل: هو مأخوذ من القلاب وهو داء يأخذ البعير، فيشتكي منه قلبه، فيموتا من يومه.
١٥١٠ - * روى أبو داود عن خارجة بن الصلت التميمي عن عمه علاقة بن صحار قال: أقبلنا من عند رسول الله ﷺ ، فأتينا على حي من العرب، فقالوا: إنا قد أنبئنا أنكم قد جئتم من عند هذا الرجل بخير، فهل عندكم من دواء، أو رقية، فإن عندنا معتوهًا في القيود؟ قال: فقلنا: نعم، قال: فجاؤوا بمعتوه في القيود، فقرأت عليه فاتحة الكتاب ثلاثة أيام غدوة وعشية، كلما ختمتها أجمع بزاقي، ثم أتفل، قال: فكأنما أنشط من عقال، فأعطوني جعلًا، فقلت: لا، حتى أسأل النبي ﷺ فقال: "كل، فلعمري من أكل برقية باطل، لقد أكلت برقية حق".
стр. 1430
وفي رواية (١) عن عمه أنه أتى النبي ﷺ فأسلم، ثم أقبل راجعًا من عنده، فمر على قوم عندهم رجل مجنون موثق بالحديد، فقال أهله: إنا حدثنا أن صاحبكم هذا جاءكم بخير، فهل عندك شيء تداويه؟ فرقيته بفاتحة الكتاب، فبرأ، فأعطوني مائة شاة، فأتيت رسول الله ﷺ ، فأخبرته قال: "هل إلا هذا؟ "- وفي رواية (٢): "هل قلت غير هذا؟ "- قلت: لا، قال: "خذها، فلعمري لمن أكل برقية باطل، لقد أكلت برقية حق".
١٥١١ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: أرخص رسول الله ﷺ في رقية الحية لبني عمرو بن حزم، قال أبو الزبير: فسمعت جابر بن عبد الله يقول: لدغت رجلًا منا عقرب، ونحن جلوس مع رسول الله ﷺ ، فقال رجل: يا رسول الله، أرقي؟ قال: "من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل".
وفي رواية (٣) قال: رخص النبي ﷺ لآل حزم في رقية الحية، وقال لأسماء بنت عميس: "مالي أرى أجسام بني أخي ضارعة، تصيبهم الحاجة"، قالت: لا، ولكن العين تسرع إليهم، قال: "ارقيهم"، قالت: فعرضت عليه، فقال: "ارقيهم".
وفي أخرى (٤) قال جابر: كان لي خال يرقي من العقرب، فنهى رسول الله ﷺ عن الرقى، قال: فأتاه، فقال، يا رسول الله، إنك نهيت عن الرقى، وإني أرقي من العقرب؟ فقال: "من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل".
وفي أخرى (٥) قال: نهى رسول الله ﷺ عن الرقى، فجاء آل عمرو بن حزم إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، إنه كانت عندنا رقية نرقى بها من العقرب، وإنك نهيت
стр. 1431
عن الرقى، قال: فعرضوها عليه، فقال: "ما أرى بأسًا، من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل".
١٥١٢ - * روى ابن ماجة عن أبي هريرة؛ قال: لدغت عقرب رجلًا فلم ينم ليلته. فقيل للنبي ﷺ : إن فلانًا لدغته عقرب فلم ينم ليلته. فقال: "أما إنه لو قال، حين أمسى: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، ما ضره لدغ عقرب حتى يصبح".
قال في النهاية:
(أعوذ بكلمات الله التامات): إنما وصف كلامه بالتمام لأنه لا يجوز أن يكون في شيء من كلامه نقص أو عيب. كما يكون في كلام الناس. وقيل: معنى التمام ههنا أنها تنفع المتعوذ بها وتحفظه من الآفات وتكفيه.
١٥١٣ - * روى ابن ماجة عن عائشة، أن النبي ﷺ كان ينفث في الرقية.
١٥١٤ - * روى الترمذي عن أبي خزامة عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله أرأيت رقاة نسترقي بها، ودواء نتداوى به، وتقاة نتقيها: هل ترد من قدر الله شيئًا؟ قال: "هو من قدر الله".
١٥١٥ - * روى مالك عن عائشة ﵂ قالت: دخل علي أبو بكر ويهودية ترقيني، فقال: ارقيها بكتاب الله.
أخرجه الموطأ عن عمرة: أن أبا بكر دخل على عائشة وهي تشتكي ويهودية ترقيها ...
стр. 1432
١٥١٦ - * ابن ماجة عن شقيق بن سلمة قال: سمعت عبد الله يقول: عليكم بالشفاءين: القرآن، والعسل.
١٥١٧ - * روى أحمد عن محمد بن حاطب قال: دنيت إلى قدر وهي تغلي، فأدخلت يدي فيها فاحترقت، أو قال فورمت. فذهبت بي أمي إلى رجل بالبطحاء فقال شيئًا ونفث، فلما كان في إمرة عثمان قلت لأمي: من كان ذلك الرجل؟ قالت: رسول الله ﷺ . ورواه الطبراني بنحوه (١)، إلا أنها قالت: يا محمد احترقت يد محمد.
وفي رواية (٢) عنده: فانطلقت بي أمي إلى رجل جالس في الجبانة فقالت: يا رسول الله، فقال: يا لبيك وسعديك، ثم أدنتني منه، فجعل ينفث ويتكلم بكلام لا أدري ما هو، فسألت أمي بعد ذلك ما كان يقول؟ قالت: كان يقول: "أذهب الباس رب الناس أشف أنت الشافي لا شافي إلا أنت".
١٥١٨ - * روى أحمد عن محمد بن حاطب قال: انصب على يدي شيء من قدر، فذهب بي أمي إلى رسول الله ﷺ وهو في مكان: قال: فقال كلامًا فيه: "أذهب الباس رب الناس" أحسبه قال: "وأشف أنت الشافي" قال: وكان يتفل.
١٥١٩ - * روى الطبراني عن علي قال: لدغت النبي ﷺ عقرب وهو يصلي فلما فرغ قال: "لعن الله العقرب لا تدع مصليًا ولا غيره" ثم دعا بماء وملح فجعل يمسح عليها
стр. 1433
ويقرأ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾.
١٥٢٠ - * روى مسلم عن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال: كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله، كيف ترى في ذلك؟ قال: "اعرضوا على رقاكم"، ثم قال: "لا بأس بما ليس فيه شرك".
١٥٢١ - * روى الطبراني عن عبادة بن الصامت قال: كنت أرقي من حمة العين في الجاهلية، فلما أسلمت ذكرتها لرسول الله ﷺ ، فقال: "اعرضها علي" فعرضتها عليه فقال: "أرق بها فلا بأس بها" ولولا ذلك ما رقيت بها إنسانًا أبدًا.
١٥٢٢ - * روى أبو داود عن عبد الله بن مسعود ﵁ قالت زينب امرأته قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الرقى والتمائم والتولة شرك"، قالت: قلت: لم تقول هذا؟ والله، لقد كانت عيني تقذف، وكنت أختلف إلى فلان اليهودي فيرقيني، فإذا رقاني سكنت، فقال عبد الله: إنما ذلك عمل الشيطان، كان ينخسها بيده، فإذا رقاها كف عنها، إنما كان يكفيك أن تقولي كما كان رسول الله ﷺ يقول: "أذهب الباس، رب الناس، أشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقمًا".
قال البغوي في شرح السنة:
والتولة: ضرب منن السحر. قال الأصمعي: وهو الذي يحبب المرأة إلى زوجها، وهو بكسر التاء، فأما التولة بضم التاء: فهو الداهية أهـ.
стр. 1434
١٥٢٣ - * روى أبو داود عن ابن عباس ﵁، رفعه: "من عاد مريضًا لم يحضر أجله فقال عنده سبع مرات": أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك، إلا عافاه من ذلك المرض".
١٥٢٤ - * روى الطبراني عن رافع بن خديج قال دخل رسول الله ﷺ على ابن نعيمان فقال: "أذهب الباس رب الناس إله الناس".
* * *
стр. 1435
الفصل الخامس
في
النذر
وفيه:
عرض إجمالي وفقرات ومسائل وفوائد
стр. 1436
عرض إجمالي
أدخلنا فصل النذر في مباحث العقائد؛ لأن النذر في الأصل إنشاء عبادة، وقد وقع بعض الناس في صور من الغلو في النذر تقتضي تصحيحًا، ومن ههنا أدخلناه في مباحث العقيدة، وإن جرت عادة الفقهاء أن يدخلوه في أبواب الفقه. ونحن إذا أدخلناه ههنا فإنا سنتحدث عن بعض مسائله في الأقسام التالية: فأول ما نتكلم به عن النذر هو أن الأصل في المسلم أن يبتعد عن النذور، وأن يفعل الخير ما استطاع دون أن ينذر؛ لأنه إذا نذر ما يجب الوفاء به فقد يدخله ذلك في دائرة الحرج؛ لأنه قبل النذر يكون في فسحة، فإذا نذر ما يجب الوفاء به افترض عليه الوفاء لقوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ (١)، ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ (٢)، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٣)، ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ (٤) ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ (٥)، والنذر نوع من العهد من الناذر مع الله ويدخل في العقود والعهود.
ومن ثم قال الشافعية والحنابلة: النذر مكروه كراهة تنزيه لا تحريم: وقال الحنفية:؛ هو مباح في الطاعات. وفرق المالكية بين النذر المطلق واعتبروه مندوبًا، وبين النذر المكرر، كصوم كل يوم خميس مثلًا فمكروه.
ولا يصح النذر من الصبي أو المجنون أو الكافر. والنذر على أنواع: الأول: قربة، فيجب الوفاء بها على تفصيل بين المذاهب، الثاني: معصية، فيحرم الوفاء بها، وهناك خلاف حول وجوب كفارة اليمين بمثل هذا النذر، الثالث: المكروه: فيكره الوفاء به، وهو كسابقه في وجوب كفارة اليمين في الخلاف، والنوع الرابع: النذر المباح، فيباح الوفاء به وتركه وفيه تفصيلات:
أما بالنسبة للنذر بقربة، فيفرق الحنفية بين القربة المقصودة لذاتها من جنسها واجب، وبين القربة التي ليست مقصودة بذاتها وليس من جنسها واجب.
стр. 1437
فالشافعية: أوجبوا الوفاء بكل قربة كعيادة المريض والسلام والزيارة والصوم والحج والاعتكاف، وأما الحنفية: فلم يوجبوا الوفاء إلا بنذر عبادة مقصودة لذاتها من جنسها واجب: كصلاة وصيام، أما ما لم يكن من جنسها واجب فلا يجب الوفاء به كعيادة المرضى والوضوء وتكفين الميت ومس المصحف والأذان وبناء المساجد ومن نذر المعصية يحرم عليه الوفاء بها ولا يجب عند الجمهور على الناذر شيئًا، وقال أبو حنيفة والحنابلة: عليه كفارة يمين.
وكذلك النذر بالمكروه: يكره الوفاء به وعلى صاحبه كفارة يمين عند الحنفية.
وأما إذا نذر المباح، فيباح له أن يفعله أو أن يتركه، وقال الحنفية والمالكية والشافعية: في الأصح لا كفارة عليه إن لم يف بنذره، وقال الحنابلة: إن لم يف فعليه كفارة يمين.
والصيغة التي ينعقد بها النذر عند الحنفية هو النذر لله صراحة أو صمنًا مثل قوله: لله علي كذا، أو علي كذا، أو علي نذر أو هذا هدي أو صدقة، أو مالي صدقة أو ما أملاك صدقة.
والنذر في العادة على نوعين: مطلق ومقيد، فالمطلق مثل أن يقول: علي أن أصوم كذا، أو أصلي كذا، وأما المقيد فهو المعلق بشرط كقوله: إن قدم فلان أو شفى الله مريضي فعلي كذا.
وكلا النوعين يجب الوفاء به إذا تحققت شروط وجوب الوفاء.
ولا يعتبر النذر بالفريضة أو الواجب سواء عينيًا أو كفائيًا من باب النذر؛ لأنه واجب في أصل الشرع، ولكنه يتأكد القيام به.
ومن كلام الشافعية: أن نذر اللجاج يسمى أيضًا يمين اللجاج والغضب، ويمين الغلق، وهو الذي قصد به الناذر حث نفسه على فعل شيء أو منعها غير قاصد للنذر ولا القربة، مثل قوله: إن لكمت فلانًا فلله علي صوم، فالأظهر عندهم في هذا النوع أن الناذر بالخيار إن شاء وفى بما التزم، وإن شاء كفر كفارة يمين. وقال الحنابلة مثل ذلك.
стр. 1438
وإن نذر صلاة ركعتين في المسجد الحرام فأداها في ما هو أقل شرفًا منه أو في ارض عادية أجزأه عند أئمة الحنفية ما عدا زفر، وقال المالكية: يلزمه أن يؤدي الصلاة والاعتكاف في المكان الذي سمى، وقال الشافعية إذا نذر الصلاة أو الاعتكاف في المساجد الثلاثة: المسجد الحرام أو مسجد المدينة أو مسجد الأقصى، لزمه الأداء في المكان وكذلك قال الحنابلة.
* * *
стр. 1439
الفقرات
الفقرة الأولى: في حكم النذر ومتى يجب الوفاء به.
الفقرة الثانية: في النذر فيما لا يطيق.
الفقرة الثالثة: في حكم مراعاة المكان في النذر.
الفقرة الرابعة: في قضاء الحي نذر الميت.
الفقرة الخامسة: في نذر الجاهلية إذا وافق عبادة إسلامية.
الفقرة السادسة: في متى يكون للنذر حكم يمين.
الفقرة السابعة: في نذر صيام يوم النحر.
الفقرة الثامنة: في نذر المقيم بمكة أو بالمدينة المنورة الصلاة ببيت المقدس.
الفقرة التاسعة: في موضوعات متعددة.
стр. 1440
الفقرة الأولى
في:
حكم النذر ومتى يجب الوفاء به .
١٥٢٥ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يأتي ابن آدم النذر بشيء لم أكن قدرته له، ولكن يلقيه النذر إلى القدر قد قدر له، فيستخرج به من البخيل، فيؤتيني عليه ما لم يكن يؤتيني عليه من قبل".
وفي رواية (١): أن النبي ﷺ قال: "لا يأتي ابن آدم النذر بشيء لم أكن قدرته له، ولكن يلقيه النذر إلى القدر قد قدر له، يستخرج به من البخيل".
وأخرج مسلم (٢): أن النبي ﷺ قال: "إن النذر لا يقرب من ابن آدم شيئًا لم يكن قدر له، ولكن النذر يوافق القدر، فيخرج بذلك من البخيل ما لم يكن البخيل يريد أن يخرج".
وفي أخرى له (٣) عن النبي ﷺ أنه نهى عن النذر، وقال: "أنه لا يرد من القدر شيئًا، وإنما يستخرج به من البخيل".
وفي أخرى (٤) أن النبي ﷺ قال: "لا تنذروا، فإن النذر لا يغني من القدر شيئًا، وإنما يستخرج به من البخيل".