← Акыда

Акыда · id 18338

الأساس في السنة وفقهها - العقائد الإسلامية

سعيد حوى

Полный текст (1 514 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

عرض إجمالي أدخلنا فصل النذر في مباحث العقائد؛ لأن النذر في الأصل إنشاء عبادة، وقد وقع بعض الناس في صور من الغلو في النذر تقتضي تصحيحًا، ومن ههنا أدخلناه في مباحث العقيدة، وإن جرت عادة الفقهاء أن يدخلوه في أبواب الفقه. ونحن إذا أدخلناه ههنا فإنا سنتحدث عن بعض مسائله في الأقسام التالية: فأول ما نتكلم به عن النذر هو أن الأصل في المسلم أن يبتعد عن النذور، وأن يفعل الخير ما استطاع دون أن ينذر؛ لأنه إذا نذر ما يجب الوفاء به فقد يدخله ذلك في دائرة الحرج؛ لأنه قبل النذر يكون في فسحة، فإذا نذر ما يجب الوفاء به افترض عليه الوفاء لقوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ (١)، ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ (٢)، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٣)، ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ (٤) ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ (٥)، والنذر نوع من العهد من الناذر مع الله ويدخل في العقود والعهود. ومن ثم قال الشافعية والحنابلة: النذر مكروه كراهة تنزيه لا تحريم: وقال الحنفية:؛ هو مباح في الطاعات. وفرق المالكية بين النذر المطلق واعتبروه مندوبًا، وبين النذر المكرر، كصوم كل يوم خميس مثلًا فمكروه. ولا يصح النذر من الصبي أو المجنون أو الكافر. والنذر على أنواع: الأول: قربة، فيجب الوفاء بها على تفصيل بين المذاهب، الثاني: معصية، فيحرم الوفاء بها، وهناك خلاف حول وجوب كفارة اليمين بمثل هذا النذر، الثالث: المكروه: فيكره الوفاء به، وهو كسابقه في وجوب كفارة اليمين في الخلاف، والنوع الرابع: النذر المباح، فيباح الوفاء به وتركه وفيه تفصيلات: أما بالنسبة للنذر بقربة، فيفرق الحنفية بين القربة المقصودة لذاتها من جنسها واجب، وبين القربة التي ليست مقصودة بذاتها وليس من جنسها واجب.

стр. 1437

فالشافعية: أوجبوا الوفاء بكل قربة كعيادة المريض والسلام والزيارة والصوم والحج والاعتكاف، وأما الحنفية: فلم يوجبوا الوفاء إلا بنذر عبادة مقصودة لذاتها من جنسها واجب: كصلاة وصيام، أما ما لم يكن من جنسها واجب فلا يجب الوفاء به كعيادة المرضى والوضوء وتكفين الميت ومس المصحف والأذان وبناء المساجد ومن نذر المعصية يحرم عليه الوفاء بها ولا يجب عند الجمهور على الناذر شيئًا، وقال أبو حنيفة والحنابلة: عليه كفارة يمين. وكذلك النذر بالمكروه: يكره الوفاء به وعلى صاحبه كفارة يمين عند الحنفية. وأما إذا نذر المباح، فيباح له أن يفعله أو أن يتركه، وقال الحنفية والمالكية والشافعية: في الأصح لا كفارة عليه إن لم يف بنذره، وقال الحنابلة: إن لم يف فعليه كفارة يمين. والصيغة التي ينعقد بها النذر عند الحنفية هو النذر لله صراحة أو صمنًا مثل قوله: لله علي كذا، أو علي كذا، أو علي نذر أو هذا هدي أو صدقة، أو مالي صدقة أو ما أملاك صدقة. والنذر في العادة على نوعين: مطلق ومقيد، فالمطلق مثل أن يقول: علي أن أصوم كذا، أو أصلي كذا، وأما المقيد فهو المعلق بشرط كقوله: إن قدم فلان أو شفى الله مريضي فعلي كذا. وكلا النوعين يجب الوفاء به إذا تحققت شروط وجوب الوفاء. ولا يعتبر النذر بالفريضة أو الواجب سواء عينيًا أو كفائيًا من باب النذر؛ لأنه واجب في أصل الشرع، ولكنه يتأكد القيام به. ومن كلام الشافعية: أن نذر اللجاج يسمى أيضًا يمين اللجاج والغضب، ويمين الغلق، وهو الذي قصد به الناذر حث نفسه على فعل شيء أو منعها غير قاصد للنذر ولا القربة، مثل قوله: إن لكمت فلانًا فلله علي صوم، فالأظهر عندهم في هذا النوع أن الناذر بالخيار إن شاء وفى بما التزم، وإن شاء كفر كفارة يمين. وقال الحنابلة مثل ذلك.

стр. 1438

وإن نذر صلاة ركعتين في المسجد الحرام فأداها في ما هو أقل شرفًا منه أو في ارض عادية أجزأه عند أئمة الحنفية ما عدا زفر، وقال المالكية: يلزمه أن يؤدي الصلاة والاعتكاف في المكان الذي سمى، وقال الشافعية إذا نذر الصلاة أو الاعتكاف في المساجد الثلاثة: المسجد الحرام أو مسجد المدينة أو مسجد الأقصى، لزمه الأداء في المكان وكذلك قال الحنابلة. * * *

стр. 1439

الفقرات الفقرة الأولى: في حكم النذر ومتى يجب الوفاء به. الفقرة الثانية: في النذر فيما لا يطيق. الفقرة الثالثة: في حكم مراعاة المكان في النذر. الفقرة الرابعة: في قضاء الحي نذر الميت. الفقرة الخامسة: في نذر الجاهلية إذا وافق عبادة إسلامية. الفقرة السادسة: في متى يكون للنذر حكم يمين. الفقرة السابعة: في نذر صيام يوم النحر. الفقرة الثامنة: في نذر المقيم بمكة أو بالمدينة المنورة الصلاة ببيت المقدس. الفقرة التاسعة: في موضوعات متعددة.

стр. 1440

الفقرة الأولى في: حكم النذر ومتى يجب الوفاء به . ١٥٢٥ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يأتي ابن آدم النذر بشيء لم أكن قدرته له، ولكن يلقيه النذر إلى القدر قد قدر له، فيستخرج به من البخيل، فيؤتيني عليه ما لم يكن يؤتيني عليه من قبل". وفي رواية (١): أن النبي ﷺ قال: "لا يأتي ابن آدم النذر بشيء لم أكن قدرته له، ولكن يلقيه النذر إلى القدر قد قدر له، يستخرج به من البخيل". وأخرج مسلم (٢): أن النبي ﷺ قال: "إن النذر لا يقرب من ابن آدم شيئًا لم يكن قدر له، ولكن النذر يوافق القدر، فيخرج بذلك من البخيل ما لم يكن البخيل يريد أن يخرج". وفي أخرى له (٣) عن النبي ﷺ أنه نهى عن النذر، وقال: "أنه لا يرد من القدر شيئًا، وإنما يستخرج به من البخيل". وفي أخرى (٤) أن النبي ﷺ قال: "لا تنذروا، فإن النذر لا يغني من القدر شيئًا، وإنما يستخرج به من البخيل".

стр. 1441

قال ابن الأثير: (النهي عن النذر) إنما هو تأكيد لأمره، وتحذير عن التهاون به بعد إيجابه، ولو كان معناه الزجر عنه حتى لا يفعل، لكان في ذلك إبطال حكمه، وإسقاط لزوم الوفاء به، إذ كان بالنهي يصير معصيةً، فلا يلزم الوفاء به، وإنما وجه الحديث: أنه قد أعلمهم أن ذلك أمر لا يجر لهم في العاجل نفعًا، ولا يصرف عنهم ضرًا، ولا يرد قضاءً، فلا تنذروا على أنكم تدركون بالنذر شيئًا لم يقدره الله لكم، أو يصرف به عنكم ما جرى به القضاء عليكم، فإذا فعلتم ذلك فاخرجوا عنه بالوفاء، فإن الذي نذرتموه لازم لكم. ١٥٢٦ - * روى الطيراني عن ابن عمر: نهى النبي ﷺ عن النذر وأمر بالوفاء به. وفي أصل النذر قالت المذاهب الأربعة ما يلي: الحنابلة- قالوا: النذر مكروه ولو عبادة لنهيه ﵊ عنه وقال: "إنه لم يأت بخير" "وإنما يستخرج به من البخيل"، والنذر لا يرد قضاء ولا يملك الناذر به شيئًا جديدًا ولا يرفع واقعًا، فإذا وقع منه وجب الوفاء به ... [على تفصيل]. المالكية- قالوا: النذر المطلق مندوب، وهو ما أوجبه على نفسه شكرًا لله تعالى على ما حصل ووقع فعلا من نعمة أو دفع نقمة، كمن نجاه الله من كربة أو شفى مريضه أو رزقه مالًا أو علمًا فنذر لله قربة يفعلها شكرًا، فالإقدام على مثل هذا النذر مندوب والوفاء به فرض لازم. أما النذر المعلق: وهو أن ينذر قربة معلقا على شيء في المستقبل محبوب وليس للعبد فيه مدخل كقوله: إن شفى الله مريضي فعلي كذا فاختلف فيه؛ فبعضهم يقول بالكراهة وبعضهم يقول بالجواز، ومحل هذا فيمن لا يعتقد أن مثل هذا النذر نافع في حصول غرضه، وإلا كان محرمًا والناذر الذي يعتقد أن نذره ينفع يخالف قول النبي ﷺ ، إنه لا ينفع فإذا وقع يجب الوفاء به، وإذا علق النظر على أمر من فعل العبد كقوله: إن فعلت كذا فعلي كذا فإنه مكروه بلا خوف وكذا إذا نذر نذرا مكروها كأن نذر أن يصوم كل يوم فإنه يثقل على النفس فعله فيكره ويجب الوفاء بهما بعد وقوعهما على أي حال. أما

стр. 1442

نذر ما لا طاقة له به فهو حرام. الحنفية- قالوا: النذر الصحيح المستكمل للشروط الآتية قربة مشروعة، أما كونه قربة فلما يلازمه من القرب كالصلاة والصوم والحج ونحوهما، وأما كونه مشروعًا فللأوامر الوردة بإيفائه. الشافعية- قالوا: الإقدام على النذر قربة في نذر التبرر، لأنه مناجاة لله تعالى، ولذلك لا يصح من الكافر. مكروه في نذر اللجاج. اهـ (من الفقه على المذاهب الأربعة). وها نحن ننقل لك من كتاب الفقه على المذاهب الأربعة ما تعرف به شروط وجوب النذر عند الحنفية: قال صاحب كتاب الفقه على المذاهب الأربعة معرفًا النذر وذاكرًا شروط وجوب الوفاء به على مذهب الحنفية: النذر هو أن يوجب المكلف على نفسه أمرًا لم يلزمه به الشارع. وحكمه وجوب الوفاء به متى كان صحيحًا مستكملا للشرائط الآتي بيانها لقول الله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾. ولابد للناذر من أن ينذر لله تعالى، فلا يحل النذر لولي ولا لمقرب وإن وقع يكون باطلًا. ويشترط لصحة النذر سبعة شروط: الأول: أن يكون من جنس المنذور فرض أو واجب اصطلاحي على الأصح كالصوم والصلاة والصدقة، فإذا نذر أن يصوم تطوعًا فإنه يجب عليه الوفاء؛ لأن الصوم من جنسه فرض وهو صوم رمضان. وكذا إذا نذر أن يصلي نافلة فإنه يجب عليه الوفاء؛ لأن الصلاة من جنسها واجب هو الصلوات الخمس. وكذا إذا نذر أن يتصدق فإن الصدقة من جنسها واجب وهو الزكاة إلا الاعتكاف فإنه يجب عليه الوفاء بنذره، مع أنه ليس من جنسه واجب على التحقيق، لأن الإجماع منعقد على وجوب الوفاء بنذره. وإذا لم يكن من جنس المنذور فرض أو واجب اصطلاحي فإنه لا يجب على الناذر الوفاء به كعيادة المريض، ودخول المسجد ولو مسجد الرسول ﷺ ، أو المسجد الأقصى. أو

стр. 1443

الحرم المكي، لأنه ليس من جنسها فرض مقصود. وكذا لو نذر تسبيحًا أو دعاء عقب الصلاة فإنه لا يجب الوفاء به؛ لأنه ليس من جنسه فرض. أما إذا نذر تكبيرًا فإنه يجب الوفاء به؛ لأن التكبير من جنسه فرض وهي تكبيرة الإحرام. وكذا إذا نذر الصلاة على النبي ﷺ فإنه يجب الوفاء به على الصحيح؛ لأنه من جنسها فرض وهو الصلاة عليه في العمر مرة. الثاني: أن يكون المنذور عبادة مقصودة، فلا يصح النذر بما هو وسيلة كالوضوء، والاغتسال، ومس المصحف، والأذان، وتشييع الجنازة وعيادة المريض، وبناء المساجد وغير ذلك، فهذه الأمور وإن كانت قربة إلا أنها غير مقصودة لذاتها، بل المقصود هو ما يترتب عليها، فالضابط الكلي في صحة النذر: أن يكون المنذور عبادة مقصودة من جنسها فرض. الثالث: أن لا يكون المنذور معصية لذاته، فإذا نذر أن يقتل فلانا أو يشرب الخمر أو يزني كان يمينًا ولزمته الكفارة بالحنث. أما إذا نذر أن يصوم يوم عيد الفطر أو الأضحى فإنه يكون قد نذر محرمًا لعارض لا لذاتها، فإن الصيام في ذاته طاعة، وتحريمه في هذا اليوم عارض بنهي الشارع، فيصح نذره ويلغو لأنه يوم العيد فيجب قضاؤه في يوم آخر. ومثله ما إذا نذر أن يصلي ركعتين من غير وضوء، فإنه يصح نذره؛ لأن نذر الصلاة صحيح ويلغو قيد من غير وضوء، فيجب أن يصلي ركعتين بوضوء، لأن التزام المشروط وهو الصلاة التزام الشرط وهو الوضوء، وكذا نذر أن يصلي ركعة واحدة فإنه يلزمه أن يصلي ركعتين. وكذا نذر أن يصلي ثلاثة فإنه يلزم بأربعة. الرابع: أن لا يكون فرضًا عليه قبل النذر، فلو نذر حجة الإسلام لم يلزمه شيء غيرها. الخامس: أن لا يكون ما التزمه أكثر مما يملكه، فلو نذر ألفا وهو لا يملك إلا مائة يلزم بالمائة فقط. السادس: أن يكون ممكن الوقوع، فلو نذر مستحيلًا كأن يصوم أمس فإنه لا يصح نذره، وكذا إذا نذرت الحائض أن تصوم أيام حيضها فهو باطل؛ لأن صوم أيام الحيض

стр. 1444

مستحيل شرعًا، وكذا إذا نذرت أن تصوم غدًا ثم أصبحت حائضًا فإن نذرها باطل، وهذا عند محمد، وقال أبو يوسف: يجب عليها القضاء في الصورة الثانية. السابع: أن لا يكون ملكًا للغير. واعلم أن النذر المطلق لا يتقيد بزمان ولا مكان ولا دراهم ولا فقير، فإذا نذر أن يتصدق يوم الجمعة بهذا الدرهم على فلان فتصدق يوم الخميس أو يوم السبت بغير هذا الدرهم على شخص آخر جاز. وكذا لو عين شهرًا للاعتكاف أو للصوم فجعل صح، وكذا إذا نذر أن يحج سنة كذا فحج سنة قبلها صح، أما النذر المعلق فإنه يتعين فيه الوقت فقط: إذ لا يصح تقديمه على وقوع المعلق عليه بخلاف تأخيره عنه فإنه جائز. أما تعيين الفقير والدرهم. والمكان فيه فليس بلازم، فيصح أن يدفع غير الدرهم للنذور لفقير آخر غير الذي ذكره، فلو نذر لفقراء مكة جاز الصرف لفقراء غيرها، سواء كان النذر مطلقًا أو معلقًا. والنذر عمل اللسان، والقياس يقتضي أنه لا ينعقد إلا بلفظ: لله علي كذا، أو علي كذا، أما إذا قال: إن عوفيت صمت كذا، فإنه لا ينعقد به النذر قياسًا، وينعقد استحسانًا. اهـ. * * *

стр. 1445

الفقرة الثانية في: النذر فيما لا يطيق ١٥٢٧ - * روى البخاري ومسلم عن عقبة بن عامرٍ ﵁ قال: نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله الحرام حافية، فأمرتني أن أستفتي لها رسول الله ﷺ ، فاستفتيته فقال: "لتمش ولتركب". وفي رواية الترمذي (١): حافيةً غير مختمرةٍ، فقال: "مروها فلتختمر ولتركب ولتصم ثلاثة أيام". وأخرج أبو داود الروايتين (٢)، وأخرج النسائي (٣) الثانية. قال البغوي في شرح السنة: "نذرها ترك الاختمار معصية، لأن ستر الرأس واجب على المرأة، فلم ينعقد فيه نذرها، وكذلك الحفاء، ولو نذر رجل أن يحج حافيًا، فلا يلزم الحفاء أيضًا لما فيه من إتعاب البدن، ولو نذر أن يحج ماشيًا يلزمه المشي إلا أن يعجز، فيركب من حيث عجز، ويلزمه المشي من دويرة أهله، وقيل: من الميقات، وإذا ركب لعجز هل يلزمه شيء أم لا؟ اختلف أهل العلم فيه، فذهب أكثرهم إلى أن عليه دم شاة، وهو قول مالك، وأظهر قولي الشافعي، وأصحهما، وذهب بعضهم إلى أنه لا يجب إلا على وجه الاحتياط لحديث أنس أنه أمره بالركوب مطلقًا، ولم يأمره بفدية وحيث أمر، فاستحباب، كما روي: "ولتهد بدنة"، ولا تجب البدنة لزومًا" اهـ.

стр. 1446

١٥٢٨ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عباس ﵄، قال: جاء رجلٌ إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إن أختي نذرت أن تمشي إلى البيت- أو قال: أن تحج ماشيةٌ- فقال رسول الله ﷺ : "إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئًا فلتحج راكبةً، ولتكفر يمينها". أقول: إن على المسلم أن يحتاط فلا ينذر، وإذا نذر فبما يطيق ويتورط كثيرون من الناس، فينذرون ما لا يطيقون، والحديث يفتيهم أن يدفعوا كفارة يمين عما عجزوا عن الوفاء به. ١٥٢٩ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: إن أخت عقبة بن عامرٍ نذرت أن تحج ماشية، وإنها لا تطيق ذلك، فقال النبي ﷺ : "إن الله لغني عن مشي أختك، فلتركب، ولتهد بدنة". وفي أخرى (١): "إن الله تعالى لا يصنع بمشي أختك إلى البيت شيئًا". أقول: مر معنا قول البغوي: إن قوله ﵊: "ولتهد بدنة" ليس محمولا على اللزوم، وإذن فهو محمول على الاستحباب. ١٥٣٠ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالكٍ ﵁ أن رسول الله ﷺ رأى شيخًا يهادى بين ابنيه، فقال: "ما بال هذا؟ قالوا: نذر أن يمشي، قال: "إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغنيٌ، وأمره أن يركب".

стр. 1447

١٥٣١ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ أدرك شيخًا يمشي بين ابنيه، يتوكأ عليهما، فقال النبي ﷺ : "ما شأن هذا؟ " قال ابناه: يا رسول الله كان عليه نذر، فقال النبي ﷺ : "اركب أيها الشيخ فإن الله غني عنك وعن نذرك". ١٥٣٢ - * روى الترمذي عن أنس ﵁ قال: نذرت امرأة أن تمشي إلى بيت الله، فسئل رسول الله ﷺ عن ذلك؟ فقال: "إن الله لغني عن مشيها، مروها فلتركب". أقول: هذه نذرت حجًا والحج فريضة وعبادة مقصودة، ونذرت مشيًا، وهو ليس من جنسه واجب، وليس عبادة مقصودة، وقد رأينا قول الحنفية: أن النذر في كل من هاتين الحالتين لا يجب. ولذلك نجد النص ألغى المشي وأوجب الحج، ولكن لاحترام كلمة النذر لله أوجبت بعض النصوص لمن عجز عن الوفاء بنذر أن يعتبر كلامه يمينًا ويكفر عن يمينه، وبعضهم حمل ذلك على الندب حيث لا يجب الوفاء، وعلى الوجوب حيث يجب الوفاء وعجز. ١٥٣٣ - * روى مالك عن عروة بن أذينة الليثي قال: خرجت مع جدةٍ لي عليها مشي إلى بيت الله، حتى إذا كنا ببعض الطريق عجزت، فأرسلت مولى لها يسأل ابن عمر ﵄، فخرجت معه، فسأل ابن عمر؟ فقال له: مرها فلتركب ثم لتمش، من حيث عجزت. أقول: الظاهر أن ابن عمر أفتى بأن تجمع بين المشي والركوب بعد المكان الذي عجزت فيه، وذلك مذهبه لكن صاحب كتاب الفقه الإسلامي وأدلته قال: من قال: لله علي أن

стр. 1448

أحج ماشيًا يلزمه الحج ماشيًا ... فإن عجز عن المشي ركب وعليه دم عند الحنفية والمالكية والشافعية وفي رواية عن أحمد، والدم عند المالكية بدنة أو بقرة أو شاة إن لم يجد بدنة أو بقرة، والأرجح عند الحنابلة أنه إذا عجز عن المشي ركب وعليه كفارة. * * *

стр. 1449

الفقرة الثالثة في: حكم مراعاة المكان في النذر ١٥٣٤ - * روى أبو داود عن ثابت بن الضحاك ﵁ قال: نذر رجل على عهد رسول الله ﷺ أن ينحر إبلًا ببوانة، فأتى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال رسول الله ﷺ : "هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ " قالوا: لا، قال: "هل كان فيها عيد من أعيادهم"؟ قالوا: لا، فقال رسول الله ﷺ : "أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذرٍ في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم". أقول: نص فقهاء الحنفية أن تعيين المكان والفقير والدرهم ليس بلازم، وعلى هذا فإن الذبح ببوانة يحمل الحنفية الوفاء به على الندب لا على اللزوم. ١٥٣٥ - * روى أبو داود عن عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جده أن امرأة أتت رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إني نذرت إن انصرفت من غزوتك سالمًا غانمًا أن أضرب على رأسك بالدف؟ قال: "إن كنت نذرت فأوفي بنذرك، وإلا فلا"، قالت: ونذرت أن أذبح لمكان كذا وكذا- مكانٍ يذبح فيه أهل الجاهلية- فقال: "هل كان بذلك المكان وثنٌ من أوثان الجاهلية يعبد؟ " قالت: لا، قال: "هل كان فيه عيدٌ من أعيادهم؟ " قالت: لا، قال رسول الله ﷺ : "أوفي بنذرك". أقول: الضرب بالدف ليس من جنسه فريضة أو واجب وعلى هذا ففتوى الحنفية أنه لا يجب الوفاء به والأمر بالوفاء هنا محمول على الندب.

стр. 1450

وقال البغوي- وهو شافعي- في شرح السنة: قال أبو سليمان الخطابي: ضرب الدف ليس مما يعد في باب الطاعات التي يتعلق بها النذور، وأحسن حاله أن يكون من باب المباح غير أنه لما اتصل بإظهار الفرح بسلامة مقدم رسول الله ﷺ حين قدم من بعض غزواته، وكانت فيه مساءة الكفار، وإرغام المنافقين، صار فعله كبعض القرب، ولهذا استحب ضرب الدف في النكاح لما فيه من إظهاره، والخروج به عن معنى السفاح الذي لا يظهر، ومما يشبه هذا المعنى قول النبي ﷺ في هجاء الكفار: "اهجوا قريشًا فإنه أشد عليها من رشقٍ بالنبل" أخرجه مسلم (١). اهـ. أقول: لا كفارة على من نذر مباحًا، ولا يجب عليه الوفاء عند الحنفية والمالكية والشافعية في الأصح، وقال الحنابلة عليه كفارة يمين إذا لم يف بنذر مباح. ومن كلام صاحب الفقه الإسلامي: لو نذر صدقة ما لا يملك لا يصح نذره بالاتفاق، فإذا قال: كل ما أملك في المستقبل فهو صدقة، وكل ما أشتريه أو أرثه فهو صدقة صح النذر خلافًا للشافعية. * * *

стр. 1451

الفقرة الرابعة في: قضاء الحي نذر الميت ١٥٣٦ - * روى مالك عن عبد الله بن أبي بكرٍ بن عمرو بن حزم عن عمته أنها حدثته عن جدته أنها كانت جعلت على نفسها مشيًا إلى مسجد قباء، فماتت ولم تقضه، فأفتى عبد الله بن عباسٍ ابنتها أن تمشي عنها. أقول: أصل هذا النذر لا يجب الوفاء به إلا على الاستحباب، ولا يجب على أحد وفاء نذر الميت إلا إذا تطوع، فإذا تطوع إنسان بذلك فالمرجو أن يسقط النذر عن صاحبه. ١٥٣٧ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباسٍ ﵄ قال: استفتى سعد بن عبادة رسول الله ﷺ في نذرٍ كان على أمه، فتوفيت قبل أن تقضيه، فأمره أن يقضيه عنها. وفي أخرى للنسائي (١): "أن سعدًا أتى النبي ﷺ ، فقال: إن أمي ماتت وعليها نذر، أفيجزئ عنها أن أعتق عنها؟ قال: "أعتق عن أمك". ١٥٣٨ - * روى الطبراني عن مروان بن قيسٍ- وكان قد أخذ الرعية عن أهله على عهد

стр. 1452

النبي ﷺ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أبي توفي وقد جعل عليه أن يمشي إلى مكة وأن ينحر بدنةً ولم يترك مالا فهل يقضى عنه أن يمشى عنه وأن ينحر عنه بدنة من مالي؟ فقال النبي ﷺ : "تعم اقض عنه وانحر عنه، وامش عنه أرأيت لو كان على أبيك دين لرجل فقضيت عنه من مالك أليس يرجع الرجل راضيًا؟ فإن الله تعالى أحق أن يرضى". أقول: يلاحظ أن الرسول ﷺ كان يعمق فكرة الوفاء بالنذر سواء كان الوفاء به مباحًا أو مندوبًا، أو مفروضًا، وذلك لتعميق الأدب مع الله ألا يعد الإنسان ربه وعدًا إلا وفى به، وهذا يقتضي من المربين شيئين، أولًا: أن يعظموا على المسلم فكرة الالتزام مع الله، وأن يؤدبوه على عدم الإقدام على ذلك فيما لا مندوحة عنه. ثانيًا: إذا التزم بنذر أو وعد مع الله أن يفي به، فإذا كان الالتزام مع المخلوق أو الوعد له يطلب الوفاء به، فحق الله أولى. * * *

стр. 1453

الفقرة الخامسة في: نذر الجاهلية إذا وافق عبادة إسلامية ١٥٣٩ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ أن عمر ﵁ قال: يا رسول الله، إني نذرت في الجاهلية أن اعتكف يومًا في المسجد الحرام؟ قال: "أوف بنذرك". قال المالكية: يندب للكافر بعد إسلامه فعل النذر المشروع في الإسلام الذي نذره حال كفره، وذهب بعض الفقهاء إلى وجوب الوفاء لهذا النذر، حتى إن بعضهم ذهب إلى أنه يجب الوفاء به أسلم أو لم يسلم، وهذا مبني على القول بأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة كما أنهم مخاطبون بأصولها. * * *

стр. 1454

الفقرة السادسة في: متى يكون للنذر حكم اليمين قال الحنابلة وهم يذكرون الصور التي ينقلب فيها النذر إلى يمين: ينقسم النذر المنعقد إلى ستة أقسام: الأول: النذر المطلق وهو أن يقول: على نذر، أو لله علي نذر ولم ينو بنذره شيئًا معينًا سواء قال: إن فعلت كذا، أو لم يقل، فيلزمه بهذا كفارة يمين. الثاني: نذر اللجاج والغضب، وهو تعليق النذر بشرط يقصد منه الناذر المنع من المعلق عليه، أو الحث عليه، أو التصديق عليه إن كان خبرًا كقول: إن كلمتك فعلي صوم كذا، يريد منع نفسه من كلامه وكقول: إن لم أضربك فعلي صلاة كذا، يريد حث نفسه على ضربه. وكقول: إن لم أكن صادقًا فعلي صوم كذا يريد تحقيق الخبر، وحكم هذا النذر أن الناذر مخير بين كفارة اليمين إذا وجد الشرط وبين فعل المنذور. الثالث: نذر المباح كقوله: لله علي أن ألبس ثوبي أو أركب دابتي، وحكم هذا أن الناذر مخير أيضًا بين فعل المنذور وكفارة اليمين. فنذر المباح كالحلف بفعله، فإنه إذا حلف أنه يأكل أو يشرب فإنه يكفر أو يفعل. الرابع: نذر المكروه كالطلاق وأكل الثوم والبصل وترك السنة ونحو ذلك، وحكم هذا أنه يستحب للناذر أن يكفر كفارة اليمين، فإذا فعل المكروه فلا كفارة عليه؛ لأنه وفى بنذره. الخامس: نذر المعصية كشرب الخمر، وصوم يوم الحيض والنفاس، ويوم العيد، وأيام التشريق، وحكم هذا أنه لا يجوز الوفاء به، ويقضي الصوم في أيام أخرى وعليه كفارة، فإن وفى أثم ولا كفارة بنذره عليه.

стр. 1455

وقال الحنفية: ينقسم النذر إلى قسمين: نذر معلق على شرط، ونذر مطلق. والنذر المعلق ينقسم إلى قسمين: الأول: معلق على شيء يراد وقوعه كقوله: إن شفى الله مريضي فلله علي كذا، فإنه معلق على شفاء المريض وهو مرغوب في حصوله للناذر.، وحكم هذا لزوم الوفاء به عند تحقيق المعلق عليه متى استوفى الشروط ... الثاني: معلق على شيء لا يراد حصوله كقوله: إذا دخلت الدار فعلي كذا نذر، أو إن كلمت فلانا. وهذا القسم هو يسمى نذر اللجاج عند الشافعية، لأن المقصود منه المنع عن الفعل. وحكمه أن ناذره مخير بين فعل المنذور وبين كفارة اليمين. وقال المالكية: تجب الكفارة بأربعة أمور: الأول: النذر المبهم، وهو الذي لم يعين فيه المنذور كأن يقول: لله علي نذر، أو نذر لله علي إن فعلت كذا، أو إن لم أفعل كذا فإنه تجب فيه الكفارة إن حنث، وكذا إذا قال: إن شفى الله مريضي علي نذر، أو لله علي نذر فشفى الله مريضه، فإنه يجب عليه كفارة اليمين اهـ من (الفقه على المذاهب الأربعة). وقال الشافعية: من نذر يريد البر فيجب عليه الوفاء، ومن نذر اللجاج ويسمى نذر الغضب ويمين الغلق، وهو النذر المرتبط بما لا يريد وقوعه بأن يقصد الناذر حث نفسه على شيء أو منعها مثل: إن كلمت فلانًا فلله علي صوم، فالناذر هاهنا بالخيار إن شاء وفى وإن شاء كفر كفارة يمين.

стр. 1456

١٥٤٠ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "من نذر نذرًا لم يسمه، فكفارته كفارة يمينٍ، ومن نذر نذرًا لا يطيقه، فكفارته كفارة يمينٍ، ومن نذر نذرًا أطاقه، فليف به" وفي رواية: إنه موقوف. ١٥٤١ - * روى مسلم عن عقبة بن عامرٍ ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "كفارة النذر إذا لم يسم شيئًا، كفارة اليمين". ١٥٤٢ - * روى مالك عن عائشة ﵂ سئلت عن رجلٍ، قال: مالي في رتاج الكعبة؟ فقالت: يكفره ما يكفر اليمين. أقول: نص فقهاء الحنفية على أن نذر العبادة غير المقصودة لذاتها لا ينعقد به النذر، ومن ذلك ما هو وسائل للعبادة كبناء المساجد، ومن ههنا كان نذر الإنسان مالا للكعبة لا ينعقد نذرًا وفيه كفارة يمين على مذهب عائشة ﵂، واعتبر هذا النذر الوارد في النص فقهاء الشافعية وآخرون أنه نذر لجاج وغضب وكفارته كفارة يمين. ١٥٤٣ - * روى أبو داود عن سعيد بن المسيب ﵀ أن أخوين من الأنصار كان بينهما ميراث، فسأل أحدهما أخاه القسمة، فقال له الآخر: إن عدت تسألني القسمة فكل مالي في رتاج الكعبة، فعاد يسأله، فأتى عمر، فقال له: إن الكعبة لغنية عن مالك، كفر عن يمينك، وكلم أخاك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يمين عليك، ولا نذر في معصية الرب، ولا في قطيعة الرحم، ولا فيما لا تملك".

стр. 1457

قال ابن الأثير: (الرتاج): الباب، يقال: جعلت مالي في رتاج الكعبة، أي: جعلته لها، وليس المراد الباب نفسه، وإنما المعنى: أن يكون ماله هديًا إلى الكعبة أو في كسوتها والنفقة عليها. أقول: في هذه الرواية نموذج على ما يسمى بنذر اللجاج وهي إحدى الصور التي نص عليها فقهاء الحنابلة والشافعية أنها تنقلب يمينًا. ١٥٤٤ - * روى النسائي عن عمران بن حصين ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا نذر في معصيةٍ، ولا فيما لا يملك ابن آدم". وفي أخرى (١) له قال: "لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمينٍ". وفى أخرى (٢) "لا نذر في غضب الله، وكفارته كفارة يمينٍ". وهذا طرف من حديث طويل أخرجه مسلم وأبو داود (٤). ١٥٤٥ - * روى أبو داود عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "لا نذر في معصيةٍ، وكفارته كفارة يمينٍ". ١٥٤٦ - * روى مالك عن يحيى بن سعيدٍ ﵀ أنه سمع القاسم بن محمدٍ يقول:

стр. 1458

أتت امرأة إلى عبد الله بن عباسٍ، فقالت: إني نذرت أن أنحر ابني، فقال ابن عباسٍ: لا تنحري ابنك، وكفري عن يمينك فقال شيخ عند ابن عباس: إن الله تعالى قال: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢] ثم جعل فيه من الكفارة ما رأيت. أقول: من نذر أن يذبح ولده نحر شاةً عند أبي حنيفة وجزورًا عند مالك، وقال الشافعية: لا شيء عليه. وقال أحمد في رواية عنه: عليه كفارة يمين، ومن نذر ذبح نفسه أو أجنبي فهو نذر معصية ولا قياس فيه، وعليه كفارة يمين عند أحمد أو ذبح كبش ويطعمه المساكين، ولا شيء عليه عند الشافعية وآخرين. ١٥٤٧ - * روى الطبراني عن مسروقٍ قال: أتي عبد الله بضرعٍ فأخذ يأكل منه فقال للقوم: ادنوا: فدنا القوم وتنحى رجل منهم، فقال عبد الله: ما شأنك؟ قال: إني حرمت الضرع. قال: هذا من خطوات الشيطان: ادن وكل وكفر يمينك، ثم تلا ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾. أقول: لا يعتبر فقهاء الحنفية نذر المعصية منعقدًا ولا يوجبون فيه شيئًا، وما ورد من أن كفارته كفارة يمين فمحمول على الندب. ونص فقهاء الحنابلة على أن نذر المعصية يحرم الوفاء به وتجب به كفارة يمين، أما تحريم الحلال ففيه كفارة يمين بنص القرآن قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (١)، ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (٢). * * *

стр. 1459

الفقرة السابعة في: نذر صيام يوم النحر ١٥٤٨ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄، سأله رجلٌ فقال: نذرت أن أصوم كل يوم ثلاثاء، أو أربعاء، ما عشت، فوافقت هذا اليوم يوم النحر، قال: أمر الله بوفاء النذر، ونهانا أن نصوم يوم النحر، فأعاد عليه، فرد مثله، لا يزيد عليه. وفي روايةٍ (١) قال: أمر النبي ﷺ بوفاء النذر، ونهى عن صوم هذا اليوم. وللبخاري (٢) من حديث حكيم بن أبي حرة الأسلمي، أنه سمع ابن عمر في رجلٍ نذر أن لا يأتي عليه يوم- سماه- إلا صام، فوافق يوم أضحى أو فطرٍ، فقال: لقد كان لك في رسول الله أسوةٌ حسنةٌ، لم يكن يصوم يوم الأضحى والفطر، ولا يرى صيامهما. وفي أخرى (٣)، أنه سئل عمن وافق نذره في الصوم أضحى أو فطرًا؟ فقال: أمر رسول الله ﷺ بوفاء النذر، ونهى رسول الله ﷺ عن صوم هذين اليومين، فأعاد عليه ولم يرد على هذا. أقول: فتوى الحنفية أنه يجب على الناذر أن يفطر وأن يقضي يومًا بدله، وكذلك صوم أيام التشريق ويوم الفطر، والحنابلة أنه يجب عليه أن يفطر وعليه كفارة يمين، وعلى كل من المذهبين فإنه إن صام أجزأ عنه وأثم. وجمهور العلماء على أنه لا يصح نذره ولا يجوز له أن يصوم ولا يجب عليه أن يقضيه.

стр. 1460

الفقرة الثامنة في: نذر المقيم بمكة أو بالمدينة المنورة الصلاة ببيت المقدس ١٥٤٩ - * روى الطبراني عن عطاء بن أبي رباحٍ قال: جاء الشريد إلى رسول الله ﷺ يومًا فقال: يا رسول الله إني نذرت إن الله فتح عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس. فقال النبي ﷺ : "ههنا فصل". ثلاث مرات. ١٥٥٠ - * روى مسلم عن عبد الله بن عباس ﵄ أن امرأةً شكت شكوى، فقالت: إن شفاني الله لأخرجن فلأصلين في بيت المقدس فبرأت، ثم تجهزت تريد الخروج، فجاءت ميمونة تسلم عليها، فأخبرتها بذلك، فقالت: اجلسي فكلي ما صنعت، وصلي في مسجد الرسول ﷺ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا مسجد الكعبة". ١٥٥١ - * روى أبو داود عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رجلًا قام يوم الفتح، فقال: يا رسول الله، إني نذرت لله إن فتح الله عليك مكة: أن أصلي صلاة في بيت المقدس- زاد في روايةٍ: ركعتين- فقال: "صل ها هنا"، ثم أعاد عليه، فقال: "صل ها هنا"، ثم أعاد عليه: فقال: "فشأنك إذًا". أقول: من نذر أن يصلي في مكان أو يتصدق في مكان حيث ما صلى أو تصدق جازت صلاته وصدقته، فكيف إذا كان في المكان الذي صلى فيه فضل على غيره، إلا أنه لو فعل فلا حرج عليه، وهذا مذهب الحنفية. وقد مر معنا أن من نذر أن يصلي ركعتين في المساجد الثلاثة، فصلاها في أي مكان

стр. 1461

أجزأ عنه عند أبي حنيفة وصاحبيه، وقال المالكية لزمه أن يصلي حيث ألزم نفسه. وقال الشافعية: من نذر صلاة في مكان جاز له أن يصلي في غيره إلا إذا نذر الصلاة في مسجد من المساجد الثلاثة فيجب عليه الوفاء كما نذر وكذلك قال الحنابلة. * * *

стр. 1462

الفقرة التاسعة في: موضوعات متعددة ١٥٥٢ - * روى الطبراني عن علي بن أبي طالبٍ قال: حفظت لكم من رسول الله ﷺ ستًا: "لا طلاق إلا من بعد نكاحٍ، ولا عتاق إلا من بعد ملكٍ، ولا وفاء لنذرٍ في معصيةٍ، ولا يتم بعد حلمٍ، ولا صمات يومٍ إلى الليل، ولا وصال في الصيام". ١٥٥٣ - * روى أحمد عن جابر عن النبي ﷺ قال: "لا وفاء لنذر في معصية الله ". قال البغوي في شرح السنة- وهو شافعي-: فيه بيان أن النذر لا ينعقد في المعصية، ولا يلزمه به شيءٌ حتى لو نذر صوم يوم العيد لا يجب عليه شيء. ولو نذر نحر ولده، فباطل، وإليه ذهب جماعة من أصحاب النبي ﷺ ، منهم ابن عمر، وهو قول مالك، والشافعي، وذهب قوم إلى أن من نذر معصية يلزمه كفارة يمين، وهو قول الثوري، وأصحاب الرأي، وأحمد، وإسحاق اهـ. ١٥٥٤ - * روى الطبراني عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا نذر إلا فيما أطيع الله فيه، ولا مذر في قطيعة رحمٍ، ولا طلاق ولا عتاق فيما لا يملك".

стр. 1463

١٥٥٥ - * روى البخاري عن عبد الله بن عباسٍ ﵄ قال: بينما رسول الله ﷺ يخطب إذا هو برجلٍ قائمٍ، فسأل عنه؟ فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس ولا يقعد، ويصوم ولا يفطر بنهارٍ، ولا يستظل ولا يتكلم، فقال رسول الله ﷺ : "مروه فليستظل، وليقعد، وليتكلم، وليتم صومه". قال مالك: فأمره رسول الله ﷺ بإتمام ما كان لله طاعة، وترك ما كان معصيةٌ، ولم يبلغني أنه أمره بكفارة. أقول: من مثل هذا الحديث نعرف موقف الإسلام من تعذيب الجسد لمجرد التعذيب، وهي قضية كانت تراها بعض الأديان عبادة، وحرمها الإٍسلام، قال تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (١)، وهذا من مظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٢). ١٥٥٦ - * روى الترمذي عن ثابت بن الضحاك ﵁، أن النبي ﷺ قال: "ليس على العبد نذرٌ فيما لا يملك". ١٥٥٧ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا نذر إلا فيما يبتغى به وجه الله تعالى، ولا يمين في قطيعة رحمٍ".

стр. 1464

قال ابن الأثير: (قطيعة الرحم): أن يقطع بره وإحسانه عن أقاربه وأهله. ١٥٥٨ - * روى البخاري عن عائشة ﵂، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من نذر أن يطيع الله فليف بنذره، ومن نذر أن يعصي الله فلا يف به". وفي رواية (١) "فليطعه، ولا يعصه". ١٥٥٩ - * روى أحمد عن عمران بن حصين قال: ما قام فينا رسول الله ﷺ خطيبا إلا أمرنا بالصداقة ونهانا عن المثلة قال: وقال: "إن من المثلة أن ينذر الرجل أن يحج ماشيًا فليهد وليركب". ١٥٦٠ - * روى الطبراني عن عطاء بن أبي رباح أن رجلاً أتي ابن عباسٍ فقال: إني نذرت لأذبحن نفسي فقال ابن عباس: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. أقول: لقد مر معنا من قبل ما نعرف به توجيهات هذه النصوص، فالنذر في المعصية لا ينعقد عند بعضهم أصلا، ومن ذلك أن ينذر الإنسان أن يذبح نفسه أو أن يذبح ولده

стр. 1465

أو أن يقطع رحمه، وبعض الفقهاء أوجب كفارة يمين، وهذا ابن عباس يفتي: من نذر أن يذبح نفسه بأن يذبح كبشًا أخذًا مما فعله إبراهيم ﵇ إذ أراد أن يذبح ابنه ففداه الله بكبش، وأما النذر فيما لا يملك فله أكثر من صورة: أن ينذر أن يتصدق أو ينحر ملك الغير، فهذا لا ينفذ حتمًا، وأما إن كان هو نفسه لا يملك شيئًا ونذر أن يتصدق، فهل هذا النذر دينًا في ذمته أو أنه لا يجب عليه؟ من العلماء من ذهب إلى أنه لا يجب عليه كما مر معنا. * * *

стр. 1466

نقول ومسائل وفوائد قال الشوكاني ﵀: الراجح عند الكثير من العلماء وجوب الوفاء ممن التزم أن يتصدق بجميع ماله إذا كان على سبيل القربة. وقيل إن كان مليًا لزمه، وإن كان فقيرًا فعليه كفارة يمين، وهذا قول الليث ووافقه ابن وهب وزاد وإن كان متوسطًا يخرج قدر زكاة ماله. والأخير عن أبي حنيفة بغير تفصيل وهو قول ربيعة. وعن الشعبي وابن أبي ليلى لا يلزمه شيء أصلا. وعن قتادة يلزم الغني العشر والمتوسط السبع والمملق الخمس. وقيل يلزم الكل إلا في نذر اللجاج فكفارة يمين. وعن سحنون يلزمه أن يخرج ما لا يضر به. وعن الثوري والأوزاعي وجماعة يلزمه كفارة يمين بغير تفصيل. وعن النخعي يلزمه الكل بغير تفصيل. وإذا تقرر ذلك فقد دل حديث كعب أنه يشرع لمن أراد التصدق بجميع ماله أن يمسك بعضه، ولا يلزم من ذلك أنه لو نجزه لم ينفذ، وقيل إن التصدق بجميع المال يختلف باختلاف الأحوال: فمن كان قويًا على ذلك يعلم من نفسه الصبر لم يمنه وعليه يتنزل فعل أبي بكر الصديق وإيثار الأنصار على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ومن لم يكن كذلك فلا، وعليه يتنزل "لا صدقة إلا عن ظهر غني"، وفي لفظ: "أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى" اهـ. قال الشرنبلالي في مراقي الفلاح وهو من الحنفية: وعيادة فلان بعينه لا يكون معنى القربة فيه مقصودًا للناذر، بل مراعاة حق فلان، فلا يصح التزامه بالنذر. وفي ظاهر الرواية: عيادة المريض وتشييع الجنازة وإن كان فيه معنى حق الله تعالى فالمقصود حق المريض والميت، والناذر إنما يلتزم بنذره ما يكون مشروعًا حقا لله تعالى مقصودًا. اهـ. قال الطحطاوي في حاشيته على مراقي الفلاح: (قوله: بل مراعاة حق فلان) هو المقصود له. (قوله: فلا يصح التزامه) منه يؤخذ عدم صحة النذر للأموات.

стр. 1467

قال في الدر: واعلم أن النذر الذي يقع للأموات من أكثر العوام، وما يؤخذ من الدراهم والشمع والزيت ونحوها إلى ضرائح الأولياء الكرام تقربا إليهم فهو باطل وحرام. اهـ. قال في البحر: لوجوه: منها: أنه نذر لمخلوق، ولا يجوز؛ لأنه عبادة، والعبادة لا تكون لمخلوق. ومنها: أن المنذور له ميت، والميت لا يملك. ومنها: أنه إن ظن الميت يتصرف في الأمور دون الله تعالى كفر، اللهم إلا أن يقول يا الله: إني نذرت لك إن شفيت مريضي، أو رددت غائبي أو قضيت حاجتي أن أطعم الفقراء الذين بباب السيدة نفيسة، أو الفقراء الذين بباب الإمام الشافعي ﵁، أو الإمام الليث، أو أشتري حصرًا لمساجدهم، أو زيتًا لوقودها. أو دراهم لمن يقوم بشعائرهم إلى غير ذلك مما يكون فيه نفع للفقراء والنذر لله . وذكر الشيخ: إنما هو بيان لمحل صرف النذر لمستحقيه القاطنين برباطه أو مسجده فيجوز بهذا الاعتبار، إذ مصرف النذر الفقراء وقد وجد، ولا يجوز أن يصرف ذلك إلى غني غير محتاج إليه ولا لشريف منصب، لأنه لا يحل له الأخذ مالم يكن محتاجًا فقيرًا، ولا لذي نسب لأجل نسبه ما لم يكن فقيرًا، ولا لذي علم لأجل علمه ما لم يكن فقيرًا، ولم يثبت في الشرع جواز الصرف للأغنياء للإجماع على حرمة النذر للمخلوق، ولا ينعقد ولا تشتغل به الذمة، وإنه حرام بل سحت. اهـ. أقول: قد مر معنا أن فقهاء الحنفية يرون أن من نذر أن يتصدق على فقير فله أن يتصدق على غيره، وإن نذر أن يتصدق على فقراء مكان فله أن يتصدق على فقراء مكانٍ آخر. * * *

стр. 1468

الفصل السادس في: اليمين وفيه: عرض إجمالي وفقرات ومسائل وفوائد

стр. 1469

عرض إجمالي جعلنا بحث الأيمان في قسم العقائد؛ لأن اليمين بالله أحد المظاهر الكبرى لاستشعار الإنسان عظمة الله، ولذلك تجده عفويًا على كل لسان وفي كل دين، ولما كان بعض الناس يحلفون بغير الله، وفي ذلك نوع تعظيم يشابه تعظيم الله، فقد ورد التغليظ في ذلك ومنع منه الشارع. وهناك حالات تساهل فيها الشارع لانتفاء شبهة المشابهة في التعظيم، وهذه معان تتعلق بالعقائد تعلقًا صريحًا، ولذلك أدخلناها هاهنا. ولما كان هناك حرمة اسم الله عظيمًا، فقد رتب الشارع على أنواع من الأيمان أحكامًا. وترى المسائل الداخلة في أبحاث الأيمان كثيرة جدًا لكثرة ما يستحدثه الناس في هذا الشأن، ونحن سنحاول أن نعرض لأمهاتٍ من أحكام الأيمان بين يدي النصوص. نقول وبالله التوفيق: اتفق الفقهاء على مشروعية اليمين، إلا أنهم كرهوا الإفراط في الحلف بالله تعالى لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ (١) وقال الشافعي: ما حلفت بالله صادقًا ولا كاذبًا، وتتأكد كراهة الأيمان إذا حالت بين الإنسان وبين البر لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (٢) وذكر الحنابلة أن الأيمان خمسة أنواع: أحدها واجب، وهي التي تنجي إنسانًا معصومًا من الهلاك. والثاني مندوب: وهو الذي تتعلق به مصلحة كالإصلاح بين متخاصمين، أو إزالة حقد من قلب مسلم عن الحالف أو غيره أو دفع شر. والثالث المباح: مثل الحلف على فعل مباح أو تركه. والرابع المكروه: وهو الحلف على مكروه أو ترك مندوب. والخامس المحرم: وهو الحلف الكاذب. ومن حلف بالأصنام ونحوها معتقدًا تعظيمها فإنه يكفر بذلك، وإذا جرت على لسانه

стр. 1470

بشكل عفوي ولا يقصد التعظيم فقد واقع الحرام وعليه في الحالين أن يتوب وأن ينطق بالشهادتين. وصيغة اليمين المشروعة هي: أن يقسم الإنسان باسم من أسماء الله الحسنى أو بصفة من صفات الله. وهناك صور كثيرة اعتبرها العلماء يمينًا وأوجبوا فيها الكفارة، وهناك صور اختلف الفقهاء في اعتبارها أيمانًا تجب فيها الكفارة. والأيمان على ثلاثة أقسام: يمين منعقدة، وهي التي يجب على من حنث بها الكفارة. ويمين لغو، وهي التي لا يجب على صاحبها شيء. ويمين غموس، وهي التي تغمس صاحبها في النار، وقد اختلف في شأنها، هل تجب فيها الكفارة مع التوبة، أو أن صاحبها يأثم ولا تلزمه كفارة لعظم جريمته. وتعريف اليمين الغموس عند الحنفية والمالكية: بأنها اليمين الكاذبة قصدًا في الماضي أو الحال، أو هي الحلف على أمر ماض أو في الحال متعمدًا الكذب فيه نفيًا أو إثباتًا، وقد ذهب الحنفية والمالكية والحنابلة على الراجح عندهم: أنه يأثم صاحبها ولا كفارة عليه لعظم الجناية ويجب عليه التوبة والاستغفار. وقال الشافعية كما تجب التوبة تجب الكفارة في اليمين الغموس. وقد عرف عامة الفقهاء اليمين اللغو وهو: أن يحلف على أمر يظنه كذلك وليس كذلك. وعرفها الشافعية بأنها التي يسبق اللسان إلى لفظها بلا قصدٍ لمعناها أو يريد اليمين على شيء فيسبق لسانه إلى غيره، فهي اليمين التي لم تنعقد عليها النية. وقد اتفق الفقهاء على أن يمين اللغو لا كفارة فيها. وأما تعريف اليمين المنعقدة: فهي أن يحلف على أمر في المستقبل أن يفعله أو لا يفعله، وحكم هذه اليمين وجوب الكفارة عند الحنث مهما كان الشيء المحلوف عليه، فإن كان المحلوف عليه معصية فإنه يفترض عليه أن يحنث وأن يكفر عن يمينه، وإذا اقتصر الحالف على لفظ: أقسم أو أحلف أو أشهد أو أعزم يكون يمينًا عند الحنفية والحنابلة وفي الأصح عند الشافعية، وقال المالكية يكون يمينًا إن نوى وأراد اليمين بالله. وحروف القسم هي: الباء والواو والتاء. وإذا لم يذكر الحالف شيئًا من هذه الأحرف كأن قال: الله لا أفعل كذا يكون يمينًا عند الجمهور. وقال الشافعية: لا يكون يمينًا إلا بنية، وإذا قال: وايم الله أو وأيمن الله يعتبر يمينًا عند المالكية والحنابلة والحنفية، وقال الشافعية إن نوى اليمين كانت يمينًا. وإلا

стр. 1471

لم تكن يمينًا، ومن حلف على غيره أن يفعل شيئًا ما إن نوى يمين نفسه فهو يمين عند الشافعية وآخرين، ويسن للمخاطب أن يبر الحالف ولا يجب عليه، فإن لم يبره المحلوف عليه؛ فالكفارة على الحالف، وإن أراد يمين المخاطب أو لم يرد يمينًا، بل أراد التشفع بالله في الفعل لم يكن يمينًا ومن قال إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني أو بريء من الإسلام فقد أفتى الحنفية بأن ذلك يكون يمينًا موجبة للكفارة إذا فعل الشيء المحلوف عليه مع الإثم. وقال المالكية والشافعية وبعض الحنابلة لا يعتبر يمينًا ولا تجب فيه الكفارة، وقد ارتكب بقوله كبيرة من الكبائر، أما لو قالها على قصد الرضى بالكفر أو فعل الفعل كفر في الحال، فإن لم يعرف قصده فقد رجح الشافعية عدم الحكم بكفره، أما إذا قال مثل هذا الكلام كاذبا على فعل فعله في الماضي، فقد كفر بمجرد القول عند كثير من الفقهاء ولا كفارة عليه وإنما عليه التوبة والتشهد، ومن حرم شيئًا من ماله على نفسه أو حرم حلالا على نفسه فإنه يمين عند الحنابلة والحنفية، واتفق الفقهاء على أن اليمين في الدعاوى تكون على نية المستحلف، وأما في غير الدعاوى فقد قال الحنفية: اليمين على نية الحالف إذا كان مظلومًا، وعلى نية المستحلف إن كان ظالمًا، ومن حلف بغير الله وأسمائه وصفاته، فإن كان مما يجري على اللسان ولا يراد به التعظيم، فإنه لا كفارة عليه إجماعًا لكنه مكروه. وقال الشافعي: أخشى أن يكون معصيةً. وبعضهم ذهب إلى أن ما جرى على ألسنة العرب ولا يراد به التعظيم فالأمر فيه واسع. وقال المالكية والحنفية: إذا حلف الحالف على شيء واحد بعينه مرارًا ولا يريد إلا التأكيد فليس عليه إلا كفارة. واحدة، أما إذا لم ينو التأكيد ففي كل يمين كفارة، وقال الحنابلة: ليس عليه إلا كفارة واحدة. ومن حلف فاستثنى بأن قال: إن شاء الله تعالى، أو إلا أن يشاء الله أو إن أعانني الله أو يسر الله، أو بمعونة الله أو بتيسيره، أو إلا أن أحب غير ذلك ونحوه، وكان ذلك متصلًا مع لفظ اليمين لم تنعقد اليمين، وإن فصل الاستثناء عن لفظ اليمين انعقدت. وقال الشافعي لا بأس بالسكتة الخفية للتذكر أو للتنفس أو لانقطاع الصوت. وذكر المالكية أن السعال أو العطاس أو التثاؤب لا يعتبر فصلاً.

стр. 1472

والأيمان عند الحنفية: مبنية على العرف والعادة. وقال الشافعية: الأيمان مبنية على الحقيقة اللغوية إلا إذا احتمل اللفظ شيئًا آخر ونواه الحالف فيعمل بنيته. وقال مالك في المشهور من مذهبه: المعتبر في الأيمان: النية فإن عدمت فقرينة الحال، فإن عدمت فعرف اللفظ، فإن عدم فدلالة اللغة. والعبرة عند الحنابلة للنية، فإن لم ينو شيئًا رجع إلى سبب اليمين، ويتفرع على هذا البحث خلافات كثيرة في كثيرة من المسائل، وهناك يمين يسميها الحنفية يمين الغور: وهو أن يخلف الإنسان على شيء في المستقبل، فتكون دلالة الحال ظاهرة على أنه يريد التأقيت كأن يقول شخص لآخر: تعال تغدى معي، فيقول: والله لا أتغدى، ثم رجع إلى منزله فتغدى. ومثل ذلك كل حالة أراد بها صاحب التوقيت ولم يرد الديمومة وكانت دلالة الحال تدل على ذلك إلا أن زفر- من فقهاء الحنفية- اعتبر هذه اليمين منعقدة كغيرها. ومن حلف على شيء غير متصور الوجود أصلا بأن يكون مستحيلا عقلا. كأن قال: والله لأشربن ماء هذا الكوز وليس في الكوز ماء، فقد أفتى أبو حنيفة ومحمد ومالك وبعض الحنابلة بأن هذه اليمين لا تنعقد. أما إذا حلف على ما هو مستحيل عادة لا عقلا فإن الجمهور على أن يمينه منعقدة. وقال الشافعية والحنابلة: لا كفارة ولا حنث على غير المكلف كالصبي والمجنون والنائم، ولا كفارة على المغمى عليه والمخدر لضرورة والساهي والمكره. ومن حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فإنه يستحب له أن يحنث ويكفر عن يمينه، ولا يجوز أن يكفر قبل اليمين باتفاق العلماء، أما إذا حلف وأراد الحنث فقد قال الحنابلة: يجوز فعل الكفارة قبل الحنث وبعده، وكذلك قال الشافعية، إلا أنهم قالوا: الكفارة بعد الحنث أفضل، وقال أبو حنيفة لا يجوز تقديم الكفارة على الحنث، ولا تجب الكفارة على الغور بل هي واجبة على التراخي، والاستعجال بها أفضل، والموسر يخير في الكفارة بين أحد أمور ثلاثة: إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو إعتاق رقبة فإذا عجز الإنسان عن الخصال الثلاثة المذكورة لزمه صوم ثلاثة أيام، ولا يصح الصيام إلا إذا كان الإنسان عاجزًا عن المال الذي يصرفه في الكفارة زائدًا عن كفايته في يومه وليلته وكفاية

стр. 1473

من تلزمه نفقته، والعبرة للعجز وقت الأداء لا وقت الوجوب عند الحنفية والمالكية والشافعية، والمعتبر عند الحنابلة وقت الوجوب، أي حاله عند الحنث. والإطعام هو أن يقيت الإنسان عشرة مساكين أو مسكينًا واحدًا أيام غداءً وعشاءً، ويكفي عند الحنفية دعوة المساكين إلى الطعام وإباحته لهم، وعند غير الحنفية لابد من التمليك بالفعل أخذًا، ويكفي عند الحنفية أن يدفع للمسكين عن اليوم الواحد نصف صاع من حنطة أو ما يعدل عند الحنفية حوالي ألفي غرام إلا قليلًا أو ثمنه. أما مقدار طعام الإباحة عند الحنفية فأكلتان مشبعتان غداءً وعشاءً أو فطرًا وسحورًا أو غداءين في يومين، فذلك يجزئ عن إطعام مسكين يومًا واحدًا. والعبرة أن يطعمهم مما يطعم أهله، وأجاز أبو حنيفة وأبو محمد إعطاء فقراء أهل الذمة كفارة الأيمان وغيرها من الكفارات والنذور. ويشترط في المدفوع إليهم الطعام أن يكونوا مساكين أحرارًا وإن كان صغيرًا يأكل الطعام يجزئ، وأما الكسوة فلابد من تمليكها عند عامة الفقهاء، وأدنى الكسوة عند الحنفية ما يستر عامة البدن. وقال الحنابلة: تتقدر الكسوة بما تجزئ الصلاة فيه مراعى في ذلك حالة الرجل والمرأة. وقال المالكية: أقل ذك للرجل ثوب يستر جميع بدنه، وللمرأة ما يجوز لها فيه الصلاة وذلك ثوب وخمار. وقال الشافعية: يجزئ أقل ما يطلق عليه اسم الكسوة من إزار أو قميص أو ملحفة فيجوز عند الشافعية الكسوة بالسراويل والعمامة. أما الرقبة فيشترط عند الحنفية أن تكون مملوكة ملكًا كاملًا للمعتق، وأن تكون كاملة الرق سليمة من العيوب سواء كانت صغيرة أو كبيرة، ذكرًا أو أنثى، مسلمة أو كافرة. واتفق الفقهاء على أن الحانث إن لم يجد طعامًا ولا كسوة ولا عتقًا يجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام، واشترط الحنفية والحنابلة أن تكون متتابعة، ولا يشترط التتابع عند المالكية والشافعية ولكنه يستحب، ومن أوجب التتابع فإنه يوجب على من قطع التتابع ولو لعذر كمرض أو سفر أو حيض أن يستأنف الصوم من جديد مرة أخرى، وكذلك إذا بدأ صيامه قبل يومي العيد وأيام التشريق فعليه أن يفطر ويبطل التتابع وعليه أن يستأنف الصيام من جديد.

стр. 1474

الفقرات الفقرة الأولى: في أقوال العلماء في اليمين. الفقرة الثانية: في بعض ما ورد في القرآن الكريم في اليمين. الفقرة الثالثة: في بعض ما ورد في الحلف بغير الله. الفقرة الرابعة: في اليمين الغموس. الفقرة الخامسة: في أن الاستثناء في اليمين يلغي اليمين. الفقرة السادسة: في من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها. الفقرة السابعة: في متفرقات في الأيمان.

стр. 1475

الفقرة الأولى: في: بعض أقوال العلماء في اليمين قال البغوي في شرح السنة: وقال بعضهم: قيل للحلف: يمين باسم يمين اليد، وكانوا يبسطون أيمانهم إذا تحالفوا، ويقولون في اليمين: وايمن الله، ويحذف بعضهم النون، فيقول: وايم الله. اهـ. وقال صاحب الهداية- وهو من فقهاء الحنفية-: الأيمان على ثلاثة أضرب: اليمين الغموس، ويمين منعقدة، ويمين لغو. فالغموس: هو الحلف على أمر ماض يتعمد الكذب فيه، فهذه اليمين يأثم فيها صاحبها، لقوله ﵊: "من حلف كاذبا أدخله الله النار، ولا كفارة فيها إلا التوبة والاستغفار. وقال الشافعي ﵀: فيها الكفارة لأنها شرعت لرفع ذنب هتك حرمة اسم الله تعالى، وقد تحقق بالاستشهاد بالله كاذبا فأشبه المعقودة. ولنا أنها كبيرة محضة والكفارة عبادة تتأدى بالصوم، ويشترط فيها النية فلا تناط بها بخلاف المعقودة لأنها مباحة ولو كان فيها ذنب فهو متأخر متعلق باختيار مبتدأ، وما في الغموس ملازم فيمتنع الإلحاق، والمنعقدة ما يحلف على أمر في المستقبل أن يفعله أو لا يفعله، وإذا حنث في ذلك لزمته الكفارة لقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ (١) وهو ما ذكرنا. واليمين اللغو أن يحلف على أمر ماض وهو يظن أنه كما قال والأمر بخلافه، فهذه اليمين نرجو أن لا يؤاخذ الله بها صاحبها. ومن اللغو أن يقول: والله إنه لزيد وهو يظنه زيدًا، وإنما هو عمرو، والأصل فيه قوله تعالى ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ﴾ الآية إلا أنه علقه بالرجاء للاختلاف في تفسيره اهـ. وقال صاحب كتاب الفقه على المذاهب الأربعة في حكم اليمين:
следующие страницы →