لم تكن يمينًا، ومن حلف على غيره أن يفعل شيئًا ما إن نوى يمين نفسه فهو يمين عند الشافعية وآخرين، ويسن للمخاطب أن يبر الحالف ولا يجب عليه، فإن لم يبره المحلوف عليه؛ فالكفارة على الحالف، وإن أراد يمين المخاطب أو لم يرد يمينًا، بل أراد التشفع بالله في الفعل لم يكن يمينًا ومن قال إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني أو بريء من الإسلام فقد أفتى الحنفية بأن ذلك يكون يمينًا موجبة للكفارة إذا فعل الشيء المحلوف عليه مع الإثم.
وقال المالكية والشافعية وبعض الحنابلة لا يعتبر يمينًا ولا تجب فيه الكفارة، وقد ارتكب بقوله كبيرة من الكبائر، أما لو قالها على قصد الرضى بالكفر أو فعل الفعل كفر في الحال، فإن لم يعرف قصده فقد رجح الشافعية عدم الحكم بكفره، أما إذا قال مثل هذا الكلام كاذبا على فعل فعله في الماضي، فقد كفر بمجرد القول عند كثير من الفقهاء ولا كفارة عليه وإنما عليه التوبة والتشهد، ومن حرم شيئًا من ماله على نفسه أو حرم حلالا على نفسه فإنه يمين عند الحنابلة والحنفية، واتفق الفقهاء على أن اليمين في الدعاوى تكون على نية المستحلف، وأما في غير الدعاوى فقد قال الحنفية: اليمين على نية الحالف إذا كان مظلومًا، وعلى نية المستحلف إن كان ظالمًا، ومن حلف بغير الله وأسمائه وصفاته، فإن كان مما يجري على اللسان ولا يراد به التعظيم، فإنه لا كفارة عليه إجماعًا لكنه مكروه. وقال الشافعي: أخشى أن يكون معصيةً. وبعضهم ذهب إلى أن ما جرى على ألسنة العرب ولا يراد به التعظيم فالأمر فيه واسع. وقال المالكية والحنفية: إذا حلف الحالف على شيء واحد بعينه مرارًا ولا يريد إلا التأكيد فليس عليه إلا كفارة. واحدة، أما إذا لم ينو التأكيد ففي كل يمين كفارة، وقال الحنابلة: ليس عليه إلا كفارة واحدة. ومن حلف فاستثنى بأن قال: إن شاء الله تعالى، أو إلا أن يشاء الله أو إن أعانني الله أو يسر الله، أو بمعونة الله أو بتيسيره، أو إلا أن أحب غير ذلك ونحوه، وكان ذلك متصلًا مع لفظ اليمين لم تنعقد اليمين، وإن فصل الاستثناء عن لفظ اليمين انعقدت. وقال الشافعي لا بأس بالسكتة الخفية للتذكر أو للتنفس أو لانقطاع الصوت. وذكر المالكية أن السعال أو العطاس أو التثاؤب لا يعتبر فصلاً.
стр. 1472
والأيمان عند الحنفية: مبنية على العرف والعادة. وقال الشافعية: الأيمان مبنية على الحقيقة اللغوية إلا إذا احتمل اللفظ شيئًا آخر ونواه الحالف فيعمل بنيته. وقال مالك في المشهور من مذهبه: المعتبر في الأيمان: النية فإن عدمت فقرينة الحال، فإن عدمت فعرف اللفظ، فإن عدم فدلالة اللغة.
والعبرة عند الحنابلة للنية، فإن لم ينو شيئًا رجع إلى سبب اليمين، ويتفرع على هذا البحث خلافات كثيرة في كثيرة من المسائل، وهناك يمين يسميها الحنفية يمين الغور: وهو أن يخلف الإنسان على شيء في المستقبل، فتكون دلالة الحال ظاهرة على أنه يريد التأقيت كأن يقول شخص لآخر: تعال تغدى معي، فيقول: والله لا أتغدى، ثم رجع إلى منزله فتغدى. ومثل ذلك كل حالة أراد بها صاحب التوقيت ولم يرد الديمومة وكانت دلالة الحال تدل على ذلك إلا أن زفر- من فقهاء الحنفية- اعتبر هذه اليمين منعقدة كغيرها.
ومن حلف على شيء غير متصور الوجود أصلا بأن يكون مستحيلا عقلا. كأن قال: والله لأشربن ماء هذا الكوز وليس في الكوز ماء، فقد أفتى أبو حنيفة ومحمد ومالك وبعض الحنابلة بأن هذه اليمين لا تنعقد.
أما إذا حلف على ما هو مستحيل عادة لا عقلا فإن الجمهور على أن يمينه منعقدة. وقال الشافعية والحنابلة: لا كفارة ولا حنث على غير المكلف كالصبي والمجنون والنائم، ولا كفارة على المغمى عليه والمخدر لضرورة والساهي والمكره.
ومن حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فإنه يستحب له أن يحنث ويكفر عن يمينه، ولا يجوز أن يكفر قبل اليمين باتفاق العلماء، أما إذا حلف وأراد الحنث فقد قال الحنابلة: يجوز فعل الكفارة قبل الحنث وبعده، وكذلك قال الشافعية، إلا أنهم قالوا: الكفارة بعد الحنث أفضل، وقال أبو حنيفة لا يجوز تقديم الكفارة على الحنث، ولا تجب الكفارة على الغور بل هي واجبة على التراخي، والاستعجال بها أفضل، والموسر يخير في الكفارة بين أحد أمور ثلاثة: إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو إعتاق رقبة فإذا عجز الإنسان عن الخصال الثلاثة المذكورة لزمه صوم ثلاثة أيام، ولا يصح الصيام إلا إذا كان الإنسان عاجزًا عن المال الذي يصرفه في الكفارة زائدًا عن كفايته في يومه وليلته وكفاية
стр. 1473
من تلزمه نفقته، والعبرة للعجز وقت الأداء لا وقت الوجوب عند الحنفية والمالكية والشافعية، والمعتبر عند الحنابلة وقت الوجوب، أي حاله عند الحنث. والإطعام هو أن يقيت الإنسان عشرة مساكين أو مسكينًا واحدًا أيام غداءً وعشاءً، ويكفي عند الحنفية دعوة المساكين إلى الطعام وإباحته لهم، وعند غير الحنفية لابد من التمليك بالفعل أخذًا، ويكفي عند الحنفية أن يدفع للمسكين عن اليوم الواحد نصف صاع من حنطة أو ما يعدل عند الحنفية حوالي ألفي غرام إلا قليلًا أو ثمنه.
أما مقدار طعام الإباحة عند الحنفية فأكلتان مشبعتان غداءً وعشاءً أو فطرًا وسحورًا أو غداءين في يومين، فذلك يجزئ عن إطعام مسكين يومًا واحدًا. والعبرة أن يطعمهم مما يطعم أهله، وأجاز أبو حنيفة وأبو محمد إعطاء فقراء أهل الذمة كفارة الأيمان وغيرها من الكفارات والنذور.
ويشترط في المدفوع إليهم الطعام أن يكونوا مساكين أحرارًا وإن كان صغيرًا يأكل الطعام يجزئ، وأما الكسوة فلابد من تمليكها عند عامة الفقهاء، وأدنى الكسوة عند الحنفية ما يستر عامة البدن. وقال الحنابلة: تتقدر الكسوة بما تجزئ الصلاة فيه مراعى في ذلك حالة الرجل والمرأة. وقال المالكية: أقل ذك للرجل ثوب يستر جميع بدنه، وللمرأة ما يجوز لها فيه الصلاة وذلك ثوب وخمار. وقال الشافعية: يجزئ أقل ما يطلق عليه اسم الكسوة من إزار أو قميص أو ملحفة فيجوز عند الشافعية الكسوة بالسراويل والعمامة. أما الرقبة فيشترط عند الحنفية أن تكون مملوكة ملكًا كاملًا للمعتق، وأن تكون كاملة الرق سليمة من العيوب سواء كانت صغيرة أو كبيرة، ذكرًا أو أنثى، مسلمة أو كافرة.
واتفق الفقهاء على أن الحانث إن لم يجد طعامًا ولا كسوة ولا عتقًا يجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام، واشترط الحنفية والحنابلة أن تكون متتابعة، ولا يشترط التتابع عند المالكية والشافعية ولكنه يستحب، ومن أوجب التتابع فإنه يوجب على من قطع التتابع ولو لعذر كمرض أو سفر أو حيض أن يستأنف الصوم من جديد مرة أخرى، وكذلك إذا بدأ صيامه قبل يومي العيد وأيام التشريق فعليه أن يفطر ويبطل التتابع وعليه أن يستأنف الصيام من جديد.
стр. 1474
الفقرات
الفقرة الأولى: في أقوال العلماء في اليمين.
الفقرة الثانية: في بعض ما ورد في القرآن الكريم في اليمين.
الفقرة الثالثة: في بعض ما ورد في الحلف بغير الله.
الفقرة الرابعة: في اليمين الغموس.
الفقرة الخامسة: في أن الاستثناء في اليمين يلغي اليمين.
الفقرة السادسة: في من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها.
الفقرة السابعة: في متفرقات في الأيمان.
стр. 1475
الفقرة الأولى:
في:
بعض أقوال العلماء في اليمين
قال البغوي في شرح السنة:
وقال بعضهم: قيل للحلف: يمين باسم يمين اليد، وكانوا يبسطون أيمانهم إذا تحالفوا، ويقولون في اليمين: وايمن الله، ويحذف بعضهم النون، فيقول: وايم الله. اهـ.
وقال صاحب الهداية- وهو من فقهاء الحنفية-:
الأيمان على ثلاثة أضرب: اليمين الغموس، ويمين منعقدة، ويمين لغو. فالغموس: هو الحلف على أمر ماض يتعمد الكذب فيه، فهذه اليمين يأثم فيها صاحبها، لقوله ﵊: "من حلف كاذبا أدخله الله النار، ولا كفارة فيها إلا التوبة والاستغفار.
وقال الشافعي ﵀: فيها الكفارة لأنها شرعت لرفع ذنب هتك حرمة اسم الله تعالى، وقد تحقق بالاستشهاد بالله كاذبا فأشبه المعقودة. ولنا أنها كبيرة محضة والكفارة عبادة تتأدى بالصوم، ويشترط فيها النية فلا تناط بها بخلاف المعقودة لأنها مباحة ولو كان فيها ذنب فهو متأخر متعلق باختيار مبتدأ، وما في الغموس ملازم فيمتنع الإلحاق، والمنعقدة ما يحلف على أمر في المستقبل أن يفعله أو لا يفعله، وإذا حنث في ذلك لزمته الكفارة لقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ (١) وهو ما ذكرنا. واليمين اللغو أن يحلف على أمر ماض وهو يظن أنه كما قال والأمر بخلافه، فهذه اليمين نرجو أن لا يؤاخذ الله بها صاحبها. ومن اللغو أن يقول: والله إنه لزيد وهو يظنه زيدًا، وإنما هو عمرو، والأصل فيه قوله تعالى ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ﴾ الآية إلا أنه علقه بالرجاء للاختلاف في تفسيره اهـ.
وقال صاحب كتاب الفقه على المذاهب الأربعة في حكم اليمين:
стр. 1476
يختلف حكم الحلف باختلاف الأحوال، فتارة يكون واجبًا إذا توقف عليه واجب، كما إذا توقف عليه إنقاذ إنسان بريء مصون الدم من الهلاك، وقد يكون حرامًا كما إذا حلف على ارتكاب محرم أو حلف بما لا يباح الحلف به. اهـ.
ومن كلام المالكية:
الأصل في اليمين أن يكون جائزًا متى كان باسم الله تعالى أو بصفة من صفاته ولو لم يطلب منه الحلف، وقد يستحب إذا كان فيه تفخيم أمر من أمور الدين أو حث عليه أو تنفير من محذور، على أن تكثير الحلف من غير ضرورة من البدع الحادثة بعد السلف، ومتى كان اليمين مباحًا كان الحنث مباحًا وعليه الكفارة، إلا أن يكون الخير في الحنث فإنه حينئذ يتبع ذلك في الحكم، فإن حلف على ترك واجب وجب الحنث، وإن حلف على فعل معصية وجب الحنث، وينعكس الحكم إذا حلف على فعل واجب أو ترك معصية وهكذا.
والحنابلة:
قالوا: الحلف يكون واجبًا وحرامًا كما ذكر، ويكون مكروها إذا كان على فعل مكروه أو على ترك مندوب. ومن الحلف المكروه: الحلف على البيع والشراء لحديث: "الحلف منفق للسلعة ممحق للبركة" (١).
ويكون مندوبا إذا تغلقت به مصلحة كإصلاح بين متخاصمين ولو كان الحالف أحد المتخاصمين، أو إزالة حقد في قلب مسلم أو دفع شر عنه أو عن غيره. أما الحلف على فعل الطاعة وترك المعصية فليس بمندوب.
ويكون مباحا كالحلف على فعل المباح أو تركه، أو على الخبر بشيء هو صادق فيه أو يظن أنه صادق فيه، ومنه الحلف على فعل الطاعة وترك المعصية اهـ (الفقه على المذاهب الأربعة).
стр. 1477
ومن كلام الشافعية:
الأصل في الحلف الكراهة لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ (١)، وقد يكون مباحًا غير مكروه كما إذا حلف على فعل طاعة أو ترك مكروه، أو في دعوى عند حاكم مع الصدق، أو كان لتأكيد أمر في حاجة إلى التأكيد، أو كان لتعظيم شأن أمر. ويكون مندوبا إذا توقف عليه فعل مندوب أو ترك مكروه.
أما الحنث فتعتريه الأحكام الخمسة، فتارة يكون واجبًا كما إذا حلف على معصية أو ترك واجب، فمن حلف ليشربن الخمر، أو لا يصلي فإنه يفترض عليه أن يحنث وعليه الكفارة. وتارة يكون حرامًا إذا كان بالعكس، كما إذا حلف أن يقيم الصلاة المفروضة أو لا يزني فإنه يفترض عليه البر باليمين ويحرم عليه الحنث، وتارة يكون مندوبًا كما إذا حلف على فعل مندوب وترك مكروه، وتارة يكون مكروهًا كما إذا حلف على ترك مندوب وفعل مكروه. وتارة يكون خلاف الأولى كما إذا حلف على فعل مباح أو تركه كالأكل والشرب، فالأولى أن يبر باليمين صونًا لاسم الله تعالى وهو في جميع الأحوال تجب عليه الكفارة إذا حنث اهـ (الفقه على المذاهب الأربعة).
ومن كلام الحنفية:
الأصل في اليمين بالله أو بصفة من صفاته أن يكون جائزًا، ولكن الأولى أن لا يكثر منه اهـ (الفقه على المذاهب الأربعة).
وقال في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة:
لا ينعقد اليمين بغير الله تعالى كالحلف بالنبي ﷺ ، والكعبة، وجبريل، والولي وغير ذلك من كل معظم، ولا كفارة على الحنث في الحلف به، وإذا قصد الحالف بذلك إشراك غير الله معه في التعظيم كان ذلك شركًا، وإذا قصد الاستهانة بالحلف بالنبي والرسول ونحو ذلك كفر اهـ.
стр. 1478
أقول: وقد تفنن الناس خلال العصور أنواعًا من الأيمان وأنواعًا من الطرق لتأكيد ما يريدون فاقتضى ذلك فتاوى مطولة وأبحاثًا كثيرة. وها نحن أولًا ننقل لك صورًا من أقوال المذاهب تبين لك نماذج ما ذكرناه، وإذا أردت التوسع في معرفة ذلك فأمامك كتب المذاهب الفقهية التي تجد فيها مئات الصفحات عن الأيمان وأنواعها وما يترتب على كل صيغة من آثار وأحيانًا من بلاء:
الحنفية- قالوا: الحلف بالتعليق نحو: علي الطلاق لا أفعل كذا، أو إن فعلت كذا يلزمني الطلاق، إن كان الغرض منه الوثيقة أي اتشاق الخصم بصدق الحالف جاز بدون كراهة، وإن لم يكن الغرض منه ذلك أو كان حلفًا على الماضي فإنه يكره، وكذلك الحلف بنحو: وأبيك ولعمرك ونحو ذلك.
الشافعية- قالوا: يكره الحلف بغير الله تعالى ويكره الحلف بالطلاق.
الحنابلة- قالوا: يحرم الحلف بغير الله تعالى وصفاته ولو بنبي أو ولي، فمن حلف بذلك يستغفر الله تعالى ويتوب ويندم على ما فرط منه ولا كفارة عليه. ويكره الحلف بالطلاق والعتاق.
المالكية- قالوا: الحلف بمعظم شرعا كالنبي والكعبة ونحوهما فيه قولان: الحرمة، والكراهة والمشهور: الحرمة، أما الحلف بما ليس بمعظم شرعا كالحلف بالأنصاب والدماء التي كان يحلف بها في الجاهلية، أو بشيء من المعبودات دون الله تعالى فلا خلاف في تحريمه إذا لم يقصد تعظيمها، وإلا كفر .. وكذلك لا ينبغي الاختلاف في تحريم الحلف بالآباء والأشراف ورؤوس السلاطين وحياتهم وما شاكل ذلك.
أقول: المذاهب الأربعة على كراهة الحلف بالطلاق، وعلى وقوع الطلاق إذا حنث بما حلف عليه.
إذا حلف على غيره أو سأله بالله:
إذا قال لغيره: أقسم عليك بالله، أو أحلف عليك بالله لتفعلن كذا، أو لا تفعل كذا ففيه تفصيل المذاهب:
стр. 1479
الحنفية- قالوا: إذا قال رجل لآخر: والله لتفعلن كذا وكذا، أو بالله لتفعلن كذا، فإن أراد به استحلاف المخاطب ولم يرد أن يحلف هو فلا يكون يمينًا ولا شيء عليهما، وإن أراد أن يحلف بذلك أو لم يرد شيئًا فإنه يكون يمينًا، ويحنث إذا لم يطعه المخاطب.
وإذا قال له: أقسمت لتفعلن كذا، أو قال: أقسمت بالله، أو أشهد بالله، أو أحلف بالله أو أعزم بالله لتفعلن كذا، سواء قال عليك أو لم يقل فإنه ينعقد يمينًا يلزم به الحالف، ولا شيء على المخاطب إلا إذا أراد به الاستفهام فإنه لا يكون يمينًا حينئذ.
المالكية- قالوا: إذا حلف على رجل بأن قال له: حلفت عليك بالله لتفعلن كذا، أو لا تفعل كذا فلم يطعه حنث الحالف وعليه الكفارة، ولا شيء على الآخر: وكذلك إذا قال: أقسمت عليك فإنه إن لم يطعه وجبت الكفارة على من أقسم إلا إذا قصد بذلك غير اليمين، فإنه في هذه الحالة فيه خلاف، والمشهور أنه لا شيء عليه، وكذا إذا لم يقصد شيئًا.
ولو قال: حلفت عليك ولم يقل بالله ولم ينوه فلا كفارة عليه. وكذا لو قال: أعزم عليك بالله، أو عزمت عليك بالله، أو سألتك بالله ولم يقصد به اليمين، فالأصح أنه لا يكون يمينًا.
ويندب لمن سأله أحد بالله أو أقسم عليه به أن يبر قسمه، وأن يجيبه إلى طلبه إذا لم يكن هناك مانع شرعي ولم يتذرع السائل بذلك إلى الإلحاف ومضايقة الناس، ويتأكد الندب فيما تجب فيه الكفارة.
الشافعية- قالوا: إذا قال لغيره: أقسم عليك بالله أو أسألك بالله لتفعلن كذا، فإنه يكون يمينًا إذا قصد به يمين نفسه، أما إذا قصد به يمين المخاطب، أو قصد الشفاعة عنده، أو لم يقصد شيئًا فإنه لا يكون يمينًا، فإذا حلف الشخص على آخر أنه يأكل فإذا أراد تحقيق الأكل وأنه لابد منه كان يمينًا، وإن أراد أتشفع عندك بالله أنك تأكل، أو أراد يمين المخاطب كأن قصد جعله حالفا بالله فلا يكون يمينًا، لأنه لم يحلف حينئذ لا هو ولا المخاطب، ويحمل عند الإطلاق على الشفاعة، ويسن للمخاطب إبراره في القسم إذا أراد
стр. 1480
به يمين نفسه.
الحنابلة- قالوا: إذا أقسم على غيره فإن قال: والله لتفعلن يا فلان كذا، أو لا تفعلن كذا فلم يطعه حنث الحالف وعليه الكفارة. لا على من لم يطعه على الراجح. وإن قال: أسألك بالله لتفعلن كذا، وأراد بذلك اليمين يكون يمينًا، والكفارة على الحالف أيضًا. أما إذا أراد به الشفاعة فإنه لا يكون يمينًا، ويسن إبرار القسم كما تسن إجابة السؤال بالله. اهـ.
стр. 1481
الفقرة الثانية
في:
بعض ما ورد في القرآن الكريم في اليمين
- قال تعالى: (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس) (١) أي: لا تجعلوا أيمانكم حائلة بينكم وبين البر والتقوى والإصلاح بين الناس، وقد جاءت النصوص الكثيرة تحض من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها أن يكفر عن يمينه ويأتي بالذي هو خير.
- وقال تعالى في اليمين الكاذبة: (ويحلفون على الكذب وهم يعلمون) (٢).
- وقال تعالى في اليمين اللغو واليمين المنعقدة: (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان) (٣).
- وقال تعالى: (ولكن يؤاخذكم بما كست قلوبكم) (٤).
- وقال تعالى: (واحفظوا أيمانكم) (٥).
- وقال تعالى: (ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها) (٦).
- وقال تعال: (ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا) (٧).
أقول: وقد بينت السنة الحالات التي يجوز للإنسان أن يحنث فيها وهناك حالات يفترض على الإنسان فيها، أن يحنث، وهناك حالات يندب للإنسان أن يحنث فيها.
стр. 1482
الفقرة الثالثة
في:
بعض ما ورد في الحلف بغير الله
١٥٦١ - * روى النسائي عن قتيلة (امرأةٌ من جهينة) أن يهوديًا أنى النبي ﷺ فقال: إنكم تندون وتشركون، تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة، فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا، أن يقولوا: "ورب الكعبة": ويقول أحدهم: "ما شاء الله، ثم شئت".
قال ابن الأثير:
(ما شاء الله وشئت) إنما فرق بين قوله: "ما شاء الله وشئت؛ وما شاء الله ثم شئت" لأن الواو قد ذهب قوم إلى أنها موضوعة للجمع والمشاركة، لا للترتيب، فإذا قال: "ما شاء الله وشئت" كان قد جمع بينه وبين الله في المشيئة، ولهذا قال القائل بهذا: إذا قلت: (قام زيد وعمرو) يجوز أن يكون عمرو قد قام قبل زيدٍ، فأما إذا قال: "ما شاء الله ثم شئت" ترتبت مشيئة الله تعالى قبل مشيئته فلهذا قال لهم النبي ﷺ : قولوا: "ما شاء ثم شئت".
١٥٦٢ - * روى أحمد والترمذي عن سعد بن عبيدة أن ابن عمر سمع رجلا يقول: لا والكعبة، فقال له: لا تحلف بغير الله، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك". وقال الترمذي: هذا على التغليظ.
стр. 1483
أقول: قول الترمذي: "هذا على التغليظ" يفيد أن ابن عمر لا يريد الكفر الحقيقي، وإجماع العلماء منعقد على أن الحلف بالكعبة لا يعتبر يمينًا، والراجح عند العلماء أنه مكروه، وذهب بعضهم إلى أنه حرام.
١٥٦٣ - * روى الطبراني عن عبد الله قال: لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلى من أن أحلف بغيره وأنا صادق.
أقول: هذا من عبد الله ﵁: يؤكد حرمة الحلف بغير الله حتى إنه ليراه أفظع من اليمين الغموس.
١٥٦٤ - * روى أبو داود عن طلحة بن عبيد الله ﵁ يعني في قصة الأعرابي: فقال النبي ﷺ : "أفلح وأبيه إن صدق، أو دخل الجنة وأبيه إن صدق".
قال ابن الأثير:
(أفلح وأبيه) هذه كلمة جارية على ألسن العرب، تستعملها كثيرًا في خطابها وتريد التأكيد، وأما نهي رسول الله ﷺ أن يحلف الرجل بأبيه، فيحتمل أن يكون هذا القول منه قبل النهي، ويحتمل أن يكون جرى منه على عادة الكلام الجاري على اللسان، وهو لا يقصد به القسم، كاليمين المعفو عنها من قبيل اللغو، أو أنه أراد التأكيد، لا اليمين، فإن هذه اللفظة تجري في كلام العرب على ضربين: للتعظيم، والتأكيد، والتعظيم: هو المنهي عنه، وأما التأكيد، فلا، لقوله:
لعمر أبي الواشين لا عمر غيرهم ... لقد كلفتني خطة لا أريدها
فهذا توكيد، لأنه لا يقصد أن يقسم بأبي الواشين، وهذا في كلامهم كثير. اهـ.
أقول: من كلام ابن الأثير نعرف أن بعض العلماء اعتبر أن هذا الحديث منسوخ، وأن
стр. 1484
بعضهم اعتبره أنه مما يجري على ألسنة الناس دون أن يراد فيه القسم ولا التعظيم، وبالإجماع لا كفارة فيه.
وهو في أدنى حالاته مكروه بعد ورود النهي الصريح عن الحلف بالآباء عن رسول الله ﷺ عند بعضهم، وعند بعضهم مباح إذا لم يرافقه اعتقاد فاسد.
١٥٦٥ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ قال سمعت عمر يقول: قال رسول الله ﷺ : "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم".
وزادوا فيها، قال: قال عمر: فو الله ما حلفت بها منذ سمعت رسول الله ﷺ ينهى عنها، ذاكرًا ولا آثرًا.
وفي أخرى (١) أن النبي ﷺ سمع عمر يقول: وأبي، وأبي، فقال: "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله، أو ليسكت".
وفي أخرى (٢) قال: قال النبي ﷺ : "من كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله". وكانت قريش تحلف بأبنائها، فقال: "لا تحلفوا بآبائكم".
وللبخاري (٣): أن النبي ﷺ قال: "من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت".
وله في أخرى (٤) أنه قال: "لا تحلفوا بآبائكم" وكانت العرب تحلف بآبائها.
стр. 1485
١٥٦٦ - * روى ابن ماجة عن ابن عمر قال: سمع النبي ﷺ رجلًا يحلف بأبيه، فقال: "لا تحلفوا بآبائكم، من حلف بالله فليصدق، ومن أحلف له بالله فليرض، ومن لم يرض بالله فليس من الله".
١٥٦٧ - * روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم، ولا بالأنداد، ولا تحلفوا إلا بالله، ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون".
١٥٦٨ - * روى مسلم عن عبد الرحمن بن سمرة ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تحلفوا بالطواغي ولا بآبائكم".
وفي رواية النسائي (١) "لا تحلفوا بآبائكم ولا بالطواغيت".
قال ابن الأثير:
(الطواغي) والطواغيت: الأوثان، وهو ما كانوا يعبدونه، وكذلك الشياطين، وكل رأس في ضلالة فهو طاغوت، والجمع: طواغيت، والطواغيت: جمع طاغية.
١٥٦٩ - * روى أحمد عن بريدة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من حلف بالأمانة فليس منا".
قال ابن الأثير:
(من حلف بالأمانة فليس منا) قال الخطابي: يشبه أن تكون الكراهة فيها من أجل أنه أمر أن يحلف بالله وصفاته، وليست الأمانة من صفاته، وإنما هي من أوامره، وفرض
стр. 1486
من فروضه، فنهوا عنه، لما في ذلك من التسوية بينها وبين أسماء الله وصفاته، على أن أبا حنيفة وأصحابه قالوا: إذا قال: وأمانة الله،. فهي يمين، وعليه الكفارة، وخالفهم الشافعي في الأمرين.
أقول: ووافق الحنفية المالكية والحنابلة، ووافق الطحاوي من الحنفية الشافعية فلم يعتبره يمينًا، وعلى كل الأحوال فالوارد في النصوص: "الحلف بالأمانة" والمسألة المختلف فيها: "الحلف بأمانة الله".
١٥٧٠ - * روى الطبراني في الأوسط عن ابن عمر، أن رجلا سمع رجلا يحلف بالأمانة فقال: ألست الذي تحلف بالأمانة.
أقول: استفهام ابن عمر للإنكار.
١٥٧١ - * روى أبو داود عن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من حلف، فقال: إني بريء من الإسلام، فإن كان كاذبًا، فهو كما قال، وإن كان صادقًا، فلن يرجع إلى الإسلام سالمًا".
أقول: إن الجرأة على مثل هذا اليمين حتى لو كان الإنسان صادقًا تعتبر مثلبة ونقصًا في دين الرجل. أما من حيث اعتباره يمينًا فقد قال الحنفية وفي رواية عن أحمد يكون يمينًا موجبة للكفارة إذا فعل الشيء المحلوف عليه. وقال المالكية والشافعية والحنابلة في الرواية الصحيحة عندهم: لا يكون يمينًا ولا كفارة عليه بالحنث فيه، والحلف به معصية إذا قصد تبعيد نفسه عن المحلوف عليه. أما لو حلف على قصد الرضا بالكفر فقد كفر في الحال، فإن لم يعرف قصده فقد رجح الشافعية عدم الحكم بكفره، هذا إذا أضاف قوله إلى المستقبل، أما إذا أضاف قوله إلى الماضي وكان قد واقع ما أراد البراءة منه فقد اختلف في
стр. 1487
تكفيره ومن لم يكفره بنى عدم تكفيره على أنه لم يقصد الكفر وإنما قصد ترويح كلامه وتصديقه فيه.
١٥٧٢ - * روى الترمذي عن ثابت بن الضحاك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من حلف بملةٍ غير الإسلام كاذبًا فهو كما قال".
قال ابن الأثير:
(فهو كما قال) معنى هذا القول: هو أن يقول الإنسان في يمينه: إن كان كذا وكذا، فأنا كافر أو يهوديٌ أو نصرانيٌ، ونحو ذلك، ويكون كاذبًا في قوله، قال النبي ﷺ : إذا قال ذلك وهو كاذب، فقد صار إلى ما قاله من الكفر وغيره، وهذا ينعقد به يمين عند أبي حنيفة، فإنه لا يوجب فيه إلا كفارة يمينٍ، وأما الشافعي: فلا ينعقد عنده بذلك يمين ولا كفارة فيه.
قال البغوي في شرح السنة:
إذا حلف الرجل بغير الإسلام، فقال إن فعل كذا، فهو يهودي، أو نصراني، أو بريء عن الإسلام، ففعل، ذهب جماعة من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم إلى أن عليه كفارة اليمين، وبه قال النخعي، وإليه ذهب الأوزاعي، والثوري، وأصحاب الرأي، وأحمد، وإسحاق، وذهب قوم إلى أنه أتى بأمر عظيم، ولا كفارة عليه، وهو قول أهل المدينة، وبه يقول مالك، والشافعي، وأبو عبيد ا. هـ.
أقول: وعليه أن يجدد إيمانه بلفظ الشهادتين، وعليه أن يستغفر ويتوب، وعلى مذهب الحنفية عليه أن يجدد عقد زواجه إن حكم بكفره على رأي من يقول بأن من حلف على أمر
стр. 1488
ماضٍ بمثل هذه الأيمان وكان يعلم أن كلامه لا يوافق ما قاله.
١٥٧٣ - * روى النسائي عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: كنا نذكر بعض الأمر، وأنا حديث عهد بالجاهلية، فحلفت باللات والعزى، فقال لي أصحاب رسول الله ﷺ : بئس ما قلت، ائت رسول الله ﷺ فأخبره، فإنا لا نراك إلا قد كفرت، فلقيته فأخبرته، فقال: "قل: لا إله إلا الله وحده- ثلاث مراتٍ- وتعوذ بالله من الشيطان الرجيم- ثلاث مراتٍ- واتقل عن شمالك- ثلاث مراتٍ- ولا تعد له".
وفي أخرى (١) قال: حلفت باللات والعزى، فقال لي أصحابي: بئسما قلت، قلت هجرًا، فأتيت رسول الله ﷺ ، فذكرت ذلك له، فقال: "قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قديرٍ، وانفث عن يسارك- ثلاثًا- وتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم لا تعد".
قال ابن الأثير:
(فليقل: لا إله إلا الله) قال الخطابي، وفي قوله: "من حلف باللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله" دليل على أن الحالف بهما وبما كان في معناهما لا يلزمه كفارة اليمين، وإنما يلزمه الإنابة والاستغفار، وهو مذهب الشافعي.
أقول: الحلف باللات والعزى وما شابه ذلك إن أراد به صاحبة التعظيم فقد كفر وعليه تجديد إيمانه كما يجب عليه تجديد عقد زواجه عند الحنفية.
أما إذا جرت على لسانه من غير قصد فكذلك يجب عليه تجديد إيمانه والاستغفار وهذه حالة دون الحالة الأولى.
١٥٧٤ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من حلف منكم، فقال في حلفه: باللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله، ومن قال
стр. 1489
لصاحبه: تعال أقامرك، فليتصدق" قال أبو داود: "يعني بشيء".
وقال مسلمٌ: هذا الحرف- يعني قوله: "تعالى أقامرك فليتصدق" لا يرويه أحد غير الزهري، قال: وللزهري نحو من تسعين حرفًا يرويه عن النبي ﷺ لا يشاركه فيه أحد، بأسانيد جيادٍ.
(فليتصدق) قال الخطابي: فليتصدق بقدر ما كان جعله خطرًا في القمار.
أقول: وهذا من باب: "وأتبع السيئة الحسنة تمحها".
قال أبو بكر (ابن خزيمة): فلم يأمر النبي ﷺ الحالف باللات ولا القائل لصاحبه تعالى أقامرك، بإحداث وضوء فالخبر دال على أن الفحش في المنطق وما زجر المرء عن النطق به لا يوجب وضوءًا خلاف قول من زعم أن الكلام السيئ يوجب الوضوء.
أقول: قال الحنفية: يندب الوضوء لمن قال قولا فيه إساءة، ودليلهم على ذلك الأحاديث الكثيرة التي تذكر أن الوضوء يغسل الخطايا.
* * *
стр. 1490
الفقرة الرابعة
في:
اليمين الغموس
١٥٧٥ - * روى أبود داود عن جابر بن عبد الله ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحلف أحد عند منبري هذا على يمينٍ آثمةٍ، ولو على سواكٍ أخضر، إلا تبوأ مقعده من النار، أو وجبت له النار".
وفي رواية الموطأ (٢): أن رسول الله ﷺ قال: "من حلف على منبري بيمينٍ آثمةٍ تبوأ مقعده من النار".
١٥٧٦ - * روى الطبراني عن سلمة بن الأكوع أن رسول الله ﷺ قال على المنبر: "لا يحلف أحد على يمين كاذبةٍ إلا تبوأ مقعده من النار".
١٥٧٧ - * روى أحمد عن أبي هريرة قال أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من عبدٍ أو أمةٍ تحلف عند هذا المنبر على يمين آثمة ولو على سواكٍ رطبٍ إلا وجبت له النار".
١٥٧٨ - * روى الطبراني عن عمران بن حصين قال: كنا نعد اليمين الغموس من الكبائر.
أقول: مر معنا أن هناك خلافًا بين الفقهاء حول ما يكفر اليمين الغموس:
стр. 1491
فالحنفية قالوا: ليس فيه كفارة يمين وعليه التوبة والاستغفار. والشافعية قالوا: عليه كفارة يمين والتوبة والاستغفار. والجميع متفقون على أنه لابد من رد الحقوق إلى أصحابها. وممن وافق الحنفية في أنه لا تجب فيه الكفارة المالكية وهو الراجح عند الحنابلة.
* * *
стр. 1492
الفقرة الخامسة
في:
أن الاستثناء في اليمين يلغي اليمين
قال البغوي في شرح السنة:
(والعمل على هذا عند عامة أهل العلم أن الاستثناء إذا كان موصولًا باليمين، فلا حنث عليه، ولا فرق بين اليمين بالله، أو بالطلاق والعتاق عند أكثر أهل العلم. وقال مالك، والأوزاعي: إذا حلف بطلاق أو عتق، فالاستثناء لا يغني عنه شيئًا، ويقع الطلاق والعتاق، وقال أصحاب مالك: الاستثناء إنما يعمل في يمين يدخلها الكفارة حتى قال مالك: إذا حلف بالمشي إلى بيت الله، واستثنى، فاستثناؤه ساقط، والحنث له لازم.
واختلف أهل العلم في الاستثناء إذا كان منفصلًا عن اليمين، فذهب أكثرهم إلى أنه لا يعمل إلا أن يكون بين اليمين والاستثناء سكتة يسيرة كسكتة الرجل للتذكر، أو للعي، أو للتنفس، فإن طال الفصل، أو اشتغل بكلام آخر بينهما، ثم استثنى، فلا يصح.
وذهب بعضهم إلى أن الاستثناء جائز مادام في المجلس، روي ذلك عن طاووس، والحسن، وقال قتادة: له أن يستثنى مالم يتكلم، أو يقم، وقال أحمد: له أن يستثنى ما دام في ذلك الأمر، وقال ابن عباس: له الاستثناء بعد حين، وقال مجاهد: بعد سنين، وقال سعيد بن جبير: بعد أربعة أشهر) اهـ.
١٥٧٩ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "من حلف، فقال: إن شاء الله، لم يحنث".
وعند النسائي (١): أن رسول الله ﷺ قال: "من حلف على يمينٍ، فقال: إن شاء الله، فقد استثنى".
стр. 1493
١٥٨٠ - * روى النسائي عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: إن رسول الله ﷺ قال: "من حلف على يمينٍ، فقال: إن شاء الله، فقد استثنى".
وفي أخرى (١): "من حلف على يمينٍ فاستثنى، فإن شاء رجع، وإن شاء ترك غير حنثٍ".
وفي رواية الترمذي (٢): أن رسول الله ﷺ قال: "من حلف على يمينٍ، فقال: إن شاء الله، فلا حنث عليه" قال الترمذي: وقد روي موقوفًا.
وفي رواية الموطأ (٣) موقوفًا عن نافع عن ابن عمر أنه كان يقول: من قال والله ثم قال: إن شاء الله، ثم لم يفعل الذي حلف عليه، لم يحنث.
١٥٨١ - * روى الطبراني عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "والله لأغزون قريشًا". ثم قال: "إن شاء الله". ثم قال: "والله لأغزون قريشًا". ثم قال: "إن شاء الله". ثم قال: "والله لأغزون قريشًا" ثم قال: "إن شاء الله".
١٥٨٢ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "قال سليمان ﵇: لأطوفن الليلة على تسعين امرأة، كل امرأةٍ تأتي بفارسٍ يجاهد في سبيل الله، فقال له الملك قل: إن شاء الله، فلم يقل: إن شاء الله، فلم تحمل منهن إلا امرأةٌ واحدةٌ، جاءت بشق رجلٍ، فقال وايم الذي نفسي بيده، لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانًا أجمعون".
стр. 1494
وفي رواية (١) عن أبي هريرة قال: "قال سليمان بن داود: لأطوفن الليلة بمائة امرأةٍ، تلد كل امرأةٍ منهن غلامًا يقاتل في سبيل الله، فقال له الملك: قل: إن شاء الله، فلم يقل، ونسي، فطاف بهن، ولم تلد منهن إلا امرأة نصف إنسان"، قال النبي ﷺ "لو قال: إن شاء الله لم يحنث، وكان أرجى لحاجته".
وفي رواية نحوه (٢)، وقال: "تسعين امرأة" قال: "ولو قال: إن شاء الله، لم يحنث، وكان دركا له في حاجته" قال: "وقال مرة: قال رسول الله ﷺ : "لو استثنى" وفي رواية (٣): "سبعين امرأةٌ".
وفي أخرى (٤) قال: "كان لسليمان ستون امرأة، فقال: لأطوفن عليهن الليلة" وذكر نحوه، وفي آخره: فقال رسول الله ﷺ : "ولو كان استثنى لولدت كل واحدة منهن غلامًا فارسًا يقاتل في سبيل الله".
وللبخاري (٥): أن رسول الله ﷺ قال: "قال سليمان ابن داود: لأطوفن الليلة على مائة امرأةٍ، وتسعةٍ وتسعين .... " وذكر نحوه، وفيه: "والذي نفس محمدٍ بيده، لو قال: إن شاء الله، لجاهدوا في سبيل الله فرسانًا أجمعون".
وله في أخرى (٦) نحوه، وقال: "على سبعين امرأة"، وفيه: "ولم تحمل شيئًا".
أقول: لا تنافي بين الروايات في ذكر أعداد مختلفة، فبعضها عبر عن الكثرة، وبعضها ذكر أزواجه فيما يبدو دون سراريه، وبعضها ذكر طوافًا على أزواج وسرارٍ.
стр. 1495
الفقرة السادسة
في
من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها
قال البغوي في شرح السنة:
قال الله : ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا﴾ (١) الآية.
قال الأزهري: ﴿عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ أي: مانعًا لكم عن البر، والاعتراض: المنع، وكل شيء منعك عن أمر تريده فقد اعترض عليك، وتعرض لك، والأصل فيه: الطريق المسلوك يعترض فيه بناءً أو شيء يمنع السابلة من سلوكه، وقيل: العرضة: الاعتراض في الخير والشر يقول: لا تعترضوا باليمين في كل ساعة ألا تبروا ولا تتقوا. اهـ
١٥٨٣ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الرحمن بن سمرة ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "يا عبد الرحمن، لا تسأل الإمارة، فإنك إن أتتك عن مسألةٍ وكلت إليها، وإن أتتك عن غير مسألةٍ أعنت عليها، وإذا حلفت على يمينٍ فرأيت غيرها خيرًا منها، فائت الذي هو خيرٌ، وكفر عن يمينك".
وفي رواية لأبي داود (٢): لم يذكر حديث "الإمارة" وأول حديثه: "إذا حلفت".
стр. 1496
وله في أخرى (١): "فكفر عن يمينك، ثم ائت الذي هو خير".
وللنسائي (٢) أيضا قال: " إذا حلف أحدكم على يمين، فرأى غيرها خيرًا منها، فليكفر عن يمينه، ولينظر الذي هو خير فليأته".
أقول: يدخل في هذا الشأن أمور متعددة:
فأول ما يدخل فيه: الحلف على المعصية، فيحرم على الإنسان أن يفعلها وتجب في ذلك الكفارة، كما لا يصح للإنسان أن يبر إذا حلف على مكروه وعليه الكفارة، وإذا حلف على مباح فرأى المصلحة في غيرها فله أن يحنث وعليه الكفارة، وهناك حالات تحتاج الموازنة فيها بين الخيرية وغيرها إلى علم وفقه أو فتوى من أهل ذلك، وذلك في الأوضاع الاستثنائية، كأن يكون الإنسان بين ضررين أو شرين فالأخف في الضرر والأخف في الشر يعتبر خيرًا بالنسبة للحالف والأحاديث الواردة في موضع فعل الخير وترك ما دونه كثيرة كما سنرى في هذه الفقرة.
ومن حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها هل يجوز له أن يكفر قبل الحنث؟
قال أبو حنيفة: لا يجوز تقديم الكفارة على الحنث مطلقًا، وأجاز تقديم الكفارة على الحنث الحنابلة والشافعية والمالكية، والأفضل عند المالكية والشافعية تأخير الكفارة إلى ما بعد الحنث مراعاة للخلاف.
١٥٨٤ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من حلف على يمينِ، فرأى غيرها خيرًا منها، فليكفر عن يمينه، وليفعل" زاد في رواية (٣) "الذي هو خير".
стр. 1497
وفي رواية (١) قال: أعتم رجل عند النبي ﷺ ، ثم رجع إلى أهله فوجد الصبية قد ناموا، فأته أهله بطعامه، فحلف لا يأكل من أجل صبيته، ثم بدا له فأكلن فأتى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له، فقال رسول الله ﷺ : "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، فليأتها، وليكفر عن يمينه".
١٥٨٥ - * روى مسلم عن تميم بن طرفة الطائي ﵁، قال: جاء سائلٌ إلى عدي بن حاتم يسأله نفقةً- أو في ثمن خادمٍ، أو في بعض ثمن خادمٍ- فقال: ليس عندي ما أعطيك، إلا درعي ومغفري، فأكتب إلى أهلي أن يعطوكها، قال: فلم يرض، فغضب عدي، فقال: أما والله لا أعطيك شيئًا، ثم إن الرجل رضي، فقال: أما والله لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من حلف على يمينٍ، ثم رأى أتقى لله منها فليأت التقوى" ما حنثت في يميني.
وفي أخرى (٢) أن النبي ﷺ قال: "إذا حلف أحدكم على اليمين، فرأى خيرًا منها، فليكفرها، وليأت الذي هو خيرٌ".
وفي أخرى للنسائي (٣): "فليأت الذي هو خيرٌ، وليترك يمينه".
١٥٨٦ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "نحن الآخرون السابقون" وقال رسول الله ﷺ : "لأن يلج أحدكم بيمينه في أهله
стр. 1498
آثم له عند الله من أن يعطي كفارته التي افترض الله عليه".
وللبخاري (١) قال: قال رسول الله ﷺ : "من استلج في أهله بيمين، فهو أعظم إثمًا ليبر، يعني الكفارة".
قال ابن الأثير:
(لج واستلج) في يمينه: إذا لج في الاستمرار عليها، وترك تكفيرها ورأى أنه صادق فيها، وقيل: هو أن يحلف ويرى أن غيرها خير منها، فيقيم على ترك الكفارة والرجوع إلى ما هو خير.
(آثم): أكثر إثمًا، لأنه قد أمر أن يأتي الذي هو خير.
أقول:
اختلف العلماء في القائل (أعاهد الله) هل هو يمين أو لا، فعلى القول بأنها يمين فمن رأى غير ما عاهد عليه الله أبر أو عجز عن الوفاء فإن عليه الكفارة، وعلى القول: إنها ليست بيمين فإنه لا كفارة على صاحبها، وإذا عجز أو رأى غيرها خيرًا منها بالمعيار الشرعي فليأت الذي هو خير ولا كفارة عليه.
قال البغوي في شرح السنة:
ولو قال: علي عهد الله وميثاقه، فليس بيمين إلا أن يريد به اليمين، وكذلك لو قال: شهدت بالله، أو أشهد بالله، أو عزمت بالله، أو أعزم بالله، فلا يكون يمينا إلا أن يريده، ولو قال: أقسمت بالله، أو حلفت بالله، أو أقسم بالله، أو أحلف بالله، فإن أراد بالأول إخبارًا عن يمين في الماضي، أو أراد بالثاني وعد يمين في المستقبل، فليس بيمين، وإن أراد بها يمينًا في الوقت، فهو يمين، وإن أطلق، ففيه قولان، ولو قال: شهدت أو أشهد، أو عزمت، أو أعزم أو أقسمت، أو أقسم، ولم يقيده بذكر الله، فليس بيمين وإن
стр. 1499
نواه، وعند أبي حنيفة: كلها يمين أهـ
١٥٨٧ - * روى البخاري عن عائشة ﵂، قالت: ما كان أبو بكر يحنث قط في يمين، حتى نزلت كفارة اليمين، فلما نزلت حنث إذا رأى غيرها خيرا منها، وكفر.
وفي رواية (١)، أن أبا بكر لم يكن يحنث في يمين قط، حتى أنزل الله كفارة اليمين، فقال: لا أحلف على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها، إلا أتيت الذي هو خير، وكفرت عن يميني.
وفي أخرى (٢)، إلا قبلت رخصة الله، وفعلت الذى هو خير.
١٥٨٨ - * روى أبو داود عن أبي موسى الأشعري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها، إلا كفرت عن يميني، وأتيت الذي هو خير". أو قال: "إلا أتيت الذي هو خير، وكفرت عن يميني".
وعند النسائي (٣) قال: قال النبي ﷺ : "ما على الأرض يمين أحلف عليهما فأرى غيرها خيرًا منها، إلا أتيته".
وله في أخرى (٤) قال: أتيت رسول الله ﷺ في رهط من الأشعريين نستحمله، فقال: "والله لا أحملكم، وما عندي ما أحملكم عليه"، ثم لبثنا ما شاء الله، فأتي يا بل فأمر بثلات ذود، فلما انطلقنا قال بعضنا لبعض: لا يبارك الله لنا، أتينا
стр. 1500
رسول الله ﷺ نستحمله، فحلف لا يحملنا، قال أبو موسى: فأتينا النبي ﷺ ، فذكرنا ذلك له، فقال: "ما أنا حملتكم، بل الله حملكم، إني والله لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيرًا منها، إلا كفرت عن يميني، وأتيت الذي هو خير".
وفي رواية البخاري ومسلم (١) نحو هذه التي للنسائي، وزاد فيها: "فأمر لنا بثلاث ذود عز الذرى" وفيها: "وإني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين، ثم أرى غيرها خيرًا منها، إلا كفرت عن يميني، وأتيت الذي هو خير".
زاد في رواية (٢): "وأتيت الذي هو خير، وكفرت عن يميني".
قال ابن الأثير:
(نستحمله) استحملت الإنسان: إذا طلبت منه شيئًا تركبه، أو تحمل عليه متاعك.
(الذود) من الإبل: ما بين الثنتين إلى التسع، وقيل: ما بين الثلاث إلى التسع من الإناث خاصة، وقيل: ليس للإناث به اختصاص، إنما اللفظية مؤنثة.
(الذرى): الأسنمة، وصفها أنها "غر" أي: أنها بيض حسان لسمنها.
أقول: يلاحظ أن بعض الروايات تذكر التكفير ثم الحنث، وبعض الروايات تذكر الحنث ثم التكفير ومن هاهنا وجد من الفقهاء من يقول: إذا كفر ثم حنث تجب عليه إعادة الكفارة، ومنهم من يقول: تجزئ الكفارة ولو كانت قبل الحنث وقد مر معنا هذا من قبل ونزيد الأمر وضوحًا:
قال البغوي في شرح السنة:
اختلف أهل العلم في تقديم كفارة اليمين على الحنث، فذهب أكثر أهل من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم إلى حوازه، كما ورد به الحديث، ويروى ذلك عن ابن عمر، وابن
стр. 1501
عباس، وعائشة، وبه قال الحسن البصري، وابن سيرين، وإليه ذهب مالك، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، إلا أن الشافعي يقول: إن كفر بالصوم قبل الحنث، لا يجوز، إنما يجوز تقديم العتق أو الإطعام، او الكسوة، كما يجوز تقديم الزكاة على الحول. ولا يجوز تعجيل صوم رمضان قبل وقته.
وذهب قوم إلى أنه لا يجوز تقديم الكفارة على الحنث، وهو قول أصحاب الرأي، وجوزوا تعجيل الزكاة، وجوز تعجيل الكفارة، وقال الثوري: إن كفر بعد الحنث أحب إلي، وإن كفر قبل الحنث، أجزأه. أهـ.
١٥٨٩ - * روى النسائي عن الأحوص عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله أرأيت ابن عم لي، آتيه أسأله، فلا يعطيني ولا يصلني، ثم يحتاج إلى فيأتيني فيسألني، وقد حلفت أن لا أعطيه ولا أصله؟ فأمرني أن آتي الذي هو خير وأكفر عن يميني.
* * *
стр. 1502
الفقرة السابعة
في:
متفرقات في الإيمان
اليمين على نية المستحلف:
١٥٩٠ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "اليمين على نيه المستحلف".
وفي رواية قال (١): "يمينك على ما يصدقك به صاحبك"
اليمين اللغو:
١٥٩١ - * روى البخاري عن عائشة ﵂، قالت: أنزلت هذه الآية (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم). [المائدة: ٨٩] في قول الرجل: لا والله، بلى والله".
وفي رواية أبي داود (٢) في اللغو في اليمين، قالت عائشة: قال رسول الله ﷺ : "هو قول الرجل في بيته: كلا والله، وبلى والله".
قال ابن الأثير:
(اللغو) من الكلام: مالا ينعقد عليه القلب، هذا أصلة، وقيل: اللغو من الكلام: الباطل، وقيل: الكلام المختلط، والكل متقارب، وهو لفظ الحديث قد ذكر معناه، وقيل: هو أن يحلف الإنسان على شيء وهو يرى أنه صادق، ثم تبين له خلافه، وهو
стр. 1503
الخطأ وقيل: هو اليمين في المعصية، وقيل: في الغضب، وقيل: في الهزل والمرء، وقيل: في النسيان.
إبرار المقسم:
١٥٩٢ - * روى ابن ماجه عن البراء عازب قال: أمرنا رسول الله ﷺ بإبرار المقسم.
١٥٩٣ - * روى أحمد عن عائشة قالت أهدت امرأة إليها تمرا في طبق فأكلت بعضها وبقي بعض فقالت: أقسم عليك إلا أكلت بقيته فقال النبي ﷺ : "أبريها، فإن الإثم على المحنث".
١٥٩٤ - * روى الطبراني عن أبي حازم أن ابن عمر مر على رجل ومعه غنيمات له فقال: بكم تبيع غنمك هذه، بكذا وكذا؟. فحلف أن لا يبيعها. فانطلق ابن عمر فقضى حاجته فمر عليه فقال: يا أبا عبد الرحمن خذها بالذي أعيتني قال حلفت على يمين فلم أكن لأعين الشيطان عليك وأن أحنثك.
أقول: هذا ورع من ابن عمر، وإلا فقد كان بإمكانه أن يشتريها منه، وأن يأمره بدفع الكفارة.
بعض ما حلف به رسول الله ﷺ أو حلف:
١٥٩٥ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمرو ﵂، قال: أكثر ما كان رسول الله ﷺ يحلف: "لا، ومقلب القلوب".
стр. 1504
وأرسله مالك (١) قال: بلغني أن رسول الله ﷺ كان يقول: "لا، ومقلب القلوب".
وعند الترمذي (٢) وأبي داود (٣): كثيرًا ما كان يحلف بهذه اليمين: "لا، ومقلب القلوب".
وفي رواية النسائي (٤) قال: كانت يمين يحلف عليها رسول الله ﷺ "لا، ومقلب القلوب"
وفي أخرى (٥) له: كانت يمين رسول الله ﷺ التي يحلف بها: "لا، ومصرف القلوب".
١٥٩٦ - * روى أبو داود عن أبي سعيد الخدري رضي اله عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا اجتهد في اليمين قال: "والذي نفس أبي القاسم بيده".
١٥٩٧ - * روى ابن ماجه عن أبي هريرة قال: كانت يمين رسول الله ﷺ "لا واستغفر الله".
هذا نموذج يعلمنا فيه رسول الله ﷺ التأكيد بصورة يمين دون أن يكون يمينا.
هل للحلف مكان ؟
١٥٩٨ - * روى مالك عن أبي غطفان بن طريف المري فال: اختصم زيد ابن ثابت
стр. 1505
وابن مطيع إلى مروان وهو أمير المدينة في دار كانت بينهما، فقضى مروان على زيد بن ثابت على المنبر، فقال زيد: أحلف له مكاني هذا، فقال مروان: لا والله، إلا عند مقاطع الحقوق، فجعل زيد يحلف أن حقه لحق، وأبى أن يحلف على المنبر، فجعل مروان يعجب من ذلك.
الترهيب من اقتطاع الحقوق بالإيمان وفي أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر:
١٥٩٩ - * روى الطبراني عن الحارث بن البرصاء قال سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو يمشي بين جمرتين من الجمار وهو يقول: "من أخذ شيئا من مال امرئ مسلم بيمين فاجرة فليتبوا بيتًا في النار".
١٦٠٠ - * روى الطبراني عن أبي السمعي قال: قال رسول الله ﷺ : "إن من أسرق السراق من يسرق لسان الأمير، وإن من اعظم الخطايا من اقتطع مال امرئ مسلم بغير حق، وإن من الحسنات عيادة المريض، وغن من تمام عيادته أن تضع يدك عليه وتسأله كيف هو، وإن من أفضل الشفاعات أن تشفع بين اثنين في نكاح حتى تجمع بينهما، وإن لبسة الأنبياء قبلي السراويل وإن مما يستجاب عنده الدعاء العطس".
١٦٠١ - * روى البخاري عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: من حلف على امرئ مسلم بغير حقه لقي الله وهو عليه غضبان" قال عبد الله: ثم قرأ علينا رسول الله ﷺ مصداقه من الكتاب الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ
стр. 1506
يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا ...﴾ إلى آخر الآية (١).
زاد في رواية (٢) بمعناه، قال: فدخل الأشعث بن قيس الكندي فقال: ما يحدثكم أبو عبد الرحمن؟ قلنا: كذا وكذا، قال: صدق أبو عبد الرحمن كان بيني وبين رجل خصومة في بئر، فاختصمنا إلى رسول الله ﷺ : "شاهداك، أو يمينه"، قلت: إنه إذن يحلف ولا يبالي، فقال رسول الله ﷺ : "من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاخر، لقي الله وهو عليه غضبان" ونزلت الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إلى آخر الآية.
١٦٠٢ - * روى أحمد عن عياض بن خالد قال: رأيت رجلين يختصمان عند معقل بن يسار. فقال معقل بن يسار قال رسول الله ﷺ : "من حلف على يمين ليقتطع بها مال رجل لقي الله ﵎ وهو عليه غضبان".
١٦٠٣ - * روى أبو داود عن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من حلف على يمين مصبورة كاذبًا، فليتبوا بوجهه مقعده من النار".
قال ابن الأثير:
(مصبورة) أصل الصبر: الحبس، وقتل فلان صبرًا، أي: حبسا على القتل، وقهرًا عليه، ويمين الصبر: هو أن يلزم الحاكم الخصم اليمين حتى يحلف ويقفه ويلزمه بها، وقوله: "يمين مصبورة" يعني: لازمة لصاحبها من جهة الحكم، وقيل لليمين: مصبورة- وإن كان
стр. 1507
صاحبها في الحقيقة: هو المصبور-؛ لأنه إنما صبر من أجلها، فأضيف الصبر إلى اليمين مجازا واتساعًا.
(فليتبوأ) تبوأت المنزل: إذا اتخذته سكنا تنزل فيه وتسكنه.
١٦٠٤ - * روى أحمد عن عدي بن عميرة قال: خاصم رجل من كندة يقال له امرؤ القيس بن عباس رجلا من حضرموت إلى رسول الله ﷺ فقضى على الحضرمي بالبينة فلم يكن له بينة فقضى على امرؤ القيس باليمين. فقال الحضرمي: أمكنته من اليمين يا رسول الله ذهبت والله- أو ورب الكعبة- أرضي فقال النبي ﷺ : "من حلف على يمين كاذبة ليقتطع بها مال أحد لقي الله وهو عليه غضبان". قال رجاء: وتلا رسول الله ﷺ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ فقال امرؤ القيس: ماذا لمن تركها يا رسول الله؟ قال: "الجنة" قال: أني قد تركتها له كلها.
١٦٠٥ - * روى مسلم عن وائل بن حجر ﵁، قال: جاء رجل من حضرموت، ورجل من كنده، إلى رسول الله ﷺ : فقال الحضرمي: يا رسول الله، إن هذا قد غلبني على أرض كانت لأبي، فقال الكندي: هي أرضي في يدي، أزرعها، ليس له فيها حق، فقال البني ﷺ للحضرمي: "ألك بينة؟ " قال: لا، قال: "فلك يمينه"، قال يا رسول الله، إن الرجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه، وليس يتورع عن شيء، فقال: "ليس لك من إلا ذلك"، فانطلق ليحلف، فقال رسول الله ﷺ لما أدبر: "أما لئن حلف على ماله ليأكله ظلما: ليلقين الله وهو عنه معرض".
وفي رواية (١) قال: كنت عند رسول الله ﷺ فأتاه رجلان يختصمان في أرض
стр. 1508
فقال أحدهما: إن هذا انتزى على أرضي يا رسول الله في الجاهلية -وهو امرؤ القيس بن عابس الكندي، وخصمه: ربيعة بن عبدان- فقال: "بينتك"، فقال: ليس لي بينة، قال: "يمينه" قال: إذن يذهب بها، قال: "ليس لك إلا ذلك"، قال: فلما قام ليحلف، قال رسول الله ﷺ : "من اقتطع أرضا ظالما، لقي الله وهو عليه غضبان", وفي رواية: ربيعة بن عيدان".
١٦٠٦ - * روى مسلم عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "لو يعطى الناس بدعاويهم ادعى قوم دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه".
ولمسلم وللبخاري (١) أن رسول الله ﷺ قضى باليمين على المدعى عليه.
وللبخاري (٢) أن أمرأتين كانتا تخرزان في بيت، وفي الحجرة، فخرجت إحداهما، وقد أنقذ بإشفى في كفها، فادعت على الأخرى، فرفع ذلك إلى ابن عباس، فقال ابن عباس: قال رسول الله ﷺ : "لو يعطى الناس بدعواهم، لذهب دماؤهم وأموالهم"، ذكروها بالله، واقرؤوا عليها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ (٣) فذكروها فاعترفت، فقال ابن عباس: قال النبي ﷺ : "اليمين على المدعى عليه". عليه".
١٦٠٧ - * روى مسلم عن إياس بن ثعلبة الحارثي -وهو أبو أمامة- أن رسول الله ﷺ قال: "من اقتطع حق امري مسلم بيمين، حرم الله عليه الجنة، وأوجب له
стр. 1509
النار" قالوا: وإن كان شيئًا يسيرًا؟ قال: "وإن كان قضيبا من أراك".
وفي رواية الموطأ (١): "وإن كان قضيبا من أراك، وإن كان قضيبا من أراك، وإن كان قضيبا من أراك". قالها ثلاث مرات.
١٦٠٨ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "رأى عيسى رجلا يسرق، فقال له: أسرقت؟ قال: كلا والذي لا إله إلا هو، فقال عيسى: آمنت بالله، وكذبت عيني".
كفارة الأيمان المنعقدة:
١٦٠٩ - * روى مالك عن نافع مولى ابن عمر، أن عبد الله بن عمر كان يقول: من حلف بيمين فوكدها، ثم حنث، فعليه عتق رقبة، أو كسوة عشرة مساكين، ومن حلف بيمين فلم يؤكدها، ثم حنث، فعليه إطعام عشرة مساكين، لكل مسكين مد من حنطة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام.
وفي رواية (٢) أن ابن عمر كان يكفر عن يمينه بإطعام عشرة مساكين، لكل مسكين مد من حنطة، وكان يعتق المرار، إذا وكد اليمين.
أقول: هذا التفريق بين اليمين المؤكدة وغيرها لابن عمر، وإلا فالفقهاء لا يفرقون، فمتى كانت اليمين منعقدة فكفارتها واحدة، وهي ما ذكره الله تعالى بقوله:
﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ (٣).
стр. 1510
المسائل والفوائد
- الكفارة تجب في اليمين المنعقدة عند الحنفية والمالكية سواء كان الحانث عامدًا أو ساهيًا أو مخطئًا أو نائمًا أو مغمى عليه أو مجنونًا أو مكرهًا.
- إذا حلف شخص أن يقضي حق غيره في وقت فقضاه قبله لم يحنث بيمينه عند الحنفية والحنابلة.
- صفات الله تعالى التي ترد في باب القسم ثلاثة:
أحدها: ما لا يستعمل في عرف الناس وعاداتهم إلا في وصف الله كقولهم وعزة الله وعظمته.
والثاني: صفة تستعمل لله ولغيره كالقدرة والإرادة والمشيئة فهذه كالأولى يعتبر الحلف بها إذا أضيفت إلى الله يمينًا.
الثالث: الحلف بصفة تستعمل لله تعالى ولغيره ولكن يمكن أن يراد بها أكثر من معنى، فمثلا علم الله قد يراد به الصفة وقد يراد له المعلوم فالأصل في مثل هذه الصفات أن الحلف بها يمين إلا أن ينوي الحالف بالعلم المعلوم وبالقدرة المقدور، هذا ما قاله الشافعية والحنابلة في هذا الموضوع والحنفية لا يفرقون بين هذا النوع من الحلف والذي قبله؛ لان العبرة عندهم للعرف فما دام المتعارف عليه أن يحلف بصفات الله فكل صفة له ﷻ يعتبر الحلف بها يمينا مطلقًا.
- إذا قال قائل وعهد الله فهو يمين عند الحنفية والمالكية والحنابلة وفي وجه ضعيف عند الشافعية والراجح عندهم أنها لا تعتبر يمينًا ما لم ينو الحالف بها اليمين.
- إذا قال الحالف: ووجه الله فهو يمين.
- لو حلف إنسان بالمصحف أو بالقرآن فإن المالكية والشافعية والحنابلة يعتبرونه يمينًا واختلف الحنفية في ذلك وقدماؤهم مجمعون على أن ذلك لا يعتبر يمينًا. ومع أن الشافعية والمالكية والحنابلة اعتبروه يمينًا فإنهم استثنوا من ذلك ما إذا أراد الحالف بهذا الحلف الخطبة