وبعض شعب الإيمان يدخل فيها فروع كثيرة، فحفظ اللسان يدخل فيه أكثر من عشرين فرعا، وحفظ الفروج يدخل فيه حفظها عن الزنا واللواط وهكذا يتوضع حول شعب الإيمان فكرة الطاعات والمعاصي، فالطاعات والأعمال الصالحة أثر عن الإيمان وما يقابلها أثر عن كفر أو ضلال أو فوق.
إن الأعمال الصالحة تغذي الإيمان، وكلما قوي الإيمان انبثق عنه ثمرات، وهكذا نجد بين شعب الإيمان والأعمال الصالحة صلة.
قال النووي: قال ابن الصلاح: وقد صنفت في ذلك مصنفات ومن أغزرها فوائد كتاب المنهاج لأبي عبد الله الحيمي إمام الشافعيين ببخاري وكان من رفعاء أئمة المسلمين وحذا حذوه الحافظ أبو بكر البيهقي ﵀ في كتابه الجليل الحفيل كتاب شعب الإيمان أ. هـ.
وقال النووي: قال القاضي عياض ﵀: وقد تقدم أن أصل الإيمان في اللغة التصديق، وفي الشرع تصديق القلب واللسان، وظواهر الشرع تطلقه على الأعمال كما وقع هنا أفضلها لا إله إلا الله وآخرها إماطة الأذى عن الطريق وقد قدمنا أن كمال الإيمان بالأعمال وتمامه بالطاعات، وأن التزام الطاعات وضم هذه الشعب من جملة التصديق ودلائل عليه، وأنه خلق أهل التصديق، فليست خارجة عن اسم الإيمان الشرعي ولا اللغوي، وقد نبه ﷺ على أن أفضلها الوحيد المتعين على كل أحد، والذي لا يصح شيء من الشعب إلا بعد صحته وأدناها ما يتوقع ضرره بالمسلمين من إماطة الأذى عن طريقهم، وبقي بين هذين الطرفين أعداد لو تكلف المجتهد تحصيلها بغلبة الظن وشدة التتبع لأمكنه، وقد فعل ذلك بعض من تقدم وفي الحكم بن ذلك مراد النبي ﷺ صعوبة، ثم إنه لا يلزم معرفة أعيانها ولا يقدح جهل ذلك في الإيمان إذا أصول الإيمان وفروعه معلومة محققة، والإيمان بأنها هذا العدد واجب في الجملة. هذا كلام القاضي ﵀.
وقال الإمام الحافظ أبو حاتم بن حبان- بكسر الحاء- تتبعت معنى هذا الحديث مدة وعددت الطاعات فإذا هي تزيد على هذا العدد شيئاً كثيراً فرجعت إلى السنن فعددت كل طاعة عدها رسول الله ﷺ من الإيمان فإذا هي تنقص عن البضع والسبعين فرجعت إلى
стр. 177
كتاب الله تعالى فقرأته بالتدبر وعددت كل طاعة عدها الله تعالى من الإيمان فإذا هي تنقص عن البضع والسبعين فضمت الكتاب إلى السنن وأسقطت المعاد فإذا كل شيء عده الله تعالى ونبيه ﷺ من الإيمان تسع وسبعون شعبة لا تزيد عليها ولا تنقص. فعلمت أن مراد النبي ﷺ أن هذا العدد في الكتاب والسنن. وذكر أبو حاتم ﵀ جميع ذلك في كتاب وصف الإيمان وشعبه، وذكر أن رواية من روى بضع وستون شعبة أيضا صحيحة فإن العرب قد تذكر للشيء عددا ولا تريد نفي ما سواه.
وله نظائر أوردها في كتابه منها في أحاديث الإيمان والإسلام والله تعالى أعلم أ. هـ.
شرح صحيح مسلم/ كتاب الإيمان.
وها نحن سنعرض شعب الإيمان في الكتاب ثم في السنة:
стр. 178
الفقرة الأولى: نصوص من الكتاب في بعض شعب الإيمان
ذكر الله في القرآن شعبا كثيرة للإيمان في معارض شتى وبمناسبات كثيرة، ففي معرض الحديث عن البر تذكر شعب وفي معرض الكلام عن التقوى تذكر شعب، فكلمة التقوى هي: لا إله إلا الله، وبمناسبة الكلام عن حزبه ﷻ تذكر شعب، وبعض الشعب تذكر وهي تفصيل لشعب جامعة/ ولكي نستكمل صورة شعب الإيمان فنحن نذكر بعض ما ورد في القرآن ونمطي لكل شعبة نذكرها رقما متسلسلاً، وما يتكرر ما لا يعطي تفصيلا لا نعطيه رقما.
قال تعالى:
١ - ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١).
٢ - ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾.
٣ - ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾.
٤ - ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٢).
٥ - ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾.
٦ - ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (٣).
٧ - ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾.
٨ - ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ (٤).
٩ - ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ (٥).
٦٧ - ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ (١).
٦٨ - ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (٢) ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ (٣).
٦٩ - ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾ (٤).
٧٠ - ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (٥).
٧١ - ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ (٦).
٧٢ - ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ (٧).
٧٣ - ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ (٨).
٧٤ - ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (٩).
٧٥ - ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ...﴾ (١٠).
٧٦ - ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (١١).
هذه نماذج من القرآن على شعب الإيمان، والأمر واسع، لأن بعض شعب الإيمان المأمور بها يقابلها ترك وكف ونهي، فلو أدخلنا المأمورات وما يقابلها من المنهيات لزادت شعب الإيمان عن البضعة والسبعين، ومن تتبع الأمر على ما ذكرناه تأكد من ذلك، وإنما نحن هنا نعطي نماذج وإلا فقد خصت الشعب بالتأليف وخص ما يقابلها من معاص بالتأليف، ولنعر بعض ما ورد في السنة من شعب:
стр. 184
الفقرة الثانية: نصوص في بعض شعب الإيمان في السنة
٢١٣ - * روى الجماعة إلا مالكا عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "الإيمان بضع وسبعون شعبة".
وفي رواية: "بضع وستون، والحياء شعبة من الإيمان".
زاد في رواية: "وأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق".
٢١٤ - * روى الطبراني عن علقمة قال: قال عبد الله: الصبر نصف الإيمان واليقين الإيمان كله.
٢١٥ - * روى أحمد عن أنس، رفعه"لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن
стр. 185
٢١٦ - * روى مسلم عن أبي مالك الأشعري؛ قال: قال رسول الله ﷺ "الطهور شطر الإيمان. والحمد لله تملأ الميزان. وسبحان الله والحمد لله تملآن (أو تملأ) ما بين السماوات والأرض. والصلاة نور. والصدقة برهان. والصبر ضياء.
والقرآن حجة لك أو عليك كل الناس يغدو فبايع نفسه. فمعتقها أو موبقها".
٢١٧ - * روى مسلم عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه. ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه" فقلت: يا نبي الله! أكراهية الموت؟ فكلنا نكره الموت. فقال: "ليس كذلك. ولكم المؤمن إذا بشر برحمة الله ورضوانه وجنته أحب لقاء الله، فأحب الله لقاءه. وإن الكافر إذا بشر بعذاب الله وسخطه، كره لقاء الله وكره الله لقاءه".
стр. 186
٢١٨ - * روى مسلم عن العباس بن عبد المطلب: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول "ذاق طعم الإيمان، من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولاً"
٢١٩ - * روى البخاري ومسلم عن أبي موسى، قال: قال رسول الله ﷺ "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً".
٢٢٠ - * روى الترمذي عن علي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع حتى يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله بعثني بالحق وحتى يؤمن بالبعث بعد الموت وحتى يؤمن بالقدر".
٢٢١ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يؤمن أحدكم، حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين".
٢٢٢ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "من أشد أمتي لي حباً ناس يكونون بعدي يود أحدكم لو رآني بأهله وماله"
٢٢٣ - * روى البخاري عن عمار، قال: ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان:
стр. 187
الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار.
أخرجه البخاري تعليقاً عن عمار بصيغة الجزم فهو صحيح النسبة له، ومثله لا يقال من جهة السمع فإذا ما اجتمع إلى ذلك رواية البراز التي ترفعه لرسول الله ﷺ فذلك يجعله حديثا صحيحاً.
٢٢٤ - * روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي اله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد، فاشهدوا له بالإيمان، فإن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ....﴾ الآية: [التوبة: ١٧]
٢٢٥ - * روى البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم: مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو: تداعى له سائل الجسد بالسهر والحمى"
وفي رواية (٣): "المؤمنون كرجل واحد، إذا اشتكى رأسه تداعى له سائل الجسد بالسهر والحمى".
ولمسلم (٤): "المسلمون كرجل واحد، إن اشتكى عينه اشتكى كله وإن اشتكى رأسه اشتكى كله".
стр. 188
٢٢٦ - * روى أبو داود عن أوسٍ بن أوسٍ ﵁: قال: قال رسول الله ﷺ : "إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، في خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي" فقالوا: يا رسول الله، وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ قال: يقولون: بليت-[قال]: "إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء".
٢٢٧ - * روى الإمام أحمد عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه ولا يدخل رجل الجنة لا يأمن جاره بوائقه".
٢٢٨ - * روى مسلم عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه".
٢٢٩ - * روى مسلم عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت. ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه".
٢٣٠ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه" (أو قال لجاره) "ما يحب لنفسه".
стр. 189
٢٣١ - * روى الترمذي عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس المؤمن بالطعان ولا باللعان ولا الفاحش البذيء".
٢٣٢ - * روى مسلم عن طارق بن شهاب، قال: أول من بدأ بالخطبة، يوم العيد قبل الصلاة، مروان. فقام إليه رجل. فقال: الصلاة قبل الخطبة فقال: قد تُرك ما هنالك. فقال أبو سعيدٍ: أما هذا فقد قضى ما عليه. سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده. فإن لم يستطيع فبلسانه. فإن لم يستطع فبقلبه. وذلك أضعف الإيمان".
٢٣٣ - * روى مسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁، عن رسول الله ﷺ قال "ما من نبي بعثه الله في أُمة قبلي، إلا كان له من أمته حواريون، وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره. ثم إنها تخلفُ من بعدهم خلوفٌ. يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون. فمن جاهدهم بيده فهو مؤمنٌ. ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمنٌ. ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن. وليس وراء ذلك من الإيمان حبةُ خردلٍ".
٢٣٤ - * روى البخاري ومسلم عن عديّ بن ثابت قال: سمعت البراء بن عازبٍ قال:
стр. 190
قال رسول الله ﷺ "لا يحب الأنصار إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافقٌ من أحبهم أحبه الله ومن أبغضهم أبغضه الله".
٢٣٥ - * روى مسلم عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يُبغضُ الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر".
٢٣٦ - * روى مسلم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا. أولا أدلكم على شيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم".
٢٣٧ - * روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أدى العبد حق الله وحق مواليه كان له أجران" قال: فحدثتها كعبا. فقال كعبٌ: ليس عليه حسابٌ. ولا على مؤمن مُزهد.
٢٣٨ - * روى البخاري عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: "المؤمن الذي يقرأ القرآن ويعملُ به كالأترُجة طعمها طيبٌ وريحها طيب. والمؤمنُ الذي لا يقرأ القرآن ويعمل به كالتمرة طعمها طيب ولا ريح لها، ومثلُ المنافق الذي يقرأُ القرآن كالريحانة ريحُها طيبٌ وطعمها مرٌّ ومثلُ المنافق الذي لا يقرأ القرآن كالحنظلة طعمها مُرٌّ أو خبيث وريحها مرٌّ".
٢٣٩ - * روى أحمد والبخاري ومسلم عن النعمان بن بشير يخطبُ يقول: سمعتُ رسول
стр. 191
الله ﷺ يقول: "مثلُ المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى منه شيءٌ تداعى له سائرُ الجسد بالسهر والحمى". وسمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الحلال بينٌ والحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ فيه لدينه وعرضه ومن واقعها واقع الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يُوشكُ أن يرتع فيه ألا وإن لكل ملكٍ حمى وإن حمى الله ما حرَّم ألا وإن في الإنسان مُضغةً إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب".
٢٤٠ - * ورووا أيضاً عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يسرقُ سارقٌ حين يسرقُ وهو مؤمن ولا يزني زانٍ حين يزني وهو مؤمن ولا يشربُ الشارب حين يشرب وهو مؤمنٌ - يعني الخمر- والذي نفس محمد بيده ولا ينتهب أحدكم نُهبة ذات شرف ويرفع إليه المؤمنون أعينهم فيها وهو حين ينتهبها مؤمنولا يغُل أحدكم حين يغلُّ وهو مؤمن فإياكم إياكم".
٢٤١ - * روى الإمام أحمد عن أنس بن مالك قال: كان عبد الله بنُ رواحة إذا لقي الرجل من أصحابه يقول: تعال نؤمن بربنا ساعةً فقال ذات يوم لرجلٍ فغضب الرجل فجاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ألا ترى إلى ابن رواحة يرغبُ عن إيمانك إلى إيمان ساعة فقال النبي ﷺ "يرحم الله ابن رواحة إنه يُحب المجالس التي تباهي بها الملائكة ﵈".
стр. 192
٢٤٢ - * روى البزار عن أنس ﵁، قال: قالوا: يا رسول الله إنا نكون عندك على حالٍ، حتى إذا فارقناك نكون على غيره قال: كيف أنتم ونبيكم". قالوا أنت نبينا في السر والعلانية قال: "ليس ذاك النفاق".
٢٤٣ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "يقولون الكرمُ وإنما الكرم قلبُ المؤمن".
أقول: المراد بالحديث أن الذي يستحق التسمية بالكرم هو قلب المؤمن وحده، ولا يستحق ذلك شجر العنب.
٢٤٤ - * روى مسلم عن عبد الله بن سفيان عن أبيه قال: يا رسول الله أخبرني أمراً في الإسلام لا أسأل عنه أحداً بعدك قال: "قل آمنتُ بالله ثم استقم" قال يا رسول الله: فأي شيء أتقي؟ قال: فأشار بيده إلى لسانه.
٢٤٥ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله يغارُ والمؤمن يغارُ، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرَّم عليه".
٢٤٦ - * روى أحمد، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "المؤمن يغار، المؤمن يغارُ والله أشد غيراً".
стр. 193
٢٤٧ - * روى الإمام أحمد عن ابن أبي المعلى عن أبيه أن النبي ﷺ خطب يوماً فقال: "إن رجلاً خيره ربه بين أن يعيش في الدنيا ما شاء أن يعيش فيها ويأكل في الدنيا ما شاء أن يأكل فيها وبين لقاء ربه فاختار لقاء ربه" قال فبكى أبو بكر فقال أصحاب رسول الله ﷺ ألا تعجبون من هذا الشيخ أن ذكر رسول الله ﷺ رجلاً صالحاً خيره ربه بين لقاء ربه وبين الدنيا فاختار لقاء ربه وكان أبو بكر أعلمهم بما قال رسول الله ﷺ فقال أبو بكر بل نفديك يا رسول الله بأموالنا وأبنائنا فقال رسول الله ﷺ : "ما من الناس أحد أمن علينا في صحبته وذات يده من ابن أبي قحافة ولو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت ابن أبي قحافة ولكن ود وإخاء إيمان ولكن ود وإخاء إيمانٍ- مرتين- وإن صاحبكم خليل الله ".
٢٤٨ - * روى البخاري ومسلم عن أنسٍ، عن النبي ﷺ قال: "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان؛ من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله، وأن يكره أن يعود في الكفرٍ بعد أن أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار".
٢٤٩ - * روى البخاري ومسلم عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ مر برجلٍ من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء فقال له رسول الله ﷺ "دعه فإن الحياء من الإيمان".
٢٥٠ - * روى أحمد وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 194
"أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً وخيارهم خيارهم لنسائهم".
٢٥١ - * روى أحمد والترمذي عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ "إن من أكمل المؤمنين أحسنهم خلقاً وألطفهم بأهله".
٢٥٢ - * روى البزار عن أنسٍ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أكمل الناس إيماناً أحسنهم خلقاً وإن حسن الخلق ليبلغ درجة الصوم والصلاة".
٢٥٣ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يلدغ المؤمن من جحرٍ واحدٍ مرتين".
٢٥٤ - * روى أحمد ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾.
٢٥٥ - * روى أحمد ومسلم عن ابن عمر ﵁، عن النبي ﷺ قال: "المؤمن يأكل في معى واحدٍ والكافر يأكل في سبعة أمعاءٍ".
٢٥٦ - * روى مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "من كان يؤمن بالله واليوم
стр. 195
الآخر، فإذا شهد أمرًا فليتكلم بخيرٍ أو ليسكت. واستوصوا بالنساء. فإن المرأة خلقت من ضلع وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه إن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج، استوصوا بالنساء خيرًا".
٢٥٧ - * روى أحمد ومسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من فارق الجماعة وخرج من الطاعة فمات فميتته جاهلية ومن خرج على أمتي بسيفه يضرب برها وفاجرها لا يحاشي مؤمناً لإيمانه ولا يفي لذي عهد بعهده فليس من أمتي".
٢٥٨ - * روى الإمام أحمد عن الحسن؛ قال: جاء رجل إلى الزبير بن العوام فقال: أقتل لك عليا؟ قال: لا وكيف تقتله ومعه الجنود؟ قال: ألحق به فأفتك به قال: لا إن رسول الله ﷺ قال: "إن الإيمان قيد الفتك لا يفتك مؤمن".
٢٥٩ - * روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن العرباض بن سارية، قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب قلنا يا رسول الله إن هذه لموعظة مودع فماذا تعهد إلينا قال: "قال تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها يعدي إلا هالك، ومن يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً. فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين وعليكم بالطاعة وإن
стр. 196
عبدًا حبشيًا عضوا عليها بالنواجذ فإنما المؤمن كالجمل الأنف حيثما انقيد انقاد".
٢٦٠ - * روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن المؤمن غر كريم، وإن الفاجر خب لئيم".
٢٦١ - * روى الترمذي عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه" قالوا وكيف يذل نفسه؟ قال: "يتعرض من البلاء لما لا يطيق".
وبعد: فهذه مختارات من شعب الإيمان عطرنا بها الكتاب، وسيرى القارئ كثيراً من الشعب في أمكنة كثيرة من هذا الكتاب.
* * *
стр. 197
الفصل التاسع
في:
بعض الموازين التي يزن بها المؤمن
إيمانه وإسلامه
стр. 198
مقدمة
ليس هناك هم عند المسلم أعظم من همه أن يكون مؤمناً مسلماً مقبولاً عند الله. وتحقيق ذلك يقتضي من المسلم أن يكون دائم التفتيش عما إذا كان كذلك، ولا شيء يساعده على معرفة ما إذا كان سائراً في الطريق الصحيح من أن يعرض نفسه على الموازين التي وردت في الكتاب والسنة والتي تحدد صفات أهل الإيمان. من ذلك في القرآن الكريم:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ (١).
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ (٢).
ومن ذلك في السنة:
نصوص
٢٦٢ - * روى مسلم عن أبي ذر الغفاري ﵁، قال: قيل لرسول الله ﷺ : أرأيت الرجل يعمل من الخير، ويحمده الناس عليه؟ قال: "تلك عاجل بشرى المؤمن".
٢٦٣ - * روى ابن ماجه عن عبد الله بن مسعود قال: قال رجل للنبي ﷺ : يا رسول الله كيف لي أن أعلم إذا أحسنت وإذا أسأت فقال النبي ﷺ : "إذا سمعت جيرانك يقولون قد أحسنت فقد أحسنت، وإذا سمعتهم يقولون قد أسأت فقد أسأت".
стр. 199
٢٦٤ - * روى أحمد عن أبي أمامة، قال رجل: يا رسول الله ما الإيمان؟ قال: "إذا سرتك حسنتك وساءتك سيئتك فأنت مؤمن".
٢٦٥ - * روى الطبراني عن أبي أمامة قال: قال رجل: ما الإثم يا رسول الله؟ قال: "ما حاك في صدرك فدعه" قال: فما الإيمان؟ قال: "من ساءته سيئته وسرته حسنته فهو مؤمن".
٢٦٦ - * روى الطبراني في الأوسط عن ابن عمر قال: بعث رسول الله ﷺ معاذ بن جبلٍ وأبا موسى إلى اليمن فقال: "تساندا وتطاوعا وبشرا ولا تنفرا" فخطب الناس معاذ فحثهم على الإسلام والتفقه والقرآن وقال أخبركم بأهل الجنة وأهل النار، إذا ذكر الرجل بخير فهو من أهل الجنة وإذا ذكر بشر فهو من أهل النار.
٢٦٧ - * روى ابن ماجه عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "أهل الجنة من ملأ الله أذنيه من ثناء الناس خيراً وهو يسمع، وأهل النار من ملأ أذنيه من ثناء الناس شرا وهو يسمع".
٢٦٨ - * روى البزار عن أنسٍ قال: قيل: يا رسول الله من أهل الجنة؟ قال: "من لا يموت حتى يملأ الله مسامعه مما يحب" قيل فمن أهل النار؟ قال: "من لا يموت حتى يملأ الله مسامعه مما يكره".
стр. 200
٢٦٩ - * روى البزار عن سعد بن أبي وقاص، قال سمعت رسول الله ﷺ بالنباة أو بالنبأ يقول: "يوشك أن تعرفوا أهل الجنة من أهل النار" قالوا: بما يا رسول الله؟ قال: "بالثناء الحسن والثناء السيئ".
٢٧٠ - * روى أحمد والطبراني عن عقبة بن عامرٍ، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله ليعجب من الشاب ليست له صبوة".
٢٧١ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: "إذا أحب الله العبد نادى جبريل: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض".
وفي رواية مسلم قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله إذا أحب عبداً دعا جبريل، فقال: إني أحب فلاناً فأحبه، قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء، فيقول: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذ أبغض عبداً دعا جبريل ﵇، فيقول: إني أبغض فلاناً فأبغضه، قال: فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلاناً فأبغضوه، ثم توضع له البغضاء في الأرض".
وفي رواية له (١) عن سهيل بن أبي صالح، قال: كنا بعرفة، فمر عمر بن عبد العزيز وهو على الموسم، فقام الناس ينظرون إليه، فقلت لأبي: يا أبت، إني أرى الله يحب عمر ابن عبد العزيز، قال: وما ذاك؟ قلت: لما له من الحب في قلوب الناس، قال:
стр. 201
فأنبئك؟ إني سمعت أبا هريرة يحدث عن رسول الله ﷺ ... ثم ذكر الحديث.
وأخرجه الموطأ مثل الرواية الأولى (١)، وقال: ولا أحسبه إلا قال في البغض مثل ذلك.
وأخرجه الترمذي (٢) مثل مسلم، وزاد في حديثه في ذكر المحبة فذاك قول الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦].
٢٧٢ - * روى أحمد والترمذي عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ وقف على ناس جلوس، فقال: "ألا أخبركم بخيركم من شركم"؟ قال: فسكتوا فقال ذلك ثلاث مرات، فقال رجل: بلى يا رسول الله، أخبرنا بخيرنا من شرنا، فقال: "خيركم من يرجى خيره، ويؤمن شره، وشركم من لا يرجى خيره، ولا يؤمن شره".
فائدة: لقد رأينا أن مما يعرف به الخير في الإنسان ثناء أهل الصلاح عليه ومحبتهم له، هذا لا يتنافى مع ما أدبنا به رسول الله ﷺ من الاحتياط في الثناء على الإنسان وخاصة إذا خشيت عليه الفتنة من سماعه الثناء عليه. وقد ورد في ذلك:
٢٧٣ - * روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁، أن رسول الله ﷺ سمع رجلاً يثني على رجلٍ، ويطريه في المدحة فقال: "أهلكتم- أو قطعتم- ظهر الرجل".
٢٧٤ - * روى البخاري ومسلم عن أبي بكرة ﵁، قال: أثنى رجلٍ على
стр. 202
رجل عند النبي ﷺ ، فقال: "ويلك، قطعت عنق صاحبك"- ثلاثاً- ثم قال: "من كان منكم مادحًا أخاه لا محالة، فليقل: أحسب فلاناً، والله حسيبه ولا يزكي على الله أحداً، أحسب كذا وكذا إن كان يعلم ذلك منه".
وفي رواية لمسلم (١): أن النبي ﷺ ذكر عنده رجل، فقال رجل: يا رسول الله، ما من رجلٍ بعد رسول الله أفضل منه في كذا، فقال النبي ﷺ : "ويحك قطعت عنق صاحبك"- مراراً يقول ذلك- ثم ذكر الحديث نحوه.
٢٧٥ - * روى أحمد والطبراني عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن المقة من الله قال شريك هي المحبة- والصيت من السماء فإذا أحب الله عبداً قال لجبريل إني أحب فلاناً فأحبوه قال فتنزل له المحبة في الأرض، وإذا أبغض عبداً قال لجبريل: إني أبغض فلاناً فأبغضوه قال فينادي جبريل إن ربكم يبغض فلاناً فأبغضوه قال فيجري له البغض في الأرض".
٢٧٦ - * روى الطبراني في الأوسط عن ثوبان عن النبي ﷺ قال: "إن العبد ليلتمس مرضاة الله فلا يزال كذلك فيقول يا جبريل إن عبدي فلاناً يلتمس أن يرضيني برضائي عليه. قال فيقول جبريل ﷺ رحمة الله على فلان وتقول حملة العرش ويقول الذين يلونهم حتى يقول أهل السموات السبع ثم يهبط إلى الأرض ثم قال رسول الله ﷺ : وهي الآية التي أنزل الله عليكم في كتابه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ وإن العبد ليلتمس سخط الله فيقول الله يا جبريل إن فلاناً يستسخطني ألا وإن
стр. 203
غضبي عليه. فيقول جبريل غضب الله على فلان وتقول حملة العرش ويقول من دونهم حتى يقوله أهل السموات السبع ثم يهبط إلى الأرض".
٢٧٧ - * روى ابن ماجه عن أسماء بنت يزيد، أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ألا أنبئكم بخياركم؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "خياركم الذين إذا رووا ذكر الله ".
٢٧٨ - * روى أبو داود عن الشريد بن سويد الثقفي ﵁، قال: إن أمه أوصته أن يعتق عنها رقبة مؤمنة، فأتى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إن أمي أوصت أن أعتق عنها رقبة مؤمنة. وعندي جارية سوداء نوبية، أفأعتقها؟ فقال رسول الله ﷺ : "ادع بها". فدعوتها، فجاءت. فقال لها النبي ﷺ : "من ربك؟ " قالت: الله، قال: "فمن أنا؟ " قالت: رسول الله، قال: "أعتقها، فإنها مؤمنة".
٢٧٩ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "مثل المؤمن مثل الزرع، لا تزال الريح تميله، ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء، ومثل المنافق. كمثل شجرة الأرز لا تهتز حتى تستحصد".
٢٨٠ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال:
стр. 204
"المؤمن لا يلسع من جحرٍ واحدٍ مرتين".
وفي رواية "لا يلدغ المؤمن من جحرٍ مرتين".
(لا يلدغ المؤمن من جحرٍ مرتين) قال الخطابي: يروى بضم الغين وكسرها، فالضم على وجه الخبر، ومعناه: أن المؤمن هو الكيس الحازم الذي لا يؤتى من جهة الغفلة، فيخدع مرة بعد أخرى وهو لا يفطن بذلك ولا يشعر به، والمراد به: الخداع في أمر الدين، لا في أمر الدنيا، وأما [الرواية] بالكسر: فعلى وجه النهي، يقول: لا يخدعن المؤمن، ولا يؤتين من ناحية الغفلة فيقع في مكروه أو شر وهو لا يشعر به، وليكن فطناً حذراً، وهذا التأويل يصلح أن يكون لأمر الدين والدنيا معاً.
٢٨١ - * روى الطبراني عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله".
٢٨٢ - * روى البزار عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لله عباداً يعرفون الناس بالتوسم".
стр. 205
الفصل العاشر
في:
فضل الشهادتين وكلمة التوحيد التي هي أصل الإيمان
وفيه:
مقدمة ونصوص وتعليقات ومسائل
стр. 206
المقدمة
التوحيد هو البداية والنهاية والوسط فمن لم يعرف التوحيد لم يعرف الإسلام، وإنما حظ المسلم من إسلامه بقدر حظه من كلمة التوحيد.
ويدخل في التوحيد الاعتراف لله تعالى بالوحدانية فهو واحد في ذاته واحد في صفاته واحد في أفعاله، ويدخل في التوحيد اعتقاد أن الله وحده هو أهل العبادة، والتوجه له بذلك، ويدخل في التوحيد اعتقاد أن الله أهل الطاعة، والتوجه إليه في ذلك فيما شرع وفي أحكامه كلها، وعلى هذا ذكر أهل السلوك إلى الله فكرة الإيمان بالأفعال وفكرة الإيمان بالأحكام. فالأول شعور بأنه هو الفاعل الخالق، والثاني استسلام ظاهري وباطني لشريعته.
ومن آثار التوحيد التوكل عليه والشكر له والاستسلام لقضائه وقدره، فعلى هذا فالتوحيد يحكم ظاهر الإنسان وباطنه في تصرفاته كلها.
والتوحيد هو أن يشهد المؤمن أن لا إله إلا الله ولا تعرف معاني لا إله إلا الله ومستلزماتها إلا بالإقرار أن محمدًا رسول الله ﷺ ومن ثم كانت الشهادتان هما باب الولوج في الإسلام، لأن المسلم إذا نطق بالشهادتين فقد أقر بأركان الإيمان، الإيمان بالله والإيمان بالرسل والإيمان بالواسطة بين الله والرسل، والإيمان بالوحي الذي أنزل على الرسل.
والإيمان باليوم الآخر وبالقدر إنما هما فرعان عن هذا كله، ومن آمن بالوحي آمن بالكتاب والسنة ومن آمن بالكتاب والسنة آمن بالإسلام كله، وما يستلزمه الإيمان بالإسلام ومن ههنا كانت الشهادتان هما البداية وهما النهاية وهما الوسط ولذلك نجد التركيز على ذلك في الكتاب والسنة.
وكلمة التوحيد هي كلمة التقوى وهي الشجرة الطيبة فبقدر استقرارها وإشراق القلب بها تخرج ثمراتها وإنما شرعت الأذكار كلها والعبادات من أجل تنوير القلب بها، والقرآن كله تنوير للقلب بكلمة التوحيد.
стр. 207
قال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ (١). فالوحي كله من أجل توحيد الله وتقواه. ولا يعرف التوحيد والتقوى إلا بواسطة الرسل لذلك تجب طاعتهم:
قال تعالى: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ (٢).
وهذه نصوص وردت في فضل كلمة التوحيد.
* * *
стр. 208
النصوص
٢٨٣ - * روى البخاري ومسلم عن عبادة بن الصامت قال رسول الله ﷺ : "من شهد أن لا إله الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل".
وفي رواية (٢): "أدخله الله من أبواب الجنة الثمانية أيها شاء".
وللترمذي (٣): "من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله حرم الله عليه النار".
٢٨٤ - * روى أحمد عن سهيل بن البيضاء رفعه: "من شهد أن لا إله إلا الله حرمه الله على النار وأوجب له الجنة".
٢٨٥ - * روى مسلم عن أبي هريرة كنا قعودًا حول رسول الله ﷺ ومعنا أبو بكر وعمر في نفر، فقام رسول الله ﷺ من بين أظهرنا فأبطأ علينا، وخشينا أن يقتطع دوننا ففزعنا فقمنا، فكنت أول من فزع فخرجت أبتغي رسول الله ﷺ حتى أتيت حائطًا للأنصار لبني النجار، فدرت هل أجد له بابا فلم أجد، فإذا ربيع يدخل في جوف حائطٍ
стр. 209
من بئر خارجة فاحتفزت فدخلت على رسول الله ﷺ فقال: "أبو هريرة؟ " فقلت: نعم يا رسول الله. قال "ما شأنك"؟ قلت: كنت بين أظهرنا فقمت فأبطأت علينا، فخشينا أن تقتطع دوننا ففزعنا، فكنت أول من فزع فأتيت هذا الحائط فاحتفزت كما يحتفز الثعلب فدخلت وهؤلاء الناس ورائي فقال: "يا أبا هريرة". وأعطاني نعليه فقال: "اذهب بنعلي هاتين فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة". فكان أول من لقيني عمر فقال: ما هاتان النعلان يا أبا هريرة؟ قلت: هاتان نعلا رسول الله ﷺ بعثني بهما: من لقيت يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه بالجنة. فضربني عمر بين ثديي فخررت لاستي، فقال: ارجع يا أبا هريرة. فرجعت إلى رسول الله ﷺ فأجهشت بالبكاء، وركبني عمر وإذا هو على أثرى فقال رسول الله: "مالك يا أبا هريرة"؟ قلت: لقيت عمر فأخبرته بالذي بعثني به، فضرب بين ثديي ضربة خررت لاستي، فقال: ارجع. قال رسول الله ﷺ : "يا عمر ما حملك على ما فعلت؟ " قال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي أبعثت أبا هريرة بنعليك من لقي يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه بشره بالجنة؟ قال: "نعم". قال: فلا تفعل فإني أخشى أن يتكل الناس عليها فخلهم يعملون. فقال رسول الله ﷺ : "فخلهم".
٢٨٦ - * روى أحمد عن أبي موسى قال: أتيت النبي ﷺ ومعي نفر من قومي فقال: "أبشروا وبشروا من وراءكم أنه من شهد أن لا إله إلا الله صادقًا بها دخل الجنة". فخرجنا من عند رسول الله ﷺ نبشر الناس فاستقبلنا عمر فرجع بنا إلى رسول الله ﷺ ، فقال عمر: يا رسول الله إذا يتكل الناس. فسكت رسول الله ﷺ .
стр. 210
٢٨٧ - * روى البخاري ومسلم عن معاذ بن جبل: كنت ردف رسول الله ﷺ على حمار يقال له عقير فقال: "يا معاذ هل تدري ما حق الله على عباده وما حق العباد على الله؟ " قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا". فقلت: يا رسول الله فلا أبشر الناس؟ قال: "لا تبشرهم فيتكلوا". قال أنس: فأخبر بها معاذ عند موته تأثمًا.
٢٨٨ - * روى مسلم عن جابر رفعه: "ثنتان موجبتان". قال رجل: يا رسول الله ما الموجبتان؟ قال: "من مات يشرك شيئًا دخل النار، ومن مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة".
٢٨٩ - * روى البخاري ومسلم عن ابن شهاب قال أخبرني محمود بن الربيع أنه عقل رسول الله ﷺ وعقل مجةً مجها في وجهه من بئرٍ كانت في دارهم، وزعم أنه سمع عتبان بن مالك الأنصاري وكان ممن شهد بدرًا مع رسول الله ﷺ يقول: كنت أصلي لقومي بني سالم وكان يحول بيني وبينهم وادٍ إذا جاءت الأمطار يشق علي اجتيازه قبل مسجدهم، فجئت رسول الله ﷺ فقلت له: إني أنكرت بصري وإن الوادي بيني وبين قومي يسيل إذا جاءت الأمطار فيشق علي اجتيازه فوددت أنك تأتي فتصلي في بيتي مكانًا أتخذه مصلى. فقال رسول الله ﷺ : "سأفعل" فغدا علي رسول الله ﷺ وأبو بكر بعد ما اشتد النهار فاستأذن رسول الله ﷺ فأذنت له، فلم يجلس حتى قال: "أين تحب أن أصلي من بيتك؟ " فأشرت إلى المكان الذي أحب أن يصلي فيه، فقام رسول الله ﷺ فكبر فصففنا وراءه فصلى ركعتين ثم سلم وسلمنا حين سلم، فحبسته على خزير يصنع له، فسمع أهل
стр. 211
الدار أن رسول الله ﷺ في بيتي فثاب رجال منهم حتى كثر الرجال في البيت، فقال رجل: ما فعل مالك لا أراه. فقال رجل منهم: ذلك منافق لا يحب الله ورسوله. فقال رسول الله ﷺ : "لا تقل ذلك، ألا تراه قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله". فقال: الله أعلم ورسوله، أما نحن فوالله ما نرى وده ولا حديثه إلا إلى المنافقين. فقال رسول الله ﷺ : "فإن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله ينبغي بذلك وجه الله". قال محمود: فحدثتها قومًا فيهم أبو أيوب صاحب رسول الله ﷺ في غزوته التي توفي فيها، ويزيد بن معاوية عليهم بأرض الروم، فأنكرها علي أبو أيوب وقال: والله ما أظن رسول الله ﷺ قال ما قلت قط. فكبر ذلك علي فجعلت لله علي إن سلمني الله حتى أقفل عن غزوتي أن أسأل عنها عتبان بن مالك إن وجدته حيا في مسجد قومه. فقفلت فأهلك بحجةٍ أو عمرةٍ ثم سرت حتى قدمت المدينة، فأتيت بني سالم فإذا عتبان شيخ أعمى يصلي لقومه، فلما سلم من الصلاة سلمت عليه وأخبرته من أنا، ثم سألته من ذلك الحديث فحدثنيه كما حدثنيه أول مرة.
٢٩٠ - * روى البخاري عن أبي هريرة، قلت: يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: "لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا أحد أول منك لما رأيت من حرصك على الحديث. أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصًا مخلصًا من قلبه".
٢٩١ - * روى البخاري عن وهب بن منبه، قيل له: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ قال: بلى، ولكن ليس مفتاح إلا له أسنان فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح لك.
٢٩٢ - * روى أحمد عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : "مفاتيح الجنة شهادة أن لا إله إلا الله".
стр. 212
٢٩٣ - * روى الطبراني عن جرير رفعه: "من مات لم يشرك بالله شيئًا ولم يتند بدم حرامٍ أدخل من أي أبواب الجنة شاء".
٢٩٤ - * روى أحمد عن رفاعة الجهني: أقبلنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا كنا بالكديد- أو قال بقديد- فجعل رجال يستأذنون إلى أهليهم فيؤذن لهم، فقام رسول الله ﷺ فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "ما بال رجال يكون شق الشجرة التي تلي رسول الله ﷺ أبغض إليه من الشق الآخر". فلم ير عند ذلك من القوم إلا باكيا، فقال رجل: إن الذي يستأذن بعد هذا لسيفه فحمد الله وقال خيرًا وقال: "أشهد عند الله لا يموت عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله صدقًا من قلبه ثم يسدد إلا سلك في الجنة". قال: "وقد وعدني ربي أن يدخل من أمتي الجنة سبعين ألفا لا حساب عليهم ولا عذاب وإني لأرجو أن لا يدخلوها حتى تتبوؤا أنتم ومن صلح من آبائكم وأزواجكم وذرياتكم مساكن في الجنة".
٢٩٥ - * روى الترمذي عن ابن عمرو بن العاص رفعه: "إن الله سيخلص رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر له تسعةً وتسعين سجلاً، كل
стр. 213
سجل مثل مد البصر ثم يقول: أتنكر من هذا شيئًا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب. فيقول: أفلك عذر؟ فيقول: لا يا رب. فيقول تعالى: بلى، إن لك عندنا حسنة فإنه لا ظلم عليك اليوم. فيخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. فيقول: احضر وزنك. فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ قال: فإنك لا تظلم فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة ولا يثقل مع اسم الله تعالى شيء".
٢٩٦ - * روى البخاري ومسلم عن أبي أيوب رفعه: "من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قدير، عشرًا، كانت له عدل أربع رقابٍ من ولد إسماعيل".
٢٩٧ - * روى مسلم عن والد أبي مالكٍ الأشجعي، يرفعه "من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله ".
٢٩٨ - * روى البخاري ومسلم عن أبي ذر الغفاري ﵁ قال: خرجت ليلةً من الليالي، فإذا رسول الله ﷺ يمشي وحده، ليس معه إنسان. قال: فظننت أنه يكره أن يمشي معه أحد. قال: فجعلت أمشي في ظل القمر، فالتفت فرآني، فقال: "من هذا؟ " فقلت: أبو ذر، جعلني الله فداك. قال: "يا أبا ذر، تعاله" قال: فمشيت معه ساعةً، فقال: "إن المكثرين هم المقلون يوم القيامة إلا من أعطاه الله خيرًا، فنفح فيه
стр. 214
عن يمينه، وشماله، وبين يديه، ووراءه، وعمل فيه خيرًا". قال: فمشيت معه ساعة، فقال لي: "اجلس هاهنا، حتى أرجع إليك". قال: فأجلسني في قاع حوله حجارةً، فقال لي: "اجلس هاهنا، حتى أرجع إليك" قال: فانطلق في الحرة حتى لا أراه، فلبث عني، فأطال اللبث ثم إني سمعته يقول وهو مقبل: "وإن سرق، وإن زنى؟ " قال: فلما جاء لم أصبر، فقلت: يا نبي الله جعلني الله فداك، من تكلم في جانب الحرة، ما سمعت أحدًا يرجع إليك شيئًا؟ قال: "ذاك جبريل، عرض لي في جانب الحرة: بشر أمتك أنه من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة. فقلت: يا جبريل، وإن سرق، وإن زنى؟ قال نعم. قلت يا رسول الله وإن سرق وإن زنى؟ قال: "نعم". قال: قلت: وإن سرق وإن زنى؟ قال: "نعم وإن شرب الخمر".
٢٩٩ - * روى أحمد عن عثمان بن عفان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد حقًا من قلبه إلا حرم على النار". قال عمر بن الخطاب: ألا أحدثك ما هي، هي كلمة الإخلاص التي ألزمها الله ﵎ محمدًا وأصحابه، وهي كلمة التقوى التي ألاص عليها نبي الله ﷺ عمه أبا طالبٍ عند الموت شهادة أن لا إله إلا الله.
стр. 215
تعليقات
إذا عرفت أهمية كلمة التوحيد فإن عليك أن تعرف ماذا يدخل فيها:
إن أول ما يدخل في كلمة التوحيد أن نعتقد أن الله واحد في ذاته وصفاته وأفعاله فلا ذاته تشبه الذوات ولا صفاته تشبه الصفات ولا أفعاله تشبه الأفعال وأن نعتقد أنه وحده المستحق للعبادة فلا يستحق العبادة غيره وبالتالي فلا يتوجه بأي نوع من أنواع العبادات إلا له.
فمن عرف الله حق المعرفة بمعرفة ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله ومن عرف له حقوقه ﷻ بالعبادة والعبودية فقد اجتمع له التوحيد.
أما من أعطى غيره حق العبادة فليس موحدًا، ومن لم يعطه العبودية كاملة بأن عرف له حق التشريع وحق الأمر فليس موحدًا، هذه القضايا هي أول ما يدخل في التوحيد بداهة، وقد عبر بعضهم عن هذه القضايا تعبيرات كثيرة.
إن هناك أقوالاً وأفعالاً هي من باب العبادات فإذا توجه الإنسان بها لغير الله فقد أشرك: الصلاة والركوع والسجود والطواف والدعاء والنذر والذبح لغير الله بنية القربى.
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ (١)، ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٢) وهناك أفعال وأقوال هي مظنة نوع من الشرك مثل: ما شاء الله وشاء فلان.
وهناك اعتقادات تجعل الإنسان مشركًا من مثل إعطائه ما هو من خصائص الألوهية والربوبية لغير الله، كاعتقاد أن أحدًا ما أو جهة ما لها حق التشريع المطلق، أو اعتقاد أن شيئًا له تأثير في الأمور بغير إرادة الله.
وهناك معانٍ عقلية إذا أخل الإنسان بها يخشى عليه من الشرك، أما الجانب العاطفي الجبلي منها فله أحكامه، فالتوكل والمحبة والخوف والرجاء والشكر والولاية والتقوى والطاعة