← Акыда

Акыда · id 18338

الأساس في السنة وفقهها - العقائد الإسلامية

سعيد حوى

Полный текст (1 514 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الدار أن رسول الله ﷺ في بيتي فثاب رجال منهم حتى كثر الرجال في البيت، فقال رجل: ما فعل مالك لا أراه. فقال رجل منهم: ذلك منافق لا يحب الله ورسوله. فقال رسول الله ﷺ : "لا تقل ذلك، ألا تراه قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله". فقال: الله أعلم ورسوله، أما نحن فوالله ما نرى وده ولا حديثه إلا إلى المنافقين. فقال رسول الله ﷺ : "فإن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله ينبغي بذلك وجه الله". قال محمود: فحدثتها قومًا فيهم أبو أيوب صاحب رسول الله ﷺ في غزوته التي توفي فيها، ويزيد بن معاوية عليهم بأرض الروم، فأنكرها علي أبو أيوب وقال: والله ما أظن رسول الله ﷺ قال ما قلت قط. فكبر ذلك علي فجعلت لله علي إن سلمني الله حتى أقفل عن غزوتي أن أسأل عنها عتبان بن مالك إن وجدته حيا في مسجد قومه. فقفلت فأهلك بحجةٍ أو عمرةٍ ثم سرت حتى قدمت المدينة، فأتيت بني سالم فإذا عتبان شيخ أعمى يصلي لقومه، فلما سلم من الصلاة سلمت عليه وأخبرته من أنا، ثم سألته من ذلك الحديث فحدثنيه كما حدثنيه أول مرة. ٢٩٠ - * روى البخاري عن أبي هريرة، قلت: يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: "لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا أحد أول منك لما رأيت من حرصك على الحديث. أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصًا مخلصًا من قلبه". ٢٩١ - * روى البخاري عن وهب بن منبه، قيل له: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ قال: بلى، ولكن ليس مفتاح إلا له أسنان فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح لك. ٢٩٢ - * روى أحمد عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : "مفاتيح الجنة شهادة أن لا إله إلا الله".

стр. 212

٢٩٣ - * روى الطبراني عن جرير رفعه: "من مات لم يشرك بالله شيئًا ولم يتند بدم حرامٍ أدخل من أي أبواب الجنة شاء". ٢٩٤ - * روى أحمد عن رفاعة الجهني: أقبلنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا كنا بالكديد- أو قال بقديد- فجعل رجال يستأذنون إلى أهليهم فيؤذن لهم، فقام رسول الله ﷺ فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "ما بال رجال يكون شق الشجرة التي تلي رسول الله ﷺ أبغض إليه من الشق الآخر". فلم ير عند ذلك من القوم إلا باكيا، فقال رجل: إن الذي يستأذن بعد هذا لسيفه فحمد الله وقال خيرًا وقال: "أشهد عند الله لا يموت عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله صدقًا من قلبه ثم يسدد إلا سلك في الجنة". قال: "وقد وعدني ربي أن يدخل من أمتي الجنة سبعين ألفا لا حساب عليهم ولا عذاب وإني لأرجو أن لا يدخلوها حتى تتبوؤا أنتم ومن صلح من آبائكم وأزواجكم وذرياتكم مساكن في الجنة". ٢٩٥ - * روى الترمذي عن ابن عمرو بن العاص رفعه: "إن الله سيخلص رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر له تسعةً وتسعين سجلاً، كل

стр. 213

سجل مثل مد البصر ثم يقول: أتنكر من هذا شيئًا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب. فيقول: أفلك عذر؟ فيقول: لا يا رب. فيقول تعالى: بلى، إن لك عندنا حسنة فإنه لا ظلم عليك اليوم. فيخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. فيقول: احضر وزنك. فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ قال: فإنك لا تظلم فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة ولا يثقل مع اسم الله تعالى شيء". ٢٩٦ - * روى البخاري ومسلم عن أبي أيوب رفعه: "من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قدير، عشرًا، كانت له عدل أربع رقابٍ من ولد إسماعيل". ٢٩٧ - * روى مسلم عن والد أبي مالكٍ الأشجعي، يرفعه "من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله ". ٢٩٨ - * روى البخاري ومسلم عن أبي ذر الغفاري ﵁ قال: خرجت ليلةً من الليالي، فإذا رسول الله ﷺ يمشي وحده، ليس معه إنسان. قال: فظننت أنه يكره أن يمشي معه أحد. قال: فجعلت أمشي في ظل القمر، فالتفت فرآني، فقال: "من هذا؟ " فقلت: أبو ذر، جعلني الله فداك. قال: "يا أبا ذر، تعاله" قال: فمشيت معه ساعةً، فقال: "إن المكثرين هم المقلون يوم القيامة إلا من أعطاه الله خيرًا، فنفح فيه

стр. 214

عن يمينه، وشماله، وبين يديه، ووراءه، وعمل فيه خيرًا". قال: فمشيت معه ساعة، فقال لي: "اجلس هاهنا، حتى أرجع إليك". قال: فأجلسني في قاع حوله حجارةً، فقال لي: "اجلس هاهنا، حتى أرجع إليك" قال: فانطلق في الحرة حتى لا أراه، فلبث عني، فأطال اللبث ثم إني سمعته يقول وهو مقبل: "وإن سرق، وإن زنى؟ " قال: فلما جاء لم أصبر، فقلت: يا نبي الله جعلني الله فداك، من تكلم في جانب الحرة، ما سمعت أحدًا يرجع إليك شيئًا؟ قال: "ذاك جبريل، عرض لي في جانب الحرة: بشر أمتك أنه من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة. فقلت: يا جبريل، وإن سرق، وإن زنى؟ قال نعم. قلت يا رسول الله وإن سرق وإن زنى؟ قال: "نعم". قال: قلت: وإن سرق وإن زنى؟ قال: "نعم وإن شرب الخمر". ٢٩٩ - * روى أحمد عن عثمان بن عفان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد حقًا من قلبه إلا حرم على النار". قال عمر بن الخطاب: ألا أحدثك ما هي، هي كلمة الإخلاص التي ألزمها الله ﵎ محمدًا وأصحابه، وهي كلمة التقوى التي ألاص عليها نبي الله ﷺ عمه أبا طالبٍ عند الموت شهادة أن لا إله إلا الله.

стр. 215

تعليقات إذا عرفت أهمية كلمة التوحيد فإن عليك أن تعرف ماذا يدخل فيها: إن أول ما يدخل في كلمة التوحيد أن نعتقد أن الله واحد في ذاته وصفاته وأفعاله فلا ذاته تشبه الذوات ولا صفاته تشبه الصفات ولا أفعاله تشبه الأفعال وأن نعتقد أنه وحده المستحق للعبادة فلا يستحق العبادة غيره وبالتالي فلا يتوجه بأي نوع من أنواع العبادات إلا له. فمن عرف الله حق المعرفة بمعرفة ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله ومن عرف له حقوقه ﷻ بالعبادة والعبودية فقد اجتمع له التوحيد. أما من أعطى غيره حق العبادة فليس موحدًا، ومن لم يعطه العبودية كاملة بأن عرف له حق التشريع وحق الأمر فليس موحدًا، هذه القضايا هي أول ما يدخل في التوحيد بداهة، وقد عبر بعضهم عن هذه القضايا تعبيرات كثيرة. إن هناك أقوالاً وأفعالاً هي من باب العبادات فإذا توجه الإنسان بها لغير الله فقد أشرك: الصلاة والركوع والسجود والطواف والدعاء والنذر والذبح لغير الله بنية القربى. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ (١)، ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٢) وهناك أفعال وأقوال هي مظنة نوع من الشرك مثل: ما شاء الله وشاء فلان. وهناك اعتقادات تجعل الإنسان مشركًا من مثل إعطائه ما هو من خصائص الألوهية والربوبية لغير الله، كاعتقاد أن أحدًا ما أو جهة ما لها حق التشريع المطلق، أو اعتقاد أن شيئًا له تأثير في الأمور بغير إرادة الله. وهناك معانٍ عقلية إذا أخل الإنسان بها يخشى عليه من الشرك، أما الجانب العاطفي الجبلي منها فله أحكامه، فالتوكل والمحبة والخوف والرجاء والشكر والولاية والتقوى والطاعة

стр. 216

كل ذلك يجب أن يعتقد المسلم أنها من حق الله أما إذا غلب على قلبه شيء من الاعتماد على المخلوق مع الاعتقاد الصحيح فذلك يكون أحيانًا مباحًا وأحيانًا إثما، ومن منافيات التوحيد الإخلال بمقام العبودية، والعبودية تقتضي تسليمًا واستسلامًا في الأمر والنهي والقضاء والقدر: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ (١). ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢). ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣). ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤) ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٥) ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾ (٦)، ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾ (٧). ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٨)، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٩)، ﴿فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ (١٠). إذا عرفت هذا أدركت محل الشهادتين في الإسلام، وأن الإسلام كله ينبثق منهما، كما أنهما تتضمنان الإسلام كله والإيمان كله. فشهادة الإسلام تتضمن الإيمان بالله وبالرسل صراحة، ومن آمن بالرسل آمن بالوحي فآمن بالملائكة وآمن بالكتب، والإيمان بالقدر فرع الإيمان بالله، ومن عرف الله وعرف عدله وعرف الرسل والكتب عرف التكليف وعرف مسؤولية الإنسان فعرف اليوم الآخر. ومن عرف كلمة الإله وما يدخل فيها من معاني العبادة والاستعاذة والتوكل والمحبة والربوبية والمالكية وعرف أن هذه الحقوق لله إنما تعرف بواسطة الرسول ﷺ ، عرف ماذا ينبثق عن الشهادتين وعرف أن الالتزام بذلك والتسليم فيه

стр. 217

وترك ما ينافيه كل ذلك أنه أثر عن الشهادتين. ومن عرف أن كلمة أشهد: تأتي من الشهادة ومن المشاهدة وتأتي بمعنى أحلف وأن بين ذلك ترابطًا أدرك أن عليه أن يكون جازمًا بالشهادة، وأن يحاول الارتقاء من الشهود العقلي إلى الشهود القلبي لـ"لا إله إلا الله"، وأن الشهود القلبي متوقف على كثرة العمل الصالح وكثرة الذكر، وعلى كثر العلم، ومن مثل هذا نعرف لماذا كانت الشهادتان لهما هذا الفضل، ولماذا كانت المدخل إلى الإسلام.

стр. 218

مسائل وفوائد حول الشهادتين وكلمة التوحيد ١ - مما يوصف به الإسلام أنه دين الوحدة والتوحيد والوحدانية، وهذه الكلمات القليلة يدخل فيها ما لا يحصى من المعاني: فنحن نثبت لله الوحدة والوحدانية في ذاته وصفاته وأفعاله ونثبت أن الخلق كلهم عبيد لواحدٍ هو الله ، وأن الذات الإنسانية ينبغي أن تتوجه بالعبادة والعبودية والطاعة لواحدٍ هو الله ، ونثبت أن الذات البشرية ينبغي أن تكون موحدة في توجهاتها نحو الخالق، وأن البشرية كلها ينبغي أن تكون واحدة في هذا التوجه وفي الخضوع وفي الطاعة وفي الاستسلام لله في دينه، وإذا لم تتوحد البشرية على ذلك فالمستجيبون ينبغي أن يكونوا أمة واحدة وجسدًا واحدًا. ٢ - مما يخدش جناب التوحيد عند أهل السنة والجماعة: القول بالقوة المودعة ولذلك قال صاحب الخريدة: ومن يقل بالقوة المودعة ... فذاك بدعي فلا تلتفت فالقول بالقوة المودعة تعطيل لنصوص كثيرة، وهو يخدش الفهم الصحيح لأحدية الذات الإلهية وصمديتها وقيوميتها، فمن عرف أحدية الذات الإلهية وصمديتها وقيوميتها كما ورد ذلك في نصوص الكتاب والسنة نفى القوة المودعة، ونفى القوة المودعة يقتضي منا أن نعتقد أن كل شيء ابتداء وحالاً واستقبالاً بعلم الله وإرادته وقدرته وإمداده وأنه لا تأثير لشيء من الكائنات في أثرٍ ما إلا بالله، ومن قال غير ذلك فقد نفى افتقار كل شيء إلى الله، ويدخل في نفي القوة المودعة اعتقاد أن شيئًا من الأشياء يؤثر بطبعه دون أن يكون للقدرة الإلهية دخل مباشر في ذلك فكل شيء في الماضي والحاضر والمستقبل مفتقر إلى إيجاده وإمداده، وهذه المسألة من أهم المسائل التي وقع فيها خلاف بين أهل السنة والجماعة من جهة وبين المعتزلة من جهة أخرى وهي المسألة المشهورة بمسألة خلق الأفعال. فالنصوص متضافرة على أن كل شيء بفعل الله ابتداءً وانتهاءً. قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (١)، ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ (٢)، ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٣)، ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ (٤)، ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ

стр. 219

أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ (١)، ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (٢)، ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ (٣)، ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ (٤)، ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ (٥)، ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ (٦)، ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ (٧)، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٨). وهذا لا ينفي أن الله جعل قوانين وأسبابًا، ولكن لو قلنا: إن هذه القوانين والأسباب تعمل بالقوة المودعة دون تدخل مباشر للذات الإلهية فكأننا نقول: إن الله لا دخل له بما يجري في هذا الكون وإنما هي أسباب توصل إلى أسباب، وأين هذا من قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ ...﴾ (٩)، ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ (١٠). وفي الحديث الذي رواه الحاكم (١١) "إن الله خالق كل صانع وصنعته"، فإذا قال قائل كيف نوفق بين التكليف والمحاسبة وبين أن كل شيء فعل الله؟ قلنا: إن قدرة الله تخلق على وفق الإرادة، والإرادة تخصص على وفق العلم، والعلم كاشف لا مخبر فالله لم يعط أحدًا القدرة على الفعل المستقل وذلك مقتضى كماله، ولكن أجرى أعمال الإنسان على علم منه بما سيختاره، ويحاسبه على اختياره المحسوس الذي يحس به كل مكلف فلا منافاة. وهذا الموضوع مفصل في كتب العقائد والتفسير وشروح السنة، ويغلط فيه الكثيرون لتأثرهم بالحس ونسيانهم النصوص وعدم دراستهم لعقيدة أهل السنة والجماعة في كتبها، مع أن دراستها حفظ للمسلم من الوقوع في ما ذهبت إليه الفرق الضالة. ٣ - ومن أراد الدخول في الإسلام فإنه يفترض عليه النطق بالشهادتين بنية الدخول في الإسلام باللغة العربية أو بأي لغة، أما من نشأ في الإسلام وكان يعتقد بالشهادتين فلا يفترض عليه النطق بهما بنية الدخول في الإسلام لكنه يفترض عليه أن ينطق بهما في كل

стр. 220

صلاة أو يسن على خلافٍ بين الفقهاء في فرضية قراءة (التحيات) أو وجوبها أو سنيتها في الصلاة. ويدخل في شهادة لا إله إلا الله الاعتراف باللسان والاعتقاد بالقلب أنه لا معبود إلا الله. ويدخل في شهادة أن محمدًا رسول الله ﷺ الاعتراف باللسان والإذعان بالقلب أن محمدًا ﷺ مرسل من عند الله إلى الأنس جميعًا والجن جميعًا وأنه صادق في كل ما بلغه عن الله ، ولا يعتبر مسلمًا إلا من جمع الشهادتين وأقر بهما وكل من ليس مسلمًا فإنه كافر، ومن شك في كفره أو توقف فهو كافر وقد رأينا فيما مضى حال من لم تبلغه الدعوة أو كان غير عاقلٍ أو غير بالغٍ أو فقد منذ الصغر وقبل التبليغ من الحواس مالا يستطيع معه إدراك الخطاب. إنه لا إيمان ولا إسلام ولا قبول للأعمال الصالحة إلا بالشهادتين، وليعلم أن مما يخدش جناب التوحيد التوجه بشيء مما هو من حقوق الربوبية لغير الله، وأن مما يخدش جوانب التوحيد عدم التأدب مع الذات الإلهية بما ينقض الشهادتين. وهذا بحث سيأتي معنا. * * *

стр. 221

الفصل الحادي عشر في: الإيمان الذوقي وما يقابله وفيه: مقدمة ونصوص ومسائل وفوائد

стр. 222

المقدمة قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (١) ههنا صورة هي: أن الإيمان لم يدخل بعد إلى القلوب ولكنه على وشك الدخول. وهناك صورة ستتكرر معنا فيما يأتي: صورة الإيمان الذي لا يجاوز الحناجر وسنرى هذه الصورة تفصيلاً أثناء الكلام عن الخوارج. وهناك صورة أخرى وردت في السنة هي صورة أخذ القرآن بلا إيمان. ولكل من هذه الصور علامات يعرف بها أصحابها: فالإيمان الذي لا يجاوز الحناجر علامته: سفاهة العقول، وعدم التمكن في أخلاق الإيمان. أخذ القرآن بلا إيمان علامته: عدم تدبر القرآن والتأثر به وانسجام السلوك معه. ومن ههنا كان التركيز على الإيمان الذي يباشر القلوب مهما، ومن كلام هرقل كما في الصحيح: (وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب) (٢). أما علامات الإيمان القلبي فإنها: الرضى بربوبية الله ورسالة الرسول ﷺ وبالإسلام دينًا والتوحيد والعبادة ودفع الزكاة ومحبة الله ورسوله أكثر من أي شيء آخر والإخاء في الله وكراهية العودة إلى الكفر، وفي هذا كله وفيما سبق نقرأ النصوص التالية:

стр. 223

النصوص ٣٠٠ - * روى مسلم عن العباس رفعه: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولاً". ٣٠١ - * روى أبو داود عن عبد الله بن معاوية الغاضري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاث من فعلهن فقد طَعِمَ طَعْم الإيمان: من عبد الله وحده، وعلم أنه لا إله إلا الله، وأعطى زكاة ماله طيبةً بها نفسه رافدة عليه كل عامٍ، ولم يعط الهرمة، ولا الدرنة ولا المريضة، ولا الشرط اللئيمة ولكن من وسط أموالكم، فإن الله لم يسألكم خيره، ولم يأمركم بشره". ٣٠٢ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاث من كن فيه وجد بهن طعم الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن أحب عبدا لا يحبه إلا لله، ومن يكره أن يعود في الكفر- بعد أن أنقذه الله منه- كما يكره أن يلقى في النار".

стр. 224

وفي أخرى (١): "من كان أن يلقى في النار أحب إليه من أن يرجع يهوديًّا أو نصرانيًّا". قال البيضاوي: المراد بالحب هنا، الحب العقلي الذي هو إيثار ما يقتضي العقل السليم رجحانه إن كان على خلاف هوى النفس، كالمريض يعاف الدواء بطبعه، فينفر عنه، ويميل إليه بمقتضى عقله فيهوى تناوله، فإذا تأمل المرء أن الشارع لا يأمر ولا ينهى إلا بما فيه إصلاح عاجل، أو خلاص آجل، والعقل يقتضي رجحان جانب ذلك، تمرن على الائتمار بأمره يصير هواه تبعًا له ويلتذ بذلك التذاذا عقليًّا، إذ الالتذاذ العقلي إدراك ما هو كمال وخير من حيث هو كذلك. ومن النصوص التي تتحدث عما يقابل الإيمان الذوقي هذه النصوص: ٣٠٣ - * روى الطبراني عن ابن عمر: قال: لقد عشت برهة من دهري وإن أحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن وتنزل السورة على محمد ﷺ فنتعلم حلالها وحرامها وما ينبغي أن تقف عنده منها كما تعلمون أنتم القرآن، ثم لقد رأيت رجالاً يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان فيقرأ ما بيت فاتحة الكتاب إلى خاتمته ما يدري ما آمره ولا زاجره وما ينبغي أن يقف عنده، وينثره نثر الدقل (هو أردأ أنواع التمر). ٣٠٤ - * روى مسلم عن زيد بن وهبٍ الجهني ﵁ أنه كان في الجيش الذين كانوا مع علي، الذين ساروا إلى الخوارج، فقال علي: أيها الناس، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يخرج قوم من أمتي، يقرؤون القرآن، ليس قراءتكم إلى قراءتهم

стр. 225

بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ... ".

стр. 226

مسائل وفوائد أدنى درجات الإيمان إيمان المقلدين وهم الذين يأخذون بقول الغير دون دليل فمن كان هذا شأنه في العقائد ووافق إيمانه التقليدي الجق فما هو حكمه؟ بعض علماء العقائد لا يعتبر هذا الإيمان شيئاً، وبعضهم يعتبره إذا كان جازماً وكان المقلد معصوماً كالرسل أو كان جازمًا حتى لو رجع المقلد عن العقيدة لم يرجع المقلد، وهؤلاء أنفسهم يعتبرون المقلد الذي أخذ الاعتقاد الحق دون أن يعرف برهانه ولو إجماليًّا يعتبرونه فاسقًا لأنه مقصر فيما هو من فروض الأعيان. والدرجة الثانية في مراتب الإيمان هي الإيمان العقلي القائم على الدليل فهذا إيمان معتبر، ولكن إذا لم يصل إلى القلب فيتنور القلب بنور الإيمان فإن صاحب هذا الإيمان مقصر ويدخل في دائرة الفسوق لأن من تكليفات الإنسان أن يعمل على سلامة قلبه بتنويره بالإيمان وتخليصه من أمراضه وتحقيقه بما كلف به، ومن ههنا كانت الدرجة الثالثة في مراتب الإيمان هي الإيمان الذوقي القلبي، وهذا النوع من الإيمان يتفاوت الناس فيه، فقلوب الصديقين ليست واحدة. ويدخل في هذا النوع من الإيمان إيمان المراقبة وإيمان المشاهدة وذلك كله أثر من آثار حياة القلب ويقظته: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (١) والمرجو من فضل الله أن من توجه لتنوير قلبه وإصلاحه أن يكرمه بذلك أو بالعفو إن مات قبل الوصول فالقلوب بيد الله.

стр. 227

الفصل الثاني عشر في: الجيل الأرقى تحققًا وفيه: مقدمة ونصوص

стр. 228

المقدمة إنه من المناسب بعد أن تحدثنا عن أعمال الإسلام وشعب الإيمان أن نذكر بالجيل الأرقى تحققًا، والأعلى مقاماً والأكثر أجرًا وهو: جيل الصحابة رضوان الله عنهم. مع أننا تحدثنا عن فضل الصحابة في القسم الأول بمناسبة الكلام عن دوائر شرف حول الرسول ﷺ . وسيمر معنا الكثير عن فضل الصحابة إلا إنه من المناسب أن نشير إلى هذا الموضوع هنا بمناسبة ما مر وبمناسبة ما سيمر عن أن من أسباب الضلال وافتراق الأمة: الموقف من الصحابة رضوان الله عنهم. لقد وصف الله أصحاب رسوله ﷺ بخير الصفات ونعتهم بخير النعوت، فقال تعالى في أوائل سورة الأنفال ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ (١). وقد جاء في أواخر السورة قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ (٢). فدل ذلك على أن الصحابة قد تحققوا بالإيمان تحققاً كاملاً بشهادة الله لهم، وقال تعالى ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ (٣) فهذه شهادة أخرى من الله للصحابة بكمال التحقق. وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٤).

стр. 229

وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (٢). والآيات في فضل الصحابة كثيرة وكلها تدل على أنهم الجيل الأرقى مقاماً لأنهم أخذوا عن رسول الله ﷺ مباشرة. وهم الجيل الأكثر أجراً لن من بعدهم في صحائفهم، وهم ومن بعدهم في صحيفة رسول الله ﷺ . فالدال على الخير كفاعله. وهم الأكثر تحققاً، فقد كانوا أكثر خلق الله قياماً بواجبٍ، ألا ترى قبورهم منتشرة في الأرض وهم يجاهدون لإعلاء كلمة الله، ولذلك حكم علماء الجرح والتعديل للصحابة بأنهم عدول كلهم ولم يبالوا بالقلة النادرة المكشوفة المعروفة لدى بعض الصحابة بالنفاق، ولا بالذين التحقوا بالإسلام أخيراً، فارتد بعضهم فإما قتل أو تاب، فهؤلاء لا يمثلون خلاصة الصحابة رضوان الله عنهم. ومع ذلك فإن من ارتد من الحواشي ثم عاد، فإن أمره إلى خير، ولقد اختلف الصحابة فيما بينهم واقتتلوا وأمرهم إلى خير لأنهم كانوا مجتهدين، ولكنه قد هلك بهم أناس كثيرون، فضلوا وأضلوا بسبب الموقف من الصحابة فنشأت فرق ضالة يكفر بعضها بعضاً ويكفر كل من هؤلاء بعض الصحابة، بل استحل بعضهم دماء بعض الصحابة الكبار، فيا ويلهم فيما فعلوا. ونحن هنا لا نريد أن نستقصي الكلام عن الصحابة، فالكلام عنهم مفرق في هذا الكتاب بمناسباته وإنما أردنا الإشارة كي لا يخلو هذا الباب من الحديث عنهم خاصة وسيأتي فصل نتحدث به عن فرق الضلالة التي ضل بعضها بسبب الموقف من الصحابة وتمشياً مع مبدئنا في هذا الفصل بأن نشير ولا نستوعب لأننا توسعنا في أمكنة أخرى في هذا الكتاب، فههنا نذكر بعض الأحاديث النبوية التي تذكر للأجيال الأولى فضلها، رغم كل ما حدث فيها وفيما بينها، لأنها هي التي حملت الإسلام وأوصلته إلينا، وقامت بحق الله فيه، ولقلة الشاذين والمنحرفين بعد جيل الصحابة بالنسبة لمجموع الأمة.

стр. 230

النصوص ٣٠٥ - * روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس، فيقولون: فيكم من صاحب رسول الله ﷺ ؟ فيقولون لهم: نعم فيفتح لهم. ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقال: فيكم من صاحب أصحاب رسول الله ﷺ فيقولون: نعم فيفتح لهم. ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقال: هل فيكم من صاحب من صاحب أصحاب رسول الله ﷺ ؟ فيقولون نعم فيفتح لهم". وفي رواية (٢) عن جابر، قال: زعم أبو سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "يأتي على الناس زمان يبعث منهم البعث فيقولون: انظروا هل تجدون فيكم أحداً من أصحاب النبي ﷺ ؟ فيوجد الرجل، فيفتح لهم به. ثم يبعث البعث الثاني فيقولون: هل فيهم من رأى أصحاب النبي ﷺ ؟ فيفتح لهم به ثم يبعث البعث الثالث فيقال: انظروا هل ترون فيهم من رأى من رأى أصحاب النبي ﷺ ؟ ثم يكون البعث الرابع فيقال: انظروا هل ترون فيهم أحداً رأى من رأى أحد رأى أصحاب النبي ﷺ ؟ فيوجد الرجل، فيفتح لهم به". ٣٠٦ - * روى البخاري ومسلم عن عمران بن حصين ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم- قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثا- ثم إن بعدكم قومًا يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يفون، ويظهر فيهم السمن".

стр. 231

قال الحافظ في الفتح: قوله: "خير أمتي قرني" أي أهل قرني، والقرن أهل زمان واحد متقارب اشتركوا في أمر من الأمور المقصودة، ويقال إن ذلك مخصوص بما إذا اجتمعوا في زمن نبي أو رئيس يجمعهم على ملة أو مذهب أو عمل، ويطلق القرن على مدة من الزمان، واختلفوا في تحديدها من عشرة أعوام إلى مائة وعشرين ... [وهناك] ما يدل على أن القرن مائة وهو المشهود ... والمراد بقرن النبي ﷺ في هذا الحديث الصحابة. ا. هـ. قوله: "يخونون ولا يؤتمنون"؛ قال النووي: ومعناه يخونون خيانة ظاهرة بحيث لا يبقى معها أمانة. بخلاف من خاف بحقير مرة واحدة، فإنه يصدق عليه أنه خان، ولا يخرج به عن الأمانة في بعض المواطن. ا. هـ. قوله: "يظهر فيهم السمن"؛ قال النووي: قال جمهور العلماء في هذا الحديث: المراد بالسمن، هنا، كثرة اللحم. ومعناه أنه يكثر ذلك فيهم. وليس معناه أن يتمحضوا سمانا. قالوا: والمذموم منه من يستكسبه. وأما من هو فيه خلقة فلا يدخل في هذا، والمتكسب له هو المتوسع في المأكول والمشروب زائدا على المعتاد. ا. هـ. وفي رواية (١) عن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته". قال: قال إبراهيم: وكانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار. قوله: (تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته): قال النووي في شرح صحيح مسلم: هذا ذم لمن يشهد ويحلف مع شهادته، ومعنى الحديث أنه يجمع بين اليمين والشهادة فتارة تسبق هذه وتارة هذه. ا. هـ. قال الحافظ في الفتح: قوله (قال إبراهيم) ... وإبراهيم هو النخعي.

стр. 232

قوله (كانوا يضربوننا على الشهادة والعهد) ... قال أبو عمر بن عبد البر: معناه عندهم النهي عن مبادرة الرجل بقوله أشهد بالله وعلي عهد الله لقد كان كذا ونحو ذلك. وإنما كانوا يضربونهم على ذلك حتى لا يصير لهم به عادة فيحلفوا في كل ما يصلح وما لا يصلح. ا. هـ. وفي رواية (١) عن عائشة قالت: سأل رجل النبي ﷺ : أي الناس خير؟ قال: "القرن الذي أنا فيه، ثم الثاني، ثم الثالث". ٣٠٧ - * روى مسلم عن أبي بردة، عن أبيه، قال: صلينا المغرب مع رسول الله ﷺ ، ثم قلنا: لو جلسنا حتى نصلى معه العشاء! قال فجلسنا، فخرج علينا، فقال "مازلتم ههنا؟ " قلنا: يا رسول الله! صلينا معك المغرب، ثم قلنا: نجلس حتى نصلي معك العشاء. قال "أحسنتم" أو "أصبتم". قال: فرفع رأسه إلى السماء، وكان كثيراً مما يرفع رأسه إلى السماء، فقال: "النجوم أمنة للسماء. فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد. وأنا أمنة لأصحابي. فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون. وأصحابي أمنة لأمتي. فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون". ٣٠٨ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله قال: أخبرتني أم مبشر؛ أنها سمعت النبي ﷺ يقول، عند حفصة: "لا يدخل النار، إن شاء الله، من أصحاب الشجرة، أحد. الذين بايعوا تحتها". قالت: بلى يا رسول الله! فأنتهرها فقالت حفصة:

стр. 233

﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (١) فقال النبي ﷺ : "قد قال الله : ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ (٢). ٣٠٩ - * روى البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحدٍ ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه". ٣١٠ - * روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده! لو أن أحدكم أنفق مثل أحدٍ ذهبًا، ما أدرك مد أحدهم، ولا نصيفه". قال الحافظ في الفتح: قوله (فلو أن أحدكم) فيه إشعار بأن المراد بقوله أولا "أصحابي" أصحاب مخصوصون، وإلا فالخطاب كان للصحابة، وقد قال: "لو أن أحدكم أنفق"، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ (٥) الآية، ومع ذلك فنهي بعض من أدرك النبي ﷺ وخاطبه بذلك عن سب من سبقه يقتضي زجر من لم يدرك النبي ﷺ ولم يخاطبه عن سب من سبقه من باب الأولى، وغفل من قال إن الخطاب بذلك لغير الصحابة وإنما المراد من سيوجد من المسلمين المفروضين في العقل تنزيلا لمن سيوجد منزلة الموجود للقطع بوقوعه، ووجه التعقب عليه وقوع التصريح في نفس الخبر بأن المخاطب بذلك خالد بن الوليد وهو من الصحابة الموجودين إذ ذاك بالاتفاق. [وقد ذكر الحافظ أنه في روايات أخرى ذكر سبب لهذا الحديث وهو ما وقع في أوله قال: كان بين خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف شيء، فسبه خالد، فذكر الحديث].

стр. 234

قوله (مد أحدهم ولا نصيفه) أي المد من كل شيء، والنصيف بوزن رغيف هو النصف ... وقيل النصيف مكيال دون المد، والمد بضم الميم مكيال معروف ... [ويساوي ٦٧٥ غراماً]. قال: والمراد به الفضل والطول ... قال البيضاوي: معنى الحديث لا ينال أحدكم بإنفاق مثل أحد ذهبا من الفضل والأجر ما ينال أحدهم بإنفاق مد الطعام أو نصيفه. وسبب التفاوت ما يقارن الأفضل من مزيد الإخلاص وصدق النية. قلت: [أي ابن حجر] وأعظم من ذلك في سبب الأفضلية عظم موقع ذلك لشدة الاحتياج إليه. ا. هـ. ٣١١ - * روى مسلم عن هشام بن عروة، عن أبيه عروة، قال: قالت لي عائشة يا ابن أختي، أمروا أن يستغفروا لأصحاب رسول الله ﷺ ، فسبوهم. ومن أقوال العلماء في الصحابة: قال ابن الوزير في الروض الباسم: (إن الأدلة دلت على ما ذهب إليه أهل الحديث وغيرهم من قبول الصحابة ﵃، المعروف منهم بالعدالة، والمجهول الحال، والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة كثيرة).ا. هـ. وقال الإمام ابن حبان في كتاب المجروحين: فإن قال قائل: فكيف جرحت من بعد الصحابة، وأبيت ذلك في الصحابة، والسهو والخطأ موجود في أصحاب رسول الله ﷺ ، كما وجد فيمن بعدهم من المحدثين؟ يقال له: إن الله نزه أقدار أصحاب رسوله، عن ثلب قادح، وصان أقدارهم عن وقيعة متنقص، وجعلهم كالنجوم يقتدى بهم، وقد قال الله -جل وعلا-: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢)

стр. 235

ثم قال: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ (١) فمن أخبر الله أنه لا يخزيه يوم القيامة، وقد شهد له بإتباع ملة إبراهيم حنيفاً، لا يجوز أن يجرح بالكذب، لأنه يستحيل أن يقول الله -جل وعلا-: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ ثم يقول النبي (٢) ﷺ : "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار". فيطلق النبي ﷺ إيجاب النار لمن أخبر الله -جل وعلا- أنه لا يخزيه في القيامة، بل الخطاب وقع على من بعد الصحابة، وأما من شهد التنزيل، وصحب الرسول ﷺ ، فالثلب لهم غير حلال، والقدح فيهم ضد الإيمان، والتنقيص لأحدهم نفس النفاق، لأنهم خير الناس قرنا بعد رسول الله ﷺ ، بحكم من لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحى يوحى ﷺ . وإن من تولى رسول الله ﷺ إيداعهم ما ولاه الله بيانه للناس، لبالحري من أن لا يجرح لأن رسول الله ﷺ لم يودع أصحابه الرسالة، وأمرهم أن يبلغ الشاهد الغائب، إلا وهم عنده صادقون جائزو الشهادة، ولو لم يكونوا كذلك، لم يأمرهم بتبليغ من بعدهم ما شهدوا منه لأنه لو كان كذلك، لكان فيه قدح في الرسالة. وكفى بمن عدله رسول الله ﷺ شرفاً، وإن من بعد الصحابة ليسوا كذلك، لأن الصحابي إذا أدى إلى من بعده، يحتمل أن يكون المبلغ إليه منافقاً، أو مبتدعاً ضالاً ينقص من الخبر أو يزيد فيه، ليضل به العالم من الناس، فمن أجله فرقنا بينهم وبين الصحابة، إذ صان الله أقدار الصحابة عند البدع والضلال. جمعنا الله وإياهم في مستقر رحمته ا. هـ. وقال الخطيب البغدادي ﵀ في الكفاية: كل حديث اتصل إسناده بين من رواه، وبين النبي ﷺ لم يلزم العمل به إلا بعد ثبوت عدالة رجاله ويجب النظر في أحوالهم سوى الصحابي الذي رفعه إلى رسول الله ﷺ لأن عدالة الصحابة ثابتة، معلومة بتعديل الله لهم، وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم في نص القرآن.

стр. 236

قال أبو زرعة: إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ ، فاعلم أن زنديق، وذلك أن رسول الله ﷺ عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله ﷺ ، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا، ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة. ا. هـ. وقال ابن الصلاح في علوم الحديث: ثم إن الأمة مجمعة على تعديل جميع الصحابة، ومن لابس الفتن منهم فكذلك بإجماع العلماء الذين يعتد بهم في الإجماع، إحسانًا للظن بهم، ونظرًا إلى ما تمهد لهم من المآثر وكأن الله أتاح الإجماع على ذلك لكونهم نقلة الشريعة. ا. هـ. قال أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب: قد كفينا البحث عن أحوالهم لإجماع أهل الحق من المسلمين وهم أهل السنة والجماعة على أنهم كلهم عدول. وقال الخطيب في الكفاية: هذا مذهب كافة العلماء ومن يعتد بقوله من الفقهاء. ونقل الإجماع محمد بن الوزير اليماني عن أل السنة وعن الزيدية والمعتزلة أيضًا وكذا الصنعاني في توضيح الأفكار. ا. هـ. * * *

стр. 237

الفصل الثالث عشر في: الوساوس العارضة وفي خفوت نور الإيمان وزيادته وتجديده وإقلاعه وفيه: مقدمة ونصوص

стр. 238

المقدمة هناك وساوس تعرض للقلوب في مراحل حياتية، هذا النوع من الوساوس لا قيمة ل ما دام القلب يكرهه ويرفضه لأنه شيء خارجي فهو أشبه بأن يأتيك إنسان ويدعوك إلى شر وأنت ترفض. وهناك وساوس يتجاوب معها القلب وتؤثر فيه وتحدث تشكيكات وشبهات فهذه خطرة، وعلى الإنسان أن يجاهدها بالذكر ومجالسة العلماء العاملين ومذاكرتهم: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (١). "لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة". أخرجه مسلم (٢). وهناك وساوس طارئة بسبب موقفٍ ما كما في حادثة أبي بن كعب التي رواها مسلم (٣): "فسقط في قلبي من التكذيب ولا إذ كنت في الجاهلية". وكما قال ربنا : ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ (٤) فهذه علاجها الكينونة مع الصادقين. وهناك حالات من ذبول نور الإيمان سببها الاستغراق بالعمل والانشغال عن الذكر، وكل هذه القضايا تحتاج إلى علاج، ومن ألزم نفسه بالأوراد اليومية وقراءة القرآن ومجالسة العلماء والصالحين وحضر مجالس الذكر والعلم فالمرجو أن يكون إيمانه في تجدد دائم.

стр. 239

وهناك إيمان عقلي قائم على الأدلة القطعية فهذا الذي لا ينبغي أن ينقص لأن نقصان شك والشك كفر، وهناك الإيمان القلبي الذوقي فهذا يزيد بزيادة نور القلب ويزيد بزيادة الطاعة المخلصة وينقص بنقص الطاعة أو بالوقوع في المعصية، هذا فهمنا لقضية زيادة الإيمان ونقصه، فقد قال أبو حنيفة: الإيمان لا يزيد ولا ينقص. وحمل مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (١) على زيادة المؤمن به. وفهمي: أنه يريد الإيمان العقلي لأنه ينبغي أن يكون جازمًا، وأن الذين قالوا بزيادة الإيمان أخذًا من النصوص أرادوا زيادة الإيمان القلبي وذلك شيء محس. وفي أجواء هذه المعاني ننقل النصوص التالية:

стр. 240

النصوص ٣١٢ - * روى أحمد عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "إن أحدكم يأتيه الشيطان فيقول: من خلقك؟ فيقول: الله. فيقول من خلق الله؟ فإذا وجد أحدكم ذلك فليقل: آمنت بالله ورسوله. فإن ذلك يذهب عنه". ٣١٣ - * روى البزار عن عمارة بن أبي الحسن أو ابن حسن عن عمه أن الناس سألوا رسول الله ﷺ عن الوسوسة التي يجدها أحدهم لأن يسقط من عند الثريا أحب إليه من أن يتكلم به. قال: فقال رسول الله ﷺ "ذاك صريح الإيمان؛ إن الشيطان يأتي العبد فيما دون ذلك فإذا عصم منه وقع فيما هنالك". ٣١٤ - * روى مسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن الوسوسة؟ فقال: "تلك محض الإيمان". وفي رواية (١) عن أبي هريرة، قال: جاء ناس من أصحاب النبي ﷺ فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به قال: "وقد وجدتموه؟ " قالوا: نعم. قال: "ذاك صريح الإيمان". ٣١٥ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: "يا رسول الله، إن أحدنا يجد في نفسه -يعرض بالشيء-

стр. 241

لأن يكون حممة أحب إليه من أن يتكلم به. فقال: "الله أكبر، الله أكبر، الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة". وفي روايةٍ (١) قال أبو زميل: قلت لابن عباس: ما شيء أجده في صدري؟ قال: ما هو؟ قلت: والله لا أتكلم به. فقال لي: شيء من شك؟ وضحك، ثم قال: ما نجا من ذلك أحد حتى أنزل الله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (٢) ثم قال: إذا وجدت شيئًا من ذلك في نفسك، فقل: هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، وهو بكل شيءٍ عليم. ٣١٦ - * روى مسلم عن أبي بن كعب ﵁ قال: كنت في المسجد، فدخل رجل يصلي، فقرأ قراءة أنكرتها، ثم دخل آخر، فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه، فلما قضينا الصلاة، دخلنا جميعًا على رسول الله ﷺ ، فقلت: إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه، فدخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه، فأمرهما رسول الله ﷺ فقرأ، فحسن النبي ﷺ شأنها، فسقط في نفسي من التكذيب، ولا إذ كنت في الجاهلية، فلما رأى رسول الله ﷺ ما قد غشيني، ضرب في صدري، ففضت عرقًا، وكأنما انظر إلى الله فرقًا، فقال لي: "يا أبي، أرسل إلي، أن اقرأ القرآن على حرفٍ فرددت إليه: أن ون على أمتي، فرد إلي الثانية: أن اقرأه على حرفين، فرددت إليه: أن هون على أمتي، فرد إلي الثالثة: أن اقرأه على سبعة أحرفٍ، ولك بكل ردةٍ رددتكها مسألة تسألينها، فقلت: اللهم اغفر لأمتي، اللهم اغفر لأمتي وأخرت الثالثة ليومٍ يرغب إلي الخلق كلهم حتى إبراهيم".

стр. 242

أقول: في الحديث نموذج على ما يعرض للقلب من وساوس عارضة بسبب شبهة كما أن فيه ما يدل على الحال الموروث عن رسول الله ﷺ الذي يكون عند أهل القلوب. فهذا رسول الله ﷺ ينقل أبيًا بضربة على صدره من حال الوسوسة إلى أعلى درجات اليقين، وأما الأحرف السبعة فقد كان النبي ﷺ يراعي فيها لهجات العرب ثم أجمعت الأمة على الرسم العثماني للمصحف وعلى القراءات العشر، فالقراءات العشر كلها متفقة على الرسم العثماني وهو على لغة قريش. والاختلافات في الأداء فيها هي في فهمي بقية الأحرف السبعة وليست هذ القراءات هي الأحرف السبعة. ٣١٧ - * روى مسلم عن أبي ربعي حنظلة بن الربيع الأسيدي الكاتب، أحد كتاب رسول الله ﷺ قال: لقيني أبو بكرٍ ﵁ فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قلت: نافق حنظلة. قال سبحان الله؟!! ما تقول؟ قلت: نكون عند رسول الله ﷺ يذكرنا بالجنة والنار، كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله ﷺ عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرًا. قال أبو بكر ﵁: فوالله إنا لنلقى مثل هذا. فانطلقت أنا وأبو بكرٍ حتى دخلنا على رسول الله ﷺ فقلت: نافق حنظلة يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : "وما ذاك؟ " قلت: يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة كأنا رأي العين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرًا. فقال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة". ثلاث مراتٍ. أقول: في الحديث إشارة إلى ترقي الإيمان بمجالسة الصالحين وبالذكر، وفيه إشارة إلى إمكانية الكشف لشيء من عالم الغيب كالملائكة، وفيه إشارة إلى تغير حال القلب من حال إلى حال، وفيه إشارة إلى الحال النبوي الذي كان يسوي إلى الأصحاب بمجالسته والأخذ

стр. 243

عنه، ولذلك كان للصحابة من الفضل ما لا يلحقهم بهم أحد. ٣١٨ - * روى أحمد عن أبي هريرة رفعه: "جددوا إيمانكم". قيل: يا رسول الله كيف نجدد إيماننا؟ قال: "أكثروا من قول لا إله إلا الله". ٣١٩ - * روى الحاكم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم". أقول في الحديثين إشارة إلى خفوت نور الإيمان وضعفه وطروء أسباب الضعف عليه، وأن علاج ذلك بالدعاء والإكثار من النطق بكلمة التوحيد التي ينبغي أن تكون جزءًا من أوراد المسلم اليومية كما سنرى في جزء الأذكار. ٣٢٠ - * روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا زنى الرجل خرج منه الإيمان، وكان عليه كالظلة، فإذا أقلع رجع إليه الإيمان".

стр. 244

وفي رواية (١) "خرج منه الإيمان؛ وكان فوق رأسه كالظلة فإذا خرج من ذلك العمل عاد إليه الإيمان". قال محمد الباقر: تفسيره: يخرج من الإيمان إلى الإسلام. ٣٢١ - * روى البخاري عن عبد الله بن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن". قال ابن عباس (٢): تفسيره: ينزع منه الإيمان، لأن الإيمان نزه، فإذا أذنب العبد فارقه، فإذا نزع عاد إليه هكذا. وشبك بين أصابعه، ثم فرقها. وفي رواية للنسائي (٣): "ولا يقتل وهو مؤمن". ٣٢٢ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن". قال -يعني أبا بكر الراوي عن أبي هريرة: وكان أبو هريرة يلحق معهن "ولا ينتهب نهبة ذات شرفٍ يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن". وزاد مسلم (٤) "ولا يغل أحدكم حين يغل وهو مؤمن فإياكم إياكم".

стр. 245

وفي رواية (١) للترمذي قال: "لا يزني الزاني وهو مؤمن، ولا يسرق وهو مؤمن، ولكن التوبة معروضة". وفي رواية للنسائي (٢) قال: "لا يزني الزاني وهو مؤمن، ولا يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر وهو مؤمن" -وذكر رابعة فنسيتها -"فإذا فعل ذلك فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، فإن تاب تاب الله عليه". ٣٢٣ - * روى البخاري ومسلم عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ حديثين، قد رأيت أحدهما، وأنا انتظر الآخر، حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال. ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن، وعلموا من السنة. ثم حدثنا عن رفع الأمانة، فقال: "ينام الرجل النومة، فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر الوكت، ثم ينام النومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر المجل، كجمرٍ دحرجته على رجلك فنفط، فتراه منتبرا، وليس فيه شيء" -ثم أخذ حصى فدحرجه على رجله- "فيصبح الناس يتبايعون، فلا يكاد أحد يؤدي

стр. 246

الأمانة، حتى يقال: إن في بني فلان رجلاً أمينًا. حتى يقال للرجل: ما أجلده، ما أظرفه، ما أعقله، وما في قلبه مثقال حبةٍ من خردلٍ من إيمان". ولقد أتى علي زمان وما أبالي أيكم بايعت، لئن كان مسلمًا ليردن عليَّ دينه، وإن كان نصرانيًا أو يهوديًا ليردنه عليَّ ساعيه، وأما اليوم فما كنت أبايع منكم إلا فلانًا وفلانًا.

стр. 247

الفصل الرابع عشر في: الفطرة وحقيقة الإيمان والكفر والنفاق وفيه: مقدمة ونصوص

стр. 248

المقدمة قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ (١)، فالفطرة هي أصل الخلقة، وأصل خلقة الإنسان أنه مفطور على العبودية لله، وبقدر بعد الإنسان عن العبودية يبتعد عن الفطرة: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ (٢) وما دام الإنسان على الفطرة فهو على هداية، وإذا جانب الفطرة ضل، والهداية نور في القلب -الله أعلم به- يدل على ذلك الحديث (٣): "خلق الله الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل". فمن سلم له نوره كان هداية، وما لم ينطفئ نور الفطرة فالأمل في هداية الإنسان لا يزال قائمًا، ومتى انطفأ أصبح منافقًا خالصًا أو كافرًا لا أمل في هدايته. وإنما يزداد نور الفطرة بالعمل بالشريعة فكلما ازداد العمل مع الإخلاص ازداد النور حتى يصبح الإنسان كله نورًا، ولذلك ورد في الدعاء على لسان رسولنا ﷺ (٤): "واجعلني نورًا". وكثيرون من الناس يظنون أن مثل هذه الأمور من باب المجاز وهذا غلط فهذه حقائق يتذوقها المؤمنون.

стр. 249

إن هناك شيئًا مغيبًا عنا موجودًا في القلب هو نور الفطرة، وإن هناك أنوارًا تدخل القلب هي أثر الهبة الإلهية الخالصة أو أثر العمل الصالح، وكأثر عن ذلك كله يبصر الإنسان الأشياء على حقيقتها، فلا يرى الزنى على أنه شيء مبهج بل يراه قذرًا مظلمًا ويرى الدنيا أنها فتنة، وإذا ادلهمت الأمور على غيره فهو يرى طريقه بنور الله . المهم أن نعلم أن هذه حقائق لها وجودها الحقيقي: انظر إلى قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ (١). قال القرطبي: وقيل البينة: معرفة الله التي أشرقت لها القلوب، والشاهد الذي يتلوه: العقل الذي ركب في دماغه وأشرق صدره بنوره، وانظر إلى قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾ (٢) قال القرطبي: وكان أبي وابن مسعود يفسرانها: مثل نوره في قلب المؤمن كمشكاة. هذا النور في قلب المؤمن تمده شريعة الله: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ قال القرطبي: والشجرة المباركة هي الوحي. وإذن فهناك نور حقيقي في القلب المؤمن وهناك مدد نوراني يصل إلى القلب كأثر عن العمل الصالح وكأثر عن هذا يتحدد سلوك الإنسان: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ (٣). ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ (٤). ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (٥). ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ (٦). ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ (٧).

стр. 250

ومن ههنا استعمل أهل السلوك إلى الله فكرة الوارد الذي ينصب في القلب كأثر عن الأوراد والأعمال الصالحة: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ (١) فإذا أصبح القلب نورًا خالصًا فصاحبه هو المؤمن الخالص، وإذا كان في القلب ظلمة ونور فصاحبه عنده إيمان ونفاق، وإذا لم يبق في القلب نور مع تظاهر صاحبه في الإسلام فذلك المنافق الخالص، وإذا لم يكن متظاهرًا في الإسلام بل معلنًا للكفر فهو الكافر الخالص، والإيمان ينبثق عنه السلوك، مظهره شعب الإيمان كما رأيناها، والنفاق ينبثق عنه سلوك، مظهره شعب النفاق كما سنراها، والكفر له سلوكياته. ومن سلوكيات الكفر التي فصلها القرآن عدم قبول الإنذار، والانخراط في اللهو واللعب وإتيان الشهوات واستغراق في الدنيا. وكفر اليهود والنصارى خص بمزيد تفصيل في القرآن لانبثاق أنواع من السلوكيات عن هذا وهذا، وأما النفاق فشعبه كثيرة، أهمها الكذب والغدر والفجور في الخصومة ومخالفة الظاهر للباطن في شر والخداع وموالاة الكفر والسعي بالفساد فمتى وجد النفاق فهذه الأشياء تنبثق بشكل تلقائي عنه فإذا ما وجدناها فعلينا أن نعالجها وأن نعالج الأصل. وهذه الأمور من أهم ما وقعت فيه الغفلة في عصرنا، وقد نقل القرطبي عند قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ ما يلي: روى مرة عن ابن مسعود (٢) قال: قلنا يا رسول الله، قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ كيف انشرح صدره؟ قال: "إذا دخل النور القلب انشرح وانفتح". قلنا: يا رسول الله وما علامة ذلك؟. قال: "الإنابة إلى
следующие страницы →