← Акыда

Акыда · id 18338

الأساس في السنة وفقهها - العقائد الإسلامية

سعيد حوى

Полный текст (1 514 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الأمانة، حتى يقال: إن في بني فلان رجلاً أمينًا. حتى يقال للرجل: ما أجلده، ما أظرفه، ما أعقله، وما في قلبه مثقال حبةٍ من خردلٍ من إيمان". ولقد أتى علي زمان وما أبالي أيكم بايعت، لئن كان مسلمًا ليردن عليَّ دينه، وإن كان نصرانيًا أو يهوديًا ليردنه عليَّ ساعيه، وأما اليوم فما كنت أبايع منكم إلا فلانًا وفلانًا.

стр. 247

الفصل الرابع عشر في: الفطرة وحقيقة الإيمان والكفر والنفاق وفيه: مقدمة ونصوص

стр. 248

المقدمة قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ (١)، فالفطرة هي أصل الخلقة، وأصل خلقة الإنسان أنه مفطور على العبودية لله، وبقدر بعد الإنسان عن العبودية يبتعد عن الفطرة: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ (٢) وما دام الإنسان على الفطرة فهو على هداية، وإذا جانب الفطرة ضل، والهداية نور في القلب -الله أعلم به- يدل على ذلك الحديث (٣): "خلق الله الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل". فمن سلم له نوره كان هداية، وما لم ينطفئ نور الفطرة فالأمل في هداية الإنسان لا يزال قائمًا، ومتى انطفأ أصبح منافقًا خالصًا أو كافرًا لا أمل في هدايته. وإنما يزداد نور الفطرة بالعمل بالشريعة فكلما ازداد العمل مع الإخلاص ازداد النور حتى يصبح الإنسان كله نورًا، ولذلك ورد في الدعاء على لسان رسولنا ﷺ (٤): "واجعلني نورًا". وكثيرون من الناس يظنون أن مثل هذه الأمور من باب المجاز وهذا غلط فهذه حقائق يتذوقها المؤمنون.

стр. 249

إن هناك شيئًا مغيبًا عنا موجودًا في القلب هو نور الفطرة، وإن هناك أنوارًا تدخل القلب هي أثر الهبة الإلهية الخالصة أو أثر العمل الصالح، وكأثر عن ذلك كله يبصر الإنسان الأشياء على حقيقتها، فلا يرى الزنى على أنه شيء مبهج بل يراه قذرًا مظلمًا ويرى الدنيا أنها فتنة، وإذا ادلهمت الأمور على غيره فهو يرى طريقه بنور الله . المهم أن نعلم أن هذه حقائق لها وجودها الحقيقي: انظر إلى قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ (١). قال القرطبي: وقيل البينة: معرفة الله التي أشرقت لها القلوب، والشاهد الذي يتلوه: العقل الذي ركب في دماغه وأشرق صدره بنوره، وانظر إلى قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾ (٢) قال القرطبي: وكان أبي وابن مسعود يفسرانها: مثل نوره في قلب المؤمن كمشكاة. هذا النور في قلب المؤمن تمده شريعة الله: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ قال القرطبي: والشجرة المباركة هي الوحي. وإذن فهناك نور حقيقي في القلب المؤمن وهناك مدد نوراني يصل إلى القلب كأثر عن العمل الصالح وكأثر عن هذا يتحدد سلوك الإنسان: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ (٣). ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ (٤). ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (٥). ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ (٦). ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ (٧).

стр. 250

ومن ههنا استعمل أهل السلوك إلى الله فكرة الوارد الذي ينصب في القلب كأثر عن الأوراد والأعمال الصالحة: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ (١) فإذا أصبح القلب نورًا خالصًا فصاحبه هو المؤمن الخالص، وإذا كان في القلب ظلمة ونور فصاحبه عنده إيمان ونفاق، وإذا لم يبق في القلب نور مع تظاهر صاحبه في الإسلام فذلك المنافق الخالص، وإذا لم يكن متظاهرًا في الإسلام بل معلنًا للكفر فهو الكافر الخالص، والإيمان ينبثق عنه السلوك، مظهره شعب الإيمان كما رأيناها، والنفاق ينبثق عنه سلوك، مظهره شعب النفاق كما سنراها، والكفر له سلوكياته. ومن سلوكيات الكفر التي فصلها القرآن عدم قبول الإنذار، والانخراط في اللهو واللعب وإتيان الشهوات واستغراق في الدنيا. وكفر اليهود والنصارى خص بمزيد تفصيل في القرآن لانبثاق أنواع من السلوكيات عن هذا وهذا، وأما النفاق فشعبه كثيرة، أهمها الكذب والغدر والفجور في الخصومة ومخالفة الظاهر للباطن في شر والخداع وموالاة الكفر والسعي بالفساد فمتى وجد النفاق فهذه الأشياء تنبثق بشكل تلقائي عنه فإذا ما وجدناها فعلينا أن نعالجها وأن نعالج الأصل. وهذه الأمور من أهم ما وقعت فيه الغفلة في عصرنا، وقد نقل القرطبي عند قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ ما يلي: روى مرة عن ابن مسعود (٢) قال: قلنا يا رسول الله، قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ كيف انشرح صدره؟ قال: "إذا دخل النور القلب انشرح وانفتح". قلنا: يا رسول الله وما علامة ذلك؟. قال: "الإنابة إلى

стр. 251

دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزوله"، وأخرجه الترمذي الحكيم في "نوادر الأصول" من حديث ابن عمر (١): أن رجلاً قال يا رسول الله أي المؤمنين أكيس؟ قال: "أكثرهم للموت ذكرا وأحسنهم له استعدادًا وإذا دخل النور في القلب انفسح واستوسع" قالوا: فما آية ذلك يا نبي الله؟ قال: "الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزول الموت". ومن ها هنا نفهم أن السلوك هو أثر ما في القلب وأن الإنسان عليه أن يجاهد نفسه سلوكيًا ليستقيم قلبه، فإذا استقام قلبه استقامت الأطراف: "إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب" (٢). والنصوص التالية نفهم منها حقيقة الكفر والنفاق والإيمان والفطرة:

стр. 252

النصوص ٣٢٤ - * روى الإمام أحمد عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "القلوب أربعة: قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر، وقلب أغلف مربوط على غلافه، وقلب منكوس، وقلب مصفح، فأما القلب الأجرد، فقلب المؤمن فسراجه فيه نوره، وأما القلب الأغلف، فقلب الكافر، وأما القلب المنكوس فقلب المنافق الخالص عرف ثم أنكر، وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق، ومثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والدم فأي المدتين غلبت على الأخرى غلبت عليه". وهذا الحديث الصحيح المعنى يشهد لصحة معناه العشرون آية الأولى في سورة البقرة كما ذكرنا ذلك في تفسيرنا وهو أصل عظيم في معرفة القلوب وطريق إصلاحها وكيفية فسادها، وهو دليل لأهل السلوك على فكرة الواردات القلبية التي تنصب في القلب كأثر عن الأعمال الصالحات والمجاهدات. ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (٢). قال ﵊ في الحديث الحسن: "والمجاهد من جاهد في ذات الله" (٣). ٣٢٥ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من مولودٍ إلا يولد على الفطرة". ثم يقول: اقرؤوا: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا

стр. 253

لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (١). وزاد البخاري (٢): "فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء". وفي رواية (٣) قال: "ما من مولودٍ إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه، كما تنتجون الإبل، فهل تجدون فيها جدعاء، حتى تكونوا أنتم تجدعونها". قالوا: يا رسول الله، أفرأيت من يموت صغيرًا؟ قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين". قوله (ما من مولود إلا يولد على الفطرة): قال ابن الأثير: "من" زائدة، "ومولود": مبتدأ، "ويولد" خبره، وتقديره: ما مولود يولد على أمر إلا على الفطرة، وهي لغة: الخلقة -والمراد بها في أشهر الأقوال: الإسلام، قال ابن عبد البر: وهو المعروف عند عامة السلف، وأجمع أهل العلم بالتأويل على أن المراد بقوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (٤) الإسلام. ا. هـ. أقول يولد الإنسان وقلبه نور خالص، فإذا وجد في بيئة إيمانية خالصة وتجاوب معها فإن قلبه يبقى نورًا خالصًا وإلا فإنه يتأثر ببيئته فيخرج إما كافرًا خالصًا أو منافقًا خالصًا أو يخرج وقلبه فيه إيمان ونفاق، فإذا بلغ فأصبح مسؤولاً عن نفسه فعليه أن يصل إلى الإيمان الخالص وبذلك يكون قد أعاد قلبه إلى أصل الفطرة.

стр. 254

وأما قوله ﵊ عمن يموت من أبناء الكافرين: "الله أعلم بما كانوا عاملين": فقد مر معنا من قبل وأن الشارع في هذا المقام علمنا التفويض في هذا الشأن وأدبنا إليه وترك لنا نصوصًا أخرى تحدد مستقبل هؤلاء الأخروي، ومن القواعد العامة في الشريعة تعرف أنهم ناجون لأنه لا تكليف قبل البلوغ. * * *

стр. 255

الفصل الخامس عشر في الكفر والشرك والكبائر وفيه: مقدمة ونصوص وتحقيقات

стр. 256

المقدمة إذا كان الخير كله انبثاقًا عن كلمة التوحيد فإن الشر كله أثر من آثار الشرك ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ (١). فالشرك ليس له جذور في أعماق النفس البشرية ولا يخرج عنه إلا الشر الخبيث، ويدخل في الشرك أن يتوجه الإنسان لغير الله بمعنى من معاني العبادة، ويدخل في الشرك أن يعطي لغير الله ما هو خالص لله، ويدخل في الشرك أن يعتقد الإنسان أن لغير الله تأثيرًا في الخلق، وبالجملة: فكل ما يتنافى مع التوحيد فهو شرك، وهو نوعان: شرك خفي وشرك جلي، فالشرك الخفي هو أن يتحرك الإنسان حركة مما يقصد به وجه الله لغير الله، ولقد جاء الإسلام لينفي الشرك الخفي والجلي من روح الإنسان ومن قلبه ومن تصرفاته وأحواله، والشرك أحد أنواع الكفر بل يكاد يدخل في كل نوع منها، وللكفر وللشرك وللإلحاد سلوكيات وأخلاق فصلها القرآن الكريم، وكثيرًا ما تذكر في النصوص الكبائر والفواحش بجانب الشرك أن أجرأ الناس على الفواحش والكبائر هم الكافرون والمشركون، وإن كان المسلم قد يتلبس ببعض الكبائر من غير الشرك، وللصلة بين الكفر والفواحش أدخلنا هذه المعاني في فصل واحد، وأمهات الفواحش ي ما يطلق عليها الموبقات، وتسمى أحيانًا بالكبائر، ومع أن الكبائر كثيرة لكن خص بعضها بالذكر أفحشها أو من أفحشها، فقد ذكر الكل وأريد به الجزء إشعارًا بأهمية هذا الجزء، وكل ما سوى الكفر يمكن التجاوز عنه إذا تعلقت مشيئة الله بذلك. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٢). (فمذهب أهل السنة عدم تكفير أحد من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله أو يكن من نواقض الشهادتين. بينما مذهب الخوارج تكفير المسلمين بكل ذنب تمسكًا بظواهر بعض النصوص -وقد رده علماؤنا- ووجدت المرجئة التي تقول لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله كما لا ينفع مع الكفر طاعة. ووجد المعتزلة الذين يقولون يحبط إيمانه كله بالكبيرة ولكن قالوا بالمنزلة بين المنزلتين: فمرتكب الكبيرة يخرج من الإيمان ولا يدخل في الكفر وحكموا لأهل الكبائر بالخلود بالنار. والخوارج قالوا يخرج من الإيمان

стр. 257

ويدخل في الكفر، أما أهل السنة فمتفقون على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر ولا يخرج من الإيمان والإسلام ولا يدخل في الكفر ولا يستحق الخلود مع الكافرين. وقد تواترت النصوص الدالة على أنه يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان سبق ذكر بعضها) (١) ا. هـ. وكذلك دلت النصوص على ثبوت الإيمان قبل الأوامر والنواهي وعلى أن الإيمان والعمل الصالح يتغايران لأنه قد عطف العمل الصالح على الإيمان، والعطف يقتضي التغاير، والأصل أن يجتمعا، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ (٢) فإنه يفيد ثبوت الإيمان قبل الأمر بالصوم، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (٣) فإن أصل العطف للمغايرة، وكقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ (٤) بناء على أن المراد من الظلم المعصية، فقد اقتضى بمفهومه اجتماع الإيمان مع المعاصي، وقيل: إن المراد بالظلم الشرك، لما روي أن الآية لما نزلت شق ذلك على الصحابة، وقالوا أينا لم يظلم نفسه؟ فقال ﷺ : "ليس كما تظنون، إنما هو كما قال لقمان لابنه: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (٥). وعليه فمفهوم الآية من باب ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ (٦) فيكون المراد بالإيمان مطلق التصديق. وكقوله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ (٧) فأثبت الإيمان للقاتل وكذلك: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ...﴾ (٨) فأثبت الإيمان والأخوة وهي أخوة الإيمان لا ريب. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٩) هي الآية الأم في هذا الباب وعلى ضوئها تحمل النصوص المخالفة في ظاهرها.

стр. 258

النصوص ٣٢٦ - * روى أبو داود عن أم الدرداء ﵂ قالت: سمعت أبا الدرداء يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: "كل ذنبٍ عسى أن يغفره الله" -أو قال: "عسى الله أن يغفره- إلا من مات مشركًا، أو مؤمن قتل مؤمنا متعمدًا". ٣٢٧ - * روى البزار عن عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ قال: "كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا من مات مشركًا أو قتل مؤمنًا متعمدًا". هذا الحديث في ظاهره يدل على أنه لا يغفر للمؤمن الذي قتل مؤمنًا متعمدًا وعليه يدل ظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ (٣). وهذا مذهب ابن عباس، لكن جمهور السلف وجميع أهل السنة حملوا ما ورد من ذلك على من استحل القتل أو على الزجر والتغليظ والتنفير إذ ما عدا الشرك من الكبائر يجوز أن يغفر وإن مات صاحبه بلا توبة. وصحح أهل السنة قبول توبة القاتل كغيره وحملوا قوله ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ أي إن شاء أن يجازيه، تمسكًا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٤) واستدلالاً بحديث الإسرائيلي الذي قتل تسعة وتسعين ثم أتم المائة بقتل الراهب، فإذا ثبت ذلك لمن قبل هذه الأمة فمثله لهذه الأمة أولى لما خفف الله عليها من الأثقال هذا مع تضافر النصوص على ذلك (٥). أقول: التحقيق أن في القتل ثلاثة حقوق: حق الله وحق القتيل، وحق أهل القتيل: فالتوبة والقصاص، أو التوبة والدية يسقطان حق الله إن شاء وحق أهل القتيل، ويبقى حق القتيل، فإن شاء الله أرضاه وإن شاء عذب قاتله إلى أجل.

стр. 259

٣٢٨ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال: "الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس". وفي رواية (٢): أن أعرابيًا جاء إلى النبي صلى الله عليه سلم فقال: يا رسول الله، ما الكبائر؟ قال: "الإشراك بالله". قال: ثم ماذا؟ قال: "اليمين الغموس". قلت: وما اليمين الغموس؟ قال: "الذي يقتطع مال امرئ مسلم"- يعني: بيمين هو فيها كاذب. ٣٢٩ - * روى البخاري ومسلم عن أبي بكرة ﵁ قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر" -ثلاثًا- قلنا: بلى يا رسول الله. قال "الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، ألا وشهادة الزور، وقول الزور" وكان متكئًا فجلس -فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت. ٣٣٠ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: ذكر رسول الله ﷺ الكبائر، فقال: "الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس -وقال: - ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قول الزور- أو قال: شهادة الزور". وفي رواية (٥): أن النبي ﷺ قال: "في الكبائر: الشرك بالله، وعقوق

стр. 260

الوالدين، وقتل النفس، وشهادة الزور". ٣٢١ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ : أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: "أن تجعل لله ندًا وهو خلقك". قلت: إن ذلك لعظيم، ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك". قلت: ثم أي؟ قال: "أن تزاني حليلة جارك". وفي رواية (٢): وتلا هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ (٣). ٣٣٢ - * روى النسائي عن أبي أيوب الأنصاري أن رسول الله ﷺ قال: "من جاء يعبد الله ولا يشرك به شيئًا، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويجتنب الكبائر: كان له الجنة". فسألوه عن الكبائر؟ فقال: "الإشراك بالله، وقتل النفس المسلمة، والفرار يوم الزحف". ٣٣٣ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:

стр. 261

"اجتنبوا السبع الموبقات". قيل يا رسول الله، وما هن؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات". ٣٣٤ - * روى الطبراني في الأوسط عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: "أبايعكم على أن لا تشركوا بالله شيئًا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تزنوا ولا تسرقوا ولا تشربوا مسكرًا فمن فعل من ذلك شيئًا فأقيم عليه حده فهو كفارة ومن ستر الله عليه فحسابه على الله ومن لم يفعل من ذلك شيئًا ضمنت له على الله الجنة". ٣٣٥ - * روى البزار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "الكبائر أولهن الإشراك بالله وقتل النفس بغير حقها وأكل الربا وأكل مال اليتيم وفرار يوم الزحف ورمي المحصنات والانتقال إلى الأعراب بعد هجرته". ٣٣٦ - * روى الطبراني في الأوسط عن عبد الل بن أنيس الجهني عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من أكبر الكبائر الشرك بالله واليمين الغموس". ٣٣٧ - * روى الطبراني عن سلمة بن قيس قال: قال رسول الله ﷺ "إنما هي

стр. 262

أربع" فما أنا بأشح مني عليهن يوم سمعتهن من رسول الله ﷺ "لا تشركوا بالله شيئًا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تزنوا ولا تسرقوا". ٣٣٨ - * روى البزار عن ابن عباس أن رجلاً قال: يا رسول الله ما الكبائر؟ قال: "الشرك بالله والإياس من روح الله والقنوط من رحمة الله". ٣٣٩ - * روى الطبراني عن ابن مسعود قال: الكبائر الإشراك بالله والأمن من مكر الله والقنوط من رحمة الله واليأس من روح الله. وفي رواية: أكبر الكبائر. ٣٤٠ - * روى الطبراني عن عبد الله بن يزيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يا نعايا العرب يا نعايا العرب إن أخوف ما أخاف عليكم الزنا والشوة الخفية". ٣٤١ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إن من الكبائر: شتم الرجل والديه". قال: وهل يشتم الرجل والديه؟ قال؛ "نعم، يسب الرجل أبا الرجل وأمه، فيسب أباه وأمه". وفي رواية (٥): "إن من أكبر الكبائر: أن يلعن الرجل والديه .. " وذكر الحديث.

стр. 263

٣٤٢ - * روى البزار عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ "إن الشيطان قد يئس أن يعبد في جزيرة العرب ولكن قد رضي بمحقراتٍ". ٣٤٣ - * روى البزار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الشيطان قد أيس أن يعبد بأرضكم هذه ولكن قد رضي منكم بالمحقرات". ٣٤٤ - * روى أحمد عن ميمونة زوج النبي ﷺ قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تزال أمتي بخير ما لم يفش فيهم ولد الزنا فإذا فشا فيهم ولد الزنا فأوشك أن يعمهم الله بعذاب". ولفظ الطبراني: "لا تزال أمتي بخير متماسك أمرها ما لم يظهر فيهم ولد لزنا، فإذا ظهروا خشيت أن يعمهم الله بعقاب". ٣٤٥ - * روى الطبراني في الصغير والأوسط عن أنس بن مالكٍ قال: ذكر في زمن رسول الله ﷺ خسف قبل المشرق، فقال رجل: يا رسول يخسف بأرض فيها المسلمون؟ فقال: "نعم إذا كان أكثر أهلها الخبث". ما ذكر في النصوص السابقة نماذج على الكبائر، وعرف بعضهم الكبائر بأنها كل معصية رتب عليها حد أو توعد عليها بالنار واللعنة والغضب وهذا مذهب ابن عباس والحسن البصري.

стр. 264

تحقيقات وفيما يلي تحقيقات لبعض العلماء في موضوع الكبائر: قال النووي: وقال أبو حامد الغزالي في البسيط: والضابط الشامل المعنوي في ضبط الكبيرة أن كل معصية يقدم المرء عليها من غير استشعار خوف وحذار ندم كالمتهاون بارتكابها والمتجرئ عليه اعتيادًا، فما أشعر بهذا الاستخفاف والتهاون فهو كبيرة وما يحمل على فلتات النفس أو اللسان وفترة مراقبة التقوى ولا ينفك عن تندم يمتزج به تنغيص التلذذ بالمعصية فهذا لا يمنع العدالة وليس هو بكبيرة. وقال الشيخ الإمام أبو عمرو بن الصلاح ﵀ في فتاويه: الكبيرة كل ذنب كبر وعظم عظمًا يصح معه أن يطلق عليه اسم الكبير ووصف بكونه عظيمًا على الإطلاق. قال: فهذا حد الكبيرة ثم لها أمارات منها إيجاب الحد ومنها الإيعاد عليها بالعذاب بالنار ونحوها في الكتاب أو السنة ومنها وصف فاعلها بالفسق نصًا ومنها اللعن كلعن الله سبحان من غير منار الأرض ... قال العلماء ﵏: والإصرار على الصغيرة يجعلها كبيرة، وروي عن عمر وابن عباس وغيرهما ﵃: لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع إصرار. معناه أن الكبيرة تمحى بالاستغفار، والصغيرة تصير كبيرة بالإصرار. قال الشيخ أبو محمد بن عبد السلام في حد الإصرار: هو أن تتكرر منه الصغيرة تكرارًا يشعر بقلة مبالاته بدينه إشعار ارتكاب الكبيرة بذلك. قال: وكذلك إذا اجتمعت صغائر مختلفة الأنواع بحيث يشعر مجموعها بما يشعر به أصغر الكبائر ا. هـ (١). وقد حاول سلطان العلماء العز بن عبد السلام أن يعطيك ميزانًا تتعرف من خلاله على الصغائر والكبائر فقال: إذا أردت معرفة الفرق بين الصغائر والكبائر فاعرض مفسدة الذنب على مفاسد الكبائر المنصوص عليها، فإن تقصت عن أقل مفاسد الكبائر -أي المنصوص عليها فهي من

стр. 265

الصغائر، وإن ساوت أدنى مفاسد الكبائر، أو أربت عليها، في من الكبائر، فمن شتم الرب أو الرسول ﷺ ، أو استهان بالرسل أو كذب واحدًا منهم ... أو ألقى المصحف في القاذورات فهذا من أكبر الكبائر، ولم يصرح الشرع بأنها كبيرة. وكذلك لو أمسك امرأة محصنة لمن يزني بها، أو مسلمًا لمن يقتله، فلا شك أن مفسدة ذلك أعظم من مفسدة أكل مال اليتيم مع كونه من الكبائر. وكذلك لو دل الكفار على عورة المسلمين مع علمه بأنهم يستأصلونهم بدلالته، ويسبون حرمهم وأطفالهم ويغتنمون أموالم ويزنون بنسائهم ويخربون ديارهم، فإن تسببه إلى هذه المفاسد أعظم من توليه يوم الزحف بغير عذر مع كونه من الكبائر. وقد نص الشارع على أن شهادة الزور وأكل مال اليتيم من الكبائر، فإن وقعا في مال خطير فهذا ظاهر، وإن وقعا في مال حقير، فيجوز أن يجعل من الكبائر فطالما عن هذه المفاسد، كما جعل شرب قطرة من الخمر من جملة الكبائر، وإن لم يتحقق المفسدة فيه ... والوقوف على تساوي المفاسد وتفاوت عزة ولا يهتدي إليها إلا من وفقه الله تعالى، والوقوف على التساوي أعز من الوقوف على التفاوت، ولا يمكن ضبط المصالح والمفاسد إلا بالتقريب ثم قال: وقد ضبط بعض العلماء الكبائر بأن قال: كل ذنب قرن ب وعيد أو حد أو لعن فو من الكبائر ... فقتل المؤمن كبيرة، لأنه اقترن به الوعيد واللعن. والمحاربة والزنا والسرقة والقذف كبائر، لاقتران الحدود بها. وعلى هذا كل ذنب علم أن مفسدته كمفسدة ما قرن به الوعيد أو اللعن أو الحد، أو أكبر من مفسدته فهو كبيرة ا. هـ (١). وللغزالي اتجاه في أن بعض الصغائر تصبح كبائر بملابستها لمعان كالتهاون بها والاستمرار عليها دون مبالاة، كل هذا جعل العلماء يحاولون بناء على القياس والموازنات أن يكتبوا في الكبائر مضيفين إلى المنصوص عليه ما كان من أمثاله في الفحش من خلال استقراء واسع لنصوص الشريعة، وممن كتب في الكبائر فخصها بالتأليف: الذهبي في كتابه: "الكبائر" فذكر سبعين كبيرة، وابن حجر الهيثمي في كتابه: "الزواجر عن اقتراف الكبائر" وقد أوصلها إلى أربعمائة وسبع وستين كبيرة، منها ما هو محل إجماع بين العلماء، ومنها ما هو متردد بين كونه صغيرة أو كبيرة، ومنها ما أصبح ذنبًا بحيثياته، والمسلم إذا عرف الطاعات

стр. 266

والمعاصي فاجتنب المعاصي وأتى بالفرائض وبما استطاع من النوافل فإنه على أبواب الولاية بإذن الله. والسبب في توسيع دائرة الكبائر أو تصغيرها يرجع إلى اعتبارات متعددة، ففي الشريعة أوامر ونواه وطاعات ومعاص، فترك الأوامر والطاعات معاص يصل بعضها إلى أن يكون كبيرة. والمعاصي منها الظاهر ومنها الباطن، فمن قاس على ما ورد من كبائر من حيث الخطورة وفداحة الآثار أدخل كثيرًا من النواهي والمعاصي في الكبائر، وذا الكتاب سيتعرض للطاعات وللمعاصي إذا جاءت مناسبتها فلا نتوسع في هذا الأمر. وليبق على ذكرٍ منا قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١). فأهل السنة والجماعة خالفهم المعتزلة الذين يقولون بوجوب إنفاذ الوعيد، وأن مرتكب المعصية كائن في النار لا محالة وهو بمنزلة بين المنزلتين فلا هو كافر ولا هو مؤمن. وأهل السنة والجماعة خالفهم الخوارج الذين يكفرون مرتكبي المعاصي. إن أهل السنة والجماعة قالوا: إن لله أن يعفو عمن لا يشرك به، ولكن ليس هذا واجبًا عليه بل هذا شأنه، وقالوا إن وعيده لأهل المعاصي لابد واقع على بعضهم على حسب المشيئة وذلك شأنه في المعاملة بالعدل أو بالفضل وذلك شأنه أن يعفو عن بعض أهل المعاصي لقبول حسناتهم أو لوجود خصوصيات لم تخفف عنهم الحساب، والأمر إليه. قال الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم (٢): وأما حكمه ﷺ على من مات يشرك بدخول النار، ومن مات غير مشرك بدخول الجنة فقد أجمع عليه المسلمون. فأما دخول المشرك النار فهو على عمومه، فيدخلها ويخلد فيها، ولا فرق فيه بين الكتابي اليهودي والنصراني، وبين عبدة الأوثان وسائر الكفرة. ولا فرق

стр. 267

عند أهل الحق بين الكافر عنادًا وغيره، ولا بين من خالف ملة الإسلام، وبين من انتسب إليها ثم حكم بكفره بجحده وغير ذلك. وأما دخول من مات غير مشرك الجنة فهو مقطوع له به، لكن إن لم يكن صاحب كبيرة مات مصرا عليها دخل الجنة أولا. وإن كان صاحب كبيرة مات مصرًا عليها فهو تحت المشيئة، فإن عفي عنه دخل أولاً، وإلا عذب ثم أخرج من النار وخلد في الجنة وأما قوله ﷺ : "وإن زنى وإن سرق" فهو حجة لمذهب أهل السنة أن أصحاب الكبائر لا يقطع لهم بالنار وأنهم إن دخلوها أخرجوا منها وختم لم بالخلود في الجنة. ا. هـ. * * *

стр. 268

الفصل السادس عشر في: النفاق وعلاماته وشعبه وفيه: مقدمة ونصوص

стр. 269

المقدمة النفاق في الأصل: إظهار الإسلام وإبطان الكفر، وقد يكون ابتداءً، وقد يحدث بعد إيمان، وقد يكون سببه الشك في الإسلام، وهناك النفاق الخالص، وهناك القلوب التي فيها إيمان ونفاق. وللنفاق علاماته وآثاره في السلوك، وقد أكثر الله من ذكر علاماته وآثاره في القرآن لخطورة هذا المرض وجاءت السنة لتزيد الأمر تفصيلاً. وقد ذكر بعض العلماء نوعين من النفاق، نفاق الاعتقاد ونفاق العمل، وعلى هذا التقسيم فإن هناك صورًا للنفاق، فالصورة الأخبث هي نفاق الاعتقاد الذي تصحبه علاماته من كذب وخلف بالوعد ونقض للعهد، وفجور بالخصومة وإفساد في الأرض، ومودة للكافرين وولاء لهم إلى غير ذلك. وهناك صورة أخرى وهي ألا يكون هناك شك في الإسلام ولكن تظهر أخلاقيات النفاق في سلوكيات بعض الناس كأثر عن فساد نية أو فساد بيئة أو جهل أو ظلمة جزئية في القلب. وهناك صورة أخرى وهي وجود الشك والنفاق في القلب، ولكن يتكلف له صاحبه فلا تظهر على سلوكياته آثار النفاق إلا لمامًا. وأيًا كان الأمر فإن علينا أن نظر قلوبنا وأعمالنا من النفاق وآثاره، وإذا رأينا النفاق عند أهله فلنحذر ولنعالج، أما الحكم على إنسان بأنه منافق فهذا الذي ينبغي أن يتأنى فيه إلا إذا وضحت الأمور وقامت بينة. وأكثر صور النفاق في عصرنا تتمثل بموالاة الكافرين الاختيارية ظاهرًا وباطنًا، وأخطر مظهر لذلك الانتساب الطوعي المتفاعل لحزب من الأحزاب الكافرة التي لا تؤمن بالإسلام ولا تلتزم به أهدافًا وسلوكًأ، أمثال ؤلاء نستطيع أن نحكم عليهم بالنفاق أو بالردة على حسب ما يظهر من أقوالهم وأفعالهم، وبالتالي فلا نصلي عليه إذا مات ولا نتعامل معه كما نتعامل مع أهل الإيمان.

стр. 270

والأمور في عصرنا مختلطة فهناك اجتماعات تخطر لمسلمين عاديين فيرون أن مصلحة الإسلام أن يكونوا في حزبٍ ما، ويرون أن الوضع العالمي المعقد يحتاج إلى نوع من المواقف، والعبرة للتقوى البصيرة من أهلها، فمن أفتاه إمام من أئمة الفتوى بعد أن يعرض عليه كل شيء ويستكتمه فله أن يفعل على ضوء الفتوى، ولكن هذه فتوى استثنائية، وإلا فالأصل أن يكون الإنسان قلبًا وقالبًا مع الصف المسلم ومع أهل الإيمان، هذا مع صحة اعتقادٍ، وسلامة عملٍ، فذلك هو الإيمان الخالص. ومن أراد استكمال صورة النفاق والمنافقين فلابد أن يتتبعها في نصوص القرآن وقد أبرزنا هذه الصورة في تفسيرنا وفي كتابنا (جند الله ثقافة وأخلاقًا) ولذلك نقتصر هنا على بعض ما ورد في السنة:

стр. 271

النصوص ٣٤٦ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت في خصلة منهن كانت في خصلة من النفاق، حتى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر". وفي رواية (١) -عوض "إذا ائتمن خان": "إذا وعد أخلف". قال الترمذي: معنى هذا عند أهل العلم: نفاق العمل، وإنما كان نفاق التكذيب على عهد رسول الله ﷺ . أقول وقد ظهر نفاق التكذيب بعد رسول الله ﷺ مرات وكرات وبصورٍ شتى، فمثلاً ظهر بالزنادقة والباطنيين وفي كثير من العاملين في الحقل السياسي في عصرنا إلى غير ذلك. ٣٤٧ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "آية المنافق ثلاث" -زاد مسلم: "وإن صام، وصلى، وزعم أنه مسلم"- ثم اتفقا- "إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وفي رواية ثالثة (٢): "إذا ائتمن خان".

стр. 272

٣٤٨ - * روى الطبراني عن ابن مسعود قال: اعتبروا المنافقين بثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر فأنزل الله تصديق ذلك في كتابه ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾ إلى آخر الآية. والآيات المشار إليها في الأثر: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (٢). ٣٤٩ - * روى البزار عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: "ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن كان في خصلة ففيه خصلة من النفاق إذا حدث كذب وإذا ائتمن خان وإذا وعد أخلف". ٣٥٠ - * روى النسائي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ثلاث من كن فيه، فهو منافق: إذا حدث كذب، وإذا ائتمن خان، وإذا وعد أخلف، فمن كانت فيه واحدة منهن، لم تزل فيه خصلة من النفاق حتى يتركها. ٣٥١ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خصلتان لا تجتمعان في منافق: حسن سمتٍ، ولا فقه في الدين".

стр. 273

٣٥٢ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تجدون من شر الناس عند الله تعالى يوم القيامة ذا الوجهين: الذي يأتي هؤلاء بوجهٍ، وهؤلاء بوجهٍ". وفي رواية (٢) قال: سمعته يقول: "إن شر الناس ذو الوجهين .. " الحديث. ٣٥٣ - * روى مسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "مثل المنافق كالشاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة، وإلى هذه مرة". وزاد النسائي (٤): "لا تدري: أيها تتبع". ٣٥٤ - * روى البخاري عن زيد بن عبد الله بن عمر ﵁ قال: قال ناس لابن عمر: إنا لندخل إلى سلطاننا أو أمرائنا، فنقول لهم بخلاف ما نتكلم إذا خرجنا من عندهم. فقال: كنا نعد هذا نفاقًا على عهد رسول الله ﷺ . ٣٥٥ - * روى البخاري عن حذيفة بن اليمان ﵄ قال: إنما كان النفاق على عهد رسول الله ﷺ ، فأما اليوم، فإنه هو الكفر بعد الإيمان وفي أخرى (٧): [فإنما هو] الكفر أو الإيمان. وفي أخرى (٨) قال: إن المنافقين اليوم هم شر منهم على عهد رسول الله ﷺ ، كانوا يومئذ يسرون، واليوم يجهرون.

стр. 274

٣٥٦ - * روى أحمد عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ جالسًا في ظل حجرته قد كان يقلص منه الظل فقال لأصحابه: "يجيئكم رجل ينظر إليكم بعيني شيطان فإذا رأيتموه فلا تكلموه". قال: فجاء رجل أزرق فلما رآه النبي ﷺ دعاه قال: "علام تشتمني أنت وأصحابك"؟ قال: كما أنت حتى آتيك بهم. فذهب فجاء بهم يحلفون بالله ما قالوا ولا فعلوا، وأنزل الله ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ إلى آخر الآية. وفي رواية الطبراني (١) قال: فجعلوا يحلفون بالله ما قالوا وما فعلوا حتى تجاوز عنهم. وفي رواية (٢) "يدخل عليكم رجل ينظر بعيني شيطان". قال: فدخل رجل أزرق فقال: يا محمد علام تسبني؟ أو: تشتمني؟ أو نحو هذا قال: وجعل يحلف. قال: ونزلت هذه الآية في المجادلة ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ والآية الأخرى. ٣٥٧ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ : "ما أظن فلانا وفلانا يعرفان من ديننا شيئًا". قال الليث: كانا رجلين من المنافقين. وفي رواية (٣) قالت: دخل النبي ﷺ يومًا، وقال: "يا عائشة، ما أظن فلانًا وفلانًا يعرفان ديننا الذي نحن عليه". أقول: يبدو أن هذين ممن قال الله فيهم:

стр. 275

﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ (١). ٣٥٨ - * روى مسلم عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: عُدنا مع رسول الله ﷺ رجلاً موعوكاً. قال: فوضعتُ يدي عليه، فقلت: والله ما رأيت كاليوم رجلاً أشد حراً. فقال رسول الله ﷺ : "ألا أخبركم بأشد حراً منه يوم القيامة؟ هذينك الرجلين الراكبين المقفيين". لرجلين حينئذٍ من أصحابه. ٣٥٩ - * روى البخاري عن الأسود بن يزيد النخعي قال: كنا في حلقة عبد الله بن مسعودٍ، فجاء حذيفة، حتى قام علينا، فسلم، ثم قال: لقد أنزل النفاق على قومٍ خيرٍ منكم. فقلنا: سبحان الله فإن الله يقول: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ (٢) فتسم عبد الله، وجلس حذيفة في ناحية المسجد، فقام عبد الله وتفرق أصحابه، فرماني بالحصباء، فأتيته، فقال حذيفة: عجبتُ من ضحكه، وقد علم ما قلت، لقد أنزل النفاق على قوم كانوا خيراً منكم، ثم تابوا فتاب الله عليهم. قال ابن الأثير: (الدرك الأسفل): الطبق الأسفل من النار، والنار دركاتٌ، لأنها مطبقة بعضها فوق بعض. لقد أُنزِل النفاق على قوم خير منكم، ثم تابوا، فتاب الله عليهم: مقصوده أن جماعة من المنافقين صلحوا واستقاموا، وكانوا خيراً من أولئك التابعين الذين كان يخاطبهم، لمكان

стр. 276

الصحبة والصلاح، فممن كان منافقاً وصلح أمره واستقام: مُجمع، ويزيد، ابنا جارية بن عامر، فكأنه أشار بالحديث إلى تقلُّب القلوب. ٣٦٠ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال لهم: "من يصعد الثنية ثنية المُرار، فإنه يُحط عنه ما حُط عن بني إسرائيل". قال: فكان أول من صعِدها خيلنا، خيلُ بني الخزرج، ثم تتام الناس. فقال رسول الله ﷺ : "وكلكم مغفور له، إلا صاحب الجمل الأحمر". فأتيناه، فقلنا: تعال، يستغفر لك رسول الله. فقال: والله، لأن أجد ضالتي أحب إليَّ من أن يستغفر لي صاحبُكم. قال: وغذا هو ينشدُ ضالة له. ٣٦١ - * روى أبو داود عن بريدة بن الحصيب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقولوا للمنافق سيد، فإنه إن يك سيداً فقد أسخطتم الله ". ٣٦٢ - * روى الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة ﵁: قال: مر رسول الله ﷺ على عبد الله بن أُبي بن سلول وهو في ظلٍّ فقال: قد غَبْرَ علينا ابن أبي كبشة. فقال ابنه عبد الله [أي لرسول الله]: والذي أكرمك وأنزل عليك الكتاب لئن شئت لأتيتك برأسه. فقال النبي ﷺ : "لا ولكن برَّ أباك وأحسن صحبته".

стр. 277

٣٦٣ - * روى أحمد عن أبي هريرة: عن النبي ﷺ قال: "إن للمنافقين علامات يُعرفون بها: تحيتُهم لعنةٌ وطعامهم نُهبةٌ وغنيمتهم غُلولٌ، لا يقربون المساجد إلا هجراً ولا يأتون الصلاة إلا دُبراً مستكبرين لا يألفون ولا يؤلفون خُشبٌ بالليل صُخبٌ بالنهار" وقال يزيد مرة: "سخب بالنهار". ٣٦٤ - * روى البزار عن ابن عباس قال: يقول أحدهم: أبي صَحِبَ رسول الله ﷺ وكان مع رسول الله ﷺ ، ولنعلٌ خلق خيرٌ من أبيه. أقول هذا الحديث محمول على المنافقين ممن ظاهرهم الصحبة وباطنهم الكفر، وهم قلة وقد عرَّف رسول الله ﷺ حذيفة عليهم حتى يكشف حالهم إذا قاموا مقاماً يخشى منهم على الإسلام، ولذلك فالقول بعدالة الصحابة لا يقدح فيه أن يوجد مثل هؤلاء لهذا الاحتياط الذي احتاطه رسول الله ﷺ . ٣٦٥ - * روى أبو يعلى عن أنس بن مالك قال: غدا أصحابُ رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله هلكنا ورب الكعبة. قال "وما ذاك" قالوا: النفاقُ النفاقُ. قال: "ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله". قالوا: بلى. قال: "ليس ذلك النفاق" قال: ثم عادوا الثانية فقالوا: يا رسول الله هلكنا ورب الكعبة. قال: "وما ذاك". قالوا: النفاق النفاق. قال: "ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله". قالوا: بلى. قال: "ليس ذاك النفاق". قال: ثم عادوا الثالثة فقالوا: يا رسول الله هلكنا

стр. 278

ورب الكعبة. قال "وما ذاك. قالوا: النفاق. قالوا: إنا إذا كنا عندك كنا على حال وإذا خرجنا من عندك همتنا الدنيا وأهلونا. قال: "لو أنكم إذا خرجتم من عندي تكونون على ما أنتم عليه لصافحتكم الملائكة بطرق المدينة". ٣٦٦ - * روى البزار عن حُذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما أتخوف عليكم رجلاً قرأ القرآن حتى إذا رُئي عليه بهجته وكان رديء الإسلام اعتزل إلى ما شاء الله وخرج على جاره بسيفه ورماه بالشرك. ٣٦٧ - * روى أحمد عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أكثر منافقي أمتي قراؤها". أقول: هذا الحديث محمول على من اشترى بآيات الله ثمناً قليلاً وعلى من يلبس الحق بالباطل ويكتم الحق، ويوالي الظالمين والكافرين فظاهره عالِم وباطنه منافق. ٣٦٨ - * روى أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خَلْفٌ بعد الستين أضاعوا الصلوات واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا ثم يكونُ خلفٌ يقرؤون القرآن لا يعدو تراقيهم ويقرأ القرآن ثلاثةٌ: مؤمنٌ ومنافقٌ وفاجر". قال بشير فقلت للوليد ما هؤلاء الثلاثةُ؟ قال: المنافق كافر به والفاجر يتأكل به والمؤمن يؤمن به. ٣٦٩ - * روى الطبراني عن عِمران بن حُصَينٍ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن

стр. 279

أخوف ما أخافُ عليكم بعدي كل منافقٍ عليم اللسان". ٣٧٠ - * روى أحمد عن عمر بن الخطاب قال: حذرنا رسول الله ﷺ كل منافقٍ عليم اللسان. أقول: في هذه النصوص الخمسة الأخيرة تحذير أي تحذير لمن يحمل الإسلام ويقرأ القرآن ويكون من المنافقين وهو لا يشعر ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (١). وقد أعطانا الحديث الثالث علامة هي: يقرأون القرآن لا يعدو تراقيهم" فهو لا يصل إلى قلوبهم فيتدبرون ويتأثرون: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (٢). ٣٧١ - * روى مسلم عن قيس بن عُبادٍ ﵁ قال: قلت لعمار: أرأيتم صنيعكم هذا الذي صنعتم في أمر عليٍّ، أرأياً رأيتموه، أم شيئاً عهده إليكم رسول الله ﷺ ؟ فقال: ما عهد إلينا رسول الله ﷺ شيئاً لم يعهده إلى الناس كافةً، ولكن أخبرني حذيفة أن رسول الله ﷺ أعلمه اثني عشر منافقاً، منهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج الجملُ في سمِّ الخياط. وأربعةٌ لم أحفظ ما قال [شُعبة] فيهم. وفي رواية (٣): "ثمانية [منهم] تكفيكهم الدبيلةُ- سراجٌ من النار يظهر في أكتافهم- حتى ينجم في صدورهم". ٣٧٢ - * روى مسلم عن أبي الطفيل ﵁ قال: كان بين رجل من أهل العقبة

стр. 280

وبين حذيفة بعض ما يكونُ بين الناس، فقال: أنشدُك الله، كم كان أصحابُ العقبة؟ قال: فقال له القومُ: أخبره إذ سألك. فقال: كنا نخبرُ أنهم أربعة عشر، فإن كنت منهم فقد كان القومُ خمسة عشر، وأشهدُ بالله: أن اثني عشر منهم حربٌ لله ولرسوله في الحياة الدنيا، ويوم يقومُ الأشهاد، وعذر ثلاثةٌ، قالوا: ما سمعنا مُنادي رسول الله ﷺ ، ولا علمنا بما أراد القومُ، وقد كان في حَرَّةٍ، فمشى، فقال: "إن الماء قليلٌ، فلا يسبقني إليه أحدٌ" فوجد قوماً قد سبقوه، فلعنهم يومئذٍ. قال ابن الأثير: قد يظن بعض من لا علم عنده، أن أصحاب العقبة المذكورين في هذا الحديث: هم أصحابُ العقبة الذين بايعوا النبي ﷺ في أول الإسلام، وحاشاهم من ذلك، إنما هؤلاء قوم عَرضُوا لرسول الله ﷺ في عقبة صعِدَها لما قَفَل مِن غزوة تبوك، وقد كان أمر منادياً، فنادى: لا يطلع العقبة أحدٌ. فلما أخذها النبي ﷺ عرضوا له وهم متلثمون، لئلا يُعرفوا، أرادوا به سوءاً، فلم يُقدرهم الله تعالى. ٣٧٣ - * روى أحمد عن أبي الطفيل، قال: لما أقبل رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أمر منادياً فنادى أن رسول الله ﷺ آخذٌ العقبة فلا يأخذها أحدٌ، فبينا رسول الله ﷺ يقوده عمار ويسوقه حُذيفةُ إذ أقبل رهط متلثمون على الرواحل، حتى غَشوا عماراً وهو يسوقُ برسول الله ﷺ ، وأقبل عمار يضرب وجوه الرواحل، فقال رسول الله ﷺ لحذيفة: "قُدْ قُدْ". حتى هبط رسول الله ﷺ فلما هبط رسول الله ﷺ نزل، ورجع عمارٌ، فقال: "يا عمارُ هل عرفت القوم". قال: قد عرفت عامة الرواحل، والقومُ متلثمون. قال: "هل تدري ما أرادوا". قال: الله ورسوله أعلم. قال: "أرادوا أن ينفروا برسول الله ﷺ ويطرحوه". قال: فساب عمارٌ ﵁ رجلاً من أصحاب رسول الله ﷺ فقال: نشدتُك بالله ما كان أصحابُ العقبة؟ قال: أربعة عشر. فقال: إن كنت فيهم فقد كانوا خمسة عشر فعد رسول الله ﷺ منهم ثلاثة قالوا: والله ما

стр. 281

سمعنا منادي رسول الله ﷺ وما علمنا ما أراد القوم. فقال عمار: أشهد أن الاثني عشر الباقين منهم حربٌ لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهادُ. قال أبو الوليد: وذكر أبو الطفيل في تلك الغزوة أن رسول الله ﷺ قال للناس، وذكر له أن في الماء قلة فأمر رسول الله ﷺ منادياً فنادى لا يرد الماء أحدٌ قبل رسول الله ﷺ ، فورده رسول الله ﷺ فوجد رهطاً قد وردوه قبله، فلعنهم رسول الله ﷺ يومئذٍ. ٣٧٤ - * روى أحمد عن أبي سعيد رفعه: "لو أن أحدكم يعمل في صخرةٍ صماء، ليس لها باب ولا كُوة، يخرجُ عمله للناس كائناً ما كان". ٣٧٥ - * روى البخاري تعليقاً: قال إبراهيم التيمي: ما عرضت قولي على عملي إلا خشيتُ أن أكون مكذباً. وقال ابن أبي مُليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ كلهم يخافُ النفاق على نفسه [ولا يأمن المكر على دينه] ما منهم أحدٌ يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل، ويُذكر عن الحسن: ما خافهُ إلا مؤمنٌ، ولا أمنهُ إلا منافقٌ. وما يُحذرُ من الإصرار على النفاق والعصيان من غير توبةٍ، لقول الله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (١). قوله: (وما يحذر من الإصرار): بعد أن بَيَّن الحسن أن النفاق لا يخافه إلا مؤمن ولا يحذره إلا مؤمن، بيّن أن حال المؤمن الخوف والحذر من النفاق والخوف من الإصرار على العصيان من دون توبة. ٣٧٦ - * روى البخاري عن شُعبة قال أخبرني عبدُ الله بنُ عبد الله بن جبر قال: سمعتُ أنساً عن النبي ﷺ قال: "آية الإيمان حب الأنصار، وآيةُ النفاق بُغضُ الأنصار".

стр. 282

٣٧٧ - * روى البخاري ومسلم عن كعب بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مثل المؤمن: كمثل الخامة من الزرع، تُفيئها الريحُ، تصرعُها مرةً، وتعدلها أخرى، حتى تهيج". وفي أخرى (٢) "حتى يأتيه أجله، ومثل المنافق: مثل الأرزة المجذية على أصلها، لا يُفيئها شيءٌ، حتى يكون انجعافُها مرةً واحدةً". ٣٧٨ - * روى مسلم عن أبي هريرة رفعه: "من مات ولم يغزُ ولم يُحدثْ به نفسه مات على شعبة من النفاق". ٣٧٩ - * روى الطبراني عن ابن عمر قال: كنت عند النبي ﷺ إذ جاء حرملة بن زيد فجلس بين يدي رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله الإيمان ههنا - وأشار إلى لسانه- والنفاق ههنا - وأشار إلى صدره- ولا يذكر الله إلا قليلاً. فسكت عنه النبي ﷺ فردد ذلك عليه حرملةُ، فأخذ النبي ﷺ بطرف لسان حرملة فقال: "اللهم اجعل له لساناً صادقاً وقلباً شاكراً وارزقه حُبي وحب من يحبني وصيِّرْ أمره إلى الخير". فقال حرملة: يا رسول الله إن لي إخواناً منافقين كنت فيهم رأساً ألا أدلك عليهم؟ فقال النبي ﷺ : "من جاءنا كما جئتنا استغفرنا له كما استغفرنا لك ومن أصر على ذنبه فالله أولى به، ولا نخرقُ على أحد سترا".

стр. 283

الفصل السابع عشر في: نواقض الشهادتين وفيه: مقدمة ونصوص ومسائل وفوائد

стр. 284

المقدمة قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (١)، فمن بلغه الإسلام من أهل الأديان وغيرهم فقد تحتم عليهم أن يدخلوا فيه، ومن لم يدخل في الإسلام فهو الكافر الأصلي، وأما من دخل في الإسلام في الظاهر ولم يسلم قلبه فهو المنافق وهو من شر أنوع الكفار: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ (٢) أما من دخل في الإسلام ثم أتى بناقض من نواقض الشهادتين فهو المرتد، وحكمه أن عليه أن يتوب مما أتاه، وإلا فإنه يستحق القتل. ونواقض الشهادتين منها القولي، ومنها النظري، ومنها الفعلي؛ فالقولي كأني تبرأ من الإسلام، أو يذكر أنه كافر، أو يسب الإسلام أو القرآن. والنظري مثل أن يستحل محرماً قطعياً، أو ينفي المعلوم من الدين بالضرورة. والفعلي كأن يسجد لصنم، أو يصلي صلاة الكافرين، أو يلقي القرآن في نجاسة. ويعطي بعض المرتدين فرصة فيناقشون حتى تقوم عليهم الحجة، وبالتالي يعطون فرصة التوبة والأوبة ويُعفى عنهم، إلا إذا شاء ولي الأمر تعزيرهم، ولكن هناك صوراً لها أحكامها الخاصة، كأن تتكرر منها الردة، أو تكون ردته من نوع خاص أو يجتمع مع الردة حق آخر كأن سبُّ رسول الله ﷺ ، فهذا ليس أمامه إلا القتل. وعلى كل الأحوال فقد رتب الشارع أحكاماً بالنسبة للكفار الأصليين، وبالنسبة للمنافقين، وبالنسبة للمرتدين، فالمرتد يستحق القتل إن لم يتب، ويفرق بينه وبين زوجته، ولا تحل ذبيحته ولا إنكاحه. وهناك قضايا محل إجماع بين أهل العلم، وهناك قضايا محل اختلاف، وقضية الردة من أعقد قضايا العصر، فهناك الآن ذراري المرتدين الذين ارتد آباؤهم وهم على مذاهب هؤلاء الآباء، فهؤلاء لهم أحكام خاصة، وهناك المرتدون بسبب وجهات نظر سياسية،

стр. 285

وهناك المرتدون بسبب وجهات نظر فلسفية، والإسلام الآن ضعيف، والعمل الإسلامي الدعوي البحت لا يشكل عليه أمر التعامل مع هؤلاء جميعاً، ولكن إذا وصلنا إلى العمل السياسي من خلال السلطة أو من خارجها فالأمر يصبح في غاية التعقيد، ولذلك فإن للفتوى من أهلها محلاً في بعض الصور. ومن تتبع نصوص الكتاب والسنة وجد الكثير مما له علاقة بنواقض الشهادتين، ومن تتبع كلام العلماء في أبحاث الردة أو في الكتب المؤلفة خاصة في هذا الموضوع وجد مئات المسائل، لأن الجهلة في كل زمان ومكان يغلب على بعضهم تصورات أو تصرفات أو أقوال أو أفعال هي من قبيل الردة التي تنقض الشهادتين ولكل جيل في قطر مسائله، فإذا جمعت مسائل الأقطار والأجيال والأزمان وجدت الكثير من هذه النواقض، ولعصرنا خصوصياته التي اختص بها لذلك كان الأمر في غاية الخطورة، فعلى كل مسلم أن يحرر نفسه وأن يحاسبها على كلماته وتصرفاته وأفعاله، وكان بعض شيوخنا كثيراً ما يستشهدنا على تجديد نكاحه بعد أن يأخذ وكالة من زوجته خشية أن يكون قد خرج على لسانه أو تصرف تصرفاً وهو لم يشعر بخطورته، ويكفي أن نتملى الحديث الشريف الصحيح لنزيد في مراقبة أنفسنا ومحاسبتها: "إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقى لها بالاً يهوي بها في نار جهنم سبعين خريفاً" (١). فأول ما يدخل في هذا الحديث مثل هذه المعاني التي نتحدث عنها، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (٣) وقال تعالى ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٤).
следующие страницы →