سمعنا منادي رسول الله ﷺ وما علمنا ما أراد القوم. فقال عمار: أشهد أن الاثني عشر الباقين منهم حربٌ لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهادُ. قال أبو الوليد: وذكر أبو الطفيل في تلك الغزوة أن رسول الله ﷺ قال للناس، وذكر له أن في الماء قلة فأمر رسول الله ﷺ منادياً فنادى لا يرد الماء أحدٌ قبل رسول الله ﷺ ، فورده رسول الله ﷺ فوجد رهطاً قد وردوه قبله، فلعنهم رسول الله ﷺ يومئذٍ.
٣٧٤ - * روى أحمد عن أبي سعيد رفعه: "لو أن أحدكم يعمل في صخرةٍ صماء، ليس لها باب ولا كُوة، يخرجُ عمله للناس كائناً ما كان".
٣٧٥ - * روى البخاري تعليقاً: قال إبراهيم التيمي: ما عرضت قولي على عملي إلا خشيتُ أن أكون مكذباً. وقال ابن أبي مُليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ كلهم يخافُ النفاق على نفسه [ولا يأمن المكر على دينه] ما منهم أحدٌ يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل، ويُذكر عن الحسن: ما خافهُ إلا مؤمنٌ، ولا أمنهُ إلا منافقٌ. وما يُحذرُ من الإصرار على النفاق والعصيان من غير توبةٍ، لقول الله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (١).
قوله: (وما يحذر من الإصرار): بعد أن بَيَّن الحسن أن النفاق لا يخافه إلا مؤمن ولا يحذره إلا مؤمن، بيّن أن حال المؤمن الخوف والحذر من النفاق والخوف من الإصرار على العصيان من دون توبة.
٣٧٦ - * روى البخاري عن شُعبة قال أخبرني عبدُ الله بنُ عبد الله بن جبر قال: سمعتُ أنساً عن النبي ﷺ قال: "آية الإيمان حب الأنصار، وآيةُ النفاق بُغضُ الأنصار".
стр. 282
٣٧٧ - * روى البخاري ومسلم عن كعب بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مثل المؤمن: كمثل الخامة من الزرع، تُفيئها الريحُ، تصرعُها مرةً، وتعدلها أخرى، حتى تهيج".
وفي أخرى (٢) "حتى يأتيه أجله، ومثل المنافق: مثل الأرزة المجذية على أصلها، لا يُفيئها شيءٌ، حتى يكون انجعافُها مرةً واحدةً".
٣٧٨ - * روى مسلم عن أبي هريرة رفعه: "من مات ولم يغزُ ولم يُحدثْ به نفسه مات على شعبة من النفاق".
٣٧٩ - * روى الطبراني عن ابن عمر قال: كنت عند النبي ﷺ إذ جاء حرملة بن زيد فجلس بين يدي رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله الإيمان ههنا - وأشار إلى لسانه- والنفاق ههنا - وأشار إلى صدره- ولا يذكر الله إلا قليلاً. فسكت عنه النبي ﷺ فردد ذلك عليه حرملةُ، فأخذ النبي ﷺ بطرف لسان حرملة فقال: "اللهم اجعل له لساناً صادقاً وقلباً شاكراً وارزقه حُبي وحب من يحبني وصيِّرْ أمره إلى الخير". فقال حرملة: يا رسول الله إن لي إخواناً منافقين كنت فيهم رأساً ألا أدلك عليهم؟ فقال النبي ﷺ : "من جاءنا كما جئتنا استغفرنا له كما استغفرنا لك ومن أصر على ذنبه فالله أولى به، ولا نخرقُ على أحد سترا".
стр. 283
الفصل السابع عشر
في:
نواقض الشهادتين
وفيه:
مقدمة ونصوص ومسائل وفوائد
стр. 284
المقدمة
قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (١)، فمن بلغه الإسلام من أهل الأديان وغيرهم فقد تحتم عليهم أن يدخلوا فيه، ومن لم يدخل في الإسلام فهو الكافر الأصلي، وأما من دخل في الإسلام في الظاهر ولم يسلم قلبه فهو المنافق وهو من شر أنوع الكفار: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ (٢) أما من دخل في الإسلام ثم أتى بناقض من نواقض الشهادتين فهو المرتد، وحكمه أن عليه أن يتوب مما أتاه، وإلا فإنه يستحق القتل.
ونواقض الشهادتين منها القولي، ومنها النظري، ومنها الفعلي؛ فالقولي كأني تبرأ من الإسلام، أو يذكر أنه كافر، أو يسب الإسلام أو القرآن. والنظري مثل أن يستحل محرماً قطعياً، أو ينفي المعلوم من الدين بالضرورة. والفعلي كأن يسجد لصنم، أو يصلي صلاة الكافرين، أو يلقي القرآن في نجاسة.
ويعطي بعض المرتدين فرصة فيناقشون حتى تقوم عليهم الحجة، وبالتالي يعطون فرصة التوبة والأوبة ويُعفى عنهم، إلا إذا شاء ولي الأمر تعزيرهم، ولكن هناك صوراً لها أحكامها الخاصة، كأن تتكرر منها الردة، أو تكون ردته من نوع خاص أو يجتمع مع الردة حق آخر كأن سبُّ رسول الله ﷺ ، فهذا ليس أمامه إلا القتل.
وعلى كل الأحوال فقد رتب الشارع أحكاماً بالنسبة للكفار الأصليين، وبالنسبة للمنافقين، وبالنسبة للمرتدين، فالمرتد يستحق القتل إن لم يتب، ويفرق بينه وبين زوجته، ولا تحل ذبيحته ولا إنكاحه.
وهناك قضايا محل إجماع بين أهل العلم، وهناك قضايا محل اختلاف، وقضية الردة من أعقد قضايا العصر، فهناك الآن ذراري المرتدين الذين ارتد آباؤهم وهم على مذاهب هؤلاء الآباء، فهؤلاء لهم أحكام خاصة، وهناك المرتدون بسبب وجهات نظر سياسية،
стр. 285
وهناك المرتدون بسبب وجهات نظر فلسفية، والإسلام الآن ضعيف، والعمل الإسلامي الدعوي البحت لا يشكل عليه أمر التعامل مع هؤلاء جميعاً، ولكن إذا وصلنا إلى العمل السياسي من خلال السلطة أو من خارجها فالأمر يصبح في غاية التعقيد، ولذلك فإن للفتوى من أهلها محلاً في بعض الصور.
ومن تتبع نصوص الكتاب والسنة وجد الكثير مما له علاقة بنواقض الشهادتين، ومن تتبع كلام العلماء في أبحاث الردة أو في الكتب المؤلفة خاصة في هذا الموضوع وجد مئات المسائل، لأن الجهلة في كل زمان ومكان يغلب على بعضهم تصورات أو تصرفات أو أقوال أو أفعال هي من قبيل الردة التي تنقض الشهادتين ولكل جيل في قطر مسائله، فإذا جمعت مسائل الأقطار والأجيال والأزمان وجدت الكثير من هذه النواقض، ولعصرنا خصوصياته التي اختص بها لذلك كان الأمر في غاية الخطورة، فعلى كل مسلم أن يحرر نفسه وأن يحاسبها على كلماته وتصرفاته وأفعاله، وكان بعض شيوخنا كثيراً ما يستشهدنا على تجديد نكاحه بعد أن يأخذ وكالة من زوجته خشية أن يكون قد خرج على لسانه أو تصرف تصرفاً وهو لم يشعر بخطورته، ويكفي أن نتملى الحديث الشريف الصحيح لنزيد في مراقبة أنفسنا ومحاسبتها: "إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقى لها بالاً يهوي بها في نار جهنم سبعين خريفاً" (١).
فأول ما يدخل في هذا الحديث مثل هذه المعاني التي نتحدث عنها، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (٣) وقال تعالى ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٤).
стр. 286
وسنذكر في هذا الفصل بعض نصوص السنة التي تذكر أصل هذا الموضوع وهو نواقض الشهادتين، ثم نذكر بعض هذه النواقض بإيجاز.
стр. 287
النصوص
٣٨٠ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ أتى المقبرة، فقال: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددتُ أنَّا قد رأينا إخواننا". قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: "أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتي بعد". قالوا: كيف تعرفُ من لم يأت بعدُ من أمتك يا رسول الله؟ قال: "أرأيت لو أن رجلاً له خيلٌ غُرٌ مُحجلةٌ بين ظهري خيلٍ دُهمٍ بُهمٍ، ألا يعرف خيله". قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "فإنهم يأتون غُرًّا محجلين من الوضوء، وأنا فرطُهم على الحوض، فليُذادن رجالٌ عن حوضي، كما يُذادُ البعير الضال، أُناديهم: ألا هضلُم. فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك؟ فأقول: سُحقاً، سُحقاً".
أقول (التبديل): تحتمل ههنا البدعة وتحتمل الفسوق العملي وتحتمل الردة، والنص ههنا: في الأمة المحمدية عامة وفي هذه الأمة وُجد مبتدعة وفساق ومرتدون.
٣٨١ - * روى البخاري ومسلم عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إني على الحوض أنظُر من يرد عليَّ منكم، وسيؤخذُ ناس دُوني، فأقول: يا رب، مني ومن أُمتي".
وفي رواية (١) "فأقول: أصحابي. فيقال: هل شعرت ما عملوا بعدك؟ والله ما برحوا يرجعون على أعقابهم".
أقول: هناك ناس ارتدوا بعد وفاة الرسول ﷺ وقتلوا أو ماتوا على الردة، فالمراد
стр. 288
بالنص هؤلاء، والله أعلم. ولم يرتد من الصحابة الحقيقيين أحد، وإنما ارتد بعض جفاة الأعراب، ومع ذلك فقد رجع قسم كبير منهم إلى الإسلام فتابوا وحسنت توبتهم، وذهب بعض العلماء إلى أن المراد بالرجوع: القهقري، أي إن البعض تأخر عما كان عليه في زمن الرسول ﵊، فواقع بعض الناس ما لا يستأهلون معه الورود إلى الحوض.
٣٨٢ - * روى مسلم عن عائشة ﵂ قالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول وهو بين ظهراني أصحابه: "إني على الحوض أنتظر من يردُ عليَّ منكم، فوالله ليقطعن دوني رجالٌ، فلأقولن: أي ربِّ، مني ومن أُمتي. فيقول: إنك لا تدري ما عَمِلوا بعدك، ما زالوا يرجعون على أعقابهم".
٣٨٣ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يردُ عليَّ يوم القيامة رهطٌ من أصحابي"- أو قال: "من أمتي - فيحلؤون عن الحوض، فأقول: يارب، أصحابي. فيقول: إنه لا عِلم لك بما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقري". وفي رواية (١): "فيُجلون".
الظاهر من هذا النص أن بعض الروايات فيمن يرد عن الحوض رواها بعضهم بالمعنى، فذكر أحياناً الأمة، وأحياناً الصحابة، ورجح بعضهم من خلال الاستقراء أن المراد بهذه النصوص كلها الأمة ولكن تشبث زائغو القلوب بكلمة الأصحاب والصحابة ليطعنوا بالصحابة رضوان الله عنهم، ونحن نعتقد أن الصحابة كلهم عدول، وعلى فرض أن المراد ببعض النصوص الصحابة فهؤلاء لا تتوافر فيهم شروط الصحبة في الاصطلاح؛ لأن من شرط ثبوت الصحبة أن يجتمع برسول الله ﷺ مؤمناً به ويموت على ذلك، ومن ارتد فمات كافراً لا يعتبر من الصحابة، ولكن الرسول ﵊ في الموقف يسميهم صحابة بالنسبة لمعرفته لذلك في الدنيا.
стр. 289
وإنما أوردنا هذه النصوص في بحث نواقض الشهادتين للإشعار بأن هناك ناساً يدخلون الإسلام ثم يرتكبون ناقضاً من نواقض الشهادتين.
وللبخاري (١): أن رسول الله ﷺ قال: "بينا أنا قائم على الحوض: إذا زُمرةً، حتى عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلمَّ فقلتُ: إلى أين؟ فقال: إلى النار والله. فقلتُ: ما شأنُهم؟ فقال: إنهم قد ارتدوا على أدبارهم القهقري. ثم إذا زُمرةٌ أخرى، حتى إذا عرفتُهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال لهم: هلم. قلتُ: إلى أين؟ قال: إلى النار والله. قلتُ: ما شأنُهم؟ قال: إنهم قد ارتدوا على أدبارهم. فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم".
ولمسلم (٢): أن رسول الله ﷺ قال: "تَردُ عليَّ أمتي الحوض، وأنا أذُودُ الناس عنه، كما يذود الرجلُ إبل الرجلِ عن إبله". قالوا: يا نبيَّ الله تعرفُنا؟ قال: "نعم، لكم سيما ليست لأحد غيركم، تردون غراً مُحجلين من آثار الوضوء وليصدن عني طائفةٌ منكم، فلا يصلون، فأقول: يا ربِّ، هؤلاء من أصحابي، فيجيبني ملكٌ، فيقول: وهل تدري ما أحدثوا بعدك؟ ".
وفي أخرى (٣) قال: "إن حوضي أبعدُ من أيلةَ من عدنٍ، لهو أشد بياضاً من الثلج، وأحلى من العسل باللبن، ولآنيته أكثر من عدد النجوم، وإني لأصدُ الناس [عنه] كما يصد الرجلُ إبلَ الناس عن حوضه". قالوا: يا رسول الله، أتعرفنا يومئذٍ؟ قال: نعم، لكم سيما ليست لأحدٍ من الأمم، تردُون عليَّ غُراً محجلين
стр. 290
من أثر الوضوء".
٣٨٤ - * روى البخاري ومسلم عن أبي قلابة أن ثابت بن الضحاك ﵁ أخبره أنه بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة، وأن رسول الله ﷺ قال: "من حلف على يمينٍ بملةٍ غير الإسلام كاذباً متعمداً، فهو كما قال، ومن قتل نفسه بشيء عُذِب به يوم القيامة، وليس على الرجل نذرٌ فيما لا يملك".
وزاد في رواية (١): "ولعنُ المؤمن كقتله، ومن رمى مؤمناً بكفرٍ فهو كقتله، ومن ذبح نفسهُ بشيء ذُبح به يوم القيامة".
وزاد في أخرى (٢): "ومن ادَّعى دعوى كاذبةً ليتكثر بها، لم يزده الله إلا قلة".
وفي رواية الترمذي (٣): أن النبي ﷺ قال: "ليس على المرء نذر فيما لا يملك، ولاعِنُ المؤمن كقاتله، ومن قذف مؤمناً بكفر فهو كقاتله، ومن قتل نفسه بشيء عذَّبه الله بما قتل [به] نفسهُ يوم القيامة".
٣٨٥ - * روى البزار عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قال الرجل لأخيه يا كافرُ فهو كقتله".
٣٨٦ - * روى البخاري عن أبي ذر الغفاري ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لا يرمي رجلٌ رجلاً بالفسوق أو بالكفر، إلا ارتدَّت عليه إن لم يكنْ
стр. 291
صاحبه كذلك".
٣٨٧ - * روى أحمد عن أبي ذر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لا يرمي رجل رجلاً بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلا ارتديت عليه إن لم يكن صاحبُه كذلك".
٣٨٨ - * روى البخاري عن ابن عباسٍ، قال: قال رسول الله ﷺ : "من بدَّل دينهُ فاقتلوهُ".
٣٨٩ - * روى أبو داود عن عبد الله بن بُريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال إني بريء من الإسلام فإن كان كاذباً فهو كما قال، وإن كان صادقاً لم يعد إليه الإسلامُ سالماً".
٣٩٠ - * روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : "من حمل علينا السلاح فليس منا".
وسيمر معنا في حد الردة في القسم الخامس نصوص تتعلق بالردة وأحكامها.
стр. 292
مسائل وفوائد
في نواقض الشهادتين وتعداد بعضها
١ - لقد كُتبتْ الكتب الكثيرة في المكفرات وفي موجبات الردة، وندر أن يوجد كتاب فقهي جامع إلا وفيه كلام طويل عن الردة وأحكامها وما يؤدي إلى الردة، وذكرنا في كتابنا: "الإسلام" حوالي عشرين ناقضاً من نواقض الشهادتين، وقد اشتطَّ ناسٌ في موضوع التكفير حتى تجاوزوا الحدود العلمية والفقهية في هذا الشأن، فاقتضى ذلك تنبيهاً؛ لأن المسارعة إلى التكفير ليست خلق أهل السنة والجماعة، فأهل السنة والجماعة لا يكفرون إلا بما يوجب التكفير قطعاً، فالهجوم على التكفير خطر، إلا فيما كان واضحاً وضوح الشمس لا يحتمل تأويلاً أو ما حكم فيه أهل الفتوى أنه ردة.
ولما كان الإيمان التصديق بجميع ما جاء به الرسول ﷺ بدليل قاطع، كان الكفر نقيض الإيمان، فالكفر إذن هو عدم التصديق ولو بشيء مما جاء عن النبي ﷺ ووصل إلينا بطريق يقيني.
قال الرازي في تفسيره: (الكفر عدم تصديق الرسول ﷺ بشيء مما علم بالضرورة مجيئه).
٢ - نواقض الشهادتين على أنواع، فمنها الاعتقادي ومنها الفعلي ومنها القولي.
فمن النواقض الاعتقادية مما يدخل في باب الألوهيات: إنكار الخالق ، وإنكار صفة من صفات الكمال، أو وصفه بما هو منزه عنه؛ كوصفه بأنه ثالث ثلاثة، أو أنه جسد، أو أنه غير محيط علماً بكل شيء، أو وصفه بأن له ولداً أو صاحبةً، وشريكاً أو معاوناً، أو وصفه بصفة من صفات النقص كالجهل والعجز والتعب، تعالى عن ذلك علواً كبيراً.
ومن النواقض الاعتقادية فيما يتصل بالنبؤات: إنكار الأنبياء الذين ورد الخبر القاطع بالإعلام بهم أو إنكار أحدهم، أو إنكار عموم رسالة محمد ﷺ وأنه خاتم النبيين.
стр. 293
ومما يدخل في النواقض الاعتقادية مما يتصل بالسمعيات: إنكار البعث والقيامة بالروح والجسد، أو اعتقاد أن النعيم والعذاب روحاني لا صلة للجسم بذلك، وأيضاً إنكار الملائكة والجن والكتب السماوية إجمالاً، أو إنكار القرآن ولو آية من آياته.
ومما يتصل بالنواقض الاعتقادية إنكار الأركان الخمسة من الصلاة والزكاة.
٣ - ومن صور نواقض الشهادتين جحود أمر معلوم من ديننا بالضرورة وهو ما يعرفه عوام المسلمين وخواصهم، وهو ما يثبت بالقرآن الكريم وكان قطعي الدلالة، أو بالسنة المتواترة القطعية الدلالة وليس فيه شبهة، وبإجماع جميع الصحابة المتواتر إجماعاً قطعياً قولياً غير سكوتي، وكذلك إذا استباح محرماً مجمعاً على تحريمه معلوماً من الدين بالضرورة.
يقول الإمام النووي: وكذلك الأمر في كل من أنكر شيئاً مما أجمعت الأمة عليه من أمور الدين إذا كان علمه منتشراً كالصلوات الخمس، وصوم شهر رمضان، والاغتسال من الجنابة، وتحريم الزنا والخمر، ونكاح ذوات المحارم ونحوها من الأحكام، إلا أن يكون حديث عهد بالإسلام ولا يعرف حدوده، فإنه إذا أنكر شيئاً منه جهلاً به لم يكفر .. فأما ما كان الإجماع فيه معلوماً من طريق علم الخاصة، كتحريم نكاح المرأة وعمتها وخالتها، وأن القاتل عمداً لا يرث، وأن للجدة السدس، وما أشبه ذلك من الأحكام فإن من أنكرها لا يكفر بل يعذر فيها لعدم استفاضة علمها في العامة.
٤ - ومن المكفرات القولية أن يقول ما لا يجوز مما يستحيل على الله ، كالوصف بالجهل وغير ذلك، أو الاستهزاء بشيء من أركان الإيمان أو الإسلام أو أن يقول إنه غير مقتنع بجدوى الزكاة أو يقول إنه غير مقتنع بأن الإسلام فيه السعادة للإنسان وأنه يكفي لإقامة الحياة، وكذلك الاعتراف بالعقائد الكافرة، وكذلك الاعتراض على عدل الله وقضائه وقدره واتهامه بالجور .
٥ - ومن المكفرات الفعلية: تعليق شعار الكفر على نفسه من غير اضطرار مع الاستحباب، أو تمزيق المصحف للإهانة أو رميه في القاذورات أو السجود لصنم.
стр. 294
٦ - ومما ينقض دعوى الشهادتين:
أ- التوكل والاعتماد على غير الله إذا أخذ طابع الاعتقاد: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١).
ب- عدم اعتراف الإنسان بأن كل نعمة هو فيها ظاهرة وباطنة حسية ومعنوية هي من فضل الله، وأن ما يصيبنا هو من الله وأنه المانع والمعطي.
ج- إعطاء غير الله حق الأمر والنهي المطلقين والتحليل والتحريم وحق التشريع المطلق: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ (٢)، ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ (٣).
د- ومما ينقضها: استحباب الحياة الدنيا على الآخرة وجعل الدنيا هدفه الوحيد إن كان ذلك عن كفر بالآخرة: ﴿وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ * الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ﴾ (٤).
هـ- ومما ينقض دعوى الشهادتين تحليل ما حرم الله أو استحلاله، وتحريم ما أحل الله مما لا خلاف بين أئمة الاجتهاد في حله: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ...﴾ (٥).
و- ومما ينقض دعوى الشهادتين موالاة الكفار وأهل النفاق وكراهية أهل الإيمان والتوحيد ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ....﴾ (٦).
٧ - ومن صور نقض الشهادتين الحكم بغير ما أنزل الله على تفصيلاتٍ للفقهاء في ذلك، قال ابن أبي العز الحنفي في شرحه للعقيدة الطحاوية: وذلك بحسب حال الحاكم فإنه إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب وأنه مخير فيه أو استهان به مع تيقنه أنه حكم الله
стр. 295
فهذا كفر أكبر وقال ابن كثير عند تفسير قوله تعالى ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ (١): ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال، بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكز خان الذي وضع لهم (الياسق)، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعاً متبعاً يقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، فمن فعل ذلك منهم، فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير أ. هـ.
وموضوع نواقض الشهادتين واسع لو أردنا أن نتوسع فيه لاقتضى ذلك منا مجلداً ضخماً، ولذلك نكتفي بهذه الإشارات، وطالب العلم عليه أن يتتبع هذا الشأن ويتوسع فيه ليستطيع تصحيح عبارات الناس وأفعالهم واعتقاداتهم، وما أقل من يمتلك الدقة العلمية في الاعتقادات والتصرفات والأقوال في عصرنا، حتى إنك لتجد خطباء ومحاضرين ومدرسين ودعاة يغلب عليهم الخطأ، وأحياناً يكون الخطأ اعتقادياً، نسأل الله الحفظ والسلامة، وكذلك لا بد من دراسة كتب العقائد كما استقر عليه التأليف عند أهل السنة والجماعة.
* * *
стр. 296
الفصل الثامن عشر
في:
الاعتصام بالكتاب والسنة
وفيه:
مقدمة ونصوص
стр. 297
المقدمة
الكتاب والسنة أصلاً الإسلام والإيمان، فهما ركن من أركان الإيمان، فمن كفر بالكتاب أو بالسنة فقد كفر بالإسلام كله، فعلى كل مسلم أن يؤمن بالكتاب والسنة وأن يعظمهما ويجلهما ويخدمهما، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (١) فإذا كان هذا شأن تعظيم الشعائر فكيف بكلام الله؟ فكيف بوحي الله؟
كما أنه يفترض على كل مسلم أن يعتقد وجوب التزام الكتاب والسنة، ومن لم ير ذلك فهو كافر، ولكن السنة منها المتواتر ومنها ما سوى ذلك، ومنها ما هو قطعي الثبوت وما هو ظني الثبوت، ومنها ما هو قطعي الدلالة ظني الثبوت، وظني الدلالة قطعي الثبوت، وظني الثبوت ظني الدلالة، والقرآن كله قطعي الثبوت، ولكن منه ما هو قطعي الدلالة، ومنه ما هو ظني الدلالة، فالحكم بالكفر إنما هو على من أنكر وجوب الالتزام بالكتاب أو السنة أصلاً، ومن أنكر ما هو قطعي الثبوت قطعي الدلالة، ثم بعد ذلك توجد تفصيلات ولذلك تقول: إن تفصيل مدلول الالتزام بالكتاب والسنة بالنسبة لكل نص على حدة منوط بتفسير أهل الحق من أئمة الاجتهاد وأئمة العقائد وأئمة التفسير والسنة، فهم الذين أعطوا هذا المعنى مضمونه التفصيلي، ومن تكلم في هذا الشأن من غيرهم أو مخالفاً لاجتهاداتهم فإنه يَسِف أو يَضِل أو يُخطئ على حسب نوع الكلام الذي يقوله وحكمهم عليه.
وقد توزعت أقوال الأئمة المرتبطة بموضوع الالتزام بالكتاب والسنة في كتب العقائد والفقه وأصول الفقه وأصول علم التفسير وأصول علم الحديث، والعالِم المحيط بهذه العلوم هو الذي يدرك تفصيلات المراد بالتزامٍ بالكتاب والسنة، فالالتزام بالكتاب والسنة يعني الالتزام بالإجماع والقياس والعرف الصالح والمصالح المرسلة والاستحسان والاستصحاب، وهناك قواعد تضبط الفهم وتضبط كيفية استنباط الحكم، وهناك قواعد للترجيح بين الأدلة، وهذا وغيره من كلام الأئمة كله تفصيل دقيق للمراد بالتزام الكتاب والسنة.
стр. 298
ولقد رفع الخوارج شعار "لا حكم إلا لله"، وهو شعار صحيح، ثم وصلوا منه إلى ضلال، وهناك ناس يرفعون شعار العودة إلى الكتاب والسنة، ولكن رافق دعوة غلاتهم من الخطأ ما يلغي التراث الفقهي والعلمي، ويشكك بالأمة والأئمة، فاقتضى ذلك التنبيه.
وقد حضت نصوص كثيرة في الكتاب والسنة على الالتزام بهما، فمن آيات القرآن في ذلك:
﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (١)، ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ (٢)، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣)، ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (٤)، ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ (٥)، ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٦)، ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ (٧). قال الحسن: تدبُّر آياته: اتباعه والعمل بعلمه. وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ (٨) يعملون به حق عمل به. ومن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ (٩)، قيل معناه: من يعرض عن ذكر القرآن وما فيه من الحكم إلى أقاويل المضلين وأباطيلهم نعاقبه بشيطان نقيضه له حتى يضله ويلازمه قريناً له وقوله ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ...﴾ (١٠). (شرح السنة).
فالإسلام في البداية والنهاية هو التسليم للكتاب والسنة، والكتاب والسنة فيهما بيان كل شيء مما يحتاجه المكلف، قال تعالى عن القرآن: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (١١)، ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (١٢). فالكتاب والسنة وما انبثق عنهما من فهومٍ
стр. 299
صحيحة، وما استنبط منهما بطريقٍ صحيحٍ كل ذلك إسلام، فالإسلام واسع لأنه ما من قضية من قضايا الحياة إلا ولله فيها حكم، فالإسلام هو الحياة بكل ما فيها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (١)، وكان ولا يزال رمز الدخول في الإسلام هو الشهادتين، وكان رسول الله ﷺ يدل الداخلين في الإسلام على معالم كبرى من هذا ليبدأوا عهدهم بالإسلام فيها، ثم لتكون هي البداية في السير على ضوء الكتاب والسنة، وقد غلط من فهم أن مثل هذه النصوص هي الدين كله، فَذِكْرَ الخاص وإرادةُ العام أو ذِكْرَ العام وإرادةُ الخاص، وذِكرُ الجزء وإرادةُ الكل وذِكرُ الكل وإرادةُ الجزء هي بعض أساليب الخطاب التي تعرفها العرب بفطرتها، والراسخون في العلم يضعون الأمور في مواضعها، وهذه بعض النصوص التي تحض على التزام الكتاب والسنة.
стр. 300
النصوص
٣٩١ - * روى البخاري عن ابن مسعودٍ قال: أحسن الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هديُ محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وإن ما توعدون لآتٍ وما أنتم بمعجزين.
٣٩٢ - * روى الترمذي عن المقدام بن معد يكرب رفعه: "ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عني وهو متكئ على أريكته فيقول: بيننا وبينكم كتابُ الله، فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه، وما وجدنا فيه حراماً حرمناه. وإن ما حرَّم رسول الله كما حرم الله".
ولأبي داود (١): "ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته".
٣٩٣ - * روى ابن ماجه عن أبي الدرداء رفعه: "وايمُ الله لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلُها ونهارها سواءٌ".
٣٩٤ - * روى مالك بن أنس ﵀ أنه بلغه، أن رسول الله ﷺ قال: "تركتُ فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله، وسنة رسوله".
стр. 301
٣٩٥ - * روى الترمذي عن زيد بن أرقم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إني تاركٌ فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظمُ من الآخر، وهو كتابُ الله، حبلٌ ممدودٌ من السماء إلى الأرض، وعِترتي أهل بيتي، لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فهيما؟ ".
٣٩٦ - * روى أبو داود عن عبد الرحمن بن عمرو السُّلمي وحُجر بن حُجر؛ أتينا العرباض بن سارية ﵁، وهو ممن نزل فيه ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ (٣) فسلمنا، وقُلنا: أتيناك زائرين، وعائدين، ومقتبسين، فقال العِرباض: صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يومٍ، ثم أقبل علينا بوجهه، فوعظنا موعظةً بليغةً، ذرفت منها العيون، ووجِلت منها القلوب، فقال رجل: يا رسول الله، كأن هذه موعظةٌ مودع، فماذا تعهدُ إلينا؟ قال: "أوصيكم بتقوى الله. والسمع والطاعة، وإن عبداً حبشياً، فإنه من يعش منكم فسيري اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعضُّوا عليها بالنواجذ،
стр. 302
وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعةً، وكل بدعةٍ ضلالة".
٣٩٧ - * روى البزار عن ابن مسعود قال: عليكم بهذا القرآن فإنه مأدبةُ الله فمن استطاع منكم أن يأخذ مأدبة الله فليفعل فإنما العلم بالتعلم.
٣٩٨ - * روى الطبراني عن معقل بن يسار رفعه: "اعلموا بالقرآن، وأحلوا حلاله وحرموا حرامه، واقتدوا به ولا تكفروا بشيء منه، وما تشابه عليكم فردوه إلى الله وإلى لي الأمر من بعدي كيما يُخبركم، وآمنوا بالتوارة والإنجيل والزبور وما أوتي النبيون من ربهم، وليشفيكم القرآن وما فيه من البيان فإنه شافع مُشفعٌ وما حِلٌ مصدق ولكل آية منه نور إلى يوم القيامة، أما إني أُعطيتُ سورة البقرة من الذكر، وأُعطيت هـ والطور من ألواح موسى، وأعطيتُ فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة من كنزٍ تحت العرش، وأُعطيتُ المفصل نافلةً".
وفي رواية (١): "فما اشتبه عليكم منه فاسألوا عنه أهل العلم يخبروكم".
٣٩٩ - * روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إنما مثلي ومثلُ ما بعثني الله به كمثل رجلٍ أتى قوماً، فقال: يا قوم إني رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العريان، فالنجاء، فأطاعه طائفةٌ من قومه، فأدلجوا، فانطلقوا على مهلهم، فنجوا، وكذبت طائفة منهم، فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش، فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني، فاتبع ما جئت به، ومثل من عصاني، وكذَّب بما جئتُ به من الحق".
стр. 303
٤٠٠ - * روى أحمد عن يحيى بن ميمون الحضرمي أن أبا موسى الغافقي سمع عقبة بن عامر الجهني يحدث على المنبر عن رسول الله ﷺ أحاديث، فقال أبو موسى: إن صاحبكم هذا لحافظٌ أو هالك إن رسول الله ﷺ كان آخر ما عهد إلينا أن قال: "عليكم بكتاب الله، وسترجعون إلى قوم يُحبون الحديث عني، فمن قال علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار ومن حفظ شيئاً فليحدِّث به".
٤٠١ - * روى البزار عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أحلَّ الله في كتابه فهو حلالٌ، وما حَرَّم فهو حرامٌ، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإ، الله لم يكن لينسى شيئاً". ثم تلا ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (٣).
٤٠٢ - * روى مالك عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله يرضى لكم ثلاثاً ويسخط لكم ثلاثاً، يرضى لكم: أن تعبدوه ولا تُشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً، وأن تُناصحوا من ولى الله أمركم. ويسخط لكم: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال".
٤٠٣ - * روى الطبراني عن أبي أيوب الأنصاري، قال خرج علينا رسول الله ﷺ وهو مرعوبٌ فقال: "أطيعوني ما كنت بين أظهركم وعليكم بكتاب الله أحلوا حلاله وحرموا حرامه".
стр. 304
٤٠٤ - * روى الطبراني عن ابن شريح الخزاعي قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: "أليس تشهدون أن لا إله إلا الله وأني رسول الله" قالوا: بلى. قال: "إن هذا القرآن طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فتمسكوا به فإنكم لن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبداً".
* * *
стр. 305
الفصل التاسع عشر
في
التمسك بالسنة
وفيه التحذير من البدعة وأهلها
стр. 306
النصوص
٤٠٥ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة، رفعته: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد".
٤٠٦ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعودٍ قال: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كُفيتم.
٤٠٧ - * روى الطبراني عن ابن عباس قال: ما أتى على الناس عامٌ إلا أحدثوا فيه بدعة وأماتوا فيه سُنةً، حتى تحيا البدع وتموت السنن.
٤٠٨ - * روى الطبراني في الأوسط عن أنس بن مالكٍ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله حجب التوبة عن كل صاحبِ بدعة".
أقول: أي إن صاحب البدعة لا تقبل توبته حتى يتوب من بدعته.
٤٠٩ - * روى أحمد عن ابن مسعودٍ قال: خط لنا رسول الله ﷺ يوماً خطاً، ثم قال: "هذا سبيلُ الله". ثم خط خطوطاً عن يمينه وعن شماله ثم قال: "هذه سُبُلٌ على كل سبيلٍ منها شيطان يدعو إليه". ثم تلا: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾.
стр. 307
٤١٠ - * روى أحمد عن مجاهدٍ قال: كنا مع ابن عمر في سفر فمر بمكان فحاد عنه فسئل: لم فعلت؟ قال: رأيت رسول الله ﷺ فَعل هذا ففعلته.
٤١١ - * روى البزار عن مجاهد أن ابن عمر ﵁ كان يأتي شجرة بين مكة والمدينة فَيَقيل تحتها، ويُخبرُ أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك.
٤١٢ - * روى أبو داود عن معاذٍ: إن وراءكم فتناً يكثرُ فيها المال، ويُفتح فيها القرآن حتى يأخذه المؤمنُ والمنافق، والرجلُ والمرأة، والعبدُ والحر، والصغير والكبير، فيوشك قائلٌ أن يقول: ما للناس لا يتبعوني وقد قرأتُ القرآن؟ وما هم بمتبعيَّ حتى أبتدع لهم غيره، فإياكم وما ابتدع، فإنما ابتدع ضلالةٌ، وأحذركم زَيغة الحكيم، فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق، قال: قلت لمعاذٍ: وما تدري رحمك الله أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة، وأن المنافق يقول كلمة الحق؟ قال: بلى: اجتنب من كلام الحكيم المشتهرات التي يقال: ما هذه؟ ولا يثنينك ذلك عنه، فإنه لعلهُ يراجع، وتلق الحق إذا سمعته، فإن على الحق نوراً.
٤١٣ - * روى أحمد عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين".
стр. 308
٤١٤ - * روى الطبراني في الصغير عن عمر بن الخطاب أن رسول الله ﷺ قال لعائشة: "يا عائشةُ ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ (٢) هم أصحابُ البدعِ وأصحابُ الأهواء ليس لهم توبة أنا منهم بريء وهم مني براء".
٤١٥ - * روى الدارمي عن الحسن وابن سيرين أنهما قالا: لا تجالسوا أصحاب الأهواء ولا تجادلوهم ولا تسمعوا منهم.
٤١٦ - * روى الدارمي عن عُمر بن عبد العزيز قال: سأله رجل عن شيء من الأهواء، فقال: عليك بدين الأعرابي والغلام في الكُتَّاب والهُ عما سوى ذلك. قال أبو محمد: كَثُر تنقله أي ينتقل من رأي إلى رأي.
٤١٧ - * روى الدارمي عن أبي صادق الأزدي عن ربيعة بن ناجذ قال: قال علي: كونوا في الناس كالنحلة في طيرانها ليس من الطير شيء إلا وهو يستضعفها ولو يعلم الطير ما في أجوافها من البركة لم يفعلوا ذلك بها. خالطوا الناس بألسنتكم وأجسادكم وزايلوهم بأعمالكم وقلوبكم فإن للمرء ما اكتسب وهو يوم القيامة مع من أحب.
* * *
стр. 309
الفصل العشرون
في:
البدعة
стр. 310
من بدهيات الإسلام التمسك بسنة رسول الله ﷺ ، كيف لا والله يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (١).
ومن بدهيات الإسلام الحذر من البدعة وكراهيتها، ولكن هذين الموضوعين يلبس بهما أهل الجهل على المسلمين فاقتضى ذلك تبيينهما.
فيما يدخل في التمسك بالسنة: الاقتداء برسول الله ﷺ بالكليات والجزئيات، وذلك يقتضي فهم سيرته ومعرفة سننه، ولكن درجات الإلزام في ذلك يحددها أئمة الاجتهاد والفتوى الصحيحة من أهلها، فهناك سنة عادة وسنة عبادة وسنة دائمة وتشريع مؤقت، وما دام المسلم على فتوى إمام مجتهد أو عالم معتمد فهو على إسلام وعلى سنة وعلى اقتداء برسول الله ﷺ في حده الأدنى أو حده الأعلى، وما دام المسلم على العقائد الإسلامية كما هي في صريح الكتاب والسنة وما دام على فهم الراسخين في العلم من الأئمة في المتشابهات فهو على سنة، وبالتالي لا يعتبر مبتدعاً من من كان في المحكمات على الكتاب والسنة وفي المتشابهات والمشتبهات على مذاهب الراسخين في العلم من أئمة أهل السنة والجماعة، ومن ضلل من تابع الأئمة في مثل هذين الأخيرين فقد ضل لأنه يريد أن يلقي بالأمة في أحضان الجاهلية وأن يتهم الأئمة وحاشاهم.
وأخطر أنواع البدع بدع الاعتقاد التي تخرج الإنسان عن كونه من الفرقة الناجية إلى أن يدخل في الفرق الثنتين والسبعين التي نص رسول الله ﷺ على استحقاقها النار، ويدخل في الابتداع ابتداع العمل، ولكن لا نحكم على إنسان في العقائد أنه مبتدع ما دام على فهم الراسخين في العلم للمتشابهات، قال تعالى ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ (٢) فالقراءة التي تقف على قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ تفيد إفادة صريحة كما ذكرناه، ولا نحكم على عمل أنه بدعة، أما إذا اختلفوا في بدعيته وتحريمه فالأمر واسع بالنسبة للعامي، وهو أضيق في
стр. 311
حق من يعرف مسالك الدليل، فمن ترجح لديه أن الدليل الأقوى يوصل إلى البدعية فعليه أن يجتنب، ولكنه لا يحق له أن يشتد في الإنكار على من يتابع أئمة الاجتهاد أو أئمة الفتوى في مثل هذه الحالة، فالسير على اجتهاد إمام من أئمة الاجتهاد، أو على فتوى إمام من الأئمة المعتبرين في الفتوى يخرج صاحبه من إثم الابتداع المحرم أو المكروه، إلا إذا كان من أهل العلم الذين يعرفون مسالك الأدلة فالأمر في حق مثل هؤلاء أشد، ولا يصح لواحد منهم أن يشتد على من خالفه ما دام على رأي إمام معتمد.
٤١٨ - * روى البخاري ومسلم عن أبي عبد الله النعمان بن بشير ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الحلال بيِّن، وإن الحرام بينٌ وبينهما أمورٌ مشتبهاتٌ لا يعلمهن كثيرٌ من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعِرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يُوشكُ أن يرتع فيه. ألا وإن لكلِّ ملكٍ حمى، ألا وإن حمى الله محارمُهُ. ألا وإن في الجسد مُضغةً إذا صلحت صلح الجسدُ كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله: ألا وهي القلب".
دل هذا الحديث على أن بعض مسائل الحرام والحلال مشتبهة لا يعلمها الكثير، وإذن فالقليل يعلمها وهم الأئمة المجتهدون المستشرفون لنصوص الكتاب والسنة والقادرون على
стр. 312
الاستنباط منهما، وعلى هذا فإذا كان أحد العلماء مظنة الاجتهاد وقال قولاً لا يخالف صريح كتاب أو سنة قطعية الثبوت قطعية الدلالة ليس لها معارض، فللمسلم أن يتابعه ولا حرج، ولا يكون بذلك مبتدعاً، فالمبتدع هو من سار في أمر العقائد على غير أقوال الراسخين في العلم، وفي الفروع على غير أقوال الأئمة المجتهدين، نفهم ذلك من هذا الحديث في قضايا الحلال والحرام، ومن قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ (١).
وقد قال الإمام أحمد (٢) عن عائشة ﵂، قالت: قرأ رسول الله ﷺ : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ إلى قوله: ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ فقال: "إذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهمن الذين عنى اللهُ فاحذروهم".
وفي البخاري (٣) ومسلم وأبي داود عن عائشة ﵂ قالت: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ قالت: قال رسول الله ﷺ : "فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمَّى الله فاحذورهم".
ويدخل في ذلك كل من اتبع المتشابه وترك المحكم.
ويدخل في ذلك فرق الضلال كلها، كما سنرى في مباحث لاحقة.
أما من تابع الراسخين في العلم من أهل السنة والجماعة الذين يحملون المتشابه على المحكم فحاشاهم من الابتداع.
стр. 313
وقد تشدد قوم في موضوع البدعة نتيجة لسوء الفهم، فحكموا على أشياء أجازها أئمة الاجتهاد أو بعضهم على أنها بدع ضالة وضللوا أهلها، وليس لهم ذلك وفهمهمن للحديث (١): "كلُ ما ليس عليه أمرنا فهو رد" فهو مغلوطٌ في هذه الحالة، فأمر رسول الله ﷺ هو ما وافق الكتاب والسنة، وما أحال عليه الكتاب والسنة من مسالك الاجتهاد كالقياس والإجماع والاستحسان -عند القائلين به- وتحكيم العرف حيث سكت النص- عند القائلين به- وكل ذلك داخل في أمر رسول الله ﷺ ، ولكن لا يحسن كل أحد أن يستنبط ما يوافق أمر رسول الله ﷺ إلا من وصل إلى رتبة الاجتهاد أو وصل إلى الإمامة في الفتوى، أمثال هؤلاء يستطيعون أن يميزوا بين ما وافق أمر رسول الله ﷺ وأصحابه من اعتقادات وأعمال وما لا يوافق، وبالتالي ففتوى هؤلاء أو أحدهم بالموافقة يُخرِج من أخذ بفتواه من أن يكون من أهل الابتداع، وهذا الذي قلناه تشهد له أعمال الصاحبة، فكثيراً ما حدث أن الصحابي كان يقول أو يفعل الفعل بناء على فهمه لشريعة الله، دون أن يكون هناك نص خاصٌ في عمله أو في قوله، وكان رسول الله ﷺ يعجبه ذلك إن وافق فعلاً أمره، وإلا صحح وسدد، وهذا الذي كان يفعله الصحابة فهماً من النصوص، وكان رسول الله ﷺ يقرّه ويعجبه هو الذي يجعلنا نقول: إن كثيراً من الاجتهادات التي حدثت بعده ﵊ قد توافق أمره وقد تخالفه، فمن الذي يحكم عليها؟ لا شك أن أئمة الاجتهاد وأئمة الفتوى المؤهلين للتمييز بين ما يوافق الأمر وما يخالفه، فإذا أجمعوا فذلك الذي لا يسع مسلماً أن يخالفه، وإذا افترقوا فالأمر واسع، وأحياناً يحدث فيما بينهم نقاش ثم يستقر عند الأمة على شيءٍ متفق عليه، فبعد الاتفاق واستقرار أمر الأمة على شيء فههنا كذاك لا ينبغي أن يخالف، ومن خالف كان مبتدعاً.
وقد تتبع بعضهم ما فعله الصحابة ابتداءٌ دون أمر خاص وأقرهم الرسول ﷺ عليه،
стр. 314
وذلك كله يشهد لما ذكرناه، فذكر من ذلك المسائل التالية:
٤١٩ - * الحديث الأول: ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن نبي الله ﵌ قال لبلالٍ عند صلاة الفجر: "يا بلالُ حدثني بأرجى عملٍ عملته في الإسلام فإني سمعت دَف نعليك في الجنة". قال: ما عملتُ عملاً أرجى عندي أني لم أتطهر طهوراً في ساعة من ليل أو نهار إلا صليتُ بذلك الطهور ما كُتب لي.
وفي حديث الترمذي (٢) قاله لبلال: "بم سبقتني إلى الجنة"؟ قال: ما أذنتُ قط إلا صليت ركعتين، وما أصابني حدث قط إلا توضأت ورأيت أن لله علي ركعتين. فقال النبي ﵌: "بها نِلت". أي تلك المنزلة.
قال الحافظ ابن حجرٍ في الفتح: يُستفاد منه جوازُ الاجتهاد في توقيتِ العبادة؛ لأن بلالاً توصل إلى ذكره بالاستنباط فصوبه الرسول ﵌ (٣) ومثلُ هذا حديثُ خبيب في البخاري وفيه: وهو أول من سن الصلاة لكلِّ مقتول صبراً ركعتين (٤). فهذه الأحاديث صريحةً في أن بلالاً وخبيباً اجتهدا في توقيت العبادة، ولم يسبق من الرسول ﵌ أمرٌ ولا فعلٌ إلا الطلبُ العام. وإن الصلاة خيرٌ موضوعٌ فأقلل منها أو استكثر كما في الحديث، فلو أن أحداً أراد إيقاعها في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها لكانت بدعة عند من يرى عمووم النهي، وغير بدعةٍ عند من يرى تخصيص النهي بالنفل المطلق، ومع أن الشافعية ﵏ يرون تخصيص النهي بغير المؤقت بذي السبب، فإنهم اختلفوا في سنة الوضوء فالإمام الغزالي يمنع فِعلها فيه، ويقول: يتوضأ
стр. 315
ليصلي وليس يصلي لأنه توضأ. فليست بذات سبب، ولكلٍّ نهجهُ وفهمهُ واستدراكه، رضوان الله عليهم أجمعين.
٤٢٠ - * الحديث الثاني ما رواه البخاري عن رفاعة بن رافع قال: كنا نصلي وراء النبي ﵌ فلما رفع رأسه من الركعة قال: "سمع الله لمن حمده". قال رجل وراءه ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. فلما انصرف قال: "من المتكلم؟ " قال: أنا. قال: رأيت بضعةً وثلاثين ملكاً يبتدرونها أيهم يكتبها".
قال الحافظ في الفتح: يُستدلُّ به على جواز إحداث ذكرٍ في الصلاة مأثور إذا كان غير مخالفٍ للمأثور، وعلى جواز رفع الصوت بالذكر ما لم يشوش.
ومثله ما رواه الصنعاني عبد الرزاق في المصنف (٢) عن ابن عمر قال إن رجلاً والناس في الصلاة فقال حين وصل إلى الصف: الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحان الله بكرةً وأصيلاً. فلما قضى النبي ﵌ صلاته قال: "من صاحبُ الكلمات؟ " قال الرجل: أنا يا رسول الله، والله ما أردتُ بهن إلا الخير. قال: "لقد رأيت أبواب السماء فتحت لهن". قال ابن عمر. فما تركتهن منذ سمعتُهن.
ورواه النسائي (٣) إلا أنه قال: "لقد ابتدرها اثنا عشر ملكاً". وفي رواية أخرى فيه (٤) قال: "عجبت لها". وذكر كلمةً معناها: "فتحت لها أبواب السماء". وفيه قال ابن عمر: ما تركته منذ سمعت رسول الله ﵌ يقوله.
стр. 316
فانظر- وفقنا الله وإياك إلى الحق- كيف أقر الرسول ﵌ زيادة ذكر لم يؤثر عنه في افتتاح الصلاة، وأقر فاعليها بأعلى درجات الإقرار والرضاء، وذلك لأن الموضعين من مواضع الثناء على الله في الصلاة.
والمقصود أن الرسول ﵌ أقر الصحابيين على إحداث أذكار في الصلاة لم تكن مأثورة عنه، وهذا موضع الاستدلال كما سبق، وأنه كان اجتهاداً واستنباطاً منهما.
٤٢١ - * الحديث الثالث ما رواه البخاري عن أنس ﵁ قال: كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قُباء كلما قرأ افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به ثم افتتح بقل هو الله أحد حتى يفرغ منها، ثم يقرأ سورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة، فكلمة أصحابهُ فقالوا: إنك تفتتحُ بهذه السورة ثم لا ترى أنها تُجزئُكَ حتى تقرأ بأخرى، فإما أن تقرأ بها، وإما أن تدعها وتقرأ بأخرى. فقال: ما أنا بتاركها، وإن أحببتم أن أؤمكم فعلت، وإن كرهتم تركتكم. وكانوا يرون أنه من أفضلهم، وكرهوا أن يؤمهم غيره، فلما أتاهم النبي ﵌ أخبروه فقال: "يا فلان ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك، وما يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة"؟ فقال: إني أحبها. فقال النبي ﵌: "حبك إياها أدخلك الجنة".
قال الحافظ في الفتح: (قوله: ما يمنعُك وما يحملك. سأله عن أمرين فأجابه بقوله: إني أحبها. وهو جواب عن السؤال الثاني مستلزمٌ للأول بانضمام شيء آخر إليه وهو إقامة السنة المعهودة في الصلاة. فالمانعُ مركب في المحبة والأمر المعهود والحاملُ له على الفعل المحبةُ وحدها، ويوحي إلى أن في فعله زيادةً على فعل النبي ﵌. فدل تبشيره بالجنة على الرضاء بفعله. قال ناصر الدين ابن المنير في هذا الحديث: "إن المقاصد تغيِّرُ أحكام الفعل لأن الرجل لو قال: إن الحامل له على إعادتها أنه لم يحفظ غيرها. مثلاً، لأمكن أن يأمره بحفظ غيرها لكنه اعتل بحبها فظهرت صحة قصده فصوبه".
стр. 317
قال: وفيه دليل على جواز تخصيص بعض القرآن بميل النفس إليه والاستكثار منه ولا يُعدُّ ذلك هجراناً لغيره، ومع هذا التقرير من الرسول ﵌، وتبشير الرسول ﵌ له بالجنة لم نجد من العلماء ولا من الصحابة قبلهم من يقول بأن فعله هذا سنة ثابتة، ذلك لأ، ما واظب عليه الرسول ﵌ هو الذي تنبغي المحافظة عليه، ولكنه يُعطينا الدليل على أن مثل هذا وإن كان في صورته مخالفةٌ لفعل الرسول ﷺ في الجملة فإن الأمر واسع لا كما يظن البعض ما دام الفعل في إطار المشروع والمطلوب، [ويدخل في عمومات الشريعة]).
٤٢٢ - الحديث الرابع روى البخاري عن عائشة ﵂ أن النبي ﵌ بعث رجلاً على سريةٍ، وكان يقرأ لأصحابه في صلاته فيختمُ بقل هو الله أحد فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﵌، فقال: "سلوه لأي شيء يصنع ذلك". فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقر بها فقال النبي ﵌: "أخبروه أن الله يحبه".
قال الحافظ في الفتح: قال ابن دقيق العيد: هذا يدل على أنه كان يقرأ بغيرها ثم يقرأها في كل ركعة وهذا هو الظاهر. ويحتمل أن يكون المراد أنه يختم بها آخر قراءته فيختص بالركعة الأخيرة أ. هـ (١). أي وكلا الأمرين لم يُعهد فعلُهُ من رسول الله ﵌ ومع ذلك أقره بأعلى درجات الإقرار وهو التبشيرُ بمحبةِ الله له.
ومع كل هذا فلم نعلم أن أحداً من العلماء قال باستحباب ذلك افتتاحاً كالحديث السابقن ولا اختتاماً كما هنا، لأن ما واظب عليه الرسول ﵌ هو الأفضل، ولكن إقراره لمثل هذا يُوضحُ سُنتهُ ﵌ في قبول ما كان مثل ذلك من أوجه الطاعات والعبادات، ولا يُعتبرُ مثلهُ حدثاً مذموماً كما يتسابق المتشددون إلى
стр. 318
التبديع والتضليل في أفعاله. هذا وظاهرٌ من سياق الحديثين (هذا والذي قبله) أنهما قضيتان، فحديث أنس الأول فيه أن الفاعل لتخصيص هذه السورة إمام قومه في مسجد قباء، وفي حديث عائشة كان أمير سريةٍ. وأن هذا كان يختتم بقل هو الله أحد، وذاك كان يفتتح بها. وهذا بشره الرسول ﵌ بحب الله له، وذاك بشره بالجنة. فالتعدد فيهما واضح لا يحتمل الجمع ولا التأويل. والأحاديث التي مرت كلها في الصلاة كما ترى، وهي أهم أعمال العبادات البدنية وفيها قول الرسول ﵌ (١): "صلوا كما رأيتموني أصلي". ومع ذلك قَبِلَ هذه الاجتهادات لأنها لا تخرجُ عن الهيئة التي حدَّدها الشارعُ. [ولأنها داخلة في العمومات التي ندب إلى أصلها الشارع]. فكلُّ حدٍّ لابد من الالتزام به، وما عدا ذلك فالأمر مُسعٌ ما دام داخلاً في الأصل المطلوب. هذه هي سنة الرسول ﷺ وطريقته. وهذا في غاية الوضوح. ويؤخذُ منها ما أصَّله العلماء أن كل عمل يشهدُ له الشرع من الطلب ولم يصادم نصاً ولا تترتب عليه مفسدةٌ فليس داخلاً في حدود البدعة، بل هو من السنة وإن كان غيره أفضل: فالعبادات فيها المفضول وفيها الفاضل، ولا يعاب ولا يُبدعُ من استروح شيئاً منها ما دام الأصلُ عبادةً. والآن نأتي على شيء من الاجتهادات التي أقرها الرسول ﵌ في غير الصلاة، لترى كيف أقرها الرسول ﵌.
٤٢٣ - الحديث الخامس: حديثُ الرُّقية. وقد رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رهطاً من أصحاب النبي ﵌ انطلقوا في سَفرة سافروها حتى نزلوا على حي من أحياء العرب فاستضافوهم، فأبوا أن يضيفهم، فلُدغَ سيدُ ذلك الحي فسعوا له بكل شيء، لا ينفعه شيءٌ. فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذي نزل بكم لعله أن يكون عند بعضهم شيءٌ فأتوهم فقالوا: يا أيها الرهط إن سيدنا لُدغ فسعينا له
стр. 319
بكل شيء فهل عند أحدٍ منكم شيءٌ؟ فقال بعضهم: نعم والله إني لراقٍ ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا فما أنا براقٍ لكم حتى تجعلوا لنا جُعلاً فصالحوهم على قطيع من الغنم، فانلق فجعل يتفُلُ ويقرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. حتى لكأنما نَشِطَ من عِقالٍ فانطلق يمشي ما به قَلبةٌ. فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه، فقال بعضهم: اقسموا. وقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي رسول الله ﵌ فَنَذكُر له الذي كان فننظر ما يأمرنا. فقدموا على رسول الله ﵌ فذكروا له فقال: "وما يُدريك أنها رُقيةٌ. أصبتم اقسموا واضربوا لي معكم بسهمٍ".
قال الحافظ في الفتح في كتاب الإجارة (١): قوله "وما يدريك" إلخ هي كلمة تقال عند التعجب من الشيء، وتستعملُ في تعظيم الشيء أيضاً، وهو لائق هنا. زاد شعبةُ في روايته: ولم يذكر نهياً. أي من النبي ﵌. وزاد سليمان بن قتة في روايته بعد قوله: "وما يدريك أنها رُقية"؟ قلت ألقي في روعي أهـ.
وهذا صريح في أن الصحابي لم يكن عنده علم متقدم بمشروعية الرُّقية بالفاتحة، ولكنه شيء فعله باجتهاده، ولما لم يكن فيه مخالفةٌ للمشروع أقره الرسول ﵌؛ لأن هذه سنته وطريقته في إقرار ما كان من الخير ولا تترتبُ عليه مفسدةٌ، وإن لم يكن من عمل الرسول ﵌ نصاً. وقول الرسول ﵌: "قد أصبتم اقسموا واضربوا لي معكم بسهم". كأنه أراد المبالغة في تأنيسهم كما قال الحافظ.
٤٢٤ - * الحديث السادس: وقد وقعت للصحابة قصة أخرى في رجل مُصاب في عقله فقرأ عليه بعضُهم فاتحةَ الكتابِ فبرأ.
روى أبو داود من طريق خارجة بن الصلت عن عمه: أنه مر بقوم وعندهم رجل مجنون
стр. 320
موثق في الحديد، فقالوا: إنك جئت من عند هذا بخير، فارق لنا هذا الرجل. فرقاه بها.
٤٢٥ - * الحديث السابع: روى أبو يعلى عن ابن مسعود ﵁ أنه قرأ على مبتلى في أذنه فأفاق، فقال له الرسول ﵌: "ما قرأت"؟ قال: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ إلى آخر السورة. فقال الرسول ﵌: "لو أن رجلًا موفقًا قرأ بها على جبل لزال".
وفي الحديث تقرير النبي ﵌ لابن مسعود في قراءته الآيات من آخر سورة المؤمنون على المبتلى، ولم يكن قد سمع ذلك من النبي ﵌ وإنما هو شيء استنبطه باجتهاده. ولما كان من الخير الذي لا يعارض المشروع أقره كصاحب الرقية عند البخاري، والتي عند أصحاب السنن، وهما قضيتان إحداهما لأبي سعيد الخدري، والثانية لعم خارجة بن الصلت، وهذه الثالثة لابن مسعود، وهناك رابعة عند ابن حبان لعلاقة بن صحار وهي الحديث الثامن.
٤٢٦ - * الحديث الثامن: روى ابن حبان عن علاقة بن صحار السليطي التميمي أنه أتى النبي ﵌، ثم أقبل راجعًا من عنده فمر على قوم عندهم رجل موثق بالحديد، فقال أهله: إنه قد حدثنا أن صاحبكم قد جاء بخير. فهل عندك شيء ترقيه؟ فرقيته بفاتحة الكتاب فبرأ فأعطوني مائة شاة فأتيت النبي ﵌ فقال: "خذها فلعمري لمن أكل برقية باطل فقد أكلته برقية حق".
٤٢٧ - * الحديث التاسع: روى البخاري عن أبي سعيد الخدري أن رجلًا سمع رجلًا يقرأ بقل هو الله أحد يرددها، فلما أصبح جاء إلى النبي ﵌ فذكر له