← Акыда

Акыда · id 18338

الأساس في السنة وفقهها - العقائد الإسلامية

سعيد حوى

Полный текст (1 514 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

فانظر- وفقنا الله وإياك إلى الحق- كيف أقر الرسول ﵌ زيادة ذكر لم يؤثر عنه في افتتاح الصلاة، وأقر فاعليها بأعلى درجات الإقرار والرضاء، وذلك لأن الموضعين من مواضع الثناء على الله في الصلاة. والمقصود أن الرسول ﵌ أقر الصحابيين على إحداث أذكار في الصلاة لم تكن مأثورة عنه، وهذا موضع الاستدلال كما سبق، وأنه كان اجتهاداً واستنباطاً منهما. ٤٢١ - * الحديث الثالث ما رواه البخاري عن أنس ﵁ قال: كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قُباء كلما قرأ افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به ثم افتتح بقل هو الله أحد حتى يفرغ منها، ثم يقرأ سورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة، فكلمة أصحابهُ فقالوا: إنك تفتتحُ بهذه السورة ثم لا ترى أنها تُجزئُكَ حتى تقرأ بأخرى، فإما أن تقرأ بها، وإما أن تدعها وتقرأ بأخرى. فقال: ما أنا بتاركها، وإن أحببتم أن أؤمكم فعلت، وإن كرهتم تركتكم. وكانوا يرون أنه من أفضلهم، وكرهوا أن يؤمهم غيره، فلما أتاهم النبي ﵌ أخبروه فقال: "يا فلان ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك، وما يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة"؟ فقال: إني أحبها. فقال النبي ﵌: "حبك إياها أدخلك الجنة". قال الحافظ في الفتح: (قوله: ما يمنعُك وما يحملك. سأله عن أمرين فأجابه بقوله: إني أحبها. وهو جواب عن السؤال الثاني مستلزمٌ للأول بانضمام شيء آخر إليه وهو إقامة السنة المعهودة في الصلاة. فالمانعُ مركب في المحبة والأمر المعهود والحاملُ له على الفعل المحبةُ وحدها، ويوحي إلى أن في فعله زيادةً على فعل النبي ﵌. فدل تبشيره بالجنة على الرضاء بفعله. قال ناصر الدين ابن المنير في هذا الحديث: "إن المقاصد تغيِّرُ أحكام الفعل لأن الرجل لو قال: إن الحامل له على إعادتها أنه لم يحفظ غيرها. مثلاً، لأمكن أن يأمره بحفظ غيرها لكنه اعتل بحبها فظهرت صحة قصده فصوبه".

стр. 317

قال: وفيه دليل على جواز تخصيص بعض القرآن بميل النفس إليه والاستكثار منه ولا يُعدُّ ذلك هجراناً لغيره، ومع هذا التقرير من الرسول ﵌، وتبشير الرسول ﵌ له بالجنة لم نجد من العلماء ولا من الصحابة قبلهم من يقول بأن فعله هذا سنة ثابتة، ذلك لأ، ما واظب عليه الرسول ﵌ هو الذي تنبغي المحافظة عليه، ولكنه يُعطينا الدليل على أن مثل هذا وإن كان في صورته مخالفةٌ لفعل الرسول ﷺ في الجملة فإن الأمر واسع لا كما يظن البعض ما دام الفعل في إطار المشروع والمطلوب، [ويدخل في عمومات الشريعة]). ٤٢٢ - الحديث الرابع روى البخاري عن عائشة ﵂ أن النبي ﵌ بعث رجلاً على سريةٍ، وكان يقرأ لأصحابه في صلاته فيختمُ بقل هو الله أحد فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﵌، فقال: "سلوه لأي شيء يصنع ذلك". فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقر بها فقال النبي ﵌: "أخبروه أن الله يحبه". قال الحافظ في الفتح: قال ابن دقيق العيد: هذا يدل على أنه كان يقرأ بغيرها ثم يقرأها في كل ركعة وهذا هو الظاهر. ويحتمل أن يكون المراد أنه يختم بها آخر قراءته فيختص بالركعة الأخيرة أ. هـ (١). أي وكلا الأمرين لم يُعهد فعلُهُ من رسول الله ﵌ ومع ذلك أقره بأعلى درجات الإقرار وهو التبشيرُ بمحبةِ الله له. ومع كل هذا فلم نعلم أن أحداً من العلماء قال باستحباب ذلك افتتاحاً كالحديث السابقن ولا اختتاماً كما هنا، لأن ما واظب عليه الرسول ﵌ هو الأفضل، ولكن إقراره لمثل هذا يُوضحُ سُنتهُ ﵌ في قبول ما كان مثل ذلك من أوجه الطاعات والعبادات، ولا يُعتبرُ مثلهُ حدثاً مذموماً كما يتسابق المتشددون إلى

стр. 318

التبديع والتضليل في أفعاله. هذا وظاهرٌ من سياق الحديثين (هذا والذي قبله) أنهما قضيتان، فحديث أنس الأول فيه أن الفاعل لتخصيص هذه السورة إمام قومه في مسجد قباء، وفي حديث عائشة كان أمير سريةٍ. وأن هذا كان يختتم بقل هو الله أحد، وذاك كان يفتتح بها. وهذا بشره الرسول ﵌ بحب الله له، وذاك بشره بالجنة. فالتعدد فيهما واضح لا يحتمل الجمع ولا التأويل. والأحاديث التي مرت كلها في الصلاة كما ترى، وهي أهم أعمال العبادات البدنية وفيها قول الرسول ﵌ (١): "صلوا كما رأيتموني أصلي". ومع ذلك قَبِلَ هذه الاجتهادات لأنها لا تخرجُ عن الهيئة التي حدَّدها الشارعُ. [ولأنها داخلة في العمومات التي ندب إلى أصلها الشارع]. فكلُّ حدٍّ لابد من الالتزام به، وما عدا ذلك فالأمر مُسعٌ ما دام داخلاً في الأصل المطلوب. هذه هي سنة الرسول ﷺ وطريقته. وهذا في غاية الوضوح. ويؤخذُ منها ما أصَّله العلماء أن كل عمل يشهدُ له الشرع من الطلب ولم يصادم نصاً ولا تترتب عليه مفسدةٌ فليس داخلاً في حدود البدعة، بل هو من السنة وإن كان غيره أفضل: فالعبادات فيها المفضول وفيها الفاضل، ولا يعاب ولا يُبدعُ من استروح شيئاً منها ما دام الأصلُ عبادةً. والآن نأتي على شيء من الاجتهادات التي أقرها الرسول ﵌ في غير الصلاة، لترى كيف أقرها الرسول ﵌. ٤٢٣ - الحديث الخامس: حديثُ الرُّقية. وقد رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رهطاً من أصحاب النبي ﵌ انطلقوا في سَفرة سافروها حتى نزلوا على حي من أحياء العرب فاستضافوهم، فأبوا أن يضيفهم، فلُدغَ سيدُ ذلك الحي فسعوا له بكل شيء، لا ينفعه شيءٌ. فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذي نزل بكم لعله أن يكون عند بعضهم شيءٌ فأتوهم فقالوا: يا أيها الرهط إن سيدنا لُدغ فسعينا له

стр. 319

بكل شيء فهل عند أحدٍ منكم شيءٌ؟ فقال بعضهم: نعم والله إني لراقٍ ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا فما أنا براقٍ لكم حتى تجعلوا لنا جُعلاً فصالحوهم على قطيع من الغنم، فانلق فجعل يتفُلُ ويقرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. حتى لكأنما نَشِطَ من عِقالٍ فانطلق يمشي ما به قَلبةٌ. فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه، فقال بعضهم: اقسموا. وقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي رسول الله ﵌ فَنَذكُر له الذي كان فننظر ما يأمرنا. فقدموا على رسول الله ﵌ فذكروا له فقال: "وما يُدريك أنها رُقيةٌ. أصبتم اقسموا واضربوا لي معكم بسهمٍ". قال الحافظ في الفتح في كتاب الإجارة (١): قوله "وما يدريك" إلخ هي كلمة تقال عند التعجب من الشيء، وتستعملُ في تعظيم الشيء أيضاً، وهو لائق هنا. زاد شعبةُ في روايته: ولم يذكر نهياً. أي من النبي ﵌. وزاد سليمان بن قتة في روايته بعد قوله: "وما يدريك أنها رُقية"؟ قلت ألقي في روعي أهـ. وهذا صريح في أن الصحابي لم يكن عنده علم متقدم بمشروعية الرُّقية بالفاتحة، ولكنه شيء فعله باجتهاده، ولما لم يكن فيه مخالفةٌ للمشروع أقره الرسول ﵌؛ لأن هذه سنته وطريقته في إقرار ما كان من الخير ولا تترتبُ عليه مفسدةٌ، وإن لم يكن من عمل الرسول ﵌ نصاً. وقول الرسول ﵌: "قد أصبتم اقسموا واضربوا لي معكم بسهم". كأنه أراد المبالغة في تأنيسهم كما قال الحافظ. ٤٢٤ - * الحديث السادس: وقد وقعت للصحابة قصة أخرى في رجل مُصاب في عقله فقرأ عليه بعضُهم فاتحةَ الكتابِ فبرأ. روى أبو داود من طريق خارجة بن الصلت عن عمه: أنه مر بقوم وعندهم رجل مجنون

стр. 320

موثق في الحديد، فقالوا: إنك جئت من عند هذا بخير، فارق لنا هذا الرجل. فرقاه بها. ٤٢٥ - * الحديث السابع: روى أبو يعلى عن ابن مسعود ﵁ أنه قرأ على مبتلى في أذنه فأفاق، فقال له الرسول ﵌: "ما قرأت"؟ قال: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ إلى آخر السورة. فقال الرسول ﵌: "لو أن رجلًا موفقًا قرأ بها على جبل لزال". وفي الحديث تقرير النبي ﵌ لابن مسعود في قراءته الآيات من آخر سورة المؤمنون على المبتلى، ولم يكن قد سمع ذلك من النبي ﵌ وإنما هو شيء استنبطه باجتهاده. ولما كان من الخير الذي لا يعارض المشروع أقره كصاحب الرقية عند البخاري، والتي عند أصحاب السنن، وهما قضيتان إحداهما لأبي سعيد الخدري، والثانية لعم خارجة بن الصلت، وهذه الثالثة لابن مسعود، وهناك رابعة عند ابن حبان لعلاقة بن صحار وهي الحديث الثامن. ٤٢٦ - * الحديث الثامن: روى ابن حبان عن علاقة بن صحار السليطي التميمي أنه أتى النبي ﵌، ثم أقبل راجعًا من عنده فمر على قوم عندهم رجل موثق بالحديد، فقال أهله: إنه قد حدثنا أن صاحبكم قد جاء بخير. فهل عندك شيء ترقيه؟ فرقيته بفاتحة الكتاب فبرأ فأعطوني مائة شاة فأتيت النبي ﵌ فقال: "خذها فلعمري لمن أكل برقية باطل فقد أكلته برقية حق". ٤٢٧ - * الحديث التاسع: روى البخاري عن أبي سعيد الخدري أن رجلًا سمع رجلًا يقرأ بقل هو الله أحد يرددها، فلما أصبح جاء إلى النبي ﵌ فذكر له

стр. 321

ذلك وكأن الرجل يتقالها، فقال ﵌: "والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن". قال الحافظ في الفتح: القارئ هو قتادة بن النعمان. أخرجه أحمد بن طريف بن الهيثم عن أبي سعيد، قال: بات قتادة بن النعمان يقرأ من الليل كله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ لا يزيد عليها. والذي سمعه لعله أخوه لأمه أبو سعيد، وكانا متجاورين، وبذلك جزم ابن عبد البر. وقد خرج الدارقطني من طريق إسحاق بن الطباع عن مالك في هذا الحديث بلفظ إن لي جارًا يقوم بالليل فمل يقرأ إلا بقل هو الله أحد. أهـ (١). وفي الحديث إقرار الرسول ﷺ له على هذا التخصيص والاقتصار على هذه السورة في قيام الليل، مع ما فيه من التخصيص الذي لم يكن من عمله ﵌. وفيه ما في سابقيه برقم ٣، ٤ من الدلالة على جواز تخصيص بعض القرآن بميل النفس إليه والاستكثار منه، ولا يعد ذلك هجرانا لغيره. ومع كل هذا فلم نجد من العلماء من قال بأفضلية قيام الليل بها وحدها، لأن ما كان عليه عمل الرسول ﷺ من القراءة بالقرآن كله أفضل من ذلك، ولكن عمله وما يشبهه داخل في نطاق السنة، وليس فيه ما يذم؛ بل هو محمود على كل حال. وفيه رد على المبدعين [بالباطل] كالأحاديث السابقة والتي ستأتي. ٤٢٨ - * الحديث العاشر: روى ابن حبان عن ابن بريدة عن أبيه قال دخلت مع رسول الله ﵌ المسجد فإذا رجل يصلي يدعو: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا

стр. 322

أحد. فقال النبي ﵌ "والذي نفسي بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب" أهـ وهذا دعاء أنشأه الصحابي فيما يظهر، ولما كان مطابقًا للمطلوب أقره ﵌ بأعلى درجات الإقرار والرضاء، ولم يعلم أن الرسول ﵌ علمه إياه، فنصوص الشريعة فيها العام المخصوص، والعام الذي أريد به الخصوص، وفيها الحقيقة والمجاز وما يجب أن يصار إليه عند التعارض، إلى غير ذلك من القواعد الأصولية حتى قالوا: (ما من عام إلا وخصص)، ولا يمنع وجود (كل) من التخصيص كما هو في آيات الكتاب الكريم. فدل هذا كله على أن إنشاء أمر ما يدخل ضمن عمومات الشرع، أو يعتبر تفريعًا لأصل من أصوله، أو يعتبر انبثاقًا عنه، أو استنباطًا من الكتاب والسنة لا يعتبر بدعة، ولكن يخشى أن يكون هذا الإنشاء غير مستند استنادًا صحيحًا إلى عام يدخل فيه هذا الخاص إلى هذا النوع ولا يعتبر انبثاقًا صحيحًا من الأصول أو أن هذا الاستنباط خاطئ ولذلك قلنا لابد من موافقة أهل الاجتهاد أو بعضهم لهذا الإنشاء حتى يخرج من البدعة السيئة ليدخل في السنة الحسنة. لقد غلط أناس كثيرون في أمر البدعة، وإذا صحت نية بعضهم فهم مأجورون ونخشى على بعضهم أن يدخلوا في دائرة الهالكين، ونخشى على بعضهم أن يدخلوا في دائرة الضالين. فهناك من هو على بدعة في الاعتقاد أجمع على بدعيتها الراسخون في العلم ولا يتردد في بدعيتها. وهناك من هو على بدعة في العمل أجمع على بدعيتها الراسخون في العلم ولا يتردد في بدعيتها. وهناك من يعتبر بعض القضايا بدعة ضالة، وهي مما أجمع على جوازه الراسخون في العلم. وهناك من يعتبر بعض القضايا بدعة ضالة، ويشتد على أهلها مع إجازة بعض أئمة الاجتهاد أو الفتوى لها، وكل ذلك غلط كبير إلا في الأخيرة فلا حرج في الإنكار ولكن

стр. 323

دون شدة وغلظة بل بالبيان الرفيق وذكر الدليل وذكر من أفتى بذلك من أئمة الفتوى. إن ما ذكرناه هو الأمر الجامع وهو الذي ينسجم مع النصوص ومع فعل الصحابة وإجماع أهل الفتوى المعتبرين: ألا ترى إلى إجماع الصحابة على جمع عمر الناس في صلاة التراويح على إمام واحد وجعلها عشرين، وقول عمر (نعمت البدعة هذه) وكل ذلك قد صح عن عمر وعن الصحابة (١). ألا ترى أن الذين يضللون عمر والصحابة بسبب ذلك قد دخلوا في دائرة الضلال، فعمر من الخلفاء الراشدين المهديين الذين أمرنا بالاقتداء بهم والاقتداء بهديهم، وأصحاب رسول الله ﷺ كلهم عدول وهم أعمق الناس فهمًا لكتاب الله، ولم تزل الأمة تفعل ما فعله دون نكير إلا من دخل في دائرة الغلو ولم يستطع الخروج منها. وهذه نقول عن العلماء توضح ما ذكرناه وتؤكده: قال الإمام الشافعي: البدعة بدعتان محمودة ومذمومة، فما وافق السنة فهو محمود وما خالفها فهو مذموم. ويشهد لهذا المعنى حديث جرير عند مسلم (٢) "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء" ومثل هذه الأحاديث أحاديث أخرى تدور حولها منها: حديث ابن مسعود عند مسلم (٣): "من دل على خير فله مثل أجر فاعله". وحديث أبي هريرة عند مسلم (٤): "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم ... ". إن ما يحدث يجب أن يعرض على قواعد الشريعة ونصوصها فما شهدت له الشريعة بالحسن فهو حسن مقبول وما شهدت له الشريعة بالمخالفة والقبح فهو المردود وهو البدعة

стр. 324

المذمومة. وقد يسمون الأول (بدعة حسنة) من حيث اللغة باعتباره محدثًا وإلا فهو في الواقع ليس ببدعة شرعية بل هو (سنة مستنبطة) ما دامت شواهد الشريعة تشهد لها بالقبول. وعلى هذه البدعة اللغوية يحمل قول سيدنا عمر ﵁ في صلاة التراويح (نعمت البدعة). إن ما شهد له شاهد من الشرع بالطلب خاصا أو عاما ليس من البدعة وإن لم يكن رسول الله ﵌ فعله بخصوصه أو أمر به أمرًا خاصًا. قال النووي: (١) في قوله ﵌ (٢): "وكل بدعة ضلالة" هذا عام مخصوص المراد به المحدثات التي ليس في الشريعة ما يشهد لها بالصحة فهي المرادة بالبدع. وقال الحافظ أبو بكر بن العربي في شرحه على سنن الترمذي: - (السابعة) (٣): "وإياكم ومحدثات الأمور" اعلموا علمكم الله أن المحدث على قسمين: محدث ليس له أصل إلا الشهوة والعمل بمقتضى الإرادة فهذا باطل قطعًا (أي) وهو البدعة الضلالة. ومحدث يحمل النظير على النظير فهذه سنة الخلفاء والأئمة الفضلاء. قال وليس المحدث والبدعة مذمومين .. [لمجرد النظر إليهما] (محدث وبدعة) ولا لمعناها فقد قال الله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ (٤) وقال عمر (٥) (نعمت البدعة) وإنما يذم من البدعة ما خالف السنة ويذم من المحدث ما دعا إلى ضلالة أ. هـ. وهكذا نجد الأئمة الذين جاءوا بعد الشافعي مثل سلطان العلماء العز بن عبد السلام من الشافعية والإمام النووي وابن الأثير من الشافعية وابن العربي والقرافي من المالكية

стр. 325

وغيرهم كثير آخرهم الحافظ ابن حجر العسقلاني كلهم أقروا تقسيم المحدث إلى محمود ومذموم وأنه قد تعتريه الأحكام الخمسة بحسب الأصل الذي يبنى عليه والشواهد التي تشهد له أو عليه أو لما يترتب عليه من المصالح أو المفاسد أو مصادمة الشرع أو موافقته. ومع كل هذا فإن لهم تقسيمًا آخر: البدعة المكفرة والبدعة المحرمة والبدعة المكروهة تحريمًا والبدعة المكروهة تنزيهًا. وهناك جمهور من العلماء قرروا هذا التقسيم منهم النووي وابن العربي وخاتمة الحفاظ ابن حجر. ... إن البدعة المضلة الواردة في الحديث الشريف هي المنافية لأمر الشرع والتي ليست هي مما طلبه الشرع بدليل خاص أو عام. وإن كل ما كان من الشرع وشهد له بالطلب دليل خاص أو عام فليس هو بالبدعة الشرعية المرادة في الحديث وإن سمي بدعة باعتباره اللغوي الشامل للحسن والقبيح. عن عبد الله بن مسعود (١) قال إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه فما رأى المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رأوا سيئًا فهو عند الله سيئ. ولابن تيمية كلمة جاءت في سياق كلام في كتابه: (جواب أهل العلم) تدل على أن ابن تيمية يرى أن كلام السلف من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين إذا قالوا قولًا فذلك يكون حجة يخرج أصحابه من الابتداع. قال ﵀: والمقصود أن هذين القولين لا يقدر أحد أن ينقل واحدا منها عن أحد من السلف أعني الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين المشهورين بالعلم والورع في الدين الذين لهم في الأمة لسان صدق لا في زمن أحمد بن حنبل

стр. 326

ولا زمن الشافعي ولا زمن أبي حنيفة ولا قبلهم. أ. هـ (١). وقد تحدث الإمام العز بن عبد السلام في مقدمة رده على ابن الصلاح بخصوص صلاة الرغائب- عن البدعة وأقسامها فقال: إن البدعة ثلاثة أضرب: ١ - ما كان مباحًا كالتوسع في المأكل والمشارب والملابس والمناكح فلا بأس بشيء من ذلك. ٢ - ما كان حسنًا، وهو كل مبتدع موافق لقواعد الشريعة غير مخالف لشيء منها كصلاة التراويح، وبناء الربط والخانات والمدارس، وغير ذلك من أنواع البر التي لم تعهد في الصدر الأول، فإنه موافق لما جاءت به الشريعة من اصطناع المعروف والمعاونة على البر والتقوى، وكذلك الاشتغال بالعربية فإنه مبتدع، ولكن لا يتأتى تدبر القرآن، وفهم معانيه إلا بمعرفة ذلك فكان ابتداعه موافقًا لما أمرنا به من تدبر آيات القرآن وفهم معانيه، وكذلك الأحاديث وتدوينها وتقسيمها إلى الحسن والصحيح والموضوع والضعيف، مبتدع حسن، لما فيه من حفظ كلام رسول الله ﷺ أن يدخله ما ليس فيه، أو يخرج منه ما هو فيه، وكذلك تأسيس قواعد الفقه وأصوله وكل ذلك مبتدع حسن، موافق لأصول الشرع غير مخالف لشيء منها. ٣ - ما كان مخالفًا للشرع، أو ملتزمًا لمخالفة الشرع. أهـ (٢). وقد كان الإمام حسن البنا ﵀ يحذر أتباعه من الانشغال بمحاربة البدع الإضافية لأن في محاربة البدع الحقيقية شغلًا ويريد بالبدع الحقيقية ما خالف الدين من المنكرات التي لا خلاف بين العلماء في واحد منها وضررها على الدين وما أكثرها وأخطرها بين المسلمين ومراده بالبدع الإضافية ما اندرج تحت أصل عام في الطلب ولكن صورته غير مأثورة كسائر المسائل المستنبطة، والمختلف فيها بين الفقهاء وهذا منه إدراك الخطورة البدع الحقيقية وخطورة السكوت عنها والانشغال بغيرها. أما الخلافات المذهبية فهي أمر ضروري

стр. 327

والإجماع على أمر فرعي متعذر. فعلينا أن نعتقد الحق فيما بلغنا ونلتمس العذر كل العذر لمن يخالفوننا في بعض الفرعيات ولا يكون حائلًا بين ترابط القلوب وتبادل الحب والتعاون على الخير (١). وإليك نقولًا عن أهل العلم تزيد ما قلناه تأكيدًا وتعطيك تصورًا أكمل عما يعتبرونه بدعة: البدعة في اللغة: كل شيء أحدث على غير مثال سابق كان محمودًا أو مذمومًا. والبدع: الأمر الذي يكون أولًا ومنه قوله تعالى ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ (٢) أي لست أول من جاء بالوحي ... أو ما كنت مبتدعًا فيما أقوله. ومن أسمائه تعالى البديع: لإبداعه الأشياء وإحداثه إياها فيكون بمعنى مبدع أو من بدع الخلق أي بدأه. وغالبًا ما تدور مادة بدع على الإحداث والاختراع. البدعة في الاصطلاح: اختلفت أنظار العلماء فيها فمنهم من توسع في تحديدها ومنهم من ضيقها: ١ - الإمام الشافعي- ﵀: يقسم البدعة إلى حسنة وسيئة، أو محمودة ومذمومة. وهي على هذا تشمل كل حادث بعد عصر الرسول ﷺ وعصر الخلفاء الراشدين: عن حرملة بن يحيى قال: سمعت الشافعي رحمه الله تعالى يقول: البدعة بدعتان: بدعة محمودة، وبدعة مذمومة .. فما وافق السنة فهو محمود، وما خالف السنة فهو مذموم (٣).

стр. 328

وقال الربيع: قال الشافعي رحمه الله تعالى: المحدثات من الأمور ضربان: أحدهما ما أحدث يخالف كتابا أو سنة أو إجماعًا أو أثرًا، فهذه البدعة الضلالة. والثاني: ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا، فهي محدثة غير مذمومة (١). وقد استند في كلا التعبيرين إلى قول عمر ﵁، في صلاة التراويح: نعمت البدعة هذه (٢). ٢ - وابن حزم ﵀ يقول: البدعة في الدين: كل ما لم يأت في القرآن، ولا عن رسول الله ﷺ ، إلا أن منها ما يؤجر عليه صاحبه ويعذر بما قصد إليه من الخير، ومنها ما يؤجر عليه صاحبه ويكون حسنًا، وهو ما كان أصله الإباحة، كما روي عن عمر ﵁: نعمت البدعة هذه (٣)، وهو ما كان فعل خير جاء النص بعموم استحبابه وإن لم يقرر عمله في النص. ومنها ما يكون مذمومًا ولا يعذر صاحبه، وهو ما قامت الحجة على فساده، فتمادى القائل به. ٣ - والإمام الغزالي ﵀ يقول في إحيائه عن الأكل على السفرة: وما يقال إنه أبدع بعد رسول الله ﷺ ، فليس كل ما أبدع منهيًا عنه بل المنهي- عنه- بدعة تضاد سنة ثابتة وترفع أمرًا من الشرع مع بقاء علته، بل الإبداع قد يجب في بعض الأحوال إذا تغيرت الأسباب (٤). ٤ - وابن الأثير ﵀، يقول: البدعة بدعتان: بدعة هدى وبدعة ضلال .. فما كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله ﷺ ، فهو في حيز الذم والإنكار، وما كان واقعًا تحت عموم ما ندب الله إليه وحض عليه أو

стр. 329

رسوله ﷺ فهو حيز المدح، وما لم يكن له مثال موجود كنوع من السخاء والجود وفعل المعروف فهو من الأفعال المحمودة، ولا يجوز أن يكون ذلك في خلاف ما ورد في الشرع به، لأن النبي ﷺ قد جعل له في ذلك ثوابا فقال "من سن سنة حسنة كان له أجره وأجر من عمل بها" (١) وقال في ضده "من سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها" (٢) .. وذلك إذا كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله ﷺ . ومثل البدعة الحسنة يقول عمر في صلاة التراويح: نعمت البدعة. ثم قال: وهي على الحقيقة سنة لقوله ﷺ (٣): "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين" وقوله (٤): "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر". وعلى هذا التأويل يحمل الحديث الآخر "كل محدثة بدعة" (٥) على ما خالف أصول الشريعة ولم يوافق السنة (٦). ٥ - وقال الشيخ عبد الحق الدهلوي في شرح المشكاة: اعلم أن كل ما ظهر بعد رسول الله ﷺ بدعة، وكل ما وافق أصول سنته وقواعدها أو قيس عليها فهو بدعة حسنة، وكل ما خالفها فهو بدعة سيئة وضلالة، وإلى هذا الاتجاه مال الشيخ عز الدين بن عبد السلام والنووي وأبو شامة (٧).

стр. 330

٦ - ابن رجب الحنبلي يقول: والمراد بالبدعة: ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، أما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعًا، وإن كان بدعة لغة ٧ - ويقول ابن حجر العسقلاني: والبدعة: أصلها ما أحدث على غير مثال سابق. وتطلق في الشرع في مقابل السنة فتكون مذمومة .. ويقول في موضع آخر: والمحدثات جمع محدثة- والمراد بها- أي في حديث "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (٢) ما أحدث وليس له أصل في الشرع- ويسمى في عرف الشرع بدعة، وما كان له أصل يدل عليه الشرع فليس ببدعة. ٨ - ويقول ابن حجر الهيثمي: وهي- أي البدعة- لغة: ما كان مخترعًا ... . وشرعًا: ما أحدث على خلاف أمر الشرع ودليله الخاص والعام (٣). ٩ - وقال الزركشي: البدعة في الشرع موضوعة للحادث المذموم (٤). ١٠ - وقال الشيخ محمد نجيب في رسالته عن البدعة: إن البدعة الشرعية هي التي تكون ضلالة ومذمومة، وأما البدعة التي قسمها العلماء إلى واجب وحرام ... إلخ فهي البدعة اللغوية، وهي أعم من الشرعية لأن الشرعية قسم منها.

стр. 331

١١ - وقال الدكتور دراز ما مضمونه: صارت كلمة البدعة في الاستعمال الشرعي إلى معنى أخص من معناها في الاستعمال اللغوي، فلا تتناول على حقيقتها الشرعية في الصدر الأول إلا ما هو باطل، وهو تلك الطرائق المخترعة التي ليس لها مستند من كتاب أو سنة أو ما استنبط منهما (١).

стр. 332

تقسيمات البدعة للبدعة تقسيمات متعددة باعتبارات متنوعة: أولًا: تقسيم البدعة إلى عادية وتعبدية: الأمر العادي شرعًا ما يجري بين الناس من التصرفات والمحاولات التي هي وسيلة لاستغلال الدنيا وتحقيق المصلحة فيها: كتنظيم أمور الزراعة والصناعة وشتى أنواع العلاقات الدنيوية بين الناس، وإن كانت النية الخالصة تحول مثل هذه الأمور إلى عبادات لها ثواب. الأمر التعبدي: ما وضع بالأصل للتقرب إلى الله تعالى بصرف النظر عما يعرض له من عوارض قد تخرج به عما وضع له بالأصل كالذكر والصلاة والحج. ولا خلاف بين العلماء أن الابتداع يدخل في الأمور التعبدية سواء أكانت من أمور الاعتقاد أو أعمال القلب أو أعمال الجوارح، واختلف في وقوع الابتداع في الأمور العادية. ثانيًا: تقسيم البدعة إلى حقيقية وإضافية: قسم الشاطبي البدعة إلى قسمين: حقيقية وإضافية. وعرف الحقيقية بأنها ما لم يدل عليها دليل شرعي لا من كتاب ولا من سنة ولا من إجماع ولا استدلال معتبر عند أهل العلم لا في الجملة ولا في التفصيل، وإن ادعى مبتدعها من تابعه أنها داخلة فيما استنبط من الأدلة، لأن ما استند إليه شبه واهية لا قيمة لها. فكأنها هي البدعة حقيقة وما عداها على المجاز ومن أمثلتها: تحريم الحلال أو تحليل الحرام استنادًا إلى شبه واهية وبدون عذر شرعي أو قصد صحيح واختراع عبادات وإنكار حجية السنة ... وعرف البدعة الإضافية بأنها ما لها شائبتان: إحداهما: لها من الأدلة متعلق فلا تكون من تلك الجهة بدعة.

стр. 333

والأخرى: ليس لها متعلق إلا مثل ما للبدعة الحقيقية، أي أنها بالنسبة لإحدى الجهتين سنة لاستنادها إلى دليل، وبالنسبة للجهة الأخرى بدعة، لأنها مستندة إلى شبهة لا إلى دليل، أو لأنها غير مستندة إلى شيء. وسميت إضافية لأنها لم تتخلص لأحد الطرفين "المخالفة الصريحة" أو "الموافقة الصريحة". وقسم الشاطبي- البدعة الإضافية- إلى قسمين: أحدهما: ما يقرب من الحقيقية حتى تكاد البدعة تعد بدعة حقيقية. والآخر: ما يبعد منها حتى يكاد يعد سنة محضة (١). ثالثًا: تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة: للبدعة كما قدمنا مفهومان: لغوي وشرعي. أما على مفهومها اللغوي فتشمل كل حادث محمودًا كان أو مذمومًا، حدث قبل عصر النبوة الكريم أو بعدها .. وأما على مفهومها الشرعي فقد اختلف العلماء كما قدمنا: فعلى رأي الشافعي ومن وافقه، تشمل البدعة كل ما حدث بعد عصر الرسول ﷺ حسنًا كان أو سيئًا .. وقيدها بعضهم بما حدث بعد الرسول ﷺ وخالف سنته. وقيدها الشاطبي بقصد مضاهاة الشارع فضلًا عن كونها محدثة بل ومخالفة للشارع. وبالنظر إلى هذه المفاهيم والآراء نتبين أن تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة إنما يتمشى مع المعنى اللغوي للفظ البدعة، ومع ما رآه الشافعي ومن وافقه في معنى البدعة في نظر الشرع.

стр. 334

وعلى أساس هذا المعنى اللغوي تنقسم البدعة إلى خمسة أقسام: (١) واجبة: وهي ما تناولتها قواعد الوجوب وأدلته من الشريعة، وتشمل كل ما يرجع لحفظ الدين أو بيان أحكامه ونحو ذلك، ومن أمثلتها: جمع المصحف وقصر الناس عليه، ومواجهة كل محاولات أعداء الدين لتحريف القرآن والقضاء عليها أولًا بأول. (٢) محرمة: وهي ما تناولتها قواعد التحريم وأدلته من الشريعة، وأمثلتها كثيرة، وهي البدعة الحقيقية التي اتفق العلماء على أنها مرادة بأدلة التنفير من البدع، ومن أمثلتها: - المذاهب والأهواء الفاسدة المخالفة للقرآن والسنة كمذهب الخوارج، وبعض آراء المعتزلة، والقول بالتجسيم والتشبيه، ونحو ذلك. (٣) مندوبة: وهي ما تناولتها قواعد الندب وأدلته من الشريعة، ومن أمثلتها: أ- صلاة التراويح جماعة بالمسجد في رمضان. ب- كل إحسان لم يعهد في العصر الأول وليس مخالفًا للمشروع كتخطيط الطرق، وتيسير الحياة ببناء المباني المتينة الواسعة ومدها بالمياه والكهرباء وغيره من مرافق الحياة. جـ- تنظيم التعليم الديني، واستخدام الوسائل الملائمة لاختيار الأصلح، كنظام الامتحانات وغير ذلك. (٤) مكروهة: وهي ما تناولتها قواعد الكراهة وأدلتها من الشريعة، ومن أمثلتها: الزيادة في المندوبات المحددة شرعًا: كزيادة التسبيح والتحميد والتكبير عقب الصلاة عن ثلاث وثلاثين لكل واحدة بدون قصد الاستظهار على الشارع والرغبة عن السنة، لأن في ذلك خروجًا عما حدده الرسول ﷺ ، ولو بقصد حسن وهو أمر مكروه، لأن شأن العظماء إذا حددوا شيئًا أن يتوقف عنده ولا ينبغي تجاوزه.

стр. 335

(٥) البدعة المباحة: وهي ما تناولتها قواعد الإباحة وأدلتها من الشريعة، ومن أمثلتها: - التوسع في الطيبات بما لا يخرج بها إلى حدود المكروه أو الحرام، كأكل ما تستلذه النفس وتستطيبه من المطاعم، واستعمال ما يروق لها من الملابس والمساكن ونحو ذلك. والقاعدة في ذلك كما قال القرافي: أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة وأدلتها، فأي شيء تناولها من القواعد ألحقت به من إيجاب أو تحريم أو غيرهما (١). رابعًا: تقسيم البدعة إلى فعلية وتركية: والبدعة كما تشمل الفعل المخالف للسنة تشمل الترك المخالف للسنة كذلك؛ فإذا ما عزم المسلم على ترك مباح من الطيبات لغير سبب مقبول كمرض يزيد بتناوله أو ضرر ينتج عنه، أو شبهة عرضت له في اكتسابه، فإن كان تركه لذلك على غير وجه التحريم بحيث لو رغب فيه لتناوله فلا شيء فيه لأن المباح يستوي فيه الفعل والترك. وإن حرمه على نفسه، أو نذر ترك تناوله مطلقًا أو لمدة محدودة، فهو مبتدع بهذا التحريم، وبهذا النذر، وهو داخل فيمن رغب عن السنة، كما قال الرسول ﷺ لمن هم أن يصوم فلا يفطر، ومن هم أن يقوم فلا يفتر، ومن هم أن يمتنع عن النساء: "فمن رغب عن سنتي فليس مني" (٢). وموقفه في ذلك التحريم، أو نذر الترك، هو موقف أبي إسرائيل، الذي أمره الرسول ﷺ بترك ما هو عليه من معصية بنذره ترك المباح، ووفائه بهذا النذر، والبقاء على ما هو عليه من طاعة بالصوم وفاء للنذر. ومن أظهر مظاهر البدع التركية في عصرنا هذا ترك العمل بأحكام الدين والحكم تبعا لنصوصه، وترك المسلمين لستر العورة، وتركهم إخراج الزكاة وترك الحكام جبايتها وتعيين العاملين عليها.

стр. 336

هذا فضلًا عن تركهم لكثير من السنن واستبدالهم بها غيرها من البدع. أما عن البدعة الفعلية فهي كثيرة، ومنها اختراع أحاديث مكذوبة على رسول الله ﷺ ، والزيادة في شرع الله ما ليس منه، كمن يزيد في الصلاة ركعة، أو يزيد في وقت الصيام المحدد من اليوم، أو يصلي في أوقات النهي عن الصلاة، أو يصوم في أوقات النهي عن الصيام، أو يدخل في الدين ما ليس منه من الآراء أو الأفعال. خامسًا- تقسيم البدعة إلى اعتقادية وقولية وعملية: تنقسم البدعة إلى بدعة في الاعتقاد: إذا كانت اعتقادًا للشيء على خلاف ما جاء به الرسول ﷺ كبدعة المجسمة والخوارج ونحوها. وإلى بدعة في القول: إذا كانت تغييرًا لما ورد عن الرسول ﷺ من الأقوال، أو كانت قولا مخالفًا للسنة، كقول المبتدعة في أكثر الفرق المشهورة، مما هو ظاهر الفساد والقبح. وإلى بدعة في العمل: العمل الظاهر كصلاة تخالف ما ورد عن الرسول ﷺ ونحو ذلك، أو العمل الباطن: كمعاملة المؤمنين بالنفاق أو بما ينافي أخوة الإيمان من الحب والإخلاص ونحو ذلك. ومما تجدر الإشارة إليه أن بدعة الاعتقاد هي أخطر أنواع البدع، وغالب إطلاقات الشرع في ذم البدعة منصب عليها، وهي المتبادرة في السبق إلى الذهن من إطلاق اسم البدعة شرعًا، والمبتدع، وأهل الأهواء. سادسًا: تقسيم البدعة إلى كلية وجزئية: تتفاوت البدع فيما بينها من ناحية آثارها، ومن ناحية الخلل الواقع بسببها في الشريعة. إذا كانت البدعة لا يقتصر أثرها على المبتدع بل يتعداه إلى غيره، كانت كلية لسريانها في كثير من الأمور أو بين الكثيرين من الأفراد، كبدعة التحسين والتقبيح بالعقل بدلًا من الشرع وبدعة إنكار حجية خبر الآحاد أو إنكار وجوب العمل بما يقتضيه، ونحو ذلك.

стр. 337

أما إذا كانت البدعة قاصرة على المبتدع لا تتعداه إلى غيره فهي بدعة جزئية كرجل التزم مخالفة للسنة على أنها من الأمور الحسنة في نظر الشرع، ولا يمتد أثر هذه المخالفة لغيره لكونه لا يؤبه له، وليس ممن يقتدى بهم فيما يرون من آراء أو يؤدون من أعمال. سابعًا: تقسيم البدعة إلى بسيطة ومركبة: وتكون البدعة بسيطة إذا كانت مجرد مخالفة بسيطة لا تستتبع مخالفات أخرى. وتكون مركبة إذا اشتملت على عدة بدع تداخلت وصارت كأنها وحدة واحدة. ونحن إذ توسعنا في بحث البدعة (١) لإخماد حدة بعض المتنطعين فإننا ندعو دائمًا إلى التحقيق على ضوء الكتاب والسنة وسيرة رسول الله ﷺ وأصحابه. ونختم الفصل- تأكيدًا لما ذكرناه ههنا- بهذه النصوص: كان ابن عباس إذا سئل عن الأمر وكان في القرآن، أخبر به، فإن لم يكن وكان عن رسول الله ﷺ ، أخبر به، فإن لم يكن فعن أبي بكر وعمر، فإن لم يكن قال فيه برأيه (٢). وقال أبي بن كعب: إن اقتصادًا في سبيل وسنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنة. ومثله عن ابن مسعود. وقال ابن عون: ثلاث أحب لنفسي ولإخواني: هذه السنة أن يتعلموها، ويسألوا عنها، والقرآن أن يتفهموه، ويسألوا عنه، ويدعوا الناس إلا من خير. وقال الأوزاعي: خمس كان عليه أصحاب النبي ﷺ : لزوم الجماعة، واتباع السنة، وعمارة المسجد، وتلاوة القرآن، وجهاد في سبيل الله. ...

стр. 338

الفصل الحادي والعشرون في: افتراق هذه الأمة افتراق اليهود والنصارى وزيادة في: وجوب الكينونة مع الفرقة الناجية وهم أهل السنة والجماعة واعتزال فرق الضلال وفيه: نصوص ووصول

стр. 339

النصوص ٤٢٩ - * روى أبو داود عن معاوية بن أبي سفيان ﵁ قال: قام فينا رسول الله ﷺ فقال: "ألا إن من كان قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملةً، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة". زاد في رواية: "وإنه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم الأهواء، كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله". ٤٣٠ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، أو اثنتين وسبعين، والنصارى مثل ذلك، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة". وفي رواية أبي داود (٣) قال: "وتفرقت النصارى على إحدى وسبعين، أو اثنتين وسبعين فرقة" .. وذكر الحديث. ٤٣١ - * روى الطبراني في الأوسط والكبير عن أبي أمامة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تفرقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على

стр. 340

اثنتين وسبعين فرقة، وأمتي تزيد عليهم فرقة كلهم في النار إلا السواد الأعظم". أقول: بناءً على هذه النصوص فسنعقد الوصول التالية: الوصل الأول: في أشهر فرق اليهود. الوصل الثاني: في أشهر فرق النصارى. الوصل الثالث: في افتراق الأمة الإسلامية. * * *

стр. 341

الوصل الأول في: أشهر فرق اليهود

стр. 342

أشهر فرق اليهود باتفاق المؤرخين ويشهد لذلك كتب اليهود أنفسهم أن التوراة قد ضاعت ثم كتبت أسفار موسى الخمسة بعد الأسر البابلي، ولذلك نجد الآن عند يهود السامرة ما يسمونه توراة تختلف عن أسفار موسى الخمسة التي يعتبرها يهود اليوم والنصارى توراتهم، وتذكر أسفار العهد القديم أنه من قبل ضاع سفر التثنية أهم الأسفار، بل هو مظنة أن يكون بعضه هو التوراة المنزلة على موسى، وعثر عليه بعد مئات السنين، وتذكر أسفار العهد القديم كثرة وجود الأنبياء الكذبة وتذكر تسلل عبادات البلدان المجاورة إلى الشعب اليهودي، وهذا يستتبع كثرة الفرق، ثم كان التشتت العالمي لليهود وتأثرهم في البيئات التي عاشوا فيها، وقد أثر هذا على كثرة فرقهم، ويظهر ذلك في عصرنا إذ نجد كثيرًا من الجاليات اليهودية المهاجرة إلى فلسطين تختلف مع الأخرى نوع اختلاف، وكنموذج على تأثر اليهود بالشعوب وجود فرقة "الدونمة" في البلاد العثمانية وفرقة "الفلاشا" في الحبشة، والعرض التاريخي للفرق اليهودية والفوارق فيما بينها ليس من غرض هذا الكتاب، لأن الروايات في هذه الشؤون تحتاج إلى تمحيص وتحقيق، إن كتب العهد الجديد تذكر مثلًا كيف أن اليهود الذين واجهوا عيسى ﵇ كانوا منقسمين إلى "صدوقيين" و "فريسيين"، والمدققون في أسفار العهد القديم يذكرون أنها كتبت على مراحل وبأقلام مختلفة، ومن خلال الروايات الشفهية، وكل ذلك يستتبع خلافات وتمزقات، ويذكر مالك بن نبي في كتابه (الظاهرة القرآنية) عن بعض المؤرخين أنه لا يوجد سوى سفر "أرميا" يمكن أن يقبل اعتماده، وأرميا نفسه يلعن أقلام النساخ الكذبة. ومن الأسباب التي أدت إلى كثرة فرق اليهود الموقف من التلمود ومحله بالنسبة للتوراة، فبعضهم يعتبره أفضل، وبعضهم يعتبره دون التوراة، وهكذا نجد عوامل كثيرة أثرت في تفرق اليهود، وهذه نقول من كتاب الدكتور شلبي عن اليهودية تعرض لبعض الفرق أو تذكر بعض أسباب التفرق: يقول: وبسبب كثرة الكتاب الذين اشتركوا في تدوين العهد القديم، كثرت الأخطاء فيه، ويمكننا أن نعطي منها بعض نماذج:

стр. 343

- لم يكن مدلول دقيق في أسفار العهد القديم، فقد ورد في سفر الخروج أن إقامة بني إسرائيل في مصر كانت ٤٣٠ سنة، وهي في الحقيقة ٢١٥ سنة، وقد اعترف مفسرو العهد القديم بوقوع الخطأ في هذا الرقم، وعدد الرجال الذين بلغوا سن العشرين قبيل خروج موسى من مصر كما ورد في سفر العدد لا يمكن عقلا أن يكون صحيحا، فقد كان عدد بني إسرائيل عند دخولهم مصر سبعين، ومحال أن يصيروا في مدى قرنين آلافًا كثيرة أو ملايين. وهكذا. - ورد في أسفار التوراة ما يقرر أن الأبناء يؤخذون بذنب الآباء حتى الجيل الثالث والرابع، وهاك نص العبارة: "مفتقد إثم الآباء في الأبناء وفي أبناء الأبناء حتى الجيل الثالث والرابع". وفي سفر حزقيال ما يعارض هذا الاتجاه، فقد جاء به: "النفس التي تخطئ هي تموت، الابن لا يحمل من إثم الأب، والأب لا يحمل من إثم الابن، بر البار عليه يكون، وشر الشرير عليه يكون" وهذا تناقض واضح. - تختلف الأحكام اختلافًا واضحًا وصريحًا من سفر إلى آخر، ويبدو ذلك بمقارنة الإصحاح الثامن والعشرين والتاسع والعشرين من سفر العدد، بالإصحاح الخامس والأربعين والسادس والأربعين من سفر حزقيال. - في سفر أخبار الأيام الثاني وردت الفقرة التالية " ... لأن الرب ذلل يهوذا بسبب آحاذ ملك إسرائيل"، ولفظ إسرائيل غلط يقينًا لأن آحاذ كان ملكًا ليهوذا لا لإسرائيل، ومثل هذا الخطأ وقع في الإصحاح الأخير من هذا السفر، فقد ورد به أن نبوخذ نصر عزل يهوياكين وملك بدله صدقيا أخاه، والحقيقة أن صدقيا كان عم يهوياكين لا أخاه، ولذلك صحح مترجمو العهد القديم هاتين الكلمتين لتتفق الفكرتان مع الحق والتاريخ. - تنص الفقرات السابقة على أن نبوخذ نصر أسر يهوياكين إلى بابل، ولكن الحقيقة التاريخية أن قتله في أورشليم، وأمر أن تلقى جثته خارج السور ومنع من دفنها كما ذكر المؤلف اليهودي "يوسيفس". - وقع في الفقرة الثامنة والعشرين من الزبور الخامس بعد المائة في النسخة العبرانية

стр. 344

العبارة التالية "لم يعصوا كلامه". وفي النسخة اليونانية جاءت هذه العبارة هكذا: "قد عصوا كلامه". وأحدهما خطأ يقينًا وقد اعترف بذلك مفسرو العهد القديم من الغربيين. هذه نماذج قليلة مما في العهد القديم من ... [تناقض] لم نقصد بها الحصر وإنما قصدنا مجرد التمثيل. فإن العلماء مجمعون على أن أقدم ما كتب من أسفار التوراة هو سفر التكوين، وقد كتب بعضه في يهوذا وبعضه في إسرائيل ثم تم التوافق بين ما كتب هنا وهناك بعد سقوط دولتي اليهود، والرأي الغالب أن سفر التثنية من كتابة عزرا، ويبدو أن أسفار التوراة الخمسة قد اتخذت صورتها الحاضرة حوالي عام ٣٠٠ ق. م ... يقرر Wells أن أسفار العهد القديم جمعت لأول مرة في بابل وظهرت في القرن الخامس قبل الميلاد ... ذلك موجز القول عن ظروف تدوين الأسفار، أما كتابها فكثيرون، ويبرز من بين الكتاب اسم الكاهن عزرا، مرتبطًا بتدوين التوراة، ويذكر Hosmer أن عزرا هو الذي- في منتصف القرن الخامس قبل الميلاد- قاد جماعة من اليهود إلى فلسطين، حيث استعاد بها الحياة اليهودية، وهو الذي أبرز أجزاء كثيرة مما سمي فيما بعد بالعهد القديم، وقد أكمل الكهنة الذين جاءوا بعد عزرا ما بدأه هذا الكاهن، وفي عهد المكابين كانت أجزاء العهد القديم قد وجدت تقريبًا، ولكنها لم تكن وضعت في نظامها المعروف الآن ... تكثر الفرق في اليهودية كثرة بالغة، وتختلف هذه الفرق في مبادئها وأسس حياتها ونظرتها إلى الكون، وإلى ما وراء الكون، وسنتكلم هنا عن أهم الفرق في اليهودية، شارحين أبرز نقاط الاتفاق والاختلاف بينهما: (الفريسيون): أعلن الفريسيون أن للخامات سلطة عليا، وأنهم معصومون، وأن أقوالهم صادرة عن الله، وأن مخافتهم هي مخافة الله، ومن قولهم في ذلك: "ويلزم المؤمن أن يعتبر أقوال

стр. 345

الحاخامات كالشريعة لأن أقوالهم هي قول الله الحي، فإذا قال الحاخام إن يدك اليمنى هي اليسرى وبالعكس، فصدق قوله ولا تجادله ... " وتبعًا لذلك ليس هناك اجتهاد عند الفريسيين، وما الحاجة للاجتهاد إذا كان الحاخام مقدسًا ومعصومًا؟ وعنده لكل سؤال جواب ... ويقول القس "بوكس": لقد أسس الفريسيون نظام الفردية في الدين، ووضعوا طقوسًا روحية بحتة، وتعمقوا في الاعتقاد في الآخرة، ودافعوا عن قضية العلمانية أمام الكهنوت المتطرف ... (الصدقيون): يرى بعض الباحثين أن هذه التسمية نسبة إلى صادوق الكاهن الأعظم في عهد سليمان، أو إلى كاهن آخر بهذا الاسم وجد في القرن الثالث قبل الميلاد ... وهم ينكرون البعث والحياة الأخرى والحساب والجنة والنار، ويرون أن جزاء الإنسان يتم في الدنيا، فالعمل الصالح ينتج الخير والبركة لصاحبه، والعمل السيئ يسبب لصاحبه الأزمات والمتاعب. وينكر الصدوقيون كذلك التعاليم الشفوية "التلمود"، وحتى التوراة لا يرون أنها مقدسة قدسية مطلقة، وينكرون الخلود الفردي، كما ينكرون وجود الملائكة والشياطين، ولا يقولون بالقضاء والقدر ويؤمنون بحرية الاختيار، ويرون أن الأفعال مخلوقة للإنسان لا لله، وينكرون كذلك المسيح المنتظر ولا يترقبونه ... (القراءون): كان القراءون يمثلون القلة بين اليهود، فلما تدهور شأن الفريسيين، نما فريق القرائين وورث أتباع الفريسيين ونفوذهم. والقراءون لا يعترفون إلا بالعهد القديم كتابًا مقدسًا، وليست عندهم روايات شفوية كالتي قيل إن الحاخامات توارثوها الواحد بعد الآخر، وبالتالي لا يعترف القراءون بالتلمود.

стр. 346

ويقول القراءون بالاجتهاد، فإذا تبين الخلف خطأ السلف كالخطأ الذي لاحظوه في المحرمات في الزواج، فإن للخلف تصحيح هذا الخطأ، ومن هذه الأخطاء التي لاحظها المتأخرون وصححوها، خطأ تحليل بنت امرأة الأب مع وضوح تحريمها بنص الآية الخامسة من آيات المحارم. (الكتبة): تطلق هذه التسمية على مجموعة من اليهود كانت معتمدة كتابة الشريعة لمن يطلبها، فهم أشبه شيء بالنساخ ... وكانوا يسمون أحيانًا بالحكماء، وأحيانًا السادة " Rabbis" كما كان الواحد منهم ينادى بلقب "أب" عند المخاطبة، وقد برز الكتبة كحملة للواء الشريعة عندما جذب النفوذ السياسي غيرهم من رجال الدين إلى مجاله، فأصبح هؤلاء حلفاء للحكام الأجانب من فرس وإغريق ورومان، وأخلوا المجال الديني للكتبة، فاحتلوه. وجاءت خطوة ثانية رفعت من شأن الكتبة وأعلت من قدرهم، هي أن كل واحد منهم عني بإنشاء مدرسة أصبح هو راعيًا لها ومعلمًا بها، وكان له مريدون يسمعون تعليماته ويذيعونها ... (المتعصبون): فرقة أخرى من الفرق اليهودية خصص لها (Guignebert) حديثا، نورد فيما يلي ترجمة أبرز فقراته: كان في فلسطين بين الفرق الأخرى فريق وثيق الصلة بالفريسيين، يتفق معهم في أكثر عقائدهم، كالقول بالمسيح المنتظر، وكالحماسة الوطنية والميل للعبادة، ولكن هذا الفريق امتاز بعدم التسامح، بل بالعدوانية ضد المواطنين الذين اتهموا باللادينية، أو بقبول الخضوع لغير اليهود .... ففي بلدة "شيرين" ظهر رجل من اليهود في القرن الثامن الميلادي، وادعى أنه المسيح المنتظر، ووعد بأنه سيحقق معجزة استعادة فلسطين، وفي نفس القرن ظهر فارسي

стр. 347

آخر في بلدة "أصفهان" اسمه أبو عيسى وادعى أنه المسيح، وقال إن عودة فلسطين لن تتم إلا على أسنة الرماح، وأعد جيشًا قوامه عشرة آلاف جندي من اليهود، وواتته فترة الاضطرابات التي كان يعانيها العالم الإسلامي عند سقوط الدولة الأموية وقيام دولة بني العباس، فعاشت حركة أبي عيسى فترة لأن أبا العباس السفاح انشغل عنها بما صادفه من مشكلات في مطلع الدولة العباسية، فلما آل السلطان للخليفة المنصور اتجه بضربة قاصمة إلى جيش اليهود فهزمه، وفر أبو عيسى تجاه الشمال، ذاكرًا أنه سيتقابل هناك مع أحد قادة اليهود المختفين ليتعاون معه على استعادة فلسطين. وفي القرن السابع عشر ظهر في "سالونيك" يهودي اسمه سبتاي زيفي، كان واسع الاطلاع على الثقافة اليهودية مما جعله على صلة بأقوال اليهود حول المسيح المنتظر، ورأى زيفي ما عاناه اليهود في حرب الثلاثين بأوربا، فقد أمضى طفولته وشبابه وهذه الحرب مشتعلة، حيث كان اليهود وقودًا لها، وساورته نفسه أن يعلن أنه المسيح المنتظر، فعكف على الصلاة والصوم، وأخذ يطوف البلاد هنا وهناك، ويدعو لنفسه ويعلن قرب ظهور المسيح المبارك، ولما حلت سنة ١٦٦٦ أعلن زيفي أول رسالة لليهود، واختار لإعلانها يومًا يمضيه اليهود في صوم وحزن لأنه يرتبط بذكريات أليمة عندهم، وفي هذه الرسالة يقول: "من أول ابن لله سبتاي زيفي، المسيح، مخلص شعب إسرائيل، إلى جميع أبناء إسرائيل .... السلام .... لما كان قد قدر لكم أن تكونوا جديرين برؤية اليوم العظيم وإنجاز وعد الله إلى أبنائه، فلابد أن تغيروا أحزانكم فرحًا وصومكم مرحًا، لأنكم لن تبكوا بعد الآن، فاستمتعوا وغنوا واستبدلوا باليوم الذي كان من قبل يقضى في حزن وآلام، يوم عيد، لأني ظهرت ... ". وراح سبتاي في حماسة ظاهرة ينتقل هنا وهناك ويواصل دعوته، ولم يستطع الربانيون أن يوقفوا حركته التي أخذت تنتشر في كل مكان بين اليهود، حتى أصبح له أتباع في أمستردام وهامبورج ولندن بالإضافة إلى أتباعه بالشرق. وقد بلغ تصديقه مبلغًا عظيمًا حتى إن أتباعه راحوا يبيعون ممتلكاتهم، ويجمعون ثروتهم، ويعدون أنفسهم للعودة من المهجر إلى فلسطين خلف "سبتاي"، وفي فارس توقف العمال اليهود عن طاعة ساداتهم، ورفضوا أن

стр. 348

يستمروا في فلاحة الأرض، وبدأ اليهود في كل مكان وكأنما مسهم طائف من الجنون وأصبحوا عبيداً للأمل الذي جددته دعوة "زيفي". وانتشى "زيفي" بالنصر الذي حققه، فراح يُدخل تعديلات جريئة في التقاليد والنظم اليهودية، فغير وقت الصوم ومواعيد الأعياد كما جاء في رسالته التي ذكرناها آنفاً، ووصلت به النشوة إلى أن تخيل نفسه صاحب سلطان شامل، فأخذ يوزع التيجان على إخوته وأصدقائه المقربين؛ بعد أن عين كلا منهم ملكاً على منطقة من المناطق التي رأى أن سلطانه سيزحف عليها، واحتفظ لنفسه بقلب "ملك الملوك". ووصل "زيفي" في تجواله إلى القسطنطينية حيث عاصمة الخلافة العثماينة، ويلاحظ أن الخليفة المسلم لم يتعرض له في المدة السابقة؛ لأنه فيما يبدو لم يُرد أن يواجه الحماس والصخب الذي أحاط باسم "سبتاي" في أول أمره، وهذا التصرف من الخليفة المسلم شجع سبتاي إلى أن يدخل عاصمة الخلافة؛ وهناك ألقى الخليفة القبض عليه، وأحكم قيده، وألقى به في قلعة الدردنيل، واكتفى الخليفة المسلم بذلك فترة نعم خلالها "سبتاي" بالكرم والحفاوة، وزحف كثير من اليهود إلى القسطنطينية ليروا مصير قائدهم، ولكن أحد اليهود الربانيين البولنديين أعلن أن "سبتاي" كاذب، وأن حركته تهدد الأمن والسلام، وانتهز السلطان محمد الرابع هذا الخلاف، فأحضر "سبتاي" أمامه في جمع حافل؛ وأعدّ بعض الجند المهرة لقتله، ثم أعلن هذا السلطان استعداده ليتحول إلى اليهودية إذا استطاع "سبتاي" ابنُ الله، والمسيح المنقذ كما يدعي، أن يمنع الرصاص من الانطلاق، وفي نفس الوقت منح الخلفية فرصة "لسبتاي" ليُعلن أنه كاذب مُدَّعٍ، وأن يدخل الإسلام إن كان يعرف أنه لن يستطيع إيقاف الرصاص من الانطلاق، وسرعان ما اختار "سبتاي" السلامة، وأعلن أنه كاذب، واعتنق الإسلام أو لم يجد مناصاً من ذلك، وسُمِّي محمد أفندي؛ وانتهت بذلك هذه الزوبعة التي أثارها هذا المدعي، ولا يزال اليهود حتى الآن ينتظرون المسيح. اهـ شلبي. * * *

стр. 349

الوصل الثاني في: أشهر فرق النصارى

стр. 350

أشهر فرق النصارى أشهر فرق النصارى في عصرنا الكاثوليك والأرثوذكس والبروتستانت، وكلها تتبنى الأناجيل الأربعة، فهي من آثار مدرسة بولس الذي حرف دين المسيح، وتعتبر البروتستانتية احتجاجاً على الكنيستين الأخريين، وكل من الكاثوليك أو الأرثوذكس أو البروتستانت توجد بين كل واحدة من هذه الفرق فرق كثيرة، ومن قبل أن تستقر المسيحية على أربعة أناجيل كانت هناك أناجيل كثيرة كما سنرى، وكل فرقة تتبع إنجيلاً، ولكثرة الخلافات بين فرق المسيحية الأولى عقد مجمع "نيقية"، ولكثرة الخلافات بين فرق المسيحية الثانية عقدت مجامع أخرى، وها نحن ننقل لك من كتاب الدكتور شلبي عن النصرانية ومجامعها لتعرف من خلالها كيف كثرت الخلافات بين المسيحيين، وكيف كان الاضطهاد والقهر ومن قبل أعداء المسيحية ابتداء وبين المسيحيين أنفسهم انتهاء عوامل أوجدت فرقاً كثيرة ثم وقفت على فرق كثيرة: " المجامع ": والمجامع قسمان: مجامع مسكونية (أي عالمية وكلمة مسكونية نسبة إلى الأرض المسكونة). ومجامع محلية أو مكانية، وقد عُقدت المجامع المسكونية عدة مرات في القرون الأولى، وشهدها ممثلو الكنائس من جميع الأقطار وكان السبب الرئيسي لعقدها ظهور مذاهب دينية غريبة ينبغي فحصها وإصدار قرارات بشأنها وشأن مبتدعيها، وقد عقد من المجامع المسكونية ثمانية، من أهمها: مجمع نيقية ومجمع القسطنطينية الأول، وفيهما تقررت العقائد الرئيسية للمسيحية التي تلتقي حولها جميع الفرق والمذاهب المسيحية، (ألوهية المسيح وألوهية روح القدس واستكمال عقيدة التثليث بذلك). وأما المجامع المكانية فكثيرة. وكانت الكنائس ولا تزال تعقدها في حيزها الخاص لإقرار عقائد معينة، أو رفض بعض العقائد، أو للنظر في بعض الشئون المحلية. ولعل من الخير ونحن على ذكر بكثير من المجامع أن نلم إلمامة قصيرة شاملة بأهم المجامع

стр. 351

المسيحية، مسكونية أو محلية، وأن نبين ما اتخذته من قرارات، وفيما يلي هذا الحديث: ١ - مجمع نيقية Nicaea سنة ٣٢٥ وكان عقدُه رداً على الوحدانية التي تزعم "أريوس" القول بها، ويعد مؤتمر نيقية أهم المجامع المسيحية، إذ اتخذت فيه أخطر القرارات، وكان عقده بأمر الإمبراطور قسطنطين الكبير وقد حضره من الآباء الروحانيين ٢٠٤٨ وإن الخلاف اشتد بينهم حول القول بألوهية المسيح، ووصل الخلاف إلى المعارك، وتبنت الأغلبية الساحقة رأي "أريوس"، فأصدر الإمبراطور قراره بفض الاجتماع، ثم أعيد عقد الاجتماع عقب ذلك ولم يحضره إلا الأعضاء القائلون بالتثليث وبألوهية المسيح وعددهم ٣١٨ وحضر الإمبراطور نفسه الاجتماع، واتخذت فيه قرارات خطيرة وضعت الأساس للمسيحية التي لا تزال تتبعها الكنائس، وأهم هذه القرارات ما يلي: (أ) القول بألوهية المسيح ونزوله ليصلب تكفيراً عن خطيئة البشر. (ب) عدم التصريح لمن يترمل من الكهنة بأن يتزوج مرة أخرى. كي يكون كل منهم كما قال بولس الرسول: (بعل امرأة واحدة). (جـ) اختار المجمع الكتب المقدسة التي لا تتعارض مع القرارات السابقة وقرر تدمير ما عداها من الرسائل والأناجيل. أقول: وهكذا انتصرت البوليسية على هدي حواري المسيح، وحكمت بالإعدام على الهدي الصحيح للمسيح، ومع قوة التوحيد وقتذاك فإنه آل أمر أتباعه إلى العكوف الذات أو تحمل الاضطهاد بعد أن تبنت الدولة الرومانية رسمياً ضلالات بولس. ٢ - مجمع صور الإقليمي الذي عقد بعد ذلك ببضع سنوات وقرر وحدانية الله وأن المسيح رسوله، فكان بذلك تجديداً لرأي أريوس القائل بالوحدانية، وهذا المجمع لم يُعترف به. ٣ - مجمع القسطنطينية الأول سنة ٣٨١ م وقد قرر هذا المجمع أن روح القدس إله. ٤ - مجمع إفسس الأول Ephesus سنة ٤٣١ الذي تقرر فيه أن المسيح طبيعة واحدة ومشيئة واحدة، وأن العذراء ولدت إلها وتدعى لذلك أم الإله، وكان ذلك رداً على نسطور.

стр. 352

٥ - مجمع إفسس الثاني سنة ٤٤٩، وقد دعا لعقده بطريرك الإسكندرية "ديسقورس" للرد على إحياء آراء "نسطور" التي نادى بها "ثاذوريثوس" أسقف كورش وإيرينا وأسقف صور، واتخذت فيه قرارات بحرمان هذين الأسقفين. ولم تعترف كنيسة روما بهذا المجمع. ٦ - مجمع خلقيدونية Chalecodon سنة ٤٥١ م، وقد أيد هذا المجمع قرار مجمع إفسس الأول ورفض قرار مجمع إفسس الثاني، ولعن نسطور وديسقورس وأتباعهما، وكام هذا المجمع قد عقد أولاً في القسطنطينية ثم انتقل إلى خلقيدونية، وقد حضره أساقفة روما، كما حضره البابا ديسقورس بطريرك الإسكندرية ومعه أساقفته. وقد اشتد الخلاف بين الفريقين في اليوم الأول، حتى إذا كان اليوم الثاني منع البابا ديسقورس وأساقفته بالقوة من حضور الجلسة، واتخذ المجتمعون قراراً يقول بالطبيعتين والمشيئتين، ورفض ديسقورس طلب الإمبراطور الموافقة على هذا القرار، فنفاه الإمبراطور بعيداً عن مصر حيث مات في منفاه، وقد ظل أقباط مصر حتى الآن يرفضون قرارات هذا المجمع ويدينون بالولاء لبطريرك الإسكندرية. ٧ - مجمع القسطنطينية الثاني سنة ٥٥٣ م، وقد أيد قرارات مجمع نيقية ومجمع القسطنيطينية الأول ومجمع خلقيدونية، ولعن وطرد أصحاب الفكرة التي شاعت حينئذ عن تناسخ الأرواح، وأن شخص المسيح لم يكن حقيقة بل خيالاً. ٨ - مجمع القسطنطينية الثالث سنة ٦٨٠ وقد قرر هذا المجمع أن للمسيح طبيعتين ومشيئتين، وكان ذلك رداً على المذهب الماروني الذي كان يقول بطبيعتين ومشيئة واحدة. ٩ - مجمع رومة سنة ٨٦٩ وفي هذا المجمع تقرر: (أ) اعتبار الروح القدس منبثقاً من الأب والابن. (ب) من يريد المحاكمة في أمر يتعلق بالمسيحية يرفع دعوى إلى كنيسة روما. (جـ) المسيحيون في جميع بلاد العالم يخضعون لقرارات رئيس كنيسة روما.

стр. 353

١٠ - مجمع القسطنيطينية الذي عقد سنة ٨٧٩ برياسة فوسيوس بطريرك كنيسة القسطنطينية، وفيه تقرر أن انبثاق الروح القدس من الأب فقط، وبهذا المجمع وسابقه تم انقسام الكنيسة إلى غربية وشرقية، وأصبحت المجامع خاصة بإحداهما وتُبطل قرارات الأخرى ولا تعترف بها. ١١ - مجمع رومة الذي عقد سنة ١٢٢٥، وفيه تقرر أن الكنيسة البابوية تملك الغفران وتمنحه لمن تشاء. ١٢ - مجمع رومة سنة ١٨٦٨ وفيه أن البابا معصوم. اهـ شلبي. * * * ولكي ندرك كثرة الفرق المسيحية يكفي أن ننقل لك ما ذكره فريد وجدي في دائرة معارفه عن المقدمات التي أوصلت إلى حركة لوثر الذي تعتبر فرقته أكبر فرق البروتستانت: البروتستانتية: هو المذهب المسيحي الذي ظهر في القرن الخامس عشر إصلاحاً للكاثوليكية. فكلمة البروتستانتية تعني عند أهلها مجموع العقائد والفرق الدينية التي نجمت من حركة الإصلاح الديني في القرن السادس عشر، سواء تكونت هذه الفرق من الكاثوليك الذين احتجوا (عملوا بروتستو) في ذلك العصر على الكنيسة الرومانية باسم الإنجيل والعقل، أو التي تألفت بعد ذلك في قلب الجماعات البروتستانتة ذاتها. كانت أوروبا تتهيأ لحركة إصلاح ديني عام ضد أفراط الكنيسة الرومانية منذ القرن الثاني عشر. فكانت الكنيسة كلما أمعنت في الحجر على حرية العقول، تكون رأي جديد مؤداه أن المسيحية ليست إلا مجموع رسوم صورية تقليدية مجردة عن معانيها الروحية والأخلاقية، وكانت كلما أغرقت في حفظ سلطانها الدنيوي على الأشباح، وقهرت الشعوب ودوختهم لصيانة سطوتها الحسية نجمت نواجم التمرد عليها تنازعها الحرية، وتجاذبها الغلبة، وهي لا تدري أنها تنحط أمام نظر الأمم من أوج سلطتها الروحانية، إلى حضيض

стр. 354

المنازعات المادية. هذه الحركة الفكرية ضد الكنيسة الرومانية لم تكن بنت عالم من العلماء أو جماعة منهم، بل نشأت في البيئات المختلفة في وقت واحد مما يدل على أن الروح السائقة إليها كانت روحاً عامة، فنبغ العالم (امالريك دوبين) وتلميذه (داود دو دينان) وحاولا نشر مذهب وحدة الوجود في مدارس باريس. وظهرت في الوقت عينه بين العامة جماعات دينية، ذات وجهات مختلفة كلها متأثرة بروح الانشقاق على الكنيسة الرومانية نعد منها جماعة "الكانار" التي ظهرت في إيطاليا في القرن الثاني عشر واتخذت لها كنيسة مستقلة وامتدت إلى جنوب فرنسا أيضاً. وجماعة "تاتشيلم" الذي ادعى أنه إله مساوٍ لعيسى في الدرجة، فاتبعه خلق كثير فتألبت عليه الحكومة والكنيسة وأمسك في مدينة أنفير وقتل سنة ١١٢٤. وجماعة "أودون" الذي ادعى أنه هو عيسى نفسه قد ظهر يرد الناس عن غوايتهم، ويبصرهم ن عمايتهم، فقبض عليه سنة ١١٤٨ م، وأودع السجن حتى مات فيه. وجماعة "بييرو دو برويس" الذي قبض عليه وأحرق بالنار حياً في مدينة تولوز من فرنسا سنة ١١٢٤، لأنه كان لا يقر على التعميد ولا يقول بعقيدة حضور الله بذاته الكنيسة، ويرفض الرهبنة والصلاة على الموتى، وعبادة الصليب، وأموراً أخرى لا محل لذكرها هنا. وجماعة "الهنريسيان" الذين كانوا يضمرون لرجال الكنيسة حقدا يصل لحد الجنون، وتلتحق بهم جماعة الباتاران. ودون هذه الجماعات فرق البوبليكان والرجال الأطهار إلخ إلخ. ا. هـ فريد وجدي. * * *

стр. 355

الوصل الثالث في: افتراق الأمة الإسلامية وفي: أشهر الفرق الضالة التي نشأت في بيئات إسلامية وفي: الفرق الناجية وفيه: مقدمة وفقرات ونقول
следующие страницы →