← Акыда

Акыда · id 18338

الأساس في السنة وفقهها - العقائد الإسلامية

سعيد حوى

Полный текст (1 514 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

المسيحية، مسكونية أو محلية، وأن نبين ما اتخذته من قرارات، وفيما يلي هذا الحديث: ١ - مجمع نيقية Nicaea سنة ٣٢٥ وكان عقدُه رداً على الوحدانية التي تزعم "أريوس" القول بها، ويعد مؤتمر نيقية أهم المجامع المسيحية، إذ اتخذت فيه أخطر القرارات، وكان عقده بأمر الإمبراطور قسطنطين الكبير وقد حضره من الآباء الروحانيين ٢٠٤٨ وإن الخلاف اشتد بينهم حول القول بألوهية المسيح، ووصل الخلاف إلى المعارك، وتبنت الأغلبية الساحقة رأي "أريوس"، فأصدر الإمبراطور قراره بفض الاجتماع، ثم أعيد عقد الاجتماع عقب ذلك ولم يحضره إلا الأعضاء القائلون بالتثليث وبألوهية المسيح وعددهم ٣١٨ وحضر الإمبراطور نفسه الاجتماع، واتخذت فيه قرارات خطيرة وضعت الأساس للمسيحية التي لا تزال تتبعها الكنائس، وأهم هذه القرارات ما يلي: (أ) القول بألوهية المسيح ونزوله ليصلب تكفيراً عن خطيئة البشر. (ب) عدم التصريح لمن يترمل من الكهنة بأن يتزوج مرة أخرى. كي يكون كل منهم كما قال بولس الرسول: (بعل امرأة واحدة). (جـ) اختار المجمع الكتب المقدسة التي لا تتعارض مع القرارات السابقة وقرر تدمير ما عداها من الرسائل والأناجيل. أقول: وهكذا انتصرت البوليسية على هدي حواري المسيح، وحكمت بالإعدام على الهدي الصحيح للمسيح، ومع قوة التوحيد وقتذاك فإنه آل أمر أتباعه إلى العكوف الذات أو تحمل الاضطهاد بعد أن تبنت الدولة الرومانية رسمياً ضلالات بولس. ٢ - مجمع صور الإقليمي الذي عقد بعد ذلك ببضع سنوات وقرر وحدانية الله وأن المسيح رسوله، فكان بذلك تجديداً لرأي أريوس القائل بالوحدانية، وهذا المجمع لم يُعترف به. ٣ - مجمع القسطنطينية الأول سنة ٣٨١ م وقد قرر هذا المجمع أن روح القدس إله. ٤ - مجمع إفسس الأول Ephesus سنة ٤٣١ الذي تقرر فيه أن المسيح طبيعة واحدة ومشيئة واحدة، وأن العذراء ولدت إلها وتدعى لذلك أم الإله، وكان ذلك رداً على نسطور.

стр. 352

٥ - مجمع إفسس الثاني سنة ٤٤٩، وقد دعا لعقده بطريرك الإسكندرية "ديسقورس" للرد على إحياء آراء "نسطور" التي نادى بها "ثاذوريثوس" أسقف كورش وإيرينا وأسقف صور، واتخذت فيه قرارات بحرمان هذين الأسقفين. ولم تعترف كنيسة روما بهذا المجمع. ٦ - مجمع خلقيدونية Chalecodon سنة ٤٥١ م، وقد أيد هذا المجمع قرار مجمع إفسس الأول ورفض قرار مجمع إفسس الثاني، ولعن نسطور وديسقورس وأتباعهما، وكام هذا المجمع قد عقد أولاً في القسطنطينية ثم انتقل إلى خلقيدونية، وقد حضره أساقفة روما، كما حضره البابا ديسقورس بطريرك الإسكندرية ومعه أساقفته. وقد اشتد الخلاف بين الفريقين في اليوم الأول، حتى إذا كان اليوم الثاني منع البابا ديسقورس وأساقفته بالقوة من حضور الجلسة، واتخذ المجتمعون قراراً يقول بالطبيعتين والمشيئتين، ورفض ديسقورس طلب الإمبراطور الموافقة على هذا القرار، فنفاه الإمبراطور بعيداً عن مصر حيث مات في منفاه، وقد ظل أقباط مصر حتى الآن يرفضون قرارات هذا المجمع ويدينون بالولاء لبطريرك الإسكندرية. ٧ - مجمع القسطنطينية الثاني سنة ٥٥٣ م، وقد أيد قرارات مجمع نيقية ومجمع القسطنيطينية الأول ومجمع خلقيدونية، ولعن وطرد أصحاب الفكرة التي شاعت حينئذ عن تناسخ الأرواح، وأن شخص المسيح لم يكن حقيقة بل خيالاً. ٨ - مجمع القسطنطينية الثالث سنة ٦٨٠ وقد قرر هذا المجمع أن للمسيح طبيعتين ومشيئتين، وكان ذلك رداً على المذهب الماروني الذي كان يقول بطبيعتين ومشيئة واحدة. ٩ - مجمع رومة سنة ٨٦٩ وفي هذا المجمع تقرر: (أ) اعتبار الروح القدس منبثقاً من الأب والابن. (ب) من يريد المحاكمة في أمر يتعلق بالمسيحية يرفع دعوى إلى كنيسة روما. (جـ) المسيحيون في جميع بلاد العالم يخضعون لقرارات رئيس كنيسة روما.

стр. 353

١٠ - مجمع القسطنيطينية الذي عقد سنة ٨٧٩ برياسة فوسيوس بطريرك كنيسة القسطنطينية، وفيه تقرر أن انبثاق الروح القدس من الأب فقط، وبهذا المجمع وسابقه تم انقسام الكنيسة إلى غربية وشرقية، وأصبحت المجامع خاصة بإحداهما وتُبطل قرارات الأخرى ولا تعترف بها. ١١ - مجمع رومة الذي عقد سنة ١٢٢٥، وفيه تقرر أن الكنيسة البابوية تملك الغفران وتمنحه لمن تشاء. ١٢ - مجمع رومة سنة ١٨٦٨ وفيه أن البابا معصوم. اهـ شلبي. * * * ولكي ندرك كثرة الفرق المسيحية يكفي أن ننقل لك ما ذكره فريد وجدي في دائرة معارفه عن المقدمات التي أوصلت إلى حركة لوثر الذي تعتبر فرقته أكبر فرق البروتستانت: البروتستانتية: هو المذهب المسيحي الذي ظهر في القرن الخامس عشر إصلاحاً للكاثوليكية. فكلمة البروتستانتية تعني عند أهلها مجموع العقائد والفرق الدينية التي نجمت من حركة الإصلاح الديني في القرن السادس عشر، سواء تكونت هذه الفرق من الكاثوليك الذين احتجوا (عملوا بروتستو) في ذلك العصر على الكنيسة الرومانية باسم الإنجيل والعقل، أو التي تألفت بعد ذلك في قلب الجماعات البروتستانتة ذاتها. كانت أوروبا تتهيأ لحركة إصلاح ديني عام ضد أفراط الكنيسة الرومانية منذ القرن الثاني عشر. فكانت الكنيسة كلما أمعنت في الحجر على حرية العقول، تكون رأي جديد مؤداه أن المسيحية ليست إلا مجموع رسوم صورية تقليدية مجردة عن معانيها الروحية والأخلاقية، وكانت كلما أغرقت في حفظ سلطانها الدنيوي على الأشباح، وقهرت الشعوب ودوختهم لصيانة سطوتها الحسية نجمت نواجم التمرد عليها تنازعها الحرية، وتجاذبها الغلبة، وهي لا تدري أنها تنحط أمام نظر الأمم من أوج سلطتها الروحانية، إلى حضيض

стр. 354

المنازعات المادية. هذه الحركة الفكرية ضد الكنيسة الرومانية لم تكن بنت عالم من العلماء أو جماعة منهم، بل نشأت في البيئات المختلفة في وقت واحد مما يدل على أن الروح السائقة إليها كانت روحاً عامة، فنبغ العالم (امالريك دوبين) وتلميذه (داود دو دينان) وحاولا نشر مذهب وحدة الوجود في مدارس باريس. وظهرت في الوقت عينه بين العامة جماعات دينية، ذات وجهات مختلفة كلها متأثرة بروح الانشقاق على الكنيسة الرومانية نعد منها جماعة "الكانار" التي ظهرت في إيطاليا في القرن الثاني عشر واتخذت لها كنيسة مستقلة وامتدت إلى جنوب فرنسا أيضاً. وجماعة "تاتشيلم" الذي ادعى أنه إله مساوٍ لعيسى في الدرجة، فاتبعه خلق كثير فتألبت عليه الحكومة والكنيسة وأمسك في مدينة أنفير وقتل سنة ١١٢٤. وجماعة "أودون" الذي ادعى أنه هو عيسى نفسه قد ظهر يرد الناس عن غوايتهم، ويبصرهم ن عمايتهم، فقبض عليه سنة ١١٤٨ م، وأودع السجن حتى مات فيه. وجماعة "بييرو دو برويس" الذي قبض عليه وأحرق بالنار حياً في مدينة تولوز من فرنسا سنة ١١٢٤، لأنه كان لا يقر على التعميد ولا يقول بعقيدة حضور الله بذاته الكنيسة، ويرفض الرهبنة والصلاة على الموتى، وعبادة الصليب، وأموراً أخرى لا محل لذكرها هنا. وجماعة "الهنريسيان" الذين كانوا يضمرون لرجال الكنيسة حقدا يصل لحد الجنون، وتلتحق بهم جماعة الباتاران. ودون هذه الجماعات فرق البوبليكان والرجال الأطهار إلخ إلخ. ا. هـ فريد وجدي. * * *

стр. 355

الوصل الثالث في: افتراق الأمة الإسلامية وفي: أشهر الفرق الضالة التي نشأت في بيئات إسلامية وفي: الفرق الناجية وفيه: مقدمة وفقرات ونقول

стр. 356

المقدمة في: أسباب انشقاق الفرق الضالة (١) مرت معنا بعض النصوص التي تتحدث عن افتراق اليهود والنصارى إلى فرق تزيد على السبعين، وأن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، ولا يهمنا كثيراً أن نعرف فرق اليهود والنصارى فهذه تلزم المتتبعين، أما من ناحية الجانب العلمي في ذلك فقد ذكر القرآن الكريم ما فيه الكفاية عن ضلال من ضل من اليهود والنصارى ليجنب ما وقعوا فيه، وهذا هو الجانب العلمي والمهم في الموضوع، أن المسلم غير مكلف بأن يتتبع ماهية فرق النصارى وآراء كل فرقة منهم من مثل اليعاقبة والديصانية والأريوسية والكاثوليكية والأرثوذكسية والبروتستانتية والإنكليكانية وغيرها، وما تشبعت عن كل واحدة منها، وكذلك بالنسبة لليهود، وإنما هو مكلف أن يتجنب ما وقع فيه هؤلاء من ضلال، وقد بين القرآن ذلك أوضح بيان. ولكن المهم بالنسبة للمسلم أن يعرف فرق الضلالة من هذه الأمة كي لا يواطئ واحدة منها على ضلالة، وإن كان ذلك لا يلزم كفريضة عينية إلا بقدر، لكنه مكلف أن يعرف من عقائد أهل السنة والجماعة ومن الكتاب والسنة ما يحفظه بإذن الله عن أن يقع في أسر فرقة ضالة، وإنما تدخل المعرفة التفصيلية لهذه الفرق وأسباب ضلالها في باب فروض الكفايات، وعلى العالمين بمسارات الفرق الضالة أن يحصنوا المسلمين حيثما كانوا بكل ما يحفظهم من أن يقعوا في أسر دعوة ضالة يخالطون أهلها أو يسمعون من أهلها بشكل مباشر أو غير ماشر، ويدخل هذا في فروض العين ويختلف من بيئة لبيئة، ومن زمان لزمان، ولعل مهمة العلماء في عصرنا أكثر صعوبة من أي عصر سابق. والمسلمون يواجهون بقايا فرق ضالة أو يواجهون دعوات ضالة في عالم يموج بالمذاهب والفلسفات والأديان مع تقدم وسائل الإعلام والقدرة على الإيهام والتضليل، وعلى هذا فواجب علماء المسلمين أن يحصنوا المسلم

стр. 357

بالعقيدة الصحيحة، وأن يحصنوه من الوقوع في أسر مذهب أو فلسفة أو دين أو فرقة ضالة، هذا عدا عن واجبات أخرى تلزم العلماء. ومن ههنا نقول: إن فروض الكفاية تختلف سعة وعدداً وكمية وقائمين بها من زمن لزمن، ومن مكان لمكان كما أن فروض العين العلمية والعملية في حق المسلم تختلف من زمن لزمن، ومن مكان لمكان، بل من شخص لشخص. والموضوع الذي نحن فيه من أهم الموضعات التي ينبغي أن تكون محل اهتمام: وذلك هو افتراق الأمة الإسلامية إلى فرق، فرقة واحدة منها ناجية والباقية هالكة أخرويا، على تفاوت في الهلاك الأخروي على حسب بعد أو قرب هذه الفرق من الاعتقاد الحق. ما هي أسباب الضلال؟ ما هي الفرق التي ذكرتها النصوص بأعيانها؟ ما هي أهم هذه الفرق التي كثرت فيها النصوص؟ ما هي الفرق التي أجمع أهل السنة والجماعة على على تضليلها أو تكفيرها؟ وما هي أهم مقولاتها؟ وبعض هذه الفرق قد انقرض ولكنه قابل للظهور وبعضها لا زال موجوداً، والأمة تعاني منه، وبعضها قديم الظهور وبعضها حديث الظهور، وبعضها يتجدد ظهوره في كل جيل وليس مثل العلم بعد هداية الله عاصماً للإنسان، والكتب في هذا كله كثيرة منها القديم ومنها الحديث ومنها ما يخص فرقاً ولا يخلو كتاب بعد القرآن ولا يخلو كلام بعد كلام الله وسنة رسوله ﷺ مما يمكن أن يؤخذ عليه، ومن أشهر الكتب القديمة في هذه الشؤون: مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري، والفرق بين الفرق لعبد القاهر البغدادي، والملل والنحل للشهرستاني، ومثله لابن حزم، وقد كتب المحدثون عن فرق ظهرت حديثاً كالقرتية نسبة إلى قرة العين الإيرانية الإباحية، والبهائية، والقاديانية، وهذا الوصل يضعك على لبابٍ من الأمر. * * * (٢) في تأملات شاملة لما وقعت به الأمم من قبل وخاصة اليهود والنصارى الذين قص الله علينا من أخبارهم نجد أن من أبواب الضلال الكبيرة:

стр. 358

أولاً: أمراض القلب وما يتفرع عنها من بغي وحسد واتباع هوى يجر إلى مواقف ظالمة ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ (١). ثانياً: الغلو في الأشخاص والأعمال والمواقف: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ (٢). ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ (٣). ثالثاً: التأويل الجاهل ونسيان بعض الحق: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ (٤). رابعاً: جعل ما ليس من الوحي وحياً: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ (٥). خامساً: ترك المجمع عليه والدخول فيما يناقضه: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ * وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (٦). سادساً: الجهل بالله ووصفه بما لا يليق بذاته: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ (٧). ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ (٨). وقد وعت أمتنا فيما وقعت به الأمم السابقة وقد ذكر ذلك رسول الله ﷺ وذلك من معجزاته ﵊، فوجد عندنا من يغلو بغير الأنبياء فيثبت لهم العصمة حتى

стр. 359

فيما خالفوا به النص كما فعلت طوائف من الشيعة، ووجد من يؤلمهُ البشر كما فعل النصيرية والدروز والإسماعيليون، ووجد من يدعي النبوة ويُتابع كغلام أحمد القادياني ومسيلمة الكذاب، ووجد التأويل الجاهل كما فعل المعتزلة، ووجد التشبيه كما فعل المشبهة، ووجدت المواقف الغالية كما فعل الخوارج، ووجد تعطيل العمل كما فعل المرجئة، ووجد الإباحيون الذين يستحلون المحرمات، ووجد المعطلون للشريعة كما يفعل العلمانيون. وسر الأسرار في الزيغ والضلال اتباع المتشابه وترك المحكم. والمتشابه في هذا المقام نسبي، فكثير من المتشابهات التي ضل بها أقوام إنما هي متشابهات بالنسبة لمحكمٍ معين، وهذه القضية من أخطر القضايا ولا بد أن تفهم: فالقرآن الكريم في حيثية من حيثياته كله محكم. قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (١). فالإحكام قدر مشترك في القرآن. والقرآن من حيثية أخرى كله متشابه: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ (٢). فالقرآن يشبه بعضه بعضاً من حيث كونه حقاً ومعجزاً إلى غير ذلك، ولكن نصوص القرآن منها ما هو قطعي الدلالة، فهذا محمم بالنسبة لغيره ومنه ما يحتمل أكثر من معنى، ومن ههنا ذكر الأصوليون أن النصوص أقسام فمنها: المؤول وهو ما يحتمل أكثر من وجه أحدهما صحيح، والباقي غير صحيح، ومن المؤول المتشابه. ومنها: النص وهو اللفظ الذي ظهرت دلالته على المعنى الذي سيق له مع احتمال التخصيص إن كان عاماً، والتأويل إن كان خاصاً.

стр. 360

ومنها: الظاهر وهو اللفظ الذي ظهرت دلالته على المعنى الذي لم يسق له واحتمل غيره احتمالاً مرجوحاً. ومنها: المفسر وهو اللفظ الذي ظهرت دلالته على معناه الوضعي مع احتمال النسخ وحده. ومنها: المحكم وهو اللفظ الذي ظهرت دلالته على معناه الوضعي بدون احتمال شيء. ومن ههنا وجد ما يسمى متشابهاً عند العلماء. ولكن هناك نصوصاً هي متشابهة في حق الجهلة وبسبب من ذلك ضل من ضل، فمثلاً يوجد من يأخذ من قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ ...﴾ (١) أن الأرض لا تملك لأنها لجميع بني البشر وبالتالي فلا ملكية في الأض لأحد، فهؤلاء تركوا المحكم في الشريعة الذي يجيز تملك الأرض وبنوا على متشابه، ولكن هذا المتشابه متشابه في حقهم وليس هو في الأصل متشابهٌ عند العلماء ومن ههنا تقول: إن أكثر من ضل عن الحق من هذه الأمة إنما ضل بسبب متابعته المتشابه وحمل المحكم عليه، سواء كان متشابهاً في الأصل في اصطلاح الفقهاء أو متشابهاً بسبب من الجهل أو الهوي، والأصل أن يتابع المسلم المحكم ويحمل المتشابه عليه سواء كان متشابهاً في الأصل لا يدركه إلا الراسخون في العلم أو متشابهاً في توهم بعض الناس، ومن ههنا نفرق بن فرقة ضلت في فهم المتشابه في اصطلاح العلماء كالمعتزلة، وبين فرقة ضلت لمتابعة الجهل في قضية لبست عليهم كالخوارج والمرجئة وبعض فرق الباطنية. وهناك ناس كفروا أصلاً، وحاولوا أن يكفروا المسلمين ولكن من خلال التلبيس عليهم ببعض النصوص المتشابهة فهؤلاء كفار يتعمدون الكفر والتكفير. * * *

стр. 361

(٣) والعاصم من الوقوع في الضلال: الاعتصام بالكتاب والسنة وما عليه سلفنا الصالح والعلم الصحيح وما عليه السواد الأعظم من علماء الأمة الإسلامية خلال العصور، ومتابعة الراسخين في العلم من هذا السواد الأعظم، ولم تخل الأمة في كل عصر من أهل رسوخ في العلم: كالأئمة الأربعة والنووي وابن حجر العسقلاني والسيوطي والعز بن عبد السلام وأمثال هؤلاء. * * * (٤) وهناك إجماع عند الراسخين في العلم على أن هناك فرقاً دخلت في دائرة الضلال وفرقاً دخلت في دائرة الكفر، ومن أمهات القضايا التي ضلت بسببها بعض الفرق: ١ - إدعاء أن للقرآن باطناً يخالف الظاهر. ٢ - الموقف من نصوص السنة أصلاً ثم من إلزاميتها. ٣ - التشبيه. ٤ - التأويل الجاهل. ٥ - التكفير بالمعصية. ٦ - الموقف من الإمامة والخلافة. ٧ - التشكيك في الصحابة، أو سبب بعضهم أو تكفيره. ٨ - نفي القدر. ٩ - الجبر. ١٠ - الغلو. * * *

стр. 362

(٥) ونحب أن نقف وقفة عند الغلو: فلم يزل الغلو باباً من أبواب الضلال والانحراف عن هدي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ (١)، ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ...﴾ (٢). وللغلو مظاهر منها: الغلو في الأشخاص: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ (٣). ومنها الغلو في تطبيق الدين: وذلك بالتشديد فيه بتحريم الحلال واعتقاد فرضية ما ليس فرضاً. ومنها: التسرع في التكفير، ومنها الغلو في العمل حتى تحمل النفس فوق طاقتها كالترهب وقد عالج الكتاب والسنة الغلو كله. ٤٣٢ - * روى الإمام أحمد عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " ... وإياكم والغلو في الدين فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو بالدين". ٤٣٣ - * روى الطبراني عن أبي أمامة رفعه: "صنفان من أمتي لن تنالهما شفاعتي: إمام ظلوم غشوم وكل غالٍ مارق". * * *

стр. 363

(٦) ومع وضوح النصوص التي تبين الهدى من الضلال، بحيث لا تغيب عن عالم منصف ماهية الهدى من الضلال، فقد ذكر الرسول ﷺ ما يحدث في أمته من بعده، ومن جملة ذلك الاختلاف والتفرق والقتال، كما ذكر أن الأمة ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة، واحدة منها ناجية والباقيات في النار، وقد أعطانا القرآن الميزان الذي نعرف به فرق الضلالة وذلك هو اتباعهم المتشابه وحمل المحكم عليه بدلاً من اتباع المحكم وحمل المتشابه عليه، وهذه هي ميزة الفرقة الناجية أنها تعمل بالمحكم وتؤمن بالمتشابه وتحمله على المحكم، وبهذا الميزان يعرف الإنسان أن أهل السنة والجماعة على حق. * * * (٧) وقد حدث قتال بين الصحابة بين علي بن جهة وبين معاوية من جهة أخرى، وبين علي من جهة وبين عائشة وطلحة والزبير من جهة أخرى، والجميع من أهل السنة والجماعة بشهادة النصوص، لكن عليا كان على حق وصواب، والآخرون كانوا على خطأ، ولضيق هذا المقام وللخوف على العامة أن يسبق إلى إلى قلوبهم ما تزيغ به فقد نهى العلماء عن الخوض في ذلك إذ إن في كلٍ من الفريقين مبشرين بالجنة وإنهم كانوا متأولين، وكلهم يعتقد أنه على الحق، وحدث قتال بين علي والخوارج، والنصوص واضحة أن علياًّ على الحق والصواب، والخوارج كانوا على خطأ وضلال بسبب ما اعتقدوه من تكفير علي وعثمان. واعتقد ناس أن الحق في الخلافة لآل بيت الرسول ﷺ ونشأ بسب من ذلك التشيع، لكن شيعة آل البيت افترقوا فمنهم غالٍ ومنهم مقتصدٌ، والنصوص المحكمة حكم على الجميع، وقد ورد عن علي بن أبي طالب قال: دعاني رسول الله ﷺ فقال: "إن فيك مثلاً من عيسى أبغضته اليهود حتى بهتوا أمه وأحبته النصارى حتى أنزلوه بالمنزل الذي ليس به"، ألا وإنه يهلك في اثنان محب مفرط يقرظني بما ليس فيَّ ومبغض يحمله شنآني على أن يبهتني، ألا وإني لست بنبي، ولا يوحى إلي، ولكني أعمل بكتاب الله

стр. 364

وسنة نبيه ما استطعت فما أمرتكم من طاعة الله فحق عليكم فيما أحببتم وكرهتم (١). وهكذا وجدت فرقتان رئيسيتان منذ الصدر الأول تفرعت عنهما فرق كثيرة، وبسبب من التباس الأمر على بعض الناس في الخلاف بين علي وخصومه فقد وجد الإرجاء، وكان بسيطًا ثم تفلسف وانحرف، وبسبب من الجنوح في التأويل وجد الاعتزال، وهكذا وجدت أربع فرق رئيسية ضالة منذ الصدر الأول: الشيعة والخوارج والمعتزلة والمرجئة. وتفرع عن كل فرق، ثم ظهرت فرق أخرى كالذين يعتمدون القرآن دون السنة ... أو الذين يرون سقوط التكاليف كبعض الصوفية، ولم تزل الأيام تلد فرقًا جديدة فهذا القرن الماضي ولدت فيه القاديانية والبهائية، ولا يخفى على العالم البصير ولا على الذين يخالطون أهل الحق ويقرؤون القرآن أن يدكوا الضلال بسرعة ويعرفوا أهله، والملاحظ أن النصوص في شأن الخوارج كانت أكثر من النصوص التي ذكرت فرقًا أخرى وذلك لحكم: أولاً: لأنهم أول الفرق ظهورًا والناس لا زالوا على ذكرٍ بأحاديث الرسول ﷺ . ثانيًا: لأنهم يغرون العامة بسبب تشددهم وغلوهم. ثالثًا: لأنهم يجتذبون أعدادًا كبيرة من الناس بسبب استعداد العامة للخروج على السلطان. والخروج على السلطان أنواع، والبغاة هم الخارجون على الإمام الحق بغير الحق، أما سواهم فقد يكونون أهل حق وقد يكونون ظالمين بخروجهم. * * * (٨) وأخيرًا نقول: هناك فرق ضالة أو كافرة مشهورة معروفة عند العامة والخاصة من أهل السنة والجماعة، وهناك أئمة ضلال معروفون عند أل العلم خاصة، وبالتالي فقد لا يعرف

стр. 365

غير المختص من المقصود بهؤلاء، وهناك فرق تذكر وهي تندرج في فرقة تعتبر أما لهم: فالشيخ عبد القاهرة البغدادي أوصل الخوارج إلى عشرين فرقة وكلهم فرقة واحدة، وأوصل المعتزلة إلى عشرين فرقة وكلهم فرقة واحدة، ونتيجة لذلك فإن بعضم ذكر في كتب الفرق المؤلفة قديمًا أكثر من سبعين فرقة مع أنه قد وجدت بعد ذلك فرق أخرى ونحن نرى أن الفرق الاثنتين والسبعين الضالة التي ستوجد في هذه الأمة ليس شرطًا أن تكون قد وجدت كلها، فقد تأتي العصور اللاحقة بجديد، فالرسول ﷺ تحدث عن ثلاثين مدعيًا للنبوة سيكونون في هذه الأمة وذكر دجالين كثرًا وقد يكون بعض هؤلاء لم يظهروا بعد، ولذلك فنحن سنعرف في هذا الفصل على بعض الفرق مما أجمع أهل السنة والجماعة على تضليل أهلها أو تكفيرهم. وبعض هذه الفرق لا زالت موجودة وبعضها قد انقرض، والموجودون في عصرنا على أنواع فمنهم من تستطيع تكفيره دون تردد ما دام يؤمن بما هو المعروف عن فرقته، وبعضهم يمكن أن تتوقف في الحكم عليه حتى تعرف حدود أخذه عن فرقته. وسنذكر في هذا الوصل الفقرات التالية: الفقرة الأولى: في ضرورة التعرف على فرق الضلال وفي بعض الملاحظات حول ذلك. الفقرة الثانية: في نصوص تتحدث عن أعلام في الضلال. الفقرة الثالثة: في أشهر الفرق التي نشأت في بيئات إسلامية وهي ليست من أهل السنة والجماعة. الفقرة الرابعة: في الخوارج خاصة. الفقرة الخامسة: في ضرورة لزوم الجماعة وفي التعرف على الفرقة الناجية. * * *

стр. 366

الفقرة الأولى في: ضرورة التعرف على فرق الضلال وبعض الملاحظات حول ذلك لقد حدث رسول الله ﷺ أصحابه عن قائد كل فتنة يبلغ من معه ثلاثمائة فصاعدًا كما ورد عن حذيفة بن اليمان ﵄ قال: والله ما أدري أنسي أصحابي أم تناسوا؟ والله ما ترك رسول الله ﷺ من قائد فتنة إلى انقضاء الدنيا، يبلغ من معه ثلاثمائة فصاعدًا، إلا قد سماه لنا باسمه واسم أبيه واسم قبيلته (١). فدل ذلك على أن التعرف على أئمة الضلال مما ينبغي أن يعرفه المسلم، وأن التعريف على أئمة الضلالة من سنن رسول الله ﷺ ، ومن ثم كان قسم كبير من هذا الوصل في هذا الشأن. * * * الفرق التي خرجت عن الاعتقاد الحق على أنواع، فمنها: ما خرج من الإسلام بالكلية وإن كانت أصوله إسلامية وادعى أنه يبني على فهمٍ لنصوصٍ، وهل مثل هذه الفرق داخلة في الفرق الثنتين والسبعين أو لا؟ الراجح أنه داخلة بها قياسًا على فرق اليهود والنصارى، وبعض الفرق لم يصل إلى حد الكفر المطلق، وإنما هم ضلال مبتدعون، وبعضهم أكثر ضلالاً من بعضهم الآخر، وبعضهم تعتبر بدعته خفيفة وبعضهم تعتبر بدعته شديدة، وأفظع أنواع الابتداع ابتداع الاعتقاد، أما بدع الأعمال فهذه على أنواع، فمنها: ما يكره، ومنها: ما يحرم، ومنها: ما يجوز. والعبرة فيها للفتوى من أهلها. * * * وهناك فرق بدأ ضلالها من غلو في فكرة صحيحة في الأصل ثم تشعبت من هذه الفرق

стр. 367

فرق أشد غلوًا، وهكذا من غلو أخف إلى غلو أشد وصلت بعض التوجهات إلى مداها المكفر، فحب آل البيت ابتداء شيء مطلوب شرعًا، واعتقاد أن عليًا هو خليفة راشد وأن الحق والصواب كانا معه مدة خلافته، كل هذه أفكار صحيحة، فإذا قال قائل بعد ذلك: إنه الأحق بالخلافة من الأئمة الثلاثة الذين كانوا قبله مع التسليم بخلافتهم فهذه بدعة خفيفة مع أنها تخالف ما التقى عليه الصحابة، فإذا ما رفض آخرون أن يسلموا بإمامة الشيوخ الثلاثة فقد دخلوا في بدعة ضلالة، فإذا كفروا الأئمة الثلاثة فقد وصلوا إلى الكفر كما ذكر الشيخ عبد القاهر البغدادي: "فإذا ما غلوا بعلي وآل بيته حتى أعطوهم صفة الألوهية فذلك إيغال في الكفر، فإذا ما اجتمع إلى هذا آراء كفرية أخرى كالقول بالتناسخ وأن للقرآن باطنًا يخالف الظاهر، وأن الباطن يستقل بفهمه الإمام، فإذا بلغهم عمن يدعي الإمامة ما ينقض الشريعة تابعوه فذلك كفر على كفر وظلمات بعضها فوق بعض". وكثيرًا ما حدث في تاريخ الفرق أن غلوًا خفيفًا أوصل إلى غلو غليظ، وأحيانًا يحدث العكس غلو شديد يعدل إلى غلو أخف، فالمعتزلة مثلا عدلوا القول بنفي القدر بالجملة، وعلى كل فإنه تتولد عن فرقة أم فرق مختلفة، ومن الفرق التي لها وجود فعلي في الأمة: الشيعة الإثنا عشرية، والإسماعيليون، والدروز، والنصيرية، والجارودية، واليزيدية عباد الشيطان، فلهم بقية في سورية والعراق، والمعتزلة فلم تزل بعض عقائدهم تتسلل إلى كثير من الناس، والقاديانية، والبهائية، والقائلون بإسقاط التكليف، والمشبهة، والقائلون بوحدة الوجود، والعلمانيون القائلون بفصل الدين عن الدولة وهم المرتدون الذين يشكلون تيارًا عريضًا. * * * أما أحكام الفرق الثنتين والسبعين فتختلف من فرقة إلى فرقة، فبعض الفرق الثنتين والسبعين لهم أحكام المسلمين الدنيوية كاملة، وبعض أهل هذه الفرق لهم بعض أحكام المسلمين الدنيوية لا كلها، وبعض هذه الفرق ليس لها أحكام المسلمين أصلاً بل ولا أحكام أهل الكتاب لأنهم مرتدون أو استمرار للمرتدين، فلهم بذلك أحكام خاصة لأنهم ورثوا الردة، فهؤلاء المرتدون ومن تابعهم على ردتهم لا يجوز تزويجهم ولا التزوج منهم ولا أكل

стр. 368

ذبائحهم ولا دفنهم في مقابر المسلمين ولا الصلاة عليهم. قال عبد القاهر البغدادي: [فإن كان على بدعة الباطنية، أو البيانية، أو المغيرية، أو الخطابية الذين يعتقدون إلهية الأئمة أو إلهية بعض الأئمة، أو كان على مذاهب الحلول، أو على بعض مذاهب أهل التناسخ، أو على مذهب الميمونة من الخوارج الذين أباحوا نكاح بنات البنات وبنات البنين، أو على مذهب اليزيدية من الإباضية في قولها بأن شريعة الإسلام تنسخ في آخر الزمان، أو أباح ما نص القرآن على تحريمه، أو حرم ما أباحه القرآن نصًا لا يحتمل التأويل: فليس هو من أمة الإسلام ولا كرامة له. وإن كانت بدعته من جنس بدع المعتزلة، أو الخوارج، أو الرافضة الإمامية، أو الزيدية، أو من بدع النجارية، أو الجهمية، أو الضرارية، أو المجسمة فهو من الأمة في بعض الأحكام، وهو جواز دفنه في مقابر المسلمين، وفي أن لا يمنع حظه من الفيء والغنيمة إن غزا مع المسلمين، وفي أن لا يمنع من الصلاة في المساجد، وليس من الأمة في أحكام سواها، وذلك أن لا تجوز الصلاة عليه ولا خلفه، ولا تحل ذبيحته ولا نكاحه لامرأة سنية، ولا يحل للسني أن يتزوج المرأة منهم إذا كانت على اعتقادهم. وقد قال علي بن أبي طالب ﵁ الخوارج: علينا ثلاث: لا نبدؤكم بقتال، ولا نمنعكم مساجد الله أن تذكرا فيها اسم الله، ولا نمنعكم من الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا]. ا. هـ (الفرق بين الفرق). والمسألة لها تفصيلات كثيرة، وللفقهاء اجتهادات متعددة، وبعض من انتب في الفرقة قد لا يؤمن بكل ما عليه فرقته فله حكم خاص، والعبرة في حق كل شخص بما هو عليه، والفتوى البصيرة من أهلها هي محل العمل. * * * وإذ لم يكن هذا الكتاب ملتزمًا بالتفصيل إلا فيما تمس إليه الحاجة، وإذ كان الكلام عن الفرق يحتاج إلى كتب خاصة بذلك، فإننا نكتفي بإشارات مع ملاحظة أننا اعتمدنا في التعريف على بعض الفرق على كلام عبد القاهر البغدادي، وقد كتب كتابه (الفرق بين

стр. 369

الفرق) في القرن الخامس الهجري وبعض من كتب عنهم واستمروا بعده، قد يكونون بقوا على ما كانوا عليه وقد يكونون ازدادوا غلوًا وقد يكونون قد خف غلوهم. * * *

стр. 370

الفقرة الثانية في: نصوص تتحدث عن أعلام في الضلال منذ الصدر الأول ظهرت أربع فرق رئيسية في الأمة الإسلامية هي: الخوارج والتشيع الغالي والإرجاء والاعتزال. فالخارجية غلت في التكفير، والتشيع الغالي قام على الغلو بعلي وبآل بيته ﵃، وعلى بغض الكثيرين من الصحابة، والإرجاء أنواع والضالون من أهله هم الذين يقولون: لا تضر مع الإيمان معصية. والاعتزال يقوم على عدم إعطاء موضوع الإيمان بالقدر مداه الذي ذكرته النصوص. ولأن هذه الفرق الأربع ظهورها متجدد في الأمة الإسلامية، ولأنها ستظهر قريبًا من عهد النبوة فقد خصت بالذكر في نصوص. وسنذكر في هذه الفقرة بعض النصوص التي ذكرت هذه الفرق، ولأن أعظم ضلال في عصرنا هو الانطلاق من فكرة العلمانية بمعنى اللادينية وإقامة ذلك على فكرة الموضوعية بمعنى البحث العقلي المجرد فنذكر نصًا في ذلك، ولأن بعض أنواع من الضلال ينتشر بسبب تبني من له السلطان فسنذكر نصًا يحدد موقف أهل الهدى من ذلك، وللتفريق بين ما هو فتنة قائمة على اجتهاد خاطئ وبين ما هو اجتهاد ضال فسنذكر نصين. وهذه هي النصوص: ٤٣٤ - * روى الطبراني، عن عوف بن مالك، عن النبي صلى الله عليه سلم قال: "تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة. أعظمها فتنة على أمتي قوم يقيسون الأمور برأيهم فيحلون الحرام ويخرمون الحلال".

стр. 371

الشريف، ولكن قد تمر على الأمة الإسلامية موجات عاتية بسببٍ من هؤلاء، وأعتى موجتين هما: الموجة التي أنهاها الغزالي في كتابه: تهافت الفلاسفة، والموجة التي شاهدها عصرنا في القرن الثالث عشر والرابع عشر الهجريين، إذ ظهرت في هذه الموجة أفكار التقدمية والرجعية واليمين واليسار والعلمانية والعقلانية والموضوعية والعاطفية، والتفريق بين الدين والدولة، ومحاولة إظهار العلم والعقل كمتعارضين مع الدين، وتأثرت الأمة الإسلامية بهذه الأفكار كثيرًا ولكن أخذت هذه الأفكار تنحسر شيئًا فشيئًا، وها نحن نشهد في بداية القرن الخامس عشر الهجري بداية النهاية لهذه الأفكار. وليس المراد من هذا الحديث ما يفهمه منه بعض الجهلة من نفي القياس الشرعي المتعارف عليه في أصول الفقه، فذلك من الدين، وهو مما تبنى عليه الأحكام الشرعية. ٤٣٥ - * روى الطبراني عن ابن مسعودٍ قال: دخل رسول الله ﷺ فقال: "يا ابن مسعود" فقلت: لبيك يا رسول الله. قالها ثلاثًا. قال: "تدري أي الناس أفضل؟ " قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "فإن أفضل الناس أفضلهم عملاً إذا فقهوا في دينهم". ثم قال: "يا ابن مسعود". قلت: لبيك يا رسول الله. قال: "تدري أي الناس أعلم؟ " قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "إن أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس، وإن كان مقصرًا في العمل وإن كان يزحف على استه زحفًا. واختلف من كان قبلي على ثنتين وسبعين فرقة نجا منها ثلاثة وهلك سائرهن، فرقة وازت الملوك وقاتلوهم على دينهم ودين عيسى بن مريم، وأخذوهم [أي: أخذ الملوك هؤلاء] وقتلوهم وقطعوهم بالمناشير. وفرقة لم يكن لهم طاقة بموازاة الملوك ولا بأن يقيموا بين ظهرانيهم فيدعوهم إلى الله ودين عيسى بن مريم فساحوا في البلاد وترهبوا" قال: "وهم الذين قال الله ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ " الآية. فقال النبي ﷺ : "من آمن بي

стр. 372

وصدقني واتبعني فقد رعاها حق رعايتها، ومن لم يتبعني فأولئك هم الهالكون". وفي رواية "فرقة أقامت في الملوك والجبابرة فدعت إلى دين عيسى فأخذت وقتلت بالمناشير، وحرقت بالنيران فصبرت حتى لحقت بالله". والباقي بنحوه. الملاحظ أن الرسول ﷺ ذكر ثلاث فرق تنجو، ثم فصل فلم يذكر إلا فرقتين، فرقة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر للملوك والجبابرة، وفرقة الرهبان. والظاهر أن الفرقة الثالثة هم الذين تمسكوا بالحق ولم يكن لهم طاقة على هذا وهذا، وهم المغيرون للمنكر بقلوبهم. وبالنسبة لأمتنا جعل الناس على ثلاثة أنحاء كلهم ناجوح؛ المغيرون للمنكر بأيديهم إن استطاعوا، والمغيرون بألسنتهم إن لم يستطيعوا إلا ذلك، والمغيرون بقلوبهم إن لم يستطيعوا إلا ذلك. ٤٣٦ - * روى الطبراني في الأوسط عن أنس بن مالكٍ قال: قال رسول الله ﷺ : "القدرية والمرجئة مجوس هذه الأمة، فإن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم". المراد بالجلوس في الحديث عباد النار من الفرس ومن تابعهم، وهؤلاء يقولون بوجود إله النور وإله الظلمة فيثبتون فاعلين، والقدرية يثبتون فاعلاً مع الله ولذلك شابهوهم، والمجوس يعطون للشيطان نوع طاعة، والمرجئة يطعيون الشيطان بترك التكليف فشابهوهم. ٤٣٧ - * روى الترمذي عن ابن عباس وجابر بن عبد الله قالا: قال رسول الله ﷺ : "صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب أهل الإرجاء وأهل القدر".

стр. 373

٤٣٨ - * روى الترمذي عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "صنفان من هذه الأمة ليس لهما في الإسلام نصيب المرجئة والقدرية". ٤٣٩ - * روى الطبراني عن ابن عباس قال: كنت عند النبي ﷺ وعنده علي فقال النبي ﷺ : "يا علي سيكون في أمتي قوم ينتحلون حب أهل البيت لهم نبز يسمون الرافضة قاتلوهم فإنهم مشركون". ٤٤٠ - * روى الحاكم عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ أنه قال له ولابنه علي: انطلقا إلى أبي سعيد فاسمعا منه حديثه في شأن الخوارج. فانطلقا فإذا هو في حائط له يصلح، فلما رآنا أخذ رداءه ثم احتبى، ثم أنشأ يحدثنا عن علا ذكره في المسجد، فقال: كنا نحمل لبنة لبنة، وعمار يحمل لبنتين لبنتين، فرآه النبي صلى الله عليه وآله سلم، فجعل ينفض التراب عن رأسه، ويقول: "يا عمار ألا تحمل لبنة لبنة كما يحمل أصحابك". قال: إني أريد الأجر عند الله. قال: فجعل ينفض ويقول: "ويح عمارٍ تقتله الفئة الباغية". قال: ويقول عمار: أعوذ بالله من الفتن. فلقد قتلت عمارًا فئة معاوية، فدل ذلك على أن فئة معاوية كانت باغية على علي ﵁، وكان عمار مع علي، فدل ذلك على أن عليًا هو أهل الحق والصواب، ومع هذا فإننا نحكم لمعاوية وجنده ولعائشة ومن معها على أنهم من أهل السنة والجماعة، فههنا اجتهاد

стр. 374

خاطئ لا يجعل أهله من الفرق الضالة، ومن ههنا نقول: إنه إذا وجد الاعتقاد الصحيح فقد وجد أهل السنة والجماعة، وإن حدث اجتهاد خاطئ ترتب عليه عمل خاطئ بل حتى لو وجدت معاصٍ لا تكفر ولا تضلل. سنرى في فقرة لاحقة من هم الخوارج وأنهم فرقة ضالة، والملاحظ أن ابن عباس أرسل عكرمة وابنه للسؤال عن الخوارج فكان حديث أبي سعيد عن عمار وقتله من قبل الفئة الباغية، وقد قتلته فئة معاوية، والبغاة هم الخارجون على الإمام الحق بغير الحق وهم نوعان: خارجون كأثر عن اعتقاد خاطئ، وخارجون عن اجتهاد خاطئ، فالأولون هم الخوارج والآخرون بغاة، وقد يكونون آثمين، وقد يكونون مأجورين على حسب نوع اجتهادهم ومبررات خروجهم. ٤٤١ - * روى مسلم عن يحيى بن يعمر؛ قال: كان أول من قال في القدر بالبصرة لقد لقينا أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر. فوفق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب داخلاً المسجد. فاكتنفته أنا وصاحبي. أحدنا عن يمينه

стр. 375

والآخر عن شماله. فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي. فقلت: أبا عبد الرحمن! إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرؤون القرآن ويتقفرون العلم (وذكر من شأنهم) وأنهم يزعمون أن لا قدر. وأن الأمر أنف. قال: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني. والذي يحلف به عبد الله بن عمر! لو أن لأحدهم مثل أحدٍ ذهبا فأنفقه، ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر. تعليق: تطلق كلمة القدرية على نفاة القدر، والقدرية قدريتان: فالأولى: هي ما ذكرته هذه الرواية، فهؤلاء ينفون القدر جملة وتفصيلاً، والظاهر أنهم اندثروا بعد ملاحقة حكام المسلمين لأئمتهم. وأما القدرية الثانية: فيطلقها أهل السنة والجماعة على المعتزلة القائلين بإثبات القوة المودعة، والقائلين بأن الإنسان يخلق أفعال نفسه مما يلزم من قولهم أن ما يجرى في هذا العالم: أسبابًا ومسبباتٍ لا دخل مباشرة للإرادة الإلهية أو القدرة الإلهية فيها، وذلك نوع نفي للقدر. فالقدر هو الإيمان بأن كل شيء بعلم الله وإرادته وقدرته، وأن ما حدث وما يحدث مسجل في اللوح المحفوظ. وسنرى تفصيلات ذلك في الباب الثاني من هذا القسم. * * *

стр. 376

الفقرة الثالثة في أشهر الفرق التي نشأت في بيئات إسلامية وليست من أهل السنة والجماعة لقد رأينا أن رسول الله ﷺ ذكر أن هناك ثنتين وسبعين فرقة من فرق الضلال ستظهر في أمته وهناك فرقة واحدة هي الفرقة الناجية وهي ما يطلق عليه اسم: أهل السنة والجماعة. وقد ظهر في تاريخ المسلمين فرق كثيرة لم يحكم عليها أهل السنة والجماعة بالكفر، وهناك فرق أجمع على كفرها أهل السنة والجماعة، وهناك أناس أصولهم إسلامية تابعوا مدعي نبوة كذبة وقد أخبر ﵊ عن ظهور من سيدعي النبوة في أمته، وهناك ناس تابعوا مدعي ألوهية فكل الفرق الكافرة هذه تدخل في الثنتين والسبعين فرقة، أو أن المراد بالاثنتين والسبعين فرقة فرق لا زال لها من الإسلام نصيب على ضلال بقرب أو ببعد عن الحق، وبعض الفرق الرئيسية التي أجمع أهل السنة والجماعة على ضلالها افترقت على فرق كثيرة كالخوارج والمعتزلة، فهل تعتبر كل شعبة من هذه الفرق فرقة برأسها، أو أن الجميع يعتبرون فرقة واحدة. لهذه النقاط تجد كتاب الفرق القدماء يوصلون الفرق التي ظهرت حتى عصرهم إلى حوالي السبعين، على أنه قد ظهرت فرق أخرى بعد ذلك، ولو أردنا تتبع من ادعى الألوهية أو ادعى النبوة وأسماء أئمة الضلالة وبماذا ضلوا لوجدنا الكثير، ولطال بنا المقام، ولخرج البحث عن الحدود التي يحتملها هذا الكتاب، ومن أراد التتبع فالكتب المؤلفة قديمًا وحديثًا في هذا الشأن كثيرة، وذكر بعض الأسماء من نافلة القول كمن ادعى النبوة في الصدر الأول كمسيلمة الكذاب وسجاح والأسود العنسي. وتعداد الفرق التي توالت عن أصل واحد محل الكتب المطولة، وبعض الفرق قد اندثرت وبعضها لازال موجودًا، ونحن ههنا ذاكرون ما يعتبر نموذجًا أو ما يمكن أن تتسلل أفكاره الضالة من جديد أو ما يقتضيه تحصين المسلم من ضلال قديم أو جديد يأخذ طابعًا دينيًا، أما ما يعطل الأديان أصلاً أو يلغيها كالشيوعية أو العلمانية فأمره معروف ولن نتعرض له.

стр. 377

ومن تتبع أصول الضلال أو الكفر وجدها إما في ادعاء ألوهية أو نبوة، أو في متابعة أهل الأديان الكافرة على تلق من نحلهم، أو في غلو آل بيت رسول الله ﷺ ، أو تأويل غير عليم، أو في تشبيه الله بخلقه، أو في غلو في اعتقاد أو عمل يبعد عن مذاهب أهل السنة والجماعة في الاعتقاد أو في الفقه أو في السلوك، والذي يعرض للفرق مضطر أحيانًا لأن يعرضها من خلال أفكارها أو من خلال أسماء بعض أئمة الضلال، وأحيانًا يتكرر العرض بمناسبة ذكر إمام ضلالة، ثم بمناسبة عرضٍ لأفكار فرقةٍ أخذت بعضًا أو كلا منه، نقول هذا اعتذارًا بين يدي ما سنعرضه عن أهم الفرق التي نشأت في بيئات إسلامية. وهناك ملاحظة أننا قد نذكر بمناسبة تولد فرقة ضلالة عن فرقة هدى اسم الفرقتين، فليلاحظ ذلك، كحديثنا عن زيد بن علي وأتباعه مع أنه مع أئمة الهدى، فإنه قد تفرعت بعض الفرق الغالية عن شيعته. والفرقة التي لا زال لها وجود واسع من فرق الخوارج هي الإباضية ومؤسس مذهبهم عبد الله ابن إباض التميمي المتوفى عام ٨٠ هـ. "من آرائهم أنهم لا يرون مخالفيهم من المسلمين مشركين وإنما كفار نعمة، ويحرمون دماء مخالفيهم في السر [أي من خالفهم في السر يسكتون عنه] لا في العلانية، ودارهم [دار مخالفيهم] دار توحيد إلام معسكر السلطان ولا يحل من غنائم مخالفيهم إلا الخيل والسلاح وكل ما فيه قوة في الحروب، وتجوز شهادة المخالفين ومناكحتهم والتوارث معهم، وما تزال هذه الفرقة قائمة في بلاد طرابلس الغرب، وفي زنجيار وعمان. وعمدة كتبهم في الفقه: "شرح النيل وشفاء الغليل" للشيخ محمد بن يوسف بن أطفيش، في عشرة مجلدات، المطبعة السلفية بمصر ١٣٤٣ هـ. ومصادر فقههم: القرآن والسنة والإجماع والقياس، إلا أن المراد بالإجماع عندهم هو إجماع طائفتهم، ومن مخالفاتهم [لأهل السنة والجماعة]: إنكارهم حد الرجم للزاني المحصن وقولهم بجواز الوصية للوارث، وقولهم بجواز الجمع بين المرأة وعمتها لعدم ذكره في القرآن، وبأن المحرم من الرضاع هو الأم والأخت فقط. ويقولون بتخليد العصاة في النار: لأن الإيمان عندهم قول وعمل، وهم الآن يرفضون تسميتهم بالخوارج" من كتاب الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي. ١ -

стр. 378

١ - فرق الخوارج قال عبد القاهر البغدادي في كتابه: (الفَرْقُ بين الفِرَق): وأما الخوارج فإنها لما اختلفت صارت عشرين فرقة، وهذه أسماؤها: المحكمة الأولى، والأزارقة، ثم النجدات، ثم الصفرية؛ ثم العجاردة. وقد افترقت العجاردة فيما بينها فرقا كثيرة، منها الخازمية، والشعبية، والمعلومية، والمجهولية، والمعبدية، والرشيدية، والمكرمية، والحمزية، والإبراهيمية، والواقفة. وافترقت الإباضية منها فرقًا: حفصية، وحارثية، ويزيدية، وأصحاب طاعة لا يراد الله بها. واليزيدية منهم: أتباع يزيد بن أبي أنيسة، ليست من فرق الإسلام لقولها بأن شريعة الإسلام تنسخ في آخر الزمان بني يبعث من العجم. وكذلك في جملة العجاردة فرقة يقال لها "الميمونية" ليست من فرق الإسلام، لأنها أباحت نكاح بنات البنات وبنات البنين كما أباحته المجوس .. وقد اختلفوا فيما يجمع الخوارج على افتراق مذاهبها، فذكر الكعبي في مقالاته أن الذي يجمع الخوارج -على افتراق مذاهبها- إكفار علي، وعثمان، والحكمين، وأصحاب الجمل، وكل من رضي بتحكيم الحكمين، والإكفار بارتكاب الذنوب، ووجوب الخروج على الإمام الجائر. وقال شيخنا أبو الحسن: الذي يجمعها إكفار علي، وعثمان، وأصحاب الجمل، والحكمين، ومن رضي بالتحكيم وصوب الحكمين أو أحدهما، والخروج على السلطان الجائر، ولم يرض ما حكاه الكعبي من إجماعهم على تكفير مرتكبي الذنوب، والصواب ما حكاه شيخنا أبو السحن عنهم، وقد أخطأ الكعبي في دعواه إجماع الخوارج على تكفير مرتكبي الذنوب منهم. وذلك أن النجدات من الخوارج لا يكفرون أصحاب الحدود من موافقيهم. وقد قال قوم من الخوارج: إن التكفير إنما يكون بالذنوب التي ليس فيها وعيد

стр. 379

مخصوص، فأما الذي فيه حد أو وعيد في القرآن فلا يزاد صاحبه على الاسم الذي ورد فيه، مثل تسميته زانيًا، وسارقًا، ونحو ذلك. وقد قالت النجدات: إن صاحب الكبيرة من موافقيهم كافر نعمةٍ، وليس فيه كفر دينٍ. وفي هذا بيان خطأ الكعبي في حكايته عن جميع الخوارج تكفير أصحاب الذنوب كلهم منهم ومن غيرهم. وإنما الصواب فيما يجمع الخوارج كلها ما حكاه شيخنا أبو الحسن ﵀ من تكفيرهم عليا، وعثمان، وأصحاب الجمل، والحكمين، ومن صوبها أو صوب أحدهما، أو رضي بالتحكيم. ا. هـ. * * *

стр. 380

٢ - المعتزلة قال عبد القاهر البغدادي: وأما القدرية المعتزلة عن الحق فقد افترقت عشرين فرقة كل فرقة منها تكفر سائرها، وهذه أسماء فرقها: الواصلية، والعمروية، والهذلية، والنظامية، والمردارية، والمعمرية، والثمامية، والجاحظية، والخابطية، والحمارية، والخياطية، والشحامية، وأصحاب صالح قبة، والمريسية، والكعبية، والجبائية، والبهشيمة المنسوبة إلى أبي هاشم بن الجبائي، فهي ثنتان وعشرون فرقة، ثنتان منها ليستا من فرق الإسلام، وهما: الخابطية، والحمارية ... يجمعها كلها في بدعتها أمور؛ منها: نفيها كلها عن الله صفاته الأزلية، وقولها بأنه ليس لله علم، ولا قدرة، ولا حياة، ولا سمع، ولا بصر، ولا صفة أزلية، وزادوا على هذا بقولهم: إن الله تعالى لم يكن له في الأزل اسم ولا صفة. ومنها: قولهم باستحالة رؤية الله بالأبصار، وزعموا أنه لا يرى نفسه، ولا يراه غيره، واختلفوا فيه: هل هو راءٍ لغيره أم لا؟ فأجازه قوم منهم، وأباه قوم آخرون منهم. ومنها: اتفاقهم على القول مجدوث كلام الله ، وحدوث أمره ونهيه وخبره، وكلهم يزعمون أن كلام الله حادث، وأكثرهم اليوم يسمون كلامه مخلوقًا. ومنها: قولهم جميعًا بأن الله تعالى غير خالقٍ لأكساب الناس ولا لشيء من أعمال الحيوانات، وقد زعموا أن الناس هم الذين يقدرون على أكسابهم، وأنه ليس لله في أكسابهم ولا في أعمال سائر الحيوانات صنع وتقدير ولأجل هذا القول سماهم المسلمون قدرية. ومنها: اتفاقهم على دعواهم في الفاسق من أمة الإسلام بالمنزلة بين المنزلتين، وهي أنه فاسق، لا مؤمن ولا كافر، ولأجل هذا سماهم المسلمون "معتزلة" لاعتزالهم قول الأمة بأسرها. ومنها: قولهم إن كل ما لم يأمر الله تعالى به أو نهى عنه من أعمال العباد لم يشأ الله شيئًا منها. ا. هـ. * * *

стр. 381

٣ - المرجئة قال عبد القاهر البغدادي: وأما المرجئة فثلاثة أصناف: صنف منهم قالوا بالإرجاء في الإيمان، وبالقدر على مذاهب القدرية، فهم معدودون في القدرية والمرجئة، كأبي شمرٍ المرجئ، ومحمد بن شبيب البصري، والخالدي. وصنف منهم قالوا بالإرجاء في الإيمان، ومالوا إلى قول جهم في الأعمال والأكساب، فهم من جملة الجهمية والمرجئة. وصنف منهم خالصة في الإرجاء من غير قدر، وهم خمس فرق: يونسية، وغسانية، وثوبانية، وتومنية، ومريسية. - وأما النجارية فإنها اليوم بالري [في عصر البغدادي] أكثر من عشر فرق، ومرجعها في الأصل إلى ثلاث فرق: برغوثية، وزعفرانية، ومستدركة. - وأما البكرية والضرارية فكل واحدة منهما فرقة واحدة ليس لها تبع كثير، والجهمية أيضًا فرقة واحدة. - والكرامية بخراسان ثلاث فرق: حقائقية، وطرائقية، وإسحاقية، لكن هذه الفرق الثلاث منها لا يكفر بعضها بعضًا، فعددناها كلها فرقة واحدة. والمرجئة ثلاث أصناف: صنف منهم قالوا بالإرجاء في الإيمان وبالقدر على مذاهب القدرية المعتزلة، كغيلان، وأبي شمر، ومحمد بن شبيب البصري، وهؤلاء داخلون في مضمون الخبر الوارد في لعن القدرية، والمرجئة يستحقون اللعنة من وجهين، وصنف منهم قالوا بالإرجاء بالإيمان، وبالجبر في الأعمال، على مذهب جهم بن صفوان، ثم إذا من جملة الجهمية، والصنف الثالث منهم خارجون عن الجبرية والقدرية، وهم فيما بينهم خمس فرق: اليونسية، والغسانية، والثوبانية، والتومنية، والمريسية، وإنما سموا مرجئة لأنهم أخروا العمل عن الإيمان، الإرجاء بمعنى التأخير، يقال: أرجيته، وأرجأته، إذا أخرته. وروي

стр. 382

عن النبي ﷺ أنه قال: "لعنت المرجئة على لسان سبعين نبيًا" قيل: من المرجئة يا رسول الله؟ قال: "الذين يقولون الإيمان كلام". يعني الذي زعموا أن الإيمان هو الإقرار وحده دون غيره ا. هـ. أقول: هناك مرجئة أرجأت الحكم فيمن اقتتل من الصحابة فهذا إرجاء سني، ولم يتعرض له الشيخ عبد القاهر ﵀ لأنه لا يدخل في المذموم، والمشهور عن المرجئة المذمومة أنهم يقولون إنه لا يضر مع الإيمان ترك العمل ولا فعل المعصية، بل ذهب بعضهم إلى أن الإيمان قول فقط ولو لم يرافقه تصديق قلبي. فهؤلاء والذين قبلهم كفروا بهذين المذهبين. * * *

стр. 383

٤ - بعض الفرق الشاذة من الزيدية وقد ذكر عبد القاهر البغدادي من فرقهم الغالية: الجارودية والسليمانية أو الجريرية والبترية. قال عبد القاهر: هؤلاء: البترية، والسيلمانية، من الزيدية كلهم يكفرون الجارودية من الزيدية لإقرار الجارودية على تكفير أبي بكر وعمر، والجارودية يكفرون السليمانية والبترية؛ لتركهما تكفير أبي بكر وعمر. وحكى شيخنا أبو الحسن الأشعري في مقالته عن قوم من الزيدية يقال لهم اليعقوبية أتباع رجل اسمه يعقوب أنهم كانوا يتولون أبا بكر عمر، ولكنهم لا يتبرءون ممن تبرأ منهما. إنما قيل لهذه الفرق الثلاث وأتباعها "زيدية" لقولهم بإمامة زيد بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب في وقته وإمامة ابنه يحيى بن زيد بعد زيد. وكان زيد بن علي قد بايعه على إمامته خمسة عشر ألف رجلٍ من أهل الكوفة، وخرج بهم على والي العراق وهو يوسف بن عمر الثقفي قالوا له: إنا ننصرك على أعدائك بعد أن تخبرنا برأيك في أبي بكر وعمر اللذين ظلما جدك علي بن أبي طالب، فقال زيد: إني لا أقول فيهما إلا خيرًا، وما سمعت أبي يقول فيهما إلا خيرًا وإنما خرجت على بني أمية الذين قتلوا جدي الحسين، وأغاروا على المدينة يوم الحرة، ثم رموا بيت الله بحجر المنجنيق والنار. ففارقوه عند ذلك حتى قال لهم "رفضتموني" ومن يومئذٍ سموا رافضة، وثبت معه نضر بن خزيمة العنسي، ومعاوية بن إسحاق بن يزيد بن حارثة في مقدار مائتي رجل، وقاتلوا جند يوسف بن عمر الثقفي حتى قتلوا عن آخرهم، وقتل زيد، ثم نبش من قبره وصلب، ثم أحرق بعد ذلك. وهرب ابنه يحيى بن زيد إلى خراسان، وخرج بناحية الجوزجان على نصر بن سيار والي خراسان، فبعث نصر بن سيار إليه سلم بن أحوز المازني في ثلاثة آلاف رجلٍ، فقتلوا يحيى بن زيد، ومشهده بجوزجان معروف. ا. هـ.

стр. 384

٥ - فرق الكيسانية قال عبد القاهر: هؤلاء أتباع المختار بن أبي عبيد الثقفي الذي قام بثأر الحسين بن علي بن أبي طالب، وقتل أكثر الذين قتلوا حسينا بكربلاء، وكان المختار يقال له كيسان. وقيل: إنه أخذ مقالته عن مولى لعلي ﵁ كان اسمه كيسان وافترقت الكيسانية. وافترقت الكسيانية فرقًا يجمعها شيئان: أحدهما: قولهم بإمامة محمد بن الحنفية وإليه كان يدعو المختار بن أبي عبيد. والثاني: قولهم بجزاء البداء على الله . ا. هـ. أقول: المراد بالبداء على الله : أن الله يبدو له الشيء فيكون، وهذا ينقص العلم القديم، وفيه تشبيه الله بخلقه، إذ يظهر لهم الشيء بعد الشيء فيتبعون ما بدا لهم. * * *

стр. 385

٦ - فرق النجارية قال عبد القاهر: هؤلاء أتباع الحسين بن محمد النجار وقد وافقوا أصحابنا في أصولٍ ووافقوا القدرية في أصولٍ، وانفردوا بأصول لهم. وأما الذي وافقوا فيه القدرية فنفي علم الله تعالى، وقدرته، وحياته، وسائر صفاته الأزلية وإحالة رؤيته بالأبصار، والقول بحدوث كلام الله تعالى. وأكفرتهم القدرية فيما وافقوا فيه أصحابنا، وأكفرهم أصحابنا فيما وافقوا فيه القدرية. وزعم النجار أن الجسم أعراض مجتمعة، وهي الأعراض التي لا ينفك الجسم عنها، كاللون، والطعم والرائحة، وسائر ما لا يخلو الجسم منه ومن ضده، فأما الذي يخلو الجسم منه ومن ضده كالعلم والجهل ونحوهما فليس شيء منها بعضًا للجسم. وزعم أيضًا أن كلام الله تعالى عرض إذا قرئ، وجسم إذا كتب، وأنه لو كتب بالدم صار ذلك الدم المقطع تقطيع حروف الكلام كلامًا لله تعالى بعد أن لم يكن كلامًا حين كان دمًا مسفوحًا؛ فهذه أصول النجارية. وافترقوا بعد هذا فيما بينهم في العبارة عن خلق القرآن وفي حكم أقوال مخالفيهم فرقًا كثيرة كل فرقةٍ منها تكفر سائرها، والمشهورون منها ثلاث فرق، وهي: البرغوثية، والزعفرانية، والمستدركة من الزعفرانية. ا. هـ. * * *

стр. 386

٧ - فرق الكرامية قال عبد القاهر: الكرامية بخرسان ثلاثة أصناف: حقائقية، وطرائقية وإسحاقية. وهذه الفرق الثلاث لا يكفر بعضها بعضًا وإن أكفرها سائر الفرق؛ فلهذا عددناها فرقة واحدة. وزعيمها المعروف محمد بن كرام كان مطرودًا من سجستان إلى غرجستان، وضلالات أتباعه اليوم متنوعة أنواعًا لا نعدها أرباعًا ولا أسباعًا: فمنها: أن ابن كرام دعا أتباعه إلى تجسيم معبودة. زعم ابن كرام وأتباعه أن معبودهم محل للحوادث. ومن جهالاتهم في باب النبوة والرسالة قولهم بأن النبوة والرسالة صفتان حالتان في النبي والرسول، سوى الوحي إليه، وسوى معجزاته، وسوى عصمته عن المعصية. وزعموا أن من فعل فيه تلك الصفة وجب على الله تعالى إرساله، وفرقوا بين الرسول والمرسل بأن الرسول من قامت به تلك الصفة، والمرسل هو المأمور بأداء الرسالة. ثم إنهم خاضوا في باب عصمة الأنبياء ﵈، فقالوا: كل ذنبٍ أسقط العدالة أو أوجب حدًا فهم معصومون منه، وغير معصومين مما دون ذلك. ثم إن ابن كرام أبدع في الفقه حماقاتٍ لم يسبق إليها. منها: قوله في صلاة المسافر: إنه يكفيه تكبيرتان، من غير ركوع ولا سجود ولا قيام ولا قعود ولا تشهد ولا سلام. ا. هـ. * * *

стр. 387

٨ - الإمامية قال عبد القاهر: هؤلاء الإمامية المخالفة للزيدية والكيسانية والغلاة: خمس عشرة فرقة: الكاملية، والمحمدية، والباقرية، والناووسية، والشميطية، والعمارية، والإسماعيلية، والمباركية، والموسومية، والقطعية، والاثنا عشرية، والهشامية، والزرارية، واليونسية، والشيطانية. اهـ. أقول: وقد غلب اسم الإمامية في النهاية على الاثنا عشرية، وأكثر شيعة العالم في عصرنا منهم، وهم يعتقدون أن الإمام الثاني عشر قد دخل في سرداب في سامراء وهم ينتظرون خروجه ليملأ العالم عدلاً وقسطًا بعد أن ملئ ظلمًا وجورًا، ويسميهم عبد القاهر: القطعية. يقول عنهم: هؤلاء ساقوا الإمامة من جعفر الصادق إلى ابنه موسى، وقطعوا بموت موسى، وزعموا أن الإمام بعده سبط محمد بن الحسن الذي هو سبط علي بن موسى الرضا. ويقال لهم "الاثنا عشرية" أيضًا؛ لدعواهم أن الإمام المنتظر هو الثاني عشر من نسبه إلى علي بن أبي طالب ﵁، واختلفوا في سن هذا الثاني عشر عند موته، فمنهم من قال: كان ابن أربع سنين، ومنهم من قال: كان ابن ثماني سنين، واختلفوا في حكمه في ذلك الوقت؛ فمنهم من زعم أنه في ذلك الوقت كان إمامًا عالمًا بجميع ما يجب أن يعلمه الإمام، وكان مفروض الطاعة على الناس، ومنهم من قال: كان في ذلك الوقت إمامًا على معنى أن الإمام لا يكون غيره، وكانت الأحكام يومئذ إلى العلماء من أهل مذهبه إلى أوان بلوغه، فلما بلغ تحققت إمامته، ووجبت طاعته، وهو الآن الإمام الواجب طاعته وإن كان غائبًا. اهـ. ومن مبادئهم الرئيسية ما ذكره الشيخ حسن أيوب في: رسالة عن (رسل الله وكتبه واليوم الآخر) قال:

стр. 388

مبادئ الشيعة: ١ - إن الإمامة ليست من المصالح العامة التي تفوض إلى نظر الأمة. بل هي ركن الدين وقاعدة الإسلام، ولا يجوز لنبي إغفالها؛ بل يجب عليه تعيين الإمام لهم ويكون معصومًا من الكبائر والصغائر. ٢ - عين رسول الله ﷺ عليًا للخلافة بنصوص ينقلونها ويؤولونها، لا يعرفها نقلة الشريعة وأهل الحديث. ومن هنا نشأت فكرة الوصية ولقب علي بالوصي، فهو إمام بالنص لا بالانتخاب، وقد أوصى علي لمن بعده وهكذا كل إمام وصي من قبله. ٣ - عليٌّ أفضل الخلق في الدنيا والآخرة بعد رسول الله ﷺ فمن عاداه أو حاربه فهو عدو الله إلا إن ثبتت توبته ومات على حبه. اهـ. ومن عقائدهم القول بعصمة الأئمة والتقية. أقول: وقد نبش المحدثون كبتهم المعتمدة لديهم فوجدوا فيها مكفرات كثيرة مما دعاهم إلى أن يقولوا: من علم هذه المكفرات واعتقدها منهم فهو كافر، ومن كان على مذهبهم ولم يعلمها ولم يعتقدها وإنما ألحقه بهم حب آل البيت فأمره إلى الله. * * *

стр. 389

٩ - فرق الباطنية قال عبد القاهر: اعلموا -أسعدكم الله- أن ضرر الباطنية على فرق المسلمين أعظم من ضرر اليهود والنصارى والمجوس عليهم، بل أعظم من مضرة الدهرية وسائر أصناف الكفرة عليهم، بل أعظم من ضرر الدجال الذي يظهر في آخر الزمان؛ لأن الذين ضلوا عن الدين بدعوة الباطنية من وقت ظهور دعوتهم إلى يومنا أكثر من الذين يضلون بالدجال في وقت ظهوره؛ لأن فتنة الدجال لا تزيد مدتها على أربعين يومًا، وفضائح الباطنية أكثر من عدد الرمل والقطر. ا. هـ. والأصل الأصيل عند جميع فرق الباطنية قولهم إن للقرآن باطنًا يخالف الظاهر وينقضه، ومن أشهر فرقهم التي لا زال لها في عصرنا وجود: ١ - النصيرية. ٢ - الإسماعيلية. ٣ - الدروز. من عقائد النصيرية: ذكر الدكتور عبد الرحمن بدوي في كتابه (مذاهب الإسلاميين) عقائد النصيرية، وهي: ١ - علي بن أبي طالب إله، أو حلت فيه الألوهية، وهي يسكن السحاب، والرعد صوته والبرق ضحكه، وهم لهذا يعظمون السحاب، وهو أساس الدور السابع، ويوصف بأنه "المعنى" غير أننا نعرف أن النصيرية ينقسمون إلى قسمين: الشمالية، وهم الذين يسكنون السواحل في لواء اللاذقية. والكلازية، وهم الذين يسكنون الجبال. والشمالية يقولون إن عليًا حال في القمر. والكلازية يذهبون إلى أنه حال في الشمس. ٢ - سلمان الفارسي هو رسول علي. وكلمة السر عندهم ثلاثة أحرف وهي: ع (=

стр. 390

علي). م (= محمد). س (= سلمان الفارسي). ٣ - وهم يخفون مقالتهم، ومن أذاعها فقد أخطأ عندهم. ويرون أنهم على الحق. وأن مقالتهم مقالة أهل التحقيق. ومن أنكر ذلك فقد أخطأ. ٤ - "ولهم (اعتقاد) في تعظيم الخمر. ويرون أنها من النور ولزمهم من ذلك أن عظموا شجرة العنب التي هي أصل الخمر حتى استعظموا قلعها". ٥ - ويحبون ابن ملجم. قاتل علي ﵁. ويقولون إنه خلص اللاهوت من الناسوت ويخطئون من يلعنه. ٦ - وقسمهم يبين عن معتقداتهم: وقد أورد نصه ابن فضل الله العمري في "التعريف بالمصطلح الشريف" ونقله عنه القلقشندي في "صبح الأعشى" (جـ ١٣ ص ٢٥٠ - ٢٥١) وهذا نصه: "إنني وحق العلي الأعلى، وما أعتقده في المظهر الأسني. وحق النور وما نشأ منه. والسحاب وساكنه وإلا برئت من مولاي "علي" العلي العظيم. وولائي له. ومظاهر الحق. وكشفت حجاب سلمان بغير إذن، وبرئت من دعوة الحجة "نصير" وخضت مع الخائضين في لعنة ابن ملجم، وكفرت بالخطاب، وأذعت السر المصون، وأنكرت دعوى أهل التحقيق. وإلا قلعت أصل شجرة العنب من الأرض بيدي حتى أجتث أصولها وأمنع سبيلها. وكنت مع قابيل على هابيل، ومع النمرود على إبراهيم. وهكذا مع كل فرعون قام على صاحبه. إلى أن ألقى العلي العظيم وهو علي ساخط وأبرأ من قول قنبر وأقول إنه بالنار ما تطهر". وهذا القسم إذا حللناه وجدنا: أأن علي بن أبي طالب يلقب بلقب "العلي العظيم. وهما من أسماء الله. وإن كان لا يتحدث عن "عبادة" بل عن "ولاء" لعلي. وعلى هذا تكون العلاقة هي علاقة المولى بمن يتولاه. أو بالعبد. ب أن سلمان الفارسي هو صاحب الحجاب. أي الباب الذي يفضي إلى العلم والحكمة وأسرار الباطن وباطن الأسرار.
следующие страницы →