← Акыда

Акыда · id 18338

الأساس في السنة وفقهها - العقائد الإسلامية

سعيد حوى

Полный текст (1 514 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

٧ - فرق الكرامية قال عبد القاهر: الكرامية بخرسان ثلاثة أصناف: حقائقية، وطرائقية وإسحاقية. وهذه الفرق الثلاث لا يكفر بعضها بعضًا وإن أكفرها سائر الفرق؛ فلهذا عددناها فرقة واحدة. وزعيمها المعروف محمد بن كرام كان مطرودًا من سجستان إلى غرجستان، وضلالات أتباعه اليوم متنوعة أنواعًا لا نعدها أرباعًا ولا أسباعًا: فمنها: أن ابن كرام دعا أتباعه إلى تجسيم معبودة. زعم ابن كرام وأتباعه أن معبودهم محل للحوادث. ومن جهالاتهم في باب النبوة والرسالة قولهم بأن النبوة والرسالة صفتان حالتان في النبي والرسول، سوى الوحي إليه، وسوى معجزاته، وسوى عصمته عن المعصية. وزعموا أن من فعل فيه تلك الصفة وجب على الله تعالى إرساله، وفرقوا بين الرسول والمرسل بأن الرسول من قامت به تلك الصفة، والمرسل هو المأمور بأداء الرسالة. ثم إنهم خاضوا في باب عصمة الأنبياء ﵈، فقالوا: كل ذنبٍ أسقط العدالة أو أوجب حدًا فهم معصومون منه، وغير معصومين مما دون ذلك. ثم إن ابن كرام أبدع في الفقه حماقاتٍ لم يسبق إليها. منها: قوله في صلاة المسافر: إنه يكفيه تكبيرتان، من غير ركوع ولا سجود ولا قيام ولا قعود ولا تشهد ولا سلام. ا. هـ. * * *

стр. 387

٨ - الإمامية قال عبد القاهر: هؤلاء الإمامية المخالفة للزيدية والكيسانية والغلاة: خمس عشرة فرقة: الكاملية، والمحمدية، والباقرية، والناووسية، والشميطية، والعمارية، والإسماعيلية، والمباركية، والموسومية، والقطعية، والاثنا عشرية، والهشامية، والزرارية، واليونسية، والشيطانية. اهـ. أقول: وقد غلب اسم الإمامية في النهاية على الاثنا عشرية، وأكثر شيعة العالم في عصرنا منهم، وهم يعتقدون أن الإمام الثاني عشر قد دخل في سرداب في سامراء وهم ينتظرون خروجه ليملأ العالم عدلاً وقسطًا بعد أن ملئ ظلمًا وجورًا، ويسميهم عبد القاهر: القطعية. يقول عنهم: هؤلاء ساقوا الإمامة من جعفر الصادق إلى ابنه موسى، وقطعوا بموت موسى، وزعموا أن الإمام بعده سبط محمد بن الحسن الذي هو سبط علي بن موسى الرضا. ويقال لهم "الاثنا عشرية" أيضًا؛ لدعواهم أن الإمام المنتظر هو الثاني عشر من نسبه إلى علي بن أبي طالب ﵁، واختلفوا في سن هذا الثاني عشر عند موته، فمنهم من قال: كان ابن أربع سنين، ومنهم من قال: كان ابن ثماني سنين، واختلفوا في حكمه في ذلك الوقت؛ فمنهم من زعم أنه في ذلك الوقت كان إمامًا عالمًا بجميع ما يجب أن يعلمه الإمام، وكان مفروض الطاعة على الناس، ومنهم من قال: كان في ذلك الوقت إمامًا على معنى أن الإمام لا يكون غيره، وكانت الأحكام يومئذ إلى العلماء من أهل مذهبه إلى أوان بلوغه، فلما بلغ تحققت إمامته، ووجبت طاعته، وهو الآن الإمام الواجب طاعته وإن كان غائبًا. اهـ. ومن مبادئهم الرئيسية ما ذكره الشيخ حسن أيوب في: رسالة عن (رسل الله وكتبه واليوم الآخر) قال:

стр. 388

مبادئ الشيعة: ١ - إن الإمامة ليست من المصالح العامة التي تفوض إلى نظر الأمة. بل هي ركن الدين وقاعدة الإسلام، ولا يجوز لنبي إغفالها؛ بل يجب عليه تعيين الإمام لهم ويكون معصومًا من الكبائر والصغائر. ٢ - عين رسول الله ﷺ عليًا للخلافة بنصوص ينقلونها ويؤولونها، لا يعرفها نقلة الشريعة وأهل الحديث. ومن هنا نشأت فكرة الوصية ولقب علي بالوصي، فهو إمام بالنص لا بالانتخاب، وقد أوصى علي لمن بعده وهكذا كل إمام وصي من قبله. ٣ - عليٌّ أفضل الخلق في الدنيا والآخرة بعد رسول الله ﷺ فمن عاداه أو حاربه فهو عدو الله إلا إن ثبتت توبته ومات على حبه. اهـ. ومن عقائدهم القول بعصمة الأئمة والتقية. أقول: وقد نبش المحدثون كبتهم المعتمدة لديهم فوجدوا فيها مكفرات كثيرة مما دعاهم إلى أن يقولوا: من علم هذه المكفرات واعتقدها منهم فهو كافر، ومن كان على مذهبهم ولم يعلمها ولم يعتقدها وإنما ألحقه بهم حب آل البيت فأمره إلى الله. * * *

стр. 389

٩ - فرق الباطنية قال عبد القاهر: اعلموا -أسعدكم الله- أن ضرر الباطنية على فرق المسلمين أعظم من ضرر اليهود والنصارى والمجوس عليهم، بل أعظم من مضرة الدهرية وسائر أصناف الكفرة عليهم، بل أعظم من ضرر الدجال الذي يظهر في آخر الزمان؛ لأن الذين ضلوا عن الدين بدعوة الباطنية من وقت ظهور دعوتهم إلى يومنا أكثر من الذين يضلون بالدجال في وقت ظهوره؛ لأن فتنة الدجال لا تزيد مدتها على أربعين يومًا، وفضائح الباطنية أكثر من عدد الرمل والقطر. ا. هـ. والأصل الأصيل عند جميع فرق الباطنية قولهم إن للقرآن باطنًا يخالف الظاهر وينقضه، ومن أشهر فرقهم التي لا زال لها في عصرنا وجود: ١ - النصيرية. ٢ - الإسماعيلية. ٣ - الدروز. من عقائد النصيرية: ذكر الدكتور عبد الرحمن بدوي في كتابه (مذاهب الإسلاميين) عقائد النصيرية، وهي: ١ - علي بن أبي طالب إله، أو حلت فيه الألوهية، وهي يسكن السحاب، والرعد صوته والبرق ضحكه، وهم لهذا يعظمون السحاب، وهو أساس الدور السابع، ويوصف بأنه "المعنى" غير أننا نعرف أن النصيرية ينقسمون إلى قسمين: الشمالية، وهم الذين يسكنون السواحل في لواء اللاذقية. والكلازية، وهم الذين يسكنون الجبال. والشمالية يقولون إن عليًا حال في القمر. والكلازية يذهبون إلى أنه حال في الشمس. ٢ - سلمان الفارسي هو رسول علي. وكلمة السر عندهم ثلاثة أحرف وهي: ع (=

стр. 390

علي). م (= محمد). س (= سلمان الفارسي). ٣ - وهم يخفون مقالتهم، ومن أذاعها فقد أخطأ عندهم. ويرون أنهم على الحق. وأن مقالتهم مقالة أهل التحقيق. ومن أنكر ذلك فقد أخطأ. ٤ - "ولهم (اعتقاد) في تعظيم الخمر. ويرون أنها من النور ولزمهم من ذلك أن عظموا شجرة العنب التي هي أصل الخمر حتى استعظموا قلعها". ٥ - ويحبون ابن ملجم. قاتل علي ﵁. ويقولون إنه خلص اللاهوت من الناسوت ويخطئون من يلعنه. ٦ - وقسمهم يبين عن معتقداتهم: وقد أورد نصه ابن فضل الله العمري في "التعريف بالمصطلح الشريف" ونقله عنه القلقشندي في "صبح الأعشى" (جـ ١٣ ص ٢٥٠ - ٢٥١) وهذا نصه: "إنني وحق العلي الأعلى، وما أعتقده في المظهر الأسني. وحق النور وما نشأ منه. والسحاب وساكنه وإلا برئت من مولاي "علي" العلي العظيم. وولائي له. ومظاهر الحق. وكشفت حجاب سلمان بغير إذن، وبرئت من دعوة الحجة "نصير" وخضت مع الخائضين في لعنة ابن ملجم، وكفرت بالخطاب، وأذعت السر المصون، وأنكرت دعوى أهل التحقيق. وإلا قلعت أصل شجرة العنب من الأرض بيدي حتى أجتث أصولها وأمنع سبيلها. وكنت مع قابيل على هابيل، ومع النمرود على إبراهيم. وهكذا مع كل فرعون قام على صاحبه. إلى أن ألقى العلي العظيم وهو علي ساخط وأبرأ من قول قنبر وأقول إنه بالنار ما تطهر". وهذا القسم إذا حللناه وجدنا: أأن علي بن أبي طالب يلقب بلقب "العلي العظيم. وهما من أسماء الله. وإن كان لا يتحدث عن "عبادة" بل عن "ولاء" لعلي. وعلى هذا تكون العلاقة هي علاقة المولى بمن يتولاه. أو بالعبد. ب أن سلمان الفارسي هو صاحب الحجاب. أي الباب الذي يفضي إلى العلم والحكمة وأسرار الباطن وباطن الأسرار.

стр. 391

ج- أن الخطاب هو الديانة والدعوة والبلاغ. د- أن مبادئ النصيرية سر مصون لا يجوز إذاعته. هـ- أن شجرة العنب مقدسة عندهم بحيث لا يجوز اقتلاعها. لأن من ثمرها تصنع الخمر وهم يعظمون الخمر كما رأينا. و- وقوله: أبرأ من قول "قنبر" يشير إلى ما قاله علي بن أبي طالب: لما رأيت الأمر أمرًا منكرًا ... أججت نساري ودعوت قنبرًا ا. هـ. ومن كلام ابن تيمية في وصف مذهبهم: فمن حقيقة الخطاب عندهم والدين: أن يعلم أن عليًا هو الرب، ومحمد هو الحجاب. وسلمان هو الباب -وذلك على الترتيب. لم يزل ولا يزال. ومن شعر بعض ضلالهم -وكلهم ضلال- المشهور عنه قوله الملعون: أشهد أن لا إله إلا ... علي الأنزع البطين ولا حجاب عليه إلا ... محمد الصادق الأمين ولا طريق إليه إلا ... سلمان ذو القوة المتين ا. هـ. من عقائد الدروز: ١ - قولهم: بألوهية الحاكم بأمر الله الفاطمي. ٢ - قولهم: بالتناسخ والتقمص والحلول، وهذه العقيدة تسللت إلى بعض الفرق الباطنية عن الديانة البرهمية. من عقائد الإسماعلية: والإسماعيليون على أنواع، ومن أشد فرقهم غلوًا الفرقة القائلة بألوهية الإنسان وبالتناسخ.

стр. 392

وقد عقد الدكتور محمد أحمد الخطيب مقارنة بين عقائد الدروز النصيرية والإسماعيلية في كتابه الحركات الباطنية في العالم الإسلامي ذكر فيها: "من خلال الاستعراض السابق الذي استكملنا فيه دراسة عقائد وأفكار الحركات الباطنية المتواجدة في العالم الإسلامي، يمكننا أن نرى كثيرًا من أوجه الشبه أو الاختلافات بين عقائد هذه الحركات. إلا أنه في الوقت نفسه، يجب أن لا يغيب عن أذهاننا أن الحركة الإسماعيلية كانت المغذي الرئيسي لكثير من هذه الحركات، ولن نتعدى الصواب إذا قلنا: إن الأفكار الرئيسية الموجودة في عقائد الإسماعيلية، لا تختلف إلا في بعض التفاصيل عن عقائد الفرق الأخرى. فكافة هذه الفرق اتخذت من الفلسفات الوثنية من إغريقية وإسكندرانية أداة لها في إثبات صحة مزاعمها، وبالتالي في تشكيك الناس بدينهم وعقيدتهم. وينبغي أن نلاحظ أن أتباع كل فرقة من هذه الفرق يعتبرون أنفسهم هم (الموحدون)، أما غيرهم -على حسب زعمهم- فالمسافة شاسعة بينهم وبين التوحيد، لذلك فالدروز يطلقون على مذهبهم (مسلك التوحيد) باعتبار أنهم وحدهم سلكوا هذا المسلك؟! من الأمثلة الواضحة على أن الإسماعيلية كانت الرائدة في فلسفة كافة الفرق، نظرية الفيض الأفلاطونية، فقد كانت الإسماعيلية أول من حاول فرض هذه النظرية على العقائد الإسلامية، لذا أصبحت علما في هذا الاتجاه. وإذا تتبعنا أوجه الاتفاق بين الفرق الباطنية، فإننا نرى أن نظرتهم للألوهية والتوحيد متشابهة رغم بعض الاختلافات في الأسماء والمسميات، وذلك لانبثاقها عن نظرية الفيض، فالإسماعيلية -حسب زعمها- ترى أن الخالق الحقيقي للكون هما (العقل الكلي والنفس الكلية)، وأنها من جملة الحدود في العالم العلوي، وهذان الحدان يقابلهما -على حسب قاعدة المثل والممثول- في العالم السفلي حد النبي وحد الإمام أو الوصي، لذا فإن كل

стр. 393

الألقاب التي تطلق على الله تطلق أيضًا على الوصي والإمام بصفتهما ممثلي العقل الكلي. وهذه القاعدة تقول بها جميع الفرق الإسماعيلية الأخرى على اختلاف أسمائها. ولكن الدروز رغم انشقاقهم عن الإسماعيلية، وأخذهم الكثير من عقائدها، إلا أنهم رفضوا نظرية المثل والممثول التي تقول بها الإسماعيلية، وقرروا أن الحدود العلوية الموجودة في العالم العلوي هي ذاتها الموجودة في العالم السفلي ولا اختلاف بينها. وبما أن الدروز انشقوا عن الإسماعيلية لإظهارهم -الزعم- بألوهية الإمام الإسماعيلي (وهي العقيدة التي حاولت الإسماعيلية إخفاءها خوفًا وتقية)، فقد أعلنوا جوهر هذه العقيدة وهي: أن الله يتخذ على مر العصور والأزمان حجابًا أو صورة ناسوتية يتجلى فيها لخلقه -تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا-، وأن الحجاب الأخير الذي ظهر فيه كان بصورة الحاكم بأمر الله العبيدي، وبذلك أظهروا عقيدة كانت الإسماعيلية تخفيها ولا تعلنها. وفي الوقت نفسه أخذوا عن الإسماعيلية نظرية العقول السبعة وطبقوها على ظهورات الله بالصورة الناسوتية، وزعموا أن عدد هذه الظهورات كانت سبعًا، آخرها الحاكم. أما النصيرية، فتعتبر أن الذات الإلهية متشخصة بالمعنى وهو (علي بن أبي طالب) -تعالى الله عن ذلك-، ولكنها في الوقت نفسه لم تتجاهل نظرية الفيض التي قالت بها الإسماعيلية والدروز، فزعمت أن العقل الكلي هو (الميم) أي محمد ﷺ ، وأن النفس الكلية هي (السين) أي سلمان الفارسي، وهو حسب زعمهم الذي خلق السموات والأرض والأيتام الخمسة كذلك. وجميع الصفات الإلهية التي وصف الله بها نفسه في القرآن الكريم لا تعترف بها كافة الفرق الباطنية، فهم ينفون نفيًا مطلقًا هذه الصفات، إيجابية كانت أم سلبية، لأنه تعالى -على حسب زعمهم- فوق متناول العقل، والعقل عاجز عن إدراك كنهه، فإثبات هذه الصفات، حسب زعمهم- يعني عدم التوحيد. ولذلك فهم يزعمون أن هذه الصفات تليق فقط بحدوده وخاصة العقل والنفس، باعتبارهما من فيضه ومبدعاته. وثمة وجه آخر من أوجه الشبه بين هذه الفرق، وهي عقيدة التناسخ، ورغم أن

стр. 394

الإسماعيلية لا تجاهر أو تصارح بالقول بها، إلا أن المتتبع لآراء الإسماعيلية يجزم أنها تؤمن بها شأنها شأن الفرق الأخرى، ولكن هناك بعض الاختلافات بين هذه الفرق، فالإسماعيلية والتنصيرية تؤمنان بوجود عالم روحاني تسكنه الملائكة، وعالم سفلي هو عالم الكون والفساد. وهم إضافة إلى ذلك يعتقدون بأن الأجساد مصدر الشقاء والآلام، وأن المؤمن حين موته تذهب نفسه إلى العالم العلوي، وأما الكافر فينقلب في الأجساد البشرية وغير البشرية عقاباً له على ما قدم، وعلى هذا فالإسماعيلية والنصيرية تؤمنان بالمسخ، أي أن تأتي نفس الكافر عقاباً لها - على حسب زعمهم - بقمصان رديئة كالحيوانات، أو أن تأتي بصورة جامدة من معدن أو حجر فتذوق بذلك عذاب جهنم؟! وهذا الاعتقاد بالنسخ والمسخ، يخالف اعتقاد الدروز، الذين ينحصر التناسخ عندهم في الصور البشرية فقط، ولا يكون في البهائم أو الجمادات، ولذلك فقد عبروا عن التناسخ بكلمة التقمص، لأن في انتقال النفس إلى جسم حيوان ظلم لها، فالثواب والعقاب بني - حسب زعمهم - على قاعدة العدل الإلهي في محاسبة الأرواح بعد مرورها في القمصان البشرية. وهناك عقيدة أخرى لا يختلفون فيها أبداً، وهي عقيدة التقية، فالتستر والكتمان عند جميع هذه الفرق فرض لا يجوز التهاون فيه، لأن البوح بأسرار اعتقاداتها إلى غير أهلها تدنيس لها، لذا فقد طالبت الإسماعيلية والدرزية والنصيرية أتباعها بالاستتار وعدم التظاهر بما يبطنون، وهكذا فقد أصبحت هذه العقيدة عادة مستحكمة عند جميع أتباع هذه الفرق، لأنها تعني التظاهر بشيء آخر، وبالتالي فقد جعلت هذه العقيدة من أتباعها بؤرة للنفاق والخداع يتصفون به جميعهم، وهذا واضح في تاريخهم. ويمكن أن يضاف إلى عقيدة التقية أمر آخر مرتبط بها، وهو أن جميع هذه الحركات تطلب من المستجيبين لها عهوداً وأيماناً غليظة يجب أن يؤديها حتى يوثق به، ومع ذلك فإنهم لا يسلمونه كل الأسرار دفعة واحدة، بل على التدرج وكما هو واضح عند الدروز والنصيرية. وهناك أيضاً عقائد بين الدروز والنصيرية أهمها:

стр. 395

"قضية العاقل والجاهل، فالعقال يسترون دينهم عن الجهال منهم، وإذا أراد أحد الجهال أن يدخل في أمور دينهم، فلا يسلمون الديانة له إلا بالتدريج بعد أن يتتلمذ على أحد المشايخ دينهم ويتخذه والدا دينيا، ويتفقون معهم أيضاً بقدمية العالم، وأن العالم قد خلق على ما هو عليه الآن، وأن عدد البشر كان كما هو الآن لا يزيد ولا ينقص". وهم ينفقون كذلك بالإضافة إلى الإسماعيلية في تأويل آيات القرآن حسب معتقداتهم، وأن له ظاهراً وباطناً حتى يثبتوا صحة معتقداتهم المناقضة للقرآن الكريم. ونستنتج مما سبق، أن نقطة الخلاف والالتقاء الرئيسية بين الإسماعيلية والدروز والنصيرية هي عقيدة الألوهية، فجميعهم يقرون بإمكانية تجسد الألوهية في صورة إنسان، ولكن الإسماعيلية تراها في الأئمة الإسماعيليين جميعاً، بينما الدروز والنصيرية جعلتا لتجسد الألوهية ظهوراً أخيراً، فكان عند الدروز بشخص الحاكم، وعند النصيرية بشخص على بن أبي طالب - تعالى الله عن ذلك - أما بقية العقائد فقد يلتقون في سيء منها، ويختلفون في شيء آخر، ولكنهم متفقون في جوهرها. أ. هـ. أقول: إن من درس واقع الثلاث في عصرنا يجد زيادات كثيرة على ما ذكر فيما مضى، فالألوهية عند النصيرية والإسماعيلية لا تزال تتجسد برجال، ولا يزال يظهر عند النصيرية أنبياء، والمرأة عند النصيرية لا دين لها، وقد أسقط أئمة الإسماعيلية في هذا القرن تكاليف الاستتار عن المرأة، وحاول بعض فلاسفة الدروز المحدثون أن يدخلوا الجديد على العقيدة الدرزية، والملاحظ أن أبناء هذه الفرق هم أشد الناس غلواً في فصل الدين عن الدولة، وكثيرون من رجالهم يقومون بأدوار سياسية خطرة على الإسلام والمسلمين. * * *

стр. 396

١٠ - في بعض فرق المشبهة قال عبد القاهر في كتابه الفَرق بين الفِرق: [اعلموا - أسعدكم الله - أن المشبهة صنفان: صنف شبهوا ذات الباري بذات غيره، وصنف آخر شبهوا صفاته بصفات غيره، وكل صنف من هذين الصنفين مفترقون على أصناف شتى]. والمشبهة الذين ضلوا في تشبيه ذاته بغيره أصناف مختلفة. وأول ظهور التشبيه صادر عن أصناف من الروافض الغلاة. فمنهم: السيئية الذين سموا عليها إلهاً، وشبهوه بذات الإله. ولما أحرق قوماً منهم قالوا له" الآن علمنا أنك إله: لأن النار لا يعذب بها إلا الله. ومنهم: البيانية أتباع بيان بن سمعان الذي زعم أن معبوده إنسان من نور على صورة الإنسان في أعضائه على صورة حروف الهجاء. ومنهم المنصورية: أتباع أبي منصور العجلي الذي شبه نفسه بربه، وزعم أنه صعد إلى السماء، وزعم أيضاً أن الله مسح يده على رأسه، وقال له: يا بني بلغ عني. ومنهم: الخطابية الذي قالوا بإلهية أبي الخطاب الأسدي. ومنهم: الذين قالوا بإلهية عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر. ومنهم: الحلولية الذين قالوا بحلول الله في أشخاص الأئمة وعبدوا الأئمة لأجل ذلك. ومنهم: الحلولية الحلمانية المنسوبة إلى أبي حلمان الدمشقي الذي زعم أن الإله يحل في كل صورة حسنة، وكان يجسد لكل صورة حسنة. ومنهم: المقنعية المبيضة بما وراء نهر جيحون في دعواهم أن المقنع كان إلهاً، وأنه مصور

стр. 397

في كل زمان بصورة مخصوصة. ومنهم: العذافرة الذين قالوا بإلهية ابن أبي العذافر المقتول ببغداد. وهؤلاء الذين ذكرناهم في هذا الفصل كلهم خارجون عن دين الإسلام وإن انتبوا في الظاهر إليه. وبعد هذا فرق من المشبهة عدهم المتكلمون في فرق الملة لإقرارهم بلزوم أحكام القرآن، وإقرارهم بوجوب أركان شريعة الإسلام من الصلاة والزكاة والصيام والحج عليهم، وإقرارهم بتحريم المحرمات عليهم، وإن ضلوا وكفروا في بعض الأصول العقلية. ومن هذا الصنف هشامية منتسبة إلى هشام بن الحكم الرافضي الذي شبه معبوده بالإنسان، وزعم لأجل ذلك أنه سبعة أشبار بشبر نفسه، وأنه جسم ذو حد ونهاية، وأنه طويل، عريض، عميق، وذو لون، وطعم، ورائحة، وقد روي عنه أن معبوده كسبيكة الفضة، وكاللؤلؤة المستديرة، وروي عنه أنه أشار إلى أن جبل أبي قبيس أعظم منه، وروي عنه أنه زعم أن الشعاع من معبوده متصل بما يراه، ومقالته في هذا التشبيه على التفصيل الذي ذكرناه في تفصيل أقوال الإمامية قبل هذا. ومنهم: الهشامية المنسوبة إلى هشام بن سالم الجواليقي الذي زعم أنه معبوده على صورة الإنسان، وأن نصفه الأعلى مجوف ونصفه الأسفل مصمت، وأن له شعرة سوداء وقلبا تنبع من الحكمة. ومنهم: اليونسية المنسوبة إلى يونس بن عبد الرحمن القمي الذي زعم أن الله تعالى يحمله حملة عرشه، وإن كان هو أقوى منهم، كما أن الكركي تحمله رجلاه، وهو أقوى من رجليه. ومنهم: المشبهه المنسوبة إلى داود الجواربي الذي وصف معبوده بأن له جميع أعضاء الإسنان إلا الفرج واللحية. ومنهم: الإبراهيمية المنسوبة إلى إبراهيم بن أبي يحيي الأسامي وكان من جملة رواة الأخبار

стр. 398

غير أن ضل في التشبيه ونسب إلى الكذب في كثير من رواياته. ومنهم: الخابطية من القدرية، وهو منسوبون إلى أحمد بن خابط وكان من المعتزلة المنتسبة إلى النظام، ثم إنه شبه عيسى بن مريم بربه، وزعم أنه الإله الثاني، وأنه هو الذي يحاسب الخلق في القيامة. ومنهم: الكرامية في دعواها أن الله تعالى جسم له وحد ونهاية وأنه محل الحوادث، وأنه مماس لعرشه، وقد بينا تفصيل مقالاتهم قبل هذا بما فيه كفاية. فهؤلاء مشبهة لله تعالى بخلقه في ذاته. - فأما المشبهة لصفاته بصفات المخلوقين فأصناف: منهم: الذين شبهوا إرادة الله تعالى بإرادة خلقه، وهذا قول المعتزلة البصرية الذين زعموا أن الله يريد مراده بإرادة حادثة، وزعموا أن إرادته من جنس إرادتنا، ثم ناقضوا هذه الدعوى بأن قالوا: يجوز حدوث إرادة الله لا في محل، ولا يصح حدوث إرادتنا إلا في محل، وهذا ينقض قولهم: إن إرادته من جنس إرادتنا؛ لأن الشيئين إذا كانا متماثلين ومن جنس واحد جاز على كل واحد منهما ما يجوز على الآخر، واستحال من كل واحد منهما ما يستحيل على الآخر. وزادت الكرامية على المعتزلة البصرية في تشبيه إرادة الله تعالى بإرادات عباده، وزعموا أن إرادته من جنس إرادتنا، وأنها حادثة فيه كما تحدث أرادتنا فينا، وزعموا - لأجل ذلك - أن الله تعالى محل للحوادث، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. ومنهم: الذين شبهوا كلام الله بكلام خلقه، فزعموا أن كلام الله تعالى أصوات وحروف من جنس الأصوات والحروف المنسوبة إلى العباد، وقالوا بحدوث كلامه، وأحال جمهوربهم - سوى الجبائي - بقاء كلام الله تعالى، وقال النظام منهم: ليس في نظم كلام الله سبحانه إعجاز، كما ليس في نظم كلام العباد إعجاز، وزعم أكثر المعتزلة أن الزنج، والترك، والخزر قادرون على الإتيان بمثل نظم القرآن وبما هو أفصح منه، وإنما عدموا العلم بتأليف نظمه، وذلك العلم مما يصح أن يكون مقدوراً لهم.

стр. 399

وشاركت الكرامية المعتزلة في دعواها حدوث قول الله في ذاته، بناء على أصلهم في جواز كون الإله محلا للحوادث. ومنهم: الزراية أتباع زرارة بن أعين الرافضي حدوث جميع صفات الله ، وأنها من جنس صفاتنا، وزعموا أن الله تعالى لم يكن في الأزل حياً، ولا عالماً، ولا قادراً، ولا مريداً، ولا سميعاً، ولا بصيراً، وإنما استحق هذه الأوصاف حين أحدث لنفسه حياة، وقدرة، وعلماً، وإرادة، وسمعاً، وبصراً، كما أن الواحد منا يصير حياً، قادراً، سميعاً، بصيراً، مريداً عند حدوث الحياة، والقدرة، والإرادة، والعلم، والسمع، والبصر فيه. ومنهم: الذين قالوا من الروافض بأن الله تعالى لا يعلم الشيء حتى يكون. فأوجبوا حدوث علمه كما يجب حدوث علم العالم منا. ا. هـ. * * *

стр. 400

١١ - في الجاهلية وهم في الجبرية قال عبد القاهر عنهم: أتباع جهم بن صفوان، الذي قال بالإجبار والاضطرار إلى الأعمال، وأنكر الاستطاعات كلها، وزعم أن الجنة والنار تبيدان وتفنيان. وزعم أيضاً أن الإيمان هو المعرفة بالله تعالى فقط، وأن الكفر هو الجهل به فقط، وقال: لا فعل ولا عمل لأحد غير الله تعالى، وإنما تنسب الأعمال إلى المخلوقين على المجاز، كما يقال: زالت الشمس، ودارت الرحى، من غير أن يكونا فاعلين أو مستطيعين لما وصفتا به. وزعم أيضاً أن علم الله تعالى حادث، وامتنع من وصف الله تعالى بأنه شيء أو حي أو عالم أو مريد. وقال: لأ أصفه بوصف يجوز إطلاقه على غيره كشيء، وموجود، وحي، وعالم، ومريد. نحو ذلك. ووصفه بأنه قادر، وموجد، وفاعل، وخالق، ومحيي، ومميت، لأن هذه الأوصاف مختصة به وحده، وقال بحدوث كلام الله تعالى كما قالته القدرية، ولم يسم الله تعالى متكلماً به. وأكفره أصحابنا في جميع ضلاته، وأكفرته القدرية في قول بأن الله تعالى خالق أعمال العباد، فاتفق أصناف الأمة على تكفيره. وكان جهنم - مع ضلالاته التي ذكرناها - يحمل السلاح ويقاتل السلطان، وخرج مع سريج بن الحارث على نصر بن يسار، وقتله سلم بن أحوز المازني في آخر زمان بني مروان ا. هـ. * * *

стр. 401

١٢ - الحلوليون والإباحيون الحلوليون هم الذين يقولون بحلول الله في الإنسان - تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً - والإباحيون هم الذين يقولون بأنه لا تكليف على الإنسان فكل شيء مباح له، ومنهم من يقول: إن الإنسان يصل إلى حالة يسقط عنه التكليف وتباح له المحرمات. قال عبد القاهر عن الحلولية: الحلولية في الجملة عشر فرق كلها كانت في دولة الإسلام، وغرض جميعها القصد إلى إفساد القول بتوحيد الصانع. وتفصيل فرقها في الأكثر يرجع إلى غلاة الروافض. ا. هـ. وقال عن الإباحيين: فهؤلاء صنفان: صنف منهم كانوا قبل دولة الإسلام كالمزدكية الذين استباحوا المحرمات، وزعموا أن الناس شركاء في الأموال والنساء، ودامت فتنة هؤلاء إلى أن قتلهم أنو شروان في زمانه. والصنف الثاني: الخرمدينية، ظهروا في دولة الإسلام، وهم فريقان بابكية، ومازبارية، وكلتاهما معروفة بالمحمرة. ا. هـ. أقول: وبعض غلاة الصوفية يقولون بسقوط التكليف إذا وصل الإنسان إلى الله، وقد ظهروا في عصر الجنيد وقال عنهم: (وصلوا إلى سقر) ولا زالت لهم بقايا حتى اليوم، وما أعظم فريتهم، فهذا رسول الله ﷺ وأصحابه كانوا أعظم العارفين بالله وبقوا محافظين على القيام بحق الله، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (١) واليقين هنا: الموت. * * *

стр. 402

١٣ - القائلون بوحدة الوجود بمعنى أن الكون جزء من الذات الإلهية، وهنا كفر صريح، وقال تعالى ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ (١) وقد كان بعض شيوخنا يفرق بين هؤلاء وبين آخرين يذكرون كلمة وحدة الوجود ويريدون بها أن هذا الكون قائم بأمر الله غير مستغن عنه، فهؤلاء لا يدخلون في الأولين. أقول: إن على علماء المسلمين أن يصفوا العقائد وأن ينقوها وأن يبتعدوا بأنفسهم عن كل ملتبس، وأن يقدموا العقائد للناس واضحة جلية، وذلك أدب الإسلام في كل شيء، فقد نهينا عن التعمق والتفيهق وقد كان شيخنا ﵀ لا يترك عبارة أو بيت شعر يمكن أن تلتبس على العامة إلا وعدلها وأصلحها أو فسرها التفسير الصحيح، والمغرمون بالمعميات والألغاز لا يصلحون لإمامة الناس إذا أصبح هذا دأبهم وعادتهم، فالناس يحتاجون إلى البيان الواضح الجلي قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٢). * * *

стр. 403

١٤ - البابية ظهرت في القرن الثالث عشر الهجري، وهي في الحقيقة دين كفري لا صلة له بالإسلام. وقد تحدث عنها فريد وجدي في دائرة معارفه. فقال: "البابية" هي الديانة التي أسسها الباب، والباب هو الميرزا علي محمد الشيرازي المولود حوالي سنة ١٨٢٤ مؤسس الفرقة المعتزلة في بلاد الفرس وغيرها، بدأ يدعو لمذهبه سنة ١٩٤٣ وهو ابن تسع عشرة سنة متلقياً بالسيد إشارة إلى أنه من الأسرة النبوية الكريمة. قال المسيو "جوبينو" في كتابه المسمى (الديانات والفلاسفة في آسيا الوسطى) المطبوع بباريس سنة ١٨٦٦ ما يأتي: "كان الميرزا علي محمد مقصورا على حاله، مشتغلاً بالعبادة بسيطاً للغاية في أخلاقه، حلو الشمائل جذاباً، وكان بحداثة سنة ووسامة وجهه مكسباً هذه المواهب رونقاً فيه. ولقد ان يؤكد الذين عرفوه أنه لم يحرك شفته حتى يحرك أقصى جهة من فؤاده وكان إذا تكلم عن النبي والأئمة تكلم باحترام عظيم يسر أشد المتعلقين الحادة القلقة إذا لم تصادف فيه أقل خشونة في بث آرائه، فكانت أحاديثه تفتح لهم كل هذه الآفاق المتنوعة السرية التي لا نهاية لها المبعثرة هنا وهناك تطير بها التصورات ثملا في تلك البلاد". قصد الميرزا علي محمد الحج ثم زار مسجد الكوفة وبدا له بعد ذلك تأسيس دين جديد يخلف الإسلام في بلاده، وهناك وضع كتابين أحدهما في تفسير سورة يوسف والآخر في وصف رحلته. فذهب في تفسيره مذهباً جديداً في النظر واستنتج من آيات تلك السورة أصولاً لم يستنتجها أحد قبله فطار ذكره بين الناس وإحتاط به الخلق يسمعون منه، فكان يخطب الناس في المساجد ويوجه أشد الملاك والتأنيب إلى قادة الدين، فأحدث كلامه تأثيراً سيئاً فيهم وتألبوا عليه لإحباط مساعيه، فلم ينجحوا لأنه كان يقرعهم بحجة القرآن، فزاد ذلك في شهرته وانضم إليه رجال من أنصاره فأفضى إليه بمذهبه الجديد، فكانوا أشد الناس

стр. 404

نصرة له. وإذ ذاك سمى نفسه بالباب مشيرًا إلى أنه الباب الوحيد الذي يدخل منه الطالب ليصل إلى حضرة الخالق ، فأطلق عليه أشياعه لقبًا جديدًا وهو (حضرة العلي) فلم يسع رجال الدين إلا رفع أمره إلى حكومة طهران لكفه عن نشر مذهبه بالقوة. وفي هذا الوقت أعلن الباب أنه (النقطة) أي منبثق الحق وروح الله ومظهر قدرته وجلاله، وتنازل عن لقب الباب لأحد أشياعه المدعو حسين بسرويه من أهل خراسان وهو الذي طبع البابية بطابع عملي قلبه إلى حزب سياسي شديد الخطورة. نهض حسين بسرويه هذا لنشر البابية في أرجاء فارس فأوجد لها أشياعًا في أصفهان وكاشان ثم نزل إلى طهران ولكن الحكومة أعلنته بعدم البقاء فيها. وفي الوقت نفسه كان رجلان من البابية يطوفان البلاد لنشر الدعوة أحدهما الحاج محمد علي بلفروسي اختص بمقاطعة مازنداران والأخرى امرأة تدعى (زرين تاج) ثم تلقبت (بقرة العين) وكانت هذه من مدهشات العصر في علمها وحماستها الدينية وفصاحتها المتدفقة وجمالها البارع. فلما طرد حسين بسرويه من طهران قصد خراسان وكانت الدعوة قد أثرت فيها بعض التأثير. وبعد حوادث يطول ذكرها قصد حسين المذكور مازنداران ومعه جم غفير من أنصاره المسلحين حتى انتهوا إلى قرية (بدخت) وهنالك اجتمع جميع قادة البابية على هيئة مؤتمر وكان من الحاضرين الميرزا يحيى الذي سيخلف (حضرة العلي) في رئاسة المذهب، وقرة العين فخطبت هذه خطبة بديعة في ذلك المؤتمر كانت سببًا في تقاطر الناس على هذا المذهب الجديد، فلم يسع حسين بسرويه إلا أن ابتنى له حصنا منيعًا في جبال مازندارات وغاباتها واجتمع حوله خلق كثير ليس فيهم واحد يضن بآخر قطرة من حياته في نصرة الدين الجديد فهال هذا الحال حكومة الفرس فأرسلت بعثة عسكرية فحدث بينها وبين أنصار المذهب الجديد قتال أفضى إلى هزيمتها وفقدها كثيرًا من رجالها فعادت بخفي حنين لم تنل منهم منالا فزاد هذا الأمر الحكومة قلقًا فأرسلت إليهم حملة تحت قيادة البرنس مهدي

стр. 405

كولي ميرزا من بيت الملك في فارس، فلقيت هذه الحملة ما لقيته سابقتها بعد قتال عنيف فعززتها الحكومة بحملة ثالثة فلم تكن أسعد حظا من سابقتيها ولكن أصاب حسين بسرويه جرح مميت في هذه الموقعة مات منه، فلم يثن ذلك من همة البابية بل استمروا يقاتلون بجلد وصبر عظيمين فلم يسع الحكومة إلا إرسال حملة رابعة معها مدافع ومدمرات من كل نوع فقاومها البابيون مقاومة عنيفة مدة أربعة أشهر حتى فني رجالهم ونفدت ذخائرهم، فدخلت جنود الشاه إلى معقلهم فأسروا ٢١٤ نفسا من البابيين بين رجال وأطفال ونساء ورغما عن تأمينهم على حياتهم أوغل الجنود فيهم فتكا فبقروا بطونهم وسلوا ألسنتهم ومثلوا بهم أقبح تمثيل. ولكن كل هذا لم يصد تيار البابية بل زاد في حماستهم وجعلهم يقاومون الحكومة في جهات أخرى مقاومات عنيفة. فثارت (زندان) عاصمة مقاطعة كامسيه وكان قائد هذه الحركة مشرع مشهور اسمه محمد علي زنجاني فأرسلت الحكومة إليه جنودًا فدحرها وقاوم كل ما أرسل إليه من القوى الحربية أكبر مقاومة ثم انتهى الأمر بعد جهد جهيد بإطفاء هذه الثائرة. ولكن ذلك كله لم يعطل من حركة البابية بل زادها قوة وزاد أشياعها على المناضلة شدة فلم تدر الحكومة ماذا تصنع فعزمت على قتل زعيم البابية الأكبر (حضرة العلي) رغما عن تظاهره بالسكون وعدم التداخل في حركات عدائية ضد الحكومة، ولكن أنى للحكومة أن تجد مسوغًا لقتله؟ تذرعت الحكومة لنيل غرضها منه باستدعائه وسؤاله عن أمر دينه الجديد وبنت حكمها بإعدامه على خروجه عن مذهب الجماعة فأمرت بقتله فصلبوه هو وتلميذ له على حائط طويل فسمع الناس تلميذه يقول له على مسمع منهم: "ألست ممتنا مني أيها الأستاذ" فلم يكد يتمها حتى صوب إليه جندي من الجنود الموكلين بقتلهما رصاصة فقتله، فانقطع الحبل وسقط الباب على الأرض فنهض مهرولا واندس في فصيلة من الجنود ففتكوا به. قتل (حضرة العلي) فلم يؤثر ذلك بشيء في حركة مذهبه بل زاده أشياعًا وأنصارًا،

стр. 406

وولى القوم خليفة له الميرزا يحيى ولقبوه (حضرة الأزل) فرأى الرئيس الجديد أن يترك عاصمة البلاد هربًا من الاضطهاد ويتجول في الجهات ليثبت أشياعه في الإيمان. ولكن البابيين لم ينسوا ثار رئيسهم الأكبر فأرادوا أن يغتالوا به الملك نفسه. فلما كان سنة ١٨٥٢ هجم ثلاثة منهم على الشاه بقصد اغتياله فلم يتمكنوا إلا من جرحه فقبض عليهم الجنود وأذاقوهم ألوان العذاب فاحتملوا كل ذلك بصبر خير الألباب، ثم أوغلت الحكومة في القبض على البابية فأمسكت قرة العين وأمرت بإحراقها حية. ثم أمرت الحكومة بتعذيب من قبض عليهم من الرجال والنساء والولدان. وحملت الحماسة بعض رجال البلاط الملوكي على قتل بعض المقبوض عليه بأيديهم بطرق فظيعة يقشعر منها جلد الإنسان. ورأى الناس في سوق طهران منظرًا يفتت الأكباد، ويذيب الأفئدة، رأوا أسرابا من الرجال والنساء والأطفال مقودين بالحبال أجسادهم مجروحة وقد وضع الجلادون في كل جرح فتيلة ملتهبة، وهم كيوم ولدتهم أمهاتهم يتلون جميعًا بصوت مرتفع قوله تعالى: (إنا لله وإنا إليه راجعون) والجنود خلفهم يضربون من يتأخر أو من يقع منهم بالسياط فإذا مات طفل في الطريق ألقوه تحت أرجل أبويه فكانا يمران عليه غير ملتفتين إليه. ثم لاح لأحد الجلادين أن يأتي بطفلين لأحدهم فيذبحهما على صدره ففعل ولم يزدد الأب إلا صبرًا وثباتًا، وقد أظهر الطفلان من آيات البطولة ما خلد ذكرهما في التاريخ إذ كانا يتسابقان إلى ورد الموت، ويتزاحمان على حوضه المرير ليقتل أحدهما قبل الآخر. ثم رميت الجثث بالأرض تسيل دماؤها وتجرى مهجاتها، والكلاب تنوشها وترتع في أشلائها. هذه الحركة أثرت على البابية تأثيرًا ما فأضعفت صوتها العلني، ولكنها لم تبطل حركتها السرية، فانقلبت إلى مذهب سري سرى في كثير من الناس واعتنقه من كان لا يظن فيه أن يصبأ إليه. (ما هي عقائد البابيين): عقائد البابيين موجودة في كتبهم وأخصها كتاب البيان الذي وضعه باللغة العربية الباب نفسه، ولم نعثر نحن عليه لننقل منه للقراء فنستدرك هذا

стр. 407

النقص بترجمة عقائدهم عن الفرنسية كما وردت في دائرة معارف القرن التاسع عشر. في مذهب البابية الخلق مظهر الله ذاته، فالخالق في الإسلام يخلق لأنه أراد أن يخلق. وعند البابية هو يخلق لأنه لا يدرك حيًا مؤثرًا إلا بالخلق. وقد صرح البيان بأن مجموع الكائنات هو الله نفسه فإن فيه ما ترجمته: "الحق، يا مخلوقاتي أنك أنا" فإذا قامت القيامة رجع الخلق إلى الله وفنوا في وحدته التي صدروا عنها، فيتلاشى إذ ذاك كل شيء إلا الطبيعة الإلهية. فيرى الرائي من هذا أن أساس البابية مذهب وحدة الوجود بعينه. أما نظرية البابية في خلق الكون فهي: لله سبعة أحرف مقدسة تمثل صفاته الإلهية وهي القوة والقدرة والإرادة والتأثير والكبرياء والوحي، ولله خصائص أخرى لا تتناهى ولكن هذه الخصائص السبع هي التي استخدمها في خلق الكون المرئي لنا. فالتمثيل المزدوج لهذه الخصائص السبعة القول والكتابة وهي التي منحتنا الخلقة المزدوجة من روح ومادة فباعتبارها قولا هي منبع الأشياء العقلية، وباعتبارها أحرفا هي مصدر كل الأشياء المادية التي لولاها لم توجد المادة. فالعدد سبعة هو العدد المقدس عند البابية. ولكن يوجد عدد آخر أكبر شأنا عند البابية وهو ١٩. وذلك أنه فوق العبارات الخالقة يجب وضع كلمة (حي) لأن الحياة هي مصدر وثمرة السبع خصائص المتقدمة في آن واحد. فإذا حسبنا كلمة حي بحساب الجمل وجدنا الحاء بثمانية والياء بعضرة فيكون المجموع ١٨ فيضم إليها ١ لتكون الكلمة (أحي) فيكون المجموع ١٩ هذا العدد قال عنه الباب نفسه إنه المظهر العددي لله ذاته. قال ولا يجوز الشك في ذلك، فإن كلمة (واحد) التي يعبر بها الله عن نفسه في القرآن لتدل على وحدانيته هي بحساب الجمل (١٩) أيضًا فالواو ستة والألف واحد والحاء ثمانية والدال أربعة فيكون المجموع ١٩ وعليه فالعدد ١٩ معناه (الواحد الذي يمنح الحياة) أي الله الواحد الخالق ثم إن هذا العدد يحصر العدد سبعة الذي هو جملة الخصائص الإلهية التي خلقت هذا الكون من العدم. أما الصلاة عند البابية فيكتفى منها بمرة واحدة في كل شهر كما ورد في البيان كتابها المقدس. ولم تعترف بالنجاسة المعنوية التي يرفعها الوضوء فلم تعطه إلا جهة الفائدة العائدة

стр. 408

منه على النظافة والتجمل وأبطلت وجوب القبلة متمسكة بقوله تعالى (أينما تولوا فثم وجه الله). أما من الوجهة الأخلاقية فالبابية تهتم قبل كل شيء بتهذيب العواطف النفسية الجميلة كالسخاء ولطف المعاشرة والأدب، ولا يوجد في عقوبتها المقررة عقوبة الإعدام ولا التعذيب بالضرب ونحوه، فقد قال البيان في هذا ما ترجمته: "إن الله قد حرم استخدام الشدة حتى ولو ضربك ضارب بيده على الكتف". أما العقوبات المستعملة عند البابيين للتأديب فهي نوعان (أولا) التغريم على حسب شدة الجريمة (ثانيًا) الابتعاد عن مقاربة النساء مدة مناسبة للذنب المقترف أ. هـ. أقول: إن العرض الذي عرضه فريد وجدي ناقلًا إياه من المصادر الأوروبية كان فيه كثير من الحرارة التي تحوي في طياتها الدفاع عن فكرة المريض المنتن يصل إلى الإباحية في بعض صوره حتى إن قرة العين لم تقتل حتى أباحت المحرمات إلا أن العاطفة الأوروبية تكون دائمًا مع حرية الاعتقاد فتميل للدفاع الحار عن المضطهدين إلا إذا كانوا مسلمين، لاحظ العبارات الحارة التي مرت معنا في وصف ما حدث للبابية ثم ابحث عن مثلها إذا اضطهد المسلمون فإنك لا تجد إلا صمتًا. * * *

стр. 409

١٥ - البهائية البهائية هي البابية بعد تطويرها. وقد لخص حسن أيوب مذهبهم في رسالة عن (رسل الله وكتبه واليوم الآخر) فقال: البهائية: هم أتباع الميرزا حسين علي الذي لقب نفسه بالبهاء المولود في بلدة نور من ضواحي مازندران سنة ١٢٢٣ هـ قام في أول مرة بخلافة الباب ثم يدرج إلى المهدوية ثم النبوية والرسالة ثم الربوبية والألوهية. وقد عهد بالخلافة من بعده إلى ابنه عباس المسمى عبد البهاء وقد دان البهائيون لكل خليفة بعد البهاء وقدسوه وعبدوه مثل عبادتهم للبهاء. وقد نزل خليفتهم بمصر سنة ١٨٩٢ م وأسس فيها الدعوة للبهائيين وهلك البهاء في مدينة عكا سنة ١٣٠٩ هـ ١٨٩٢ م. دين البابية والبهائية (١) إن للوحي تأويلات سامية ومفاهيم خفية لا يجليها إلا ربها (الباب) أو البهاء (وما يعلم تأويله إلا الله أي الباب أو البهاء). (٢) ادعى البهاء المهدوية ثم الرسالة وأنه نزل عليه كتاب الأقدس الذي نسخ جميع ما تقدمه من الكتب السماوية ثم ادعى الألوهية وأمر بعبادة البشر. (٣) القول بموت عيسى صلبًا وعدم عودته بنفسه وإنما تحل روحه في غيره. والغير هنا رئيس المذهب الباب ثم البهاء. (٤) إنكار معجزات الأنبياء والبعث والحشر والوعد والوعيد والجنة والنار ولهذا ارتكبوا تأويل النصوص الدالة عليها بما يتنافى مع اللغة والدين. (٥) نسخ جميع الأديان ورسوم عبادتها والحدود الواردة فيها لعدم صلاحيتها للعالم في عصر التقدم ولهذا جاء البهاء بدينه الجديد للأحمر والأسود وقد ورد في أحكامه:

стр. 410

إن الصلاة تسع ركعات في البكور والزوال والاصال. وقد بطلت صلاة الجماعة. والقبلة عكا والحج إليها للرجال دون النساء. وتحريم الحجاب وإباحة السفور والاختلاط وجعل الحدود عقوبات مادية وغير ذلك من مفترياتهم وكذبهم أ. هـ. وكل عقيدة من العقائد السابقة مكفرة بنفسها فكيف وهي مجتمعة. * * *

стр. 411

١٦ - القاديانية وقد لخص مذهبهم الشيخ حسن أيوب في رسالة عن (رسل الله وكتبه واليوم الآخر) فقال: هم أتباع غلام أحمد المولود في (قاديان) مركز بنجاب مديرية كورداسور بالهند سنة ١٢٥٢ هـ. وقد ظلوا فرقة واحدة مدة حياته وأيام خليفته نور الدين. وفي آخر حياة نور الدين ابتدأ الخلاف وكان من أثره انقسامهم بعد وفاته إلى شعبتين: (١) شعبة قاديان: ورئيسهم محمود بن غلام أحمد. (٢) شعبة لاهور: وزعيمهم محمد علي الذي ترجم القرآن إلى اللغة الإنجليزية. والشعبة الأولى تدين بنبوة أحمد، والثانية تعتقد أنه مصلح وهذا خلاف ما ورد في كتاب مبتدع النحلة من أنه مهدي ثم نبي مرسل ثم عيسى الموعود به، وتوفي أحمد بعد حياة حافلة بنبوة تحرم الجهاد وتدعو إلى مساعدة الإنجليز لأنهم أرباب نعمته وأصحاب الفضل عليه في حمايته ونشر دعوته. مبادئ القاديانية: (١) القول بعدم ختم النبوة وتأويل ما يدل على ختمها. (٢) غلام أحمد هو المهدي والنبي المؤيد لشريعة محمد ﷺ وهو المسيح الموعود به. (٣) باب الوحي مفتوح للناس وقد نزل عليه ويسمعه بعض أتباعه. (٤) تحريم الجهاد والدعوة لطاعة ولاة الأمر والإنجليز. (٥) قاديان ومسجدها تماثل مكة ومسجدها، والحج إليها مثل الحج إلى مكة فهي ثالث الأماكن المقدسة. (٦) تكفير من لا يصدق به من المسلمين وتمثيلهم باليهود الذين كذبوا المسيح (يعني نفسه) في السلسلة المحمدية.

стр. 412

(٧) تفضيله وتفضيل أتباعه على جميع الأنبياء وأتباعهم (٨) ادعاؤهم أن المعنى المقصود من الآيات لا يدركها إلا المسيح القادياني، وإنكارهم أن سنة الرسول ﷺ أصل في التشريع وهم يدعون الناس عن طريق أنهم مسلمون مصلحون. والقاديانية والبهائية أخطر أصحاب المذاهب على الأمم الإسلامية وأشد كفرًا من اليهود والنصارى والمجوس، ويبطل دعوتهم ما قدمناه من ثبوت عموم رسالة النبي ﷺ وختمها للرسالات، وهم منتشرون في البلاد الإسلامية ويعاونهم الاستعمار بسلطانه الخفي وماله؛ لأنهم أعوانه وأداته في إشاعة الفساد بين المسلمين. أ. هـ. * * *

стр. 413

الفقرة الرابعة في: الخوارج خاصة وفيها: مقدمة ونصوص المقدمة الخارجية اعتقاد وخلق وسلوك، والخارجية أخطر ما يفرزه المجتمع الإسلامي بشكل مستمر وأقوالها وأفعالها تلتبس لأنها في ظاهرها التطبيق الأرقى للإسلام بسبب من تشددها في المواقف وغلوها في العمل، لذلك كان من أهم واجبات دعاة الإسلام أن ينبهوا على الخارجية. والسلوك الخارجي يقوم على المسارعة في التكفير، والخلق الخارجي يتمثل بكثرة العبادة دون أن يصل أثرها إلى القلوب ويتمثل بسفاهة العقول وتصرفات أحداث الأسنان ولو كبر أهله. أما العقيدة الخارجية كما استقرت عليه فلها مبادئ: من مثل تكفير علي وعثمان ﵄، ومن مثل اعتقاد وجوب الخروج على الولاة الذين يخالفونهم في وجهات النظر بصرف النظر عن الموازنات، ومن مثل تكفير مرتكب الذنب سواء كان صغيرة أو كبيرة، ومن مثل استحلال دماء وأموال وأعراض من خالفهم. قد تكون العقيدة الخارجية الآن ليست موجودة إلا في دوائر ضيقة ولكن الخلق والسلوك الخارجي يظهران في كثيرين. لقد ذكرنا من قبل أن للنفاق صورًا شتى: فهناك صورة النفاق الاعتقادي الذي ينبثق عنه سلوكه، وهناك النفاق العملي. وكذلك الخارجية: فهناك خارجية الاعتقاد، وهناك خارجية السلوك وعلى العلماء والمربين أن يحرروا المسلم من كل. ولذلك فإن النصوص الآتية ينبغي أن ينظر إليها لا على أنها تصف قضية تاريخية، بل على أنها تتحدث عن ظاهرة متجددة. والملاحظ: أن النصوص في الخوارج كثيرة، وقد عللنا لذلك في بدايات الفصل فليراجع.

стр. 414

النصوص ٤٤٢ - * روى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق". ٤٤٣ - * روى البخاري ومسلم عن سويد بن غفلة، قال: قال علي ﵁: إذا حدثتكم عن رسول الله ﷺ حديثًا، فوالله لأن أخر من السماء أحب إلي من أن أكذب عليه. وفي رواية (٣): من أن أقول عليه ما لم يقل، وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم، فإن الحرب خدعة، وإني سمعت النبي ﷺ يقول: "سيخرج قوم في آخر الزمان حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البرية، يقرؤون القرآن، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم عند الله يوم القيامة". ٤٤٤ - * روى مسلم عن عبيدة بن عمرو السلماني، عن علي ﵁، أنه ذكر الخوارج فقال: فيهم رجل مخدج اليد، أو مثدون اليد، أو مودن اليد، لولا أن تبطروا

стр. 415

لحدثتكم بما وعد الله الذين يقتلونهم على لسان محمد ﷺ . قال: فقلت: أنت سمعت هذا من محمد ﷺ ؟ قال: إي، ورب الكعبة- قالها ثلاثًا-. ٤٤٥ - * روى مسلم عن عبيد الله بن رافع- مولى رسول الله ﷺ ، أن الحرورية لما خرجت على علي بن أبي طالب، فقالوا: لا حكم إلا الله، قال علي: كلمة حق أريد بها باطل، إن رسول الله ﷺ وصف لنا ناسًا، إني لأعرف صفتهم في هؤلاء، يقولون الحق بألسنتهم، لا يجاوز هذا منهم- وأشار إلى حلقه- من أبغض خلق الله إليه، منهم أسود، في إحدى يديه طبي شاة، أو حلمة ثدي. فلما قتلهم علي بن أبي طالب، قال: انظروا. فنظروا، فلم يجدوا شيئًا، فقال: ارجعوا، فوالله ما كذبت ولا كذبت- مرتين أو ثلاثًا- ثم وجدوه في خربة فأتوا به، حتى وضعوه بين يديه، قال عبيد الله: وأنا حاضر ذلك من أمرهم وقول علي فيهم. زاد في رواية (١): قال ابن حنين: رأيت ذلك الأسود. ٤٤٦ - * روى مسلم عن زيد بن وهب الجهني، ﵁، أنه كان في الجيش الذين كانوا مع علي، الذين ساروا إلى الخوارج، فقال علي: أيها الناس، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يخرج قوم من أمتي، يقرؤون القرآن، ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية" لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضي لهم على لسان نبيهم ﷺ لنكلوا عن العمل، وآية ذلك: أن فيهم رجلًا له عضد، ليس له ذراع، على عضده، مثل حامة الثدي، عليه شعرات بيض، فتذهبون إلى معاوية

стр. 416

وأهل الشام، وتتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم وأموالكم؟ والله إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم، فإنهم قد سفكوا الدم الحرام، وأغاروا في سرح الناس، فسيروا. قال سلمة بن كهيل: فنزلني زيد بن وهب منزلًا، حتى قال: مررنا على قنطرة، فلما التقينا- وعلى الخوارج يومئذ: عبد الله بن وهب الراسبي- فقال لهم: ألقوا الرماح، وسلوا سيوفكم من جفونها، فإني أخاف أن يناشدوكم، كما ناشدوكم يوم حروراء، فرجعوا فوحشوا برماحهم وسلوا السيوف، وشجرهم الناس برماحهم، قال: وقتل بعضهم على بعض، وما أصيب من الناس يومئذ إلا رجلان، فقال علي: التمسوا فيهم المخدج.، فالتمسوا، فلم يجدوه، فقام علي بنفسه، حتى أتى ناسا، قد قتل بعضهم على بعض، قال: أخروهم، فوجدوه مما يلي الأرض، فكبر ثم قال: صدق الله، وبلغ رسوله، قال: فقام إليه عبيدة السلماني، فقال: يا أمير المؤمنين، الله الذي لا إله إلا هو، لسمعت هذا الحديث من رسول الله ﷺ ؟ قال: إي والله الذي لا إله إلا هو، حتى استحلفه ثلاثًا وهو يحلف له. وفي أخرى لأبي داود (١) عن أبي الوضيء قال: قال علي: اطلبوا المخدج ... فذكر الحديث، واستخرجوه من تحت قتلى في الطين، قال أبو الوضيء: فكأني أنظر إليه، حبشي عليه قريطق له، إحدى يديه مثل ثدي المرأة، عليها شعيرات مثل الشعيرات التي تكون على ذنب اليربوع. قال أبو مريم: إن كان ذلك المخدج لمعنا يومئذ في المسجد، نجالسه بالليل والنهار، وكان فقيرًا، ورأيته مع المساكين يشهد طعام علي مع الناس، وقد كسوته برنسا لي. قال أبو مريم: وكان المخدج يسمى نافعًا، ذا الثدية، وكان في يده مثل ثدي المرأة، على رأسه حلمة مثل حلمة الثدي، عليه شعيرات مثل سبالة السنور.

стр. 417

قال الخطابي: قد أجمع علماء المسلمين على أن الخوارج على ضلالتهم فرقة من فرق المسلمين، ورأوا مناكحتهم وأكل ذبائحهم، وأجازوا شهادتهم، وسئل عنهم علي بن أبي طالب، فقيل: أكفارهم؟ قال: من الكفر فروا، فقيل: فمنافقون هم؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلًا، وهؤلاء يذكرون الله بكرة وأصيلا، قيل: من هم؟ قال: قوم أصابتهم فتنة فعموا وصموا. قال الخطابي: فمعنى قوله ﷺ : "يمرقون من الدين" أراد بالدين: أنهم يخرجون من طاعة الإمام المفترض الطاعة، وينسلخون منها، والله أعلم. أقول: هؤلاء ثوم دخلوا في الإسلام وخرجوا منه سريعًا، ومظهر ذلك أن يقبلوه ثم لا يلتزموا بأحكامه. أقول: يلاحظ أنه ورد في هذه الرواية (لا تجاوز صلاتهم تراقيهم) وفي رواية سويد بن غفلة (لا يجاوز إيمانهم حناجرهم) وفي رواية عبيد الله بن أبي رافع: (يقولون الحق لا يجاوز هذا منهم- وأشار إلى حلقه) فهذه كلها علامات عليهم، ومن ثم فإن على المربين في الأمة الإسلامية أن يلحظوا هذا فيركزوا على الإيمان القلبي وعلى الخشوع القلبي في الصلاة وعلى أن يوافق القول العمل، وفي الرواية اللاحقة سنرى رواية أبي سعيد الخدري: (يقرأون القرآن لا يجاوز حلوقهم أو حناجرهم). فقراءة القرآن وتأثر القلب بها علامة على أن الإنسان ليس من هؤلاء وإلا فالخطر كبير. ٤٤٧ - * روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁، من رواية أبي سلمة وعطاء بن يسار، أنهما أتيا أبا سعيد الخدري فسألاه عن الحرورية، هل سمعت رسول الله ﷺ يذكرها؟ قال: لا أدري من الحرورية؟ ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول:

стр. 418

"يخرج في هذه الأمة- ولم يقل: منها- قوم، تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، يقرؤون القرآن، لا يجاوز حلوقهم- أو حناجرهم- يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، فينظر الرامي إلى سهمه، إلى نصله، إلى رصافه، فيتمارى في الفوقة: هل علق بها من الدم شيء؟ ". وفي رواية أبي سلمة والضحاك الهمداني (١): أن أبا سعيد الخدري قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ وهو يقسم قسمًا، أتاه ذو الخويصرة- وهو رجل من بني تميم- فقال: يا رسول الله، اعدل، فقال رسول الله ﷺ : "ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل"؟ - زاد في رواية: "قد خبت وخسرت إن لم أعدل" فقال عمر بن الخطاب: ائذن لي فيه فأضرب عنقه، فقال رسول الله ﷺ : "دعه، فإن له أصحابًا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم" زاد في رواية: "يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام". وفي رواية: "من الدين- كما يمرق السهم من الرمية، ينظر أحدهم إلى نصله فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيه فلا يوجد فيه شيء- وهو القدح- ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء، سبق الفرث والدم، آيتهم: رجل أسود، إحدى عضديه- وفي رواية: إحدى يديه- مثل البضعة تدردر، يخرجون على حين فرقة من الناس" قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله ﷺ ، وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل، فالتمس فوجد، فأتي به حتى نظرت إليه

стр. 419

على نعت رسول الله ﷺ الذي نعت. وفي أخرى (١)، قال أبو سعيد: بعث علي ﵁ وهو باليمن إلى النبي ﷺ بذهيبة في تربتها، فقسمها بين أربعة: الأقرع بن حابس الحنظلي: ثم أحد بني مجاشع، وبين عيينة بن بدر الفزاري، وبين علقمة بن علاثة العامري، ثم أحد بني كلاب، وبين زيد الخيل الطائي، ثم أحد بني نبهان، فتغضبت قريش والأنصار، فقالوا: يعطيه صناديد أهل نجد ويدعنا؟ قال [رسول الله ﷺ ]: "إنما أتألفهم" فأقبل رجل غائر العينين، ناتئ الجبين كث اللحية، مشرف الوجنتين، محلوق الرأس، فقال: يا محمد، اتق الله، فقال: "فمن يطيع الله، إذا عصيته؟ أفيأمنني على أهل الأرض، ولا تأمنوني؟ " فسأل رجل من القوم قتله- أراه خالد بن الوليد- فمنعه، فلما ولى، قال: "إن من ضئضئ هذا قومًا يقرؤون القرآن، لا يجتوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية، يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد". ولمسلم نحوه بزيادة ألفاظ (٢)، وفيها: بذهيبة في أديم مقروظ، لم تحصل من ترابها- وفيها- والرابع: إما علقمة بن علاثة، وإما عامر بن الطفيل- وفيها- "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءً"- وفيها- فقال: يا رسول الله، اتق الله، فقال: "ويلك! أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله؟ " قال: ثم ولى الرجل، فقال خالد بن الوليد: يا رسول الله: ألا أضرب عنقه؟ فقال: "لا، لعله أن يكون يصلي" قال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال

стр. 420

رسول الله ﷺ : "إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس، ولا أشق بطونهم"، قال: ثم نظر إليه وهو مقف، فقال: "إنه يخرج من ضئضئ هؤلاء قوم يتلون كتاب الله رطبًا، لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية" قال: أظنه قال: "لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود". وفي رواية (١): فقام إليه عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟ قال: "لا" فقام إليه خالد سيف الله، فقال: يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟ قال: "لا". وفي رواية البخاري (٢) أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وعملكم مع عملهم، ويقرؤون القرآن، لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر في النصل فلا يرى شيئًا، وينظر في القدح فلا يرى شيئًا، وينظر في الريش فلا يرى شيئًا، ويتمارى في الفوق". وللبخاري (٣) طرف منه أن النبي ﷺ قال: "يخرج ناس من قبيل المشرق يقرؤون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه حتى يعود السهم إلى فوقه" قيل: ما سيماهم؟ قال: "سيماهم التحليق- أو قال: التسبيد-". ولمسلم في أخرى (٤): أن النبي ﷺ ذكر قومًا يكونون في أمته، يخرجون في فرقة من

стр. 421

الناس، سيماهم التحالق، قال: "هم شر الخلق- أو من أشر الخلق- يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق". قال فضرب النبي ﷺ لهم مثلًا- أو قال قولًا- "الرجل يرمي الرمية- أو قال: الغرض- فينظر في النصل فلا يرى بصيرة، وينظر في الفوق فلا يرى بصيرة". قال أبو سعيد: وأنتم قتلتموهم يا أهل العراق. أقول: الرمية الصيد ومروق السهم منها دون أثر عليه يشير إلى الدخول فيها والخروج منها بسرعة دون أن يظهر أثر ضئيل عليه فهؤلاء دخلوا في الإسلام ولم يلبثوا أن خرجوا منه باعتقاداتهم الفاسدة يقرؤون القرآن يحسبونه لهم وهو عليهم، وأخشى أن ينطبق هذا على بعض مسلمي عصرنا فليحاسب الإنسان نفسه. ٤٤٨ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄، أنه ذكر الحرورية؛ فقال: قال رسول الله ﷺ : "يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية". ٤٤٩ - * روى البخاري ومسلم عن يسير بن عمرو ﵁، قال: قلت لسهل بن حنيف: هل سمعت النبي ﷺ يقول في الخوارج شيئًا؟ قال: سمعته يقول: - وأهوى بيده قبل العراق- "يخرج منه قوم يقرؤون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية". وفي رواية (٣) قال: "يتيه قوم قبل المشرق، محلقة رؤوسهم". ٤٥٠ - * روى النسائي عن شريك بن شهاب، قال: كنت أتمنى أن ألقى رجلا من

стр. 422

أصحاب النبي ﷺ ، آسأله عن الخوارج، فلقيت أبا بررة في يوم عيد في نفر من أصحابه، فقلت له: هل سمعت رسول الله ﷺ يذكر الخوارج؟ قال: نعم، سمعت رسول الله ﷺ بأذني، ورأيته بعيني، أتي رسول الله بمال، فقسمه، فأعطى من عن يمينه، ومن عن شماله، ولم يعط من وراءه شيئًا، فقام رجل من ورائه، فقال: يا محمد، ما عدلت في القسمة- رجل أسود مطموم الشعر، عليه ثوبان أبيضان- فغضب رسول الله غضبًا شديدًا وقال: "والله لا تجدون بعدي رجلًا هو أعدل مني" ثم قال: "يخرج في آخر الزمان قوم، كأن هذا منهم، يقرؤون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، سيماهم التحليق، لا يزالون يخرجون حتى يخرج آخرهم مع المسيح الدجال، فإذا لقيتموهم هم شر الخلق والخليقة". قال ابن الأثير: (مطموم الشعر): كثيره، قد طم رأسه، أي: غطاه، والطم: الشيء الكثير. أقول: ويحتمل أن يكون مطموم شعر اللحية حليق الرأس كما في رواية ستأتي معنا عن عامر بن واثلة. وعلى فهم ابن الأثير أقول تعليقًا: هذا خارجي لم يحلق شعر رأسه فالظاهر أن حلق الشعر بعد ذلك كان شعارًا لجميع الخوارج وهو وحده ليس علامة فارقة فلقد حلق رسول الله ﷺ رأسه وكان بعض الصحابة يحلقون رؤوسهم، ولم يزل بعض صالحي الأمة يحلقون رؤوسهم وليس فيه نهي أما النهي فقد ورد في حلق اللحى ولذلك احتملت أن تشير كلمة (التسبيد) الواردة في بعض النصوص أنها إشارة إلى خارجية تأتي بعد الخارجية الأولى سيماهم حلق اللحى وهو احتمال لم أر من نص عليه، لكنه احتمال قوي خاصة مع ورود النهي عن حلق اللحي فما لم يكن هناك عذر من خوف أو نحوه فإن المرجو من حملة الإسلام ألا يتساهلوا في حلق اللحي. (١)

стр. 423

٤٥١ - * روى مسلم عن أبي ذر الغفاري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن بعدي من أمتي- أو سيكون بعدي من أمتي- قوم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حلاقيمهم، يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه، هم شر الخلق والخليقة". قال ابن الصامت: فلقيت رافع بن عمرو الغفاري [أخا الحكم الغفاري قلت: ما حديث سمعته من أبي ذر كذا وكذا؟] فذكرت له هذا الحديث، فقال: وأنا سمعته من رسول الله ﷺ . ٤٥٢ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄: قال: أتى رجل بالجعرانة- منصرفنا من حنين- وفي ثوب بلال فضة، ورسول الله ﷺ يقبض منها ويعطي الناس، فقال: يا محمد، اعدل، فقال: "ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل؟! لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل" فقال عمر بن الخطاب: دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق، فقال: "معاذ الله أن يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، إن هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية". وأخرجه البخاري (١) قال: بينما رسول الله ﷺ يقسم غنيمة بالجعرانة إذ قال له رجل: اعدل، فقال: "لقد شقيت إن لم أعدل". ٤٥٣ - * روى الترمذي عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله

стр. 424

صلى الله عليه وسلم: "يخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقرؤون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يقولون من خير قول البرية، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية". ٤٥٤ - * روى أبو داود عن أبي سعيد الخدري، وأنس بن مالك ﵄، أن رسول الله ﷺ قال؛ "سيكون في أمتي اختلاف وفرقة، وقوم يحسنون القيل، ويسيئون الفعل، يقرؤون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ثم لا يرجعون حتى يرتد على فوقه، هم شر الخلق، طوبى لمن قتلهم وقتلوه، يدعون إلى كتاب الله، وليسوا منه في شيء، من قاتلهم كان أولى بالله منهم" قالوا: يا رسول الله، ما سيماهم؟ قال: "التحليق". وفي رواية عن أنس (١) نحوه قال: "سيماهم التحليق والتسبيد، فإذا رأيتموهم فأنيموهم". أقول: إن القاعدة عند علماء التفسير أنه ما من وعيد في الكفار إلا وينبغي أن يأخذ المسلم منه عبرة، وأن ينظر ما إذا كان فيه شيء من أخلاق الكافرين ليتجنبه، فإذا كان هذا في الكفار فمن باب أولى أن يتخوف المسلم أن يكون على شيء من أخلاق فرقة ضالة، ومن ههنا ننبه مسلمي عصرنا وكل عصر على أن يتأملوا في أخلاق الخوارج ويتجنبوها، لأن الخارجية كما تفيد النصوص متجددة في الأمة الإسلامية. ومن الأمثلة على ما ينبغي أن يحذره المسلم من أخلاقية الخوارج ما ورد في هذا النص: ١ - إحسان القول وإساءة الفعل. ٢ - عدم التأثر القلبي بالقرآن.

стр. 425

٣ - الخروج السريع من الدين وذلك: كأن يدخل فيه ثم لا يأخذ حظه من العلم والحكمة والتزكية، فيفتي بجهل ويعمل بهوى ويتصرف بسوء خلق ويعتبر ذلك كله دينًا وما هو من الدين. ٤ - يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء وذلك أنهم من حيث المبدأ يؤمنون بكتاب الله ويدعون إليه ولكن حظهم من التلاوة والفهم والتدبر والتأثر والحفظ شبه معدوم. ٥ - التحليق والتسبيد: لا يبعد أن يكون بعض الخوارج في بعض العصور ممن يحلقون لحاهم ويسبدون شعور رؤوسهم، لأن حلق الرأس وحده وإكرام اللحية ليس مأخذًا شرعيًا، ولذلك احتملنا أن يكون هذا الحديث في نوع من الخوارج يرتكبون منكر حلق اللحية وذلك هو المأخذ الشرعي. فالمسلم وهو يقرأ مثل هذا الحديث عليه أن يحاسب نفسه فيما إذا كان عنده شيء من مثل هذه الأخلاق. ٤٥٥ - * روى أحمد عن علي قال: قال رسول الله ﷺ "يكون في آخر الزمان قوم يقرؤون القرآن يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية قتالهم حق على كل مسلم". أقول: إن راوي الحديث وهو الإمام علي ﵁ قد ابتلى بقتال الخوارج الأول، وقد سن لنا في ذلك سننًا، والعلماء بنوا أحكامهم في الخوارج على ما سن، لأنه خليفة راشد، ونحن مأمورون باتباع سنة الخلفاء الراشدين، ومما سنه الإمام علي ﵁، أنه لم يبدأ الخوارج بالقتال إلا بعد ما قرروا القتال وبدأوه فعلًا. فالحديث محمول على مثل هذا، وعلماء المسلمين قرروا أنه يجب القتال مع الإمام الحق إذا خرجت عليه طائفة بغير الحق، فإذًا: لا يصح لأفراد الأمة الإسلامية أن يقتلوا من هو مظنة الخارجية إلا بقضاء إسلامي عادل وبعد تصرفات من الخارجي أو أقوال تبيح قتله، ثم لابد من ملاحظة أنه: "لا تزر وازرة وزر أخرى".
следующие страницы →