الناس، سيماهم التحالق، قال: "هم شر الخلق- أو من أشر الخلق- يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق". قال فضرب النبي ﷺ لهم مثلًا- أو قال قولًا- "الرجل يرمي الرمية- أو قال: الغرض- فينظر في النصل فلا يرى بصيرة، وينظر في الفوق فلا يرى بصيرة". قال أبو سعيد: وأنتم قتلتموهم يا أهل العراق.
أقول: الرمية الصيد ومروق السهم منها دون أثر عليه يشير إلى الدخول فيها والخروج منها بسرعة دون أن يظهر أثر ضئيل عليه فهؤلاء دخلوا في الإسلام ولم يلبثوا أن خرجوا منه باعتقاداتهم الفاسدة يقرؤون القرآن يحسبونه لهم وهو عليهم، وأخشى أن ينطبق هذا على بعض مسلمي عصرنا فليحاسب الإنسان نفسه.
٤٤٨ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄، أنه ذكر الحرورية؛ فقال: قال رسول الله ﷺ : "يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية".
٤٤٩ - * روى البخاري ومسلم عن يسير بن عمرو ﵁، قال: قلت لسهل بن حنيف: هل سمعت النبي ﷺ يقول في الخوارج شيئًا؟ قال: سمعته يقول: - وأهوى بيده قبل العراق- "يخرج منه قوم يقرؤون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية".
وفي رواية (٣) قال: "يتيه قوم قبل المشرق، محلقة رؤوسهم".
٤٥٠ - * روى النسائي عن شريك بن شهاب، قال: كنت أتمنى أن ألقى رجلا من
стр. 422
أصحاب النبي ﷺ ، آسأله عن الخوارج، فلقيت أبا بررة في يوم عيد في نفر من أصحابه، فقلت له: هل سمعت رسول الله ﷺ يذكر الخوارج؟ قال: نعم، سمعت رسول الله ﷺ بأذني، ورأيته بعيني، أتي رسول الله بمال، فقسمه، فأعطى من عن يمينه، ومن عن شماله، ولم يعط من وراءه شيئًا، فقام رجل من ورائه، فقال: يا محمد، ما عدلت في القسمة- رجل أسود مطموم الشعر، عليه ثوبان أبيضان- فغضب رسول الله غضبًا شديدًا وقال: "والله لا تجدون بعدي رجلًا هو أعدل مني" ثم قال: "يخرج في آخر الزمان قوم، كأن هذا منهم، يقرؤون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، سيماهم التحليق، لا يزالون يخرجون حتى يخرج آخرهم مع المسيح الدجال، فإذا لقيتموهم هم شر الخلق والخليقة".
قال ابن الأثير: (مطموم الشعر): كثيره، قد طم رأسه، أي: غطاه، والطم: الشيء الكثير.
أقول: ويحتمل أن يكون مطموم شعر اللحية حليق الرأس كما في رواية ستأتي معنا عن عامر بن واثلة.
وعلى فهم ابن الأثير أقول تعليقًا: هذا خارجي لم يحلق شعر رأسه فالظاهر أن حلق الشعر بعد ذلك كان شعارًا لجميع الخوارج وهو وحده ليس علامة فارقة فلقد حلق رسول الله ﷺ رأسه وكان بعض الصحابة يحلقون رؤوسهم، ولم يزل بعض صالحي الأمة يحلقون رؤوسهم وليس فيه نهي أما النهي فقد ورد في حلق اللحى ولذلك احتملت أن تشير كلمة (التسبيد) الواردة في بعض النصوص أنها إشارة إلى خارجية تأتي بعد الخارجية الأولى سيماهم حلق اللحى وهو احتمال لم أر من نص عليه، لكنه احتمال قوي خاصة مع ورود النهي عن حلق اللحي فما لم يكن هناك عذر من خوف أو نحوه فإن المرجو من حملة الإسلام ألا يتساهلوا في حلق اللحي. (١)
стр. 423
٤٥١ - * روى مسلم عن أبي ذر الغفاري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن بعدي من أمتي- أو سيكون بعدي من أمتي- قوم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حلاقيمهم، يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه، هم شر الخلق والخليقة".
قال ابن الصامت: فلقيت رافع بن عمرو الغفاري [أخا الحكم الغفاري قلت: ما حديث سمعته من أبي ذر كذا وكذا؟] فذكرت له هذا الحديث، فقال: وأنا سمعته من رسول الله ﷺ .
٤٥٢ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄: قال: أتى رجل بالجعرانة- منصرفنا من حنين- وفي ثوب بلال فضة، ورسول الله ﷺ يقبض منها ويعطي الناس، فقال: يا محمد، اعدل، فقال: "ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل؟! لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل" فقال عمر بن الخطاب: دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق، فقال: "معاذ الله أن يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، إن هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية".
وأخرجه البخاري (١) قال: بينما رسول الله ﷺ يقسم غنيمة بالجعرانة إذ قال له رجل: اعدل، فقال: "لقد شقيت إن لم أعدل".
٤٥٣ - * روى الترمذي عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله
стр. 424
صلى الله عليه وسلم: "يخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقرؤون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يقولون من خير قول البرية، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية".
٤٥٤ - * روى أبو داود عن أبي سعيد الخدري، وأنس بن مالك ﵄، أن رسول الله ﷺ قال؛ "سيكون في أمتي اختلاف وفرقة، وقوم يحسنون القيل، ويسيئون الفعل، يقرؤون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ثم لا يرجعون حتى يرتد على فوقه، هم شر الخلق، طوبى لمن قتلهم وقتلوه، يدعون إلى كتاب الله، وليسوا منه في شيء، من قاتلهم كان أولى بالله منهم" قالوا: يا رسول الله، ما سيماهم؟ قال: "التحليق".
وفي رواية عن أنس (١) نحوه قال: "سيماهم التحليق والتسبيد، فإذا رأيتموهم فأنيموهم".
أقول: إن القاعدة عند علماء التفسير أنه ما من وعيد في الكفار إلا وينبغي أن يأخذ المسلم منه عبرة، وأن ينظر ما إذا كان فيه شيء من أخلاق الكافرين ليتجنبه، فإذا كان هذا في الكفار فمن باب أولى أن يتخوف المسلم أن يكون على شيء من أخلاق فرقة ضالة، ومن ههنا ننبه مسلمي عصرنا وكل عصر على أن يتأملوا في أخلاق الخوارج ويتجنبوها، لأن الخارجية كما تفيد النصوص متجددة في الأمة الإسلامية.
ومن الأمثلة على ما ينبغي أن يحذره المسلم من أخلاقية الخوارج ما ورد في هذا النص:
١ - إحسان القول وإساءة الفعل.
٢ - عدم التأثر القلبي بالقرآن.
стр. 425
٣ - الخروج السريع من الدين وذلك: كأن يدخل فيه ثم لا يأخذ حظه من العلم والحكمة والتزكية، فيفتي بجهل ويعمل بهوى ويتصرف بسوء خلق ويعتبر ذلك كله دينًا وما هو من الدين.
٤ - يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء وذلك أنهم من حيث المبدأ يؤمنون بكتاب الله ويدعون إليه ولكن حظهم من التلاوة والفهم والتدبر والتأثر والحفظ شبه معدوم.
٥ - التحليق والتسبيد: لا يبعد أن يكون بعض الخوارج في بعض العصور ممن يحلقون لحاهم ويسبدون شعور رؤوسهم، لأن حلق الرأس وحده وإكرام اللحية ليس مأخذًا شرعيًا، ولذلك احتملنا أن يكون هذا الحديث في نوع من الخوارج يرتكبون منكر حلق اللحية وذلك هو المأخذ الشرعي. فالمسلم وهو يقرأ مثل هذا الحديث عليه أن يحاسب نفسه فيما إذا كان عنده شيء من مثل هذه الأخلاق.
٤٥٥ - * روى أحمد عن علي قال: قال رسول الله ﷺ "يكون في آخر الزمان قوم يقرؤون القرآن يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية قتالهم حق على كل مسلم".
أقول: إن راوي الحديث وهو الإمام علي ﵁ قد ابتلى بقتال الخوارج الأول، وقد سن لنا في ذلك سننًا، والعلماء بنوا أحكامهم في الخوارج على ما سن، لأنه خليفة راشد، ونحن مأمورون باتباع سنة الخلفاء الراشدين، ومما سنه الإمام علي ﵁، أنه لم يبدأ الخوارج بالقتال إلا بعد ما قرروا القتال وبدأوه فعلًا. فالحديث محمول على مثل هذا، وعلماء المسلمين قرروا أنه يجب القتال مع الإمام الحق إذا خرجت عليه طائفة بغير الحق، فإذًا: لا يصح لأفراد الأمة الإسلامية أن يقتلوا من هو مظنة الخارجية إلا بقضاء إسلامي عادل وبعد تصرفات من الخارجي أو أقوال تبيح قتله، ثم لابد من ملاحظة أنه: "لا تزر وازرة وزر أخرى".
стр. 426
٤٥٦ - * روى الحاكم عن عبد الله بن عباس قال: لما اعتزلت [الحرورية في] حروراء وكانوا في دار على حدتهم قلت لعلي: يا أمير المؤمنين أبرد [في] الصلاة لعلي آتي هؤلاء القوم فأكلمهم. قال: فإني أتخوفهم عليك، قال: قلت كلا إن شاء الله. قال: فلبست أحسن ما أقدر عليه من هذه اليمانية ثم دخلت عليهم وهم قائلون في نحر الظهيرة قد خلت على قوم لم أر قومًا قط أشد اجتهادًا منهم، أيديهم كأنها ثفن الإبل ووجوهم معلبة من آثار السجود [أي فيها أثر بسبب السجود]، قال: فدخلت، فقالوا: مرحبًا بك يا ابن عباس ما جاء بك، قال: جئت أحدثكم عن أصحاب رسول الله ﷺ نزل الوحي وهم أعلم بتأويله، فقال بعضهم: لا تحدثوه. وقال بعضهم: لنحدثنه، قال: قلت: أخبروني ما تنقمون على ابن عم رسول الله ﷺ وختنه وأول من آمن به وأصحاب رسول الله ﷺ معه؟ قالوا: ننقم عليه ثلاثًا، قلت: ما هن؟ قالوا: أولهن أنه حكم الرجال في دين الله وقد قال الله ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ (١) قال: قلت وماذا؟ قالوا: وقاتل ولم يسب ولم يغنم، لئن كانوا كفارًا لقد حلت له أموالهم ولئن كانوا مؤمنين لقد حرمت عليه دماؤهم. قال: قلت وماذا؟ قالوا: ومحا نفسه من أمير المؤمنين فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين. قال: قلت أرأيتم إن قرأت عليكم من كتاب الله المحكم وحدثتكم من سنة نبيكم ﷺ ما لا تنكرون أترجعون؟ قالوا نعم، قال: قلت أما قولكم إنه حكم الرجال في دين الله فإنه يقول ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ وإلى قوله ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٢) وقال في المرأة وزوجها ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ (٣) أنشدكم الله، أحكم الرجال في حقن دمائهم وأنفسهم وصلاح ذات بينهم أحق أم في أرنب ثمنها ربع درهم؟ قالوا: اللهم في حقن دمائهم وصلاح ذات بينهم. قال:
стр. 427
خرجت من هذه؟ قالوا: اللهم نعم. وأما قولكم إنه قاتل ولم يسب ولم يغنم. أتسبون أمكم [أي عائشة ﵂] أم تستحلون منها ما تستحلون من غيرها؟ فقد كفرتم، وإن زعمتم أنها ليست بأمكم فقد كفرتم وخرجتم من الإسلام، إن الله يقول ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ فأنتم تترددون بين ضلالتين فاختاروا أيهما شئتم؟ أخرجت من هذه؟ قالوا: اللهم نعم. [قال]: وأما قولكم إنه محا نفسه من أمير المؤمنين فإن رسول الله ﷺ دعا قريشًا يوم الحديبية على أن يكتب بينه وبينهم كتابًا فقال: "اكتب [أي لعلي] هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله" فقالوا والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ولكن اكتب محمد بن عبد الله، فقال: "والله إني لرسول الله وإن كذبتموني اكتب يا علي محمد بن عبد الله" فرسول الله ﷺ كان أفضل من علي. أخرجت من هذه؟ قالوا: اللهم نعم. فرجع منهم عشرون ألفًا وبقي منهم أربعة آلاف فقتلوا.
أقول: يلاحظ من خلال النقاش الدائر بين ابن عباس ﵄ والخوارج أنه قد رجع القسم الأكبر منهم إلى جادة الصواب، وهذا يفيد أنه بالعلم الصحيح وبالحجة القوية يمكن أن تعالج ظاهرة الخارجية في الأمة الإسلامية، ومن ههنا أكثرنا من الحض على التعرف على كل أصول الثقافة الإسلامية وفروعها، لأنه بذلك وحده يوجد العاصم عن الخطأ الاعتقادي، وتوجد الحصانة ضد الفكر الشاذ، وشرطنا لهذه الثقافة أن تكون على ضوء فهوم الراسخين في العلم من هذه الأمة ممن شهدت لهم الأمة بالعدالة، ولم يعرف عنهم شذوذ اعتقادي أو فتوى تخالف إجماعًا.
٤٥٧ - * روى الطبراني في الصغير والأوسط عن علي قال: لقد علم أولو العلم من آل محمد وعائشة بنت أبي بكر فاسألوها أن أصحاب ذي الثدية ملعونون على لسان النبي الأمي ﷺ . وفي رواية أن أصحاب النهروان.
стр. 428
٤٥٨ - * روى أبو يعلى عن عبيد الله بن عياض بن عمرو القاري أنه جاء عبد الله بن شداد بن الهاد فدخل على عائشة ونحن عندها جلوس مرجعه من العراق ليالي قتل علي بن أبي طالب ﵁، فقالت له: يا ابن شداد بن الهاد، هل أنت صادقي عما أسألك عنه؟ حدثني عن هؤلاء القوم الذين قتلهم علي قال: ومالي لا أصدقك؟ قالت: فحدثني عن قصتهم. قال: فإن علي بن أبي طالب لما كاتب معاوية وحكم الحكمان خرج عليه ثمانية آلاف من قراء الناس فنزلوا بأرض يقال لها حرورا من جانب الكوفة وإنهم عابوا عليه فقالوا: انسلخت من قميص كساكه الله واسم سماك الله به ثم انطلقت فحكمت في دين الله. فلا حكم إلا لله. فلما بلغ عليًا ما عابوا عليه وفارقوه عليه فأمر مؤذنا فأذن أن لا يدخل على أمير المؤمنين إلا من قد حمل القرآن، فلما امتلأت الدار من قراء الناس دعا بمصحف إمام عظيم فوضعه بين يديه فجعل يصكه بيده ويقول: أيها المصحف حدث الناس، فناداه الناس: يا أمير المؤمنين ما تسأل عنه إنما هو مداد في ورق يتكلم بما رأينا منه، فما يزيد، قال: أصحابكم أولئك الذين خرجوا بيني وبينهم كتاب الله. يقول الله في كتابه في امرأة ورجل ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ (١) فأمة محمد ﷺ أعظم حرمة أو ذمة من رجل وامرأة: ونقموا علي أني كاتبت معاوية، وكتبت علي بن أبي طالب، وقد جاء سهيل بن عمرو فكتب رسول الله ﷺ بسم الله الرحمن الرحيم قال: لا تكتب بسم الله الرحمن الرحيم. قال: "وكيف نكتب"؟ قال سهيل: اكتب باسمك اللهم، فقال رسول الله ﷺ : "فاكتب محمد رسول الله" فقال: لو أعلم أنك رسول الله لم أخالفك. فكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله قريشًا. يقول الله في كتابه ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ (٢) فبعث إليهم عبد الله بن عباس فخرجت معه حتى إذا توسطنا عسكرهم قام ابن الكوا فخطب الناس فقال: يا حملة القرآن هذا عبد الله بن عباس فمن لم يكن يعرفه فليعرفه فأنا أعرفه من كتاب الله هذا ممن نزل فيه وفي قومه ﴿قَوْمٌ
стр. 429
خَصِمُونَ﴾ (١) فردوه إلى صاحبه ولا تواضعوه كتاب الله. قال: فقام خطباؤهم فقالوا والله لنواضعنه الكتاب فإن جاء بالحق نعرفه لنتبعنه وإن جاء بباطل لنبكتنه بباطل ولنردنه إلى صاحبه. فواضعوا عبد الله بن عباس ثلاثة أيام فرجع منهم أربعة آلاف كلهم تائب فيهم ابن الكوا حتى أدخلهم على علي الكوفة فبعث علي إلى بقيتهم قال: قد كان من أمرنا وأمر الناس ما قد رأيتم فقفوا حيث شئتم، بيننا وبينكم أن لا تسفكوا دمًا حرامًا أو تقطعوا سبيلًا أو تظلموا ذمة فإنكم إن فعلتم فقد نبذنا إليكم الحرب على سواء إن الله لا يحب الخائنين قال فقالت له عائشة: يا ابن شداد فقد قتلهم، قال: فوالله ما بعث إليهم حتى قطعوا السبيل وسفكوا الدماء واستحلوا الذمة. فقالت: والله؟ قال الله الذي لا إله إلا هو لقد كان. قالت: فما شيء بلغني عن أهل العراق يتحدثونه يقولون ذا الثدية مرتين. قال: قد رأيته وقمت مع علي معه على القتلى فدعا الناس فقال: أتعرفون هذا؟ فما أكثر من جاء يقول رأيته في مسجد بني فلان يصلي ولم يأتوا فيه بثبت يعرف إلا ذاك. قالت: فما قول علي حين قام عليه كما يزعم أهل العراق؟ قال: سمعته يقول: صدق الله ورسوله. قالت: فهل رأيته قال غير ذلك؟ قال: اللهم لا. قالت: أجل صدق الله ورسوله يرحم الله عليا إنه كان من كلامه لا يري شيئًا يعجبه إلا قال صدق الله ورسوله. فيذهب أهل العراق فيكذبون عليه ويزيدون في الحديث.
أقول:
الظاهر من الرواية أن عائشة لم تر نسبة قضية ذي الثدية إلى رسول الله ﷺ ولم تكذب عليًا، والروايات الصحيحة لم تدع مجالا للشك أن عليا سمع ذلك من رسول الله ﷺ ، ولا تناقض بين هذه الرواية والتي قبلها، فقد ذكر الراوي هناك روايتين في الكلمة المنقولة عن علي وأصحاب الثدية أو أصحاب النهروان، والظاهر أن عائشة لم تنكر قتل أهل حروراء بل ورد على لسانها ما يدل على معرفتها بغلوهم كما في سؤالها للمرأة (أحرورية أنت).
стр. 430
٤٥٩ - * روى الطبراني عن أبي أمامة عن النبي ﷺ في قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٢) قال: "هم الخوارج".
٤٦٠ - * روى الطبراني في الكبير والأوسط عن حميد بن هلال قال: غزا عمارة بن قرض الليثي غزاة له فمكث فيها ما شاء الله ثم رجع حتى إذا كان قريبًا من الأهواز سمع صوت الأذان فقال: والله مالي عهد بصلاة بجماعة من المسلمين منذ ثلاث. وقصد نحو الأذان يريد الصلاة، فإذا هو بالأزارقة فقالوا له: ما جاء بك يا عدو الله فقال: ما أنتم إخواني؟ قالوا: أنت أخو الشيطان لنقتلنك. قال: أما ترضون مني بما رضي به رسول الله ﷺ ؟ قالوا أي شيء رضي به منك؟ قال: أتيته وأنا كافر، فشهدت أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله فخلى عني فأخذوه فقتلوه.
٤٦١ - * روى أحمد عن أبي سعيد الخدري، أن أبا بكر الصديق جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني بواد كذا وكذا فإذا رجل متخشع حسن الهيئة يصلي فقال له النبي ﷺ : "اذهب فاقتله". قال: فذهب إليه أبو بكر فلما رآه على تلك الحال كره أن يقتله فرجع إلى رسول الله ﷺ . فقال النبي ﷺ لعمر: "اذهب فاقتله" فذهب عمر فرآه على الحال الذي رآه أبو بكر فيه، قال فرجع. فقال: يا رسول الله إني رأيته يصلي متخشعًا فكرهت أن أقتله. قال: يا علي "اذهب فاقتله". فذهب علي فلم يره فرجع علي فقال: يا رسول الله لم أره. قال: فقال النبي ﷺ : "إن هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ثم لا
стр. 431
يعودون فيه حتى يعود السهم في فوقه فاقتلوهم هم شر البرية".
أقول: أمر رسول الله ﷺ بقتل هذا الشخص وحيًا، أما نحن فلا يحل لنا أن نقتل إلا على بينة، وقد رأينا أن عليا لم يقتل الخوارج ولم يقاتلهم إلا بعد أن بدأوا بسفك الدماء المعصومة واستحلال الأموال المعصومة وحيازاتها، والفقهاء يعتبرون فعل علي في شأن البغاة هو الأصل الذي يرجع إليه لأنه القدوة فيه فهو الخليفة الراشد.
٤٦٢ - * روى أحمد عن شريك بن شهاب قال: كنت أتمنى أن ألقى رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ يحدثني عن الخوارج فلقيت أبا برزة في يوم عرفة في نفر من أصحابه فقلت: يا أبا برزة حدثنا بشيء سمعته من رسول الله ﷺ يقوله في الخوارج قال: أحدثك بما سمعت أذناي ورأت عيناي، أتي رسول الله ﷺ بدنانير فكان يقسمها وعنده رجل أسود مطموم الشعر عليه ثوبان أبيضان بين عينيه أثر السجود فتعرض لرسول الله ﷺ فأتاه من قبل وجهه فلم يعطه شيئًا، فأتاه من قبل يمينه فلم يعطه شيئًا، ثم أتاه من خلفه فلم يعطه شيئًا، فقال: والله يا محمد ما عدلت في القسمة منذ اليوم. فغضب رسول الله ﷺ غضبًا شديدًا ثم قال: "والله لا تجدون بعدي أحدًا أعدل عليكم مني" قالها ثلاثًا، ثم قال: "يخرج من قبل المشرق رجال كأن هذا منهم، هديهم هكذا، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية لا يرجعون إليه". ووضع يده على صدره "سيما التحليق لا يزالون يخرجون حتى يخرج آخرهم مع الدجال فإذا رأيتموهم فاقتلوهم"، قالها ثلاثًا "شر الخلق والخليقة" قالها ثلاثًا، وقال حماد: لا يرجعون فيه.
أقول: هذا الحديث يدل على أن الخارجية متجددة الظهور في الأمة الإسلامية. وقوله ﵇: "فإذا رأيتموهم فاقتلوهم": يفيد أن القتل متوقف على رؤية هؤلاء الموصفين بهذه الصفات يقينًا، لأن القتل لا يجوز بالظن، والمعرفة اليقينية متوقفة على
стр. 432
الحقيقة والآثار، وحقيقة ما في القلوب مغيبة عنا فلم يبق إلا الآثار التي تبيح القتل، والأصل: أن نحسن الظن بالمسلم. ولا يخالف هذا الأصل إلا بأدلة تبيح ذلك، فكيف بالقتل وقد غلب في العصور المتأخرة التسرع في القتل بحجة الخارجية، والذي نراه لقارئ النصوص الواردة في الخوارج أن يتهم نفسه وأن يحترس في اتهام الآخرين إلا إذا وصل عن طريق العلم الصحيح إلى يقين، ومع ذلك فإن هذا اليقين لا يكفي للقتل إلا إذا تصرف هؤلاء التصرفات التي تبيح قتلهم وقتالهم، وقد رأينا تفصيلات ذلك.
٤٦٣ - * روى الطبراني عن عبد الله بن عمرو، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول "يخرج ناس من قبل المشرق يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم كلما قطع قرن نشأ قرن حتى يكون مع بقيتهم الدجال".
٤٦٤ - * روى الطبراني عن عامر بن واثلة قال: لما كان يوم حنين أتى رسول الله ﷺ رجل مجزوز الرأس أو محلوق الرأس قال: ما عدلت. فقال له رسول الله ﷺ : "فمن يعدل إذا لم أعدل أنا؟ " قال: فغفل عن الرجل فذهب. فقال: "أين الرجل"؟ فطلب فلم يدرك. فقال: "إنه سيخرج في أمتي قوم سيماهم سيما هذا يمرقون من الدين كمل يمرق السهم من الرمية ينظر في قدحه فلم ير شيئًا، ينظر في رصافه فلم ير شيئًا، ينظر في فوقه فلم ير شيئًا".
(القدح): السهم قبل أن يراش ويركب نصله.
أقول: من مظاهر الخارجية: الورع الجاهل والتشدد المنبعث عن قوة نفس لا عن قوة إيمان، ومن مظاهرها: سوء الأدب مع من يجب لهم التوقير والاحترام كما في فعل هذا: إذ يأمر رسول الله ﷺ بالعدل، ولقد فشا سوء الأدب، وهذا مما ينبغي أن يفطن له المربون ولا يعالج هذا الأمر إلا بأن يكون الكبير جديرًا بالاحترام، وتصرفاته حكيمة وأقواله مستقيمة وأن يربي الصغير على توقير الكبير.
стр. 433
٤٦٥ - * روى البزار عن عقبة بن وساج قال: كان صاحب لي يحدثني عن عبد الله بن عمرو في شأن الخوارج، فحججت، فلقيت عبد الله بن عمرو، فقلت: إنك بقية أصحاب رسول الله ﷺ ، وقد جعل الله عندك علمًا، إن ناسا يطعنون على أمرائهم ويشهدون عليهم بالضلالة. قال: على أولئك لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. أتي رسول الله ﷺ بسقاية من ذهب أو فضة فجعل يقسمها بين أصحابه فقام رجل من أهل البادية فقال: يا محمد لئن كان الله أمرك بالعدل فلم تعدل. فقال: "ويلك فمن يعدل عليكم بعدي"؟ فلما أدبر قال رسول الله ﷺ : "إن في أمتي أشباه هذا يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم فإن خرجوا فاقتلوهم ثم إن خرجوا فاقتلوهم". قال ذلك ثلاثًا.
أقول: نفهم من كلام ابن عمرو: أن الطعن في الأمراء والحكام من أخلاق الخوارج، وهذه القضية لها تفضيلاتها. فأمراء العدل تجب علينا طاعتهم، وتحرم علينا غيبتهم لأن هذا يؤدي إلى خلخلة الثقة، وفي ذلك ما فيه من إفساد العباد والبلاد، أما أمراء الجور والكذب والضلال فهؤلاء ننصحهم إن استطعنا أو نجفوهم، ويصح الكلام فيهم إذا صحت النية وتحققت المصلحة كإبعاد مسلم عن تصديقهم في كذب أو طاعتهم في باطل أو ظلم إلى غير ذلك، ولا يعرف حدود ذلك إلا عليم حكيم زكي النفس، ولذلك كان من مهمات الرسل عليهم الصلاة والسلام: تلقين العلم والحكمة وتزكية الأنفس، والمسلمون بحاجة مستمرة إلى البيئات التي يجتمع لهم فيها تلقن العلم والحكمة وتزكية الأنفس.
٤٦٦ - * روى الحاكم عن شداد بن عبد الله أبي عمار قال شهدت أبا أمامة الباهلي ﵁ وهو واقف على رأس الحرورية عند باب دمشق وهو يقول: كلاب أهل النار- قالها ثلاثًا- خير قتلى من قتلوه. ودمعت عيناه. فقال له رجل يا أبا أمامة أرأيت قولك هؤلاء كلاب النار أشيء سمعته من رسول الله ﵌ أو من رأيك؟ قال إني إذًا لجريء، لو لم أسمعه من رسول الله ﵌ إلا مرة أو مرتين أو ثلاثاً
стр. 434
وعد سبع مرات ما حدثتكموه. قال له رجل: إني رأيتك قد دمعت عيناك قال: إنهم لما كانوا مؤمنين وكفروا بعد إيمانهم، ثم قرأ ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ (١) الآية فهي لهم مرتين.
أقول: ليس المراد بالكفر هنا الكفر الحقيقي، فالإمام علي نفسه لم يكفر الخوارج، وإنما هو كفر نعمة الوحدة والائتلاف، وقد رأينا أن أهل السنة لم يكفروا من الخوارج إلا بعض فرقهم الذين استحلوا الحرام القطعي.
والملاحظ: أن أبا أمامة حدث عن خوارج خرجوا في العهد الأموي، ومن موقف أبي أمامة هذا ندرك أن الخروج المسلح على الحكام هو على شفتا خطرٍ إلا إذا وجد الكفر البواح أو وجدت الفتوى البصيرة من أهلها، والفتوى في هذه الحالة محكومة بموازنات متعددة، وحتى في حالة الكفر البواح فإن القتال لا تجب مباشرته إلا إذا توافرت شروط ولا يبعد أن تكون مباشرته من فروض الكفاية في بعض الأحوال، ولكن ذلك كله يخضع للفتوى البصيرة من أهلها، وما أقل الذين يعرفون الفتوى، والذين يعرفون أن يفتوا في مثل هذه الشؤون على ضوء فهوم الراسخين في العلم وأئمة الاجتهاد، وقد ذكر ابن عابدين - من فقهاء الحنفية- في كتاب الجهاد من حاشيته: "أن الجهاد قد يكون فريضة عينية ولا يأثم من لم يباشره"، وضرب أمثلة على ذلك.
٤٦٧ - * روى ابن ماجه عن أبي أمامة يقول شر قتلى قُتلوا تحت أديم السماء وخير قتيلٍ من قتلوا، كلابُ أهل النار، قد كان هؤلاء مسلمين فصاروا كفاراً قلت يا أبا أمامة هذا شيء تقوله؟ قال: بل سمعته من رسول الله ﷺ .
٤٦٨ - * روى الإمام أحمد عن أنس قال: ذُكر لي أن رسول الله ﷺ قال ولم أسمعه منه:
стр. 435
"إن فيكم قوماً يتعبدون فيدأبون حتى يعجب بهم الناس وتُعجبهم أنفسهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية".
٤٦٩ - * روى الإمام أحمد عن عبد الملك بن مُليل السليحي قال: كنت جالساً قريباً من المنبر يوم الجمعة فخرج محمد بن أبي حذيفة فاستوى على المنبر فخطب ثم قرأ عليهم سورة من القرآن وكان من أقرأ الناس فقال عقبة بن عامر: صدق الله ورسوله، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ليقرأن القرآن رجال لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية".
أقول: محمد بن أبي حذيفة ممن خرج على عثمان ﵁، ولذلك وصفه عقبة بن عامر بما وصف به الخوارج.
٤٧٠ - * روى الإمام أحمد عن سعيد بن جُمهان قال لقيت عبد الله بن أبي أوفى وهو محجوب البصر فسلمتُ عليه فقال: من أنت؟ قلت: أنا سعيد بن جمهان. قال: ما فعل والدك؟ قلت: قتلته الأزارقة قال: لعن الله الأزارقة، حدثنا رسول الله ﷺ أنهم كلاب النار. قال: قلت الأزارقة وحدهم أم الخوارج كلها قال: بل الخوارج كلها. قال: قلت: فإن السلطان يظلم الناس ويفعل بهم ويفعل بهم. قال: فتناول يدي فغمزها غمزةً شديدة ثم قال: ويحك يا ابن جمهان عليك بالسواد الأعظم -مرتين- إن كان السلطان يسمع منك فائته في بيته فأخبره بما تعلم فإن قبل منك وإلا فدعه فإنك لست بأعلم منه.
أقول: هذا في سلطان يقيم الصلاة ولا يعلن الكفر البواح، ويقيم في الناس كتاب الله على خلل في العمل أو في التطبيق، لكن الفقهاء قالوا: إذا فسق السلطان استحق العزل ما لم يكن في عزله فتنة أكبر من إبقائه، وبعضهم قال: ينعزل الإمام بمجرد فسوقه، فلا تجب
стр. 436
بذلك طاعته شرعاً، وإن لم يستطع المسلمون عزله فلا عليهم.
٤٧١ - * روى الإمام أحمد عن مِقْسم بن بُجرة مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: خرجتُ أنا وتليدُ بن كلاب الليثي حتى أتينا عبد الله بن عمرو بن العاص وهو يطوف بالبيت مُعلقاً نعليه بيده، فقلنا له: هل حضرت رسول الله ﷺ حين كلمه التميمي يوم حنين قال: نعم، أقبل رجل من بني تميم يقال له ذو الخويصرة فوقف على رسول الله ﷺ وهو يعطي الناس فقال: يا محمدُ قد رأيتُ ما صنعت منذ اليوم فقال رسول الله ﷺ : "أجل فكيف رأيت؟ " قال: لم أرك عدلت قال: فغضب رسول الله ﷺ قال: "ويحك إن لم يكن العدل عندي فعند من يكون؟ " فقال عمر بن الخطاب ﵀: ألا تقتله. قال: "لا، دعوه فإن له شيعةً يتعمقون في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية ينظر في النصل فلا يجد شيئاً ثم في القدح فلا يوجد شيء ثم في الفوق فلا يوجد شيء سوى الفرث والدم".
٤٧٢ - * روى الحاكم عن أبي بُردة قال كنت جالساً عند عُبيد الله بن زياد فأُتي برؤوس الخوارج كلما جاء رأس قلت: إلى النار. فقال عبد الله بن يزيد الأنصاري أو لا تعلم يا ابن أخي أني سمعتُ رسول الله ﵌ يقول: "إن عذاب هذه الأمة جعل في دنياها".
أقول: من المعروف عُبيد الله بن زياد من عتاة الأمراء، وهو الذي كان أميراً على العراق يوم قتل الحسين ﵁، فهو الذي أرسل الجيش لقتاله، وكلام أبي بردة في خوارج خرجوا عليه تتحقق فيهم صفات الخوارج لكن رد عبد الله بن يزيد الأنصاري بما يفيد "أن القتل كفارة تمنع من النار" يشير إلى ما ذكره الفقهاء فيما بعد أن البغاة هم
стр. 437
الخارجون على الإمام الحق بغير الحق، فإذا ما خرج ناس بالحق على الإمام الحق فليسوا ببغاة. ويجب على الإمام أن يتراجع، وإذا ما خرج ناس على الإمام غير الحق فليسوا ببغاة، ولمثل هذه المعاني أراد عبد الله بن يزيد الأنصاري أن يُشْعِر أبا بردة بأن هؤلاء ليسوا من كلاب النار، بل قد يكونون من الناجين عند الله.
* * *
стр. 438
الفقرة الخامسة
في:
ضرورة لزوم الجماعة
وفي:
التعرف على الفرقة الناجية
وفيها:
مقدمة ونصوص ونقول
النصوص كثيرة في المنع عن مفارقة الجماعة وفي الحض على لزومها، وتأتي الجماعة في اصطلاح الشارع والمراد بها ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، ومن ههنا وجد اصطلاح: (أهل السنة والجماعة). ولأهل السنة والجماعة عقائدهم ومذاهبهم الأصولية والفقهية ويجمعهم إيمان بالكتاب والسنة وما ينبثق عنهما، وضوابط في فهم الكتاب والسنة، وما لم يكن الإنسان هذا شأنه في الاعتقاد فليس من أهل السنة والجماعة، وإذا لم يوجد أمثال هؤلاء فلا جماعة على أي نوع من الاصطلاح.
وتأتي كلمة الجماعة، يراد بها أهل الحق والعدل الذين التقوا على إمام راشد قد نفذت أحكامه، فمن دخل في هؤلاء وكانت عقيدته سليمة فهو في جماعة، وتأتي كلمة الجماعة ويراد بها التجمع الإسلامي فهي تقابل الانفراد في البادية لأنه من خلال اللصوق بمراكز التجمع تقوم الجمعة والجماعة.
وتأتي الجماعة بمعنى التمسك بالحق ولو كان صاحب ذلك فرداً، قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ (١) وكما قال ابن مسعود في أثر صحيح عنه: (الجماعة ما وافق الحق ولو كنت وحدك) أخرجه ابن عساكر.
وقال الترمذي: وتفسير الجماعة عند أهل العلم هم أهلُ الفقه والعلم والحديث، قال وسمعت الجارود بن معاذٍ يقولُ: سمعت عليَّ بن الحسن يقول: سألت عبد الله بن المبارك
стр. 439
من الجماعة؟ فقال: أبو بكرٍ وعمر قيل له: قد مات أبو بكرٍ وعمر، قال: فلانٌ وفلانٌ، قيل له قد مات فُلانٌ وفلانٌ، فقال عبد الله بن المبارك: أبو حمزة السكري جماعةٌ.
قال الترمذي: وأبو حمزة هو محمد بن ميمونٍ، وكان شيخاً صالحاً، وإنما قال هذا في حياته عندنا.
وإذا فقدت الخلافة الراشدة أو دولة العدل فههنا قد يختار المسلم، وعندئذٍ ماذا يفعل؟ أن يكون مع أهل الضلال فذلك لا يجوز، وعليه إذن إما العزلة وإما البحث عن أهل الحق مهما قلوا ليضع يده بيدهم فيكون بذلك من الطائفة التي أخبرت عنها النصوص المتضافرة، فلكي لا تضيع المعالم بالمرة فقد جعل الله في هذه الأمة طائفة على الحق مستمرة، هذه الطائفة تحمل الحق وتجاهد من أجله، وأنواع الجهاد متعددة: فمنه جهاد اللسان، ومنه جهاد المال، ومنه جهاد اليد. ومن ههنا فإن هذه الطائفة يدخل فيها المقاتلون في سبيل الله والدعاة والفقهاء والأولياء والمحدثون، والذين يمدون هؤلاء وهؤلاء بالمال، وقد يلتبس الحال فقد يقاتل ويدعو من ليس على بصيرة، ولذلك فإن معرفة الحق هي التي تدلنا على هذه الطائفة كما قال علي: (اعرف الحق تعرف أهله) ومن ههنا كان لابد من موازين نعرف بها هؤءلا، وأول هذه الموازين هي سلامة الاعتقاد، وتوافر شروط الفهم الصحيح، ومظنة ذلك الربانيون من أهل العلم والولاية.
وقد حاول بعضهم أن يقصر هذه الطائفة على أن المراد بها أهل الحديث فضيقوا واسعاً، وهذا منقوض بشيئين:
الأول: أن هذه الطائفة مقرها الشام، ولا يشك أحد بأن نور الدين وصلاح الدين يدخلان في مثل هذه الطائفة.
الثاني: أن بعض النصوص الواردة في هذه الطائفة تذكر القتال والجهاد، بل إن كثيرين من المحدثين ذكروا حديث الطائفة هذا تحت عنوان الجهاد والقتال.
وإن كان بالإمكان أن نحمل قول ابن المديني أن أهل الطائفة همن أهل الحديث بمعنى أنهم الذين يسلمون بالسنة النبوية أصلاً من أصول التشريع ويعتبرونها حكماً في كل ما اختلف
стр. 440
فيه، فيكون المراد بالطائفة هنا هم أهل السنة والجماعة، وعندئذٍ فقصرُ اسم الطائفة على المشتغلين بالحديث يكون خطأ في الفهم، فالمشتغلون في الحديث من أهل السنة والجماعة هم من الطائفة وليسوا كلها.
ولذلك بوب المحدثون لأحاديث الطائفة تحت أكثر من عنوان والبخاري نفسه بوب لحديث الطائفة تحت عنوان: "أهل العلم" والمطلوب من المسلم:
١ - أن يكون مذاهبه الاعتقادية والأخلاقية والفقهية مذاهب أهل السنة والجماعة.
٢ - أن يلازم الجمعة والجماعات فلا يعتزل جمع المسلمين وجماعاتهم في مساجدهم إلا لعذر قاهر.
٣ - أن يلزم الإمام الراشد ومن معه إذا كان للمسلمين خليفة راشد أو سلطان عادل وإلا فليحاول أن يكون من الطائفة حاملاً للحق، عارفاً به، عالماً بالشريعة مجاهداً من أجل ذلك بأنواع الجهاد المتاحة.
٤ - أن يحاول المسلم في نفسه في كل الظروف والأحوال أن يكون مظهراً لحمل الحق اعتقاداً وسلوكاً فيكون بذلك حجة على خلق الله.
٥ - وفي كل الأحوال ينبغي أن يكون للمسلم إخوانٌ في الله يجمعه وإياهم الحب في الله والاجتماع عليه والتزاور فيه والتباذل فيه.
وها نحن نجول بك جولةً فنذكر نصوصاً، وننقل نقولاً تضعك على لباب في بعض هذه الأمور، لأن بعضها يذكر في مواطن أخرى من هذا الكتاب، وسنركز على تعريفك بما يجمع أهل السنة والجماعة وهو عَلمٌ عليهم.
وابتداء نذكر لك نصوصاً ثلاثة من القرآن الكريم تعرف من خلالها أهل الحق من غيرهم وتعرف بالتالي ما إذا كان عليك أن تعتزل أو أن تصحب.
النص الأول: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * إِنَّمَا
стр. 441
وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (المائدة) الآيات: ٥٤ - ٥٦.
النص الثاني: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ * مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة) الآيات: ١١٩ - ١٢٢.
لقد جاء بعد الأمر كلام عن المجاهدين والعلماء العاملين، فدل السياق على أن مظنة الصدق الذي ينبغي أن نكون مع أهله هم أهل الجهاد والعلم.
النص الثالث: قوله تعالى: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ * وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ * وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (الشورى) الآيات: ٣٦ - ٤٣.
إن مجيء قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ في سياق هذه الآيات يدل على أن النص يصف الأخلاقية العامة للأمة الإسلامية، فمن تحقق بها فهو الذي تتمثل به هذه الأمة.
ولننتقل إلى النصوص الحديثية:
стр. 442
النصوص الحديثية
٤٧٣ - * روى البخاري ومسلم عن بُسر بن عبد الله قال: قال أبو إدريس الخولاني، أنه سمع حُذيفة ﵁ قال: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يُدركني، فقلتُ: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشرٍّ، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شرٍّ؟ قال: "نعم" قلتُ: وهل بعد ذلك الشر من خيرٍ؟ قال: "نعم، وفيه دخنٌ". قلت: وما دخنُهُ؟ قال: "قومٌ يستنون بغير سُنتي، ويهدون بغير هديي تعرفُ منهم وتُنكر" فقلت: فهل بعد ذلك الخير من شرٌّ؟ قال: "نعم، دُعاةٌ على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها" فقلت: يا رسول الله، [صفهم لنا، قال: "نعم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا] " فقلت: يا رسول الله فما ترى - وفي رواية: فما تأمُرني- إن أدركني ذلك؟ قال: "تلزمُ جماعة المسلمين وإمامهم؟ " قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام قال: "فاعتزل تلك الفِرق كُلَّها، ولو أن تعضَّ بأصل شجرةٍ، حتى يُدركك الموت وأنت على ذلك".
ولمسلم نحوه (١)، وفيه قلت: ما دخنُهُ؟ قال: قوم لا يستنون بسُنتي، وسيقوم فيهم رجالٌ قلوبهم قلوب الشياطين في جثُمان إنسٍ" قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركتُ ذلك؟ قال: "تسمع وتُطيع، وإن ضُرِب ظهرُك، وأخذ مالك، فاسمع وأطع".
قال حذيفةُ: تعلم أصحابي الخير وتعلمت الشر.
وفي رواية أبي داود (٢) قال سُبيعُ بنُ خالدٍ: أتيتُ الكوفة في زمنٍ فُتحت تُسترُ،
стр. 443
أجلبُ منها بغالاً، فدخلتُ المسجد، فإذا صدعٌ من الرجال، وإذا رجلٌ جالسٌ، وتعرف إذا رأيته أنه من رجال الحجاز، قلت: من هذا؟ فتجهمني القوم، وقالوا: ما تعرفه؟ هذا حُذيفة صاحب رسول الله ﷺ ، فسمعته يقول: إن الناس كانوا يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، فأحدقه القوم بأبصارهم، فقال: إني قد أرى الذي تُنكرون إني قلت: يا رسول الله، أرأيت هذا الخير الذي أعطاناه الله، أيكون بعده شرٌّ، كما كان قبله؟ قال: "نعم" قلت: فما العصمة من ذلك؟ قال: "السيفُ" قلتُ: فهل للسيف من تقية؟ قال "نعم".
وفي رواية (١): بعد السيف: "تقية على أقذاءٍ، وهُدنةٌ على دخنٍ". قال: قلت: يا رسول الله، ثم ماذا؟ قال: "إن كان لله خليفةً في الأرض فضرب ظهرك وأخذ مالك، فأطعه، وإلا فمُت وأنت عاضٌّ بجذل شجرةٍ": قلت: ثم ماذا؟ قال: "ثم يخرج الدجال، معه نهرٌ ونارٌ، فمن وقع في ناره، وجب أجره وحُط وزره، ومن وقع في نهره وجب وزره، وحُط أجره" قال: قلت: ثم ماذا؟ قال: "ثم هي قيامُ الساعة".
стр. 444
وفي رواية بهذا الحديث (١)، وقال: "فإن لم تجد يومئذٍ خليفة، فاهرب حتى تموت وأنت عاضٌ" - وقال في آخره: قلت: فما يكون بعد ذلك؟ قال: "لو أن رجلاً نتج فرساً لم تُنتج له حتى تقوم القيامة".
وفي أخرى له (٢): قال نصر بن عاصمٍ الليثي: أتينا اليشكري في رهطٍ من بني ليث، فقال: من القوم؟ فقلنا: بنو الليث، أتيناك نسألك عن حديث حُذيفة، قال: أقبلنا مع أبي موسى قافلين، وغلتِ الدواب بالكوفة، فسألت أبا موسى أنا وصاحب لي، فأذن لنا، فقدمنا الكوفة، فقلت لصاحبي: أنا داخل المسجد، فإذا قامت السوق خرجت إليك، قال: فدخلتُ المسجد، فإذا فيه حلقةً، كأنما قطعت رؤوسهم، يستمعون إلى حديث رجلٍ، قال: فقمتُ عليهم، فجاء رجلٌ، فقام إلى جنبي، فقلتُ: من هذا؟ قال: أبصري أنت؟ قلت نعم. قال: قد عرفتُ، ولو كنت كوفياً، لم تسأل عن هذا، قال: فدنوت منه، فسمعتُ حذيفة يقول: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، وعرفت أن الخير لن يسبقني، قلت: يا رسول الله، هل بعد هذا الشر خير؟ قال: "يا حذيفة تعلَّم كتاب الله، واتبع ما فيه" -ثلاث مرات- قلتُ: يا رسول الله [هل] بعد هذا الخير شرٌّ؟ قال: "فتنةٌ وشر" قال: قلتُ: يا رسول الله [هل] بعد هذا الشر خيرٌ؟ قال: "يا حذيفةُ، تعلم كتاب الله، واتبع ما فيه" - ثلاث مرات- قلت: يا رسول الله، [هل] بعد هذا الشر خير؟ قال: "هُدنةً على دخن، وجماعةً على أقذاء فيها، أو فيهم" قلتُ: يا رسول الله، الهدنة على الدخن ما هي؟ قال: "لا ترجعُ قلوب أقوام على الذي كانت عليه" قلت: يا رسول الله هل بعد هذا الخير شر؟ قال: "يا حذيفة، تعلم كتاب الله، واتبع ما فيه" - ثلاث مرات- قلت: يا رسول الله، بعد هذا الخير شر؟ قال: "نعم فتنةٌ عمياءُ صماءُ، عليها دُعاةٌ على أبواب النار، فإن مُتَّ يا حذيفةُ وأنت عاضٌّ على جذل شجرةٍ خيرٌ لك من أن تتبع أحداً منهم".
стр. 445
أقول: للعلماء في تفسير الطائفة التي ورد ذكرها في أحاديث كثيرة كلام كثير، ويكاد الجميع يتفقون على: أن أهل العلم من أهل السنة والجماعة يدخلون في هذه الطائفة وبعضهم لم يدخل معهم غيرهم فيها وبعضهم أدخل معهم غيرها، ومما يدل على أن أهل العلم همن هذه الطائفة أو منها: استعمال كلمة الطائفة في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ (١) ومن كلام العلماء في هذه الطائفة ما ذكره النووي في شرح مسلم فقال: (إن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين، منهم شجعان مقاتلون، ومنهم محدثون ومنهمن زهاد، آمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين بل قد يكونوا متفرقين في أقطار الأرض) أ. هـ.
ومن كلام العلماء في هذه الطائفة ما ذكره البخاري وعلق عليه ابن حجر وهذا كلامهما:
قال البخاري: (باب وكذلك جعلناكم أمة وسطاً، وما أمر النبي ﷺ من لزوم الجماعة وهم أهل العلم) أ. هـ.
قال ابن حجر: (فعرف أن المراد با لوصف المذكور أهل السنة والجماعة، وهم أهل العلم الشرعي، ومن سواهم ولو نسب إلى العلم، فهي نسبة صورة لا حقيقية) أ. هـ.
٤٧٤ - * روى الطبراني في الأوسط عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله ﷺ : "رحم الله من سمع مقالتي حتى يُبلِّغها غيره، ثلاث لا يُغِلُّ عليهن قلب امرئ مسلم؛ إخلاص العمل لله، والنصح لأئمة المسلمين، واللزوم لجماعتهم، فإن دُعاءهم يحيط من ورائهم إنه من تكن الدنيا نيته يجعل الله فقره بين عينيه، ويُشتتُ عليه ضيعتهُ ولا يأتيه منها إلا ما كُتب له، ومن تكن الآخرة نيته يجعل الله غناه في قلبه، ويكفيه ضيعته وتأتيه الدنيا وهي راغمة".
стр. 446
وروى القسم الأول منه البزار عن أبي سعيد الخدري (١) والدارمي عن أبي الدرداء (٢) وعن جبير بن مطعم (٣) وأخرجه بنصه عن زيد بن ثابت (٤).
٤٧٥ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "من كره من أميره شيئاً فليصبر، فإنه من خرج من السلطان شبراً مات ميتةً جاهليةً".
وفي رواية (٥): "فليصبر عليه، فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات فميتته جاهليةٌ".
٤٧٦ - * روى البخاري ومسلم عن المغيرة بن شعبة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يزال ناس من أُمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمرُ الله وهم ظاهرون".
وفي رواية (٦) "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين ... " وذكره قال أبو عبد الله: هم أهل العلم.
وفي أخرى (٧) "لن يزال قومٌ من أمتي ظاهرين على الناس ... " وذكره.
стр. 447
٤٧٧ - * روى أبو داود عن عمران بن حُصين ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تزال طائفةٌ من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من نأواهم حتى يقاتل آخرُهم المسيح الدجال".
٤٧٨ - * روى البخاري ومسلم عن معاوية بن أبي سفيان ﵁، قال: -وهو يخطب- سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لا تزال من أمتي أمةٌ قائمةٌ بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك".
قال ابن يُخامر: سمعت معاذاً يقول: هم أهل الشام- أو بالشام- فقال معاوية: هذا مالك بن يُخامر يزعم أنه سمع معاذاً يقول: وهم بالشام.
وفي رواية (١) قال: قال لي رسول الله ﷺ : "من يُرد الله به خيراً يُفقهه في الدين، ولا تزالُ عصابةٌ من المسلمين يقاتلون على الحق: ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة".
٤٧٩ - * روى الطبراني عن عُمر قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة".
٤٨٠ - * روى الإمام أحمد عن جابر بن سمرة قال: نُبئتُ أن النبي ﷺ قال: "لا يزال هذا الدين قائماً عليه عصابةٌ من المسلمين حتى تقوم الساعة". وفي رواية عن جابر بن سمرة عن من حدثه عن رسول الله ﷺ فذكره.
стр. 448
٤٨١ - * روى البزار عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لا يزال هذا الأمر أو على هذا الأمر عصابةٌ من أمتي لا يضرهم خلاف من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله".
٤٨٢ - * روى الإمام أحمد عن سلمة بن نُفيل قال: إنه أتى النبي ﷺ فقال: إني سئمتُ الخيل، وألقيتُ السلاح، ووضعت الحربُ أوزارها، قلت: لا قتال، فقال له النبي صلى الله علهي وسلم: "الآن جاء القتال، لا تزال طائفةٌ من أمتي ظاهرين على الناس يرفع الله قلوب أقوام يقاتلونهم، ويرزقهم الله منهم حتى يأتي أمرُ الله وهم على ذلك ألا إن عُقر دار المؤمنين الشام، والخيلُ معقودٌ في نواصيها الخيرُ إلى يوم القيامة".
٤٨٣ - * روى ابن ماجه عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "لا تزال طائفةٌ من أمتي قوامةً على أمر الله لا يضرها من خالفها".
٤٨٤ - * روى ابن ماجة عن معاوية بن قُرة عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تزالُ طائفةٌ من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة".
٤٨٥ - * روى ابن ماجه عن عمرو بن شعيبٍ عن أبيه، قال: قام معاويةٌ خطيباً فقال: أين علماؤكم سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تقوم الساعة إلا وطائفةٌ من أمتي ظاهرون على الناس لا يُبالون من خذلهم ولا من نصرهم".
٤٨٦ - * روى ابن ماجه عن أبي عنبة الخولاني - وكان قد صلى القبلتين مع رسول الله ﷺ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقولُ: "لا يزال الله يغرس في هذا الدين
стр. 449
غرساً يستعملهم في طاعته".
٤٨٧ - * رى البزار عن فضالة بن عُبيدٍ عن رسول الله ﷺ قال "ثلاثةٌ لا يُسأل عنهم رجلٌ فارق الجماعة وعصى إمامه ومات عاصياً وأمةٌ أو عبد أبق من سيده فمات، وامرأةٌ غاب عنها زوجُها وقد كفاها أمر الدنيا فتزوجت [وفي رواية: فتبرجت] بعده. وثلاثة لا يُسألُ عنهم رجل نازع الله رداءه، فإن رداءه الكبرياء وإزاره العز، ورجل كان في شكٍ من أمر الله والقنوطُ من رحمة الله".
٤٨٨ - * روى النسائي عن أسامة بن شريك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "أيما رجلٍ [خرج] يُفرق أمتي فاضربوا عُنقه".
٤٨٩ - * روى الإمام أحمد عن ربعي بن حراش قال: انطلقتُ إلى حذيفة بالمدائن ليالي سار الناس إلى عثمان فقال: يا ربعي ما فعل قومُك؟ قال: قلت عن أيهم تسألُ؟ قال: من خرج منهم إلى هذا الرجل؟ قال: فسميت رجالاً ممن خرج إليه. فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من فارق الجماعة واستذل الإمارة لقي الله ولا وجه له عنده".
٤٩٠ - * روى الإمام أحمد عن أبي ذر ﵁ (رفعه): "من فارق الجماعة شبراً فقد خلع ربقة الإسلام من عُنقه.
стр. 450
٤٩١ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عباسٍ ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "يد الله مع الجماعة".
٤٩٢ - * روى الطبراني عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ : "لن تجتمع أمتي على ضلالة فعليكم بالجماعة فإن يد الله على الجماعة".
٤٩٣ - * روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: خطبنا عمر بالجابية، فقال: يا أيها الناس، إني قمتُ فيكم كمقام رسول الله ﷺ فينا قال: "أوصيكم بأحصابي، ثم الذين يلونهم، [ثم الذين يلونهم]، ثم يفشو الكذب حتى يحلف الرجل ولا يُستحلفُ، ويشهد الشاهدُ ولا يُستشهدُ، ألا لا يخلُونَّ رجلٌ بامرأةٍ إلا كان ثالثهما الشيطانُ، عليكم بالجماعة، وإياكم والفُرقة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعدُ، من أراد بُحبوحةَ الجنة فليلزم الجماعة، من سرته حسنته، وساءته سيئته: فذلكم المؤمن".
٤٩٤ - * روى الحاكم عن ابن عباس يحدث أن النبي ﵌ قال: "لا يجمع الله أمتي" أو قال: "هذه الأمة على الضلالة أبداً ويد الله على الجماعة".
قال السخاوي في المقاصد تحت حديث: (لا تجتمع أمتي على ضلالة) متنه مشهور وله أسانيدُ كثيرة، وشواهدُ عديدةٌ في المرفوع وغيره، وأورد روايات عديدة نحوه.
стр. 451
٤٩٥ - * روى الطبراني عن الحارث بن قيس، قال: قال لي عبد الله بن مسعود يا حارثُ بن قيسٍ أليس يسرك أن تسكن وسط الجنة؟ قال: نعم. قال: فالزم جماعة الناس.
٤٩٦ - * روى الحاكم عن يسير بن عمرو، أن أبا مسعود لما قتل عثمان احتجب في بيته، فأتيته فسألته عن أمر الناس، فقال: عليك بالجماعة فإن الله لم يجمع أمة محمدٍ ﷺ على ضلالة، واصبر حتى يستريح بر ويُستراح من فاجر. وفي رواية عن يسير قال: لقيت أبا مسعود حين قتل علي فتبعته فقلت له: أنشدك الله ما سمعت من النبي ﷺ في الفتن؟ فقال: إنا لا نكتمُ شيئاً، عليك بتقوى الله والجماعة، وإياك والغُرقة فإنها هي الضلالة، وإن الله لم يكن ليجمع أمة محمدٍ ﷺ على ضلالة.
* * *
стр. 452
النقول
لقد ذكرنا في بدايات هذا الفصل النصوص التي تتحدث عن افتراق الأمة الإسلامية إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، وسار بنا الحديث من نقطة إلى نقطة والهدف كله هو: الفرز والتعرف، نفرز الفرقة الناجية عن غيرها، وأن نتعرف على الفرقة الناجية وعلاماتها وصور وجود أهلها، وبعد هذه السياقات كلها فقد آن الأوان لنتعرف على الإطار النظري للفرقة الناجية وهم أهل السنة والجماعة، واخترنا أن يكون هذا التعرف من خلال كلام عبد القاهر البغدادي في كتابه (الفَرْق بين الفِرَق) لأنه أحد أعلام عصره في هذا العلم.
فقد حاول الشيخ عبد القاهر البغدادي ﵀ في كتابه المذكور أن يبين أركان التصورات التي تجعل الإنسان من أهل السنة والجماعة، وذكر أصناف الخلق الذين يدخلون في أهل السنة واجلماعة.
١ - أركان التصورات التي تجعل الإنسان من أهل السنة والجماعة:
قال الشيخ عبد القاهر البغدادي ﵀:
(قد اتفق جمهورُ أهل السنة والجماعة على أصول من أركان الدين، كلُّ ركنٍ منها يجب على كل عاقلٍ بالغ معرفة حقيقته، ولكل ركن منها شُعب، وفي شُعبها مسائل اتفق أهل السنة فيها على قول واحد، وضللوا من خالفهم فيها.
(١) وأول الأركان التي رأوها من أصول الدين: إثباتُ الحقائق والعلوم، على الخصوص والعموم.
(٢) الركن الثاني: هو العلم بحدوث العالم في أقسامه، من أعراضه وأجسامه.
(٣) والركن الثالث: في معرفة صانع العالم وصفات ذاته.
(٤) والركن الرابع: في معرفة صفاته الأزلية.
(٥) والركن الخامس: في معرفة أسمائه وأوصافه.
стр. 453
(٦) والركن السادس: في معرفة عدله وحكمته.
(٧) والركن السابع: في معرفة رسله وأنبيائه.
(٨) والركن الثامن: في معرفة معجزات الأنبياء، وكرامات الأولياء.
(٩) والركن التاسع: في منعرفة ما أجمعت الأمة عليه، من أركان شريعة الإسلام.
(١٠) والركن العاشر: في معرفة أحكام الأمر والنهي، والتكليف.
(١١) والركن الحادي عشر: في معرفة فناء العباد وأحكامهم في المعاد.
(١٢) والركن الثاني عشر: الخلافة والإمامة، وشروطه الزعامة.
(١٣) والركن الثالث عشر: في أحكام الإيمان والإسلام في الجملة.
(١٤) والركن الرابع عشر: في معرفة أحكام الأولياء، ومراتب الأئمة الأتقياء.
(١٥) والركن الخامس عشر: في معرفة أحكام الأعداء من الكفرة وأهل الأهواء فهذه أصول اتفق أهل السنة على قواعدها، وضللوا من خالفهم فيها، وفي كل ركن منها مسائل أصولٍ ومسائل فروعٍ، وهم مجمعون على أصولها وربما اختلفوا في بعض فروعها اختلافاً لا يوجب تضليلاً ولا تفسيقاً) أ. هـ.
وقد تكلم الشيخ عبد القاهر في مضمونات هذه الأركان، وكتابه كله تفصيل لمذاهب أهل السنة ومن خالفهم، وقد ترك هذا الكتاب بصماته على كل كتاب أُلِّف بعده في العقائد، رغم أن بعض كلامه متأثر بثقافة عصره الكونية، ولذلك حذفنا ما كان من هذا القبيل لأن الحقائق العلمية في عصرنا اتجهت اتجاهاً آخر، ولكن هذا الكتاب يبقى من أمهات الكتب التي ينبغي لطالب العلم أن يمعن النظر فيها بعد أن يكون قد درس بعض كتب عقائد أهل السنة والجماعة كسلّم يرتقي بها إلى هذا الكتاب.
وقد شرح في أواخر هذا الكتاب الأركان التي تعتبر قاسماً مشتركاً بين أهل السنة والجماعة وبين غيرهم، والتي ذكرناها منذ قليل. وهذه مقتطفات من شروحه، قال في شرحه للركن الأول:
стр. 454
(وقالوا: إن الأخبار التي يلزمنا العمل بها ثلاثة أنواع: تواتر، وآحاد ومتوسط بينهما مستفيض.
فالخبر المتواتر الذي يستحيل التواطؤ على وضعه يوجب العلم الضروري بصحة مخبره، وبهذا النوع من الأخبار علمنا البُلدان التي لم ندخلها، وبها عرفنا الملوك والأنبياء والقرون الذين من قبلنا، وبه يعرف الإنسانُ والديه اللذين هو منسوبٌ إليهما).
أقول: وقد أكفر أهل السنة كل من أنكر متواتراً أو أوله على غير الفهم الضروري، ومن ههنا وغيره أكفروا القاديانية التي نفت نزول المسيح ﵇ مع التواتر الصريح في نزوله وأولوا ما ورد في ذلك على غير الفهم الضروري وهذه إحدى كفرياتهم.
وقال: (وأما أخبار الآحاد فمتى صح إسنادها وكانت متونها غير مستحيلة في العقل كانت موجبةً للعمل بها، دون العلم [القطعي الذي يكفر منكره]، وكانت بمنزلة شهادة العُدول عند الحاكم في أنه يلزم الحكم بها في الظاهر).
(وبهذا النوع من الخبر أثبت الفقهاء أكثر فروع الأحكام الشرعية في العبادات والمعاملات وسائر أبواب الحلال والحرام، وضللوا من أسقط وجوب العمل بأخبار الآحاد في الجملة، من الرافضة والخوارج وسائر أهل الأهواء).
(وأما الخبر المستفيض المتوسط بين التواتر والآحاد فإنه يُشارك التواتر في إيجابه للعلم والعمل، ويُفارقه من حيث إن العلم الواقع عنه يكون علماً مكتسباً نظرياً، والعلم الواقع عن التواتر يكون ضرورياً غير مكتسب).
(وضللوا من خالف فيها من أهل الأهواء، كتضليل الخوارج في إنكارها الرجم، وتضليل من أنكر من النجدات حد الخمر، وتضليل من أنكر المسح على الخفين، وتكفير من أنكر الرؤية، والحوض، والشفاعة، وعذاب القبر).
وكذلك ضللوا الخوارج الذين قطعوا يد السارق في القليل والكثير من الحِرز وغير الحرز؛ لردهم الأخبار الصحاح في اعتبار النصاب والحرز في القطع.
стр. 455
وكما ضللوا من رد الخبر المستفيض، ضللوا من ثبت على حكم خبر اتفق الفقهاء من فريقي الرأي والحديث على نسخه، كتضليل الرافضة في المتعة التي قد نسخت إباحتها.
واتفقوا على أن أصول أحكام الشريعة: القرآن، والسنة، وإجماع السلف).
(وأما الركن الثاني- وهو الكلام في حدوث العالم- فقد أجمعوا على أن العالم كل شيء هو غير الله ، وعلى أن كل ما هو غير الله تعالى وغير صفاته الأزلية مخلوق مصنوع، وعلى أن صانعه ليس بمخلوق ولا مصنوع، ولا هو من جنس العالم ولا من جنس شيء من أجزاء العالم).
(وقالوا بإثبات الملائكة والجن والشياطين).
(وقالوا في الركن الرابع- وهو الكلام في الصفات القائمة بالله إن علم الله تعالى وقدرته وحياته وإرادته وسمعه وبصره وكلامه صفاتٌ له أزلية ونعوت له أبدية).
(وقالوا في الفرق بين الرسول والنبي: إن كل من نزل عليه الوحي من الله تعالى على لسان ملك من الملائكة وكان مؤيداً بنوع من الكرامات الناقضة للعادات فهو نبي، ومن حصلت له هذه الصفة وخص أيضاً بشرع جديد أو بنسخ بعض أحكام شريعة كانت قبله فهو رسول).
(وقالوا: يجوز ظهور الكرامات على الأولياء، وجعلوها دلالة على الصدق في أحوالهم كما كانت معجزات الأنبياء دلالة على صدقهم في دعاويهم.
وقالوا: على صاحب المعجزة إظهارها والتحدي بها، وصاحب الكرامات لا يتحدى بها غيره، وربما كتمها، وصاحب المعجزة مأمون العاقبة، وصاحب الكرامة لا يأمن تغير عاقبته كما تغيرت عاقبة بلعم بن باعورا بعد ظهور كراماته).
(وقالوا: أصول أحكام الشريعة، الكتابُ، والسنة، وإجماع السلف، وأكفروا من لم ير إجماع الصحابة حجة، وأكفروا الخوارج في ردهم حجج الإجماع والسنن، وأكفروا من قال من الروافض لا حُجة في شيء من ذلك، وإنما الحجة في قول الإمام الذي ينتظرونه).
стр. 456
(وقالوا في الركن العاشر- المضاف إلى الأمر والنهي- إن أفعال المكلفين خمسة أقسام: واجب، ومحظور، ومسنون، ومكروه، ومُباح.
فالواجب: ما أمر الله تعالى به على وجه اللزوم، وتاركه مستحق للعقاب على تركه.
والمحظور: ما نهى الله عنه، وفاعله يستحق العقاب على فعله.
والمسنون: ما يُثاب فاعله، ولا يعاقب تاركه. والمكروه: ما يُثاب تاركه ولا يعاقب فاعله).
أقول: الكراهة التحريمية عند الحنفية كالحرام، فصاحبها يستحق العقاب.
(والمباح: ما ليس في فعله ثواب ولا عقاب، ولا في تركه ثواب ولا عقاب).
أقول: إلا إذا وجدت في المباح نية صالحة فإنها تنقله إلى أن يكون عبادة يؤجر عليها. (وهذا كله في أفعال المكلفين، فأما أفعال البهائم والمجانين والأطفال فإنها لا تُوصف بالإباحة والوجوب والحظر بحال).
(وقالوا في الركن الثاني عشر- المضاف إلى الخلافة والإمامة- إن الإمامة فرض واجب على الأمة لأجل إقامة الإمام، ينصب لهم القضاة والأمناء ويضبط ثغورهم، ويُغزي جيوشهم، ويقسم الفيء بينهم، وينتصف لمظلومهم من ظالمهم.
وقالوا: إن طريق عقد الإمامة للإمام في هذه الأمة الاختيار بالاجتهاد).
(وقالوا في الركن الثالث عشر - المضاف إلى الإيمان والإسلام- إن أصل الإيمان المعرفة والتصديقُ بالقلب، وإنما اختلفوا في تسمية الإقرار وطاعات الأعضاء الظاهرة إيماناً، مع اتفاقهم على وجوب جميع الطاعة المفروضة، وعلى استحباب النوافل المشروعة).
(وقالوا: إن اسم الإيمان لا يزول بذنب دون الكفر، ومن كان ذنبه دون الكفر فهو مؤمنٌ وإن فسق بمعصية.
وقالوا: لا يحل قتل امرئٍ مسلم إلا بإحدى ثلاث: من رِدة، أو زنا بعد إحصان، أو
стр. 457
قصاص بمقتول هو كفؤه، وهذا خلاف قول الخوارج في إباحة قتل كل عاصٍ لله تعالى).
أقول: قضية كفاءة المقتول للقاتل فيها تفصيل وخلاف بين أهل السنة والجماعة.
(وقالوا في الركن الرابع عشر- المضاف إلى الأولياء والأئمة- إن الملائكة معصومون عن الذنوب، لقول الله تعالى فيهم: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [الآية ٦ سورة التحريم].
(وقالوا بفضل الأنبياء على الأولياء من الأمم).
أقول: وقد كفَّروا من فضل الأولياء على الأنبياء كبعض الشيعة وبعض الصوفية.
(وقالوا أيضاً بموالاة كل من مات على دين الإسلام، ولم يكن قبل موته على بدعة من ضلالات أهل الأهواء الضالة).
(وقالوا في الركن الخامس عشر المضاف إلى أحكام أعداء الدين - إن أعداء دين الإسلام صنفان: صنف كانوا قبل ظهور دولة الإسلام، وصنف ظهروا في دولة الإسلام وتستروا بالإسلام في الظاهر، وكادوا المسلمين، وابتغوا غوائلهم).
(وأجمع فقهاء الإسلام على استباحة ذبائح اليهود والسامرة والنصارى، وعلى جواز نكاح نسائهم، وعلى جواز قبول الجزية منهم).
(وأما الكفرة الذين ظهروا في دولة الإسلام، واستتروا بظاهر الإسلام، واغتالوا المسلمين في السر- كالغُلاة من الرافضة السبئية، والبيانية، والمغيرية، والمنصورية، والجناحية، والخُطابية، وسائر الحلولية، والباطنية، والمقنعية المبيضة بما وراء نهر جيحُون، والمحمرة بأذربيجان، ومحمرة طبرستان، والذين قالوا بتناسخ الأرواح من أتباع ابن أبي العوجاء، ومن قال بقول أحمد بن خابط من المعتزلة، ومن قال بقول اليزيدية من الخوارج الذين زعموا أن شريعة الإسلام تنسخ بشرع نبي من العجم، ومن قال بقول الميمونية من الخوارج الذين أباحوا نكاح بنات البنين وبنات البنات، ومن قال بمذاهب العذافرة من أهل بغداد، أو قال بقول الحلاجية الغُلاة في مذهب الحلولية، أو قال بقول البابكية أو الرزامية
стр. 458
المفرطة في أبي مسلم صاحب دولة بني العباس، أو قال بقول الكاملية الذين أكفروا الصحابة بتركها بيعة علي، وأكفروا عليًّا بتركه قتالهم - فإن حكم هذه الطوائف التي ذكرناها حكم المرتدين عن الدين، ولا تحل ذبائحهم، ولا يحل نكاح المرأة منهم، ولا يجوز تقريرهم في دار الإسلام بالجزية، بل يجب استتابتهم فإن تابوا وإلا وجب قتلهم واستغناهم أموالهم.
واختلفوا في استرقاق نسائهم وذراريهم، فأباح ذلك أبو حنيفة وطائفة من أصحاب الشافعي، ومنهم أبو إسحاق المروزي صاحب ابن سريج، ومن أباح ذلك استدل بأن خالد ابن الوليد لما قاتل بني حنيفة وفرَغَ من قتل مُسيلمة الكذاب صالح بني حنيفة على الصفراء والبيضاء، وعلى ربع السبي من النساء والذرية، وأنفذهم إلى المدينة، وكان منهم خولة أم محمد بن الحنفية).
* * *
(أهل السنة لا يكفِّر بعضهم بعضاً، وليس بينهم خلاف يوجب التبري والتكفير. فهم إذن أهلُ الجماعة القائمون بالحق، والله تعالى يحفظ الحق وأهله، فلا يقعون في تنابذ وتناقض، وليس فريق من فرق المخالفين إلا وفيهم تكفير بعضهم لبعض، وتبري بعضهم من بعض).
(وقالوا بموالاة أقوام وردت الأخبار بأنهم من أهل الجنة، وأن لهم الشفاعة في جماعة من الأمة، ومنهم أويس القرني، والخبر فيهم مشهور.
وقالوا بتكفير كل من أكفر واحداً من العشرة الذين شهد لهم النبي ﷺ بالجنة.
وقالوا بموالاة جميع أزواج رسول الله ﷺ ، وأكفروا من أكفرهن أو أكفر بعضهن).
أقول: ومن أصول عقائد أهل السنة والجماعة: محبة الصحابة وتعديلهم والاعتذار لما وقع بينهم، وحمله على أحسن تأويل.
(وقالوا بموالاة الحسن والحسين والمشهورين من أسباط رسول الله ﵊، كالحسن بن الحسن، وعبد الله بن الحسن، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي ابن الحسين المعروف بالباقر، وهو الذي بلَّغه جابر بن عبد الله الأنصاري سلام رسول الله
стр. 459
صلى الله عليه وسلم، وجعفر بن محمد المعروف بالصادق، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى الرضا، وكذلك قولهم في سائر أولاد علي من صُلبه، كالعباس، وعمر، ومحمد بن الحنفية، وسائر من درج على سنن آبائه الطاهرين، دون من مال منهم إلى الاعتزال أو الرفض، ودون من انتسب إليهم وأشرف في عدوانه وظلمه كالبرقعي الذي عدا على أهل البصرة ظلماً وعدواناً، وأكثر النسابين على أنه كان دعيّاً فيهم ولم يكن منهم.
قالوا بموالاة أعلام التابعين للصحابة بإحسان، وهم الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
وقالوا ذلك في كل من أظهر أصول أهل السنة.
وإنما تبرءوا من أهل الملل الخارجة عن الإسلام، ومن أهل الأهواء الضالة مع انتسابها إلى الإسلام كالقدرية، والمرجئة، والرافضة، والخوارج، والجهمية، والنجارية، والمجسمة).
ومن كلام الشيخ عبد القاهر في من يدخل في أهل السنة والجماعة ويعتبر منهم:
(اعلموا - أسعدكم الله - أن أهل السنة والجماعة ثمانية أصناف من الناس:
(١) صنفٌ منهم: أحاطوا علماً بأبواب التوحيد والنبوة، وأحكام الوعد والوعيد، والثواب والعقاب، وشروط الاجتهاد، والإمامة، والزعامة، وسلكوا في هذا النوع من العلم طرق الصفاتية من المتكلمين الذين تبرءوا من التشبيه والتعطيل، ومن بدع الرافضة والخوارج والجهمية والنجارية، وسائر أهل الأهواء الضالة.
(٢) والصنف الثاني منهم: أئمة الفقه من فريقي الرأي والحديث، من الذين اعتقدوا في أصول الدين مذاهب الصفاتية في الله وفي صفاته الأزلية، وتبرءوا من القدر والاعتزال، وأثبتوا رؤية الله تعالى بالأبصار من غير تشبيه ولا تعطيل، وأثبتوا الحشر من القبور، مع إثبات السؤال في القبر، ومع إثبات الحوض والصراط والشفاعة وغفران الذنوب التي دون الشرك.
стр. 460
(وقالوا: بدوام نعيم الجنة على أهلها، ودوام عذاب النار على الكفرة، وقالوا: بإمامة أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وأحسنوا الثناء على السلف الصالح من الأمة، ورأوا وجوب الجمعة خلف الأئمة الذين تبرءوا من أهل الأهواء الضالة، ورأوا وجوب استنباط أحكام الشريعة من القرآن والسنة ومن إجماع الصحابة، ورأوا جواز المسح على الخفين، ووقوع الطلاق الثلاث، ورأوا تحريم المتعة، ورأوا وجوب طاعة السلطان فيما ليس بمعصية.
ويدخل في هذه الجماعة أصحاب مالك، والشافعي، والأوزاعي، والثوري، وأبي حنيفة، وابن أبي ليلى، وأصحاب أبي ثور، وأصحاب أحمد بن حنبل، وأهل الظاهر، وسائر الفقهاء الذين اعتقدوا في الأبواب العقلية أصول الصفاتية، ولم يخلطوا فقهه بشيء من بدع أهل الأهواء الضالة.
(٣) والصنف الثالث منهم: هم الذين أحاطوا علماً بطرق الأخبار والسنن المأثورة عن النبي ﵇، وميزوا بين الصحيح والسقيم منها، وعرفوا أسباب الجرح والتعديل، ولم يخلطوا علمهم ذلك بشيء من بِدَعِ أهل الأهواء الضالة.
(٤) والصنف الرابع منهم: قوم أحاطوا علماً بأكثر أبواب الأدب والنحو والتصريف، وجروا على سمت أئمة اللغة، كالخليل، وأبي عمرو بن العلاء وسيبويه، والفراء، والأخفش، والأصمعي، والمازني، وأبي عُبيد، وسائر أئمة النحو من الكوفيين والبصريين، الذين لم يخلطوا علمهم ذلك بشيء من بدع القدرية أو الرافضة أو الخوارج، ومن مال منهم إلى شيء من الأهواء الضالة لم يكن من أهل السنة، ولا كان قوله حُجة في اللغة والنحو.
(٥) والصنف الخامس منهم: هُم الذين أحاطوا علماً بوجوه قراءات القرآن، وبوجوه تفسير آيات القرآن، وتأويلها على وفق مذاهب أهل السنة، دون تأويلات أهل الأهواء الضالة.
(٦) والصنف السادس منهم: الزهاد الصوفية الذين أبصروا فأقصروا واختبروا فاعتبروا، ورضُوا بالمقدر، وقنعوا بالميسور، وعلموا أن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك