(وقالوا في الركن العاشر- المضاف إلى الأمر والنهي- إن أفعال المكلفين خمسة أقسام: واجب، ومحظور، ومسنون، ومكروه، ومُباح.
فالواجب: ما أمر الله تعالى به على وجه اللزوم، وتاركه مستحق للعقاب على تركه.
والمحظور: ما نهى الله عنه، وفاعله يستحق العقاب على فعله.
والمسنون: ما يُثاب فاعله، ولا يعاقب تاركه. والمكروه: ما يُثاب تاركه ولا يعاقب فاعله).
أقول: الكراهة التحريمية عند الحنفية كالحرام، فصاحبها يستحق العقاب.
(والمباح: ما ليس في فعله ثواب ولا عقاب، ولا في تركه ثواب ولا عقاب).
أقول: إلا إذا وجدت في المباح نية صالحة فإنها تنقله إلى أن يكون عبادة يؤجر عليها. (وهذا كله في أفعال المكلفين، فأما أفعال البهائم والمجانين والأطفال فإنها لا تُوصف بالإباحة والوجوب والحظر بحال).
(وقالوا في الركن الثاني عشر- المضاف إلى الخلافة والإمامة- إن الإمامة فرض واجب على الأمة لأجل إقامة الإمام، ينصب لهم القضاة والأمناء ويضبط ثغورهم، ويُغزي جيوشهم، ويقسم الفيء بينهم، وينتصف لمظلومهم من ظالمهم.
وقالوا: إن طريق عقد الإمامة للإمام في هذه الأمة الاختيار بالاجتهاد).
(وقالوا في الركن الثالث عشر - المضاف إلى الإيمان والإسلام- إن أصل الإيمان المعرفة والتصديقُ بالقلب، وإنما اختلفوا في تسمية الإقرار وطاعات الأعضاء الظاهرة إيماناً، مع اتفاقهم على وجوب جميع الطاعة المفروضة، وعلى استحباب النوافل المشروعة).
(وقالوا: إن اسم الإيمان لا يزول بذنب دون الكفر، ومن كان ذنبه دون الكفر فهو مؤمنٌ وإن فسق بمعصية.
وقالوا: لا يحل قتل امرئٍ مسلم إلا بإحدى ثلاث: من رِدة، أو زنا بعد إحصان، أو
стр. 457
قصاص بمقتول هو كفؤه، وهذا خلاف قول الخوارج في إباحة قتل كل عاصٍ لله تعالى).
أقول: قضية كفاءة المقتول للقاتل فيها تفصيل وخلاف بين أهل السنة والجماعة.
(وقالوا في الركن الرابع عشر- المضاف إلى الأولياء والأئمة- إن الملائكة معصومون عن الذنوب، لقول الله تعالى فيهم: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [الآية ٦ سورة التحريم].
(وقالوا بفضل الأنبياء على الأولياء من الأمم).
أقول: وقد كفَّروا من فضل الأولياء على الأنبياء كبعض الشيعة وبعض الصوفية.
(وقالوا أيضاً بموالاة كل من مات على دين الإسلام، ولم يكن قبل موته على بدعة من ضلالات أهل الأهواء الضالة).
(وقالوا في الركن الخامس عشر المضاف إلى أحكام أعداء الدين - إن أعداء دين الإسلام صنفان: صنف كانوا قبل ظهور دولة الإسلام، وصنف ظهروا في دولة الإسلام وتستروا بالإسلام في الظاهر، وكادوا المسلمين، وابتغوا غوائلهم).
(وأجمع فقهاء الإسلام على استباحة ذبائح اليهود والسامرة والنصارى، وعلى جواز نكاح نسائهم، وعلى جواز قبول الجزية منهم).
(وأما الكفرة الذين ظهروا في دولة الإسلام، واستتروا بظاهر الإسلام، واغتالوا المسلمين في السر- كالغُلاة من الرافضة السبئية، والبيانية، والمغيرية، والمنصورية، والجناحية، والخُطابية، وسائر الحلولية، والباطنية، والمقنعية المبيضة بما وراء نهر جيحُون، والمحمرة بأذربيجان، ومحمرة طبرستان، والذين قالوا بتناسخ الأرواح من أتباع ابن أبي العوجاء، ومن قال بقول أحمد بن خابط من المعتزلة، ومن قال بقول اليزيدية من الخوارج الذين زعموا أن شريعة الإسلام تنسخ بشرع نبي من العجم، ومن قال بقول الميمونية من الخوارج الذين أباحوا نكاح بنات البنين وبنات البنات، ومن قال بمذاهب العذافرة من أهل بغداد، أو قال بقول الحلاجية الغُلاة في مذهب الحلولية، أو قال بقول البابكية أو الرزامية
стр. 458
المفرطة في أبي مسلم صاحب دولة بني العباس، أو قال بقول الكاملية الذين أكفروا الصحابة بتركها بيعة علي، وأكفروا عليًّا بتركه قتالهم - فإن حكم هذه الطوائف التي ذكرناها حكم المرتدين عن الدين، ولا تحل ذبائحهم، ولا يحل نكاح المرأة منهم، ولا يجوز تقريرهم في دار الإسلام بالجزية، بل يجب استتابتهم فإن تابوا وإلا وجب قتلهم واستغناهم أموالهم.
واختلفوا في استرقاق نسائهم وذراريهم، فأباح ذلك أبو حنيفة وطائفة من أصحاب الشافعي، ومنهم أبو إسحاق المروزي صاحب ابن سريج، ومن أباح ذلك استدل بأن خالد ابن الوليد لما قاتل بني حنيفة وفرَغَ من قتل مُسيلمة الكذاب صالح بني حنيفة على الصفراء والبيضاء، وعلى ربع السبي من النساء والذرية، وأنفذهم إلى المدينة، وكان منهم خولة أم محمد بن الحنفية).
* * *
(أهل السنة لا يكفِّر بعضهم بعضاً، وليس بينهم خلاف يوجب التبري والتكفير. فهم إذن أهلُ الجماعة القائمون بالحق، والله تعالى يحفظ الحق وأهله، فلا يقعون في تنابذ وتناقض، وليس فريق من فرق المخالفين إلا وفيهم تكفير بعضهم لبعض، وتبري بعضهم من بعض).
(وقالوا بموالاة أقوام وردت الأخبار بأنهم من أهل الجنة، وأن لهم الشفاعة في جماعة من الأمة، ومنهم أويس القرني، والخبر فيهم مشهور.
وقالوا بتكفير كل من أكفر واحداً من العشرة الذين شهد لهم النبي ﷺ بالجنة.
وقالوا بموالاة جميع أزواج رسول الله ﷺ ، وأكفروا من أكفرهن أو أكفر بعضهن).
أقول: ومن أصول عقائد أهل السنة والجماعة: محبة الصحابة وتعديلهم والاعتذار لما وقع بينهم، وحمله على أحسن تأويل.
(وقالوا بموالاة الحسن والحسين والمشهورين من أسباط رسول الله ﵊، كالحسن بن الحسن، وعبد الله بن الحسن، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي ابن الحسين المعروف بالباقر، وهو الذي بلَّغه جابر بن عبد الله الأنصاري سلام رسول الله
стр. 459
صلى الله عليه وسلم، وجعفر بن محمد المعروف بالصادق، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى الرضا، وكذلك قولهم في سائر أولاد علي من صُلبه، كالعباس، وعمر، ومحمد بن الحنفية، وسائر من درج على سنن آبائه الطاهرين، دون من مال منهم إلى الاعتزال أو الرفض، ودون من انتسب إليهم وأشرف في عدوانه وظلمه كالبرقعي الذي عدا على أهل البصرة ظلماً وعدواناً، وأكثر النسابين على أنه كان دعيّاً فيهم ولم يكن منهم.
قالوا بموالاة أعلام التابعين للصحابة بإحسان، وهم الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
وقالوا ذلك في كل من أظهر أصول أهل السنة.
وإنما تبرءوا من أهل الملل الخارجة عن الإسلام، ومن أهل الأهواء الضالة مع انتسابها إلى الإسلام كالقدرية، والمرجئة، والرافضة، والخوارج، والجهمية، والنجارية، والمجسمة).
ومن كلام الشيخ عبد القاهر في من يدخل في أهل السنة والجماعة ويعتبر منهم:
(اعلموا - أسعدكم الله - أن أهل السنة والجماعة ثمانية أصناف من الناس:
(١) صنفٌ منهم: أحاطوا علماً بأبواب التوحيد والنبوة، وأحكام الوعد والوعيد، والثواب والعقاب، وشروط الاجتهاد، والإمامة، والزعامة، وسلكوا في هذا النوع من العلم طرق الصفاتية من المتكلمين الذين تبرءوا من التشبيه والتعطيل، ومن بدع الرافضة والخوارج والجهمية والنجارية، وسائر أهل الأهواء الضالة.
(٢) والصنف الثاني منهم: أئمة الفقه من فريقي الرأي والحديث، من الذين اعتقدوا في أصول الدين مذاهب الصفاتية في الله وفي صفاته الأزلية، وتبرءوا من القدر والاعتزال، وأثبتوا رؤية الله تعالى بالأبصار من غير تشبيه ولا تعطيل، وأثبتوا الحشر من القبور، مع إثبات السؤال في القبر، ومع إثبات الحوض والصراط والشفاعة وغفران الذنوب التي دون الشرك.
стр. 460
(وقالوا: بدوام نعيم الجنة على أهلها، ودوام عذاب النار على الكفرة، وقالوا: بإمامة أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وأحسنوا الثناء على السلف الصالح من الأمة، ورأوا وجوب الجمعة خلف الأئمة الذين تبرءوا من أهل الأهواء الضالة، ورأوا وجوب استنباط أحكام الشريعة من القرآن والسنة ومن إجماع الصحابة، ورأوا جواز المسح على الخفين، ووقوع الطلاق الثلاث، ورأوا تحريم المتعة، ورأوا وجوب طاعة السلطان فيما ليس بمعصية.
ويدخل في هذه الجماعة أصحاب مالك، والشافعي، والأوزاعي، والثوري، وأبي حنيفة، وابن أبي ليلى، وأصحاب أبي ثور، وأصحاب أحمد بن حنبل، وأهل الظاهر، وسائر الفقهاء الذين اعتقدوا في الأبواب العقلية أصول الصفاتية، ولم يخلطوا فقهه بشيء من بدع أهل الأهواء الضالة.
(٣) والصنف الثالث منهم: هم الذين أحاطوا علماً بطرق الأخبار والسنن المأثورة عن النبي ﵇، وميزوا بين الصحيح والسقيم منها، وعرفوا أسباب الجرح والتعديل، ولم يخلطوا علمهم ذلك بشيء من بِدَعِ أهل الأهواء الضالة.
(٤) والصنف الرابع منهم: قوم أحاطوا علماً بأكثر أبواب الأدب والنحو والتصريف، وجروا على سمت أئمة اللغة، كالخليل، وأبي عمرو بن العلاء وسيبويه، والفراء، والأخفش، والأصمعي، والمازني، وأبي عُبيد، وسائر أئمة النحو من الكوفيين والبصريين، الذين لم يخلطوا علمهم ذلك بشيء من بدع القدرية أو الرافضة أو الخوارج، ومن مال منهم إلى شيء من الأهواء الضالة لم يكن من أهل السنة، ولا كان قوله حُجة في اللغة والنحو.
(٥) والصنف الخامس منهم: هُم الذين أحاطوا علماً بوجوه قراءات القرآن، وبوجوه تفسير آيات القرآن، وتأويلها على وفق مذاهب أهل السنة، دون تأويلات أهل الأهواء الضالة.
(٦) والصنف السادس منهم: الزهاد الصوفية الذين أبصروا فأقصروا واختبروا فاعتبروا، ورضُوا بالمقدر، وقنعوا بالميسور، وعلموا أن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك
стр. 461
مسئول عن الخير ولاشر، ومحاسبٌ على مثاقيل الذر، فأعدوا خير الإعداد، ليوم المعاد، وجرى كلامهم في طريقي العبارة والإشارة على سمت أهل الحديث، دون من يشتري لهو الحديث، لا يعملون الخير رياء، ولا يتركونه حياء، دينُهم التوحيد ونفي التشبيه، ومذهبهم التفويضُ إلى الله تعالى، والتوكل عليه، والتسليم لأمره، والقناعة بما رُزقوا، والإعراض عن الاعتراض عليه: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.
(٧) والصنف السابع منهم: قوم مرابطون في ثغور المسلمين في وجوه الكفرة، يجاهدون أعداء المسلمين، ويحمون حمى المسلمين ويذبون عن حريمهم وديارهم، ويظهرون في ثغورهم مذاهب أهل السنة والجماعة، وهم الذين أنزل الله تعالى فيهم قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ زادهم الله توفيقاً بفضله ومنه.
(٨) والصنف الثامن منهم: عامة البلدان التي غلب فيها شعار أهل السنة دون عامة البقاع التي ظهر فيها شعار أهل الأهواء الضالة. أ. هـ.
* * *
وإنما أردنا بهذا الصنف من العامة الذين اعتقدوا تصويب علماء السنة والجماعة في أبواب العدل والتوحيد، والوعد والوعيد، ورجعوا إليهم في معالم دينهم، وقلدوهم في فروع الحلال والحرام، ولم يعتقدوا شيئاً من بِدعِ أهل الأهواء الضالة، وهؤلاء هم الذين سمتهم الصوفية "حشو الجنة".
فهؤلاء أصناف أهل السنة والجماعة ومجموعهم، أصحاب الدين القويم، والصراط المستقيم ثَبَّتهم الله تعالى بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، إنه بالإجابة جدير، وعليها قدير) أ. هـ الشيخ عبد القاهر.
стр. 462
وبعد:
إن الأصل الأصيل أن يُحصل الإنسان الاعتقاد الحق اوالعمل المنسجم مع هذا الاعتقاد، فإذا حصَّل ذلك كان من أهل السنة والجماعة، فإذا كان مظهراً حقيقياً لمذاهب أهل الحق واعتقادهم كان علماً على الجماعة فبهداه يُهتدى، ومن ههنا كان في هذه الأمة أعلام أجمعت الأمة على اعتبارهم أئمة هدى، فليحاول المسلم أن يكون كذلك فيكون حجة الله على الخلق وذلك يكون بعلم وعمل وحال وسمت حسن، ثم إن كان لأهل السنة والجماعة إمام عدل نافذ السلطان يقودهم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ فليبايع وليلزم وليستقم على ذلك، فإن لم يوجد خليفة راشد فسلطان راشد، فإن لم يكونا فليكن مع أهل العلم والجهاد ليكون مع الطائفة الظاهرة على الحق وإنما كانت كذلك لحملها الحق والدعوة له والعمل من أجله على بصيرة ولذلك فسر البخاري المراد بالطائفة بأنهم أهل العلم، وبعضهم فسر المراد بها بأنهم أهل الحديث، وبعض النصوص تصف هذه الطائفة بالجهاد، فمن وجد أحداً من مظنته أن يكون من هذه الطائفة فليلزم غرزه ولا يتسرع حتى يجتمع له طمأنينة العلم والاستخارة والاستشارة وانشراح الصدر ببرد اليقين، وإلا فليحب الخير وأهله دون التزام، وليحذر من جهل الصالحين، وفسوق العالمين فضلاً عن حذره من جهل الجاهلين وغلط العاملين، والتمسك بكتاب الله هو العاصم، فليعمل على بصيرة وليدع على بصيرة، فإذا لم يكن أمامه إلا عزلة أو متابعة على غير هدى فليعتزل، والمتابعةُ على غير هدى تكون إذا تابع دعاة كفر أو ضلال أو بدعة أو أهل جهل وهوى:
"إذا رأيت شحاً مطاعاً وهوى متبعاً ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك نفسك ودع عنك أمر العوام" (١).
وفي حديث حذيفة قال: فإن لم يكن للمسلمين جماعة ولا إمام؟ قال: "فاعتزل تلك الفرق كلها" (٢).
стр. 463
ولكن قد تتجسد الجماعة بفردٍ فليلازمه وليعملا معاً في نصرة الإسلام.
ومع حبنا لدعاة الإسلام كلهم، ومع حبنا لكل مسلم، ومع إعطائنا الولاء والإخاء للمسلمين جميعاً، فإننا نستشعر أن المحاولات الجادة لاستئناف الحياة الإسلامية الراشدة يتوضع حولها وفي بنائها كثير من الأغاليط التي تحتاج إلى بصيرة نافذة كي لا يكون الإنسان شريكاً فيها أو داخلاً في دوامتها، ومن ههنا نقول: (اعرف ثم التزم) فلقد قال أحد العارفين لتلميذه: (يا بني كن محدثاً صوفياً ولا تكن صوفياً محدثاً) فمن تصوف قبل العلم تعصب وتحزب وحمل النصوص على ما يوافق الهوى ولم يحمل الهوى على ما يوافق النصوص وكذلك من التزم بشيء قبل العلم ولم يكن التزامه على ضوء العلم خيف عليه، وخيف منه على الصف الإسلامي، ثم إنه في موضوع الالتزام نفسه تغلب أغاليط، فهناك فارق بين الالتزام بخليفة راشد أو سلطان راشد وبين التزام بإخاء للتعاون على خير، فهذا له أحكامه وهذا له أحكامه، وكثيراً ما رأينا أفراداً يلتبس عليهم هذا الأمر فيفهمون الالتزام الثاني على أنه الالتزام الأول، ولا يعطون الالتزام الأول حقوقه فتلتبس الأمور وتختلط المفاهيم وتحدث المشقة التي تستتبع الخلاف والاختلاف والعصيان.
* * *
стр. 464
الفصل الثاني والعشرون
في:
الاختلاف الجائز والاختلاف الممنوع
وفيه:
التقليد الجائز والتقليد الممنوع
مقدمة ونصوص
стр. 465
المقدمة
لقد اختلف أئمة أهل السنة والجماعة في كثير من المسائل ومن قبلهم اختلف أصحاب رسول الله ﷺ بعد وفاته في كثير من الاجتهادات، بل إن بعضهم كان يجتهد في القضية الواحدة ثم يغير رأيه، وهذا كله لا خطر فيه، لأ، هـ اجتهاد حيث يحتمل الاجتهاد، واختلاف حيث تحتمل النصوص اختلافاً في الفهم، أو أنه اختلاف حيث تسكت النصوص، فهذا النوع من الاختلاف في الفروع إذا كان من أهله فالعذر فيه واضح ولا يؤثر على أصل العقيدة، فالاختلاف في الأصول هو الذي يدخل صاحبه في دائرة المذموم، أما الاختلاف في الفروع من أهله فذلك موجود في هذه الأمة.
وعلى هذا نحمل الكلمة المشهورة: (نجتمع على ما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه)، وإنما اشترطنا في الاختلاف ليكون محموداً أن يكون من أهله أي مجتهدي أهل السنة والجماعة لأنهم هم الذين يعرفون الأصول التي لا تجوز مخالفتها ويعرفون الإجماع الذي لا تجوز مخالفته، ويعرفون أن يحملوا النصوص على محاملها الصحيحة ويعرفون روح الشريعة وأسرارها، فيضعون كل شيء في محله، فهؤلاء لهم حق الاجتهاد إذا توافرت شروطه فيهم، وهم في اختلافهم معذورون، ومن أخذ بفتوى واحد منهم أو بفتوى من يحسن استنباطط الفتوى على مذاهبهم فلا عليه من حرج، أما من اجتهد ولم تتوافر فيه شروط الاجتهاد فهو إمام ضلالة ولا تجوز متابعته فيما شذ فيه عن أقوال المجتهدين وأئمة الفتوى، فليس هو معذوراً في خلافه واختلافه، وليس من تابعه معذوراً في الخلاف والاختلاف.
وههنا تأتي مسألة التقليد المباح أو الواجب أو المحرم: فالأصل الأصيل أن التقليد في الحياة البشرية له محله، فهذا الذي أخذ الدواء ولا يعرف عنه إلا أنه وصفة طبيب، فإنه
стр. 466
مقلد، والطبيب نفسه مقلِّد لشركات الدواء، والمزارع مقلد في كثير من الأمور، وهكذا قُل في أشياء كثيرة. فإذا أتينا إلى الشريعة، فالشريعة مبناها على النصوص، والنصوص مبناها على النقل، والنقل مبناه على الرجال، وكثيرون من الذين يشتغلون في الحديث يقلدون في الحكم على الرجال غيرهم من أئمة الجرح والتعديل، فمن ههنا نعرف أن ما يحاربه بعض المتشددين من أهل الحديث من تقليد الرجال هم أول الواقعين فيه، ولا ننكر عليهم ذلك، بل نُنْكِرُ عليهم أن يُنكروا على من قلد أئمة الاجتهاد.
فتقليد أئمة الاجتهاد في المسائل الفقهية شيء عادي، فما كل إنسان يحسن استخراج الحكم الشرعي في كثير من الأحوال، ولذلك فإن علماءنا اعتبروا التقليد في الأصول مذموماً واعتبروه في المسائل المشتبهة التي أشار إليها الحديث الصحيح: "وبين ذلك أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس" واعتبروا التقليد في مثل هذا واجباً، فهذا تقليد محمودٌ، ولقد كتبنا كتابنا (جولات في الفقهين الكبير والأكبر) مناقشين فيه أهل التشدد في هذه الشؤون لأنهم يخالفون البدهيات، فليس كل مسلم مجتهداً، وللاجتهاد شروطه، وهم يتصدون للاجتهاد وليسوا مؤهلين له، فلو قلدهم مقلد لم ينكروا عليه، وإذا قلد أئمة الاجتهاد المعتبرين خطّأوه أو ضللوه، مع أن أئمة الاجتهاد لم يحرموا حلالاً ولم يحللوا حراماً، وإنما بحثوا في المشتبهات ليعطوا حصيلة اجتهادهم على ضوء النصوص، ولترصيع هذا الفصل ببعض الآثار والنصوص التي لها علاقة فيه نذكر الروايات التالية:
стр. 467
النصوص
٤٩٧ - * روى أبو داود عن أبي الدرداء، ﵁، قال: سمعت رسول الله، ﷺ يقول: "من سلك طريقاً يبتغي فيه علماً سهَّل الله له طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثةُ الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم. فمن أخذه أخذ بحظٍّ وافرٍ".
أقول: إن اتباع أئمة الهدى من العلماء هو اتباع لرسول ﷺ في المال، إلا أن العلماء غير معصومين، ولكن أئمة الاجتهاد هم أعرف الخلف بالهدي الإسلامي ولذلك فإن اتباعهم هداية.
٤٩٨ - * روى أبو داود عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ "من سُئل عن علمٍ فكتمه، أُلجم يوم القيامة بلجامٍ من نارٍ".
هذا يدل على أنه لا تخلو الحياة الإسلامية من سؤال وجواب، وهذا يقتضي أن يوجد العالم الذي يُسأل والجاهل الذي يسأل.
٤٩٩ - * روى البخاري ومسلم عن سهلٍ بن سعدٍ، ﵁، أن النبي ﷺ ، قال لعليٍّ، ﵁: "فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حُمر النعم".
стр. 468
وهذا يدل على أن هناك دعاة ومدعوين، وأن لدعاة الحق هداية لمن اهتدى بهم فهو على صراط مستقيم، ولا شك أن الأئمة المجتهدين من هؤلاء الدعاة المهتدين الذين يهدون إلى ما هداهم الله إليه بثاقب فهمهم وقوة ورعهم.
٥٠٠ - * روى مسلم عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً. ومن دعا إلى ضلالةٍ، كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً".
أقول: ههنا تابع للحق ومتبوع بالحق، وللتابع أجره وللمتبوع أجور نم اتبعوه على هدى، وأئمة الاجتهاد يدخلون في هذا المقام.
٥٠١ - * روى الإمام أحمد عن أبي أمامة الباهلي ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما ضلَّ قومٌ بعد هُدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل". ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ (١).
(الجدال والمراء): المخاصمة والمحاجة، وطلب المغالبة. والمراد ههنا الجدال بالباطل أو الجدال بأكثر مما تقتضيه إقامة الحجة، أو الجدال لإقامة الحجة بنية غير صالحة، أما أصل الجدال لإقامة الحجة بالحق لله فهذا دأب الدعاة. ومن الآية التي وردت في النص ندرك أن الجدال ههنا جدل المشركين الذين يدفعون الحق بالباطل.
стр. 469
٥٠٢ - * روى الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "المراءُ في القرآن كُفر".
قال الخطابي: قال بعضهم: معنى المراء هاهنا: الشك فيه والارتياب به.
وقال بعضهم: أراد الشك في القراءة التي لم يسمعها الإنسان، وتكون صحيحةً، فإذا أنكرها جاحداً لها، كان متوعداً بالكفر لينتهي عن مثل ذلك.
وقال بعضهم: إنما جاء هذا في الجدال والمراء في الآيات التي فيها ذكرُ القدر ونحوه من المعاني، على مذهب أهل الكلام، دون ما تضمنته من الأحكام وأبواب التحليل والتحريم، فإن ذلك قد جرى بين الصحابة ﵃ ومن بعدهم من العلماء، وليس ذلك محظوراً. والله تعالى أعلم.
أقول: ويمكن أن يراد بالمراء مراءُ أصحاب الأهواء الذين كفروا بأهوائهم ويجادلون بفهمهم الكافر أهل الحق.
٥٠٣ - * روى البخاري ومسلم عن جُندب بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قُلوبكم، فإذا اختلفتم فيه فقوموا".
أقول: إذا كان هناك اختلاف في فهم، ولم يكن هناك مرجع يرجع إليه المختلفون فيحسم الخلاف في الحق فيجب عليهم أن يسكتوا حتى لا يقولوا بغير علم فيقعوا بسبب ذلك في كفر أو ضلال أو فسوق.
стр. 470
٥٠٤ - * روى أبو داود عن أبي أمامة ﵁، عن النبي ﷺ : "أنا زعيمٌ ببيتٍ في ربضِ الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً، وببيت في أعلى الجنة لمن حسُن خُلقه".
أقول: إنما يترك صاحب الحق الجدال بعد أن يقيم الحجة، فإذا قامت الحجة وسعه أن يسكت وهو مأجور، لأن ضبط نفسه عن متابعة الجدال يؤجر به فهو نوع مجاهدة للنفس، لأن النفس قد تبدأ كلامها لله ويستجرها الجدال إلى الرغبة في الغلبة فتجادل لحظ النفس لا لنصرة الدين.
٥٠٥ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : "إن أبغض الرجال إلى الله تعالى: الألدُّ الخصمُ".
٥٠٦ - * روى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قال: هجرتُ إلى رسول الله ﷺ يوماً، فسمع أصوات رجلين اختلفا في آيةٍ فخرج رسول الله ﷺ يُعرفُ في وجهه الغضب، فقال: "إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب".
٥٠٧ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁، قال: خرج رسولُ الله ﷺ ونحن نتنازعُ في القدر، فغضب، حتى كأنما فُقئ في وجهه حبُّ الرمان حُمرةً من الغضب، فقال: "أبهذا أُمرتُم؟ أم بهذا أُرسلتُ إليكم؟ إنما أهلك من كان قبلكم
стр. 471
كثرة التنازع في أمر دينهم، واختلافهم على أنبيائهم".
وفي رواية: "إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر عزمتُ عليكم، عزمتُ عليكم: أن لا تنازعوا فيه".
٥٠٨ - * روى الدارمي عن مروان بن الحكم، قال: قال لي عثمان بن عفان: إن عمر قال لي: إني قد رأيت في الجدِّ رأياً فإن رأيتم أن تتبعوه فاتبعوه. قال عثمان: إن نتبع رأيك فإنه رشد وإن نتبع رأيك فإنه رشد وإن نتبع رأي الشيخ قبلك فنعم ذو الرأي كان، قال: وكان أبو بكر يجعله أباً.
أقول: هذا دليل على أنه منذ عصر الصحابة كان يوجد أكثر من اجتهاد في بعض المسائل، ولا يرون في ذلك حرجاً ولا يرون في الأخذ بأحد الرأيين بأساً، ومن ههنا استقرت الأمة في النهاية على أن يتبع الإنسان أي إمام مجتهد بلا حرج.
٥٠٩ - * روى الدارمي عن حُميدٍ، قال: قيل لعمر بن عبد العزيز: لو جمعت الناس على شيء فقال: ما يسرني أنهم لم يختلفوا. قال: ثم كتب إلى الآفاق أو إلى الأمصار: لنقضِ كل قومٍ بما اجتمع عليه فقهاؤهم.
٥١٠ - * روى الدارمي عن عون بن عبد الله قال: ما أُحبُ أن أصحاب النبي ﷺ لم يختلفوا فإنهم لو اجتمعوا على شيء فتركه رجل ترك السنة ولو اختلفوا فأخذ رجل بقول أحدٍ أخذ السنة.
стр. 472
الفصل الثالث والعشرون
في:
التحذير من مواطأة الأمم في انحرافاتها
وفيه:
مقدمة ونصوص وتعقيب
стр. 473
المقدمة
قال تعالى: ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (١).
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ (٢).
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (٣).
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (٤).
﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٥).
﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (٦).
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (٧).
إن كتاب ربنا وسنة نبينا ﵊ قد جمعا الخير كله وبينا لنا الشرّ كله، وكما طالبنا ربنا في أتباع الخير وأهله فقد نهانا أن نتابع الشر وأهله، وكما أمرنا بالاقتداء بالرسل والأنبياء والصديقين والشهداء فقد نهانا عن متابعة أهل الأهواء، وقد بين لنا انحرافات أمم أنزل عليها وحي فانحرفت عنه، وبين لنا رفض بعض الأمم لما أنزل عليهم من وحي أصلاً، ولكن الطبيعة البشرية هي الطبيعة البشرية تتشابه على مدار الأزمنة والأمكنة والأجيال ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (٨) ومن ثم فإن هذه الأمة على ما أكرمها الله من كتاب معصوم معجز ومن سنة محفوظة باقية سيظهر فيها ما ظهر في الأمم من انحرافات، فلا عجب والأمر كذلك أن نرى أفراداً أو جماعات من هذه الأمة تواطئ
стр. 474
انحرافات الأمم وتتخذ من هذه الأمم في انحرافاتها قدوة، فالنصوص النبوية ذكرت أن هذا واقع، وذكرها له تحذير منه، وعلى الربانيين والمصلحين أن يعملوا ليجددوا حياة الإسلام وحيويته، ولينقذوا المتأثرين بالفكر الغريب والسلوك المنحرف أو المريب.
إن هناك انحرافات بشرية فردية، وهناك انحرافات جماعية، وهناك انحرافات محلية، وانحرافات عالمية، وهناك مسرى للانحراف قد يكون فردياً أو محلياً وعالمياً، وقد تتعدد مسربات الانحراف عند الأمم وهناك مسرى منحرف لأهل الأديان الباطلة في الجملة، وهناك مسرى منحرف خاص بأهل كل دين، وهناك مسربات منحرفة لمن لا دين له.
والأمة الإسلامية معرضة لأن يسري إليها ذلك كله، ومن ههنا كان الإسلام بحاجة إلى تجديد في كل جيل من أجيال هذه الأمة، وكان من رحمة الله بهذه الأمة ألا تنقطع سلسلة المجددين.
إن المسرى السيايس العام للعالم هو السير نحو العلمانية بألا يكون للدين علاقة في الحياة السياسية، تجد ذلك قاسماً مشتركاً عند أتباع الأديان الباطلة من بوذية أو كونفوشيوسية أو برهمية أو زرادشتية أو يهودية أو نصرانية أو وثنية، وتجد أن هذا المسرى قد اختطف الكثيرين من أبناء الأمة الإسلامية حتى غلب ولا زال يغلب على الكثير من أقطارها، وتجد أن بعض أهل الأديان وصلوا إلى إعطاء أحبارهم ورهبانهم صفة العصمة، فتجد أن ذلك سرى إلى كثير من أبناء الأمة الإسلامية، وأكثر ما ظهر ذلك عند طوائف الشيعة وبعض المتصوفة.
وتجد أن اتباع الأهواء وكسب الملذات والدعوة إلى حرية الإنسان في ذلك قد غلبت على العالم وسرى ذلك للكثيرين من أبناء الإسلام.
وهذا وأمثاله قد أخبرنا رسول الله ﷺ عن وقوعه وحذرنا منه وعلمنا الله أن ندعوه في كل صلاة أن يجنبنا ذلك ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (١) والمغضوب عليهم هم اليهود والضالون هم النصارى،
стр. 475
فإذا حذرنا من متابعة انحرافات هؤلاء وهما الأشهر في الديانة والتدين فمن باب أولى غيرهم، ولذلك وجب على المسلم أن يفتش في ذاته وفي سلوكه وفي ولاءاته وفي انتماءاته وفي أعماله وأقواله وفي بيته وفي مواقفه عما إذا كان يواطئ غير المسلمين في شيء من انحراف عن الإسلام.
لقد كان من سنة رسول الله ﷺ أن يخالف سنة اليهود والنصارى والمجوس ليعلمنا الحذر من المواطأة إلا فيما أجازته شريعتنا.
لقد أخبرنا الله أنه لم يترك أمة إلا أرسل لها رسولاً: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (١).
وقال ﵇: "أنتم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله" (٢).
والنصوص لم تصف كل الأمم التي أرسل لها رسل إلا ما ذكر عن بني إسرائيل وعن النصارى وبعض الأقوام، والديانات المعروفة قديماً وحديثاً كثيرة:
فهناك النصرانية واليهودية والبوذية والكونفوشيوسية والمجوسية ....
وهناك أديان بادت وانقرضت كالديانات المصرية القديمة والديانات اليونانية، والمعروف عنها أنها ديانات شِركيّة، وهناك الديانات الوثنية والشركيَّة، وبعضها لا زال موجوداً، ولئن لم يحدثنا القرآن عن كل الأديان فقد ذكر لنا ما نعرف به من خلال المذكور ما غاب عنا، فلا يغيب عمن قرأ القرآن وفهمه أن يعرف الهدى من الضلال، ليس في باب الديانات فحسب بل في باب المذاهب الفلسفية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها سواء في ذلك ما انتهى ودرس أو ما زال موجوداً.
стр. 476
فهناك ديانات اندرست، فإذا ما قرأ المسلم عنها لا يفوته مواطن الكفر والانحراف فيها كالديانات اليونانية والمصرية والرومانية، وهناك ديانات لا زالت موجودة لا يغيب عن المسلم أن يعرف مواطن الكفر والضلال فيها كالبوذية والكونفوشيوسية والبرهمية واليهودية والنصرانية والصابئية والمانوية والزرادشتية، وهناك مذاهب فلسفية واجتماعية ظهرت قديماً كالفلسفة اليونانية والإباحية المزدكيّة، وهناك فلسفات معاصرة أو وسيطة ومذاهب اجتماعية واقتصادية وسياسية، وكل ذلك لا يغيب عن المسلم العارف بدينه أن يعرف مواطن الكفر والانحراف فيها.
قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (١).
وقد كلّف الله الإنسان أن يؤمن بالله وأن يكفر بالطاغوت: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ (٢).
ومن ههنا كان من معالم الإسلام الكبرى ألا يتابع المسلم أحداً فيما يدخل في باب الديانات. وقد أعطانا الله نموذجين تفصيليين على انحرافات أمتين أنزل عليهما وحي وهما اليهود والنصارى، ولقد استمرَّت الانحرافات عند اليهود والنصارى بعد نزول القرآن الكريم حتى وصلوا إلى الإلحاد وإلى اللادينية والإباحية في الفكر الرأسمالي والفكر الشيوعي، فانحراف يوصل إلى انحراف وهكذا.
ولما كانت هذه الانحرافات أثراً عن أهواء أو جهل، ولما كان الإنسان مَظِنَّة الجهل والهوى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (٣) فإن احتمال أن تسري على أمتنا انحرافات الأمم قائم، ومن ههنا أخبرنا عنه رسول الله ﷺ ونبَّهنا على ذلك وحذرنا منه وفيما يلي نصوص في ذلك.
стр. 477
النصوص
٥١١ - * روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر، وذراعاً بذراعٍ حتى لو دخلوا جُحر ضبٍّ لتبعتموهم". قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ " قال: "فمن؟ ".
٥١٢ - * روى البزار عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لتركبن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع وباعاً بباع، حتى لو أن أحدهم دخل جُحر ضبٍّ لدخلتم، وحتى لو أن أحدهم جامع أمه لفعلتم".
٥١٣ - * روى الطبراني في الأوسط عن المستورد بن شداد، أن رسول الله ﷺ قال: "لا تترك هذه الأمة شيئاً من سنن الأولين حتى تأتيه".
٥١٤ - * روى البخاري عن أبي هريرةً ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم الساعة، حتى تأخذ أمتي مأخذ القرون قبلها شبراً بشبرٍ وذراعاً بذراعٍ" قيل له: يا رسول الله، كفارس والروم؟ قال: "من الناس إلا أولئك؟ ".
٥١٥ - * روى الترمذي عن أبي واقد الليثي ﵁، أن رسول الله ﷺ لما خرج
стр. 478
إلى غزوة حنينٍ مرَّ بشجرةٍ للمشركين كانوا يُعلقون عليها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواطٍ، فقالوا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواطٍ، كما لهم ذاتُ أنواط. فقال رسول الله ﷺ : "سبحان الله! هذا كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، والذي نفسي بيده: لتركبن سنن من كان قبلكم".
٥١٦ - * روى الطبراني عن أبي موسى: قال: قال رسول الله ﷺ : "إن بني إسرائيل كتبوا كتاباً فاتبعوه وتركوا التوراة".
أقول: إن بني إسرائيل يعتمدون التلمود أكثر مما يعتمدون أسفار موسى الخمسة التي هي الأسفار الأولى في كتب العهد القديم والتي يطلق عليها بعضهم اسم التوراة، ويبدو أن التوراة جزء منها، وقد داخل هذه الأسفار كلها من التحريف والتبديل الكثير، ومحل التلمود عندهم في العمل أقوى وإن كانت التوراة أقوى في الاعتبار.
٥١٧ - * روى الطبراني عن أبي الزغراء الأزدي قال: قال عبد الله بن مسعود: لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم، وقد أضلوا أنفسهم، إما أن يُحدثوكم بصدقٍ فتكذبوهم أو بباطل فتصدقوهم.
* * *
التعقيب:
إن أدب المسلم وهو يقرأ كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ أن يقيم الأمر ويجتنب النهي، كما أن من آدابه إذا مر بآية أو حديث يتحدث عن كفر أو ضلال أو بدعة أو فسوق أن يتجنب ذلك كي لا يواطئ أهل ذلك في شيء ومن ههنا نهينا عن التشبه، وسن لنا رسول الله ﷺ مخالفة المشركين والكافرين في كل ما يدخل في باب الديانات، وقد ضلت الأمم السابقة ابتداءً عن التوحيد والشرائع كما ضلوا بالتفرق بسبب البغي والابتداع، ومع الضلال
стр. 479
عن أصل الدين والتفرق فيه والفسوق والغلو والابتداع فقد أضاعوا الوحي أو حرّفوه أو ألغوه، وكل ذلك مما ينبغي أن يحذره المسلم.
* * *
стр. 480
الفصل الرابع والعشرون
في:
التحذير من الفتن والأهواء وأهلها
وفيه:
مقدمة ونصوص وتعقيب
стр. 481
المقدمة
رأينا أن الأمة الإسلامية ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، ومن ههنا فإن أهل الإيمان عليهم أن يحذروا من متابعة فرقة من فرق الضلال، أو أن يواطؤوها في فكرة من أفكارها الخاطئة، ومن ههنا اشتد كثير من الأئمة على بعض أهل السنة والجماعة بسبب تخوفهم من فكرة خاطئة سرت إليه أو يمكن أن تسري إليه.
ومع وجوب الحذر من متابعة أهل الأهوءامن الفرق الضالة فهناك الفتن التي تعصف في الأمة مما لا يستبان وجه الحق فيها فهذه كذلك يجب على المسلم أن يحذرها.
ومن ههنا فإن على المسلم أن يحذر:
من متابعة أهل الهوى، ومن المشاركة في فتنة يستعمل فيها السلاح أو اللسان دون أن يكون متبيِّناً وجه الحكم الشرعي، أما إذا استبان له وجه الحكم الشرعي فعندئذٍ يقدم ولو كان ذلك قتالاً، وعلى مثل هذا يحمل إقدام الصحابة على القتال في الفتنة: بين علي من جهة، وبين عائشة وطلحة والزبير ثم معاوية من جهتين أخريين.
والفتنة في اصطلاح الشارع أوسع مدى مما ذكرناه، فهي على أنواع، وكل واحدة منها ينبغي أن يكون للمسلم موقف منها. فكلمة الفتنة في اصطلاح الشارع تطلق على الصراعات الداخلية غير المبصرة بين المسلمين، كما تطلق على نشر الآراء الشاذة، وتطلق على الاضطهاد الذي يسلطه الكافرون أو الظالمون على المؤمنين، كما تطلق على الفوضى وعلى الخوض بلا تبين في المعارك السياسية والعصبيات والهجوم والتهجم بسببها، وتطلق الفتنة على ما يفتن الإنسان في دينه من مال أو جاه أو خواطر باطنة أو اتجاهات باطلة، ويدخل في اسم الفتنة التحريش بين الناس، والتفريق بين المتحابين.
وكل أنواع الفتن ينبغي أن يحذرها المسلم، وأن يكون له موقفه من كل واحدة منها.
فالمسلم مطالب في الصراعات الداخلية بين المسلمين أن يتبين، وفي الآراء الشاذة أن يرفضها وان يتمسك بقول أهل الحق، والأصل أن يدعو المسلم إلى الله ولا يطالب أن يعرض
стр. 482
نفسه إلى اضطهاد لا يتحمله إلا إذا تعين عليه موقف شرعاً، فإذا أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو دعا إلى خير فاضطهد أو أوذي ابتداءً بسبب عقيدته فهو بين خيارين: أن يصبر حتى يستشهد أو يأخذ بالرخصة إذا كان الإكراه ملجئاً، والأصل في المسلم أن يجاهد الكفار وأن يقاتل أهل البغي مع الإمام الحق، أما إذا وقعت الفوضى فأدبه أن يعتزل حتى يجد مسلكاً صحيحاً فيمضي فيه، وأما الأهواء السياسية والعصبيات والقبليات فالمسلم منها حَذِر، وأمام ما يعرض على القلوب من فتنة فالمسلم يأباها وبذلك يسلم له قلبه.
وإذا كانت هذه الأمور من الأهمية بمكان، فقد عقدنا لها هذا الفصل لنذكر فيه بعض النصوص في بعض هذه الشؤون:
стр. 483
النصوص
٥١٨ - * روى الإمام أحمد عن أبي برزة الأسلمي، لا أعلمه إلا عن النبي ﷺ قال: "إنما أخشى عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ومُضلات الفتن".
وفي رواية: "ومضلات الهوى".
٥١٩ - * روى الإمام أحمد عن كرز بن علقمة الخزاعي، قال: قال رجل: يا رسول الله هل للإسلام من منتهى؟ قال: "نعم أيما أهل بيتٍ من العرب أو العجم أراد الله بهم خيراً أدخل عليهم الإسلام، ثم تقع الفتن كأنها الظلل" قال: كلا والله إن شاء الله. قال: "بلى والذي نفسي بيده، ثم تعودون فيها أساود صُبى يضرب بعضكم رقاب بعض".
وفي رواية (٣) "فأول الناس مؤمنٌ مُعتزلٌ في شِعبٍ من الشعاب يتقي ربه ﵎ ويدع الناس من شره".
٥٢٠ - * روى البخاري عن خلف بن حوشب ﵀، قال: كانوا يستحبون أن يتمثلوا بهذه الأبيات عند الفتن:
الحربُ أول ما تكون فتيةً ... تسعى بزينتها لكل جهول
حتى إذا اشتعلت وشب ضرامها ... ولت عجوزاً غير ذات حليل
стр. 484
شطاء يُنكر لونها وتغيَّرت ... مكروهةً للشم والتقبيل
٥٢١ - * روى البخاري ومسلم عن أسامة بن زيدٍ ﵄، قال: أشرف النبي ﷺ على أُطم من آطام المدينة، فقال: "هل ترون ما أرى؟ " قالوا: لا. قال: "فإني لأرى مواقع الفتن خِلال بيوتكم كمواقع القطر".
٥٢٢ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله عليه وسلم: "ستكون فتنٌ، القاعدُ فيها خيرٌ من القائم، والقائمُ فيها خيرٌ من الماشي، والماشي فيها خيرٌ من الساعي، من تشرف لها تستشرفه، ومن وجد ملجأ أو معاذاً فليعُذْ به".
وفي أخرى لمسلم (٣): "تكون فتنةً، النائمُ فيها خيرٌ من اليقظان، واليقظانُ فيها خيرٌ من القائم، والقائم فيها خير من الساعي، فمن وجد ملجأ أو معاذاً فليستعذ".
٥٢٣ - * روى مسلم عن عثمان الشحام: قال انطلقت أنا وفرقدٌ السبخي إلى مسلم بن أبي بكرة وهو في أرضه، فدخلنا عليه، فقلت: هل سمعت أباك يُحدِّث في الفتن حديثاً؟ فقال: نعم، سمعت أبا بكرة يحدّث قال: قال رسول الله ﷺ : "إنها ستكون فتنٌ، ألا
стр. 485
ثم تكون فتنةٌ، القاعدُ خيرٌ من الماشي فيها، والماشي فيها خيرٌ من الساعي إليها، ألا فإذا نزلت، أو وقعت، فمن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كان له غنمٌ فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرضٌ فليلحق بأرضه" قال: فقال رجل: يا رسول الله، أرأيت من لم تكن له إبلٌ ولا غنم ولا أرض؟ قال: "يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر ثم لينجُ إن استطاع النجاء، اللهم هل بلغتُ؟ اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟ " قال: فقال رجل يا رسول الله، أرأيت إن أُكرهتُ حتى يُنطلق بي إلى أحد الصفين، أو إحدى الفتئين، فضربني رجل بسيفه، أو يجيء سهمٌ فيقتلني؟ قال: "يبوء بإثمه وإثمك، ويكونُ من أصحاب النار".
ولفظ أبي داود (١) قال: "إنها ستكون فتنة يكون المضطجعُ فيها خيراً من الجالس، والجالسُ خيراً من القائم، والقائمُ خيراً من الماشي، والماشي خيراً من الساعي" قالوا: يا رسول الله، ما تأمرنا؟ قال: "من كانت له إبلٌ فليلحق بإبله، ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه" قال: فمن لم يكن له شيء من ذلك؟ قال: "يعمدُ إلى سيفه، فيضرب بحدِّه على حَرة، ثم لينجُ ما استطاع النجاء".
أقول:
هذا الحديث وأمثاله محمول على ما إذا لم يكن للمسلمين إمام راشد قائم بالحق، أما إذا وجد الإمام الراشد القائم بالحق فالأصل أن يجاهد الإنسان معه وأن يقاتل أهل البغي الخارجين عليه، ومع أن الإمام عليًّا كان خليفة راشداً قائماً بالحق فإن بعض الصحابة وقفوا ضده لعدم تبينهم أنه هو الإمام الحق القائم بالحق، وبعضهم استباح الاعتزال فلم يقاتل أخذاً بظواهر مثل هذه النصوص، لكن بعضهم ندم على عدم قتاله معه بعد أن تبين له أنه على الحق والصواب بعد مقتل عمار من قبل فئة معاوية كما حدث لابن عمر ﵄.
стр. 486
٥٢٤ - * روى الترمذي عن سعد بن أبي قاص ﵁، قال: عند فتنة عثمان بن عفان- أشهد أن رسول الله ﷺ قال: "إنها ستكون فتنة القاعدُ فيها خيرٌ من القائم، والقائمُ خيرٌ من الماشي، والماشي خيرٌ من الساعي". قال: أفرأيت إن دخل عليَّ بيتي، وبسط يده إلي ليقتلني. قال: "كن كابن آدم".
ولفظ أبي داود (١) عن حسينٍ بن عبد الرحمن الأشجعي: أنه سمع سعد بن أبي وقاصٍ عن النبي ﷺ ، في هذا الحديث، قال: فقلت: يا رسول الله، أرأيت إن دخل عليَّ بيتي، وبسط يده إليَّ ليقتلني؟ قال: فقال رسول الله ﷺ : "كن كابني آدم" وتلا يزيدُ - يعني ابن خالدٍ الرملي-: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي﴾ الآية (٢).
٥٢٥ - * روى البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "يوشكُ أن يكون خير مال المسلم غنمٌ يتبعُ بها شعف الجبال ومواقع القَطْرِ، يفرُّ بدينه من الفتن".
وللبخاري (٣) قال عبد الرحمن بن أبي صعصعة: قال لي أبو سعيد: إني أراك تُحب الغنم وتتخذُها، فأصلحها وأصلح رُعامها، فإني سمعت النبي ﷺ يقول: "يأتي على
стр. 487
الناس زمان تكونُ الغنمُ فيه خير مال المسلم، يتبع بها شغف الجبال. ومواقع القَطْرِ، يَفِر بدينه من الفتن".
٥٢٦ - * روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: "ويلٌ للعرب من شرٍّ قد اقترب، أفلح من كفَّ يده".
٥٢٧ - * روى الترمذي عن أبي موسى الأشعري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال في الفتنة: "كسِّروا فيها قِسيكم، وقطِّعُوا فيها أوتاركم، والزموا فيها أجواف بيُوتكم، وكونوا كابن آدم".
ورواه أبو داود بزيادة في أوله (١)، قال: قال رسول الله ﷺ : إن بين يدي الساعة فتنا كقطع الليل المظلم، يُصبحُ الرجلُ فيها مؤمناً، ويُمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويُصبح كافراً، القاعدُ فيها خيرٌ من القائم، والماشي فيها خيرٌ من الساعي، فكسِّروا قسيَّكُم، وقطعوا أوتاركم، واضربوا سيوفكم بالحجارة، فإن دُخل على أحدٍ منكم فليكن كخير ابني آدم".
ورواه أبو داود (٢) أيضاً إلى قوله: "خيرٌ من الساعي" قالوا: فما تأمرُنا؟ قال: "كونوا أحلاس بُيوتكم".
стр. 488
٥٢٨ - * روى ابن ماجه عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ : "تكونُ فتنٌ على أبوابها دُعاةٌ إلى النار فأن تموت وأنت عاضٌّ على جذل شجرةٍ خيرٌ لك من أن تتبع أحداً منهم".
٥٢٩ - * روى الترمذي عن أم مالكٍ البهزية ﵂، قالت: ذكر رسول الله ﷺ فتنةً، فقربها، قالت: قلتُ: يا رسول الله، من خيرُ الناس فيها؟ قال: "رجلٌ في ماشيةٍ يؤدي حقها، ويعبدُ ربه، ورجلٌ آخذٌ برأس فرسه يُخيف العدو ويخوفونه".
اقول: هكذا شأن المسلم أنه على بصيرة، فإذا وقعت فتنة بين المسلمين ولم يتبين له وجه الحق والصواب فيها فهو إما معتزل وإما متوجه لجهاد لا خلاف فيه وهو قتال الكفار.
٥٣٠ - * روى البخاري عن ابن عمروٍ قال: شبك النبي ﷺ أصابعه، وقال: "كيف أنت يا عبد الله بن عمرو، إذا بقيت في حُثالةٍ قد مرجت عهودهم وأماناتهم، واختلفوا فصاروا هكذا" قال: فكيف [أصنع] يا رسول الله؟ قال: "تأخذُ ما تعرفُ، وتدعُ ما تُنكرُ، وتُقبلُ على خاصتك، وتدعهم وعوامهم".
стр. 489
٥٣١ - * روى أبو داود عن أبي ذرٍّ الغفاري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "يا أبا ذرٍّ. قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك. قال: "كيف أنت إذا رأيت أحجار الزيت قد غرقت بالدم؟ " قلت: ما خار الله لي ورسوله. قال: "عليك بمن أنت منه". قلت: يا رسول الله، أفلا آخُذُ سيفي فأضعه على عاتقي؟ قال: "شاركت القوم إذاً. قلت: فما تأمرني؟ قال: تلزمُ بيتك" قلت: فإن دُخل عليَّ بيتي؟ قال: "إن خشيت أن يبهرك شعاعُ السيف، فألق ثوبك على وجهك، يبوء بإثمك وإثمه".
٥٣٢ - * روى أبو داود عن سعيد بن زيدٍ ﵁، قال: كنا عند رسول الله ﷺ ، فذكر فتنةُ عظُم أمرها، فقلنا -أو قالوا- يا رسول الله لئن أدركتنا هذه لنهلكن، فقال رسول الله ﷺ : "كلا إن بحسبكم القتل".
قال سعيد: فرأيت إخواني قُتلوا.
قولهم: لئن أدركتنا هذه لنهلكن: هكذا في الجامع وفي الأصل: لتهلكنا. قال صاحب عون المعبود: (أي تهلك تلك الفتنةُ دنيانا وعاقبتنا)، ومعنى الحديث أن هذه الفتنة لو أدركتكم يكفيكم فيها أنكم مقتولون، والضرر الذي يحصل لكم منها ليس إلا القتل، وأما هلاك عاقبتكم فكلا بل يرحمكم الله ويغفر لكم.
٥٣٣ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 490
"ليأتين على الناس زمانٌ، لا يدري القاتل في أ] شيء [قَتَلَ]، ولا يدري المقتول في أي شيء قُتِل" قيل: وكيف؟ قال: "الهرجُ: القاتلُ والمقتولُ في النار".
أقول: فهذا هو قتال الفتنة، قتال على غير تبيّن أو اجتهاد صحيح من أهله.
٥٣٤ - * روى أبو داود عن أبي أمية الشعباني، قال: سألتُ أبا ثعلبة الخُشني ﵁ قال: قلت: يا أبا ثعلبة، كيف تقول في هذه الآية: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾؟ [المائدة: ١٠٥] قال: أما والله لقد سألت عنها خبيراً سألتُ عنها رسول الله صلى الله لعليه وسلم، فقال: "ائتمروا بالمعروف، وانتهوا عن المنكر، حتى إذا رأيتم شُحاً مطاعاً، وهوى متبعاً ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك، ودع عنك العوام، فإن من ورائكم أيام الصبرِ، الصبرُ فيهن مثلُ القبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عملكم".
وفي زيادة لأبي داود: قيل: يا رسول الله، أجرُ خمسين رجلاً منا، أو منهم؟ قال: "بل أجرُ خمسين رجلاً منكم".
قوله: (للعامل فيها أجر خمسين يعملون مثل عملكم): قال صاحب عون المعبود:
قال في فتح الودود: هذا في الأعمال التي يشق فعلها في تلك الأيام لا مطلقاً وقد جاء "لو أنفق أحدكم مثل أُحد ذهباً ما بلغ مُد أحدهم ولا نصيفه" ولأن الصحابي أفضل من غيره مطلقاً انتهى وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام ليس هذا على إلاقه بل هو مبني على قاعدتين أحدهما أن الأعمال تشرفُ بثمراتها، والثانية أن الغريب في آخر الإسلام كالغريب في أوله وبالعكس لقوله ﵇: "بدأ الإسلامُ غريباً وسيعود غريباً كما
стр. 491
بدأ فطوبى للغرباء من أمتي"، يريد المنفردين عن أهل زمانهم. إذا تقرر ذلك فنقول: الإنفاق في أول الإسلام أفضل لقوله ﵇ لخالد بن الوليد ﵁: "لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه" أي مُد الحنطة والسبب فيه أن تلك النفقة أثمرت في فتح الإسلام وإعلاء كلمة الله ما لا يثمر غيرُها وكذلك الجهاد بالنفوس لا يصل المتأخرون فيه إلى فضل المتقدمين لقلة عدد المتقدمين وقلة أنصارهم فكان جهادُهم أفضل ولأن بذل النفس مع النصرة ورجاء الحياة ليس كبذلها مع عدمها، ولذلك قال ﵇. "أفضل الجهاد كلمةُ حقٍّ عند سلان جائر" جعله أفضل الجهاد ليأسه من حياته وأما النهي عن المنكر بين ظهور المسلمين وإظهار شعائر الإسلام فإن ذلك شاق على المتأخرين لعدم المعين وكثرة المنكر فيهم كالمنكر على السلان الجائر ولذلك قال ﵇: "يكون القابضُ على دينه كالقابض على الجمر" لا يستطيع دوام ذلك لمزيد المشقة فكذلك المتأخر في حفظ دينه، وأما المتقدمون فليسوا كذلك لكثرة المعين وعدم المنكر فعلى هذا يُنَزَّل الحديثُ انتهى كذا في مرقاة الصعود. أ. هـ.
أقول: قد يؤجر غير الصحابي على عمل ما أكثر من أجر الصحابي في هذا العمل، ولكن الخصوصية لا تقتضي الأفضلية، فالصحابة هم الأفضل لكمال الأداء عندهم، ثم إن كل من جاء بعدهم في صحائفهم والجميع في صحيفة رسول الله ﷺ ، وإذا كان هذا شأن الصحابة فمن يلحق بهم؟!
٥٣٥ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "سِبابُ المسلم فُسُوقٌ، وقتالُه كفرٌ".
٥٣٦ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: سمعت
стр. 492
رسول الله ﷺ يقول وهو على المنبر: ألا إن الفتنة ها هنا" ويشيرُ إلى المشرق "من حيث يطلعُ قرنُ الشيطان".
وللبخاري (١) بزيادة في أوله: أن النبي ﷺ قال: "اللهم بارك لنا في شامِنا اللهم بارك لنا في يمننا" قالوا: وفي نجدنا، قال: "اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا" قالوا: وفي نجدنا؟ قال: "اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا" قالوا: يا رسول الله، وفي نجدنا؟ فأظنه قال في الثالثة: "هنالك الزلازل والفتن، ومنها يطلع قرنُ الشيطان".
وفي أخرى (٢) عن سالم: أنه قال: يا أهل العراق، ما أسألكم عن الصغيرة، وأركبكم للكبيرة!! سمعت أبي، عبد الله بن عمر يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إن الفتنة تجيء من هاهنا" وأومأ بيده نحو المشرق- "من حيثُ يطلعُ قرن الشيطان" وأنتم يضرب بعضكم رقاب بعض، وإنما قَتلِ موسى الذي قَتَلَ من آل فرعون خأ، فقال الله له: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: ٤٠].
٥٣٧ - * روى مسلم عن جُندب بن عبد الله ﵁، قال: قال النبي ﷺ : "من قُتل تحت رايةٍ عميةٍ يدعو عصبيةً، أو ينصر عصبيةً، فقتلةٌ جاهليةٌ".
٥٣٨ - * روى النسائي عن عبد الله بن الزبير، ﵁، أن النبي ﷺ قال:
стр. 493
"من شهر سيفهُ ثم وضعه فدمه هدرٌ".
٥٣٩ - * روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁، أن النبي ﷺ قال: "من حمل علينا السلاح فليس منا".
٥٤٠ - * روى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رفعه: "إنه لم يكن نبيٌّ قبلي، إلا كان حقاً عليه أن يدُلَّ أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم وإن أمتكم هذه جُعل عافيتها في أولها، وسيصيبُ آخرها بلاءٌ وأمورٌ تنكرونها، وتجيء فتنةٌ فيزلقُ بعضها بعضاً، وتجيء الفتنةُ، فيقول المؤمن: هذه مُهلكتي، ثم تنكشف، وتجيء الفتنةُ فيقول المؤمن: هذه هذه، فمن أحب أن يُزحزح عن النار، ويُدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه، ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه، فليطعه ما استطاع، فإن جاء آخرُ ينازعه فاضربوا عُنق الآخر".
٥٤١ - * روى البخاري عن سعيد بن جبير ﵀ قال: خرج علينا عبد الله بن عمر ﵁، فرجونا أن يُحدثنا حديثاً حسناً، فبادرنا إليه رجل يقال له: حكيم، فقال: يا أبا عبد الرحمن، حدثنا عن القتال في الفتنة وعن قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] قال: وهل تدري ما الفتنة؟ ثكلتك أمك، إنما كان محمدٌ ﷺ يقاتل المشركين، وكان الدخول في دينهم فتنة، وليس كقتالكم على الملك.
стр. 494
أقول: يفهم من الأثر أن المشاركة في القتال على الملك المجرد دون ملحظ ديني أخروي هو من الفتن كما بيَّن لنا الحديث معنى الفتنة في الآية: وهي أن يفتن الكافرون المؤمنين عن دينهم ليجعلوهم يرتدون.
٥٤٢ - * روى البخاري ومسلم عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁، قال: قال لي رسول الله ﷺ في حجة الوداع: "استنصت لي الناس" ثم قال: "لا ترجعوا بعدي كُفاراً، يضربُ بعضُكم رقاب بعضٍ".
٥٤٣ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عباسٍ ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعضٍ".
٥٤٤ - * روى النسائي عن عبد الله بن مسعودٍ ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "لا ترجعوا بعدي كفاراً يضربُ بعضكم رقاب بعضٍ، ولا يؤخذ الرجل بجريرة أبيه، ولا جريرة أخيه". وفي أخرى: "لا ترجعوا بعدي ضُلالاً، يضربُ بعضكم رقاب بعضٍ".
٥٤٥ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ
стр. 495
قال: "من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى أبواب السلطان افتتن".
وعند أبي داود (١): "ومن أتى السلطان افتتن".
وفي أخرى [من حديث أبي هريرة] (٢): "ومن لزم السلطان افتتن، وما ازداد عبدٌ من السلطان دُنواً إلا ازداد من الله بُعداً".
٥٤٦ - * روى مسلم عن معقل بن يسار ﵁ أن النبي ﷺ قال: "العبادةُ في الهرج كهجرةٍ إليَّ".
٥٤٧ - * روى ابن ماجه عن أبي أمامة، أن رسول الله ﷺ قال: "من شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة عبدٌ أذهب آخرته بدنيا غيره.
٥٤٨ - * روى مسلم وابن ماجه واللفظ له عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ ؛ أن رسول الله ﷺ قال: "زُويت لي الأرض حتى رأيتُ مشارقها ومغاربها. وأُعطيتُ