بدأ فطوبى للغرباء من أمتي"، يريد المنفردين عن أهل زمانهم. إذا تقرر ذلك فنقول: الإنفاق في أول الإسلام أفضل لقوله ﵇ لخالد بن الوليد ﵁: "لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه" أي مُد الحنطة والسبب فيه أن تلك النفقة أثمرت في فتح الإسلام وإعلاء كلمة الله ما لا يثمر غيرُها وكذلك الجهاد بالنفوس لا يصل المتأخرون فيه إلى فضل المتقدمين لقلة عدد المتقدمين وقلة أنصارهم فكان جهادُهم أفضل ولأن بذل النفس مع النصرة ورجاء الحياة ليس كبذلها مع عدمها، ولذلك قال ﵇. "أفضل الجهاد كلمةُ حقٍّ عند سلان جائر" جعله أفضل الجهاد ليأسه من حياته وأما النهي عن المنكر بين ظهور المسلمين وإظهار شعائر الإسلام فإن ذلك شاق على المتأخرين لعدم المعين وكثرة المنكر فيهم كالمنكر على السلان الجائر ولذلك قال ﵇: "يكون القابضُ على دينه كالقابض على الجمر" لا يستطيع دوام ذلك لمزيد المشقة فكذلك المتأخر في حفظ دينه، وأما المتقدمون فليسوا كذلك لكثرة المعين وعدم المنكر فعلى هذا يُنَزَّل الحديثُ انتهى كذا في مرقاة الصعود. أ. هـ.
أقول: قد يؤجر غير الصحابي على عمل ما أكثر من أجر الصحابي في هذا العمل، ولكن الخصوصية لا تقتضي الأفضلية، فالصحابة هم الأفضل لكمال الأداء عندهم، ثم إن كل من جاء بعدهم في صحائفهم والجميع في صحيفة رسول الله ﷺ ، وإذا كان هذا شأن الصحابة فمن يلحق بهم؟!
٥٣٥ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "سِبابُ المسلم فُسُوقٌ، وقتالُه كفرٌ".
٥٣٦ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: سمعت
стр. 492
رسول الله ﷺ يقول وهو على المنبر: ألا إن الفتنة ها هنا" ويشيرُ إلى المشرق "من حيث يطلعُ قرنُ الشيطان".
وللبخاري (١) بزيادة في أوله: أن النبي ﷺ قال: "اللهم بارك لنا في شامِنا اللهم بارك لنا في يمننا" قالوا: وفي نجدنا، قال: "اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا" قالوا: وفي نجدنا؟ قال: "اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا" قالوا: يا رسول الله، وفي نجدنا؟ فأظنه قال في الثالثة: "هنالك الزلازل والفتن، ومنها يطلع قرنُ الشيطان".
وفي أخرى (٢) عن سالم: أنه قال: يا أهل العراق، ما أسألكم عن الصغيرة، وأركبكم للكبيرة!! سمعت أبي، عبد الله بن عمر يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إن الفتنة تجيء من هاهنا" وأومأ بيده نحو المشرق- "من حيثُ يطلعُ قرن الشيطان" وأنتم يضرب بعضكم رقاب بعض، وإنما قَتلِ موسى الذي قَتَلَ من آل فرعون خأ، فقال الله له: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: ٤٠].
٥٣٧ - * روى مسلم عن جُندب بن عبد الله ﵁، قال: قال النبي ﷺ : "من قُتل تحت رايةٍ عميةٍ يدعو عصبيةً، أو ينصر عصبيةً، فقتلةٌ جاهليةٌ".
٥٣٨ - * روى النسائي عن عبد الله بن الزبير، ﵁، أن النبي ﷺ قال:
стр. 493
"من شهر سيفهُ ثم وضعه فدمه هدرٌ".
٥٣٩ - * روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁، أن النبي ﷺ قال: "من حمل علينا السلاح فليس منا".
٥٤٠ - * روى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رفعه: "إنه لم يكن نبيٌّ قبلي، إلا كان حقاً عليه أن يدُلَّ أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم وإن أمتكم هذه جُعل عافيتها في أولها، وسيصيبُ آخرها بلاءٌ وأمورٌ تنكرونها، وتجيء فتنةٌ فيزلقُ بعضها بعضاً، وتجيء الفتنةُ، فيقول المؤمن: هذه مُهلكتي، ثم تنكشف، وتجيء الفتنةُ فيقول المؤمن: هذه هذه، فمن أحب أن يُزحزح عن النار، ويُدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه، ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه، فليطعه ما استطاع، فإن جاء آخرُ ينازعه فاضربوا عُنق الآخر".
٥٤١ - * روى البخاري عن سعيد بن جبير ﵀ قال: خرج علينا عبد الله بن عمر ﵁، فرجونا أن يُحدثنا حديثاً حسناً، فبادرنا إليه رجل يقال له: حكيم، فقال: يا أبا عبد الرحمن، حدثنا عن القتال في الفتنة وعن قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] قال: وهل تدري ما الفتنة؟ ثكلتك أمك، إنما كان محمدٌ ﷺ يقاتل المشركين، وكان الدخول في دينهم فتنة، وليس كقتالكم على الملك.
стр. 494
أقول: يفهم من الأثر أن المشاركة في القتال على الملك المجرد دون ملحظ ديني أخروي هو من الفتن كما بيَّن لنا الحديث معنى الفتنة في الآية: وهي أن يفتن الكافرون المؤمنين عن دينهم ليجعلوهم يرتدون.
٥٤٢ - * روى البخاري ومسلم عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁، قال: قال لي رسول الله ﷺ في حجة الوداع: "استنصت لي الناس" ثم قال: "لا ترجعوا بعدي كُفاراً، يضربُ بعضُكم رقاب بعضٍ".
٥٤٣ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عباسٍ ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعضٍ".
٥٤٤ - * روى النسائي عن عبد الله بن مسعودٍ ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "لا ترجعوا بعدي كفاراً يضربُ بعضكم رقاب بعضٍ، ولا يؤخذ الرجل بجريرة أبيه، ولا جريرة أخيه". وفي أخرى: "لا ترجعوا بعدي ضُلالاً، يضربُ بعضكم رقاب بعضٍ".
٥٤٥ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ
стр. 495
قال: "من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى أبواب السلطان افتتن".
وعند أبي داود (١): "ومن أتى السلطان افتتن".
وفي أخرى [من حديث أبي هريرة] (٢): "ومن لزم السلطان افتتن، وما ازداد عبدٌ من السلطان دُنواً إلا ازداد من الله بُعداً".
٥٤٦ - * روى مسلم عن معقل بن يسار ﵁ أن النبي ﷺ قال: "العبادةُ في الهرج كهجرةٍ إليَّ".
٥٤٧ - * روى ابن ماجه عن أبي أمامة، أن رسول الله ﷺ قال: "من شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة عبدٌ أذهب آخرته بدنيا غيره.
٥٤٨ - * روى مسلم وابن ماجه واللفظ له عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ ؛ أن رسول الله ﷺ قال: "زُويت لي الأرض حتى رأيتُ مشارقها ومغاربها. وأُعطيتُ
стр. 496
الكنزين: الأصفر (أو الأحمر) والأبيض (يعني الذهب والفضة) وقيل لي: إن مُلكك إلى حيثُ زُوي لك. وإني سألت الله ثلاثاً: أن لا يُسلط على أمتي جوعاً فيهلكهم به عامةٌ. وأن لا يلبسهم شيعاً ويُذيق بعضهم بأس بعضٍ. وإنه قيل لي: إذا قضيتُ قضاءٌ، فلا مردَّ له. وإني لن أُسلط على أمتك جوعاً فيهلكهم فيه. ولن أجمع عليهم من بين أقطارها، حتى يُفني بعضهم بعضاً، ويقتل بعضهم بعضاً. وإذا وُضع السيف في أمتي، فلن يُرفع عنهم إلى يوم القايمة. وإن مما أتخوف على أمتي أئمة مُضلين. وستعبدُ قبائل من أمتي الأوثان. وستلحقُ قبائل من أمتي بالمشركين. وإن بين يدي الساعة دجالين كذابين. قريباً من ثلاثين. كلهم يزعم أنه نبي. ولن تزال طائفةٌ من أمتي على الحق منصورين، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله، ".
قال أبو الحسن: لما فرغ أبو عبد الله من هذا الحديث، قال: ما أهوله!!
٥٤٩ - * روى الإمام أحمد عن أم حبيبة عن النبي ﷺ أنه قال: "رأيتُ ما تلقى أمتي بعدي وسفك بعضهم [دماء بعض] وسبق ذلك من الله كما سبق في الأمم قبلهم فسألته أن يوليني شفاعةً يوم القيامة فيهم ففعل".
٥٥٠ - * روى الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، قال: "سألتُ ربي
стр. 497
لأمتي أربع خلالٍ فمنعني واحدةً وأعطاني ثلاثاً؛ سألته أن لا تكفُر أمتي صفةٌ واحدةٌ فأعطانيها، وسألته أن لا يُسلط عليهم عدواً من غيرهم فأعطانيها، وسألته أن لا يُعذبهم بما عذَّب به الأمم قبلهم فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها".
٥٥١ - * روى أبو يعلى عن عامر الشعبي قال: لما قاتل مروانُ الضحاك بن قيسٍ أرسل إلى أيمن بن خُريم الأسدي فقال: إنا نحبُ أن تُقاتل معنا فقال: إن أبي وعمي شهدا بدراً فعهدا إليَّ أن لا أقاتل أحداً يشهد أن لا إله إلا الله فإنجئتني ببراءة من النار قاتلتُ معك. فقال: اذهب. ووقع فيه وسبه فأنشأ أيمنُ يقول:
ولستُ مقاتلاً رجلاً يُصلي ... على سلطان آخر من قريشٍ
أقاتلُ مسلماً في غير شيءٍ ... فليس بنافعي ما عشتُ عيشي
له سُلطانه وعليَّ إثمي ... معاذ الله من جهلٍ وطيشٍ
وفي رواية الطبراني أنه قال: لستُ أقاتلُ رجلاً يصلي. وقال: معاذ الله من فشلٍ وطيش، وقال: أأقتل مسلماً في غير جُرم.
٥٥٢ - * روى الطبراني عن عصمة بن قيس السُّلمي صاحب رسول الله ﷺ أنه كان يتعوذُ من فتنة المشرق، قيل له: فكيف فتنة المغرب؟ قال: "تلك أعظمُ وأعظمُ".
وفي رواية عنده أيضاً (١) أنه كان يتعوذ في صلاته من فتنة المغرب.
لقد كان بدء دعوة العبيديين من الباطنية في المغرب العربي ثم اكتسحوا مصر فالشام فغيرهما من البلدان فترة من الزمان ونشروا ضلالتهم.
فهل المراد بهذه الفتنة فتنة المغرب؟ أو المراد ما هو أوسع من ذلك مما نراه في عصرنا
стр. 498
من تأثر بالفكر الغربي حتى ارتد بذلك خلق كثيرون؟
٥٥٣ - * روى الطبراني في الأوسط عن محمد بن مسلمة قال: قال رسول الله ﷺ : إذا رأيت الناس يقتتلون على الدنيا فاعمد بسيفك على اعظم صخرة في الحرة فاضربه بها حتى ينكسر ثم اجلس في بيتك حتى تأتيك يدٌ خاطئةٌ أو منيةٌ قاضيةٌ" ففعلت ما أمرني به رسول الله ﷺ .
٥٥٤ - * روى الطبراني عن ابن عباس أن النبي ﷺ أعطى محمد بن مسلمة سيفاً، فقال: "قاتل المشركين ما قُوتلوا فإذا رأيت سيفين اختلفا بين المسلمين فاضرب حتى ينثلم واقعد في بيتك حتى تأتيك منيةٌ قاضيةٌ أو يد خاطئةٌ" ثم أتيت ابن عمر فحذا لي على مثاله عن النبي ﷺ .
٥٥٥ - * روى الإمام أحمد عن أبي عمران قال؛ قلت لجُندبٍ: إني قد بايعت هؤلاء- يعني ابن الزبير- وإنهم يريدون أن أخرج معهم إلى الشام. فقال: أمسكْ. فقلت: إنهم يأبون. قال: اقتد بمالك. فقلت: إنهم يأبون إلا أن أضرب معهم بالسيف. فقال جُندبٌ: حدثني فلان أن رسول الله ﷺ قال: "يجيء المقتولُ بقاتله يوم القيامة فيقول يارب سل هذا فيم قتلني" قال شُعبة وأحسبه قال: على ما قتلته؟ فيقول قتلتُه على مُلكِ فلان" قال؛ فقال جندب: فاتقها.
أقول:
ابن الزبير هو الخليفة الراشد، والقتال معه كان هدى وصواباً إلا أن الأمر كان ملتبساً، ولذلك اعتبره جندب قتالاً على المُلك وهو قتال ينأى المسلم عن المشاركة فيه إلا لملحظٍ
стр. 499
ديني أخروي.
٥٥٦ - * روى مسلم عن عرفجة ﵁؛ سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "ستكون هَناتٌ وَهَناتٌ، فمن أراد أن يُفرق أمر هذه الأمة وهي جميعٌ، فاضربوه بالسيف كائناً من كان".
وفي رواية (١): "فاقتلوه".
وفي رواية أبي داود (٢): "وهناتٌ" مرةً أخرى.
ورواه النسائي (٣)، وله في أخرى قالت: رأيت النبي ﷺ على المنبر يخطب الناس، فقال: "إنها ستكونُ بعدي هناتٌ وَهناتٌ، فمن رأيتموه فارق الجماعة - أو يريد أن يُفرق أمة محمدٍ - كائناً من كان فاقتلوه، فإن يد الله على الجماعة، والشيطانُ مع من فارق الجماعة يركُضُ".
٥٥٧ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "يُهلك أمتي هذا الحي من قريشٍ". قالوأ: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: "لو أن الناس اعتزلوهم؟ ".
أقول: وذلك إذا تنافسوا على المُلك للملك.
٥٥٨ - * روى ابن ماجه عن عبد الله بن عمر قال: أقبل علينا رسول الله ﷺ ،
стр. 500
فقال: "يا معشر المهاجرين! خمسً إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قومٍ قط، حتى يُعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون والأجواع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا.
ولم ينقضوا المكيال والميزان؛ إلا أُخذوا بالسنين وشدة المئونة وجور السلطان عليهم.
ولم يمنعوا زكاة أموالهم، إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يُمطروا.
ولم ينقضوا عهد رسوله، إلا سلط الله عليهم عدواً من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم.
وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، ويتخيروا مما أنزل الله، إلا جعل الله بأسهم بينهم".
٥٥٩ - * روى أبو داود عن المقداد بن الأسود ﵁، قال: وايمُ الله لقد سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إن السعيد لمن جُنِّب الفتن". قالها ثلاثاً "ولمن ابتلي فصبر" فواها.
стр. 501
٥٦٠ - * روى أحمد عن أبي سنان الدؤلي أنه دخل على عمر بن الخطاب وعنده نفر من المهاجرين الأولين، فأرسل عمر إلى سفطٍ أُتي به من قلعةٍ، من العراق فكان فيه خاتم فأخذه بعض بنيه فأدخله في فيه، فانتزعه عمر منه ثم بكى عمر ﵁، فقال له من عنده: لِم تبك وقد فتح الله عليك وأظهرك على عدوك وأقرَّ عينك؟ فقال عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تفتح الدنيا على أحد إلا ألقى الله بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة". وأنا أُشفقُ من ذلك.
٥٦١ - * روى مسلم عن حذيفة بن اليمان ﵁، قال: كنا عند عمر فقال: أيكم سمع رسول ﷺ يذكر الفتن؟ فقال قوم: نحن سمعناه. فقال: لعلكم تعنون فتنة الرجل في أهله وجاره؟ قالوا: أجل. قال: تلك يُكفرها الصلاة والصيام والصدقة، ولكن أيكم سمع النبي ﷺ يذكر التي تموجُ موج البحر؟ قال حذيفة: فأسكت القوم، فقلت: أنا. قال: أنت، لله أبوك. قال حذيفةُ: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تعرضُ الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً، فأيُّ قلبٍ أشربها نْكِتَ فيه نكتةٌ سوداء؟ وأي قلب أنكرها نْكِتَ فيه نكتةٌ بيضاءُ، حتى تصير على قلبين: أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنةٌ، ما دامت السمواتُ والأرض، والآخر: أسود مُرباداً، كالكوز مجخياً، لا يعرفُ معروفاً، ولا يُنكر منكراً، إلا ما أُشرب من هواه" قال: وحدثته: أن بينك وبينها باباً مُغلقاً، يوشك أن يُكسر قال عمر:
стр. 502
أكثراً؟ لا أبالك، فلو أنه فُتحَ؟ لعله كان يُعاد. قال: لا، بل يُكسرُ. وحدثته أن ذلك الباب رجلٌ يقتلُ أو يموت، حديثاً ليس بالأغاليط. قال ربعي: فقلت: يا أبا مالك- هو سعد بن طارق- ما أسود مرباداً؟ قال: شدةُ البياض في سوادٍ. قلت: فما الكوزُ مُجخياً؟ قال: منكوساً.
قال النووي: قوله "فتنة الرجل في أهله وجاره تكفرها الصلاة والصيام والصدقة" قال أهل اللغة: أصل الفتنة في كلام العرب الابتلاء والامتحان والاختبار. قال القاضي: ثم صارت في عرف الكلام لكل أمر كشفه الاختبار عن سوء. قال أبو زيد: فتن الرجل يفتن فتونا إذا وقع في الفتنة وتحول من حال حسنة إلى سيئة، وفتنة الرجل في أهله وماله وولده ضروب من فرط محبته لهم وشحه عليهم وشغله بهم عن كثير من الخير كما قال تعالى: ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ أو لتفريطه بما يلزم من القيام بحقوقهم وتأديبهم وتعليمهم فإنه راع لهم ومسئول عن رعيته، وكذلك فتنة الرجل في جاره من هذا. فهذه كلها فتن تقتضي المحاسبة، ومنها ذنوب يرجى تكفيرها بالحسنات كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾. وقوله (التي تموج كما يموج البحر) أي تضطرب ويدفع بعضها بعضاً، وشبهها بموج البحر لشدة عظمها وكثرة شيوعها. وقوله (فأسكت القوم) هو بقطع الهمزة المفتوحة، قال جمهور أهل اللغة: سكت وأسكت لغتان بمعنى صمت. وقال الأصمعي: سكت صمت وأسكت أطرق. وإنما سكت القوم لأنهمن لم يكونوا يحفظون هذا النوع من الفتنة وإنما حفظوا النوع الأول. وقوله: (لله أبوك) كلمة مدح تعتاد العرب الثناء بها فإن الإضافة إلى العظيم تشريف، ولهذا يقال: بيت الله وناقة الله. قال صاحب التحرير: فإذا وجد من الولد ما يحمد قيل له لله أبوك حيث أتى بمثلك أ. هـ النووي.
قال النووي: أما الرجل الذي يقتل فقد جاء مبيناً في الصحيح أنه عمر بن الخطاب ﵁، وقوله: "يقتل أو يموت": يحتمل أن يكون حذيفة ﵁ سمعه
стр. 503
من النبي ﷺ هكذا على الشك والمراد به الإبهام على حذيفة وغيره، ويحتمل أن يكون حذيفة علم أنه يقتل ولكنه كره أن يخاطب عمر رض يالله عنه بالقتل، فإن عمر ﵁ كان يعلم أنه هو الباب كما جاء مبيناً في الصحيح أن عمر كان يعلم من الباب كما يعلم أن قبل غد الليلة، فأتى حذيفة ﵁ بكلام يحصل منه الغرض، مع أنه ليس إخباراً لعمر بأنه يقتل. وأما قوله (حديثاً ليس بالأغاليط) فهي جمع أغلوطة وهي التي يغالط بها، فمعناه حدثته حديثاً صدقاً محققاً ليس هو من صحف الكتابيين ولا من اجتهاد ذي رأي بل من حديث النبي ﷺ . والحاصل أن الحائل بين الفتن والإسلام عمر ﵁، وهو الباب فما دام حياً لا تدخل الفتن فإذا مات دخلت الفتن وكذا كان والله أعلم. أهـ النووي.
٥٦٢ - * روى مسلمٌ عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إن عرش إبليس على البحر، فيبعث سراياه: فيفتنون الناس، فأعظمهم عنده أعظم فتنةٌ، يجيءُ أحدهم، فيقول: فعلتُ كذا وكذا. فيقول: ما صنعت شيئاً، ثم يجيء أحدهم، فيقول: ما تركته حتى فرَّقتُ بينه وبين امرأته. فيدنيه منه، ويلتزمه، يقول: نِعم أنت".
٥٦٣ - * روى الترمذي عن أبي هريرة: قال رسول الله ﷺ : "يكونُ في آخر الزمان رجالٌ يختِلُون الدنيا بالدين، يلبسون للناس جُلود الضأن من اللين، ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم قلوب الذئاب، يقول الله تعالى: أبي يغترون، أم عليَّ يجترئون؟ فبي حلفتُ، لأبعثن على أولئك منهم فتنةٌ تدعُ الحليم حيران".
стр. 504
ورواية ابن عمر أخصرُ من هذه (١)، قال: قال النبي ﷺ : إن الله قال: لقد خلقتُ خلقاً ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمرُّ من الصبر، فبي حلفتُ، لأتيحنهم فتنةً تدعُ الحليم منهم حيران، فبي يغترون، أم عليَّ يجترئون؟ ".
٥٦٤ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعودٍ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إنها ستكونُ بعدي أثرةً وأمور تنكرونها" قالوا: يا رسول الله، كيف تأمر من أدرك ذلك منا؟ قال: "تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم".
٥٦٥ - * روى الطبراني عن أبي ثور الحُداني، قال: دفعتُ إلى حذيفة وأبي مسعود في المسجد، وأبو مسعود يقول: والله ما كنتُ أرى أن تزيد على عقبيها ولم يُهرق فيها محجمةً من دم. فقال حذيفةُ: لكن قد علمتُ أنها لتزيدُ على عقبيها وأنه يُهراق فيها محجمةٌ من دم، إن الرجل ليصبح مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً فينُكسُ قلبه فتعلوه استه، يقاتل في الفتنة اليوم ويقتله الله غداً فقال أبو مسعودٍ: صدقت، هكذا حدثنا رسول الله ﷺ في الفتنة.
أقول:
من هذا الحوار الذي جرى بين صحابيين ندرك أن الشيء الذي يتصور أنه لن يكون له عاقبة سيئة قد تكون له عواقب وخيمة. فما حدث بسبب مقتل عثمان ﵁ ترك آثاره في الأمة الإسلامية إلى قيام الساعة، وهذا يدعونا للتبصر في كل خطوة عامة وفي كل
стр. 505
موقف عام.
ولذلك وحتى يبقى راسخاً في الأذهان أنه لا عجب فيما نراه ولنتأنى في مواقفنا العامة ختمنا الحديث عن الفتن بهذا الحديث والذي بعده.
٥٦٦ - * روى ابن ماجه عن معاوية قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "لم يبق من الدنيا إلا بلاءٌ وفتنةٌ".
* * *
стр. 506
التعقيب (١)
إن النصوص التي تتحدث عن الفتن كثيرة، وهي تتحدث عن أنواع من الفتن، وترسم للمسلم الطريق الأرقى لمواجهة كل نوع من الفتن، وكثيرون من الناس لا يعرفون أن يضعوا النصوص في مواضعها ولا أن يحددوا الطريق فيما يواجههم من فتن، وذلك أن بعض النصوص في الفتن تكاد تكون فتوى تنطبق على حالة فردية أو على مرحلة، أو على توافر شروط قد لا يحسن الإنسان تقدير وجودها، ثم إن النصوص الواردةفي الفتن لا بد أن تفهم على ضوء النصوص الأخرى التي تتحدث عن واجبات عينية أو كفائية لا يسع المسلم ولا المسلمين إلا أن يقيموها أو يعملوها بالقدر المتاح الممكن المناسب، وعلى هذا فإنه لا بد من تحديد الفتن وموقف المسلم منها: فهناك فتنة الكافرين للمسلمين في دينهم بالتعذيب فهذه يسع المسلم فيها أن يأخذ بالرخصة التي تنجيه، والأفضل في حقه أن يصبر حتى يستشهد، وهناك فتنة الكافرين للمسلمين من خلال الكينونة مع الكافرين بأن تسري للمسلم أو لذريته أخلاق الكافرين -وفقهاء المسلمين قالوا: حيثما خاف المسلم على دينه أو على دين من يرعاهم فقد وجبت عليه الهجرة، وفقهاء الحنفية يوجبون الهجرة من دار الحرب والبغي أو البدعة أو الردة في كل حال، وفقهاء الشافعية يستحبون للمسلم أن يقيم في مثل هذه البلدان إذا كان بإمكانه أن يحافظ على دينه ودين أهله، ويعتبرون إقامتهم عندئذٍ نوع جهاد، لأنه حيث أقام توجد دار صغيرة للإسلام.
وهناك فتنة القلوب التي هي أثر عن وساوس الشيطان وهواجس النفس وسماع ما يفتن ومواجهة مواقف تفتن القلب، فهذه حكم الإسلام فيها أن يجاهد الإنسان هذه الفتن وأن يردها قلبه.
وهناك الفتن التي يثيرها البغاة ضد الخليفة الراشد بغير حق، فهذه ينبغي أن يكون المسلم فيها مع الخليفة الراشد، وإذا استنفره لقتال استنفر، وأما إذا خرج على الإمام الحق بالحق، فإن على الإمام أن يرجع إلى الحق، وعلى المسلمين واجب نصحه واعتزال القتال،
стр. 507
وههنا تكون موازنات تحتاج إلى فتوى بصيرة من أهلها، كأن يكون للإمام اجتهاد يعذر به، أو يكون البغاة يرفعون كلمة حق يراد بها باطل، أو كان الخارجون لو نجحوا تردَّت إلى ما هو أسوأ إلى غير ذلك من احتمالات تحتاج إلى ترجيح في الموقف من خلال فتوى صحيحة من أهلها.
وهناك الفتنة التي يتعرض لها المسلم من إمام مسلم ظالم أو من سلطان مسلم ظالم، فهذه يجوز للمسلم فيها أن يصبر ويجوز أن ينصح، وفي حالة ظلم الحاكمين وفسوقهم، فإن كان بالإمكان عزلهم دون أن يترتب على ذلك شر أكبر من وجودهم فللمسلمين عزلهم، وغلا جاز لهم الصبر وندبوا إلى الأمر بالمعروف والنصيحة. وهناك الفتنة التي يسيطر فيها أهل الكفر على المسلمين، فهذه يفترض فرضاً عينياً على المسلمين أن يواجهوها إذا توافرت شروط ذلك فإن لم تتوافر الشروط لا يأثم من لم يباشر القتال، وعلى المسلمين أن يعملوا بالوسائل الصحيحة للخلاص من الكفر، فإذا لم يجد المسلم إمكانية ولم يجد وسائل صحيحة توصل إلى المطلوب ولم يكن بإمكانه أن يفعل شيئاً، صح له أن يعتزل، أما إذا وجد المسلم من يتعاون معه على خير دون أن يترتب وقوع في إثم بسبب آخر غير التعاون على الخير، فإن المطلوب منه أن يضع يده بيد المسلمين الذين يساعدون على إقامة الخير، ويفهم بعضهم من الأمر الوارد في حديث حذيفة "فاعتزل تلك الفرق كلها" على أن المراد به أن يعتزل العاملين بالحق ممن تنطبق عليهم أوصاف الطائفة المذكورة بالنصوص، وهذا خطأ كبير، فالمراد اعتزال فرق الضلالة لا اعتزال أهل الحق فيد الله مع الجماعة.
وهناك الفتن التي هي أثر عن صراع بين مسلمين على حكم، فهذه يتجنب المسلم خوضها إلا إذا أكره، فنيته تشفع له عند الله.
وههنا قد توجد موازنات فقهية من أهلها ترجح شيئاً، وعندئذٍ يسع المسلم أن تكون له مشاركة أو لا.
وهناك فتنة العصبيات التي لا يتبين فيها وجه الحق فهذه يعتزلها المسلم.
وهناك الفتنة التي هي أثر عن فوضى شاملة، فهذه يفر منها المسلم إذا استطاع، ويعتزلها ما أمكن، ويهاجر إن تيسر له.
стр. 508
وهناك الابتلاءات التي يبتلي الله بها عبده في الموقع الذي هو فيه، من تعامل مع جار أو زوجة أو ولد أو زميل مهنة، فهذه أدبه فيها إقامة حكم الله.
وهناك الفتنة التي هي أثر عن أمراض نفسية يكثر فيها القيل والقال، وقد يصل فيها الأمر إلى قتال، فهذه يعتزلها المسلم ويقبل على إخوانه الذين تجمعهم وإياه أخوة خالصة في الله، وإن كان عالماً أقبل على العلم والتعليم وتلقين الحكمة وتزكية الأنفس.
وهناك فتنة الدنيا التي تصرف المسلم عن الآخرة وأعمالها، فواجب المسلم في هذا الشأن أن لا تصرفه الدنيا عن إقامة واجب، وعليه أن يحدد عين بصيرته نحو الآخرة.
وعلى المسلم أن يلاحظ أن الفتن والموقف منها لا يصح أن يعطل به كتاب الله، بل كتاب الله يحكم في الفتن وغيرها، لذلك فقد مرت معنا رواية حذيفة عند أبي داود عن رسول الله ﷺ : أنه كرر عليه ثلاثاً قوله "تعلم كتاب الله، واتبع ما فيه" فكتاب الله لم يترك قضية أصلية أو استثنائية إلا عرف المسلم على الحكم فيها، قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (١) فالعمل بالكتاب لا يعطل في أي حال من الأحوال، وإنما يكلف المسلم بالعمل قدر الاستطاعة: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٢) فلا يصح بحجة الفتنة أو العزلة مثلاً أن يعطل الإنسان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو يستطيع ذلك، ولا يصح بحجة الفتن أن يهمل المسلم تربية نفسه وتربية أهله وعياله، ولا يصح بحجة الفتن أن يترك المسلم المطلوبات العينية منه، ومن ذلك فروض العصر وفروض الوقت ما دام يستطيعُ شيئاً من ذلك.
والأمر منوط بالاستطاعة، والاستطاعة تحددها الفتوى المبصرة من أهلها، فما من حالة للإنسان إلا ولله فيها حكم يعرفه الراسخون في العلم.
وبهذا ننهي الباب الأول من هذا القسم، قسم العقائد الإسلامية.
فإلى الباب الثاني وهو في الإيمان بالغيب.
* * *
стр. 509
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسّلامُ عَلَىَ رَسُولِ اللهِ وَآلِهِ وَأَصْحَابِهِ
رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا، إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
راجع هذا القسم ودققه
فضيلة الشيخ
عبد الحميد الأحدب
حفظه الله
стр. 510
الباب الثاني
في:
الإيمان بالغيب
وفيه:
مقدمة وفصول
стр. 511
المقدمة
جعل الله الإيمان بالغيب أول صفات المتقين ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ (١)، وأول ما يدخل في الإيمان بالغيب أركان الإيمان الستة التي وردت في حديث جبريل ﵇: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر" (٢).
ولكن الإيمان بالغيب أوسع من ذلك، فالغيب يطلق ويراد به ما يقابل الشهادة، أي ما يقابل المحسوس فيدخل في ذلك: الملائكة والجن والجنة والنار، وغير ذلك مما هو مغيب عنا وجاءت النصوص تحدثنا عنه، والغيب يطلق أحياناً ويراد به ما غاب عنا من أخبار الماضين وأخبرنا الوحي عنه ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ (٣)، فقد جاءت هذه الآية في سياق قصة نوح ﵇، وتطلق كلمة الغيب ويراد بها المستقبل ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ (٤)، فههنا يدخل في كلمة الغيب ما غاب عن العباد من الحاضر والمستقبل وأخبر عنه الله رسله عليهم الصلاة والسلام، قال تعالى عن سليمان ﵇: ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ (٥)، وعلى هذا فالإيمان بالغيب يدخل فيه ما أخبرنا عنه الوحي من أمور ماضية ومستقبلية، ويدخل فيه ما أخبرنا عنه الوحي من أمور موجودة الآن وهي مغيبة عنا، والإيمان بالغيب هو الفارق الأول والرئيسي بين أهل الإيمان وأهل الكفر، وهذا هو المقتضى الأول للشهادتين، بل إن الشهادتين هما رمز الاعتراف بالغيب، ولذلك كانت الشهادتان والإيمان بالغيب إجمالاً أول ما يطالب به المسلم، على أنه إذا نظر في هذا المطلوب الأول فإن أول ما يدخل في الطلب هو معرفة الله، وما تتطلبه، لأن كل ما يأتي
стр. 512
بعد ذلك من إيمان بغيب إلى غيره مبني على معرفة الله.
* * *
إن الإيمان بالغيب هو ركن التقوى، وأركان هذا الركن أركان الإيمان الستة التي وردت في حديث جبريل الصحيح، وقد نصت على خمسة منها أكثر من آية، من ذلك ﴿لَيْسَ الْبِرَّ ... وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ) (١)، ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (٢)، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (٣)، وإنما لم يذكر الإيمان بالقدر معها لأنه فرع الإيمان بالله كما سنرى، لكنه ذكر في القرآن في أكثر من مكان وفي نصوص السنة متواتراً.
والفصول التي سنذكرها ههنا تشمل أركان الإيمان الستة وتشمل بعض ما غاب من العباد، وتشمل بعض ما أخبرنا الله عنه من أمور سابقة أو لاحقة أو بعض ما أخبرنا عنه رسول الله ﷺ من أمور سابقة أو لاحقة، كما سنذكر فصلاً عن القصص التي قصها علينا رسول الله صلى الله ﷺ لأنها من الغيب، والإيمان بها جزء من الإيمان بالغيب.
ولقد فصل القرآن في أمر الغيب تفصيلاً كثيراً، ولذلك فإن قارئ القرآن يجد أمر الغيب واضحاً، فالحديث عن الله والرسل واليوم الآخر والقدر والجن والموت والخلق كل ذلك نجده مفصلاً في القرآن الكريم، ومن ثم فإن عرضنا لأبحاث الغيب ههنا سيكون مختصراً؛ لأن غايتنا في هذا الكتاب عرض السنة مع ملاحظة أن روايات السنة المتعلقة بهذه الأمور تأتي في سياقات أبحاث أخرى كالذكر والدعاء؛ ولذلك فسنذكر في كل فصل من فصول هذا الباب الروايات التي هي ألصق بموضوعه تاركين كثيراً من الروايات لمحلها في سياقاتها.
ويشمل هذا الباب الفصول التالية:
стр. 513
فصول الباب الثاني
الفصل الأول: في بدء الخلق.
الفصل الثاني: في معرفة الله والإيمان به.
الفصل الثالث: في الإيمان بالقدر.
الفصل الرابع: في الإيمان بالملائكة.
الفصل الخامس: في الجن والشياطين.
الصفل السادس: في الإيمان بالكتب.
الفصل السابع: في الإيمان بالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام.
الفصل الثامن: في القصص النبوي.
الفصل التاسع: في الإيمان باليوم الآخر.
стр. 514
الفصل الأول
في:
بدء الخلق
وفيه:
مقدمة ونصوص وتلخيص
стр. 515
المقدمة
في بَدء الخلق جانب غيبي سواء في ذلك أصل نسأة الكون، أو نشأة الحياة على الأرض، أو نشأة الإنسان عليها، أو نشأة بعض المخلوقات الأخرى؛ لأن ذلك لم يشهده الإنسان، ولأن الله أخبرنا عن بعض ذلك أو حدثنا عنه رسول الله ﷺ ، وهو شيء لم نشهده فدخل في حيز الكلام عن الغيب، هذا مع ملاحظة أن الفكر المجرد يستطيع الوصول إلى أن هذا الكون مخلوقٌ وأن الحياة مخلوقةٌ.
* * *
ولعل أهم جانب من جوانب الصراع الفكري بين الملحدين والمؤمنين هو إثبات الخلق، فأزلية الكون وإمكانية نشأة الحياة مصادفة هما المرتكزان الرئيسيان للفكر الإلحادي، مع أنه حتى في حالة أن المسالة كذلك- وذلك مستحيل عقلي- فإن الأدلة على وجود الله لا تنحصر في هذا وهذا.
* * *
وقد لفت القرآن نظر العقل البشري كثيراً إلى بدء الخلق وأصل النشأة للوصول إلى الإيمان لاستقرار العلاقة بينهما في الفطرة:
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ (١).
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ (٢).
﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٣).
﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ (٤).
﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ * وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ (٥).
стр. 516
﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ (١).
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ (٢).
ولوجود ناس يمارون بالبدهيات ويناقشون بالمحسوسات فضلاً عن المغيبات، وللنزعة الإلحادية في إنكار خلق الله المخلوقات، وهو شيء أخذ أكثر أبعاده في النظرية الماركسية، ولغير ذلك من الحكم، قال الله وهو أعلم بما كان ويكون:
﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ (٣).
﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾ (٤).
* * *
إن من أهم قوانين العقل السببية، ومن أهم قوانين المادة عدم انفصالهما عن الحركة والطاقة والتغير، والملحدون ينقضون هذا وهذا وهم يزعمون أنهم عقلانيون، وقد فصلنا في هذه الأبحاث في كتابنا "الله ﷻ ".
والنصوص قطعية في أن كل ما سوى الله مخلوق، فليس أزلياً إلا الله ، فهو الأول. وفي الحديث الصحيح الذي رواه البخاري (٥): "كان الله ولم يكن قبله شيءٌ"، وفي حديث آخر (٦): "أنت الأول فليس قبلك شيءٌ"، ويكفي قوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ﴾ (٧). ومحض العقل يوصل إلى ذلك بشكل قطعي، ومما قاله تعالى في شأن الخلق: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ (٨).
стр. 517
وليس عندنا نصوص تفصل كيف كان عرشه على الماء، لكن من المعروف أن ذرة الهيدروجين التي تشكل أحد عنصري الماء) (الأوكسجين والهيدروجين) هي أصل الذرات جميعاً فبروتونها واحد وإلكترونها واحد والعناصر ما هي إلا توضعات الإلكترونات والبروتونات في كل عنصر بشكل يختلف عنه في العنصر الآخر.
والظاهر من النصوص أنه قد تم خلق العرش- وهو مخلوق غيبي- وتم خلق أصل المادة وهو الماء ثم انفصلت المادة عن بعضها: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ (١). فهذه المجرات والأجرام كلها وجدت في هذه المرحلة، ثم بعد ذلك في مرحلة لاحقة وجدت الأرض المحسوسة والسموات السبع المغيبة: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (٢). فالأرض خلقت قبل السموات السبع المغيبة عنا وهي والسموات السبع المغيبة عنا وهي والسموات السبع وجدتا بعد أن انفصلت المادة عن بعضها وعلى هذا نفهم قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ (٣). فالأرض خلقت بعد السماء، والسموات السبع خلقت بعد الأرض، ويوم القيامة يعاد الكون كتلة واحدة كما كان: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (٤). هذا الفهم للنصوص فهم غير متكلف وما سواه فهم متكلف، وهو الذي ينسجم مع استقراءات علماء الكون فالظاهر أن تكون الأرض على ما هي عليه مسبوق بأشياء أخرى وقد بسطنا هذا الموضوع في التفسير.
وأما نشأة الحياة على الأرض فيبدو أنها متقدمة كثيراً على نزول أبينا آدم ﵇ فلقد قالت الملائكة لله بعد أن أعلمهم بأنه سيجعل في الأرض خليفة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا
стр. 518
مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ (١). مما يوحي أنهم شاهدوا إفساداً في الأرض وسفك دماء من قبل، وقد يكون هذا هو التفسير لرؤية نماذج قديمة لأنواع من الإنسان غير إنساننا الحالي، وذكر الغراب في قصة ابني آدم هابيل وقابيل تحتمل أن يكون وجود الغراب سابقاً على وجود آدم ﵇ وفي حديث عند مسلم وأحمد (٢) " ... وبث فيها الدواب يوم الخميس وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة ... "، وهذا يدل على أن خلق الدواب سبق خلق آدم ﵇ وإنما اضطررنا للتعرض لهذه المعاني ملاحظين معارف عصرنا لتكون هذه المعارف نقاط علام للباحث وحججاً بيد الدارس المختص، ورداً على أنواع من المختصين قد يثيرون تساؤلات. ولننتقل إلى عرض بعض نصوص السنة التي لها علاقة بالخلق:
стр. 519
النصوص
٥٦٧ - * روى البخاري عن طارق بن شهاب قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: قام فينا رسول الله ﷺ مقاماً، فأخبرنا عن بدء الخلق، حتى دخل أهل الجنة منازلهم، وأهل النار منازلهم، حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه.
قال الحافظ في الفتح: قوله: حتى دخل أهل الجنة ... هي غاية قوله: أخبرنا، أي: أخبرنا عن مبتدأ الخلق شيئاً بعد شيء إلى أن انتهى الإخبار عن حال الاستقرار في الجنة والنار، ودل ذلك على أنه أخبر في المجلس الواحد بجميع أحوال المخلوقات منذ ابتدأت إلى أن تفنى، إلى أن تبعث، فشمل ذلك الإخبار عن المبدأ والمعاش والمعاد، وفي تيسير إيراد ذلك كله في مجلس واحد من خوارق العادة أمر عظيم.
٥٦٨ - * روى البخاري عن عمران بن حصين أن ناساً من أهل اليمن قالوا: يا رسول الله: جئنا لنتفقه في الدين، ولنسألك عن أول هذا الأمر: ما كان؟ قال: "كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء. ثم خلق السموات والأرض، وكتب في الذكر كل شيء".
أقول: من مباحث العلماء: هل العرش خلق قبل الماء؟ أو الماء خلق قبل العرش؟ وما تفسير بعض النصوص التي تذكر أن شيئاً ما خلق أولاً سوى العرش والماء؟ وقد ذكر ذلك ابن حجر في فتح الباري في شرحه لهذا الحديث فقال:
قوله: (كان الله ولم يكن شيءٌ غيره) في الرواية الآتية في التوحيد "ولم يكن شيء قبله" وفي رواية غير البخاري "ولم يكن شيء معه" والقصة متحددة فاقتضى ذلك أن الرواية وقعت بالمعنى، ولعل راويها أخذها من قوله ﷺ في دعائه في صلاة الليل "أنت الأول فليس قبلك شيء" لكن رواية الباب أصرح في العدم، وفيه دلالة على أنه لم يكن
стр. 520
شيء غيره لا الماء ولا العرش ولا غيرهما، لأن كل ذلك غير الله تعالى، ويكون قوله "وكان عرشه على الماء" معناه أنه خلق الماء سابقاً ثم خلق العرش على الماء، وقد وقع في قصة نافع بن زيد الحميري بلفظ "كان عرشه على الماء ثم خلق القلم" فقال: اكتب ما هو كائن، ثم خلق السموات والأرض وما فيهن" فصرح بترتيب المخلوقات بعد الماء والعرش. قوله (وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السموات والأرض) هكذا جاءت هذه الأمور الثلاثة معطوفة بالواو، ووقع في الرواية التي في التوحيد "ثم خلق السموات والأرض"، ولم يقع بلفظ "ثم" إلا في ذكر خلق السموات والأرض. وقد روى مسلم من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعاً "إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء" وهذا الحديث يؤيد رواية من روى "ثم خلق السموات والأرض" باللفظ الدال على الترتيب. (تنبيه): وقع في بعض الكتب في هذا الحديث "كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان"، وهي زيادة ليست في شيء من كتب الحديث، نبه على ذلك العلامة تقي الدين بن تيمية، وهو مُسلَّمٌ في قوله "وهو الآن" إلى آخره، وأما لفظ "ولا شيء معه" فراوية الباب بلفظ "ولا شيء غيره" بمعناها. ووقع في ترجمة نافع بن زيد الحميري المذكور "كان الله لا شيء غيره" بغير واو. قوله (وكان عرشه على الماء) قال الطيبي: هو فصل مستقل لأن القديم من لم يسبقه شيء، ولم يعارضه في الأولية، لكن أشار بقوله "وكان عرشه على الماء" إلى أن الماء والعرش كانا مبدأ هذا العالم لكونها خلقا قبل خلق السموات والأرض، ولم يكن تحت العرش إذ ذاك إلا الماء. ومحصل الحديث أن مطلق قوله "وكان عرشه على الماء" مقيد بقوله "ولم يكن شيء غيره" والمراد بكان في الأول الأزلية وفي الثاني الحدوث بعد العدم. وقد روى أحمد والترمذي وصححه من حديث أبي رزين العقيلي مرفوعاً "إن الماء خلق قبل العرش" وروى السدي في تفسيره بأسانيد متعددة "إن الله لم يخلق شيئاً مما خلق قبل الماء" وأما ما رواه أحمد والترمذي وصححه من حديث عبادة بن الصامت مرفوعاً "أول ما خلق الله القلم، ثم قال اكتب، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة" فيجمع بينه ما قبله بأن أولية القلم بالنسبة إلى ما عدا الماء والعرش أو بالنسبة إلى ما منه صدر من الكتابة، أي أنه قيل له اكتب أول ما خلق، وأما حديث "أول
стр. 521
ما خلق الله العقل" فليس له طريق ثبت، وعلى تقدير ثبوته فهذا التقدير الأخير هو تأويله والله أعلم. وحكى أبو العلاء الهمداني أن للعلماء قولين في أيهما خلق أولاً: العرش أو القلم؟ قال: والأكثر على سبق خلق العرش، واختار ابن جرير ومن تبعه الثاني، وروى ابن أبي حازم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: خلق الله اللوح المحفوظ مسيرة خمسمائة عام، فقال للقلم قبل أن يَخْلُقَ الخَلْقَ وهو على العرش: اكتب، فقال وما أكتب؟ قال علمي في خلقي إلى يوم القيامة. ذكره في تفسير سورة سبحان، وليس فيه سبق خلق القلم على العرش، بل فيه سبق العرش ... قوله (وكتب) أي قدر (في الذكر) أي في محل الذكر أي في اللوح المحفوظ (كل شيء) أي من الكائنات، وفي الحديث جواز السؤال عن مبدأ الأشياء والبحث عن ذلك وجواز عن ذلك وجواز جواب العالم بما يستحضره من ذلك، وعليه الكف إن خشي على السائل ما يدخل على معتقده. وفيه أن جنس الزمان ونوعه حادث، وأن الله أوجد هذه المخلوقات بعد أن لم تكن، لا عن عجز عن ذلك بل مع القدرة. واستنبط بعضهم من سؤال الأشعريين عن هذه القصة أن الكلام في أصول الدين وحدوث العالم مستمران في ذريتهم حتى ظهر ذلك منهم في أبي الحسن الأشعري، أشار إلى ذلك ابن عساكر" ا. هـ قول ابن حجر.
أقول: دل هذا الحديث على أن الكلام عن أصل النشأة من الفقه في الدين، فلقد كان الحديث إجابة على كلامهم: جئنا لنتفقه في الدين، ولنسألك عن أول هذا الأمر ما كان؟
وقد رأينا من خلال تحقيق ابن حجر أن العلماء مختلفون على قولين: في أيهما كان أولاً، الماء أو العرش؟ ولا يترتب على هذا الاختلاف عمل.
٥٦٩ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي، فقال: "خلق الله التربة يوم السبت، وخَلَقَ فيها الجبال يوم الأحدِ، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة في آخر الخلق
стр. 522
وآخر ساعةٍ من النهار، فيما بين العصر إلى الدليل".
قال محقق الجامع:
"قال الحافظ ابن كثير بعد إيراده: ٦/ ٦٩ وهذا الحديث من غرائب صحيح مسلم، وقد تكلم فيه ابن المديني والبخاري وغير واحد من الحفاظ، وجعلوه من كلام كعب الأحبار، وأن أبا هريرة إنما سمعه من كلام كعب، وإنما اشتبه على بعض الرواة فجعله مرفوعاً، وقد حرر ذلك البيهقي، وقال ابن كثير أيضاً: ٣/ ٤٨٨ وفيه استيعاب الأيام السبعة، والله تعالى قد قال: ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ ولهذا تكلم البخاري وغير واحد من الحفاظ في هذا الحديث وجعلوه من رواية أبي هريرة عن كعب الأحبار ليس مرفوعاً. وقال أيضاً ٧/ ٣٢٦: وهو من غرائب الصحيح، وقد علله البخاري في "التاريخ" فقال: رواه بعضهم عن أبي هريرة ﵁، عن كعب الأحبار، وهو الأصح. وقال المناوي في "فيض القدير": وقال بعضهم: هذا الحديث في متنه غرابة شديدة، فمن ذلك أنه ليس فيه ذكر خلق السموات، وفيه ذكر خلق الأرض وما فيها في سبعة أيام، وهذا خلاف القرآن، لأن الأربعة خلقت في أربعة أيام، ثم خلقت السموات في يومين، وقد سكت عن الحديث النووي في شرح مسلم، وممن صحح الحديث، الشوكاني في "فتح القدير" وقد تكلم عليه العلماء من جهة متنه، ورأوا أنه معارض للقرآن، ومن صححه كالشوكاني وغيره، رأوا أنه لا تعارض بينه وبين نص القرآن، فإن القرآن ذكر أن الله تعالى خلق السموات والأرض جميعاً في ستة أيام، وخلق الأرض وحدها في يومين، والحديث إنما بين أن الله تعالى خلق ما في الأرض في سبعة أيام، ويحتمل عند بعض من صححه أن تكون هذه الأيام السبعة غير الأيام الستة التي ذكرها الله تعالى في خلق السموات والأرض، وحينئذ لا تكون معارضة، وإنما الحديث فصل كيفية الخلق على الأرض وحدها، والله تعالى أعلم" ا. هـ.
أقول: من المتعارف عليه عند علماء الطبيعة في عصرنا أن الأرض في ابتداء أمرها كانت كتلة نارية ثم أخذت تبرد فظهرت قشرتها شيئاً فشيئاً، وعلى هذا فأول شيءٍ وُجِدَ التربة وبدأت التفاعلات الداخلية والجوية تفعل فعلها فكانت التضاريس والبحار، فتسلسل الأحوال على الأرض بعد خلقها يصدق ما في الرواية سواء كانت هدياً نبوياً أو من روايات
стр. 523
كعب الأحبار. ولكن هل المراد في الرواية أيام كأيامنا متتابعة متعاقبة، أو كأيامنا وبأسمائها غير متتابعة ولكن متعاقبة؟ معارف العصر تؤكد الثاني.
وعلى هذا التأويل للحديث، وعلى فرض صحته فإنه قوله تعالى في سورة فصلت [١٠]: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ يكون محمولاً على أن الله تعالى قد جعل فيها ذلك حكماً وقد أظهر ذلك فيما بعد.
٥٧٠ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "خلق الله آدم ﵇، وطوله ستون ذراعاً، ثم قال: اذهب فسلم على أولئك- نفرٍ من الملائكة- فاستمع ما يحيونك، فإنها تحيتك وتحية ذريتك. فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه: ورحمة الله. فكل من يدخل الجنة على صورة آدم". قال: "فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن".
وفي رواية (٢). "خلق آدم على صورته".
قال محقق الجامع
الضمير في "صورته": يعود إلى آدم، كما بينته الرواية الأخرى قبل هذه.
أقول: هل كان طول آدم عندما أهبط إلى الأرض ستين ذراعاً، أو أن ذلك كان طوله وهو في السماء فلما أهبط إلى الأرض نقص طوله ثم تناقص الخلق بعد ذلك، أو أنه هبط إلى الأرض بهذا الطول ثم تناقص طول ذريته شيئاً فشيئاً؟ الظاهر: الثاني. والحفريات تثبت أن الإنسان كان أكبر حجماً منه الآن وكان يعيش في العادة فترة أطول. والقياس العقلي يقتضي ذلك:
стр. 524
فالأمراض الحالية والمؤثرات على الأحياء والأعصاب بعد تعقيد الحياة البشرية أصبحت أكثر مما كانت عليه، وليس مع النصوص كلام لأحد عند أهل الإيمان واليقين، فأهل اليقين يكفيهم هذا الحديث ويكفيهم قوله تعالى عن نوح: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ (١).
ولقد جاءت الحفريات لتزيل الغشاوة عن أبصار الشاكين. فقد ذكر الدكتور حسن زينو وهو اختصاصي جيولوجي في كتابه "التطور والإنسان" ما يلي:
إنسان هايدلبرغ
- تقع قرية ماور Mauer على بعد ١٠ كلم جنوب غرب هايدلنبرغ، وتتألف المنطقة من الترياسي المغطى أحياناً بدثار من البليستوسين وبالرمال النهرية القديمة لنهر نكار. وقد عثر في مقلع في هذه الرمال عام ١٩٠٧ م على الفلك السفلي على عمق ٣٤ م تحت سطح الأرض. وتحوي هذه الرمال على كثير من قواقع الرخويات البرية والنهرية وتشير إلى مناخ أكثر قارية من الآن. وتشمل الثدييات الفيل القديم Elephas antiqus والكركدن Rhinoceros ctruscus وحصاناً انتقالياً بين الحصان البليوسيني Eqws Stenosis والحصان الحالي Eqws cuballus وخنزيراً برياً وأيلا ويحموراً ونوعاً من الوعل وبيزونا ودبين مشابهين للدب البليوسيني وكلباً وأسداً وهرة وحشية وقندساً. وتعود هذه الحيوانات إلى البليستوسين السفلي ويعتقد أنه يرتبط بالزمن الدافئ الأول بين تجلد فونتس وميندل. فكه كبير وتاجه عريض وليس له بروز ذقني وفمه إنساني وأسنانه أكبر من الإنسان الحالي، ويوجد اليوم في جامعة هايدلبرغ وقد أطلق عليه شوتنساك O. Schoetensack اسم إنسان هايدلبرغ Homo Heidelbergensis.
- عثر كونيفسفالد Von Koenigswald من صيدليات الصين في هونغ كونغ بين ١٩٣٤ و ١٩٣٩ م على ثلاث أسنان طاحنة بشرية كبيرة مع أسنان أورانج وستفودون stefodon وتابير Tapir أحد هذه الأسنان البشرية كبير بحيث ينبغي أن يكون فكه
стр. 525
أكبر بمرتين من فك الأورانج الحالي، حجم هذا السن ضعف أسنان الغوريلا وست أمثال الإنسان الحالي.
- قرر فايدنرايش Wiedenreich أنه سن بشري ....
وقد تخيل فايدنرايش شجرة السلالة فافترض أن الإنسان العملاق هذا قد هاجر إلى جاوة ونشأ منه الإنسان الكبير Meganthropus.
فالإنسان تسلسل إذا من أشكال عملاقة ذات جمجمة شديدة وبذا تميز تطورنا بالنقص التدريجي في الطول.
الإنسان الكبير
أعلن كونيفسفالد عام ١٩٤١ م عن اكتشافه لقطعة من الفك السفلي في طبقات جتيس في جاوة وهي بشرية وفيها سنان ما قبل الرحويان والرحى الأول وقد درسه بعد ذلك:
F. Weidenreich- Giant early Man from Java and South China (Anth- rop. Papers of the American Museum of Natural History, xl, n.l,.١٩٤٥).
وتختلف القطعة عن ما عداها بقياساتها الكبيرة إذ يبلغ محيطها في مستوى الحفرة الذقنية ١٣١ مم، في حين لا يتجاوز ذلك في الغوريلا ١١٥ مم وفي الإنسان الصيني وإنسان النياندرتال ٨٠ مم. وكذلك فإن أبعاد الأسنان كبيرة وشكلها بشرية ولا تشابه أي سنجاب بالإضافة إلى غياب الذقن والشكل المتراجع للوراء للقسم المتقدم من الفك، ومما صدم كونيفسفالد انحفاظ الزائدة الصغيرة المسماة عقدة العبقرة tuberculum genial في الجانب الداخلي للذقن فكان لدى الإنسان ما يلزم لتحرك اللسان كما في إنسان موجو كرتو وفك هايدلبرغ. وقد أطلق عليها كونيفسفالد اسم الإنسان الكبير الجاوي القديم Meganthro- pus palaeojavanicus.
ووجد لارسن K. Larsen عام ١٩٣٩ م في أفريقيا الشرقية بقايا فك ذي أسنان كبيرة
стр. 526
جداً لكنها إنسانية وقد وصفها فاينرت Weinert عام ١٩٥٠ م ووازنها مع الإنسان الكبير من جاوة حسب كونيفسفالد.
ووجد في سوارتكرانس Swartkrans عام ١٩٤٨ - ١٩٥٠ م شبه الإنسان الكبير الأسنان Paranthropus crassidens وقد عثر أولا على فكوك ذات أسنان عملاقة ومقاييسها مثل عملاق جاوة حسب كونيفسفالد. ثم عثر على بقايا جمجمة تدل على عضلات مضغ كبيرة. ا. هـ.
وقد ذكر عباس محمود العقاد في كتابه: "إبراهيم أبو الأنبياء ﵊" ما يلي:
"وفي متحف أشمول بإنجلترا أسماء الأسر التي حكمت بابل من بعد الطوفان إلى أيام سراجون، وقد جاء في الألواح التي حفظت أسماءها أن الأسرة الأولى تولى منها الملك ثلاثة وعشرون ملكاً وكانت مدة حكمهم جميعاً أربعة وعشرين ألف سنة وخمسمائة وعشر سنوات" ا. هـ.
أقول: دلت كلمة الدكتور زينو على أن الإنسان كان في مرحلة أضخم منه الآن، ودلت كلمة العقاد على أن الناس كانوا يعمرون في الماضي كثيراً، وفي الحديث الشريف الذي مر معنا رد لمزاعم التطوريين: إن الإنسان تطور عن مخلوقات أخرى.
وقد شرح هذا الحديث ابن حجر في الفتح وكان من كلامه:
"خلق الله آدم وطوله ستون ذراعاً" كذا وقع من هذا الوجه، وعبد الله الراوي عن معمر هو ابن المبارك، وقد رواه عبد الرزاق عن معمر فقال "خلق الله آدم على صورته وطوله ستون ذراعاً" ... والمعنى أن الله تعالى أوجده على الهيئة التي خلقه عليها لم ينتقل في النشأة أحوالاً ولا تردد في الأرحام أطواراً كذريته بل خلقه الله رجلاً كاملاً سوياً من أول ما نفخ فيه الروح، ثم عقب ذلك بقوله "وطوله ستون ذراعاً" فعاد الضمير أيضاً على آدم، وقيل معنى قوله "على صورته" أي لم يشاركه في خلقه أحد، إبطالاً لقول أهل الطبائع. وخص بالذكر تنبيها بالأعلى على الأدنى، والله أعلم ...
وروى ابن أبي حاتم بإسناد حسن عن أبي بن كعب مرفوعاً "إن الله خلق آدم رجلاً طوالاً كثير شعر الرأس كأنه نخلة سحوق". قوله (فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن) أي
стр. 527
إن كل قرن يكون نشأته في الطول أقصر من القرن الذي قبله، فانتهى تناقص الطول إلى هذه الأمة واستقر الأمر على ذلك. وقال ابن التين: قوله "فلم يزل الخلق ينقص" أي كما يزيد الشخص شيئاً فشيئاً، ولا يتبين ذلك فيما الساعتين ولا اليومين حتى إذا كثرت الأيام تبين، فكذلك هذا الحكم في النقص ... ا. هـ.
أقول:
إن كثيرين من الناس يأخذون عن أسفار اليهود تاريخ وجود الإنسان على هذه الأرض، وهي كتب محرفة فيها أغاليط كثيرة، والحفريات الحديثة أثبتت أن النوع الإنساني أقدم بكثير مما ذكرته هذه الأسفار، ونصوص الإسلام ساكتة في هذا الشأن.
فالتحقيق العلمي في هذه الحالة معتبر، ومع اعتراضنا على أسفار اليهود في ذكر عُمر الإنسان فإننا نعترض على التطوريين الذين يجعلون إنساننا الحالي وليدَ تطورٍ عن أنواع من الإنسان أخرى، ونحن إذ ننكر هذا لا نعترض على وجود مخلوقات شبه إنسانية سبقت أبانا آدم، فليس في نصوص الإسلام ما يمنع، بل في كلام بعض الإسلاميين ما يؤيده، فلقد نقل صاحب السيرة الحلبية شيئاً من ذلك عن بعض المتصوفة: إن آدمنا سبق بآباء كُثْرٍ لأنواع من الإنسان. والمنقول عن بعض أئمة الشيعة أنهم يقولون بمثل ذلك، ولكن المسلمين مجمعون- إلا من لا يُعتد بقوله- على أن أبانا آدم خلق خلقاً مباشراً من الله .
٥٧١ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "لما صور الله آدم في الجنة تركه ما شاء أن يتركه، فجعل إبليس يطيف به، وينظر إليه، فلما رآه أجوف عرف أنَّه خلق لا يتمالك".
٥٧٢ - * روى أحمد عن أبي موسى الأشعري ﵁، قال: سمعت رسول الله
стр. 528
صلى الله عليه وسلم يقول: "إنَّ الله ﵎ خلق آدم من قبضةٍ قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، منهم الأحمرُ، والأبيضُ والأسودُ، وبين ذلك، والسهلُ والحزنُ، والخبيث والطيبُ".
أقول مؤكداً ما مر سابقاً:
إن نصوص الكتاب والسنة واضحة وقطعية في أن آدم ﵊ خلق ابتداءً بقدرة الله، فما يقال عن نشأة الإنسان التطورية وأنه نتاج قفزات تطورية حدثت في الأحياء غير صحيح. فآدم خلق على صورته التي فطره الله عليها ابتداء دون واسطة ودون تسلسل، أما التعليل لوجود سلم ارتقاء للمخلوقات واحتمالات أن تكون بعض المخلوقات تولدت عن بعض، ووجود مخلوقات شبيهة بإنساننا الحالي وتعتبر أسبق منه بالوجود فذلك كله له تعليلاته والبحث فيه مفتوح. قال تعالى:
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ (١).
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ...﴾ (٢).
﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (٣).
إن وجود سلم ارتقاء ليس غريباً على قدرة الله وذلك من مظاهر حكمته ﷻ ، سواء كان ذلك من خلال الخلق المباشر أو من خلال توالد وقفزات قديمة، إلا أن أبانا آدم خلق ابتداءً على صورته، وكان ذلك بالخلق المباشر من الله ، ولكن أن تكون هناك مخلوقات تشبه إنساننا الحالي فذلك يتفق مع اتجاهات مذكورة في كتب الإسلاميين قديماً تقول: إن آدمنا ﵇ هو أول آدم وجد على الأرض، ولكن هذا لا يعني أن آدمنا هو ولادة من إنسان آخر. فالنصوص قطعية في ذلك، ومن عرف أن
стр. 529
هذا الكون كله مخلوق بقدرة الله لا يستنكر على قدرة الله أن تخلق آدم ابتداءً، والذين يشكون في ذلك عليهم أن يراجعوا أصل أيمانهم.
٥٧٣ - * روى مسلم عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ "خُلقت الملائكة من نورٍ، وخُلق الجان من مارج من نارٍ، وخُلق آدم مما وُصِفَ لكم".
٥٧٤ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لولا بنو إسرائيل لم يَخْنَزِ اللحمُ" وفي رواية "لم يَخْبُثِ اللحمُ"- "ولولا حواء: لم تَخُن أنثى زوجها الدهر".
أقول:
الظاهر من الحديث أنه قبل أن يخزن بنو إسرائيل اللحم عندما كانوا في التيه لم يكن اللحم يخنز، بمعنى أن الجراثيم والبكتيريات المؤثرة في ذلك لم تكن موجودة أو لم تكن مسلطة على اللحم، فلما فعل بنو إسرائيل ذلك عوقبوا كما تعاقب الأقوام المبتعدة عن الفطرة بمزيد من الأمراض كلما زاد البعد عن الفطرة. ولعل عدم تأثر جثث الفراعنة القدماء التي وصلتنا محنطة أنها وضعت في توابيتها وحنطت قبل هذا التسليط على اللحم.
٥٧٥ - * روى البزار عن أبي موسى رفعه، قال: "لما أخرج الله آدم من الجنة زوَّده من ثمار الجنة وعلمه صنعةَ كل شيء فثمارُكم هذه من ثمار الجنة غير أن هذه
стр. 530
تَغَيَّرُ وتلك لا تَغَيرُ".
٥٧٦ - * روى عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: قيل لرسول الله ﷺ : القردة والخنازير؛ هي مما مُسخ؟ فقال رسول الله ﷺ : "إن الله لم يهلك قوماً [أو يعذب قوماً] فيجعل لهم نسلاً، وإن القردة والخنازير كانت قبل ذلك".
* * *