جداً لكنها إنسانية وقد وصفها فاينرت Weinert عام ١٩٥٠ م ووازنها مع الإنسان الكبير من جاوة حسب كونيفسفالد.
ووجد في سوارتكرانس Swartkrans عام ١٩٤٨ - ١٩٥٠ م شبه الإنسان الكبير الأسنان Paranthropus crassidens وقد عثر أولا على فكوك ذات أسنان عملاقة ومقاييسها مثل عملاق جاوة حسب كونيفسفالد. ثم عثر على بقايا جمجمة تدل على عضلات مضغ كبيرة. ا. هـ.
وقد ذكر عباس محمود العقاد في كتابه: "إبراهيم أبو الأنبياء ﵊" ما يلي:
"وفي متحف أشمول بإنجلترا أسماء الأسر التي حكمت بابل من بعد الطوفان إلى أيام سراجون، وقد جاء في الألواح التي حفظت أسماءها أن الأسرة الأولى تولى منها الملك ثلاثة وعشرون ملكاً وكانت مدة حكمهم جميعاً أربعة وعشرين ألف سنة وخمسمائة وعشر سنوات" ا. هـ.
أقول: دلت كلمة الدكتور زينو على أن الإنسان كان في مرحلة أضخم منه الآن، ودلت كلمة العقاد على أن الناس كانوا يعمرون في الماضي كثيراً، وفي الحديث الشريف الذي مر معنا رد لمزاعم التطوريين: إن الإنسان تطور عن مخلوقات أخرى.
وقد شرح هذا الحديث ابن حجر في الفتح وكان من كلامه:
"خلق الله آدم وطوله ستون ذراعاً" كذا وقع من هذا الوجه، وعبد الله الراوي عن معمر هو ابن المبارك، وقد رواه عبد الرزاق عن معمر فقال "خلق الله آدم على صورته وطوله ستون ذراعاً" ... والمعنى أن الله تعالى أوجده على الهيئة التي خلقه عليها لم ينتقل في النشأة أحوالاً ولا تردد في الأرحام أطواراً كذريته بل خلقه الله رجلاً كاملاً سوياً من أول ما نفخ فيه الروح، ثم عقب ذلك بقوله "وطوله ستون ذراعاً" فعاد الضمير أيضاً على آدم، وقيل معنى قوله "على صورته" أي لم يشاركه في خلقه أحد، إبطالاً لقول أهل الطبائع. وخص بالذكر تنبيها بالأعلى على الأدنى، والله أعلم ...
وروى ابن أبي حاتم بإسناد حسن عن أبي بن كعب مرفوعاً "إن الله خلق آدم رجلاً طوالاً كثير شعر الرأس كأنه نخلة سحوق". قوله (فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن) أي
стр. 527
إن كل قرن يكون نشأته في الطول أقصر من القرن الذي قبله، فانتهى تناقص الطول إلى هذه الأمة واستقر الأمر على ذلك. وقال ابن التين: قوله "فلم يزل الخلق ينقص" أي كما يزيد الشخص شيئاً فشيئاً، ولا يتبين ذلك فيما الساعتين ولا اليومين حتى إذا كثرت الأيام تبين، فكذلك هذا الحكم في النقص ... ا. هـ.
أقول:
إن كثيرين من الناس يأخذون عن أسفار اليهود تاريخ وجود الإنسان على هذه الأرض، وهي كتب محرفة فيها أغاليط كثيرة، والحفريات الحديثة أثبتت أن النوع الإنساني أقدم بكثير مما ذكرته هذه الأسفار، ونصوص الإسلام ساكتة في هذا الشأن.
فالتحقيق العلمي في هذه الحالة معتبر، ومع اعتراضنا على أسفار اليهود في ذكر عُمر الإنسان فإننا نعترض على التطوريين الذين يجعلون إنساننا الحالي وليدَ تطورٍ عن أنواع من الإنسان أخرى، ونحن إذ ننكر هذا لا نعترض على وجود مخلوقات شبه إنسانية سبقت أبانا آدم، فليس في نصوص الإسلام ما يمنع، بل في كلام بعض الإسلاميين ما يؤيده، فلقد نقل صاحب السيرة الحلبية شيئاً من ذلك عن بعض المتصوفة: إن آدمنا سبق بآباء كُثْرٍ لأنواع من الإنسان. والمنقول عن بعض أئمة الشيعة أنهم يقولون بمثل ذلك، ولكن المسلمين مجمعون- إلا من لا يُعتد بقوله- على أن أبانا آدم خلق خلقاً مباشراً من الله .
٥٧١ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "لما صور الله آدم في الجنة تركه ما شاء أن يتركه، فجعل إبليس يطيف به، وينظر إليه، فلما رآه أجوف عرف أنَّه خلق لا يتمالك".
٥٧٢ - * روى أحمد عن أبي موسى الأشعري ﵁، قال: سمعت رسول الله
стр. 528
صلى الله عليه وسلم يقول: "إنَّ الله ﵎ خلق آدم من قبضةٍ قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، منهم الأحمرُ، والأبيضُ والأسودُ، وبين ذلك، والسهلُ والحزنُ، والخبيث والطيبُ".
أقول مؤكداً ما مر سابقاً:
إن نصوص الكتاب والسنة واضحة وقطعية في أن آدم ﵊ خلق ابتداءً بقدرة الله، فما يقال عن نشأة الإنسان التطورية وأنه نتاج قفزات تطورية حدثت في الأحياء غير صحيح. فآدم خلق على صورته التي فطره الله عليها ابتداء دون واسطة ودون تسلسل، أما التعليل لوجود سلم ارتقاء للمخلوقات واحتمالات أن تكون بعض المخلوقات تولدت عن بعض، ووجود مخلوقات شبيهة بإنساننا الحالي وتعتبر أسبق منه بالوجود فذلك كله له تعليلاته والبحث فيه مفتوح. قال تعالى:
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ (١).
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ...﴾ (٢).
﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (٣).
إن وجود سلم ارتقاء ليس غريباً على قدرة الله وذلك من مظاهر حكمته ﷻ ، سواء كان ذلك من خلال الخلق المباشر أو من خلال توالد وقفزات قديمة، إلا أن أبانا آدم خلق ابتداءً على صورته، وكان ذلك بالخلق المباشر من الله ، ولكن أن تكون هناك مخلوقات تشبه إنساننا الحالي فذلك يتفق مع اتجاهات مذكورة في كتب الإسلاميين قديماً تقول: إن آدمنا ﵇ هو أول آدم وجد على الأرض، ولكن هذا لا يعني أن آدمنا هو ولادة من إنسان آخر. فالنصوص قطعية في ذلك، ومن عرف أن
стр. 529
هذا الكون كله مخلوق بقدرة الله لا يستنكر على قدرة الله أن تخلق آدم ابتداءً، والذين يشكون في ذلك عليهم أن يراجعوا أصل أيمانهم.
٥٧٣ - * روى مسلم عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ "خُلقت الملائكة من نورٍ، وخُلق الجان من مارج من نارٍ، وخُلق آدم مما وُصِفَ لكم".
٥٧٤ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لولا بنو إسرائيل لم يَخْنَزِ اللحمُ" وفي رواية "لم يَخْبُثِ اللحمُ"- "ولولا حواء: لم تَخُن أنثى زوجها الدهر".
أقول:
الظاهر من الحديث أنه قبل أن يخزن بنو إسرائيل اللحم عندما كانوا في التيه لم يكن اللحم يخنز، بمعنى أن الجراثيم والبكتيريات المؤثرة في ذلك لم تكن موجودة أو لم تكن مسلطة على اللحم، فلما فعل بنو إسرائيل ذلك عوقبوا كما تعاقب الأقوام المبتعدة عن الفطرة بمزيد من الأمراض كلما زاد البعد عن الفطرة. ولعل عدم تأثر جثث الفراعنة القدماء التي وصلتنا محنطة أنها وضعت في توابيتها وحنطت قبل هذا التسليط على اللحم.
٥٧٥ - * روى البزار عن أبي موسى رفعه، قال: "لما أخرج الله آدم من الجنة زوَّده من ثمار الجنة وعلمه صنعةَ كل شيء فثمارُكم هذه من ثمار الجنة غير أن هذه
стр. 530
تَغَيَّرُ وتلك لا تَغَيرُ".
٥٧٦ - * روى عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: قيل لرسول الله ﷺ : القردة والخنازير؛ هي مما مُسخ؟ فقال رسول الله ﷺ : "إن الله لم يهلك قوماً [أو يعذب قوماً] فيجعل لهم نسلاً، وإن القردة والخنازير كانت قبل ذلك".
* * *
стр. 531
التلخيص
- كان الله ولا شيء قبله ولا شيء معه، ثم خلق الماء- والله أعلم على أي هيئة كان بخارية أو سائلة- ثم خلق العرش، ثم خلق القلم وكتب مقادير كل شيء وأقدارها، ثم خلق من الماء هذه السماء بما فيها من مجرات ونجوم وسُدُم، ثم خلق الأرض والمجموعة الشمسية من سديم هذه السدم فيما يبدو، ثم خلق السموات السبع بعد خلقه الأرض وجعل في كل سماء أمرها، ثم هيأ الأرض لسكنى الإنسان وخلق فيها ما خلق، وقبل أن يخلق الإنسان كان قد خلق الملائكة والجن وأنواع الحياة على الأرض، وخلق الجنة والنار ثم خلق أبانا آدم ﵇، ثم أُمنا حواء وكانا في الجنة ثم أهبطهما وإبليس إلى الأرض، وبدأت بذلك الحياة البشرية على الأرض.
- لا شيء يمنع أن تكون هناك مخلوقات كإنساننا الحالي قبل أبينا آدم ثم انقرضت، ولكن لم تكن أصلاً لجنسنا البشري الحالي.
- البحث في نشأة الحياة على الأرض وأنواعها وسلم تدرجها كل ذلك مفتوح للبحث، بل مطلوب بنص القرآن فلا حرج فيه ولكن حيثما كان هناك تعليل رباني أو إخبار عن طريق الوحي فهو الفيصل.
- واكتشافات عصرنا ونظرياته التي قامت عليها أدلة جاءت مؤكدة لنصوص الكتاب والسنة، والكتب في هذا كثيرة، والعلماء غير المغرضين في كل مكان يقدمون بأبحاثهم الأدلة على ذلك.
* * *
стр. 532
الفصل الثاني
في:
معرفة الله والإيمان به
وفيه:
مقدمة ونصوص وتلخيص وأربعة وصول
стр. 533
المقدمة
الملحدون بالله تعالى في هذا العالم قلة حتى في البلدان التي تسيطر عليها سلطة ملحدة كالاتحاد السوفياتي، لأن الإلحاد يتنافى مع قوانين العقل وأعماق الفطرة، ولذلك كان أكثر الناس مؤمنين بالله نوع إيمان. وإنما الاختلاف بين أهل الحق وغيرهم في الصفات أو فيما ينسب لله أو فيما يليق به أو لا يليق أو في حقوق الألوهية، ولقد جاء الإسلام ليصحح تصورات البشر وعقائدهم وسلوكهم وكان أكثر ما ركزت عليه الرسالة الإسلامية التعريف على الله فأعطتنا هذه الرسالة أصفى وصف وأسمى اعتقاد، اجتمع فيه الحق الخالص الذي يؤيده العقل الراشد والفطرة المستقيمة والعلم الصحيح.
* * *
لقد وصف بعض الناس الله بما لا يليق بذاته، فزعموا أنه له صاحبه وولداً، أو أن له شركاء أو أنه لا تدخل له في شؤون الخلق، أو أن الخلق وُجِدَ بدون إرادة منه ﷻ أو أنه يعلم الكليات ولا يعلم الجزئيات أو أن هذا الكون جزؤه، أو أنه لا حق له في التشريع، وأشياء كثيرة نسبها الخلق لله وهو منزه عنها، وجاء الكتاب والسنة فوضعا الأمور في نصابها فلا أرقى ولا أروع:
﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ (١).
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢).
﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ (٣).
* * *
стр. 534
و خلاصة ما جاء به الكتاب والسنة:
أن الله موجود يدل على ذلك كل شيء؛ فظواهر الكون آياته التي تدل عليه، والقرآن آياته تدل عليه، ومعجزات الرسل صلى الله عليهم وسلم وكرامات الأولياء آياته التي تدل عليه. وأن الله متصف بالحياة والإرادة والقدرة والعلم والسمع والبصر والكلام:
﴿هُوَ الْحَيُّ﴾ (١).
﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٢).
﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ (٣).
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٤).
﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (٥).
﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ (٦).
﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (٧).
﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (٨).
وأن الله متصف بالصفات العليا ومسمى بالأسماء الحسنى:
﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ (٩).
وأن هذا الكون خلقه وما يجري فيه أثر مشيئته وقدرته:
﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (١٠). ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ (١١).
стр. 535
وأن هذا الكون بما فيه خلقه ابتداء وهو- أي الكون- محتاج إليه لاستمراره:
﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ (١).
﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ (٢).
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٣).
وأن الله له صفات الجلال والكمال والجمال:
﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ (٤).
﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (٥).
وأن الله متصف بالوحدانية وبالقدم وبالبقاء وبالقيام بالنفس وبالمخالفة للحوادث وذلك مقتضى قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٦) فهو واحد في ذاته وصفاته وأفعاله.
وهو الصمد الذي يحتاجه الخلق وهو غير محتاج إليهم:
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (٧) فهو قائم بنفسه، وغيره قائم به، وهو الأول الذي ليس قبله شيء ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ (٨) وهو الباقي ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ (٩) ﴿وَالْآخِرُ﴾ (١٠).
وهو الذي لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (١١)، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١٢) وهو ﷻ كما وصف ذاته فهو وحده الذي يعلم ذاته وصفاته حق العلم:
стр. 536
﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ (١)، ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ (٢).
وهو ﷻ له الألوهية والمالكية والربوبية: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ﴾ (٣) ومقتضى ربوبيته ومالكيته وألوهيته أن يقدم له الخلق العبادة والعبودية ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٤)، ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ (٥)، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ (٦).
والعبادة تقتضي القيام بالشعائر، والعبودية تقتضي مع العبادة القيام بالشرائع، ومن ههنا كان لله المالكية المطلقة ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ (٧) ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ (٨).
فواجب الخلق الاستسلام لله فيما أخبر ونهى وأمر، وذلك هو الإسلام الذي بعث به رسله عليهم الصلاة والسلام وقد حاول المصنفون في العقائد خلال العصور أن يصطلحوا لبعض ما ذكرناه:
فسموا صفة الوجود للذات الإلهية صفة نفسية.
وسموا الصفات القائمة بالذات الإلهية الصفات الوجودية أو صفات المعاني وهي الصفات السبع: العلم والإدارة والقدرة والحياة والسمع والبصر والكلام.
وسموا الصفات التي وردت في سورة الإخلاص وهي التي تميز العقيدة الإسلامية تمييزاً جوهرياً بالصفات السلبية وهي: الوحدانية والقدم والبقاء والقيام بالنفس والمخالفة للحوادث.
وسموا الأسماء التي هي أثر قدرة الله بصفات الفعل كالمعز والمذل والمحيي والمميت.
стр. 537
وسموا الأسماء التي تعبر عن الكمال بصفات الجلال والكمال والجمال:
﴿ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (١) وقوله ﷺ "إن الله جميل" أخرجه مسلم والترمذي.
وأثبتوا لله الأسماء الحسني التي سمى بها ذاته، وعرفنا عليها الكتاب والسنة.
وسموا الصفات التي وردت بها نصوص الكتاب والسنة مما سوى ذلك بالصفات السمعية.
ولا حرج بالاصطلاح إلا إذا أدخل عليه ما يفسده كأن أدى إلى مفسدة أو اقتضى مفسدة.
* * *
وليس هناك شيء أهم بالنسبة للإنسان من معرفة الله حق المعرفة والإيمان به والتسليم له، لما يترتب على ذلك من آثار دنيوية وأخروية على القلب والعقل والسلوك، لذلك كانت أعظم المعارك الفكرية والعملية وحتى السياسية والعسكرية مرتبطة بموضوع الإيمان بالله، ونقطة البداية في الهداية المعرفة والإيمان، قال ﷻ : ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (٢).
لذلك ينصب جهد المضلين والشياطين والكفرة والفاسقين والمنافقين على خلخلة هذا الأصل بشكل مباشر أو غير مباشر.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ (٣).
ومن ثم كان الكفر بالطاغوت والإيمان بالله هو المعتصم:
﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ (٤).
* * *
стр. 538
وهناك معارك كبرى بين أهل الإسلام وبين أهل الأديان والفلسفات حول موضوعات تتعلق بالذات الإلهية، وهناك معارك كبرى بين أهل السنة والجماعة من جهة وبين الفرق المنشفة من جهة أخرى، وهناك معارك بين من يتنازعون على اسم أهل السنة والجماعة في هذا الموضوع.
* * *
ومن أهم معارك الإسلام مع أهل الأديان والفلسفات: معركته مع النصرانية ومن واطأها في نسبة الصحابة والولد للذات الإلهية ونفي الأحدية عنه ﷻ ، ومن أهم معارك الإسلام مع أهل الأديان: معركته مع المشركين الذين يشركون مع الله في الألوهية والعبادة حجراً أو شجراً أو بشراً أو مظهراً، ومن أهم معارك الإسلام مع أهل الفلسفة: معركته مع القائلين إن الله لا يتدخل في شؤون خلقه أو لم يخلق الخلق باختياره أو إنه لا يعلم إلا الكليات، ومن أهم معارك الإسلام مع أهل الفلسفات: معركته مع القائلين بحرية الإنسان في اتباع أهوائه كالوجوديين أو القائلين أن الله ليست له المالكية على البشر في التكليف والتشريع وهم الذين يسمون بالعلمانيين.
ومن أهم المعارك بين أهل السنة والجماعة وبين الفرق المنشقة في باب الألوهية: معركة أهل السنة والجماعة مع المعتزلة من جهة والمشبهة من جهة أخرى، ومع القائلين بوحدة الوجود كغلاة الصوفية، ومع القائلين بتجسد الإله في البشر كالدروز والإسماعيليين والنصيرية.
* * *
ونحن هنا سنقتصر على ذكر بعض الأحاديث الشريفة المتعلقة بموضوع الفصل مع ملاحظة أن يندر أن يمر باب في السنة إلا وبعض أحاديثه تتعلق بالذات الإلهية، ثم إن القرآن كله حديث عن الذات الإلهية في المآل لذلك وصفه الله بأنه ذكر: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ (١).
стр. 539
النصوص
٥٧٧ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ لله تسعةٌ وتسعين اسماً، من حفظها دخل الجنة، والله وِتْرٌ يحب الوتر" وفي رواية: "من أحصاها".
وفي أخرى (١): "لله تسعةٌ وتسعون اسماً، مائةً إلا واحداً، لا يحفظها أحدٌ إلا دخل الجنة، وهو وترٌ يحب الوتر". قال البخاري: "أحصاها: حفظها"، وفي رواية لمسلم نحوه، وليس فيه ذكر الوتر.
وفي رواية الترمذي (٢) قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا،
стр. 540
مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ: الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ، المصور، الغفار، القهار، الوهاب، الرزاق، الفتاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعز، المذل، السميع، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المقيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحق، الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المحصي، المبدئ، المعيد، المحيي، المميت، الحي، القيوم، الواجد، الماجد، الواحد، الأحد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدم، المؤخر، الأول، الآجر، الظاهر، الباطن، الوالي، المتعال، البر، التواب، المنتقم، العفو، الرؤوف، مالك المالك، ذو الجلال والإكرام، المقسط، الجامع، الغني، المغني، المانع، الضار، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور".
قال ابن الأثير:
(من أحصاها) الإحصاء: العدد والحفظ، والمراد: من حفظها على قلبه، وقيل: المراد: من استخرجها من كتاب الله تعالى، وأحاديث رسوله ﷺ ، لأن النبي لم يعدها لهم، ولهذا لم ترد مسرودةً معدودةً من هذه الكتب الستة إلا في كتاب الترمذي، وقيل: المراد: من أخطر بباله عند ذكر معناها، وتفكر في مدلولها: معتبراً، متدبراً، ذاكراً، راغباً، راهباً، معظماً لمسماها، مقدساً لذات الله تعالى، وبالجملة: ففي كل اسم يخطر
стр. 541
بباله الوصف الدال عليه.
(القدوس): الطاهر من العيوب المنزه عنها.
(السلام): ذو السلام، أي: الذي سلم من كل عيب وبرئ من كل آفةٍ.
(المؤمن) الذي يصدق عباده [وعده]، فهو من الإيمان: الصديق، أو يؤمنهم في القيامة منذ عذابه، فهو من الأمان، ضد الخوف.
(المهيمن) الشهيد، وقيل: الأمين، فأصله مؤتمن، فقُلِبت الهمزة هاءً، وقيل: الرقيب والحافظ.
(العزيز): الغالب القاهر، والعزة: الغلبة.
(الجبار): هو الذي أجبر الخلق وقهرهم على ما أراد من أمرٍ أو نهيٍ.
(المتكبر): المتعالي عن صفات الخلق، وقيل: الذي يتكبر على عتاة خلقه إذا نازعوه العظمة فيقصمهم، وقيل: إن المتكبر من الكبرياء الذي هو عظمة الله تعالى، لا من الكبر الذي هو مذموم.
(البارئ): هو الذي خَلَق الخلق لا عِن مثالٍ، إلا أن لهذه اللفظة من الاختصاص بالحيوان ما ليس لها بغيره من المخلوقات، وقلما تُستعمل في غير الحيوان، فيقال: برأ الله النسمة، وخلق السموات والأرض.
(المصور) هو الذي أنشأ خلقه على صور مختلفة، ومعنى التصوير: التخطيط والتشكيل.
(الغفار): هو الذي يغفر ذنوب عباده مرةً بعد مرة، وأصل الغَفرِ: الستر والتغطية، فالله غافر لذنوب عباده ساتر لها بترك العقوبة عليها.
(الفتاح): هو الحاكم بين عباده، يقال: فتح الحاكم بين الخصمين: إذا فصل بينهما، ويقال للحاكم: الفاتح، وقيل: هو الذي يفتحُ أبواب الرزق والرحمة لعباده، والمُنغلق
стр. 542
عليهم من أرزاقه.
و (الباسط): الذي يبسط الرزق لعباده ويوسعه عليهم بجوده ورحمته.
و (القابض): الذي يمسكه عنهم بلطفه، فهو الجامع بين العطاء والمنع.
و (الخافض): الذي يخفض الجبارين والفراعنة، أي: يضعهم ويهينهم.
و (الرافع): هو الذي يرفع أولياءه ويعزهم، فهو الجامع بين الإعزاز والإذلال.
(الحكم): الحاكم، وحقيقته: الذي سلم له الحكم ورد إليه.
(العدل): هو الذي لا يميل به الهوى فيجور في الحكم، وهو من المصادر التي يسمى بها.
(اللطيف): الذي يوصل إليك أربك في رفقٍ، وقيل: هو الذي لطف عن أن يدرك بالكيفية.
(الخبير): العالم العارف بما كان وما يكون.
(الغفور): من أبنية المبالغة في الغفران.
(الشكور): الذي يجازي عباده ويثيبهم على أفعالهم الصالحة، فشكر الله لعباده إنما هو مغفرته لهم وقبوله لعبادتهم.
(الكبير): هو الموصوف بالجلال وكبر الشأن.
(المقيت): هو المقتدر، وقيل: هو الذي يعطي أقوات الخلائق.
(الحسيب): الكافي، هو فعيل بمعنى: مفعل، كأليم بمعنى: مؤلم، وقيل: هو المحاسب.
(الرقيب): هو الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء.
(المجيب): الذي يقبل دعاء عباده ويستجيب لهم.
(الواسع): هو الذي وسع غناه كل فقرٍ، و [وسعت] رحمته كل شيء.
стр. 543
(الودود): فعول بمعنى: مفعول من الود، فالله تعالى مودود، أي: محبوب في قلوب أوليائه، أو هو فعول بمعنى: فاعل، أي: أن الله تعالى يود عباده الصالحين، بمعنى: يرضى عنهم.
(المجيد): هو الواسع الكرم، وقيل: هو الشريف.
(الباعث): هو الذي يبعث الخلق بعد الموت يوم القيامة.
(الشهيد): هو الذي لا يغيب عنه شيء، يقال: شاهدٌ وشهيدٌ، كعالمٍ وعليم، أي أنه حاضرٌ يشاهد الأشياء ويراها.
(الحق): هو المتحقق كونه ووجوده.
(الوكيل): هو الكفيل بأرزاق العباد، وحقيقته: أنه الذي يستقل بأمر الموكول إليه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣].
(القوي): القادر، وقيل: التام القدرة والقوة، الذي لا يعجزه شيء.
(المتين): هو الشديد القوي الذي لا تلحقه في أفعاله مشقةٌ.
(الولي): الناصر، وقيل: المتولي للأمور القائم بها كولي اليتيم.
(الحميد): المحمود الذي استحق الحمد بفعله، وهو فعيلٌ بمعنى مفعول.
(المحصي): هو الذي أحصى كل شيء بعلمه، فلا يفوته شيء من الأشياء، دقَّ أو جلَّ.
(المبدئ): الذي أنشأ الأشياء واخترعها ابتداءٌ.
و (المعيد): هو الذي يعيد الخلق بعد الحياة إلى الممات، وبعد الممات إلى الحياة.
(الواجد): هو الغني الذي لا يفتقر، وهو من الجدة: الغنى.
(الواحد): هو الفرد الذي لم يزل وحده، ولم يكن معه آخر، وقيل: هو منقطع القرين والشريك.
стр. 544
(الأحد): الفردُ، والفرق بينه وبين الواحد: أن "أحداً" بُني لنفي ما يُذكرُ معه من العدد، فهو يقع على المذكر والمؤنث، يقال: ما جاءني أحد، أي: ذكر ولا أنثى، وأما "الواحد" فإنه وضع لمفتَتِحِ العدد، تقول: جاءني واحدٌ من الناس، ولا تقول فيه: جاءني أحدٌ من الناس، والواحد: بني على انقطاع النظير والمثل، والأحد: نبي على الانفراد والوحدة عن الأصحاب، فالواحد منفردٌ بالذات، والأحد منفرد بالمعنى.
(الصمد): هو السيد الذي يصمد إليه الخلق في حوائجهم، أي: يقصدونه.
(المقتدر): مفتعلٌ من القدرة، وهو أبلغ من قادر.
(المقدم): الذي يقدم الأشياء فيضعها في مواضعها.
(المؤخر) الذي يؤخرها إلى أماكنها، فمن استحق التقديم قدمه، ومن استحق التأخير أخره.
(الأول): هو السابق للأشياء كلها. و (الآخر): الباقي.
(الظاهر): هو الذي ظهر فوق كل شيء وعلاه.
و (الباطن): هو المحتجب عن أبصار الخلائق.
(الوالي): مالك الأشياء، المتصرف فيها.
(المتعالي): هو المتنزه عن صفات المخلوقين، تعالى أن يوصف بها وجل.
(البر): هو العطوف على عباده ببره ولطفه.
(المنتقم): هو المبالغ في العقوبة لمن يشاء.
(العفو): فعول من العفو، بناء مبالغة، وهو الصفوح عن الذنوب.
(الرؤوف): هو الرحيم العاطف برأفته على عباده.
(ذو الجلال): الجلال: مصدر الجليل، تقول: جليلٌ بين الجلالة والجلال.
стр. 545
(المقسط): العادل في حكمه، أقسط الرجل: إذا عدل، فهو مُقسطٌ، وقسط: إذا جار، فهو قاسطٌ.
(الجامع): هو الذي يجمع الخلائق ليوم الحساب.
(المانع): هو الناصر الذي يمنع أولياءه أن يؤذيهم أحدٌ.
(النور): هو الذي يبصر بنوره ذو العماية، ويرشد بهداه ذو الغواية.
(الوارث): هو الباقي بعد فناء الخلائق.
(الرشيد): هو الذي أرشد الخلق إلى مصالحهم، فعيل بمعنى مفعل.
(الصبور): هو الذي لا يعاجل العصاة بالانتقام منهم، بل يؤخر ذلك إلى أجل مسمى، فمعنى الصبور في صفة الله تعالى قريب من معنى الحليم، إلا أن الفرق بين الأمرين: أنهم لا يأمنون العقوبة في صفة الصبور، كما يأمنون منها في صفة الحليم.
٥٧٨ - * روى الترمذي عن بريدة ﵁، أن رسول الله ﷺ : سمع رجلاً يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله، لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحدٌ، فقال: "والذي نفسي بيده، لقد سأل الله باسمه الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى".
وفي رواية أبي داود: "باسمه الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب".
٥٧٩ - * روى أبو داود عن أنس بن مالك ﵁، أنه كان مع رسول الله ﷺ
стр. 546
جالساً، ورجل يصلي، تم دعا الرجل فقال: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت، المنان، بديع السموات والأرض، ذوالجلال والإكرام، يا حي يا قيوم. فقال رسول الله يه لأصحابه: "أتدرون دعا"؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "والذي نفسى بيده، لقد ذعا الله باسمه الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سُئل به أعطى".
٥٨٠ - * روى الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ينادي منادٍ في النار يا حَنان يا منان".
٥٨١ - * روى أبو داود عن أسماء بنت يزيد ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: "اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١) وفاتحة سورة آل عمران ﴿الم * اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (٢).
٥٨٢ - * روى أبو داود عن مخجن بن الأذرع الثقفي ﵁ قال: دخل رسول
стр. 547
الله المسجد، فإذا هو برجلٍ قد قضى صلاته وهو يتشهد، ويقول: اللهم إني أسألك باسمك الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد: أن تغفر لي ذنوبي، إنك أنت الغفور الرحيم، قال: فقال: "قد غُفر له، قد غفر له، قد غُفر له".
٥٨٣ - * روى البزار عن نعيم بن همار: أن رسول الله قال: "الميزان بيد الرحمن يرفع أقواماً ويضع آخرين".
٥٨٤ - * روى الطبراني عن نعيم بن همار الغطفاني، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من آدمي إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أن يزيغه أزاغه وإن شاء أن يقيمه أقامه وكل يومٍ الميزان بيد الله يرفعُ أقواماً ويضغ آخرين إلى يوم القيامة".
٥٨٥ - * روى الترمذي عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله يكثر أن يقول: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك". فقلت: يا رسول الله، قد آمنا بك، وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: "نعم، إن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن، يُقلبها كيف يشاء".
٥٨٦ - * روى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله يقول: "إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلبٍ واحدٍ، يصرفه حيث شاء". ثم قال رسول الله ﷺ : "اللهم مصرف القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك".
стр. 548
٥٨٧ - * روى مالك عن عمر وبن دينار ﵀، قال: سمعت ابن الزبير يقول في خطبته: إن الله هو الهادي والفاتن.
٥٨٨ - * روى البزار عن حذيفة عن النبي ﷺ قال: "خلق الله كل صانع وصنعته".
٥٨٩ - * روى ابن ماجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "يمين الله ملأى لا يغيضها شيء سحاءٌ الليل والنهار، وبيده الأخرى الميزان، يرفع القسط ويخفض". قال: "أرأيت ما أنفق منذ خلق الله السموات والأرض فإنه لم ينقص مما في يديه شيئاً".
٥٩٠ - * روى مسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلماتٍ، فقال: "إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يُرفع إليه عملُ الليل قبل عملِ النهار، وعملُ النهار قبل عمل
стр. 549
الليل، ججابه الثور- وفي رواية: النار- "لوكشفة لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه".
٥٩١ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح من الله تعالى، من أجل ذلك مدح نفسه".
وفي رواية (١) نحوه، ويذكر "ما ظهر وما بطن" وزاد: "وليس أحدٌ أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أنزل الكتاب وأرسل الرسل".
٥٩٢ - * روى أحمد عن أبي هريرة قال: قيل للنبي ﷺ : أما تغار؟ قال: "والله إني لأغار والله أغيرُ مني، ومن غيرته نهى عن الفواحش".
٥٩٣ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله قال: " إن الله يغار، وإن المؤمن يغار، وإن غيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله عليه".
وفي رواية مسلم (٢) قال: " المؤمن يغارُ، والله أشد غيراً".
٥٩٤ - * روى مسلم عن أبي ذر الغفاري ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ :
стр. 550
هل رأيت ربك؟ قال: نورٌ، أنى أراه؟ ".
وفي رواية الترمذي (١) عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لأبي ذر: لو رأيت رسول الله [لسألته. فقال: عم كنت تسأله؟ قلت]: كنت أسأله: هل رأيت ربك؟ فقال أبو ذر: قد سألته، فقال: "نورٌ، أنى أراه؟ ".
٥٩٥ - * روى مسلم عن عبد الله بن شقيق، قال: قلت لأبي ذر: لو رأيت رسول الله ﷺ لسألته. فقال: عن أي شيءٍ كنت تسأله؟ قال: كنت أسأله قل رأيت ربك؟ قال أبو ذر: قد سألت فقال: "رأيت نوراً".
٥٩٦ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "قال الله تعالى: كذبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك، وشتمني، ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي، فزعم أني الا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتماه إياي، فقوله: لي ولد، فسبحاني أن أتخذ صاحبةً أو ولداً".
٥٩٧ - * روى البخاري ومسلم عن مسروق بن الأجدع ﵀ قال: قلت لعائشة:
стр. 551
يا أمتاه، هل رأى محمد ربه؟ فقالت: لقد قفَّ شعري مما قلت، أين أنت من ثلاثٍ من حدثكهن فقد كذب؛ من حدثك أن محمداً رأى ربه فقد كذب، ثم قرأت: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (١)، ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ (٢)، ومن حدثك أنه يعلم ما في غدٍ، فقد كذب، ثم قرأت: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ (٣). ومن حدثك أنه كتم فقد كذب، ثم قرأت: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ...﴾ (٤) الآية، ولكنه رأي جبريل ﵇ في صورته مرتين.
وفي رواية (٥) قال: قلت لعائشة: فأين قوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ (٦)؟ قالت: ذاك جبريلُ ﵇، كان يأتيه في صورة الرجل، وإنه أتاه هذه المرة في صورته، التي هي صورته، فسدَّ الأفق.
وفي أخرى (٧): ومن حدثك أنه يعلم الغيب فقد كذب، وهو يقول: لا يعلم الغيب إلا الله.
وفي أخرى (٨): أن مسروقاً قال: كنت متكئاً عند عائشة، فقالت: يا أبا عائشة ثلاث من تكلم بواحدةٍ منهن فقد أعظم على الله الفِريَةَ ... وذكرت نحو الرواية الأولى.
وزاد في رواية (٩): ولوكان محمدٌ ﷺ كاتماً شيئاً مما أُنزل عليه لكتم هذه الآية: ﴿وَإِذْ
стр. 552
تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ (١).
وللبخاري (٢) طرفٌ منه عن القاسم عن عائشة قالت: من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم، ولكن قد رأى جبريل في صورته وخِلْقِهِ ساداً ما بين الأفق.
٥٩٨ - * روى مسلم غن ابن عباسٍ؛ قال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ (٣) ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ (٤) قال: رآه بفؤاده مرتين.
أقول: مذهب ابن عباس أن رسول الله قد رأى ربه يوم المعراج ورجح ذلك النووي، لأن عائشة تنفي وابن عباس يثبت. وكلام المُثْبِت مقدم لأن فيه زيادة علم، وذلك من الخصوصية لرسول الله ﷺ ، فن ادعى أنه رأى الله يقظة في الدنيا ببصره فقد كفر.
وها نحن ننقل لك جزءاً من تحقيق النووي في إثبات الرؤيا لرسول الله ﷺ .
قال النووي: وأما صاحب التحرير فإنه اختار إثبات الرؤية قال والحجج في هذه المسئلة وإن كانت كثيرة ولكنا لا نتمسك إلا بالأقوى منها وهو حديث ابن عباس رضى الله عنهما أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم والكلام لموسى والرؤية لمحمد ﷺ . وعن عكرمة: سئل ابن عباس ﵄؛ هل رأى محمد ﷺ ربه؟ قال: نعم. وقد روي بإسناد لا بأس به عن شعبة عن قتادة عن أنسٍ ﵁ قال: رأى محمد ﷺ ربه. وكان الحسن يحلف: لقد رأى محمد ﷺ ربه. والأصل في الباب حديث ابن عباس حبر الأمة والمرجوع إليه في المعضلات، وقد راجعه ابن عمر ﵃ في هذه المسألة وراسله: هل رأى محمد ﷺ ربه؟ فأخبره أنه رآه. ولا يقدح في هذا حديث عائشة رضى الله عنها؛
стр. 553
لأن عائشة لم تخبر أنها سمعت النبي ﷺ يقول لم أر ربي، وإنما ذكرت ما ذكرت متأولة لقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ لقول الله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾، والصحابي إذا قال قولاً وخالفه غيره منهم لم يكن قوله حجةً، وإذا صحت الروايات عن ابن عباس في إثبات الرؤية وجب المصير إلى إثباتها، فإنها ليست مما يدرك بالعقل ويؤخذ بالظن وإنما يُتلقى بالسماع، ولا يستجيز أحد أن يظن بابن عباس أنه تكلم في هذه المسألة بالظن والاجتهاد وقد قال معمر بن راشد حين ذكر اختلاف عائشة وابن عباس: ما عائشة عندنا بأعلم من ابن عباس. ثم إن ابن عباس أثبت شيئاً نفاه غيره والمثبت مقدم على النافي. هذا كلام صاحب التحرير. فالحاصل أن الراجح عند أكثر العلماء أن رسول الله ي رأى ربه بعيني رأسه ليلة الإسراء لحديث ابن عباس وغيره مما تقدم وإثبات هذا لا يأخذونه إلا بالسماع من رسول الله ﷺ . هذا مما لا ينبغي أن يتشكك فيه، ثم إن عائشة ﵂ لم تنف الرؤية بحديث عن رسول الله ﷺ ولوكان معها فيه حديث لذكرته وإنما اعتمدت الاستنباط من الآيات" أ. هـ كلام النووي.
وأجاب النووي عن استنباطات عائشة ﵂.
٥٩٩ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة (رفعه): "يضحك الله إلى رجلين، يقتل أحدهما الآخر، يدخلان الجنة، يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل، ثم يتوب الله على القاتل فيسلم، فيقاتل في سبيل الله فيستشهد".
أقول: الضحك في حقه تعالى (ليس كمثله شيء) ككل صفاته ﷻ .
٦٠٠ - * روى البزار عن ابي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "لو تعلمون قدر رحمة الله لاتكلتم" أحسبه قال: "عليها".
стр. 554
٦٠١ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إن له مائة رحمة قسم منها رحمة بين جميع الخلائق فبها يتراحمون وبها يتعاطفون وبها تعطف الوحش على أو لادها وأخر تسعةً وتسعين رحمةً يرحم بها عباده يوم القيامة".
٦٠٢ - * روى مسلم عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : "خلق الله يوم خلق السموات والارض مائة رحمةٍ فجعل في الأرض منها رحمة فبها تغطف الوالدةُ على ولدها والبهائم بعضها على بغض والطير وأخر تسعةً وتسعين إلى يوم القيامة فإذا كان يوم القيامة أكملها الله بهذه الرحمة".
٦٠٣ - * روى الطبراني عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "ان الله خلق مائة رحمةٍ، رحمةً منها قسمها بين الخلائق وتسعةً وتسعين إلى يوم القيامة".
٦٠٤ - * روى أحمد عن أنس قال: مر النبي ﷺ ونفرٌ من أصحابه وصبي في الطريق فلما رأت أم الصبي القوم خشيت على ولدها أن يوطأ فأقبلت تسعى وتقول: ابني ابني. وسعت فأخذته، فقال القومُ: يا رسول الله ما كانت هذه لتلقي ابنها في النار. قال: فخفضهم النبي ﷺ ، وقال: "ولا الله لا يُلقي حبيبه في النار".
стр. 555
٦٠٥ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: "كان رجال يصلي فأتاه رجل فوطئ على رقبته فقال الذي تحته: والله لا يغفر الله لك أبداً. فقال الله : تألى عليَّ عبدي أن لا أغفر لعبدي فإني قد غفرت له".
أقول: هذا الحديث أصل من الأصول التي اعتمدها الأصوليون لاعتماد فكرة ما هو الواجب العقلي لله، والمستحيل العقلي لله، والجائز العقلي في حقه تعالى، وما هي الواجبات والمستحيلات والجائزات الشرعية. وهو موضوع دقيق جرت على ذكره كتب العقائد خلال العصور، وجدير بكل مسلمٍ أن يفهمه بأن يقرأه في كتب عقائد أهل السنة والجماعة على عالم رباني متقن.
٦٠٦ - * روى أبو يعلى عن عائشة ﵂ رفعته "لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد، وقولوا ما شاء الله وحده".
٦٠٧ - * روى أبو داود عن حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ : "لا تقولوا: ما شاء الله، وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله، ثم شاء فلان".
٦٠٨ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "جعل الله الرحمة مائة جزءٍ، فأمسك عنده تسعةً وتسعين، وأنزل في الأرض جزءاً واحداً، فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق، حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه".
وللبخاري (١): أن رسول الله ﷺ ، قال: "إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة
стр. 556
رحمةٍ، فأمسك عنده تسعةً وتسعين رحمةً، وأرسل في خلقه كلهم رحمةً واحدةً، فلو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة، ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن من النار".
ولمسلم (١) قال: "إن لله مائة رحمةٍ، أنزل منها رحمسة واحدةً بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تغطف الوحش ولدها، وأخَّر الله تسعاً وتسعين رحمة، يرحم بها عباده القيامة".
٦٠٩ - * روى الطبراني في الأوسط عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أُحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ الآية.
٦١٠ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لما قضى الله الخلق"، وعند مسلم: "لما خلق الله الخلق كتب في كتاب كتبهُ، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضي".
وعند البخاري: "غلبت غضبي".
وللبخاري أيضاً (٢): "إن الله لما قضى الخلق كتب عنده فوق عرشه: إن رحمتي سبقت غضبي".
وله في أخرى (٣)، قال: "لما خلق الله الخلق كتب في كتابه على نفسه، فهو موضوع عنده على العرش: إن رحمتي تغلب غضبي".
стр. 557
وفي أخرى (١): "إن الله كتب كتاباً، قبل أن يخلق الخلق: إن رحمتي سبقت غضبي. فهو مكتوبٌ عنده فوق العرش".
ولمسلم أيضاً (٢): أن النبي ﷺ قال: "قال الله : سبقت رحمتي غضبي".
وله في أخرى (٣): "لما قضى الله الخلق كتب في كتابه على نفسه، فهو موضوع عنده: إن رحمتي تغلب غضبي".
وأخرجه ابن ماجه قال (٤): "إن الله حين خلق الخلق كتب بيده على نفسه: إن رحمتي تغلب غضبي".
قال الحافظ في الفتح:
قوله: (لما قضى الله الخلق) أي خلق الخلق كقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ أو المراد أوجد جنسه، وقضى يطلق بمعنى حك وأتقن وفرغ وأمضى. قوله (كتب في كتابه) أي أمر القلم أن يكتب في اللوح المحفوظ، وقد تقدم في حديث عبادة بن الصامت قريباً: "فقال للقلم اكتب، فجرى بما هو كائن" ويحتمل أن يكون المراد بالكتاب اللفظ الذي قضاه، وهو كقوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ ... قوله (غلبت) في رواية شعيب عن أبي الزناد في التوحيد "سبقت" بدل غلبت، والمراد من الغضب لازمه وهو إرادة إيصال العذاب إلى من يقع عليه الغضب، لأن السبق والغلبة باعتبار التعلق، أي تعلق الرحمة غالب سابق على تعلق الغضب. لأن الرحمة مقتضى ذاته المقدسة وأما الغضب فإنه متوقف على سابقة عمل من العبد الحادث، بهذا التقرير يندفع استشكال من أورد وقوع العذاب قبل الرحمة في بعض المواطن، كمن يدخل النار من الموحدين ثم يخرج بالشفاعة وغيرها. وقيل معنى الغلبة الكثرة والشمول، وتقول: غلب على فلان الكرم، أي أكثر
стр. 558
أفعاله، وهذا كله بناء على أن الرحمة والغضب من صفات الذات، وقال بعض العلماء: الرحمة والغضب من صفات الفعل لا من صفات الذات. ولا مانع من تقديم بعض الأفعال على بعض فتكون الإشارة بالرحمة إسكان آدم الجنة أول ما خلق مثلاً، ومقابلها ما وقع من إخراجه منها. وعلى ذلك استمرت أحوال الأمم بتقديم الرحمة في خلقهم بالتوسيع عليهم من الرزق وغيره، ثم يقع بهم العذاب على كفرهم. وأما ما أشكل مِنْ أمر مَنْ يعذب من الموحدين فالرحمة سابقة في حقهم أيضاً، ولولا وجودها لخلدوا أبداً. وقال الطيبي: في سبق الرحمة إشارة إلى أن قسط الخلق منها أكثر من قسطهم من الغضب وأنها تنالهم من غير استحقاق وأن الغضب لا ينالهم إلا باستحقاق، فالرحمة تشمل الشخص جنيناً ورضيعاً وفطيماً وناشئاً قبل أن يصدر منه شيء من الطاعة، ولا يلحقه الغضب إلا بعد أن يصدر عنه من الذنوب ما يستحق معه ذلك أ. هـ كلام ابن حجر.
٦١١ - * روى الطبراني في الصغير والأوسط عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "قلت: يا جبريل أيصلي ربك جل ذكره؟ قال: نعم. قلت: ما صلاته؟ قال: سبوح قدوس سبقت رحمتي غضبي".
٦١٢ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع يجنته، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته".
وللترمذي في رواية أخرى (١)، قال: قال رسول الله ﷺ : "لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع في الجنة أحدٌ، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من الجنة أحد".
стр. 559
٦١٣ - * روى البخاري ومسلم عن عمر بن الخطاب ﵁، قال: قُدِم على رسول الله ﷺ بسبيٍ، فإذا امرأة من السبي تسعى، قد تَحلَّب ثديها، إذا وجدت صبياً في السبي أخذته، فألزقته بطنها فأرضعنه، فقال رسول الله ﷺ : "أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟ " قلنا: لا والله. فقال رسول الله: الله أرحم بعباده من هذه المرأة بولدها".
* * *
стр. 560
التلخيص
يدخل في الإيمان بالله الإيمان بوجوده وصفاته العليا وأسمائه الحسنى وأفعاله، وأنه لا فاعل إلا هو ولا خالق إلا هو، وأنه له المالكية والربوبية والألوهية والحاكمية، ولذلك فإن المكلفين من الإنس والجن مطالبون بالعبادة والعبودية على مقتضى الوحي الذي جاءنا به رسل الله عن الله، وكان خاتمة ذلك رسالة نبينا محمد ﷺ التي نُسخت بها الشرائع السابقة إلا ما أقرته منها، وقد جاءتنا مبينة واضحة في الكتاب والسنة، فعرفتنا رسالة نبينا ﷺ على الله وصفاته وأسمائه وحقوقه، وعلى واجباتنا تجاهه ففصلت لنا العبادة والعبودية.
- هناك معارك كبرى بين أهل الإسلام وبين أهل الفلسفات والأديان المعاصرة حول لمعرفة الحق لله ، وبتأمل بسيط يدرك من عرف العقيدة الإسلامية في باب الألوهية أنها قدمت الحق مصفى وأن ما سواها مما خالفها لا يقوم عليه دليل من عقل أو نقل.
- هناك معارك كبرى بين أهل السنة والجاعة وبين الفرق المنشقة عن جسم الأمة الإسلامية حول الذات الإلهية وصفاتها وما ينسب إليها وحول حقوقها وما لا يصح إلا لها وما يليق وما لا يليق، وقد فَصَّل في ذلك كله المحكم من كتاب الله، وقامت الحجة على هذه الفرق بفهم الراسخين في العلم من جماهير من ينتسب إلى الإسلام، وكان من فضل الله على هذه الأمة أنه لم يزل أكثريتها وأكثرية علمائها على الفهم الحق، ولم تتشكل فرقة ضالة في يوم من الأيام إن في عامتها أو في علمائها كثرة كاثرة، وكانت أعظم معاركنا الفكرية مع المعتزلة.
- هناك اختلافات بين بعض أهل الرواية وبين أهل الدراية ممن ينتسبون إلى أهل السنة والجماعة، وتتلخص هذه الاختلافات في الموقف من الصفات السمعية مع اتفاق الجميع على نفي التشبيه، وفي بعض ما يخدش التوحيد، وفي الموقف من تقليد الأئمة في الفروع، وفي ما يدخل في دائرة البدعة المكفرة أو المضللة أو المحرمة. وفهوم الراسخين في العلم ممن تواطأت أكثرية علماء الأمة على التسليم لهم كالبيهقي والنووي وابن حجر العسقلاني والعز
стр. 561
ابن عبد السلام والسيوطي يشهد لأهل الدراية.
- كل ما مضى يجعلنا نذكر المسلم بضرورة قراءة كتبب أهل السنة والجاعة من أهل الدراية في العقائد، فلكلام الختصين من الراسخين في العلم وزن ليس لكلام غيرهم.
فائدة: إن المعرفة الإلهية لا تتعمق بشيء كقراءة القرآن والإكثار من الأذكار المأثورة والدعوات التي وردت في الصلوات وغيرها، وسنخصص جزءاً في القسم الثالث للتلاوة كا سنخصص جزءاً للدعوات والأذكار في القسم نفسه، وستر معنا من الدعوات والأذكار في مناسبات متعددة، فمثل هذا يعمق الاعتقاد الحق وهو في الوقت نفسه من أرقى أنواع العبادة في الإسلام، والصلاة وأذكارها ودعواتها هي الأرق في هذا المرتقى.
وكثيرون من الناس بدلاً من أن يفطنوا إلى الجانب العملي في بعض النصوص، يدخلون في أنواع الجدل، فبدلاً من أن يفطنوا إلى الخشوع الذي يجب أن يفطن له من حديث "نصب الله وجهه لعبده في الصلاة"، وبدلاً من أن يفطنوا لرقابة الله إياهم في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (١) وبدلاً من أن يفطنوا لضرورة الدعوات في الثلث الآخر من الليل أخذاً من حديث النزول، يدخلون في جدل عقم لا يتابعون فيه الراسخين في العلم ولا يلحظون ما يترتب على كلامهم من تشبيه وإيجاد تعارض بين النصوص، ولو أنهم سلموا للنصوص مع التنزيه أو تابعوا الراسخين في العلم على تأويلهم لكان أسلم لهم: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ (٢). ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (٣).
- وإن من أقبل على الله بالعمل والإخلاص فتح الله على قلبه من ميادين المعرفة الإلهية ما لا يذوقه أهل الجدل الذي جعل الله أهله مظنة ضلال، "ما ضلَّ قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل" (٤).
стр. 562
الوصل الأول
في:
الوثنية في التاريخ
وفيه:
مقدمة وتعريف عن الوثنية
стр. 563
المقدمة
قال تعالى عن الأصنام على لسان إبراهم ﵊: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ (١).
جاء هذا النص في سياق كلام إبراهم ﵇ في القرآن عن الأصنام: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ (٢).
فن المعروف أن نوحاً وإبراهم ﵉ بعثا في بلاد ما بين الرافدين دجلة والفرات، وأنهما بعثا وعبادة الأصنام منتشرة، وقول إبراهيم ﵇ الذي صدرنا به هذا الوصل يشير إلى كثرة من ضل بسبب الأصنام، وذلك أن الإنسان إذا جانب ما توصل إليه العقول والنقول انحصر في خيالاته، وكلما ابتعد عن قضايا العقول والنقول أوصلته خيالاته إلى التمثيل فالتجسيد الرمزي فالوثنية والشرك، لذلك نجد أن الوثنية تسربت إلى كثير من أهل الأديان السماوية فضلاً عن غيرهم، ولذلك نلاحظ أن الإسلام حض المسلم في كثير من النصوص على التسبيح في الصلاة وغيرها لاحتياج القلب البشرى إلى التغذية بالتنزيه بشكل دائم، ولذلك كان للإسلام موقف من التصوير نعرف تفصيلاته في غير هذا المكان.
ولقد حدثتنا نصوص العهد القديم عند اليهود في أكثر من مكان عن تسرب عبادة البعل إلى اليهود، وذكر ذلك القرآن على لسان إلياس ﵇: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾ (٣)، وكان البعل هو الصنم الذي تنسب إليه مدينة بعلبك في بلاد الشام، ومن بلاد الشام أخذ عمرو بن لحي عبادة الأصنام وأدخلها إلى مكة، ومنها انتشرت في جزيرة العرب.
والديانة البرهمية انقلبت إلى ديانة وثنية، والديانة البوذية انقلبت إلى ديانة وثنية، وغلبت الوثنية في أكثر أدوار التاريخ على بلاد ما بين الرافدين، وغلبت الوثنية وتأليه الإنسان على الديانات المصرية القديمة، وكانت ديانةُ الرومان الذين سيطروا على أكثر العالم
стр. 564
القديم وثنيةً، وكذلك اليونان الذين سيطروا بقيادة الإسكندر المكدوني على كثير من مناطق العالم القديم كانوا وثنيين، والوثنية هي الأصل في إفريقيا لولا دخول الأديان السماوية إليها، ولقد دخلت الوثنية زائدة على تأليه المسيح- ﵇ على الديانة النصرانية في صور كثيرة: في صور الأيقونات، وتقديم شيء من العبادات لتماثيل من أنواع شتى، وفي صورة عبادة الصليب، ولذلك فإن على المسلم أن يحذر طروء شيء من الوثنية إليه بأن يحذر ابتداءً من تخيلاته في شأن الذات الإلهية، فكل ما خطر ببالك فالله خلاف ذلك: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١)، وليحذر انتهاءً من التماثيل وأن يدخلها بيته.
إن في العالم ديانات تواجه الإسلام، وبعض هذه الديانات أصولها سماوية قطعاً كاليهودية والنصرانية، وبعضها ليست سماوية جزماً كالسيخية، وبعضها لا نستطيع الجزم بشيء عن أصولها لكنا نؤمن أن الله لم يترك أمة بلا رسالة، قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٢).
﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (٣).
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ (٤).
قال ﵊: "ألا إنكم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله" (٥). فنحن نجزم أنه قد أرسل إلى كل أمة رسولٌ ثم ختمت الرسالات بمحمد ﷺ ، وكانت رسالة عامة للعالمين: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٦)، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٧).
ولكنا لا نستطيع الجزم بشيء عن أصول بعض الديانات إلا إذا جاءنا شيء في كتاب ربنا أو سنة رسولنا ﵊ في شأنه، وهاك تعريفاً مختصراً عن الوثنية في بعض الأديان:
стр. 565
تعريف عن الوثنية في بعض الأديان
١ - الوثنية في الديانات المصرية القديمة
قال أبو زهرة في كتابه (مقارنات الأديان):
"فكل مدينة كانت لها آلهتها. فكان موطن أوزيروس في أبيدوس، وفتاح في ممفيس، وآمون في طيبة، وهوروس في إدفو، وهاتور في دندرة، إلخ ... " أ. هـ.
ثم تحدث أبو زهرة عن أسطورة أوزيريس وإيزيس وتوت وهنوروس وسيت، ثم تحدث عن مينا الأول الذي وحَّد مصر تحت سلطانه وأعلن تأليه نفسه بحلول هوروس وسيت فيه.
٢ - وثنية الرومان
قال أبو زهرة في كتابه (مقارنات الأديان) عن وثنية الرومان:
"عددوا أربابهم بتعدد مظاهر الطبيعة التي تتجلى فيها أوامر آلهتهم ونواهيها، فهناك رب ينبت البذر، وآخر يحمي الحقل، وثالث يحرس الثمار وهكذا، ولكل رب اسمه وجنسه وعمله، فعندهم للسماء إله وللحرب إله وللشجاعة إله كما عند اليونان وسموا إله السماء جوبتر وإله الحرب مارس وإله الشجاعة هوكوليس، وهو ما يسمى عند اليونان هركليس؛ وقد قبسوا أيضاً بعض أسماء آلهتهم وخواصها من المصريين القدماء، فعندهم إيزيس إله القمر وأوزيريس إله الزراعة ومراميس إله الشفاء، وكلها أسماء مصرية لآلهة مصرية، وإن الأرباب قد تعددت عند الرومان جداً، فلكل مظهر من مظاهر الحياة رب، ولكل قوة في الإنسان رب، فعندما يولد الطفل يأتيه رب يعلمه النطق، وربة تعلمه الشرب، وأخرى تقوي عظامه، وربان يرافقانه إلى المدرسة، وآخران يرجعان به. ويعتقدون أن هناك أرباباً للمدينة، وللكتابة وللجبل، ولكل نهر، ولكل نبع، ولكل شجرة رب خاص، ولقد قال الكاتب اللاتيني بترون في إحدى قصصه على لسان امرأة صالحة: "إن بلادنا غاصة بالأرباب، بحيث يسهل عليك أن تلقى فيها رباً من أن تصادف رجلاً".