← Акыда

Акыда · id 18338

الأساس في السنة وفقهها - العقائد الإسلامية

سعيد حوى

Полный текст (1 514 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

ابن عبد السلام والسيوطي يشهد لأهل الدراية. - كل ما مضى يجعلنا نذكر المسلم بضرورة قراءة كتبب أهل السنة والجاعة من أهل الدراية في العقائد، فلكلام الختصين من الراسخين في العلم وزن ليس لكلام غيرهم. فائدة: إن المعرفة الإلهية لا تتعمق بشيء كقراءة القرآن والإكثار من الأذكار المأثورة والدعوات التي وردت في الصلوات وغيرها، وسنخصص جزءاً في القسم الثالث للتلاوة كا سنخصص جزءاً للدعوات والأذكار في القسم نفسه، وستر معنا من الدعوات والأذكار في مناسبات متعددة، فمثل هذا يعمق الاعتقاد الحق وهو في الوقت نفسه من أرقى أنواع العبادة في الإسلام، والصلاة وأذكارها ودعواتها هي الأرق في هذا المرتقى. وكثيرون من الناس بدلاً من أن يفطنوا إلى الجانب العملي في بعض النصوص، يدخلون في أنواع الجدل، فبدلاً من أن يفطنوا إلى الخشوع الذي يجب أن يفطن له من حديث "نصب الله وجهه لعبده في الصلاة"، وبدلاً من أن يفطنوا لرقابة الله إياهم في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (١) وبدلاً من أن يفطنوا لضرورة الدعوات في الثلث الآخر من الليل أخذاً من حديث النزول، يدخلون في جدل عقم لا يتابعون فيه الراسخين في العلم ولا يلحظون ما يترتب على كلامهم من تشبيه وإيجاد تعارض بين النصوص، ولو أنهم سلموا للنصوص مع التنزيه أو تابعوا الراسخين في العلم على تأويلهم لكان أسلم لهم: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ (٢). ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (٣). - وإن من أقبل على الله بالعمل والإخلاص فتح الله على قلبه من ميادين المعرفة الإلهية ما لا يذوقه أهل الجدل الذي جعل الله أهله مظنة ضلال، "ما ضلَّ قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل" (٤).

стр. 562

الوصل الأول في: الوثنية في التاريخ وفيه: مقدمة وتعريف عن الوثنية

стр. 563

المقدمة قال تعالى عن الأصنام على لسان إبراهم ﵊: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ (١). جاء هذا النص في سياق كلام إبراهم ﵇ في القرآن عن الأصنام: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ (٢). فن المعروف أن نوحاً وإبراهم ﵉ بعثا في بلاد ما بين الرافدين دجلة والفرات، وأنهما بعثا وعبادة الأصنام منتشرة، وقول إبراهيم ﵇ الذي صدرنا به هذا الوصل يشير إلى كثرة من ضل بسبب الأصنام، وذلك أن الإنسان إذا جانب ما توصل إليه العقول والنقول انحصر في خيالاته، وكلما ابتعد عن قضايا العقول والنقول أوصلته خيالاته إلى التمثيل فالتجسيد الرمزي فالوثنية والشرك، لذلك نجد أن الوثنية تسربت إلى كثير من أهل الأديان السماوية فضلاً عن غيرهم، ولذلك نلاحظ أن الإسلام حض المسلم في كثير من النصوص على التسبيح في الصلاة وغيرها لاحتياج القلب البشرى إلى التغذية بالتنزيه بشكل دائم، ولذلك كان للإسلام موقف من التصوير نعرف تفصيلاته في غير هذا المكان. ولقد حدثتنا نصوص العهد القديم عند اليهود في أكثر من مكان عن تسرب عبادة البعل إلى اليهود، وذكر ذلك القرآن على لسان إلياس ﵇: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾ (٣)، وكان البعل هو الصنم الذي تنسب إليه مدينة بعلبك في بلاد الشام، ومن بلاد الشام أخذ عمرو بن لحي عبادة الأصنام وأدخلها إلى مكة، ومنها انتشرت في جزيرة العرب. والديانة البرهمية انقلبت إلى ديانة وثنية، والديانة البوذية انقلبت إلى ديانة وثنية، وغلبت الوثنية في أكثر أدوار التاريخ على بلاد ما بين الرافدين، وغلبت الوثنية وتأليه الإنسان على الديانات المصرية القديمة، وكانت ديانةُ الرومان الذين سيطروا على أكثر العالم

стр. 564

القديم وثنيةً، وكذلك اليونان الذين سيطروا بقيادة الإسكندر المكدوني على كثير من مناطق العالم القديم كانوا وثنيين، والوثنية هي الأصل في إفريقيا لولا دخول الأديان السماوية إليها، ولقد دخلت الوثنية زائدة على تأليه المسيح- ﵇ على الديانة النصرانية في صور كثيرة: في صور الأيقونات، وتقديم شيء من العبادات لتماثيل من أنواع شتى، وفي صورة عبادة الصليب، ولذلك فإن على المسلم أن يحذر طروء شيء من الوثنية إليه بأن يحذر ابتداءً من تخيلاته في شأن الذات الإلهية، فكل ما خطر ببالك فالله خلاف ذلك: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١)، وليحذر انتهاءً من التماثيل وأن يدخلها بيته. إن في العالم ديانات تواجه الإسلام، وبعض هذه الديانات أصولها سماوية قطعاً كاليهودية والنصرانية، وبعضها ليست سماوية جزماً كالسيخية، وبعضها لا نستطيع الجزم بشيء عن أصولها لكنا نؤمن أن الله لم يترك أمة بلا رسالة، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٢). ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (٣). ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ (٤). قال ﵊: "ألا إنكم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله" (٥). فنحن نجزم أنه قد أرسل إلى كل أمة رسولٌ ثم ختمت الرسالات بمحمد ﷺ ، وكانت رسالة عامة للعالمين: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٦)، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٧). ولكنا لا نستطيع الجزم بشيء عن أصول بعض الديانات إلا إذا جاءنا شيء في كتاب ربنا أو سنة رسولنا ﵊ في شأنه، وهاك تعريفاً مختصراً عن الوثنية في بعض الأديان:

стр. 565

تعريف عن الوثنية في بعض الأديان ١ - الوثنية في الديانات المصرية القديمة قال أبو زهرة في كتابه (مقارنات الأديان): "فكل مدينة كانت لها آلهتها. فكان موطن أوزيروس في أبيدوس، وفتاح في ممفيس، وآمون في طيبة، وهوروس في إدفو، وهاتور في دندرة، إلخ ... " أ. هـ. ثم تحدث أبو زهرة عن أسطورة أوزيريس وإيزيس وتوت وهنوروس وسيت، ثم تحدث عن مينا الأول الذي وحَّد مصر تحت سلطانه وأعلن تأليه نفسه بحلول هوروس وسيت فيه. ٢ - وثنية الرومان قال أبو زهرة في كتابه (مقارنات الأديان) عن وثنية الرومان: "عددوا أربابهم بتعدد مظاهر الطبيعة التي تتجلى فيها أوامر آلهتهم ونواهيها، فهناك رب ينبت البذر، وآخر يحمي الحقل، وثالث يحرس الثمار وهكذا، ولكل رب اسمه وجنسه وعمله، فعندهم للسماء إله وللحرب إله وللشجاعة إله كما عند اليونان وسموا إله السماء جوبتر وإله الحرب مارس وإله الشجاعة هوكوليس، وهو ما يسمى عند اليونان هركليس؛ وقد قبسوا أيضاً بعض أسماء آلهتهم وخواصها من المصريين القدماء، فعندهم إيزيس إله القمر وأوزيريس إله الزراعة ومراميس إله الشفاء، وكلها أسماء مصرية لآلهة مصرية، وإن الأرباب قد تعددت عند الرومان جداً، فلكل مظهر من مظاهر الحياة رب، ولكل قوة في الإنسان رب، فعندما يولد الطفل يأتيه رب يعلمه النطق، وربة تعلمه الشرب، وأخرى تقوي عظامه، وربان يرافقانه إلى المدرسة، وآخران يرجعان به. ويعتقدون أن هناك أرباباً للمدينة، وللكتابة وللجبل، ولكل نهر، ولكل نبع، ولكل شجرة رب خاص، ولقد قال الكاتب اللاتيني بترون في إحدى قصصه على لسان امرأة صالحة: "إن بلادنا غاصة بالأرباب، بحيث يسهل عليك أن تلقى فيها رباً من أن تصادف رجلاً".

стр. 566

ولقد أتى عهد على الرومان كانوا يعبدون فيه تلك الآلهة المتعددة من غير أن يتخذوا لها تماثيل، بل كانوا يعبدونها من غير تماثيل خاصة لكل إله، فلم يكن في رومية في ذلك العهد صنم، ثم اتخذوا بعد ذلك الأصنام من الخشب أولاً، ثم اتخذوها من الرخام على مثال أصنام اليونان" أ. هـ. ٣ - وثنية اليونان قال أبو زهرة في كتابه (مقارنات الأديان) عن اليونان: "ألَّهوا السماء والأرض والبحر، والشمس، والزمن، ولكنهم لم يقفوا عند هذا الحد، بل لحظوا بعد ذلك الصفات الأدبية في الأحياء، وفنونهم، وما يؤثر فيهم فجعلوا لكل واحد منها إلهاً أو آلهة، ومن هذه الآلهة هيرا ربة القوة المنتجة في الطبيعة وآريس أو المريخ إله الحرب، وأبولون إله الموسيقى والنور، وهراميس رسول الآلهة ورب الفصاحة والبيان، وأثينا ربة الحكة وأفروديت ربة الحب الجميل، وديونيسوس رب الخمر والتمثيل- و"لتيراجيني" أو المحزن. وكان لكل مدينة أربابها الخاصة بها، ومعبودات لها كثيرة؛ وإن اتحدت في الاسم مع أرباب المدينة الأخرى فالمسمى يختلف، فأبولون في مدينة ليس هو أبولون في مدينة أخرى، وإن اتحد الاسمين، ولكن مع هذا الاختلاف كانت هناك أرباب كثيرة أجمع اليونان في الجملة على عبادتها وتقديسها كالسماء والأرض والبحر، ولها في كل مكان معبد خاص بها، أو مزار يتقرب فيه إليها؛ وإن الأرباب التي يشترك اليونان في تقديسها كثيرة جداً، وكلها يمثل أعظم القوى الطبيعية تأثيراً في الكون، ومن هذه زيوس المشترى، وهيرا وأثينا وأرتيس وهرميس (عطارد) وأريس (المريخ) وأفروديت (الزهرة) وكرنوس (زحل) وهكذا. ولقد صوروا لكل رب من هذه الأرباب تمثالاً يعبد، ولقد كان للتماثيل الكبيرة محالٍّ خاصة بها يزعمون أن الآلهة توحي إليهم فيها على لسان الكهنة، ويتقربون في تلك المحال للآلهة بالقرابين والنذور، وأشهرها معبد (دلفي) لأبولون بمدينة (فوكيس) " أ. هـ.

стр. 567

٤ - وثنية الهندوس يقول محمد فريد وجدي في (دائرة معارفه) عن البرهمية: "للبراهمة صنم اسمه برهماً له أربعة أوجه وأربعة أيد، في يده الأولى كتابهم المقدس (الفيدا) وفي يده الثانية ملعقة، وفي يده الثالثة سبحة، وفي يده الرابعة إناء فيه ماء. ولديهم صنم ثان للإله فيشنو ابن برهما، وله أربعة أيد، في الأولى بوق من الصدف، وفي الثانية حلقة عند إدارتها تخرج منها نار لا يستطيع أحد مقاومتها فيما يقولون، وفي الثالثة هراوة. وفي الرابعة غصن من الزهر. ولديهم صم ثالث للإله سيفا، وله أربع أيد، في الأولى صولجان، وفي الثانية حبل يشد به المذنبين، أما يداه الأخريان فلا شيء فيهما، وله عين ثالثة في جبهته وقلادة في عنقه من رءوس البشر. والبراهمة يقدسون البقر ويحرمون ذبحها معتقدين أن الأرواح الطاهرة تحل أجسادها، وكثيراً ما نشأ من هذه العقيدة معارك بينهم وبين مسلمي الهند في عيد الأضحى. وهم يقدسون الثعابين والتماسيح وغيرها، ويعتبرون نهر الغانج مقدساً وأن الانغماس فيه يطهر الذنوب، ولذا يحج إليه في كل عام ملايين منهم" ا. هـ. ويقول أبو الحسن الندوي في كتابه: (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين) عن وثنية الديانة البرهمية: "قد بلغت الوثنية أوْجها في القرن السادس، فقد كان عدد الآلهة في "ويد" ثلاثة وثلاثين، وقد أصبحت في هذا القرن ٣٣٠ مليون. وقد أصبح كلُّ شيء رائع وكل شيء جذابٍ وكلُّ مرفقٍ من مرافق الحياة إلهاً يُعبدُ. وهكذا جاوزت الأصنام والتماثيل والآلهة والإلاهات الحصر، وأربت على العد، فمنها أشخاص تاريخية، وأبطال تمثل فيهم الله- كما زعموا - في عهود وحوادث معروفة، ومنها جبال تجلى عليها بعض آلهتهم، ومنها معادن كالذهب والفضة تجلى فيها إله، ومنها نهر الكنج الذي خرج من رأس "مهاديو" الإله،

стр. 568

ومنها آلات الحرب والات الكتابة وآلات التناسل، وحيوانات أعظمها البقرة، والأجرام الفلكية، وغير ذلك". أ. هـ. ٥ - وثنية الصين تسود الصين ثلاث ديانات: الديانة الطاوية، ومؤسسها لوتس فقد انقلبت إلى ديانة وثنية في عهد قريب من عهد مؤسسها، والديانة الكونفوشوسية وقد مرت عهود على أتباعها كانوا لا يعتقدون بإله معين بل كانوا يعبدون ما شاءوا من الأشجار والأنهار، والبوذية انقلبت إلى وثنية كما سنرى (راجع: ماذا خسر العالم). ٦ - الوثنية في الديانة البوذية لقد ذابت البوذية في البراهية ما عدا خروجها عليها في نظام الطبقات وأشياء أخرى واعتقد البوذيون ألوهية بوذا فنصبوا له التماثيل في كل مكان حلت فيه دياناتهم وتقدموا له بالعبادة. يقول الدكتور أحمد شلبي في كتابه (أديان الهند الكبرى): "ولكن البوذية بدأت تنكمش بعد بوذا، وقد سبق أن ذكرنا أن من أهم أسباب إنكماشها أنها لم تعن بالكلام عن الإله، وبعبارة أخرى تركت فراغاً كبيراً في نفوس أتباعها، وبمرور الزمن ملأ أتباعُها هذا الفراغ بآلهة الهندوس أو بعبادة بوذا نفسه واتخاذه إلهاً، ويتصل بهذا أيضاً أن بوذا لم يبن معابد، ولم يأمر أتباعه بممارسة أي لون من ألوان العبادة، وبسبب هذا لجأ أتباع بوذا إلى معابد الهندوس فوضعوا فيها تمثال بوذا، وأصبح كل ما زاد هو إله جديد أُضيف إلى آلهة الهندوس المتعددة، والعقل الهندي يرحب بمزيد من الآلهة. وهكذا أخذت البوذية تتلاشى في الهندوسية، وأخذت الهندوسية تمتصها أو تمتص أتباعها يوماً بعد يوم". أ. هـ.

стр. 569

٧ - وثنية العرب أما وثنية العرب فقد وصفها الأستاذ الندوي في كتابه (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين) وكان من كلامه: "وهكذا انغمست الأمة في الوثنية وعبادة الأصنام بأبشع أشكالها، فكان لكل قبيلة أو ناحية أو مدينة صنم خاص، بل كان لكل بيت صنم خصوصي. قال الكلبي: كان لأهل كل دار من مكة صنم في دارهم يعبدونه، فإذا أراد أحدهم السفر كان آخر ما يصنع في منزله أن يتمسح به. وإذا قدم من سفر كان أول ما يصنع إذا دخل منزله أن يتمسح به أيضاً. واستُهْتِرَت العرب في عبادة الأصنام، فمنهم من اتخذ بيتاً، ومنهم من اتخذ صنماً، ومن لم يقدر عليه ولا على بناء بيت نصب حجراً أمام الحرم، وأمام غيره، مما استحسن، ثم طاف به كطوافه بالبيت وسموها الأنصاب. وكان في جوف الكعبة- البيت الذي بني لعبادة الله وحده- وفي فنائها ثلاثمائة وستون صنماً، وتدرجوا من عبادة الأصنام والأوثان إلى عبادة جنس الحجارة. روى البخاري عن أبي رجاء العطاردي قال: كنا نعبد الحجر، فإذا وجدنا حجراً هو خير منه ألقيناه وأخذنا الآخر، فإذا لم نجد حجراً، جمعنا حثوة من تراب، ثم جئنا بالشاة فحلبنا عليه ثم طفنا به. وقال الكلبي: كان الرجل إذا سافر فنزل منزلاً أخذ أربعة أحجار، فنظر إلى أحسنها فاتخذه رباً، وجعل ثلاث أثافي لِقِدَرِهِ، وإذا ارتحل تركه. وكان للعرب- شأن كل أمة مشركة في كل زمان ومكان .. آلهة شتى من الملائكة والجن والكواكب، فكانوا يعتقدون أن الملائكة بنات الله، فيتخذونهم شفعاء لهم عند الله ويعبدونهم، ويتوسلون بهم عند الله، واتخذوا كذلك من الجن شركاء لله وآمنوا بقدرتهم وتأثيرهم وعبدوهم. قال الكلبي: كانت بنو مليح من خزاعة يعبدون الجن، وقال صاعد: كانت حِمْيَر تعبد الشمس، وكنانة القمر، وتميم الدبران، ولخم وجذام المشترى، وطين سهيلاً، وقيس

стр. 570

الشِّعري العبور، وأسد عطارداً" ا. هـ. هذه بعض مظاهر الوثنية في تاريخ العالم وكثير منها لا زال مستمراً، والإلحاد في عصرنا لا يخرج عن كونه نوعاً من أنواع الوثنية، إذ يخلع الملحدون على الكون كله صفات الألوهية من خلق وإبداع وإحياء وإماتة فتأمل حال الإنسان في وثنيته لتدرك مِنَّة الله على الإنسان في إرساله محمداً ﷺ بالتوحيد الذي يجعل الإنسان سيد الأكوان ويقيمه عبداً لله وحده، بينما الوثنية تجعل الإنسان عبداً لشجرٍ أو حجرٍ أو قمرٍ أو شمسٍ أو كوكبٍ أو إنسانٍ أو الكون كله. قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ (١)، إنه شتان بين أن يتوجه الإنسان إلى خالقه الأوحد وإلى المنعم عليه بالعبادة مشاركاً هذا الوجود كله في التوجه إلى الله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ (٢)، وبين ذلك الإنسان الذي يتوجه إلى أنواع من الخلوقات بالعبادة محتاراً في أيها يقدم ولأنها يتقرب، فيالانتكاسة العقل ويالسفاهة الأحلام، إنه من خلال هذا وحده يدرك سر قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٣). وإننا نلفت نظر بعض المتهوسين الذين لا همَّ لهم إلا أن يرموا أهل الإسلام بالشرك دون مستندٍ قطعي من كتاب أو سنة، فنراهم يفهمون النصوص على غير فهم الراسخين في العلم فيقذفون هذا بنوع من الشرك، ويقذفون هذا بنوع آخر.

стр. 571

الوصل الثاني في: التثليث ونسبة الولد إلى الله تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً

стр. 572

قال تعالى: ﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ (١). ورد هذا النص في سياق قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (٢). فالآية تشير إلى أن نسبة الولد إلى الله كانت موجودة في ديانات سابقة، ومن تأمل هذه النِّحلة وما يلزم عليها من لوازم النقص على الله من تشبيهه بالحوادث وما يحيط بها من نقص الاحتياج إلى الزوجة والولد، ومن اتصافه بصفات الحوادث من تجزئة وتبعيض وشوق وشهوة أدرك مقدار الزلل في العقل البشري، إذ يصف الله بهذا الوصف، فيعرف المكلف نعمة الله على البشرية ببعثة محمد ﷺ ليرجع الناس إلى التنزيه والتوحيد: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ (٣). ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ (٤). ومن أشهر الأديان القديمة التي قالت بالبنوة لله- تعالى عن ذلك- البراهية والبوذية والديانات المصرية القديمة، فأن يذكُر الله قول اليهود في عزيرٍ وقول النصارى في المسيح مضاهاة لقول الذين كفروا من قبلُ، فتلك من معجزات القرآن الكبرى. إن البراهمة يقولون بالتثليث مع قولهم بالتعدد الكثير، فأكبر آلهتهم في زعمهم "براهما" ثم "سيفا" أو "سيو" ثم "ويشنو" ويعتقدون أن "ويشنو" هو الابن "لبراهما"، ويعتقدون أن "ويشنو" الابن حل في أحد رجالاتهم المسمى "كرشنة"، ويعتقدون فيه ها يعتقده المسيحيون في المسيح. يقول فريد وجدي في دائرة معارفه: "حدثت في الهنرد عقيدة التثليث فتغلبت على توحيدهم السابق فرأيناهم يعبدون إلها واحداً ذا ثلاثة أصولٍ (برهما وفيشنو وسيفا)، وقد

стр. 573

خلف فيشنو أباه برهما في نظر الهنود فصاروا لا يوجهون عبادتهم إلا إليه، أما برهما فتركوه في راحة زاعمين أنه أدى وظيفته وانتهى دوره" أ. هـ. وينقل أبو زهرة في مقارناته بين الأديان عن كتاب تاريخ الهند المجلد الثاني ما يلي: (كرشنة: هو الخلص والفادي والمعزي والراعي الصالح والوسيط وابن الله والأقنوم الثاني من الثالوث المقدس، وهو الآب والابن وروح القدس". قد مجد الملائكة ديفاكي والدة كرشنة ابن الله. وقالوا يحق للكون أن يفاخر بابن هذه الطاهرة) ا. هـ. وينقل أبو زهرة في مقارناته بين الأديان عن كتاب دوّان وكتاب الملاك المسيح عن بوذا: (كان تجسد بوذا بواسطة حلول روح القدس على العذراء مايا). (لما نزل بوذا من مقعد الأرواح ودخل في جسد العذراء مايا صار رحمها كالبلور الشفاف النقي وظهر بوذا فيه كزهرة جميلة). (وقد عمد بوذا المخلص حين عمادته بالماء وكان روح الله حاضراً وهو لم يكن الإله العظيم فقط بل وروح القدس الذي فيه صار تجسد كوتاما لما حل على العذراء مايا) ا. هـ. ولقد قال المصريون القدامى بالتثليث: "أوزيريس"- "إيزيس" زوجته ومنهما جاء "هوروس"، ومن اعتقاداتهم- كما في كتاب (مقارنات بين الأديان) -: (إن روح الإله هوروس ذات ثلاث شعب أولاها: الروح الدنيا، وهي التي تحل في فرعون الزمان، ثم تنتقل إلى من يليه، وتفيض عليه بقدسيتها، والثانية: الروح العليا الحاكمة في السموات والأرضين، والثالثة: روح تبقى في جسد فرعون الميت، وتقوم بالنصح لفرعون الحي. ولا تبقى هذه الروح إلا إذا بقي الجسم متماسكاً، ولذا أعملوا الحيلة لذلك، وبنوا الأهرام وشيدوها لتكون حفاظاً للجسم) ا. هـ. أقول: وهكذا نجد إحدى الأباطيل الكبرى تنتقل من أمة إلى أمة في باب الإلهية حتى بعث الله محمداً ﷺ بالدين الحق فوضع الأمر في نصابه، قال تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا

стр. 574

مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ * وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ * وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (١). لقد تأقلم أهل الكتاب على الكفر، وتأقلم المشركون على الشرك واستمروا عليه ودأبوا فيه ولا يكونوا لينفكوا عنه، فأرسل الله محمد ﷺ ليكسر هذا الاستمرار علي الباطل ويرجع الناس إلى الدين الحق بكتابٍ آياته ظاهراتٌ بيناتٌ واضحاتٌ. فالحمد لله رب العالمين. * * *

стр. 575

الوصل الثالث في: "إن الدين عند الله الإسلام "

стр. 576

إن من عرف الله وعرف أنه متصف بالعلم والإرادة والقدرة وغير ذلك من الصفات الوجودية، وعرف أنه متصف بالقيومية والوحدانية وغير ذلك من الصفات السلبية، وعرف أنه الرب والمالك والإله، وأن من مقتضيات ذلك أن تكون له المالكية والحاكمية، ومن عرف أنه متصف بالرحمة والعدل والهداية، إن من عرف هذا كله لم يستغرب أن يبعث الله رسلاً يبينون لمن يدركون الخطاب من الخلوقات وهم الإنس والجن الدين الحق والعبادة الحق والشريعة الحق. وقد جرت سنته ﷻ أن يرسل الرسل إلى الأمم، وختم رسالاته برسالة محمد ﷺ وجعلها عامة للإنس والجن وباقية خالدة، فالإنس والجن مكلفون بها إلى يوم القيامة. وقد بعث الله رسله جميعاً مطالبين الخلق بالإسلام لله رب العالمين، فذلك هو دينه الذي لا يقبل سواه. وبعد أن طرأ على الرسالات السماوية القديمة ما طرأ، بعث الله محمداً ﷺ بالقرآن المعجز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فكان القرآن بياناً لدينه الإسلام الحق مصدقاً لما بين يديه من الحق وناسخاً للباطل، كما أنه ناسخ لكل ما خالفه وحاكم على كل ما عداه، وبيَّن ﷻ فيه أنه قد أكد هذا الدين وأنه لن يقبل من أحد دينا سواه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١). ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (٢)، ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (٣)، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (٤). وكتاب هذا الدين هو القرآن، والشارح المعصوم له هو السنة، فنصوص الكتاب والسنة هي نصوص هذا الدين، وقد جعل الله كتابه: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (٥)، وفصَّل

стр. 577

رسول الله ﷺ بقوله وعمله وحاله وتقريره كل ما يحتاج إلى مزيد من التفصيل والبيان، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١). * * * وقد جاء الإسلام وهناك أديان قائمة، منها ما أصوله سماوية ثم حُرِّفت، ومنها ما هو غير ذلك، وأهل كل دين متمسكون بما هم عليه، وأهل الأديان هؤلاء أنفسهم متفرقون وكل فرقة متمسكة بما هي عليه من الهوى، وبعث الله محمداً ﷺ بالقرآن المعجزة الكبرى التي تضمنت معجزات كثيرة ليقيم الحجة على الخلق جميعاً وليكسر هذا الاستمرار على الباطل. ومن قبل بعثته ﷺ كانت توجد بجانب الأديان فلسفات وشرائع ومذاهب وضعية، فهناك فلسفة اليونان وشرائع الرومان ومذاهب الدهريين والملحدين، وقد جاء الإسلام بالحق في كل شيء وكان الحاكم على كل شيء، فأبطل ما كان باطلاً وأقر ما كان حقاً. * * * وبعد مسيرة طويلة للإسلام صارع فيها الإسلام كل الأباطيل، وتوسع فيها على حساب كل الديانات والمذاهب والفلسفات والشرائع ولا زال ينتشر ويتوسع، ومع وضوح حججه وأنه دين الفطرة فإنه ما زال كثير من الناس مستمرين على ديانات باطلة ورثوها وتعتبر استمراراً لأديان كانت موجودة قبل الإسلام: كالكونفوشيوسية والبوذية والبرهمية والجينية والمجوسية واليهودية والنصرانية وبقايا الوثنية، وهناك شرائع غير دينية أثرت في التشريعات العالمية كالتشريعات الرومانية، ونشأت بعد الإسلام ديانات باطلة كالسيخية، وبعض هذه الديانات الباطلة أنشأها أناس أصولهم مسلمون لكن ارتدوا كالقاديانية والبهائية كما رأينا، وقد نشأت قديماً وحديثاً مذاهب وفلسفات أصبحت عند أهلها تشكل بديلاً عن الأديان، أو تحجمها كالشيوعية والعلمانية، وكل ذلك يدخل في صراع مباشر مع الإسلام. ولقد تأثر بعض المسلمين بفكر أديان أخرى، ووجدت عند بعضهم اجتهادات خاطئة أو فهوم باطلة، فنشأت بسبب ذلك فِرَقٌ: بعضها قريب من الإسلام الصافي، وبعضها ابتعد

стр. 578

حتى ضل ضلالاً بعيداً، وبعضها كفر ولم يبق له في الإسلام نصيب. وقد مر معنا شيء من ذلك. وكل ذلك أثرٌ عن الجهل بالله الذي يستتبع الجهل بأن الدين عند الله هو الإسلام، فمن عرف الله أسلم له بدينه الذي ارتضاه وكلف به الإنس والجن وأقام الحجة على الخلق به، وهو الإسلام كا جاءت به نصوص القرآن وبينته السنة المطهرة. فعلى الفِرق التي انشقت عن جسم الأمة الإسلامية أن تعيد النظر في موقفها على ضوء الكتاب والسنة، وعلى أهل الأديان أن يدخلوا في الإسلام الحق، وعلى أهل المذاهب الفكرية والفلسفية والسياسية أن يدخلوا في الإسلام وينبذوا ما عداه، وعلى الذين تأثروا بالفكر الغريب عن الإسلام من أبناء المسلمين حكاماً ومحكومين أن يتوبوا إلى الله وأن يتوبوا إلى الإسلام عقيدة وعبادة وشريعة وصراطاً مستقيماً. وبدون ذلك فإن أحداً لا يعرف الله حق المعرفة ولا يعطي هذه المعرفة مقتضياتها وحقوقها. وأهم الأديان التي يواجهها الإسلام في عصرنا: اليهودية والنصرانية وبقايا الأديان الفارسية والديانات ذات المنشأ الهندي كالبراهمية والجينية والبوذية والسيخية، وهناك بقايا الوثنية المحضة وهناك الديانة الكونفوشيوسية. وأهم المذاهب الفلسفية السياسية التي يواجهها الإسلام: الفلسفة الشيوعية والفلسفة العلمانية التي فصلت الدين عن الدولة في كثير من بلدان العالم، ونجحت في أن تعطل شريعة الإسلام في كثير من أفكار المسلمين، وتتبناها أحزاب قومية وأحزاب وطنية، وبعض هذه الجهات تحاول أن تظهر وكأنها مسالمة للإسلام ولكنها في واقع الأمر تعطله. ومن المذاهب المعاصرة التي يواجهها الإسلام المذاهب الفلسفية والحياتية المتعددة الصور في الفقه والتاريخ والاجتماع. ومما يواجهه الإسلام الفكر الوجودي ومذاهبه العملية التي تقوم على فكرة الانطلاق كما تشاء الأهواء: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ (١).

стр. 579

ومما يواجهه الإسلام في عصرنا جهات متعددة كل منها أخذ على عاتقه أن يهدم جزءاً من الثقافة الإسلامية أو يوجه الدراسات توجيها مخرباً، ودائرتا اللغة العربية والتاريخ والمحاولات الكثيرة للتهديم وللتوجيه فيها نموذجان. وإن البشر ليسيئون إلى أنفسهم في الدنيا والآخرة إذ يرفضون الدخول في الإسلام أو ينحرفون عنه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (١). * * *

стр. 580

الوصل الرابع في: "ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه " وفيه: مقدمة ونقول

стр. 581

المقدمة إنه مع قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (١)، فقد وُجد من يزعم أنه من أسلم لله من خلال الفلسفة أو من خلال دين من الأديان القديمة، فإنه يكون قد أدى حق الله عليه، وقد قطع الله الطريق على أمثال هذه الأوهام فقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ (٣). وإنه من يعرف الأديان التي عليها الناس اليوم ويقارنها بالإسلام يعرف نعمة الله إذ طالبنا بالإسلام وحده ولم يقبل منا غيره، فقد آل أمر الأديان إلى ما لا يطاق عقلاً أو عملاً. ولعل دراسة بسيطة لبعض الأديان التي كانت زمن إرسال رسول الله ﷺ ترينا عملياً أنها لا تستحق أن يستمر عليها الإنسان وترينا نعمة الله على البشرية إذ أرسل لها محمداً ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٤)، لقد بعث محمد ﷺ ليقطع استمرارية الناس على ما هم فيه من كفر وشرك، وها نحن نجول بك جولة تأخذ بها تصوراً سريعاً عن بعض هذه الشؤون: إن الرحمة العظمى ببعثة محمد ﷺ تظهر في صور كثيرة؛ من ذلك هدى الله إلى معرفته الحق وإلى عبادته الحق وإلى صراطه الحق وجعل كتابه معجزة تحوي معجزات وذلك من مظاهر الرحمة، قال تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٥). ومن تأمل ضلال الخلق إلى جهلهم بالله وعدم قيامهم بحقوق عبادته وعبوديته وما يترتب على ذلك من انحراف وظلم ومظالم وأمراض وحروب عرف بعض مظاهر الرحمة الإلهية ببعثة محمد ﷺ . ومن تأمل حال أهل الأديان المعروفة الآن في العالم وقارنها بالإسلام عرف رحمة الله ببعثته محمداً ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي

стр. 582

يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١)، إن هذه الآية فصلت في مظاهر رحمة الله ببعثة محمد ﷺ : إذ دلهم به على تقوى الله وعلى التكافل بين البشر بالزكاة وعلى الإيمان بآيات الله، ودلهم على القدوة الحق وهو رسول الله صلى لله عليه وسلم، ودلهم على ما هو خير وعلى ما هو منكر ووضع عنهم الأثقال والأغلال التي تحملها أصحاب الديانات، ودلهم على الجهة التي يجب أن ينصروها ويناصروها، ودلهم على ما يجب عليهم أن يفعلوه وما يصلحهم في أمر دنياهم وأخراهم، فهذا كله من مظاهر رحمة الله ببعثته محمداً ﷺ للعالمين. ومن تأمل الأديان التي عليها الناس اليوم عرف عظمة هذه الرحمة وقيمتها: فالديانة الكونفوشيوسية في الصين آلت إلى الوثنية والشرك فأتباع كونفوشيوس يعبدون السماء والملائكة وأرواح الآباء ويعتقدون أن السماء عالم حي متحرك، والبقية الباقية عندهم شيء من حكم سياسية أو اجتماعية فليس فيها هداية لله ولا لتعاليمه ولا لعبادته الحق. والديانة الطاوية في الصين آلت إلى وثنية وسلبية، والسلبية فيها كافية للقضاء على متبعيها؛ فالزهد الطلق والتسامح الطلق وعدم رد العدون كائناً ما كان كل ذلك كافٍ لخراب العالم. والديانة البرهمية في الهند تقوم على الوثنية وتأليه كل شيء، كما تقوم على مبدأ الطبقات ونظامه القاسي؛ فهناك منبوذون وهناك حرفيون وهناك المحاربون وهناك البراهمة المقدسون، وتقوم على فكرة التناسخ الخرافية التي تدعي أن الروح تنتقل من الإنسان إلى مخلوق أحط منه إن أساء إلا إذا دخل في رياضات تعذيبية لجسده، لو أن كل إنسان طبقها لكانت كافية لخراب هذا العالم. ومن عاداتهم القديمة التي أبطلها الإنجليز أن المرأة تحرق نفسها إذا مات زوجها، ومن عبادات البرهمي أن يمسح جبينه ببول البقر صباحاً ومساءً، والفأر عندهم لا يجوز قتله والبقرة مقدسة.

стр. 583

والديانة البوذية آلت إلى الوثنية وتعذيب الجسد. ولوأن البوذيين طبقوا ما آلت إليه البوذية تطبيقاً حرفياً لانتهوا وفنوا، فدين هذا شأنه مآل العالم على يديه إلى الهلاك. والديانة الجينية في الهند تقوم على تعذيب الجسد واحتقار الرأي العام. والديانة السيخية وهي ديانة حديثة النشوء لا تؤمن بالأنبياء أصلاً فن أين يعرف الإنسان هداية الله أصلاً. والديانة اليهودية استقرت على الحقد والكبرياء وعلى أحكام لا تقبل التطبيق، ولذلك فإنه مع قيام دولة لليهود فإنها تقوم في أكثر قوانينها على العلمانية رغم شدة حرصهم على إبراز الهوية الدينية. والديانة النصرانية استقرت على التثليث وعبادة الرسوم والأشكال والتماثيل، وعلى صور من التعذيب للجسد وعلى محاربة الفطرة مما يكفي- لو أن طبق ما يعتبر الأفضل عندهم- إلى خراب العالم، لذلك آلت دول العالم النصراني إلى العلمانية. والديانة المجوسية آلت إلى عبادة إلهين: أحدهما الشيطان، وإلى عبادة النيران ونكاح الأخت وتقديس الأكاسرة. من هذا الاستعراض السريع ندرك حكة الله ورحمته بالخلق إذ بعث محمداً ﷺ بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وندرك حكة من الحكم: لماذا لا يقبل الله ديناً غير دين الإسلام. تعرف على الإسلام وانظر ماذا يكون لو استجاب له كل إنسان، وتعرف على الأديان وانظر كيف يؤول إليه أمر العالم لواستجاب العالم لأي دين منها، فإنك تجد رحمة الله ببعثته محمداً ﷺ : ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ (١). وهاك نقولاً تصف لك صوراً عما في بعض الأديان المعاصرة لتعرف رحمة الله على العالمين ببعثته محمداً ﷺ وتعرف حكمة من حكم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (٢).

стр. 584

النقول ١ - نقول عن البرهمية بعد أن ذكر أبو الحسن الندوي كثرة آلهة البراهمة قال: زد إلى ذلك عبادتهم لإله التناسل لإلههم الأكبر "مهاديو"، وتصويرها في صورة بشعة، واجتماع أهل البلاد عليها من رجال ونساء وأطفال وبنات، زد إليه كذلك ما يحدث به بعض المؤرخين أن رجال بعض الفرق الدينية كانوا يعبدون النساء العاريات والنساء يعبدن الرجال العراة، وكان كهنة المعابد من كبار الخونة والفساق الذين كانوا يرزعون الراهبات والزائرات في أعز ما عندهن. وقال أبو الحسن عن نظام الطبقات: يقسم هذا القانون أهلَ البلاد إلى أربع طبقات ممتازة وهي: البراهمة، طبقة الكهنة ورجال الدين، شتري رجال الحرب، ويش رجال الزراعة والتجارة، شودر رجال الخدمة. (وقد منح هذا القانون طبقة البراهمة امتيازات وحقوقاً ألحقتهم بالآلهة فقد قال: إن البراهة هم صفوة الله وهم ملوك الخلق، وإن ما في العالم هو ملك لهم فإنهم أفضل الخلائق وسادة الأرض، ولهم أن يأخذوا من مال عبيدهم شودر- من غير جريرة- ما شاءوا؛ لأن العبد لا يملك شيئاً وكل ماله لسيده. وإن البرهمي الذي يحفظ رك ويد "الكتاب المقدس" هو رجل مغفور له ولو أباد العوالم الثلاثة بذنوبه وأعماله، ولا يجوز للملك حتى في أشد ساعات الاضطرار والفاقة أن يجبي من البراهمة جباية أو يأخذ منهم إتاوة، ولا يصح لبرهمي في بلاده أن يموت جوعاً، وإن استحق برهمي القتل لم يجز للحاكم إلا أن يحلق رأسه، أما غيره فيقتل. أما الشتري فإنهم وإن كانوا فوق الطبقتين، "ويش وشودر" ولكنهم دون البراهمة بكثير فيقول "منو": إن البرهمي الذي هو في العاشرة من عمره يفوق الشتري الذي ناهز مائة كما يفوق الوالد ولده. المنبوذون الأشقياء: أما شودر "المنبوذون" فكانوا في المجتمع الهندي- بنص هذا القانون المدني الديني- أحط من البهائم وأذل من الكلاب، فيصرح القانون بأن "من سعادة شودر

стр. 585

أن يقوموا بخدمة البراهمة وليس لهم أجر وثواب بغير ذلك، وليس لهم أن يقتنوا مالاً أو يدخروا كنزاً فإن ذلك يؤذي البراهمة، وإذا مد أحد من المنبوذين إلى برهمى يداً أو عصاً ليبطش به قطعت يده، وإذا رفسه في غضب فدعت رجله، وإذا همَّ أحد من المنبوذين أن يجالس برهمياً فعلى الملك أن يكوي استه وينفيه من البلاد. وأما إذا مسه بيد أو سبه فيقتلع لسانه، وإذا ادعى أنه يعلمه سقي زيتا فائزاً، وكفارة قتل الكلب والقطة والضفدعة والوزغ والغراب والبومة ورجل من الطبقة المنبوذة سواء" أ. هـ (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين). ٢ - نُقولٌ عن الجينية وهى إحدى الديانات الهندية قال الدكتور شلبي في كتابه: "أديان الهند": (وللوصول للنجاة يتحتم على الناسك ألا يوقع أذى بإنسان أو حيوان، وعليه أن يدرك أن احترام الحياة أقدس ما عني به مهاويرا، وعلى هذا يحرم عليه قتل الحيوان وبالتالي أكل اللحوم). (ولا بد للنجاة كذلك من قهر جميع المشاعر والعواطف والحاجات، ومؤدى هذا ألا يحس الراهب بحب أو كره، ولا بسرور أو حزن، ولا بحرٍّ أو برد، ولا بخوف أو حياء، ولا بجوع أو عطش، ولا بخير أو شر. والجيني بذلك يصل إلى حالة من الجمود والخمود والذهول فلا يشعر بما حوله، ودليل ذلك أن يتعرى فلا يحس بحياء ويُنتَف شعره فلا يتألم، لأنه لو أحس بما في الحياة من خير وشر أو نُظُمٍ متفقٍ عليها، فمعنى هذا أنه لا يزال متعلقاً بها خاضعاً لمقاييسها، وهذا يبعده عن النجاة. ولما كان أبرز ما في هذا التنظيم هو العري، والجوع حتى الموت، سميت الجينية دين العري ودين الانتحار. العري والانتحار في الجينية: وعن فكرة العري يقول أحد علماء الجينية في محاضرة له عنها: يعيش الرهبان الجينيون عراة، لأن الجينية تقول: ما دام المرء يرى في العري ما نراه نحن، فإنه لا ينال النجاة، فليس لأحد أن ينال نجاة مادام يتذكر العار، فعلى المرء أن ينسى ذلك بتاتاً ليتمكن من اجتياز بحر الحياة الزاخر، فطالما تذكر الإنسان أنهُ يُوجد خيرٌ

стр. 586

أو شر، حُسنٌ أو قبح فمعناه أنه لا يزال متعلقاً بالدنيا وبما فيها فلا يفوز بـ"موشكا" أي النجاة. (ويرى الجينيون أن الشعور بالحياء يتضمن تصور الإثم، وعلى العكس من ذلك فعدم الشعور بالحياء معناه عدم تصور الإثم وذلك زيادة في النقاء، فعلى كل ناسك يريد أن يحيا حياة بريئة من الإثم أن يعيش عارياً، ويتخذ من الهواء والسماء لباسا له. أما الانتحار فقد كان نتيجةً للتخلي عن كل عمل، وترك كل ما يغذي الجسم لعدم الإحساس بالجوع، ولقطع الروابط بالحياة، وللتدليل على أن الراهب أو الراهبة لم يبق له اهتمام بهذا الجسد الفاني، فهو يجيعه، وينتف شعره، ويعرضه لظواهر الطبيعة القاسية حتى الموت. وقد انتشر الانتحار بالجوع بين رهبان الجينيين قديماً) أ. هـ شلبي. ومن المعروف عند علماء الأديان: أن مهافيرا مؤسس الجينية عاش قبل أن يبدأ دعوته في وسط الرخاء وطيب العيش حيث انحدر من طبقة الكاشتريا طبقة الملوك والقواد والحكاء في الهندوسية. وكان وهو صغير يحب الجلوس إلى الرهبان والنساك، فتأثر بفلسفتهم وعزف عن المتع ومال إلى الرهبنة والزهد ونذر أن لا يتكلم اثني عشر عاماً، قضاها بالتأمل والتفكير وخرج بعدها ليعلن مذهبه للناس. وعندهم ما يعرف بالأصول السبعة لتطهير الروح: مثل أخذ العهود والمواثيق بوجوب التمسك بالخلق الحميد والتقليل من الحركات البدنية، والتحلي بالفضائل، والتفكير بالحقائق الأساسية، والسيطرة على متاعب الحياة التي تنشأ من الأعراض الجسمانية التي تنشأ من الجوع والبرد، والقناعة الكاملة، والطمأنينة. ولم يعترفوا بالله وذلك حتى لا ينشاً طبقة جديدة من البراهمة، ولكن خوفاً من الهندوسية اعترفوا بإلهة الهندوس. ويقول مهافيرا بالتناسخ لأن تخليص الروح من جسمها المادي لا يتم إلا بالتقشف والحرمان من الملذات فإذا انتهت روحه من ماديتها يرجع روحاً خالداً.

стр. 587

٣ - نقول عن البوذية قال أبو زهرة في كتابه "مقارنات الأديان" بعد أن ذكر الوصايا العشر عند البوذيين: (هذه هي الوصايا العشر التي يأخذ بها البوذي ليروض إرادته على ترك الملاذ، والعكوف على المجاهدة وتهذيب الذات، وتخفيف ويلات الحياة، ومنها ترى أنهم يحثون على عدم أخذ الذهب والفضة، كأنهما الأمر الذي تضل عنده الأفهام، وتستيقظ حوله المطامع وكأنهما مدخر اللذة، لاستعانة الناس بهما في اجتراع اللذات، واجترار الشهوات، ولهذا النهي عن اقتناء الذهب والفضة قال العلماء: إن البوذية تحث على عدم الملك، وتطالب البوذي أن لا يملك شيئاً ولا يقتني شيئاً. فهو يطلب طعامه يوماً بعد يوم، ولا يدخر من يومه إلى غده. ولقد كان هذا سبباً في أن ينقسم البوذيون إلى قسمين: أحدهما: البوذيون الدينيون الذين أخذوا انفسهم بالتعاليم السابقة لا يحيدون عنها قيد أنملة، وقيدوا أنفسهم بأنواع من الأطعمة لا يعدونها، ويحرمون كل شيء غيرها، ولا يلبسون إلا خشن الثياب ولا يرضون إلا جَشْبَ (١) العيش، لما راضوا أنفسهم عليه، من ترك كل لذات الحياة وراءهم ظهرياً، ليستولوا عليها ويمتنعوا عن آلامها. أما الفرقة الثانية: فهي الفرقة التي تركت هذه التعاليم ولكن رأت أن عليها واجب كفالة الفرقة التي ذكرناها. والمهم أن نعرف أن التعاليم التي آلت إليها البوذية لو أنها طبقت حرفياً لفنت البشرية). أهـ (مقارنات الأديان. ويعرف بعض علماء مقارنة الأديان البوذية بأنها: ديانة التأمل في الباطن والرحمة وإنكار الذات، ويبدومما ألف عن بوذا أنه كان وديع المعاملة رقيق الكلام رحيماً شفوقاً مما حببه إلى الناس وسبب لدعوته النجاح. وخلاصة الوصايا التي أوصى بها بوذا:

стр. 588

١ - لا تزهق روحاً، ٢ - لا تأخذ ما لا تستحق، ٣ - لا تزن، ٤ - لا تكذب ولا تغش، ٥ - لا تسكر، ٦ - كُلّ باعتدال، ٧ - لا تشهد رقصاً ولا تسمع غناءٌ أو تمثيلاً، ٨ - لا تلبس حلياً ولا تتعطر ولا تتخذ زينة، ٩ - لا تنم في فراش باذخ، ١٠ - لا تقبل ذهباً ولا فضة. وهذه الوصايا قريبة إلى وصايا الأنبياء، ومن هنا قيل إنه كان نبياً أوحي إليه، وقد حرفت ديانته بعده كما حدث لبقية الأديان، ولا نستطيع الجزم بذلك؛ لأن الجزم بذلك يحتاج إلى نص من كتاب أو سنة، وليس هناك من نص إلا أن الله أخبرنا أنه ما من أمة إلا وقد أرسل لها رسول، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (١). وأهم كتب بوذا هي التي تحفظ أحاديثه وأقواله وأمثاله وينسبونها إلى بوذا ولا يدعون نزولها من السماء. والمشهور أنه لم تكن على زمن بوذا طقوس معينة ولكن بعد وفاته أضيفت بعض الطقوس فيصلون أمام تمثال بوذا ويصومون بأوقات معينة بالامتناع عن الطعام والشراب عدا الحليل من نصف النهار حتى فجر اليوم التالي. ويحجون بالذهاب إلى الهند ونيبال لزيارة الأماكن الأربعة المقدسة عندهم وهي: مكان ولادة بوذا، والمكان الذي أشرقت فيه الحقيقة تحت الشجرة، والمكان الذي بدأ دعوته منه، ومكان وفاته، ولا موسم للحج عندهم. ٤ - نُقولٌ عن ديانات الفرس قال أبو الحسن الندوي في كتابه: "ماذا خسر العالم": (ولم تزل المحرمات النسبية التي تواضعت على حرمتها ومقتها طبائع أهل الأقاليم المعتدلة موضع خلاف ونقاش، حتى إن يزدجرد الثاني الذي حكم في أواسط القرن الخامس الميلادي تزوج بنته ثم قتلها، وإن بهرام جوبين الذي تملك في القرن السادس كان متزوجاً بأخته. يقول البروفسور "أرتهر كرستن سين" أستاذ الألسنة الشرقية في جامعة كوبنهاجن

стр. 589

بالدنمارك المتخصص في تاريخ إيران في كتابه (إيران في عهد الساسانيين): "إن المؤرخين المعاصرين للعهد الساساني مثل (جاتهياس) وغيره يصدقون بوجود عادة زواج الإيرانيين بالمحرمات، ويوجد في تاريخ العهد الساساني أمثلة لهذا الزواج، فقد تزوج بهرام جوبين وتزوج جشتسب قبل أن يتنصر بالمحرمات ولم يكن يعد هذا الزواج معصية عند الإيرانيين، بل كان عملاً صالحاً يتقربون به إلى الله، ولعل الرحالة الصيني (هوئن سوئنج) أشار إلى هذا الزواج بقوله: إن الإيرانيين يتزوجون من غير استثناء". ظهر "ماني" في القرن الثالث المسيحي، وكان ظهوره رد فعل عنيف غير طبعي ضد النزعة الشهوية السائدة في البلاد، ونتيجة منافسة النور والظلمة الوهمية، فدعا إلى حياة العزوبة لحسم مادة الفساد والشر من العالم، وأعلن أن امتزاج النور بالظلمة شر يجب الخلاص منه، فحرَّم النكاح استعجالاً للفناء وانتصاراً للنور على الظلمة بقطع النسل، وقتله بهرام سنة ٢٧٦ م قائلاً: "إن هذا خرج داعياً إلى تخريب العالم، فالواجب أن يبدأ بتخريب نفسه قبل أن يتهيأ له شيء من مراده. ولكن تعاليمه لم تمت بموته بل عاشت إلى ما بعد الفتح الإسلامي. ثم ثارت روح الطبيعة الفارسية على تعاليم ماني المجحفة، وتقمصت دعوة مزدك الذي ولد ٤٨٧ م، فأعلن أن الناس ولدوا سواء لا فرق بينهم، فينبغي أن يعيشوا سواء لا فرق بينهم، ولما كان المال والنساء مما حرصت النفوس على حفظه وحراسته كان ذلك عند مزدك أهم ما تجب فيه المساواة والاشتراك، قال الشهرستاني: "أحل النساء وأباح الأموال وجعل الناس شركة فيها كاشتراكهم في الماء والنار والكلأ". وحظيت هذه الدعوة بموافقة الشبان والأغنياء والمترفين وصادفت من قلوبهم هوى، وسعدت كذلك بحماية البلاط، فأخذ قباذ يناصرها ونشط في نشرها وتأييدها، حتى انغمست إيران بتأثيرها في الفوضى الخلقية وطغيان الشهوات، قال الطبري: "افترص السفلة ذلك واغتنموا وكاتفوا مزدك وأصحابه وشايعوهم، فابتلي الناس بهم، وقوي أمرهم حتى كانوا يدخلون على الرجل في داره فيغلبونه على منزله ونسائه وأمواله لا يستطيع الامتناع منهم، وحملوا قباذ على تزيين ذلك وتوعدوه بخلعه، فلم يلبثوا إلا قليلاً حتى صاروا لا يعرف الرجل ولده ولا المولود أباه، ولا يملك شيئاً مما يتسع به" إلى أن قال: "ولم يزل قباذ من خيار ملوكهم، حتى حمله مزدك على ما حمله عليه، فانتشرت الأطراف وفسدات الثغور) أ. هـ.

стр. 590

٥ - نقولٌ عن اليهودية قال الدكتور شلبي في كتابه عن اليهودية: (تتميز أرواح اليهود عن باقي الأرواح بأنها جزء من الله، كما أن الابن جزء من أبيه [زعموا]. ويقول التلمود بالتناسخ، وهو فكر تسرب لبابل من الهند وأخذه حاخامات بابل من المجتمع البابلي). (ويُلْزِمُ التلمود بني إسرائيل أن يغشوا سواهم فقد جاء فيه: يلزم أن تكون طاهراً مع الطاهرين ودنساً مع الدنسين .... ويجيز التلمود استعمال النفاق مع غير اليهود، ولا يجيز أن يقدم اليهود صدقة لغير اليهود). (ليست لأرواح غير اليهود حرمة لدى اليهود، فقد جاء في التلمود: محرم على اليهودي أن ينجي أحداً من الأمميين من هلاك أو يخرجه من حفرة يقع فيها، بل إذا رأى أحد الأمميين يقع في حفرة لزمه أن يسدها بحجر، وقال "ميمانود": الشفقة ممنوعة بالنسبة لغير اليهودي، فإذا رأيته واقعاً في نهر أو مهدداً يخطر فيحرم عليك أيها اليهودي أن تنقذه؛ لأن السكان الذين كانوا في أرض كنعان وقضت التوراة بقتلهم جميعاً لم يقتلوا عن آخرهم، بل هرب بعضهم واختلط بباقي أمم الأرض، ولذلك يلزم قتل غير اليهودي لاحتمال أن يكون من هؤلاء الهاربين. وينص التلمود على أن من العدل أن يقتل اليهودي كل أممي لأنه بذلك يقرب قرباناً إلى الله). المرأة في التلمود: قال موسى: لا تشته امرأة قريبك، فمن يزنِ بامرأة قريبه يستحق الموت. ولا يعتبر التلمود القريب إلا اليهودي فقط، فإتيان زوجات الأجانب جائز، واستنتج من ذلك الحاخام (رشي) أن اليهودي لا يخطئ إذا تعدى على عرض الأجنبي، لأن كل عقدِ نكاحٍ عند الأجانب فاسد، لأن المرأة التي لم تكن من بني إسرائيل هي كبهيمة، والعقد لا يوجد

стр. 591

مع البهائم وما شاكلها، وقد أجمع على هذا الرأي الحاخامات (بشاي وليفي وجرسون) فلا يرتكب اليهودي محرماً إذ أتى امرأة مسيحية، وقال (ميمانود) إن لليهود الحق في اغتصاب النساء الغير مؤمنات أي الغير يهوديات) أ. هـ. ومن هذه النقول ندرك الفارق بين الإسلام وغيره، ونعرف نعمة الله بإرساله محمداً ﷺ بشيراً للعالمين ونذيراً ومعلماً ومربياً ومزكياً. ونعرف سراً من أسرار قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (١). * * *

стр. 592

الفصل الثالث في: الإيمان بالقدر وفيه: مقدمة ومسائل ونصوص وتلخيص

стр. 593

المقدمة ذكرنا الإيمان بالقدر، وهو الركن السادس من أركان الإيمان بعد الإيمان بالله لأنه في الحقيقة فرع الإيمان بالله وفرع معرفته، فمن عرف الله حق المعرفة وعرف صفاته من إرادة وقدرة وعلم آمن بالقدر ضرورةٌ، ولذلك قدمناه ههنا. والنصوص كثيرة وواضحة في إثبات القدر، لكن القرآن ذكر أركان الإيمان الخمسة مجتمعة مع بعضها، وذكر القدر منفرداً لأنه كما قلنا فرع الإيمان بالله، أما السنة ذكرت الأركان الستة مع بعضها كما ورد في حديث جبريل ﵇: "قال [أي جبريل]: فأخبرني عن الإيمان. قال [أي رسول الله ﷺ ]: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وأن تؤمن بالقدر خيره وشره من الله تعالى. قال [أي جبريل]: صدقت. قال [الراوي]: فعجبنا له يسأله ويصدقه". لقد ذكرت أركان خمسة من أركان الإيمان في القرآن بجانب بعضها، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (١). وجاء ذكر القدر في أكثر من مكان: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٢)، ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ (٣)، ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (٤)، ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (٥). * * * إن عقيدة القضاء والقدر هي التحقيق لمعانٍ متعددة تشمل: معرفة الله والعبودية له والاستسلام والتسليم والتوكل، وهي تأكيد لعقيدة أهل السنة والجماعة بأن كل شيء بإرادة الله وعلمه وقدرته، وهي لا تنفي الاختيار ولا تعني الجبر. إن هناك مشيئة نافذة وقدراً تمضي عليه أمور هذا العالم، وهذا لابد منه؛ لأن هذا

стр. 594

العالم مظهر لأسماء الله ومظهر للتعرف على الله. فاقتضت حكة الله أن يكون الجزء الاختياري الذي تقوم به الحجة على الخلق موجوداً ومحسوساً، ولكن بدلاً من أن يكون ذلك على طريقة القوة المودعة كما تقول المعتزلة كان ذلك بالإمداد المباشر، ومن سوء الفهم لهذه الحقيقة وقع الخلط والخبط، فالمعتزلة لم يتصوروا الاختيار إلا من خلال القوة المودعة، والجبرية رأوا واقع الحال أن كل شيء بعلم الله وإرادته وقدرته، فقالوا بالجبر المحض، وأهل السنة والجماعة رأوأن الاختيار أصل، فقدرة الله تعمل على وفق مشيئته، ومشيئته تعمل على وفق علمه، والعلم كاشف لا مجبر، ولكن أبى الله أن يكون معه فاعل يستقل بخلق شيء، ومن ههنا كان الإيمان بالقدر هو فرع الإيمان بالله، فمن عرف علم الله وإرادته وقدرته آمن بالقدر، فالله يعلم الأشياء كلها أزلاً وخصص أزلاً ما أراد وجوده منها بالوجود، وأبرزت قدرته ما أراد، وسجل ذلك كله في اللوح المحفوظ وذلك هو القدر. فالقضاء والقدر يتضمنان الإيمان بعلم الله وإرادته وقدرته، كما يتضمنان الإيمان باللوح المحفوظ لأن الله أخبرنا عن ذلك: فالقدر: هو علم الله تعالى بالأزل بما تكون عليه المخلوقات كلها في المستقبل. والقضاء: هو إيجاد الله الأشياء حسب علمه الأزلي وإرادته. وبعضهم عكس التعريف. هذا وقد تطلق كلمة القدر على النظام المحكم الذي أقام الله عليه أمر الوجود وذلك داخل في القدر بمعناه الأشمل: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (١)، على أحد وجهين في التفسير: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ (٢)، ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ (٣). إن الناس بالنسبة للخلق والخالق أقسام: ١ - الماديون الذين يؤمنون بالمادة ويلحدون بالله . ٢ - القائلون بقدم المادة مع الإيمان بالله

стр. 595

٣ - القائلون بالخلق مع الإيمان بعدم التدخل وإنما هي أسباب وقوانين ولا دخل للإرادة الإلهية أو القدرة الإلهية. وهذه الفرق الثلاثة كافرة بإجماع أهل السنة والجاعة. ٤ - القائلون بالخلق مع الإيمان بالقوة المودعة والتدخل الجزئي. وقد اختلف أهل السنة والجاعة في هؤلاء فمن مُكفِّرٍ ومن مُضَلِّل. ٥ - القائلون بالخلق واحتياج هذا الخلق إلى إمداد مستمر، وأن كل شيء ابتداء إنما كان بعلم الله وإرادته وقدرته، وأن الإمداد الإلهي مستمر، فكل شيء بعلم الله وإرادته وقدرته بدءاً واستمراراً. هؤلاء القائلون بمسألة خلق العبد وأفعاله وكل شيء ابتداءً وانتهاءً واستمراراً هم أهل السنة والجماعة. ولهذه العقيدة تشهد النصوص. وبعض العلماء الذين لم يتلقوا عقائد أهل السنة والجماعة يغلطون في هذا الأمر ويغلِّطون، وهم على مذهب المعتزلة ولا يشعرون، وما ذلك إلا لغلبة الحس عليهم؛ لأن المسألة تدور بين صور: ١ - علم الله أزلاً فأراد فأبرز بقدرته. ٢ - أو علم الله ولم ايراد وحدث شيء غصباً عنه ٣ - أو علم ولم يرد وأعطى الخلق قدرة. ٤ - أو علم ولم يرد وأبرز بقدرته. ٥ - أو علم ولم يرد ولم يبرز بقدرته. الصورة الأولى هي التي تتفق وجلال الربوبية، والإيمان بها هو الذي يتحقق معه التكليف بالعبودية، وتنسجم مع فكرتيْ التوكل والدعاء، وهي مظهر كل الله الأرق والأعلى، وذلك يتفق مع قوله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (١)، والصورة الأولى هي التي تحقق الإيمان بالقدر.

стр. 596

المسائل أولاً: يجب على العبد أن يصدق بالقدر، وأن يستسلم لله فيما قدره له. ثانياً: أن التسليم فيما يقع يجب أن يرافقه شكر على الطاعة وتوبة عن المعصية. ثالثاً: أن يعتقد المسلم أنه مختار فيما يستقبل من الزمن في الأمور التكليفية، ويتصرف على أنه مختار. رابعاً: أن يسلم لله حكمه في شأن القدر وألا تدخل عليه الوسوسة في كيفية الجمع بين الاختيار والكسب وبين أن كل شيء بإرادة الله وقدرته، فالله علم ما كان وما يكون فأراده فأبرزه بقدرته وههنا حد لا يسأل عنه: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ (١). خامساً: هناك فارق بين المشيئة الإلهية من جهة وبين الأمر والرضا من جهة أخرى، فكل شيء كان ويكون بإرادته ولكن ليس كل شيء كان ويكون بأمره التشريعي أو رضاه، فكفر الكافر ومعصية العاصي ليست بأمره التشريعي ولا برضاه لكنها بإرادته: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ (٢)، ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٣). سادساً: لا يصح احتجاج الكافر والضال والفاسق بالمشيئة على الكفر والمعصية والضلال. سابعاً: الخوض بالقدر من علامة اضطراب القلب وعدم طمأنينته، ولذلك فقد كُرِه البحث في القدر؛ لأن الكلام غير الدقيق فيه قد يؤدي إلى التشويش. ثامناً: نفت بعض الفرق الإسلامية القدر خشية أن تنسب إلى الله الظلم في فهمها فوقعت في ظلم أشد لأنها نفت عن الله شمول الإرادة وشمول القدرة وشمول العلم. والخلاصة: إن الإيمان بالقدر هو المظهر الأعلى لمعرفة الله ولعرفة صفاته وأفعاله. وهو الذي

стр. 597

يناسب مقام الإنسان في العبودية. وهو الذي يتفق وافتقار الإنسان. وهو الذي يسبغ على الإنسان رضاً وسعادة. وهو الذي يعطي الإنسان شجاعة وإقداماً. والإيمان بالقدر هو مفتاح التوكل على الله. وهذه وغيرها إيجابيات عقيدة القدر. فنحن مكلفون بآن واحد بأشياء: نحن مكلفون بالإيمان بالقدر، ومكلفون في الوقت نفسه بالتوكل، ومكلفون بالعمل والأخذ بالأسباب. فالمعرفة والإيمان والتسليم والعمل هي آداب المسلم في هذا المقام: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (١). * * * لقد اختلف أهل السنة والجماعة مع المعتزلة في مسائل: منها خلق أفعال العباد، ومنها شمول تعلق صفتي الإرادة والقدرة بكل ما يجري في هذا العالم. قال المعتزلة بأن العبد يخلق أفعال نفسه، وقالوا بالقوة المودعة؛ فالله جعل الأسباب تعمل على وفق ما أودعها فيه دون أن تكون لإرادته وقدرته تدخل مباشر في يجري، وهذا وهذا من عقائد المعتزلة يتنافى مع النصوص، فالله قال: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٢)، ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ (٣)، ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (٤)، ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ (٥)، ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ (٦)، ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾ (٧). ومن أذكار الإسلام: "لا حول ولا قوة إلا بالله". ومن أسماء الله: القيوم، وذلك يقتضي أن كل شيء لا يقوم إلا به، ومن أسماء الله: الصمد، وهذا يقتضي أن الخلق دائمو الاحتياج إلى الله، ومن أسمائه: المعز والمذل والقابض والباسط والقدم والمؤخر والمحي والمميت، وذلك يدل على أن كلِّ ما يجري فعله قد خلقه الله ﷻ ، قال تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ (٨)، وهذا

стр. 598

يتنافى مع القول يخلق الإنسان أفعال نفسه ومع القول بالقوة المودعة، لأن القول بهاتين الفكرتين يؤدي إلى القول بأن الله خلق الأسباب والمسببات وتركها تجري بما أودعه فيها دون أن يكون له تدخل مباشر فيما يجري، وأين هذا من فكرة الدعاء وفكرة التوكل؟ وأين هذا من النصوص وما أكثرها؟ لو أنك تأملت فاتحة الكتاب وحدها لرأيت فيها أكثر من دليل على مذهب أهل السنة والجماعة، فقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) يفيد أن كل أنواع الحمد لله لأنه هو الفاعل على الحقيقة فهو المستحق للحمد، وأي حمد إنما ينبغي أن يكون له، فإذا حمدت إنساناً على شيء فإن هذا الشيء بالله ومن الله، فالله هو المستحق للحمد وحده، وهذا يشهد لعقيدة أهل السنة والجماعة، وقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٢) فيه دليل لأهل السنة والجماعة، فكيف نستعين به على العبادة إذا لم يكن له تدخل فيما يجري، وقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (٣) دليل لأهل السنة والجماعة فيما ذهبوا إليه، فلو لم تكن الهداية بيده فكيف تطلبها منه في اليوم كذا مرة، إن نصوص الكتاب والسنة تشهدان لما ذهب إليه أهل السنة والجماعة: أن كل شيء مفتقر إلى الله وأن كل ما يجري بإمداد الله وبفعله. ولكون القول بأن الإنسان يخلق أفعال نفسه، ولكون القول بالقوة المودعة يخدش الإيمان بالقدر فقد تأتى أهل السنة والجماعة المعتزلة "بالقدرية" أي نفاة القدر واعتبروهم امتداداً لنفاة القدر بالكامل. فالإيمان بالقدر يدخل فيه الإيمان بأن الله علم أزلاً فأراد أزلاً فأبرز بقدرته وسجل ذلك في اللوح المحفوظ، وما يجري الآن وما سيجري كل ذلك أثر علمه وإرادته وقدرته وعلى مقتضى ما سجله في اللوح المحفوظ. وإذ كان موضوع القدر تتفرع عنه مسائل كثيرة، وينبثق عن أصول كبيرة، والدخول في تفصيلاته يدخلنا في هذه المسائل والأصول، وليس كل إنسان مؤهلاً للخوض في ذلك والوصول إلى شاطئ السلامة في هذا الشأن؛ فقد كُرِه الخوض في القَدَر إلا بالقدر الذي

стр. 599

يقرره وينفي الشبهة عنه، لقد سئل الإمام أحمد عن القدر فقال: "القدر قدرة الرحمن". وقال الطحاوي: "وكل شيء يجري بتقديره ومشيئته، ومشيئته تنفذ لا مشيئة العباد إلا ما شاء الله، فما شاء لهم كان، وما لم يشأ لم يكن، لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه ولا غالب لأمره". تأمل قول هذين العالمين، وتأمل قوله ﵊ وقد سئل: ٦١٤ - * روى الترمذي عن أبي خُزامة عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله أرأيت رُقاةٌ نسترقي بها، ودواءٌ تتداوى به، وتقاةٌ نتقيها، هل ترد من قدرِ الله شيئاً؟ قال: "هو من قدر الله". وتأمل قوله ﵇ لمن سأله: أيترك ناقته بلا عقل ويتوكل؟ فقال: "اعقلها وتوكل". لتعلم أن القدر ترتبط فيه مسائل كثيرة، فهو مجمع أسرار العقيدة الإسلامية في باب الألوهية، ولذلك كان الإيمان بالقدر والقيام بالتكليف مع الأخذ بالأسباب هي من علامات التوفيق الرباني. وهذه نصوص في القدر:

стр. 600

النصوص ٦١٥ - * روى أحمد عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: "خلق الله آدم حين خَلَقَه فَضَرب كَتِفَه اليمنى فأخرج ذُرِّيَّةً بيضاً كأنهم الذرُّ، وضرب كتف اليسرى فأخرج ذُرِّيَّةً سوداً كأنهم الحُمَمُ، فقال للذي في يمينه: إلى الجنة ولا أبالي. وقال للذي في كفه اليسرى: إلى النار ولا أبالي". ٦١٦ - * روى أحمد عن عبد الرحمن بن قتادة السُّلَمي أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله خلق آدم ثم أخذ الخلق من ظهره فقال هؤلاء في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي" فقال قائل: يا رسول الله فعلام ذا نعمل؟ قال: "على مواقع القدر". ٦١٧ - * روى البزار عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال في القبضتين: "هؤلاء لهذه وهؤلاء لهذه". قال: فتفرق الناس وهم لا يختلفون في القدر. ٦١٨ - (٤) روي الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله خَلَقَ خلقه في ظُلمةٍ، فألقى عليهم من نُوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضلَّ، فلذلك أقول: جفَّ القلمٌ على عِلم الله".
следующие страницы →