المسائل
أولاً: يجب على العبد أن يصدق بالقدر، وأن يستسلم لله فيما قدره له.
ثانياً: أن التسليم فيما يقع يجب أن يرافقه شكر على الطاعة وتوبة عن المعصية.
ثالثاً: أن يعتقد المسلم أنه مختار فيما يستقبل من الزمن في الأمور التكليفية، ويتصرف على أنه مختار.
رابعاً: أن يسلم لله حكمه في شأن القدر وألا تدخل عليه الوسوسة في كيفية الجمع بين الاختيار والكسب وبين أن كل شيء بإرادة الله وقدرته، فالله علم ما كان وما يكون فأراده فأبرزه بقدرته وههنا حد لا يسأل عنه: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ (١).
خامساً: هناك فارق بين المشيئة الإلهية من جهة وبين الأمر والرضا من جهة أخرى، فكل شيء كان ويكون بإرادته ولكن ليس كل شيء كان ويكون بأمره التشريعي أو رضاه، فكفر الكافر ومعصية العاصي ليست بأمره التشريعي ولا برضاه لكنها بإرادته: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ (٢)، ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٣).
سادساً: لا يصح احتجاج الكافر والضال والفاسق بالمشيئة على الكفر والمعصية والضلال.
سابعاً: الخوض بالقدر من علامة اضطراب القلب وعدم طمأنينته، ولذلك فقد كُرِه البحث في القدر؛ لأن الكلام غير الدقيق فيه قد يؤدي إلى التشويش.
ثامناً: نفت بعض الفرق الإسلامية القدر خشية أن تنسب إلى الله الظلم في فهمها فوقعت في ظلم أشد لأنها نفت عن الله شمول الإرادة وشمول القدرة وشمول العلم.
والخلاصة:
إن الإيمان بالقدر هو المظهر الأعلى لمعرفة الله ولعرفة صفاته وأفعاله. وهو الذي
стр. 597
يناسب مقام الإنسان في العبودية. وهو الذي يتفق وافتقار الإنسان. وهو الذي يسبغ على الإنسان رضاً وسعادة. وهو الذي يعطي الإنسان شجاعة وإقداماً. والإيمان بالقدر هو مفتاح التوكل على الله. وهذه وغيرها إيجابيات عقيدة القدر. فنحن مكلفون بآن واحد بأشياء: نحن مكلفون بالإيمان بالقدر، ومكلفون في الوقت نفسه بالتوكل، ومكلفون بالعمل والأخذ بالأسباب. فالمعرفة والإيمان والتسليم والعمل هي آداب المسلم في هذا المقام:
﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (١).
* * *
لقد اختلف أهل السنة والجماعة مع المعتزلة في مسائل:
منها خلق أفعال العباد، ومنها شمول تعلق صفتي الإرادة والقدرة بكل ما يجري في هذا العالم.
قال المعتزلة بأن العبد يخلق أفعال نفسه، وقالوا بالقوة المودعة؛ فالله جعل الأسباب تعمل على وفق ما أودعها فيه دون أن تكون لإرادته وقدرته تدخل مباشر في يجري، وهذا وهذا من عقائد المعتزلة يتنافى مع النصوص، فالله قال: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٢)، ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ (٣)، ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (٤)، ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ (٥)، ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ (٦)، ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾ (٧). ومن أذكار الإسلام: "لا حول ولا قوة إلا بالله". ومن أسماء الله: القيوم، وذلك يقتضي أن كل شيء لا يقوم إلا به، ومن أسماء الله: الصمد، وهذا يقتضي أن الخلق دائمو الاحتياج إلى الله، ومن أسمائه: المعز والمذل والقابض والباسط والقدم والمؤخر والمحي والمميت، وذلك يدل على أن كلِّ ما يجري فعله قد خلقه الله ﷻ ، قال تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ (٨)، وهذا
стр. 598
يتنافى مع القول يخلق الإنسان أفعال نفسه ومع القول بالقوة المودعة، لأن القول بهاتين الفكرتين يؤدي إلى القول بأن الله خلق الأسباب والمسببات وتركها تجري بما أودعه فيها دون أن يكون له تدخل مباشر فيما يجري، وأين هذا من فكرة الدعاء وفكرة التوكل؟ وأين هذا من النصوص وما أكثرها؟ لو أنك تأملت فاتحة الكتاب وحدها لرأيت فيها أكثر من دليل على مذهب أهل السنة والجماعة، فقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) يفيد أن كل أنواع الحمد لله لأنه هو الفاعل على الحقيقة فهو المستحق للحمد، وأي حمد إنما ينبغي أن يكون له، فإذا حمدت إنساناً على شيء فإن هذا الشيء بالله ومن الله، فالله هو المستحق للحمد وحده، وهذا يشهد لعقيدة أهل السنة والجماعة، وقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٢) فيه دليل لأهل السنة والجماعة، فكيف نستعين به على العبادة إذا لم يكن له تدخل فيما يجري، وقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (٣) دليل لأهل السنة والجماعة فيما ذهبوا إليه، فلو لم تكن الهداية بيده فكيف تطلبها منه في اليوم كذا مرة، إن نصوص الكتاب والسنة تشهدان لما ذهب إليه أهل السنة والجماعة: أن كل شيء مفتقر إلى الله وأن كل ما يجري بإمداد الله وبفعله. ولكون القول بأن الإنسان يخلق أفعال نفسه، ولكون القول بالقوة المودعة يخدش الإيمان بالقدر فقد تأتى أهل السنة والجماعة المعتزلة "بالقدرية" أي نفاة القدر واعتبروهم امتداداً لنفاة القدر بالكامل.
فالإيمان بالقدر يدخل فيه الإيمان بأن الله علم أزلاً فأراد أزلاً فأبرز بقدرته وسجل ذلك في اللوح المحفوظ، وما يجري الآن وما سيجري كل ذلك أثر علمه وإرادته وقدرته وعلى مقتضى ما سجله في اللوح المحفوظ.
وإذ كان موضوع القدر تتفرع عنه مسائل كثيرة، وينبثق عن أصول كبيرة، والدخول في تفصيلاته يدخلنا في هذه المسائل والأصول، وليس كل إنسان مؤهلاً للخوض في ذلك والوصول إلى شاطئ السلامة في هذا الشأن؛ فقد كُرِه الخوض في القَدَر إلا بالقدر الذي
стр. 599
يقرره وينفي الشبهة عنه، لقد سئل الإمام أحمد عن القدر فقال: "القدر قدرة الرحمن". وقال الطحاوي: "وكل شيء يجري بتقديره ومشيئته، ومشيئته تنفذ لا مشيئة العباد إلا ما شاء الله، فما شاء لهم كان، وما لم يشأ لم يكن، لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه ولا غالب لأمره".
تأمل قول هذين العالمين، وتأمل قوله ﵊ وقد سئل:
٦١٤ - * روى الترمذي عن أبي خُزامة عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله أرأيت رُقاةٌ نسترقي بها، ودواءٌ تتداوى به، وتقاةٌ نتقيها، هل ترد من قدرِ الله شيئاً؟ قال: "هو من قدر الله".
وتأمل قوله ﵇ لمن سأله: أيترك ناقته بلا عقل ويتوكل؟ فقال: "اعقلها وتوكل".
لتعلم أن القدر ترتبط فيه مسائل كثيرة، فهو مجمع أسرار العقيدة الإسلامية في باب الألوهية، ولذلك كان الإيمان بالقدر والقيام بالتكليف مع الأخذ بالأسباب هي من علامات التوفيق الرباني.
وهذه نصوص في القدر:
стр. 600
النصوص
٦١٥ - * روى أحمد عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: "خلق الله آدم حين خَلَقَه فَضَرب كَتِفَه اليمنى فأخرج ذُرِّيَّةً بيضاً كأنهم الذرُّ، وضرب كتف اليسرى فأخرج ذُرِّيَّةً سوداً كأنهم الحُمَمُ، فقال للذي في يمينه: إلى الجنة ولا أبالي. وقال للذي في كفه اليسرى: إلى النار ولا أبالي".
٦١٦ - * روى أحمد عن عبد الرحمن بن قتادة السُّلَمي أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله خلق آدم ثم أخذ الخلق من ظهره فقال هؤلاء في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي" فقال قائل: يا رسول الله فعلام ذا نعمل؟ قال: "على مواقع القدر".
٦١٧ - * روى البزار عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال في القبضتين: "هؤلاء لهذه وهؤلاء لهذه". قال: فتفرق الناس وهم لا يختلفون في القدر.
٦١٨ - (٤) روي الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله خَلَقَ خلقه في ظُلمةٍ، فألقى عليهم من نُوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضلَّ، فلذلك أقول: جفَّ القلمٌ على عِلم الله".
стр. 601
٦١٩ - * روى البخاري وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: حاجَّ آدم موسى، فقال [موسى]: أنت الذي أخرجت الناس من الجنة بذنبك وأشقيتهم"؟ قال: "فقال آدم لموسى: أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه أتلومني على أمرٍ كتبه الله عليَّ قَبْل أن يخلقني؟ أو قدَّره عليَّ قبل أن يخلقني؟ " قال رسول الله ﷺ : "فحجَّ آدم موسى".
وفي رواية (١) قال: "احتج آدم وموسى، فقال موسى: يا آدم، أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة. فقال له آدم: أنت موسى اصطفاك الله بكلامه، وخط لك بيده، أتلومني على أمرٍ قدره الله عليَّ قبل أن يخلقني بأربعين عاماً؟ " قال النبي ﷺ : "فحجَّ آدمُ موسي، [فحجَّ آدم موسي] ".
وفي أخرى (٢) قال: قال رسول الله ﷺ : "احتجَّ آدمٍ وموسى، فقال له موسى: أنت آدم الذي أخرجتك خطيئتك من الجنة؟ ".
وفي رواية (٣): "أخرجتنا وذريتك من الجنة، قال: أنت موسى؟ أليس الله اصطفاك برسالاته وبكلامه، ثم تلومني على أمر قد قُدِّر عليَّ قبل أن أُخلق؟ ".
وفي أخرى (٤) قال النبي ﷺ : "التقى آدم وموسى، قال موسى: أنت الذي أشقيت الناس، وأخرجتهم من الجنة؟ قال آدم: أنت الذي اصطفاك الله برسالاته واصطنعك لنفسه، وأنزل عليك التوراة؟ قال: نعم، قال: فوجدتها، كتب عليَّ قبل أن يخلقني؟ قال: نعم، فحجَّ أدم موسى".
стр. 602
ولمسلم (١): أن النبي ﷺ قال: "تحاجَّ آدم وموسي، فقال له موسي: أنت آدمُ الذي أغويت الناس، وأخرجتهم من الجنة؟ فقال آدم: أنت الذي أعطاه الله علم كل شيء، واصطفاه برسالاته؟ قال: نعم. قال: فتلومني على أمر قُدِّر عليَّ قبل أن أخلق؟ ".
وفي أخرى (٢) له قال: "احتجَّ آدم وموسي عند ربهما، فحجَّ آدم موسي؛ قال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد ملائكته وأسكنك في جثته، ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض؟ قال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه، وأعطاك الألواح فيها تبيانُ كل شيء، وقربك نجيًّا؟ فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أُخلق؟ قال موسي: بأربعين عاماً. قال آدم: فهل وجدت فيها: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ (٣)؟ قال: نعم. قال: أفتلومني على أن عملتُ عملاً كتبه الله عليَّ أن أعمله قبل أن يخلُقني بأربعين سنة؟ " قال رسول الله: "فحج آدم موسى ﵉".
وفي رواية الترمذي (٤) قال: "احتجَّ آدمُ وموسي، فقال موسي: يا آدم، أنت الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأغويت الناس وأخرجتهم من الجنة؟ فقال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه أتلومني على عمل عملته
стр. 603
كتبه الله عليَّ قبل أن يخلق السموات والأرض؟ " قال: "فحج آدم موسى".
٦٢٠ - * روى أبو داود عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن موسى ﵇ قال: يارب، أرنا آدم الذي أخرجنا وتفسة من الجنة. فأراه الله آدم، فقال له: أنت أبونا آدم؟ فقال له آدم: نعم، قال: أنت الذي نفخ الله فيك من روحه، وعلمك الأسماء، وأمر الملائكة فسجدوا لك؟ قال: فما حملك على أن أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ قال له آدم: ومَنْ أنت؟ قال: أنا موسى. قال: أنت الذي"- وذكر نحو حديث أبي هريرة وأتم منه- قال فيه: "أنت نبي بني إسرائيل الذي كلمك الله من وراء الحجاب، ولم يجعل بينك وبينه رسولاً من خلقه؟ قال: نعم. قال: فما وجدت أن ذلك كان في كتاب الله قبل أن أخلق؟ قال: نعم. قال: فِلمَ تلومني في شيء سبق من الله فيه القضاء قبلي؟ " قال رسول الله عند ذلك: "فحج آدم موسى".
أقول: الملاحظ أن آدم ﵇ عندما وقع في الذنب تاب واستغفر ولم يحتج على الله بالقدر، وذلك منه قيام بحق التكليف فقال: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١)، ولكن عندما انتقل من دائرة التكليف بوفاته وانتقاله احتج بقدره على موسى ﵇، ومن ههنا نعرف أدب المسلم أنه في هذه الدار يؤمن بالقدر ويقوم بالتكليف، وإذا واقع المعصية تاب إلى الله وأناب، وفي كل الأحوال في الدنيا والآخرة لا يفعل ما يفعله المشركون بأن يحتجوا على صحة ما هم فيه من الكفر والشرك والمعاصي بمشيئة الله فذلك فعل الكافرين: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (٢).
٦٢١ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ ونحن
стр. 604
تتنازع في القدر، فغضب، حتى كأنما فُقئ في وجهه حب الرمان حمرةً من الغضب، فقال: "أبهذا أمرتم؟ أم بهذا أرسلت إليكم؟ إنما اهلك من كان قبلك كثرة التنازع في أمر دينهم، واختلافهم على أنبيائهم".
وفي رواية (١): "إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في الأمر، عزمت عليكم، عزمتُ عليكم: أن لا تنازغوا فيه".
٦٢٢ - * روى الترمذي عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يؤمن عبدٌ، حتى يؤمن بالقدر خيره وشره من الله، وحتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه".
٦٢٣ - * روى الطبراني عن عمروبن العاصي قال: خرج رسول الله ﷺ فوقف عليهم فقال: "إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم أنبياءهم واختلافهم عليهم ولن يؤمن أحدٌ حق يؤمن بالقدر خيره وشره".
(القدر والقضاء) قال الخطابي ﵀: قد يحسبُ كثيرٌ من الناس أن معنى القدر من الله والقضاء: معنى الإجبار والقهر للعبد على ما قضاه وما قدره، وليس كذلك.
وإنما معناه: الإخبار عن تقدُّم علم الله بما يكون من أفعال العباد واكتسابهم، وصدورها عن تقدير منه، وخلقٍ لها خيرها وشرِّها. والقدر: اسم لما صدر مُقدراً عن فعل القادر، كالهدم، والنشر، والقبض؛ أسماء لما صدر من فعل الهادم، والناشر، والقابض، يقال: قدرت الشيء، وقدَّرته- خفيفة وثقيلة- بمعنى واحد. والقضاء في هذا معناه الخلق، كقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ (٢)، أي: خلقهن. وإذا كان
стр. 605
الأمر كذلك، فقد بقي عليهم من وراء علم الله فيهم: أفعالهم واكتسابهم، ومباشرتهم تلك الأمور، وملابستهم إياها عن قصد وتعمدٍ، وتقدم إرادة واختيار. فالحجة إنما تلزمهم بها، واللائمة تلحقهم عليها. وجماع القول في هذا: أنهما أمران لا ينفك أحدهما عن الآخر؛ لأن أحدهما بمنزلة الأساس، والأخر: بمنزلة البناء، فمن رام الفصل بينهما، فقد رام هدم البناء ونقضه.
٦٢٤ - * روى أحمد عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: "لكل شيءٍ حقيقةٌ، وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه".
٦٢٥ - * روى أبو داود عن ابن الديلمي ﵀، قال: أتيت أُبي بن كعبٍ، فقلت له: قد وقع في نفسي شيء من القدر، فحدثني، لعل الله أن يذهبه من قلبي. فقال: لو أن الله عذب أقل سماواته وأهل أرضه عذبهم وهو غير ظالمٍ لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أُحدٍ ذهباً في سبيل الله ما قَبِلَه الله منك حتى تؤمن بالقدر، وعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطاك لم يكن ليصيبك، ولو مُت على غير هذا لدخلت النار. قال: ثم أتيتُ عبد الله بن مسعود، فقال مثل ذلك. قال: ثم أتيت خذيفة بن اليان، فقال مثل ذلك، ثم أتيت زيد بن ثابت، فحدثني عن النبي ﷺ مثل ذلك.
٦٢٦ - * روى الترمذي عن نافع- مولى ابن عمر- أن رجلاً جاء ابن عمر، فقال: إن فلاناً يقرأ عليك السلام. فقال ابن عمر: إنه بلغني أنه قد أحدث التكذيب بالقدر، فإن
стр. 606
كان قد أحدث فلا تُقرئه مني السلام، فإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: يكون في هذه الأمة، أو في أمتي"- الشك منه- "خسفٌ ومسخٌ، وذلك في المكذبين بالقدرة".
وفي رواية أبي داود (١) قال: كان لابن عمر صديقٌ من أهل الشام يُكاتُبِهُ، فكتب إليه عبد الله بن عمر: إنه بلغني أنك تكلفت في شيء من القدر، فإياك أن تكتب إليَّ، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سيكون في أمتي أقوامٌ يكذبون بالقدر".
وفي رواية الترمذي (٢) نحو الأولى، وفيها قال: بلغني أنه قد أحدث فإن كان قد أحدث ... وذكر الحديث، وقال في آخره: "خسفٌ ومسخٌ، أو قذف في أهل القدر".
٦٢٧ - * روى مسلم عن اي هريرة قال: جاء مشركو قريش يخاصمون النبي ﷺ في القدر فنزلت هذه الآية: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٣).
٦٢٨ - * روى الطبراني عن سعيد بن جبير قال: كنت في خلقةٍ فيها ابن عباس فذكرنا القدر فَغَضِب ابن عباس غضباً شديداً وقال: لو أعلم أن في القوم أحداً لأخذته، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما بعث الله نبياً قط ثم قبضه إلا جعل
стр. 607
بعده فترةً وملأ من تلك الفترة جهنم".
٦٢٩ - * روى الطبراني عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يزال أمر هذه الأمة مواتياً أو مقارباً، - أو كلمة تشبهها- "ما لم يتكلموا في الولدان والقدر".
٦٣٠ - * روى البزار عن أبي هريرة آن رسول الله ﷺ قال: "أُخِّرَ الكلامُ في القدر لشرار هذه الأمة".
٦٣١ - * روى أحمد عن ابن عون قال: أنا رأيت غيلان يعنى القدري مصلوباً على باب دمشق. (أي الذي قال بنفي القدر).
٦٣٢ - * روى أحمد عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله ﷺ : "عَجبتُ من قضاء الله سبحانه للمؤمن؛ إن أصابه خير حَمِدَ ربه وشكر، وإن أصابته مصيبةٌ حمد ربه وصبر. المؤمن يؤجر في كل شيء".
٦٣٣ - * روى أحمد عن أبي العلاء بن الشِّخِّير قال: حدثني أحدُ بني سليم- ولا أحسبه إلا قد رأى النبي ﷺ أن الله يبتلي عبده بما أعطاه، فمن رضي بما قسم الله له بارك الله فيه ووسعه، ومن لم يرض لم يبارك له.
стр. 608
٦٣٤ - * روى أحمد عن علي قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يؤمن عبدٌ حتى يؤمن بأربعٍ: بالله وحده لا شريك له، وأني رسول الله، وبالبعث بعد المؤتِ، والقدر".
٦٣٥ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: جاء سراقة بن مالك بن جُعشمٍ، فقال: يا رسول الله، بيَّن لنا ديننا كأنا خلقنا الآن، فيم العملُ اليوم، فيما جفت به الأقلام وجرت به المقاديرُ، أم فيما نستقبلُ؟ قال: "لا، بل فيما جفَّت به الأقلام، وجرت به المقادير". قال: ففيم العملُ؟ قال: "اعملوا، فكلٌّ ميسر لما خُلق له، وكلٌّ عاملٌ بعمله".
٦٣٦ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: قال عمر: يا رسول الله أرأيت ما نعمل فيه، أمرٌ مبتدعٌ- أو مبتدأ- أو فيما قد فُرغ منه؟ فقال: "فيما قد فُرغ منه يا ابن الخطاب، وكل ميسرٌ، أما من كان من أهل السعادة، فإنه يعمل للسعادة، وأما من كان من أهل الشقاء فإنه يعمل للشقاء".
وفى رواية (١)، قال: لما نزلت: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾. [هود: ١٠٥] سألت رسول الله ﷺ ، فقلت: يا نبي الله، فعلام نعمل، على شيء قد فُرغ منه، أو على شيء لم يُفرغ منه؟ قال: "بل على شيء قد فُرغ منه وجرت به الأقلام يا عمر، ولكن كل مُيسرٌ لا خُلِق له".
٦٣٧ - * روى أبو يعلى عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "أراد الله أن
стр. 609
يخلق نسمةً قال ملكُ الأرحام مُعرضاً: أي رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي الله، فيقول: أي رب أشقيٌّ أم سعيد فيقضي الله أمره. ثم يكتب بين عينيه ما هو لاقٍ حتى النكبة ينكبها".
٦٣٨ - * روى البزار عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من سَعِدَ في بطنها".
٦٣٩ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "خلق الله جل ذكره يحيى بن زكريا في بطن أمه مؤمناً وخلق فرعون في بطن أمه كافراً".
٦٤٠ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "وكَّل الله بالرحم ملكاً، فيقول: أي ربِّ نطفةٌ؟ أي ربِّ علقةٌ؟ أي ربِّ مُضغةٌ؟ فإذا أراد أن يقضي خلقها قال: يا ربِّ، أذكرٌ أم أنثى؟ أشقيٌ، أم سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيُكتب ذلك في بطن أمه".
٦٤١ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: "إن خلق أحدكم يُجمعُ في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقةٌ مثل ذلك، ثم يكون مُضغةً مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكاً
стр. 610
بأربع كلمات: بِكَتْب رزقهِ وأجله وعمله، وشقيٌ أو سعيد، ثم ينفخُ فيه الروح، فوالذي لا إله غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكونُ بينه وبينها إلا ذراعٌ، فيسبقُ عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخُلُها، وإن أحدكم ليعملُ بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراعٌ، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها".
٦٤٢ - * روى مسلم عن سهل بن سفاد الساعدي؛ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة، فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار. وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار، فيما يبدو للناس، وهو من أهل الجنة".
أقول: قوله ﷺ : "فيما يبدو للناس"، في هذه الرواية يقيد الروايات السابقة، فمع إيماننا بأن مشيئة الله مطلقة فإننا نؤمن بأن رحمة الله سبقت غضبه، وأن من سنة الله أن من تقرب إليه شبراً تقرب إليه ذراعاً، وحسن الظن بالله يقتضي أن نؤمن أن من أقبل على الله بصدق بعمل أهل الجنة واعتقادهم فإن الله يزيد من بركاته ويختم له بالخير، وإنا نتصور المسألة بأن يوجد إنسان يعمل في الظاهر بعمل أهل الجنة، وعنده عقائد فاسدة أو رياء أو أمراض قلبية، أو يفعل ذنوباً خفية، فهو في الظاهر يعمل بعمل أهل الجنة وبالباطن يعمل بعمل أهل النار، فمثل هذا عاقبته سيئة إلا إذا تجاوز الله عنه فيما سوى الشرك الأكبر.
٦٤٣ - * روى مسلم عن عامر بن وائلة ﵀ أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول: الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وُعِظَ بغيره. فأتى رجلاً من أصحاب رسول الله ﷺ يقال له: حذيفة بن أسيد الغفاري، فحدثه بذلك من قول ابن مسعود فقال له: وكيف يشقى رجل بغير عمل؟ فقال له الرجل: أتعجب من ذلك؟ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا مرَّ بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة، بعث الله إليها ملكاً
стр. 611
فصورها، وخلق سمعها، وبصرها، وجلدها، ولحمها، وعظامها، ثم قال: يا رب، أذكرٌ، أم أنثى؟ فيقضي رئك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يارب، أجله؟ فيقول ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب رزقه؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده، فلا يزيد على [ما] أمر ولا ينقصُ".
وفي رواية (١) قال: دخلت على أبي سريحة، حُذيفة بن أسيد الغفاري فقال: سمعت رسول الله ﷺ بأذني هاتين يقول: "إن النطفة تقع في الرجم أربعين ليلةً، ثم يتصور عليها الملك"- قال زهير أبو خيثمة: حسبته قال: " الذي يخلقها- فيقول: يا رب، أذكر، أو أنثي؟ فيجعله الله ذكراً أو أنثى، ثم يقول: يا رب، أسويٌ، أو غير سويٌ؟ ثم يقول: [يا ربِّ] ما رزقه، ما أجله، ما خلقه؟ ثم يجعله الله شقياً أو سعيداً".
وفي أخرى (٢) رفع الحديث إلى النبي ﷺ : أن ملكاً موكلاً بالرحم، إذا أراد الله أن يخلق شيئاً، بإذن الله لبضعٍ وأربعين ليلة ... " ثم ذكر نحوه.
قال النووي حول هذه الأحاديث: (يرسل الملك) ظاهره أن إرساله يكون بعد مائة وعشرين يوماً، وفي الرواية التي بعد هذه: يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين أو خمسة وأربعين ليلة فيقول يا رب أشقي أم سعيد؟ وفي الرواية الثالثة: إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها. وفي رواية حذيفة بن أسيد: إن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة ثم يتسور عليها الملك. وفي رواية: أن ملكاً موكلاً بالرحم إذا أراد الله أن يخلق شيئاً بإذن الله لبضع وأربعين ليلة، وذكر الحديث. وفي رواية أنس: أن الله قد وكل بالرحم ملكاً فيقول أي رب نطفة أي رب علقة أي رب مضغة. قال العلماء: طريق الجمع بين هذه الروايات أن للملك ملازمة ومراعاة لحال النطفة، وأنه يقول: (يا رب هذه علقة هذه مضغة) في
стр. 612
أوقاتها، فكل وقت يقول فيه ما صارت إليه بأمر الله تعالى وهو أعلم سبحانه، ولكلام الملك وتصرفه أوقات؛ أحدها حين يخلقها الله تعالى نطفة ثم ينقلها علقة وهو أول علم الملك بأنه ولد ...
وأما قوله في إحدى الروايات: فإذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولجها وعظامها، ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك ثم يقول: يا رب أجله؟ فيقول ربك ما شاء، ويكتب الملك، وذكر رزقه ..
واتفق العلماء على أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد أربعة أشهر، ووقع في رواية للبخاري: إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين، ثم يكون علقة مثله ثم يكون مضغة مثله، ثم يبعث إليه الملك فيؤذن بأربع كلمات: فيكتب رزقه وأجله وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه. فقوله: ثم يبعث "بحرف ثم" يقتضي تأخير كَتب الملك هذه الأمور إلى ما بعد الأربعين الثالثة، والأحاديث الباقية تقتضي الكتب بعد الأربعين الأولى. وجوابه أن قوله: (ثم يبعث إليه الملك فيؤذن فيكتب) معطوف على قوله: (يجمع في بطن أمه) ومتعلق به لا با قبله وهو قوله: (ثم يكون مضغة مثله)، ويكون قوله: (ثم يكون علقمة مثله ثم يكون مضغة مثله) معترضاً بين المعطوف والمعطوف عليه، وذلك جائز موجود في القرآن والحديث الصحيح وغيره من كلام العرب. قال القاضي وغيره: والمراد بإرسال الملك في هذه الأشياء أمره بها وبالتصرف فيها بهذه الأفعال، وإلا فقد صرح في الحديث بأنه موكل بالرحم، وأنه يقول: يا رب نطفة يا رب علقة. قال القاضي: وقوله في حديث أنس: (وإذا أراد الله أن يقضي خلقاً قال يا رب أذكر أم أنثى شقي أم سعيد؟) لا يخالف ما قدمناه، ولا يلزم منه أن يقول ذلك بعد المضغة، بل ابتداء للكلام وإخبار عن حالة أخرى، فأخبر أولاً بحال الملك مع النطفة، ثم أخبر أن الله تعالى إذا أراد إظهار خلق النطفة علقة كان كذا وكذا. أ. هـ النووي.
وهناك اتجاهات أخرى لم يذكرها النووي.
أقول: مما مر معنا من كلام النووي ندرك أن هناك خلافاً في فهم النصوص حول الزمن
стр. 613
الذي يكون فيه التصوير الكامل لخلق الإنسان في رحم أمه، وهي قضية أصبح بإمكان علم الأجنة الحالي أن يبتَّ فيها، فما بتّ فيه علم الأجنة في هذا الشأن- وهو لا يخرج عما ذكرته النصوص وفهمه العلماء من قبل- فإنه هو الذي يُرمِّج على غيره.
٦٤٤ - * روى البزار عن عائشة عن النبي ﷺ : "إن الله ﵎ حين يريدُ أن يخلق الخلق يبعث ملكاً، فيدخلُ الرحم فيقول: يا رب ماذا؟ فيقول: غلامٌ أو جارية أو ما أراد أن يخلق في الرحم. فيقول: يا رب شقي أم سعيد؟ فيقول يا رب ما أجله؟ ما خلائقه؟ فيقول: كذا وكذا. فيقول: يا رب ما رزقه؟ فيقول: كذا وكذا. فيقول: يا رب ما خُلُقُه؟ ما خلائقه؟ فما من شيء إلا وهو يخلق معه في الرحم".
٦٤٥ - * روى البزار عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "إن أول شيء خلقه الله القلمُ وأمره أن يكتب كل شيءٍ".
أقول: الأولية هنا أولية نسبية، وإلا فقد مرّ معنا أن العرش والماء خلقا قبل ذلك.
٦٤٦ - * روى الطبراني عن ابن عباس عن النبي ﷺ : قال: "لما خلق الله القلم قال له: اكتب. فجرى بما هو كائن إلى قيام الساعة".
٦٤٧ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "إن الرجل ليعملُ الزمن الطويل بعمل أهل الجنة، ثم يُختمُ له عملُه بعملِ أهل النار، وإن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل النار ثم يُختم له عمله بعمل أهل الجنة".
стр. 614
٦٤٨ - * روى أبو داود عن عبادة بن الصامت ﵁، قال لابنه عند الموت: يا بني إنك لن تجد طعم حقيقة الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب. قال: يا رب، وماذا أكتب؟ قال: أكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة". يا بني، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من مات على غير هذا فليس مني".
وفي رواية للترمذي (١): قال عبد الواحد بن سُليم: قدمت مكة فلقيت عطاء بن أبي رياح، فقلت له: يا أبا محمدٍ، إن بالبصرة قوماً يقولون: لا قدر. فقال: يا بني، أتقرأ القرآن؟ قلت: نعم. فقال: فاقرأ (الزخرف) فقرأت: ﴿حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ثم قال: أتدري ما أم الكتاب؟ قلت: لا. قال: فإنه كتاب كتبه الله قبل أن يَخلق السموات والأرض، فيه: إن فرعون من أهل النار، فيه: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾. قال عطاء: ولقد لقيت الوليد بن عبادة بن الصامت، صاحب رسول الله ﷺ فسألته: ما كانت وصية أبيك لك عند الموت؟ فقال لي: دعاني فقال لي: يا بني، اتق الله، واعلم أنك لن تتقي الله حتى تؤمن بالله، وتؤمن بالقدر كله خيره وشره، وإن مت على غير هذا دخلت النار، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب. قال: ما أكتب؟ قال: اكتب القدر. فكتب ما كان وما هو كائن إلى الأبد".
٦٤٩ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عمروبن العاص ﵄، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يديه كتابان، فقال: "أتدرون ما هذان الكتابان؟ "، قلنا:
стр. 615
لا يا رسول الله، الا أن تخبرنا. فقال للذي في يده اليمني: "هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة، وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم، فلا يزاد فيهم ولا يُنقص منهم أبداً". ثم قال للذي في شماله: "هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل النار، وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم، فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبداً، قال أصحابه: ففيم العملُ يا رسول الله إن كان أمر قد فُرِغ منه؟ فقال: "سددوا وقاربوا، فإن صاحب الجنة يُختم له بعمل أهل الجنة وإن عَمِلَ أي عَمَلٍ، وإن صاحب النار يُختم له بعمل أهل النار وإن عَمِل أيَّ عملٍ". ثم قال رسول الله ﷺ بيديه، فنبذهما، ثم قال: "فَرَغَ ربكم من العباد، فريق في الجنة، وفريق في السعير".
٦٥٠ - * روى مسلم عن عِمران بن حُصينٍ ﵁ قال: قال رجل: يا رسول الله، أعُلِمَ أهل الجنة من أهل النار؟ قال: " نعم". قال: ففم يعمل العاملون؟ قال: "كلٌ ميسرٌ لما خُلق له".
وفي رواية للبخاري (١)، أيُعرف أهل الجنة من النار؟ قال: "نعم". قال: فَلِمَ يعمل العاملون؟ قال: "كلٍّ يعمل لما خُلِق له" أو "لما يُسِّر له".
ولمسلم (٢) من رواية أبي الأسود الدِّيلي، قال: قال لي عِمران بن حُصين: أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه، أشيءٌ قُضي عليهم ومضى عليهم من قَدَرٍ قد سبق، أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم؟ فقلت: بل شيءٌ قُضي عليهم شيء ومضى عليهم. قال: أفلا يكون ظُلماً؟ قال: ففزعت من ذلك فزعاً شديداً، وقلت: كل شيءٍ خَلقُ الله ومِلك يده، فلا يُسأل عما يفعل وهم يسألون. فقال لي: يرحمك الله، إني
стр. 616
لم أُرِد بما سألتك إلا لأحرز عقلك، وإن رجلين من مُزينة أتيا رسول الله ﷺ فقالا: يا رسول الله، أرأيت ما يعمل الناس اليوم، ويكدحون فيه، أشيء قُضي عليهم ومضى فيهم من قدرٍ [قد] سبق، أو فيما يستقبلون به مما أتاهم [به] نبيهم، وثبتت الحجة عليهم؟ فقال: "لا، بل شيء قضي عليهم، ومضى فيهم، وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ " [الشمس: ٧، ٨].
٦٥١ - * روى الترمذي عن ابن عباس: كنت خلف النبي ﷺ فقال لي: "يا غلام إني أعلمك كلمات، احفظ الله يخفظك، احفظ الله تجدةُ تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجفت الصحف".
٦٥٢ - * روى البخاري ومسلم عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كنا في جنازةٍ في نقيع الغرقد، فأتانا رسول الله ﷺ ، فقعد، وقعدنا حوله، ومعه مخصرةٌ، فنكس، وجعل ينكتُ بمخصرته، ثم قال: "ما منكم من أحد إلا وقد كُتبَ مقعده من النار، ومقعدُه من الجنة". فقالوا: يا رسول الله أفلا نتكلُ على كتابنا؟ فقال: "اعملوا، فكل مُيسرٌ لما خُلق له، أمَّا من كان من أهل السعادة، فسيصيرُ لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاء، فسيصير لعمل [أهل] الشقاء" ثم
стр. 617
قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾. [الليل: ٥ - ٧].
وفي رواية الترمذي (١) قال: كنا في جنازةٍ في بقيع الغرقد، فأتى رسول الله ﷺ ، فقعد، وقعدنا حوله ومعه مِخصرةٌ، فجعل ينكت بها ثم قال: "ما منكم من أحد"- أو-" [ما] من نفسٍ منفوسةٍ، إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة والنار، وإلا قد كُتبت شقيةً أو سعيدةً". فقال رجل: يا رسول الله أفلا نمكث على كتابنا وتدع العمل؟ فمن كان منا من أهل السعادة، ليكونن إلى أهل السعادة، ومن كان منا من أهل الشقاوة، ليكونن إلى أهل الشقاوة؟ فقال رسول الله ﷺ : "بل اعملوا، فكل ميسرٌ، فأما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠].
وفي أخرى للترمذي (٢) قال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ وهو يَنْكُتُ [في] الأرض، إذ رفع رأسه إلى السماء، ثم قال: "ما منكم من أحد إلا قد عُلم"- وفي رواية: "إلا قد كُتِبَ- مقعده من النار، ومقعده من الجنة". قالوا: أفلا نتكل يا رسول الله؟ قال: "لا، اعملوا، فكلٌّ مُيسرٌ لما خلق له".
٦٥٣ - * روى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كتب الله مقاديز الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة. قال: "وعرشه على الماء".
وفي رواية الترمذي": " قدر الله المقادير قبل أن يخلق السموات والأرضين قال النووي: (كتب الله مقادير الخلائق) قال العلماء: المراد تحديد وقت الكتابة في اللوح المحفوظ أو غيره، لا أصل التقدير، فإن ذلك أزلي لا أول له.
(وعرشه على الماء) أي قبل خلق السموات والأرض.
стр. 618
وفي رواية الترمذي (١): "قدَّر الله المقادير قبل أن يخلق السموات والأرضين بخمسين ألف سنةٍ".
قال النووي: (كتب الله مقادير الخلائق) قال العلماء المراد تحديد وقت الكتابة في اللوح المحفوظ أو غيره، لا أصل التقدير، فإن ذل أزلي لا أول له.
(وعرشه على الماء) أي قبل خلق السموات والأرض.
أقول: وقبل أن يخلق من الماء مجرات هذا الكون.
٦٥٤ - * روى الطيراني عن أسامة بن زيد: قال: قال رسول الله ﷺ : "ما جُعِلَت منِيةُ عبدٍ بأرضٍ إلا جعل له فيها حاجةٌ".
٦٥٥ - * روى مسلم عن طاوس اليماني قال: أدركتُ ناساً من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: كل شيء بقدر. قال: وسمعت ابن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ : "كل شيء بقدر حتى العجز والكيس".
٦٥٦ - * روى أحمد عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "فرغ الله إلى كل عبد من خمس: من أجله ورزقه وأثره ومضجعه" وفي رواية: "وعمله".
٦٥٧ - * روى الترمذي عن سعد رفعه: "من سعادة ابن آدم رضاه بما قضى الله له، ومن شقاوة ابن آدم سخطه بما قضى الله له".
стр. 619
٦٥٨ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خيرٌ، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لواني فعلت لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن [لو] تفتح عمل الشيطان".
* * *
стр. 620
التلخيص
- القدر هو سرُّ الأسرار في العقيدة الإسلامية، ولذلك فإن من المستحسن عرضه من خلال النصوص فذلك أقرب إلى الإيمان والفهم والتسليم، وإنما كان سر الأسرار لارتباطه بصفات الذات الإلهية وارتباطه بمقام العبودية وارتباطه بتقرير فكرتي الكسب والاختيار مع التسليم أن كل شيء فِعْلُ الله وارتباطه بمعانٍ كبيرة أخرى.
- القدرية المذمومون عند أهل السنة والجماعة قدريتان: أولى؛ انقرضت قبل انتهاء القرن الثاني الهجري وهي التي تنفي القدر وتقول: (إن الله لم يقدر الأمور أزلاً وإن الله يستأنف الأمر علماً حال وقوعه) وهؤلاء كفار قطعاً، والقدرية الثانية؛ هم المعتزلة الذين ينسبون أفعال العباد إلى قدراتهم وهؤلاء مبتدعة إذا لم يجتمع لهم مع البدعة مُكَفَّر، قال صاحب الخريدة:
ومن يقل بالقوة المودعة ... فذاك بدعي فلا تلتفت
هناك إيمان بالقضاء والقدر وتسليم لله فيها وأن كل ما قضاه وقدره ففيه الحكمة ﷻ ، وهناك المقضي والمقدر على الإنسان، ومن هذا المعصيةُ، والواجب فيها: التوبة على أصحابها والإنكار من غيرهم. ومنه الطاعة، والواجب فيها من أهلها: الشكر عليها. ومنه الابتلاءات فالواجب فيها: الصبر والرضا عن الله والتسليم له. ومنه الإنعام بصنوف النعم، فواجب العبد فيها: الشكر.
الإيمان بالقضاء والقدر لا ينفي الاختيار؛ ولذلك لا يجوز للعبد أن يحتج بالقدر قبل الوقوع توصلاً إليه، كأن يقول: (قدر الله عليَّ الزنا) وغرضه الوقوع فيه أو الاحتجاج به بعد الوقوع تخلصّا من الحد.
والإيمان بالقضاء والقدر جزء من التكليف، والعبد مطالب بالإيمان بالقضاء والقدر، ومطالب بالعمل، وحال رسول الله ﷺ وأصحابه حجة في ذلك، ومن ربط بين الإيمان والقدر والخمول وترك العمل فقد ضَلَّ وأضَل.
آثار الإيمان بالقضاء والقدر محمودة كلها، فمن آثاره الشجاعة والجرأة والإقدام والصبر والتسليم والرضا من الله والتوكل وإنما يؤتى الجاهل من قِبَلِ جَهْلِهِ.
стр. 621
الفصل الرابع
في الإيمان بالملائكة
وفيه:
مقدمة ونصوص
стр. 622
المقدمة
الإيمان بالملائكة يأتي في ترتيب الأركان الستة كما وردت في الحديث الصحيح الركن الثاني، وهذا يشعر بأهميته بالنسبة لأركان الإيمان عند الذين يرون أن الواو لا تقتضي مطلق الجمع، وعند الذين يعتبرون التقديم مُشعِراً بالأهمية أو بالفضل.
* * *
وأركان الإيمان كلها فطلها القرآن تفصيلاً كاملاً حتى لا يبقى لبس في شأنها، ومن ههنا كان للتفصيل القرآني حول الملائكة ما يكفي ويشفي، ومع ذلك فقد جاء في السُّنة كثير من التفصيلات عن الملائكة وبعض وظائفهم.
* * *
وإذا عرفنا أن كل ما خلقه الله إنما خلقه ليتعرف المكلفون به على الله ، فإنه من المناسب أن نعرف بعض الحكم في خَلْقِهِ ﷻ الملائكة.
وأول هذه الحكم: أن يعرف الخلق مظاهر قدرته ﷻ ، فالله قادر على أن يخلق: ما هو خير ولا يفعل إلا خيراً كالملائكة. وقادر على أن يخلق: ما هو شرٌّ ولا يفعل إلا شراً كالشياطين. وقادر على أن يخلق: ما هو قابل لفعل الخير والشر كالإنسان، وفي ذلك كله أنت تتعرف على الله .
وثاني هذه الحكم: أن يعرف المكلفون عظمة مُلْكِه ومَمْلَكَتِه، وكثرة جنوده، الذين من أعظمهم وأكثرهم الملائكة: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ (١)، ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٢).
وثالث هذه الحكم: أن يعرف المكلفون لله تعالى الترتيب والطاعة والنظام فيتطلعون للارتقاء والاقتداء.
ورابع هذه الحكم: أن يعرف المكلفون استغناء الخالق عن طاعتهم فإنه مهما عصى من
стр. 623
عصى فإن هناك من يطيع.
وخامس هذه الحكم: أن يعرف المكلفون رعاية الله لأهل الإيمان ولأهل الأرض من خلال معرفتهم لوظائف بعض الملائكة.
وسادس هذه الحكم: أن يعرف المكلفون جلال الربوبية وعظمة الإلهية.
هذا بالإضافة إلى حِكمٍ كثيرة في السموات والأرض والدنيا والآخرة والتكليف والمكلفين تعرفها من خلال النصوص.
ونصوص القرآن التي تحدثت عن الملائكة أو عن بعضهم كثيرة، ونصوص السنة كذلك كثيرة تجدها في أبواب متعددة؛ ففي سياق الطهارة والذكر والصلاة والدعاء وقراءة القرآن والجهاد والإنفاق والسفر والصور والبيوت والليل والنهار والفلك والملكوت والموت والجنائز، وغير ذلك تجد كلاماً عن الملائكة، ولذلك خص بعض المؤلفين هذا الركن من أركان الإيمان بالتأليف، ولو أراد الإنسان أن يجمع نصوص الكتاب والسنة مع تعليقات وتحقيقات العلماء في شأن الملائكة لجع الكثير الذي يحتاج إلى أكثر من مجلد، وقد اعتمدنا في هذا الكتاب أن نضع في كل فصل من فصوله ما هو ألصق بمضمون الفصل دون استقصاء، تاركين كثيراً من الأمور لسياقها في مواطن أخرى ومن قرأ هذه السلسلة كلها لا يفوته التكامل في الموضوعات وإن فاته الجمع تحت العنوان الواحد.
وفي هذا الفصل سننقل بعض النصوص القرآنية في شأن الملائكة ثم نتبع ذلك بذكر بعض النصوص من السنة.
* * *
стр. 624
(١)
بعض النصوص القرآنية في شأن الملائكة
أ- ذكر القرآن أنه مما ينبغي أن يؤمن به المؤمن الملائكة فقال تعالى:
﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (١).
ب- وقد نص القرآن على أنواع من الضلال وقعت به بعض الأمم أو بعض الناس في شأن الملائكة كوصف بعضهم الملائكة بأنهم إناث، ووصف بعضهم الملائكة بأنهم بنات الله، وتوجه بعضهم إلى الملائكة بالعبادة، وكلها مكفرات وضلالات:
﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى * وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ (٢).
﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ (٣).
﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ (٤).
بأن زعم بعض المشركين بأن بعض الجن تزوج ببعض الملائكة وزعموا أن الملائكة بنات الله.
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ (٥).
فهذه كلها كفريات وقع فيها أفراد أو أمم في شأن الملائكة وهناك من يقول أقوالاً أو يتصرف تصرفات تشي بهذه العقيدة. قال الشيخ وهبي سليمان في كتابه "أران الإيمان":
(لذا قرر علماء التوحيد أن من نَسَبَ الملائكة إلى الأنوثة كفر؛ لأنه كذب صريح القرآن، ومن نسبهم إلى الذكورة فَسَق؛ لأنه نسب إليهم ما لم يأت به عن الله تعالى
стр. 625
ورسول الله ﷺ شيء.
وعلى هذا يقال: من اعتقد في صور البنات والنساء الجميلات على أطرافها أجنحة- والتي تباع في الأسواق ويتبادل بها بعض المسلمين التهاني في الأفراح والعيدين- أنها تشبه صور الملائكة كفر لظاهر نسبة الملائكة إلى الأنوثة.
ومن اعتقد في صوت المرأة أنه ملائكي، أو في صورة الممرضة أنها صورة ملاك الرحمة كفر كذلك؛ لما ذكرنا). أ. هـ.
جـ- وقد نص القرآن على معرفة الملائكة بالله وطاعتهم وعبادتهم وخوفهم منه ﷻ وأدبهم الرفيع معه فقال الله تعالى:
﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ (١).
﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ (٢).
﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٣).
﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ (٤).
﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ (٥).
﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ (٦).
﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ (٧).
﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ (٨).
ومن هذه النصوص ندرك أن القصة التي سرت إلى بعضهم في شأن هاروت وماروت وأنهما ملكان عصيا الله تعالى بعد أن ركَّب فيهما الشهوة قصة لا أصل لها، وقد عرضنا لذلك
стр. 626
في التفسير، فإن كان لابد من فهم الآية على أنها في ملكين أنزلا من السماء إلى الأرض، فإنهما ملكان مكلفان مطيعان يعلمان الناس السحر ليفرقوا بينه وبين المعجزة، كا نَعلمُ خطأ من يظن أن السؤال الذي ذكره الله على لسانهم سؤال اعتراض في قوله تعالى:
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١)؛ فسؤالهم كان سؤالاً عن الحكمة وليس اعتراضاً، وحاشاهم.
د- وكما أن البشر متفاضلون عند الله، وأكرمهم عنده الرسل وهم عنده متفاضلون، فكذلك الملائكة؛ قال تعالى:
﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ (٢).
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٣).
ومظاهر هذه الرسالة كثيرة؛ أولها الرسالة بالوحي: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ (٤)، والرسالة بالبشرى أو بالإنذار: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ (٥)، ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ (٦)، ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ (٧). ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ (٨). وهناك الرسالة بالمهمات ومن ذلك قبض الأرواح: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ (٩)، فأي ملك كلف بمهمة في حق غيره فإنه رسول من الله إلى ذلك الغير.
هـ- وأهل الإيمان يحبون الملائكة جميعاً: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى
стр. 627
قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (١). ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ (٢). الملائكة مخلوقات نورانية خلقت من نور لكن عندهم قابلية للتشكل بالصور الشريفة وقد ورد في القرآن قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ * فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا﴾ [أي إلى مريم] ﴿رُوحَنَا﴾ [أي جبريل] ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ (٤). ونصوص السنة كثيرة في موضوع تشكل الملائكة بصورة البشر.
ز- وقد حدثنا القرآن عن بعض الملائكة وعن بعض وظائفهم:
١ - من ذلك حملة العرش ومن حوله:
فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾ (٥).
٢ - ومن ذلك جبريل وميكال:
﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ (٦).
﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ﴾ (٧). ﴿وَأَيَّدْنَاهُ﴾ [أي عيسى] ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ (٨) [أي جبريل].
﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ (٩). والمراد بالروح جبريل ﵇.
﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ
(٢)
بعض النصوص النبوية
٦٥٩ - * روى البخاري عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه سمع النبي ﷺ يقول: "ثم فتر عني الوحي فترةً، فبينا أنا أمشي سمعت صوتاً من السماء، فرفعت بصري قِبَل السماء فإذا الملك الذي قد جاءني بحراء قاعدٌ على كرسي بين السماء والأرض، فجئثتُ منه حتى هويت إلى الأرض، فجئت أهلي فقلت: زملوني زملوني، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ (١) إلى قوله ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ " (٢). قال أبو سلمة: والرجز الأوثان.
٦٦٠ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ أن الحارث بن هشام سأل النبي ﷺ : كيف يأتيك الوحي؟ قال: "كل ذلك؛ يأتيني الملك أحياناً في مثل صلصلة الجرس، فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وهو أشده علي، ويتئل لي الملك أحياناً رجلاً فيكلمني، فأعي ما يقول".
٦٦١ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالكٍ عن مالكٍ بن صعصعة ﵄ قال: قال النبي ﷺ : "بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان- وذكر يعني رجلاً بين الرجلين- فأتيت بطستٍ من ذهبٍ ملآن حكمةً وإيماناً، فشق من النحر إلى مراق البطن، ثم غُسل البطن بماء رمرم، ثم ملئ حكمةً وإيماناً. وأتيت بدابةٍ
стр. 633
أبيض دون البغل وفوق الحمار البُراق، فانطلقت مع جبريل، حتى أتينا السماء الدنيا، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: من معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً به؛ ولنعم المجيء جاء. فأتيت على آدم فسلمت عليه فقال: مرحباً بك من ابنٍ ونبيٍّ. فأتينا السماء الثانية، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: من معك؟ قال: محمد ﷺ . قيل: أُرسِل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً به ولنعم المجيء جاء. فأتيت على عيسى ويحيى، فقالا: مرحباً بك من أخٍ ونبيٍّ. فأتينا السماء الثالثة. قيل: من هذا؟ قيل: جبريل. قيل: من معك؟ قال: محمد. قيل وقد أرسِل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً به، ولنعم المجيء جاء. فأتيت على يوسف فسلمت، فقال: مرحباً بك من أخٍ ونبيٍّ. فأتينا السماء الرابعة، قيل من هذا؟ قال: جبريل. قيل: من معك؟ قيل: محمد ﷺ . قيل: وقد أرسِل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً به، ولنعم المجيء جاء. فأتيت على إدريس فسلمت عليه فقال: مرحباً بك من أخٍ ونبيٍّ. فأتينا السماء الخامسة، قيل: من هذا؟ قيل: جبريل. قيل: ومن معك؟ قيل: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً به ولنعم المجيء جاء. فأتينا على هارون، فسملت عليه، فقال: مرحباً بك من أخٍ ونبيٍّ. فأتينا على السماء السادسة، قيل: من هذا؟ قيل: جبريل. قيل: من معك؟ قيل: محمد ﷺ . قيل: وقد أرسل إليه؟ مرحباً به، نعم المجيء جاء. فأتيت على موسى فسلمت عليه فقال: مرحباً بك من أخٍ ونبيٍّ. فلما جاوزت بكى، فقيل: ما أبكاك؟ قال: يا رب، هذا الغلام الذى بُعث بعدي يدخل الجنة من أمته أفضل مما يدخل من أمتي. فأتينا السماء السابعة، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: من معك؟ قيل: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ مرحباً به ولنعم المجيء جاء. فأتيت على إبراهيم فسلمت عليه فقال: مرحباً بك من ابنٍ ونبيٍّ. فرُفع لي البيت المعمور، فسألت جبريل فقال: هذا البيت المعمور، يُصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك، إذا خرجوا لم يعودوا إليه آخر ما عليهم. ورُفعت لي سدرةُ المنتهى، فإذا نَبِقُها كأنه قِلال هجر، وورقها
стр. 634
كأنه آذان الفيول، في أصلها أربعة أنهارٍ: نهران باطنان ونهران ظاهران. فسألت جبريل فقال: أما الباطنان ففي الجنة، وأما الظاهران النيل والفرات. ثم فرضت عليَّ خمسون صلاة، فأقبلت حتى جئت موسى فقال: ما صنعت؟ قلت: فرضت عليَّ خمسون صلاة. قال: أنا أعلم بالناس منك، عالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، وإن أمتك لا تطيق، فارجع إلى ربك فسله. فرجعت فسألته، فجعلها أربعين، ثم مثله ثم ثلاثين، ثم مثله فجعل عشرين، ثم مثله فجعل عشراً. فأتيت موسى فقال مثله فجعلها خمساً. فأتيت موسى فقال: ما صنعت؟ قلت: جعلها خمساً. فقال مثله. قلت فسلمت. فنودي: إني قد أمضيت فريضتي. وخففت عن عبادي، وأجزي الحسنة عشراً".
أقول: حاول بعض العلماء أن يؤولوا هذا الحديث فأولوه تأويلات شتى، والظاهر أن من أنهار الجنة الفرات والنيل، فأهل الجنة يختار لهم من مسميات ما عرفوا في الدنيا ما يزدادون به أنساً. وهناك اتجاهٌ إلى أن سيحان وجيحان والفرات والنيل التي ورد ذكرها مجتمعة في بعض النصوص قد شرفت بأن نسبت إلى الجنة في الدنيا إشارة إلى أنها ستكون من أنهار المسلمين في الدنيا فلها فضلها، ويمكن أن يكون في المسألة جانب غيبي يقتضي منا التسليم، فقد ذهب القاضي عياض إلى أن أصول سدرة المنتهى في الأرض بدليل أننا نشهد أن النيل والفرات ينبعان من الأرض، وقد ذكرنا أن السموات السبع والجنة والنار مغيبة عنا. هذا ولم نذكر قول عياض مؤيدين له إنما ذكرناه كنموذج لاحتمال أن يكون في المسألة جانب غيبي يجب التسليم فيه دون البحث عنه. وقال القرطبي: (... وقيل إنما أطلق على هذه الأنهار أنها من الجنة تشبيهاً لها بأنهار الجنة لما فيها من شدة العذوبة والحسن والبركة. وعلى هذا فالنيل والفرات المذكوران في الحديث نهران موجودان في الجنة وهما غير الفرات والنيل الموجودين على الأرض، وفي ذلك إيناس لأهل الجنة وتشريف للنيل والفرات الأرضيين).
٦٦٢ - * روى البخاريُّ ومسلم عن ابن عباسٍ ﵄ عن النبي ﷺ قال:
стр. 635
"رأيت ليلة أسري بي موسى رجلاً آدم طوالاً جعداً كأنه من رجال شنوءة- ورأيت عيسى رجلاً مربوعاً، مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض، سبط الرأس. ورأيت مالكاً خازن النار، والدجال في آيات أراهن الله إياه، فلا تكن في مريةٍ من لقائه". قال أنسٌ وأبو بكرة عن النبي ﷺ : "تحرس الملائكة المدينة من الدجال".
أقول: ويبدو أنهم كانوا متميزين بشيء ما في الجسد أو الملبس حتى أصبح يشبه بهم بعض الناس.
٦٦٣ - * روى مسلمٌ عن أبي هريرة، قال: قال أبو جهل: هل يُعفِّرُ محمدٌ وجهه بين أظهركم؟ قال: فقيل: نعم. فقال: واللاتِ والعُزى! لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته، أو لأعفرن وجهه في التراب. قال: فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلي. زعم ليطأ على رقبته. قال: فما فجئهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه. قال: فقيل له: مالك؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقاً من نار وهولاً وأجنحة.
فقال رسول الله ﷺ : "لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضواً عضواً".
٦٦٤ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵄ أنه قال: قال أبو جهل: لئن رأيت محمداً يُصلي عند الكعبة لأطأن على عنقه. فبلغ النبي ﷺ فقال: "لو فعله لأخذته الملائكة". تابعه عمروبن خالد عن عبيد الله عن عبد الكريم.
٦٦٥ - * روى البخاري عن عروة أن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ حدثته أنها