خفي علي شيء مما قالوا". قال رسول الله ﷺ : "هم نفر من الملائكة". أو قال: "هم من الملائكة". أو كما شاء الله.
٧٢٧ - * روى مسلم عن علقمة ﵀، قال: قلت لابن مسعودٍ: هل صحب النبي ﷺ ليلة الجن منكم أحد؟ قال: ما صحبه منا أحد، ولكنا كنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلةٍ ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا: استطير، أو اغتيل. فبتنا بشر ليلةٍ بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل جراء. قال: فقلنا: يا رسول الله، فقدناك، فطلبناك، فلم نجدك، فبتنا بشر ليلةٍ بات بها قوم. قال: "أتاني داعي الجن، فذهبت معه، فقرأت عليهم القرآن". قال: فانطلق بنا، فأرانا آثارهم، وآثار نيرانهم وسألوه الزاد، فقال: "لكم كل عظمٍ ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما، وكل بعرةٍ علف لدوابكم". فقال رسول الله ﷺ : "فلا تستنجوا بهما، فإنهما طعام إخوانكم".
وفي رواية (١) بعد قوله: "وآثار نيرانهم"، قال الشعبي: وسألوه الزاد؟ وكانوا من جن الجزيرة -إلى آخر الحديث، من قول الشعبي مفصلاً من حديث عبد الله.
ورواه الترمذي (٢)، وذكر فيه قول الشعبي، كما سبق في هذه الرواية الآخرة، وزاد فيه: "أو روثةٍ".
стр. 667
وفي رواية لمسلم (١) أن ابن مسعود قال: لم أكن ليلة الجن مع رسول الله ﷺ ، ووددت أني كنت معه. لم يزد على هذا.
وروى أبو داود (٢) منه طرفًا، قال: قلت لعبد الله بن مسعودٍ: من كان منكم ليلة الجن مع النبي ﷺ ؟ فقال: ما كان معه منا أحد. لم يزد على هذا.
٧٢٨ - * روى الطبراني عن الزبير بن العوام قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح في مسجد المدينة فلما انصرف قال: "أيكم يتبعني إلى وفد الجن الليلة؟ " فأسكت القوم فلم يتكلم منهم أحد، قال ذلك ثلاثًا، فمر بي يمشي فأخذ بيدي، فجعلت أمشي معه حتى خنست عنا جبال المدينة كلها، وأفضينا إلى أرض بزار فإذا رجال طوال كأنهم الرماح مستذفري ثيابهم من بين أرجلهم، فلما رأيتهم غشيتني رعدة شديدة حتى ما تمسكني رجلاي من الفرق، فلما دنونا منهم خط لي رسول الله ﷺ بإبهام رجله في الأرض خطأ، فقال لي: "اقعد في وسطه". فلما جلست ذهب عني كل شيء كنت أجده من ريبة، ومضى النبي ﷺ بيني وبينهم فتلا قرآنًا رفيعًا حتى طلع الفجر، ثم أقبل حتى مر بي فقال لي: "الحق". فجعلت أمشي معه فمضينا غير بعيد فقال لي: "التفت فانظر هل ترى حيث كان أولئك من أحد؟ ". قلت: يا رسول الله أرى سوادًا كثيرًا. فخفض رسول الله ﷺ رأسه إلى الأرض فنظم عظمًا بروثة ثم رمى به إليهم، ثم قال: "رشد. أولئك مني، وفد قوم هم وفد نصيبين سألوني الزاد فجعلت لهم كل عظم وروثة". قال الزبير: فلا يحل لأحد أن يستنجي بعظم ولا روثة أبدًا.
стр. 668
٧٢٩ - * روى مسلم عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ "خلقت الملائكة من نورٍ. وخلق الجان من مارجٍ من نارٍ. وخلق آدم مما وصف لكم".
٧٣٠ - * روى مسلم عن أبي هريرة: قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله (وفي رواية أبي كريب: يا ويلي) أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار".
٧٣١ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الملائكة تنزل في العنان" وهو السحاب- "فتذكر الأمر قضي في السماء، فتسترق الشياطين السمع فتسمعه فتوحيه إلى الكهان، فيكذبون منها مائة كذبةٍ من عند أنفسهم".
٧٣٢ - * روى البخاري: قال ابن عباس ﵄: صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد، أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل. وأما سواع فكانت لهذيل. وأما يغوث فكانت لمرادٍ، ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ. وأما يعوق فكانت لهمدان. وأما نسر فكانت لحميرٍ، لآل ذي الكلاع. أسماء رجالٍ صالحين من قوم نوحٍ. فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا وسموها بأسمائهم ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت.
стр. 669
٧٣٣ - * روى مسلم عن أنس بن مالكٍ: أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل ﷺ وهو يلعب مع الغلمان. فأخذه فصرعه فشق عن قلبه. فاستخرج القلب. فاستخرج منه علقة. فقال: هذا حظ الشيطان منك. ثم غسله في طستٍ من ذهب بماء زمزم. ثم لأمه ثم أعاده في مكانه. وجاء الغلمان يسعون إلى أمه (يعني ظئره) فقالوا: إن محمدًا قد قتل. فاستقبلوه وهو منتقع اللون. قال أنس: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره".
٧٣٤ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمر قال: ما سمعت عمر لشيء قط يقول: إني لأظنه كذا إلا كان كما يظن. بينما عمر جالس إذ مر به رجل جميل فقال عمر: لقد أخطأ ظني، أو إن هذا على دينه في الجاهلية، أو لقد كان كاهنهم، علي الرجل. فدعي له، فقال له ذلك. فقال: ما رأيت كاليوم استقبل به رجل مسلم. قال: فإني أعزم عليك إلا ما أخبرتني. قال: كنت كاهنهم في الجاهلية. قال: فما أعجب ما جاءتك به جنيتك؟ قال: بينما أنا يومًا في السوق، جاءتني أعرف فيها الفزع فقالت: ألم تر الجن وإبلاسها، ويأسها من بعد إنكاسها، ولحوقها بالقلاص وأحلاسها. قال عمر: صدق، بينما أنا نائم عند آلهتهم، إذ جاء رجل بعجلٍ فذبحه، فصرخ به صارخ لم أسمع صارخًا قط أشد صوتًا منه يقول: يا جليح، أمر نجيح، رجل فصيح، يقول: لا إله إلا أنت. فوثب القوم. قلت: لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا. ثم نادى: يا جليح، أمر نجيح، رجل فصيح، يقول: لا إله إلا الله. فقمت
стр. 670
فما نشبنا أن قيل: هذا نبي.
٧٣٥ - * روى مسلم عن عبد الله بن مسعودٍ، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما منكم من أحدٍ إلا وقد وكل به قرينه من الجن". قالوا: وإياك؟ يا رسول الله! قال: "وإياي. إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير".
غير أن في حديث سفيان "وقد وكل به قرينه من الجن، وقرينه من الملائكة".
٧٣٦ - * روى مسلم: قال عروة: إن عائشة، زوج النبي ﷺ حدثته؛ أن رسول الله ﷺ خرج من عندها ليلاً. قالت: فغرت عليه، فجاء فرأى ما أصنع. فقال: "مالك؟ يا عائشة! أغرت؟ " فقلت: وما لي لا يغار مثلي على مثلك فقال ﷺ : "أقد جاءك شيطانك؟ " قالت: يا رسول الله أو معي شيطان؟ قال: "نعم". قلت: ومع كل إنسانٍ؟ قال: "نعم" قلت: ومعك؟ يا رسول الله! قال: "نعم. ولكن ربي أعانني عليه حتى أسلم".
٧٣٧ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة؛ أن النبي ﷺ قال: "إذا استيقظ أحدكم من منامه فليستنثر ثلاث مراتٍ. فإن الشيطان يبيت على خياشيمه".
٧٣٨ - * روى مسلم عن عبد الله: قال: ذكر عند رسول الله ﷺ رجل نام ليلة حتى أصبح. قال: "ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه". أو قال: "في أذنه".
стр. 671
قال النووي:
(بال الشيطان في أذنيه) اختلفوا في معناه. فقال ابن قتيبة: معناه أفسده. وقال المهلب والطحاوي وآخرون: هو استعارة وإشارة إلى انقياده للشيطان وتحكمه فيه، عقده على قافية رأسه: عليك ليل طويل. وإذلاله له، وقيل: معناه استخف به واحتقره واستعلى عليه. يقال: لمن استخف بإنسان وخدعه: بال في أذنه. وأصل ذلك في دابة تفعل ذلك بالأسد، إذلالا له. وقال الحربي: معناه ظهر عليه وسخر منه. قال القاضي عياض: ولا يبعد أن يكون على ظاهره قال: وخص الأذن لأنها حاسة الانتباه. ا. هـ.
٧٣٩ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "التثاؤب من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع، فإن أحدكم إذا قال: ها ضحك الشيطان".
٧٤٠ - * روى مسلم عن سهيل بن أبي صالح، قال: سمعت ابنا لأبي سعيد الخدري يحدث أبي عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا تثاؤب أحدكم، فليمسك بيده على فيه. فإن الشيطان يدخل".
٧٤١ - * روى مسلم عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تجعلوا بيوتكم مقابر. إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة".
٧٤٢ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ :
стр. 672
"إذا نودي بالصلاة أبدر الشيطان وله ضراط، فإذا قضي أقبل، فإذا ثوب بها أدبر، فإذا قضي أقبل حتى يخطر بين الإنسان وقلبه فيقول: اذكر كذا وكذا. حتى لا يدري أثلاثًا صلى أم أربعًا، فإذا لم يدر ثلاثًا صلى أو أربعًا سجد سجدتي السهو".
٧٤٣ - * روى البخاري عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري عن أبيه أنه أخبره أن أبا سعيدٍ الخدري ﵁ قال له: "إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك وباديتك فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة". قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله ﷺ .
٧٤٤ - * روى أبو داود عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "رصوا صفوفكم وقاربوا بينها وحاذوا بالأعناق، فوالذي نفسي بيده إني لأرى الشياطين تدخل من خلل الصفوف كأنها الحذف".
٧٤٥ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه صلى صلاة فقال: "إن الشيطان عرض لي فشد علي يقطع الصلاة علي، فأمكنني الله منه".
٧٤٦ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه سلم: "إن عفريتًا من الجن تفلت البارحة ليقطع علي صلاتي، فأمكنني الله منه، فأخذته، فأردت أن
стр. 673
أربطه على ساريةٍ من سواري المسجد حتى تنظروا إليه كلكم، فذكرت دعوة أخي سليمان: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ فرددته خاسئًا".
٧٤٧ - * روى البزار عن جابر بن سمرة أن النبي ﷺ قال: "إن الشيطان عرض لي فجعل يلقي علي شرر النار فلولا دعوة أخي سليمان لأخذته".
(دعوة سليمان): قوله تعالى على لسانه: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ (١).
٧٤٨ - * روى الطبراني عن جابر عن النبي ﷺ قال: "دخلت البيت فإذا شيطان خلف الباب فخنقته حتى وجدت برد لسانه على يدي، فلولا دعوة العبد الصالح لأصبح مربوطًا يراه الناس".
٧٤٩ - * روى أحمد عن عياض قال: قلت لأبي سعيد الخدري: أحدنا يصلي فلا يدري كم صلى. فقال: قال رسول الله ﷺ : "إذا صلى أحدكم فلا يدري كم صلى فليسجد سجدتين وهو جالس، وإذا جاء أحدكم الشيطان فقال: إنك قد أحدثت فليقل: كذبت. إلا ما وجد ريحه بأنفه أو سمع صوته بأذنه".
стр. 674
٧٥٠ - * روى البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: قال النبي ﷺ : "إذا مر بين أحدكم شيء وهو يصلي فيلمنعه، فإن أبى فليمنعه فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان".
٧٥١ - * روى البخاري عن عائشة ﵂: سألت النبي ﷺ عن التفات الرجل في الصلاة فقال: "هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة أحدكم".
٧٥٢ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة، يبلغ به النبي ﷺ : "يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم ثلاث عقدٍ إذا نام. بكل عقدةٍ يضرب عليك ليلاً طويلاً. فإذا استيقظ، فذكر الله. انحلت عقدة، وإذا توضأ، انحلت عنه عقدتان. فإذا صلى انحلت العقد. فأصبح نشيطًا طيب النفس. وإلا أصبح خبيث النفس كسلان".
٧٥٣ - * روى مسلم عن عبد الله، قال: لا يجعلن أحدكم للشيطان من نفسه جزءًا،
стр. 675
لا يرى إلا حقًا عليه أن لا ينصرف إلا عن يمينه. أكثر ما رأيت رسول الله ﷺ ينصرف عن شماله.
٧٥٤ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب السماء، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين".
٧٥٥ - * روى الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي منادٍ: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار. وذلك كل ليلةٍ".
٧٥٦ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان؛ فأتاني آتٍ فجعل يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ -فذكر الحديث- فقال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي، لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح. فقال النبي ﷺ : "صدقك وهو كذوب، ذاك شيطان".
٧٥٧ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: كان النبي ﷺ يعوذ الحسن
стр. 676
والحسين ويقول: "إن أباكما كان يعوذ بها إسماعيل وإسحاق: أعوذ بكلمات الله التامة، من كل شيطانٍ وهامة، ومن كل عينٍ لامة".
٧٥٨ - * روى البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "أما إن أحدكم إذا أتى أهله وقال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فرزقا ولدًا، لم يضره الشيطان".
٧٥٩ - * روى البخاري؛ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته".
٧٦٠ - * روى مالك في الموطأ عن خالد بن الوليد؛ قال لرسول الله ﷺ : إني أروع في منامي. فقال له رسول الله ﷺ : "قل: أعوذ بكلمات الله التامة. من غضبه وعقابه وشر عباده. ومن همزات الشياطين. وأن يحضرن.
٧٦١ - * روى مالك عن يحيى بن سعيد؛ أنه قال: أسري برسول الله ﷺ فرأى عفريتا من الجن، يطلبه بشعلة من نارٍ، كلما التفت رسول الله ﷺ رآه. فقال له جبريل: أفلا أعلمك كلماتٍ تقولهن. إذا قلتهن طفئت شعلته، خر لفيه؟ فقال رسول الله ﷺ : "بلى". فقال جبريل: فقل: أعوذ بوجه الله الكريم، وبكلمات الله
стр. 677
التامات اللاتي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما ينزل من السماء وشر ما يعرج فيها، وشر ما ذرأ في الأرض وشر ما يخرج منها، ومن فتن الليل والنهار، ومن طوارق الليل والنهار، إلا طارقًا يطرق بخيرٍ يا رحمن.
٧٦٢ - * روى البخاري عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال: قال النبي ﷺ : "الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان، فإذا حلم أحدكم حلمًا يخافه فليبصق عن يساره وليتعوذ بالله من شرها، فإنها لا تضره".
٧٦٣ - * روى مسلم عن أبي قتادة، عن رسول الله ﷺ : أنه قال: "الرؤيا الصالحة من الله. والرؤيا السوء من الشيطان. فمن رأى رؤيا فكره منها شيئًا فلينفث عن يساره، وليتعوذ بالله من الشيطان، لا تضره. ولا يخبر بها أحدًا. فإن رأى رؤيا حسنة فليبشر. ولا يخبر إلا من يحب".
٧٦٤ - * روى مسلم عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال "إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب. وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا. ورؤيا المسلم جزء من خمسٍ وأربعين جزءًا من النبوة. والرؤيا ثلاثة: [فالرؤيا] الصالحة بشرى من الله. ورؤيا تحزين من الشيطان. ورؤيا مما يحدث المرء نفسه. فإن رأى أحدكم ما يكره، فليقم فليصل، ولا يحدث بها الناس".
٧٦٥ - * روى مسلم عن أبي سلمة قال: إن كنت لأرى الرؤيا تمرضني. قال: فلقيت أبا قتادة، فقال: وأنا كنت لأرى الرؤيا فتمرضني حتى سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الرؤيا الصالحة من الله. فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث بها إلا من يحب. وإن رأى ما يكره فليتفل عن يساره ثلاثًا، وليتعوذ بالله من شر الشيطان وشرها. ولا يحدث بها أحدًا، فإنها لن تضره".
стр. 678
٧٦٦ - * روى البخاري في تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٥، ٦]. جمعه: سعر. قال مجاهد: الغرور بالشيطان.
٧٦٧ - * روى مسلم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف. وفي كل خير. احرص على ما ينفعك واستعن بالله. ولا تعجز. وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله، وما شاء فعل. فإن لو تفتح عمل الشيطان".
٧٦٨ - * روى البخاري ومسلم عن صفية بنت حيى، قالت: "كان رسول الله ﷺ معتكفًا، فأتيته أزوره ليلاً فحدثته ثم قمت فانقلبت، فقام معي ليقلبني -وكان سكنها في دار أسامة بن زيدٍ -فمر رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا فقال النبي ﷺ : "على رسلكما، إنها صفية بنت حيي". فقالا: سبحان الله يا رسول الله. قال: "إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في
стр. 679
قلوبكما سوءًا" -أو قال-: "شيئًا".
٧٦٩ - * روى مسلم عن جابر؛ أن رسول الله ﷺ رأى امرأة. فأتى امرأته زينب، وهي تمعس منيئة لها. فقضى حاجته ثم خرج إلى أصحابه فقال: "إن المرأة تقبل في صورة شيطان، وتدبر في صورة شيطانٍ، فإذا أبصر أحدكم امرأة فليأت أهله. فإن ذلك يرد ما في نفسه".
٧٧٠ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: رأيت رسول الله ﷺ يشير إلى المشرق فقال: "ها إن الفتنة ها هنا، إن الفتنة ها هنا، من حيث يطلع قرن الشيطان".
٧٧١ - * روى البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا طلع حاجب الشمس فدعوا الصلاة حتى تبرز، وإذا غاب حاجب الشمس فدعوا الصلاة حتى تغيب ولا تحينوا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها، فإنها تطلع بين قرني شيطان". أو "الشيطان". لا أدري أي ذلك قال هشام [أحد الرواة].
٧٧٢ - * روى البخاري عن عقبة بن عمرو أبي مسعود قال: أشار رسول الله ﷺ بيده نحو اليمن فقال: "الإيمان يمانٍ ها هنا، ألا إن القسوة وغلظ القلوب في الفدادين عند أصول أذناب الإبل حيث يطلع قرنا الشيطان في ربيعة ومضر".
٧٧٣ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: أتى النبي ﷺ برجل قد شرب، قال: "اضربوه". قال أبو هريرة ﵁: فمنا الضارب بيده والضارب
стр. 680
بنعله والضارب بثوبه. فلما انصرف قال: بعض القوم: أخزاك الله. قال: "لا تقولوا هكذا، لا تعينوا عليه الشيطان".
٧٧٤ - * روى البخاري عن سعد بن أبي وقاصٍ قال: "استأذن عمر على رسول الله ﷺ وعنده نساء من قريشٍ يكلمنه ويستكثرنه عالية أصواتهن، فلما استأذن عمر قمن يبتدرن الحجاب، فأذن له رسول الله ﷺ ، ورسول الله ﷺ يضحك، فقال عمر: أضحك الله سنك يا رسول الله. قال: "عجبت من هؤلاء اللائي كن عندي، فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب". قال عمر: فأنت يا رسول الله كنت أحق أن يهبن. ثم قال: أي عدوات أنفسهن، أتهبنني ولا تهبن رسول الله ﷺ ؟ قلن: نعم، أنت أفظ وأغلظ من رسول الله ﷺ . قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده، ما لقيك الشيطان قط سالكًا فجا إلا سلك فجا غير فجك".
٧٧٥ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: لما كان يوم أحد هزم المشركون، فصاح إبليس، أي عباد الله، أخراكم، فرجعت أولاهم فاجتلدت هي وأخراهم، فنظر حذيفة فإذا هو بأبيه اليمان، فقال: أي عباد الله، أبي أبي. فوالله ما احتجزوا حتى قتلوه، فقال حذيفة: غفر الله لكم. قال عروة: فما زالت في حذيفة منه بقية خير حتى لحق بالله".
٧٧٦ - * روى أحمد عن عبد الله بن مسعود قال: خط لنا رسول الله ﷺ خطًا ثم قال: "هذا سبيل الله". ثم خط خطوطًا عن يمينه وعن شماله ثم قال: "هذه سبل" قال يزيد: "متفرقة على كل سبيلٍ منها شيطان يدعو إليه". ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾.
стр. 681
٧٧٧ - * روى النسائي عن محمد بن حمزة أنه سمع أباه يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "على ظهر كل بعير شيطان فإذا ركبتموها فسموا الله ثم لا تقصروا عن حاجاتكم".
٧٧٨ - * روى أبو داود عن قطن بن قبيصة عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "العيافة والطيرة والطرق من الجبت".
٧٧٩ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ ، فذكر أحاديث منها: وقال رسول الله ﷺ : "لا يشير أحدكم إلى أخيه بالسلاح. فإنه لا يدري أحدكم لعل الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من النار".
٧٨٠ - * روى أحمد عن عياض بن حمار، قال: قلت: يا رسول الله رجل من قومي يشتمني وهو دوني، علي بأس أن انتصر منه؟ قال: "المستبان شيطانان يتهاذيان ويتكاذبان".
٧٨١ - * روى البخاري ومسلم عن هشام بن عامر أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يحل لمسلم أن يهجر مسلمًا فوق ثلاث ليالٍ، فإنهما تناكبان عن الحق ما داما
стр. 682
على صرامهما، وأولهما فيئًا يكون سبقه بالفيء كفارة له، وإن سلم فلم يقبل ورد عليه سلامه ردت عليه الملائكة، ورد على الآخر الشيطان، وإن ماتا على صرامهما لم يدخلا الجنة جميعًا أبدًا".
٧٨٢ - * روى البخاري عن سليمان بن صردٍ قال: "كنت جالسًا مع النبي ﷺ ورجلان يستبان، فأحدهما احمر وجهه وانتفخت أوداجه، فقال النبي ﷺ : "إني لأعلم كلمة لو قالها ذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان ذهب عنه ما يجد". فقالوا له: إن النبي ﷺ قال: "تعوذ بالله من الشيطان". فقال: وهل بي جنون"؟.
أقول: إن الغضب يجر الإنسان من وضع سيء إلى وضع أسوأ، فهذا إنسان أحدث فيه الغضب ما أحدث، ثم استجره الغضب لأن يرد كلام رسول الله ﷺ جهلاً منه، لأنه ربط بين الاستعاذة والجنون، والأمر ليس كذلك، فالاستعاذة من الشيطان مطلوبة في أحوال منها: حالات الغضب؛ لأن للشيطان دوره في الغضب من ناحية، ولأنه بالغضب يستجر الشيطان الإنسان إلى مواقف لا تحمد عقباها دينًا ودنيا.
٧٨٣ - * روى مسلم عن عبيد بن عميرٍ، قال: قالت أم سلمة: لما مات أبو سلمة قلت: غريب وفي أرض غربةٍ، لأبكينه بكاء يتحدث عنه، فكنت قد تهيأت للبكاء عليه إذ أقبلت امرأة من الصعيد تريد أن تسعدني فاستقبلها رسول الله ﷺ وقال: "أتريدين أن تدخلي الشيطان بيتًا أخرجه الله منه" مرتين، فكففت عن البكاء فلم أبك.
٧٨٤ - * روى مسلم عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا وقعت لقمة
стр. 683
أحدكم فليأخذها، فليمط ما كان بها من أذى وليأكلها، ولا يدعها للشيطان. ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه؛ فإنه لا يدري في أي طعامه البركة".
٧٨٥ - * روى مسلم عن أبي عثمان، عن سلمان، قال: لا تكونن إن استطعت، أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها. فإنها معركة الشيطان، وبها ينصب رايته.
٧٨٦ - * روى مسلم عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن إبليس يضع عرشه على الماء. ثم يبعث سراياه. فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة. يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا. فيقول: ما صنعت شيئًا". قال: "ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته" قال: "فيدنيه منه ويقول: نعم أنت".
٧٨٧ - * روى مسلم عن حذيفة بن اليمان، قلت: يا رسول الله! إنا كنا بشر فجاء الله بخير، فنحن فيه. فهل من وراء هذا الخير شر؟ قال: "نعم". قلت: هل وراء ذلك الشر خير؟ قال: "نعم". قلت: فهل وراء ذلك الخير شر؟ قال: "نعم". قلت: كيف؟ قال: "يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي. وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس". قال: قلت: كيف
стр. 684
أصنع يا رسول الله! إن أدركت ذلك؟ قال: "تسمع وتطيع للأمير. وإن ضرب ظهرك. وأخذ مالك فاسمع واطع".
٧٨٨ - * روى البخاري عن المغيرة عن إبراهيم عن علقمة، قال قدمت الشام، قالوا: أبو الدرداء، قال: أفيكم الذي أجاره الله من الشيطان على لسان نبيه ﷺ وقال: الذي أجاره الله على لسان نبيه ﷺ ، يعني عمارًا.
٧٨٩ - * روى مسلم عن المقداد. قال: أقبلت أنا وصاحبان لي، وقد ذهبت أسماعنا وأبصارنا من الجهد. فجعلنا نعرض أنفسنا على أصحاب رسول الله ﷺ ، فليس أحد منهم يقبلنا، فأتينا النبي ﷺ فانطلق بنا إلى أهله. فإذا ثلاثة أعنز، فقال النبي ﷺ : "احتلبوا هذا اللبن بيننا". قال: فكنا نحتلب فيشرب كل إنسانٍ منا نصيبه، ونرفع للنبي ﷺ نصيبه. قال: فيجيء من الليل فيسلم تسليمًا لا يوقظ نائمًا. ويسمع اليقظان. قال: ثم يأتي المسجد فيصلي، ثم يأتي شرابه فيشرب. فأتاني الشيطان ذات ليلةٍ، وقد شربت نصيبي، فقال: محمد يأتي الأنصار فيتحفونه، ويصيب عندهم، ما به حاجة إلى هذه الجرعة. فأتيتها فشربتها. فلما أن وغلت في بطني، وعلمت أنه ليس إليها سبيل. قال: ندمني الشيطان. فقال: ويحك! ما صنعت؟ أشربت شراب محمد؟ فيجيء فلا يجده فيدعو عليك فتهلك، فتذهب دنياك وآخرتك. وعلى شملة إذا وضعتها على قدمي خرج رأسي، وإذا وضعتها على رأسي خرج قدماي. وجعل لا يجيئني النوم، وأما صاحباي فناما ولم يصنعا ما صنعت. قال: فجاء النبي ﷺ فسلم كما كان يسلم، ثم أتى المسجد فصلى. ثم أتى شرابه فكشف عنه فلم يجد فيه شيئًا، فرفع رأسه إلى
стр. 685
السماء. فقلت: الآن يدعو علي فأهلك. فقال: "اللهم! أطعم من أطعمني. وأسق من أسقاني". قال: فعمدت إلى الشملة فشددتها علي. وأخذت الشفرة فانطلقت إلى الأعنز أيها أسمن فأذبحها لرسول الله ﷺ ، فإذا هي حافلة، وإذا هن حفل كلهن. فعمدت إلى إناءٍ لآل محمدٍ ﷺ ما كانوا يطمعون أن يحتلبوا فيه. قال: فجلبت فيه حتى علته رغوة فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه سلم فقال: "أشربتم شرابكم الليلة؟ " قال: قلت: يا رسول الله! اشرب. فشرب ثم ناولني، فقلت: يا رسول الله! اشرب. فشرب ثم ناولني. فلما عرفت أن النبي ﷺ قد روي، وأصبت دعوته، ضحكت حتى ألقيت إلى الأرض. قال: فقال النبي ﷺ : "إحدى سوآتك يا مقداد". فقلت: يا رسول الله! كان من أمري كذا وكذا، وفعلت كذا. فقال النبي ﷺ : "ما هذه إلا رحمة من الله. أفلا كنت آذتني، فنوقظ صاحبينا فيصيبان منها". قال: فقلت: والذي بعثك بالحق! ما أبالي إذا أصبتها وأصبتها معك، من أصابها من الناس.
٧٩٠ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون، ولكن في التحريش بينهم".
٧٩١ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم".
٧٩٢ - * روى مسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: إن الشيطان ليتمثل في صورة الرجل، فيأتي القوم فيحدثهم بالحديث من الكذب، فيتفرقون، فيقول الرجل
стр. 686
منهم: سمعت رجلاً أعرف وجهه، ولا أعرف اسمه، يحدث كذا وكذا.
٧٩٣ - * روى الطبراني عن عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله ﷺ : "قال الشيطان لعنه الله لن يسلم مني صاحب المال من إحدى ثلاث، أغدو عليه بهن وأروح بهن: أخذه من غير حله، وإنفاقه في غير حقه، وأحببه إليه فيمنعه من حقه".
٧٩٤ - * روى ابن ماجه عن عثمان بن أبي العاص، قال: لما استعملني رسول الله ﷺ على الطائف جعل يعرض لي شيء في صلاتي حتى ما أدري ما أصلي، فلما رأيت ذلك رحلت إلى رسول الله ﷺ فقال: "ابن أبي العاص"؟ قلت: نعم يا رسول الله قال: "ما جاء بك"؟ قلت: يا رسول الله عرض لي شيء في صلواتي حتى ما أدري ما أصلي. قال: "ذاك الشيطان، ادن" فدنوت منه فجلست على صدور قدمي قال: فضرب صدري بيده وتفل في فمي وقال: "اخرج عدو الله". ففعل ذلك ثلاث مراتٍ، ثم قال: "الحق بعملك". قال: فقال عثمان: فلعمري ما أحسبه خالطني بعد.
٧٩٥ - * روى مسلم عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال "الجرس مزمار الشيطان".
٧٩٦ - * روى البخاري عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا استجنح الليل" -أو "كان جنح الليل- فكفوا صبيانكم فإن الشياطين تنتشر جينئذٍ، فإذا ذهب ساعة من العشاء فخلوهم، وأغلق بابك واذكر اسم الله، وأطفئ مصباحك واذكر اسم الله، وأوك سقاءك واذكر اسم الله، وخمر إناءك واذكر اسم الله".
стр. 687
٧٩٧ - * روى البخاري عن جابر بن عبد الله ﵄ -رفعه- قال: "خمروا الآنية. وأوكوا الأسقية، وأجيفوا الأبواب، وأكفئوا صبيانكم عند المساء، فإن للجن انتشارًا وخطفه، وأطفئوا المصابيح عند الرقاد فإن الفويسقة ربما اجترت الفتيلة فأحرقت أهل البيت".
٧٩٨ - * روى أحمد عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا سمعتم نباح الكلب ونهيق الحمار بالليل فتعوذوا بالله فإنهم يرون ما لا ترون".
* * *
стр. 688
التلخيص
الجن مخلوقات غيبية، ودليل ثبوت وجودهم: الكتاب والسنة وإجماع العلماء، وهم مكلفون كالإنس ومجازون مثلهم، وهم مكلفون منذ النشأة لوجود الإدراك عندهم منذ النشأة، وقد ذكر ابن عبد البر أن الجن عند أهل اللغة على مراتب: فإن ذكروا الجن خالصًا قالوا جني، فإن كان ممن يسكن مع الناس سمي عامرًا والجمع عمار، فإن كان ممن يعرض للصبيان قالوا أرواح، فإن خبث وتمرد قالوا شيطان، فإن زاد على ذلك قالوا مارد، فإن زاد على ذلك وقوي قالوا عفريت والجمع عفاريت، وهناك من ذهب إلى أن الشياطين والجن جنس واحد. فالشياطين منهم من خبث وتمرد وهذا هو الرأي الراجح، ومن العلماء من ذهب إلى أن الجن مخلوقات هوائية، والشياطين مخلوقات نارية، وقد استنبط العلماء من مجموع النصوص أن الجن يتشكلون على خلاف بين العلماء؛ هل يتشكلون بالصور الشريفة كاملة كصورة الإنسان، أو لا يستطيعون التشكل إلا بصورة إنسان فيه نوع نقص أو بصورة مخلوقات أخرى؟ والراجح الأول؛ فهم يتشكلون بالأشكال الحسنة والقبيحة، ويأكلون ويشربون وينامون ويتزوجون ويتناسلون، والشياطين منهم يوسوسون لنبي آدم ويحاولون إغواءهم، فما من أحد من الإنس ذكرًا أو أثنى إلا وله قرين من الشياطين، وقد يصاب الإنسان بسببهم بنوع من الأمراض كالصرع والجنون والتشنج، وقد يصلون إلى بعض الناس بنوع من الأذى، ومن الظواهر المشهورة أنهم قد يتلبسون أجسام بعض الناس وينطقون على ألسنتهم، ولعل بعض مظاهر تحضير الأرواح تكون من ذكل، وقد سخر الله عالم الجن لسليمان ﵇ فكان ذلك خصوصية له، وهم لا يعلمون شيئًا عن المستقبل، لكن قد يعرفون بواسطة بعضهم بعضًا ما جرى وما يجري، فلا عجب أن يستطيع بعض من لهم صلة بالجن أن يكتشفوا سرقة أو يعرفوا ما جرى في أمكنة بعيدة، فليس ذلك من علم الغيب.
والتوقي من الجن والشياطين يكون بالذكر والاستعاذة وتلاوة القرآن والصلاة، ومن أصيب بسبب من الجن فبالإمكان معالجته بتلاوة المعوذات وآية الكرسي وقراءة سورة البقرة، ويصح التداوي بكل شيء تجيزه الفتوى، والجن في الجملة وإن كانوا مكلفين فهم في
стр. 689
الكرامة أدنى من بني الإنسان؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (١)، والجن يستطيعون الصعود إلى طبقات الجو العليا ويرصدون خبر السماء، قال تعالى على لسان الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ (٢) ومعنى لمسنا: قصدنا كما فسرها العلماء، وللجن قدرات خارقة نتعرف عليها مما ورد في قصة سليمان ﵇ في القرآن، ولو أن المتتبعين لبعض الظواهر الأرضية نظروا بعين الإنصاف لوجودوا أن كثيرًا من هذه الظواهر لا تعلل إلا إذ أعطينا للجن دورًا في صنعها، فقد قرأت مرة عن منطقة عبدت وصيغت صياغة لا يمكن أن تكون كذلك إلا إذا كانت هنالك جهة تشرف عليها إشرافًا علويًا، وتوجه العاملين على الأرض، ومثل هذا لا تفسير له في الماضي إلا أن يكون للجن صلة بهذا الموضوع، وقصة سليمان ﵇ في القرآن تعطينا دليلاً قطعيًا على أن للجن دخلاً في بعض الأوابد التي أنشأها سليمان ﵇، وبالجملة فإنني أميل إلى أن بعض الأوابد الحاضرة التي لا تعلل بطاقة الإنسان قديمًا، ولا بإمكاناته العلمية، يمكن أن يكون للجن دخل فيها.
ولم تزل البشرية ولا تزال تحدثنا عن ظواهر ليس لها تعليل إلا بوجود عالم من الجن، ولم يزل أفراد يوجدون في كل مكان لهم صلة بالجن، ولم يزل هناك أفراد يشكون من حالات لا تعلل إلا بوجود الجن.
فائدة:
حاول بعض العلماء المربين في هذه الأمة أن يوجدوا قواعد وضوابط لتخريج الوارث الكامل أو الولي المرشد، وقد كتب كثير من العلماء في شروط المرشد الكامل، وما يجب أن يتوافر فيه من كمالات وصفات ومعارف، ولقد كان من رأي أحد شيوخنا أنه لا يكمل المرشد -حتى يكون صالحًا للإرشاد- إلا بمعرفته لآلية عمل الشيطان؛ فإن الذي يعرف أخلاق الشيطان وخطواته ومداخله على النفس البشرية هو الذي يستطيع أن يجنب نفسه وإخوانه مداخل الشيطان، ومثل هذا المرشد هو الذي يعرف الكمالات الإنسانية التي إذا تحقق بها
стр. 690
الإنسان خرج من أثر الشيطان وكيف يوصل إليها ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ (١).
إن فقه مداخل الشيطان على الأنفس من أعظم أنواع الفقه، فإنما يصرف الإنسان عن الله واليوم الآخر الشيطان والنفس والهوى والدنيا.
والشيطان حادي ركب أهل النار.
ولقد حاول شيخنا الذي أشرت إلى فكرته أن يضع سلمًا لمسيرة الإنسان من الحضيض إلى الكمال، ومما ذكره أن الإنسان غير المعصوم إن استوفى كمالاته لم يبق للشيطان عليه مدخل إلا من قبل شهواته الحسية أو المعنوية.
ومن الشهوات المعنوية حب الجاه الدنيوي والتصدر الدنيوي والرئاسة التي لا يقصد بها وجه الله واليوم الآخر.
* * *
стр. 691
نقول في ما قاله بعض العلماء في الجن
لم تزل أخبار الجن وقصصهم والحديث عنهم ومباشرتهم لخطاب بعض الناس تملأ الكثير من الكتب؛ ففي كتب العهد القديم والجديد وفي كتب الطب القديمة والحديثة وفي كتب العلماء والمحقيين وعند أهل الأديان عامة كلام كثير عن هذا الموضوع، وقد جاءتنا نصوص الكتاب والسنة بالخبر اليقين.
لقد كتب عباس محمود العقاد كتابًا أسماه "إبليس"، والعقاد بشكل عام متأثر في بعض كتبه -ومنها هذا الكتاب- بالدراسات المقارنة، وهي دراسات تخبط في تيه وضياع وتتراوح وجهات النظر فيها كثيرًا بين طرفي الزاوية. وأهم جوانب الكتاب أنه يعطينا تصورًا عن تصورات الأمم عن الشيطان كما وصلت إلينا؛ فهو يحدثنا عن الشيطان في الحضارة المصرية والحضارة الهندية، وحضارات ما بين النهرين، وحضارة اليونان، وعن الشيطان في الديانة اليهودية والديانة النصرانية.
ومن كلامه عن الشيطان في الحضارة المصرية.
(وقد شغل "سيت" وظيفة ضرورية في عهود الأزمات التي تنهزم فيها الدولة وتنضب الثروة ويختل نظام الحكم وتضطرب مرافق المعيشة. فقد كان "سيت" يبوء وحده بجريرة ذلك كله، وكانت عليه وحده تبعة كل آفة لا يستطاع دفعها، ومن هذه الآفات ريح السموم وعوارض الجفاف والقحط وأوبئة المرض، وسائر الأمراض التي كانت تنسب من قديم الزمن إلى الجن والعفاريت، وقد كانت عليه التبعة أيضًا في بقاء السحر والخبيث؛ لأنه كان على علم واسع بفنونه، ولم يكن في وسع الكهان والسحرة أن يعالجوا شروره ويبرئوا المرضى من آفاته بغير وسائله وأسراره، ولهذا كثرت عندهم التمائم والتعاويذ، ومنها ما بقي إلى اليوم في صور الجعل والحشرات والأساور والقلائد التي لا تصنع للزينة ولكنها تقرن بالأدوية والعقاقير طلبًا للشفاء، ويقول الأطباء الذين كانوا يشتغلون بالطب والسحر: إن الدواء هو الذي يشفي ويبرئ من المرض، ولكن التمائم والتعاويذ هي التي تمنع "العكوس" من فعل أرواح الشر وأطياف الظلام.
стр. 692
وقد كان الفراعنة أنفسهم يلجأون إلى السحر لمغالبة الأرواح الخفية، فاستعان رمسيس الثاني بأصحاب التمائم والتعاويذ على مداواة أهل بيته، ولم يفعل ذلك جهلاً منه بالطب ولا تعظيمًا منه لقدر السحر، ولكنه فعله إيمانًا بضرورة اختيار الترياق من جنس المرض، ولك شيء آفة من جنسه كما قيل من قبل، ويقال في كل زمان).
ومن كلام العقاد عن الشيطان في الحضارة الهندية:
(ومن ذلك في هذا الباب عقيدتهم في العفاريت الخبيئة أو العابثة التي يسمونها بالـ "راكشا" وينسبون إليها أعمالاً كأعمال الشياطين في الديانات الأخرى ... فالشياطين في صورة "الراكشا" هم "الشر" الذي أبغضه الآريون وصوروه لأبنائهم في الصورة التي تنفرهم منه وتحذرهم من كيده ...
وليس في الديانة الهندية وفروعها المتشعبة شخصية واحدة تشبه شخصية الشيطان. غير الرب الذي يسمونه "المارا" من الموت ...
وهذا الـ "المارا" هو الذي قيل في قصة "بوذا" إنه وسوس له وألح في وسواسه ليشغله عن النسك ويصرفه عن مسلكه من الحكمة وهو مسلك الزهد والاعتدال). اهـ.
- ومن كلام العقاد عن الشيطان في حضارة ما بين النهرين دجلة والفرات وما جاورهما: تحدث عن "الثنوية" التي تفر من باهرمان وهو الروح الخبيث، وتحدث عن "الزرداشيتة" التي تؤمن بـ (يامة) الذي امتلأت نفسه بالخيلاء فسولت له نفسه أن يناظر الإله ... وأن يكاذب نفسه بخيلائه.
- إن قضية الشيطان تعتبر قاسمًا مشتركًا في الثقافة الإنسانية وهي من بقايا الحق الذي تحدث عنه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولما حرفت ديانات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بفعل الجهل والهوى والغلو فلقد كان من جملة ما دخل عليه التحريف قضية الشيطان، ونحن لا يهمنا من الدراسات المقارنة إلا إثبات أن هناك قضيا لها أصولها، وأن القرآن جاءنا بالحق اليقين في الأصول والفروع وأعطانا الحق واليقين والصواب مفصلاً في كل شيء.
стр. 693
- وقد كتب عبد الرزاق نوف عن الجن والشياطين، وكان من كلامه:
وتروي النسخ المتداولة من الأناجيل أن سيدنا عيسى قد أخرج الشيطان من كثير من المرضى الذين كان المس قد أصابهم بحالات مرضية وبجنون أيضًا ففي إنجيل متي نجد النص:
(وفيما هما خارجان إذا إنسان أخرس مجنون قدموه إليه. فلما أخرج الشيطان تكلم الأخرس فتعجب الجموع قائلين: لم يظهر قط مثل هذا في إسرائيل. أما الفريسيون فقالوا برئيس الشياطين يخرج الشياطين).
وفي إنجيل مرقس نجد النص:
(وكان في مجمعهم رجل به روح نجس: فصرخ قائلاً آه ما لنا لك يا يسوع الناصري: أتيت لتهلكنا أنا أعرفك من أنت قدوس الله فانتهره يسوع قائلاً: اخرس واخرج منه. فصرعه الروح النجس وصاح بصوت عظيم وخرج منه).
وفي إنجيل لوقا نجد نصًا يشير إلى أن الإنسان قد يمسه أكثر من شيطان إذ يقول:
(وعلى أثر ذلك كان يسير في مدينة وقرية يكرز ويبشر بملكوت الله معه الاثنا عشر وبعض النساء كن قد شفين من أرواح شريرة وأمراض. مريم التي تدعى المجدلية التي خرج منها سبعة شياطين).
ويمكن أن يستمر مس الشيطان للإنسان سنوات عديدة ففي إنجيل لوقا أن امرأة كان بها روح أضعفها وكانت منحنية بسببها ولم تقدر أن تنتصب ألبتة ثمانية عشرة عامًا فوضع سيدنا عيسى يده عليها فاستقامت وقال: (هذه هي ابنة إبراهيم قد ربطها الشيطان ثماني عشرة سنة أما كان ينبغي أن تحل من هذا الرباط في يوم السبت ...
فنجد أبو قراط الذي عرف بأي الطب يهتم بوسائل العرافة والسحر ومحاربة الشياطين وهو الذي قال عن الصرع الذي وصفوه بأنه المرض المقدس: إنه خال من القداسة ... ثم جالين أمير الأطباء حيث يهتم باتخذا الجديد من طرق طرد الشياطين، ثم كرامر واسبرنجر وقد ذاع في زمانهما أنها قاتلا أكثر من سبعين أميرًا من الشياطين وسبعة ملايين وأربعمائة
стр. 694
وخمسة آلاف وأكثر من الشياطين الأقل درجة منهم .. ولقد كانت الفكرة السائدة والتي ظلت فترة طويلة تبلغ مئات السنين هي المسيطرة على كل وسائل العلاج ... تلك التي كانت تقول بضرب الشيطان لإخراجه من جسد المريض بل وحتى إلى عهد قريب كان الجراح العظيم توماس ويليز من أكبر أطباء التشريح يقرر أن خير علاج لمرضى العقول هو الركل والقيد. ولذلك كان البروفسور كالين ينادي بأن معظم حالات الاضطرابات والتي لا سبب عضوي لها لا تشفى إلا بشدة الوثاق والضرب، وقد نادى الدكتور ريل الألماني والاخصائي في الأمراض العقلية بما يسميه العلاج التعذيبي الذي لا يضر.
ويقول العالم كارنجتون عضو جمعية البحوث النفسية الأمريكية في كتابه "الظواهر الروحية الحديثة" عن حالة المس: (واضح أن حالة المس هي على الأقل حالة واقعية لا يستطيع العلم بعد أن يهمل أمرها ما دامت توجد حقائق كثيرة مدهشة تؤيدها. وما دام الأمر كذلك فإن دراستها أصبحت لازمة وواجبة لا من الوجهة الأكاديمية فقط بل لأن مئات من الناس وألوفًا يعانون كثيرًا في الوقت الحاضر من هذه الحالة ولأن شفاءهم منها يستلزم الفحص السريع والعلاج الفوري. وإذا ما نحن قررنا مكنة المس من الوجهة النظرية انفتح أمامنا مجال فسيح للبحث والتقصي ويتطلب كل ما يتطلبه العلم الحديث والتفكير السيكولوجي من العناية والحذق والجلد).
وفي كتاب "تحليل الحالات غير العادية في علاج العقول المريضة" يقول الدكتور بل: (لدينا الكثير الذي يصح أن نميط عنه اللثام، وعلى الأخص ما كان متعلقًا بحالة المس الروحي باعتباره عاملاً مسببًا للأمراض النفسية والعصبية ولقد ظهر لنا المس الروحي أكثر تعقيدًا مما كان يظن أولا. ولا تتألف الشخصية الماسة من نفس مخلوق غير مجسد من عقله وإرادته فقط بل هما في الواقع شخصية مؤلفة من أشياء كثيرة. والشخصية الماسة المركزية وهي الشخصية التي اصطدمت أولاً بمجمع حواس الشخص الممسوس وهي على وجه العموم قليلة المقاومة لإيحاءات الغير، ومن ثم تصبح هذه الشخصية مطية سهلة لأولئك الذين يرغبون في الاقتراب من أي إنسان بهذه الطريقة التي تبدو كأنها لا شأن لها إلا في الحصول على الترضية الخاصة لمجموع الأرواح الماسة كلها أو بعضها، وبمضي الزمن يزداد التضام في هذه العملية حتى يتم في النهاية تلاشي الشخص الممسوس الذي يعمل إلى مثل هذه الحال
стр. 695
تلاشيًا تامًا .. ويظهر أن للأرواح الماسة ثلاث نقط اصطدام رئيسية هي: قاعدة المخ ومنطقة الضفيرة الشمسية والمركز المهيمن على أعضاء التناسل، وأما الضجة التي لابد أن تحدث بهذا المس وتفاعلات الشخص الممسوس فيمكن دراستها في مستشفيات الأمراض العقلية ... ومع ذلك فحينما يأتي ممارسو القوة الروحية الحديثون بالعجب العجاب في طرد الشياطين أو الأرواح الماسة ومداواة المرضى والمحزونين فلا يكون نصيبهم من بعض الأطباء إلا نظرة الزراية والاستخفاف).
ويقول الدكتور جيمس هايسلوب في كتابه عن المس: (إنه تأثير خارق للعادة تؤثر به شخصية واعية خارجية في عقل شخص وجسمه ولا يمكن إنكار مكنة حدوث المس) ويرى بعض الأطباء كالدكتور كارل ويكلاند أن الجنون قد ينشأ من استحواذ روح خبيث على الشخص المريض فيحدث اضطرابًا واختلالاً في اهتزازاته وأنه بالكهربائية الاستاتيكية تنظم الاهتزازات وتطرد الشخصية المستحوذة ويعود العقل إلى حالته الطبيعية دون تأثير شخصية ماسة له.
ولذلك فقد اهتم العلم مالحديث بوسائل علاج مثل هذه الحالات وإن اختلفت الألفاظ واللغات التي وردت فيها طرق العلاج من المس فإنها كلها تتفق في الجوهر والأصل، فالدكتور باورز أستاذ الأمراض العصبية في جامعة مينابوليس بأمريكا يقول في بيان هذا العلاج: كنت في أيام شبابي أضحك ساخرًا مستهزئًا بذلك الرأي القائل بأن الأرواح الخبيثة الشريرة المؤذية غير المتجسدة قد تحدث في ظروف خاصة اضطرابات جسيمة أو عقلية خطيرة لبعض الناس، وكنت أحمل في إحدى يدي كتاب بوخنر المسمى: القوة والمادة، وفي اليد الأخرى كتاب هكل المسمى: لغز الكون، وأسخر من الرأي القائل بأن أي روح ابتداء من يسوع المسيح إلى العمة ماريا تستطيع أن تساعد على إزالة بقايا الثوب الطيني الرث البالي الذي نرتديه الآن أو أن تزيل من العقل ذلك السم الروحي الذي يحول التفاعلات العقلية إلى هذيان الأبله المعتوه أو إلى خبل الجنون القاتل أو إلى يأس المالنخوليا المفجع. ولا يستطيع شخص ذكي أن ينكر أن هناك سببًا لمعظم الأمراض التي تصيب الإنسان وآه لو يعرف هذا السبب" ا. هـ من كتاب الجن والملائكة.
стр. 696
- ولابن عابدين الفقيه الحنفي المشهور -صاحب حاشية ابن عابدين المسماة: "رد المحتار على الدر المختار" وهي أعظم مرجع في فقه الحنفية كتبه المتأخرون- رسالة مطبوعة من رسائل أخرى طبعت تحت اسم "رسائل ابن عابدين" تحدث فيها عن تلمذة بعض الجن على شيخه خالد ﵀ واسم الرسالة "سل الحسام الهندي لنصرة ملنا خالد القشبندي"، ومن كلامه في هذه الرسالة:
(في الطبقات الكبرى عن حرملة أنه قال: سمعت الإمام الشافعي رحمه الله تعالى يقول: من زعم من أهل العدالة أنه يرى الجن أبطلنا شهادته لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ (١) إلا أن يكون الزاعم نبيًا انتهى ... لكن هذا ينافي ما مر عن شرح المقاصد من حكاية مشاهدتهم عن كثير من العقلاء وأرباب المكاشفات، فإن المتبادر أن المراد المشاهدة بدون تشكل إلا أن يكون ذلك من باب الكرامة، فإن ما صح أن يكون معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة لولي على ما مر فيه من الكلام مبسوطًا وكلام الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه في غير أصحاب الكرامات عند عدم التشكل، وإلا فلا وجه لمنع رؤيتهم لكل أحد عند التشكل.
وصح عن الأعمش أنه قال: تروح إلينا جني فقلت له: ما أحب الطعام إليكم؟ قال: الأرز. قال: فأتيناهم به فجعلت أرى اللقم ترفع ولا أرى أحدًا ... وفي آثار وأخبار أخرى أن مؤمنيهم يصلون ويصومون ويحجون ويطوفون ويقرؤن القرآن ويتعلمون العلوم ويأخذونها عن الإنس وإن لم يشعروا بهم وكذا رواية الحديث.
تنبيه: قد تحصل مما ذكرنا سابقًا ولاحقًا جواز رؤية الجن بعد التشكل لكل أحد، وكذا بدون تشكل لمن شاء الله تعالى من عباده فضلاً عن حضورهم في مجالس الذكر وسماع أصواتهم" اهـ.
وقال الشيخ حسن أيوب:
(وذكر صاحب كتاب "آكام المرجان" حكاية عن الإمام أحمد بن حنبل ﵁:
стр. 697
هي أن المتوكل أنفذ إليه صاحبًا له يعلمه أن جارية بها صرع وسأله أن يدعو الله لها بالعافية. فأخرج له أحمد نعلي خشب بشراك - أي رباط - من خوص للوضوء فدفعه إلى صاحب له وقال له: تمضي إلى دار أمير المؤمنين، وتجلس عند رأس هذه الجارية وتقول له (يعني الجني) قال لك أحمد: أيُّما أحبُّ إليك، تخرج من هذه الجارية، أو تصفع هذه النعل سبعين؟ فمضى إليه وقال له مثل ما قال له الإمام أحمد. فقال المارد على لسان الجارية: السمع والطاعة. لو أمرنا أحمد ألا نقيم بالعراق ما أقمنا به. إنه أطاع الله، ومن أطاع الله أطاعه كل شيء. وخرج من الجارية. وهدأت ورزقت أولادًا) ا. هـ. (الإيمان بالرسل والكتب واليوم الآخر).
وذكر الشيخ أبو بكر جابر الجزائري في كتابه: (عقيدة المؤمن) حادثة وقعت في بيت أهله، قال:
إنه كان لي أخت أكبر مني تدعى (سعدية) وكنا يوما ونحن صغار نطلع عراجين التمر من أسفل البيت إلى سطحه بواسطة حبل يربط به القنو (العرجون) ونسحبه إلى السطح ونحن فوقه، فحصل أن أختي سعدية جرت الحبل، فضعفت عنه، فغلبها فوقعت على الأرض على أحد الجنون (١)، فكأنها بوقوعها عليه آذته أذًى شديدًا، فانتقم منها فكان يأتيها عند نومها في كل أسبوع مرتين أو ثلاثًا، أو أكثر فيخنقها، فترفس المسكينة برجليها، وتضطرب كالشاة المذبوحة ولا يتركها إلا بعد أن تصبح أشبه بميتة، ونطق مرةً على لسانها مصرحًا بأنه يفعل بها هذا لأنها آذته يوم كذا في مكان كذا .. ومازال يأتيها ويعذبها بصرعة تأتيها عند النوم فقط حتى قتلها بعد نحو عشر سنوات من العذاب الذي لا يطاق، فصرعها ليلة على عادته فما زالت ترفس برجليها وتضطرب حتى ماتت، غفر الله لها، ورحمها .. آمين.
هذه الحادثة عشتها، وبعيني رأيتها، وما راءٍ كمن سمع!!!) ا. هـ.
стр. 698
الوصل الأول
في:
ظاهرة ابن صياد
وفيه:
مقدمة ونقول ونصوص
стр. 699
المقدمة
إنما ذكرنا هذا الفصل هنا لارتباطه بصلة الشيطان بالإنسان، فابن صياد رجل يهودي الأصل ثم أسلم بعد ذلك في الظاهر، وكان تجري على لسانه كلمات كفرية، وكانت له صلة بعالم الجن، فهو يمثل ظاهرة الوحي الشيطاني للإنسان، وقد اشتبه أمره على بعض الصحابة حتى ظنوه المسيح الدجال وليس هو يقينًا لكنه يشبهه وكان أمره ملتبسًا، ولأن هذا اللبس لا يترتب عليه عمل ولا خطر ولا خطأ، فإن رسول الله ﷺ أبقى هذا الاحتمال مفتوحًا لحكمة يعلمها هو ﵊، ونتوقع أن رسول الله ﷺ أراد بذلك أن يفتح لأمته باب الاجتهاد في فهم الأخبار المستقبلية التي أخبر عنها أنها كائنة بعده إذا وجد المجتهد ما يدعوه لذلك الاجتهاد، وكان النص أو الأمر يحتمل ذلك.
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ (١). وإيحاء الشياطين يظهر بمظاهر شتى منها الوسوسة التي يوسوس القرين - إلا من عصم الله - وهذه يحس بها أهل القلوب وأكثر الخلق عنها غافلون، وإن كان الإنسان لا يخلو عن شعور باطني بدوافع داخلية شريرة، ولذلك تكلم بعض علماء النفس عن أنواع من الدوافع الغريبة التي تلح عليها هذه الدوافع، وقد يأخذ إيحاء الشياطين مظهرًا أكثر انكشافًا لدى صاحبه، وظاهرة ابن صياد تمثل هذا الوضع.
وقد رأينا في البحث السابق أن الجن يمكن أن يتلبسوا جسم الإنسان فيتكلموا على لسانه وهي ظاهرة مرئية مشاهدة، كما رأينا كيف أن بعض الإنس يكون لهم اتصال بعالم الجن، وظاهرة ابن صياد تدخل في هذا الموضوع فهو على اتصال بعالم الشياطين من عالم الجن.
يظهر اضطراب بعض أهل التحقيق في تفسير هذه الظاهرة، وهل ابن صياد هو الدجال الذي يظهر في آخر الزمان أو هو دجال من الدجاجلة؟ والذي نجزم به قطعًا أنه دجال من الدجاجلة أبقى الرسول ﷺ الباب مفتوحًا للتعليل والتحليل في شأنه، فهو ظاهرة مهمة تظهر في الحياة البشرية بأجزاء من هذه الظاهرة أو بها كلها.
وهاك تحقيقًا للإمام النووي حول ابن صياد ننقله من شرحه على صحيح مسلم:
стр. 700
النقول
قال الإمام النووي ﵀:
يقال له ابن صياد وابن صائد وسمي بهما في هذه الأحاديث واسمه صاف، قال العلماء: وقصته مشكلة وأمره مشتبه في أنه: هل هو المسيح الدجال المشهور أم غيره؟ ولا شك في أنه دجال من الدجاجلة. قال العلماء: وظاهر الأحاديث أن النبي ﷺ لم يوح إليه بأنه المسيح الدجال ولا غيره وإنما أوحي إليه بصفات الدجال وكان في ابن صياد قرائن محتملة فلذلك كان النبي ﷺ لا يقطع بأنه الدجال ولا غيره ولهذا قال لعمر ﵁: (إن يكن هو فلن تستطيع قتله) وأما احتجاجه هو بأنه مسلم والدجال كافر، وبأنه لا يولد للدجال وقد ولد له هو، وأن لا يدخل مكة والمدينة وأن ابن صياد دخل المدينة وهو متوجه إلى مكة فلا دلالة له فيه؛ لأن النبي ﷺ إنما أخبر عن صفاته وقت فتنته وخروجه في الأرض. ومن اشتباه قصته وكونه أحد الدجاجلة الكذابين: قوله للنبي ﷺ : (أتشهد أني رسول الله)، ودعواه أنه يأتيه صادق وكاذب، وأنه يرى عرشًا فوق الماء، وأنه لا يكره أن يكون هو الدجال، وأنه يعرف موضعه، وقوله: إني لأعرفه وأعرف مولده وأين هو الآن وانتفاخه حتى ملأ السكة، وأما إظهاره الإسلام وحجه وجهاده وإقلاعه عما كان عليه فليس بصريح في أنه غير الدجال. قال الخطابي: واختلف السلف في أمره بعد كبره فروى عنه أنه تاب من ذلك القول ومات بالمدينة وأنهم لما أرادوا الصلاة عليه كشفوا عن وجهه حتى رآه الناس وقيل لهم اشهدوا قال: وكان ابن عمر وجابر فيما روى يحلفان أن ابن صياد هو الدجال لا يشكان فيه فقيل لجابر: إنه أسلم فقال: وإن أسلم. فقيل: إنه دخل مكة وكان في المدينة، فقال: وإن دخل. وروى أبو داود في سننه بإسناد صحيح عن جابرٍ قال: فقدنا ابن صياد يوم الحرة. وهذا يعطل رواية من روى أنه مات بالمدينة وصلى عليه. وقد روى مسلم أن جابر بن عبد الله حلف بالله تعالى أن ابن صياد هو الدجال وأنه سمع عمر ﵁ يحلف على ذلك عند النبي ﷺ فلم ينكره النبي ﷺ . وروى أبو داود بإسناد صحيح عن ابن عمر أنه كان يقول: والله، ما أشك أن ابن صياد هو المسيح الدجال. قال البيهقي في كتابه (البعث والنشور): اختلف الناس في أمر ابن صياد اختلافًا كثيرًا هل هو
стр. 701
الدجال؟ قال: ومن ذهب إلى أنه غيره احتج بحديث تميم الداري في قصة الجساسة قال: ويجوز أن توافق صفة ابن صياد صفة الدجال كما ثبت في الصحيح أن أشبه الناس بالدجال عبد العزى بن قطن. وليس كما قال وكان أمر ابن صياد فتنة ابتلى الله تعالى بها عباده فعصم الله تعالى منها المسلمين ووقاهم شرها. قال: وليس في حديث جابر أكثر من سكوت النبي ﷺ لقول عمر فيحتمل أنه ﷺ كان كالمتوقف في أمره ثم جاءه البيان أنه غيره كما صرح به في حديث تميم. هذا كلام البيهقي، وقد اختار أنه غيره وقد قدمنا أنه صح عن عمر وعن ابن عمر وجابر ﵃ أنه الدجال والله أعلم. فإن قيل: كيف لم يقتله النبي ﷺ مع أنه ادعى بحصرته النبوة؟ فالجواب من وجهين ذكرهما البيهقي وغيره، أحدهما: أنه كان غير بالغ، واختار القاضي عياض هذا الجواب، والثاني: أنه كان في أيام مهادنة اليهود وحلفائهم، وجزم الخطابي في معالم السنن بهذا الجواب الثاني، قال: لأن النبي ﷺ بعد قدومه المدينة كتب بينه وبين اليهود كتاب صلح على أن لا يهاجوا ويتركوا على أمرهم وكان ابن صياد منهم أو دخيلًا فيهم. قال الخطابي: وأما امتحان النبي ﷺ بما خبأه له من آية الدخان فلأنه كان يبلغه ما يدعيه من الكهانة ويتعاطاه من الكلام في الغيب فامتحنه ليعلم حقيقة حاله ويظهر إبطال حاله للصحابة وأنه كاهن ساحر يأتيه الشيطان فيلقي على لسانه ما يلقيه الشياطين إلى الكهنة فامتحنه بإضمار قول الله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ (١) وقال: (خبأت لك خبيئًا) فقال: هو الدخ أي الدخان وهي لغة فيه فقال له النبي ﷺ : (اخسأ فلن تعدو قدرك) أي لا تجاوز قدرك وقدر أمثالك من الكهان الذين يحفظون من إلقاء الشيطان كلمة واحدة من جملة كثيرة بخلاف الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، فإنهم يوحي الله تعالى إليهم من علم الغيب ما يوحي فيكون واضحًا كاملًا، وبخلاف ما يلهمه الله الأولياء من الكرامات والله أعلم. ا. هـ.
* * *
стр. 702
النصوص النبوية في ابن صياد
٧٩٩ - * روى البخاري ومسلم، عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: إن عمر ابن الخطاب انطلق مع رسول الله ﷺ في رهطٍ من أصحابه قبل ابن صياد، حتى وجده يلعب مع الصبيان عند أطم بني مغالة، وقد قارب ابن صياد يومئذ الحلم، فلم يشعر حتى ضرب رسول الله ﷺ ظهره بيده، ثم قال رسول الله ﷺ لابن صياد: (أتشهد أني رسول الله)؟ فنظر إليه ابن صياد، فقال: أشهد أنك رسول الأميين. فقال ابن صياد لرسول الله ﷺ : أتشهد أني رسول الله؟ فرفضه رسول الله ﷺ ، وقال: (آمنت بالله وبرسله). ثم قال له رسول الله ﷺ : (ماذا ترى)؟ قال ابن صياد: يأتيني صادق وكاذب. فقال له رسول الله ﷺ : (خلط عليك الأمر). ثم قال له رسول الله ﷺ : (إني قد خبأت لك خبيئًا). فقال ابن صياد: هو الدخ. فقال له رسول الله ﷺ : (اخسأ فلن تعدو قدرك) فقال عمر بن الخطاب: ذرني يا رسول الله أضرب عنقه، فقال له رسول الله ﷺ : (إن يكنه فلن تسلط عليه، وإن لم يكنه، فلا خير لك في قتله).
وقال سالم: سمعت ابن عمر يقول: انطلق بعد ذلك رسول الله ﷺ وأبي بن كعب الأنصارى إلى النخل التي فيها ابن صياد، حتى إذا دخل رسول الله ﷺ النخل طفق يتقي بجذوع النخل، وهو يختل أن يسمع من ابن صيادٍ شيئًا قبل أن يراه ابن صياد، فرآه رسول الله ﷺ وهو مضطجع على فراشٍ في قطيفة له فيها رمرمة أو زمزمة، فرأت أم ابن صياد رسول الله ﷺ وهو يتقي بجذوع النخل، فقالت لابن صياد: يا صاف - وهو اسم ابن صياد - هذا محمد، فثار ابن صياد، فقال رسول الله ﷺ : (لو تركته بين).
قال سالم: قال عبد الله بن عمر: فقام رسول الله ﷺ في الناس، فأثنى على الله بما هو له أهلٌ، ثم ذكر الدجال، فقال: (إني لأنذركموه، ما من نبيٍّ إلا قد أنذره قومه،
стр. 703
لقد أنذره نوحٌ قومه، ولكن أقول لكم فيه قولًا لم يقله نبي لقومه: تعلموا أنه أعور، وإن الله ﵎ ليس بأعور).
وزاد مسلم (١): قال ابن شهاب: وأخبرني عمر بن ثابت الأنصارى: أنه أخبره بعض أصحاب رسول الله ﷺ قال - يوم حذر الناس الدجال -: (إنه مكتوب بين عينه كافرٌ، يقرؤه كل من كره عمله أو - يقرؤه كل مؤمن) - وقال: (تعلموا أنه لن يرى أحدٌ منكم ربه حتى يموت).
وفي رواية الترمذي (٢)، أن رسول الله ﷺ مر بابن صياد في نفرٍ من أصحابه - منهم: عمر بن الخطاب - وهو يلعب مع الغلمان، عند أطم بني مغالة - وهو غلامٌ - فلم يشعر حتى ضرب رسول الله ﷺ ظهره بيده .. وذكر الحديث إلى قوله: (خلط عليك الأمر). وقال ثم قال رسول الله ﷺ : (إني قد خبأت خبيئًا). وخبأ له ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] فقال ابن صياد: هو الدخ. فقال رسول الله ﷺ : (اخسأ، فلن تعدو قدرك). قال عمر: يا رسول الله ائذن لي فأضرب عنقه. فقال رسول الله ﷺ : (إن يك حقًا فلن تسلط عليه، وإن لا يك، فلا خير لك في قتله).
وفي رواية لأبي داود (٣): زاد بعد قوله: (فلن تسلط عليه). قال: يعني الدجال.
٨٠٠ - * روى أحمد عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال لابن صياد: (ما ترى)؟ قال: أرى عرشًا على البحر وحوله الحيتان. قال رسول الله ﷺ : (ترى عرش إبليس).
стр. 704
٨٠١ - * روى البخاري ومسلم عن محمد بن المنكدر، قال: رأيت جابر بن عبد الله ﵄ يحلف بالله: أن ابن صياد الدجال، قال: قلت أتحلف بالله؟ قال: فإني سمعت عمر يحلف بالله على ذلك عند رسول الله ﷺ ، فلا ينكره.
وفي رواية لأبي داود بسند حسن (١): أنه قيل لجابر ﵁:
إنه أسلم. فقال: وإن أسلم. فقيل: إنه دخل مكة وكان بالمدينة. فقال: وإن دخل مكة.
٨٠٢ - * روى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال رسول الله ﷺ لابن صياد: (ما تربة الجنة)؟ قال: درمكةٌ بيضاء مسك يا أبا القاسم. قال: (صدقت).
وفي رواية (٢): أن ابن صياد سأل النبي ﷺ عن تربة الجنة؟ فقال: (درمكةٌ بيضاء مسك خالصٌ).
والجمع بين الروايتين بأن رسول الله ﷺ أخبره ابتداءً ثم امتحنه بالسؤال ليعرف مدى حافظته.
ونقل القاضي عياض: إن بعض أهل النظر قالوا: الرواية الثانية أظهر.
٨٠٣ - * روى مسلم عن نافع - مولى عبد الله بن عمر ﵄، قال: لقي ابن عمر ابن صائد في بعض طرق المدينة، فقال له قولًا أغضبه، فانتفخ حتى ملأ السكة،
стр. 705
فدخل ابن عمر على حفصة - وقد بلغها - فقالت له: رحمك الله، ما أردت من ابن صياد؟ أما علمت أن رسول الله ﷺ قال: (إنما يخرج [أي الدجال] من غضبة يغضبها؟).
وفي رواية (١): كان نافعٌ يقول: ابن صياد قال: قال ابن عمر: لقيته مرتين، فلقيته مع قومه، فقلت لبعضهم: هل تحدثون أنه هو؟ قالوا: لا والله. قال: قلت: كذبتموني، والله لقد أخبرني بعضكم أنه لن يموت حتى يكون أكثركم مالًا وولدًا، وكذلك هو زعموا اليوم، قال: فتحدثنا، ثم فارقته. قال: فلقيته لقية أخرى، وقد نفرت عينه. قال: فقلت: متى فعلت عينك ما أرى؟ قال: لا أدري. قلت: لا تدري وهي في رأسك؟ قال: إن شاء الله خلقها في عصاك هذه. قال: فنخر كأشد نخير حمار سمعت.
قال: فزعم بعض أصحابي أني ضربته بعصًا كانت معي حتى تكسرت، وأما أنا: فوالله ما شعرت. قالوا: وجاء حتى دخل على أم المؤمنين، فحدثها، فقالت: ما تريد إليه؟ ألم تعلم أنه قد قال: (إن أول ما يبعثه على الناس غضبةٌ يغضبها؟).
٨٠٤ - * روى أبو داود، عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: فقدنا ابن صياد يوم الحرة.
٨٠٥ - * روى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: صحبت ابن صياد إلى مكة، فقال لي: أما قد لقيت من الناس، يزعمون أني الدجال؟ ألست سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنه لا يولد له)؟ قال: قلت: بلى. قال: فقد ولد لي، أوليس سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يدخل المدينة ولا مكة)؟ قال: قلت: بلى. قال: فقد ولدت بالمدينة، وها أنا ذا أريد مكة. ثم قال في آخر قوله: أما والله إني لأعلم مولده ومكانه، وأين هو. قال فلبسني.