الدجال؟ قال: ومن ذهب إلى أنه غيره احتج بحديث تميم الداري في قصة الجساسة قال: ويجوز أن توافق صفة ابن صياد صفة الدجال كما ثبت في الصحيح أن أشبه الناس بالدجال عبد العزى بن قطن. وليس كما قال وكان أمر ابن صياد فتنة ابتلى الله تعالى بها عباده فعصم الله تعالى منها المسلمين ووقاهم شرها. قال: وليس في حديث جابر أكثر من سكوت النبي ﷺ لقول عمر فيحتمل أنه ﷺ كان كالمتوقف في أمره ثم جاءه البيان أنه غيره كما صرح به في حديث تميم. هذا كلام البيهقي، وقد اختار أنه غيره وقد قدمنا أنه صح عن عمر وعن ابن عمر وجابر ﵃ أنه الدجال والله أعلم. فإن قيل: كيف لم يقتله النبي ﷺ مع أنه ادعى بحصرته النبوة؟ فالجواب من وجهين ذكرهما البيهقي وغيره، أحدهما: أنه كان غير بالغ، واختار القاضي عياض هذا الجواب، والثاني: أنه كان في أيام مهادنة اليهود وحلفائهم، وجزم الخطابي في معالم السنن بهذا الجواب الثاني، قال: لأن النبي ﷺ بعد قدومه المدينة كتب بينه وبين اليهود كتاب صلح على أن لا يهاجوا ويتركوا على أمرهم وكان ابن صياد منهم أو دخيلًا فيهم. قال الخطابي: وأما امتحان النبي ﷺ بما خبأه له من آية الدخان فلأنه كان يبلغه ما يدعيه من الكهانة ويتعاطاه من الكلام في الغيب فامتحنه ليعلم حقيقة حاله ويظهر إبطال حاله للصحابة وأنه كاهن ساحر يأتيه الشيطان فيلقي على لسانه ما يلقيه الشياطين إلى الكهنة فامتحنه بإضمار قول الله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ (١) وقال: (خبأت لك خبيئًا) فقال: هو الدخ أي الدخان وهي لغة فيه فقال له النبي ﷺ : (اخسأ فلن تعدو قدرك) أي لا تجاوز قدرك وقدر أمثالك من الكهان الذين يحفظون من إلقاء الشيطان كلمة واحدة من جملة كثيرة بخلاف الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، فإنهم يوحي الله تعالى إليهم من علم الغيب ما يوحي فيكون واضحًا كاملًا، وبخلاف ما يلهمه الله الأولياء من الكرامات والله أعلم. ا. هـ.
* * *
стр. 702
النصوص النبوية في ابن صياد
٧٩٩ - * روى البخاري ومسلم، عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: إن عمر ابن الخطاب انطلق مع رسول الله ﷺ في رهطٍ من أصحابه قبل ابن صياد، حتى وجده يلعب مع الصبيان عند أطم بني مغالة، وقد قارب ابن صياد يومئذ الحلم، فلم يشعر حتى ضرب رسول الله ﷺ ظهره بيده، ثم قال رسول الله ﷺ لابن صياد: (أتشهد أني رسول الله)؟ فنظر إليه ابن صياد، فقال: أشهد أنك رسول الأميين. فقال ابن صياد لرسول الله ﷺ : أتشهد أني رسول الله؟ فرفضه رسول الله ﷺ ، وقال: (آمنت بالله وبرسله). ثم قال له رسول الله ﷺ : (ماذا ترى)؟ قال ابن صياد: يأتيني صادق وكاذب. فقال له رسول الله ﷺ : (خلط عليك الأمر). ثم قال له رسول الله ﷺ : (إني قد خبأت لك خبيئًا). فقال ابن صياد: هو الدخ. فقال له رسول الله ﷺ : (اخسأ فلن تعدو قدرك) فقال عمر بن الخطاب: ذرني يا رسول الله أضرب عنقه، فقال له رسول الله ﷺ : (إن يكنه فلن تسلط عليه، وإن لم يكنه، فلا خير لك في قتله).
وقال سالم: سمعت ابن عمر يقول: انطلق بعد ذلك رسول الله ﷺ وأبي بن كعب الأنصارى إلى النخل التي فيها ابن صياد، حتى إذا دخل رسول الله ﷺ النخل طفق يتقي بجذوع النخل، وهو يختل أن يسمع من ابن صيادٍ شيئًا قبل أن يراه ابن صياد، فرآه رسول الله ﷺ وهو مضطجع على فراشٍ في قطيفة له فيها رمرمة أو زمزمة، فرأت أم ابن صياد رسول الله ﷺ وهو يتقي بجذوع النخل، فقالت لابن صياد: يا صاف - وهو اسم ابن صياد - هذا محمد، فثار ابن صياد، فقال رسول الله ﷺ : (لو تركته بين).
قال سالم: قال عبد الله بن عمر: فقام رسول الله ﷺ في الناس، فأثنى على الله بما هو له أهلٌ، ثم ذكر الدجال، فقال: (إني لأنذركموه، ما من نبيٍّ إلا قد أنذره قومه،
стр. 703
لقد أنذره نوحٌ قومه، ولكن أقول لكم فيه قولًا لم يقله نبي لقومه: تعلموا أنه أعور، وإن الله ﵎ ليس بأعور).
وزاد مسلم (١): قال ابن شهاب: وأخبرني عمر بن ثابت الأنصارى: أنه أخبره بعض أصحاب رسول الله ﷺ قال - يوم حذر الناس الدجال -: (إنه مكتوب بين عينه كافرٌ، يقرؤه كل من كره عمله أو - يقرؤه كل مؤمن) - وقال: (تعلموا أنه لن يرى أحدٌ منكم ربه حتى يموت).
وفي رواية الترمذي (٢)، أن رسول الله ﷺ مر بابن صياد في نفرٍ من أصحابه - منهم: عمر بن الخطاب - وهو يلعب مع الغلمان، عند أطم بني مغالة - وهو غلامٌ - فلم يشعر حتى ضرب رسول الله ﷺ ظهره بيده .. وذكر الحديث إلى قوله: (خلط عليك الأمر). وقال ثم قال رسول الله ﷺ : (إني قد خبأت خبيئًا). وخبأ له ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] فقال ابن صياد: هو الدخ. فقال رسول الله ﷺ : (اخسأ، فلن تعدو قدرك). قال عمر: يا رسول الله ائذن لي فأضرب عنقه. فقال رسول الله ﷺ : (إن يك حقًا فلن تسلط عليه، وإن لا يك، فلا خير لك في قتله).
وفي رواية لأبي داود (٣): زاد بعد قوله: (فلن تسلط عليه). قال: يعني الدجال.
٨٠٠ - * روى أحمد عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال لابن صياد: (ما ترى)؟ قال: أرى عرشًا على البحر وحوله الحيتان. قال رسول الله ﷺ : (ترى عرش إبليس).
стр. 704
٨٠١ - * روى البخاري ومسلم عن محمد بن المنكدر، قال: رأيت جابر بن عبد الله ﵄ يحلف بالله: أن ابن صياد الدجال، قال: قلت أتحلف بالله؟ قال: فإني سمعت عمر يحلف بالله على ذلك عند رسول الله ﷺ ، فلا ينكره.
وفي رواية لأبي داود بسند حسن (١): أنه قيل لجابر ﵁:
إنه أسلم. فقال: وإن أسلم. فقيل: إنه دخل مكة وكان بالمدينة. فقال: وإن دخل مكة.
٨٠٢ - * روى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال رسول الله ﷺ لابن صياد: (ما تربة الجنة)؟ قال: درمكةٌ بيضاء مسك يا أبا القاسم. قال: (صدقت).
وفي رواية (٢): أن ابن صياد سأل النبي ﷺ عن تربة الجنة؟ فقال: (درمكةٌ بيضاء مسك خالصٌ).
والجمع بين الروايتين بأن رسول الله ﷺ أخبره ابتداءً ثم امتحنه بالسؤال ليعرف مدى حافظته.
ونقل القاضي عياض: إن بعض أهل النظر قالوا: الرواية الثانية أظهر.
٨٠٣ - * روى مسلم عن نافع - مولى عبد الله بن عمر ﵄، قال: لقي ابن عمر ابن صائد في بعض طرق المدينة، فقال له قولًا أغضبه، فانتفخ حتى ملأ السكة،
стр. 705
فدخل ابن عمر على حفصة - وقد بلغها - فقالت له: رحمك الله، ما أردت من ابن صياد؟ أما علمت أن رسول الله ﷺ قال: (إنما يخرج [أي الدجال] من غضبة يغضبها؟).
وفي رواية (١): كان نافعٌ يقول: ابن صياد قال: قال ابن عمر: لقيته مرتين، فلقيته مع قومه، فقلت لبعضهم: هل تحدثون أنه هو؟ قالوا: لا والله. قال: قلت: كذبتموني، والله لقد أخبرني بعضكم أنه لن يموت حتى يكون أكثركم مالًا وولدًا، وكذلك هو زعموا اليوم، قال: فتحدثنا، ثم فارقته. قال: فلقيته لقية أخرى، وقد نفرت عينه. قال: فقلت: متى فعلت عينك ما أرى؟ قال: لا أدري. قلت: لا تدري وهي في رأسك؟ قال: إن شاء الله خلقها في عصاك هذه. قال: فنخر كأشد نخير حمار سمعت.
قال: فزعم بعض أصحابي أني ضربته بعصًا كانت معي حتى تكسرت، وأما أنا: فوالله ما شعرت. قالوا: وجاء حتى دخل على أم المؤمنين، فحدثها، فقالت: ما تريد إليه؟ ألم تعلم أنه قد قال: (إن أول ما يبعثه على الناس غضبةٌ يغضبها؟).
٨٠٤ - * روى أبو داود، عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: فقدنا ابن صياد يوم الحرة.
٨٠٥ - * روى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: صحبت ابن صياد إلى مكة، فقال لي: أما قد لقيت من الناس، يزعمون أني الدجال؟ ألست سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنه لا يولد له)؟ قال: قلت: بلى. قال: فقد ولد لي، أوليس سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يدخل المدينة ولا مكة)؟ قال: قلت: بلى. قال: فقد ولدت بالمدينة، وها أنا ذا أريد مكة. ثم قال في آخر قوله: أما والله إني لأعلم مولده ومكانه، وأين هو. قال فلبسني.
стр. 706
وفي رواية (١): قال: قال لي ابن صائد - وأخذتني منه ذمامة - هذا عذرت الناس، مالي ولكم يا أصحاب محمد؟ ألم يقل نبي الله: (إنه يهودي). وقد أسلمت. وقال: (لا يولد له). وقد ولد لي. وقال: (إن الله حرم عليه مكة). وقد حججت؟
قال: فما زال حتى كاد أن يأخذ في قوله. قال: فقال له: أما والله إني لأعلم الآن حيث هو، وأعرف أباه وأمه. قال: وقيل له: أيسرك أنك ذاك الرجل؟ قال: فقال: لو عرض على ما كرهت.
وفي رواية (٢) قال: خرجنا حجاجًا - أو عمارًا - ومعنا ابن صائد، قال: فنزلنا منزلًا، فتفرق الناس، وبقيت أنا وهو، فاستوحشت منه وحشة شديدة مما يقال عليه، قال: وجاء بمتاعه فوضعه مع متاعي، فقلت: إن الحر شديدٌ، فلو وضعته تحت تلك الشجرة؟ قال: ففعل. قال: فرفعت لنا غنم فانطلق فجاء بعس، فقال: اشرب أبا سعيد. فقلت: إن الحر شديدٌ، واللبن حارٌّ، ما بي إلا أني أكره أن أشرب عن يده - أو قال: آخذ عن يده - فقال: أبا سعيد، لقد هممت أن آخذ حبلًا فأعلقه بشجرة ثم أختنق مما يقول لي الناس، يا أبا سعيد، من خفي عليه حديث رسول الله ﷺ ما خفي عليكم معشر الأنصار، ألست من أعلم الناس بحديث رسول الله ﷺ ؟ أليس قد قال رسول الله ﷺ : (هو كافر)؟ وأنا مسلم. أو ليس قد قال رسول الله ﷺ : (هو عقيم لا يولد له ولد). وقد تركت ولدي بالمدينة؟ أو ليس قد قال رسول الله ﷺ : (لا يدخل المدينة ولا مكة). وقد أقبلت من المدينة، وأنا أريد مكة؟ قال أبو سعيد: حتى كدت أن أعذره، ثم قال: أما والله إني لأعرفه، وأعرف مولده، وأين هو الآن؟ قال: قلت له: تبًّا لك سائر اليوم.
стр. 707
٨٠٦ - * وروى الترمذي الرواية الآخرة إلى قوله: وقد تركت ولدي بالمدينة. وقال: ألم يقل رسول الله ﷺ : (إنه لا تحل له مكة)؟ ألست من أهل المدينة، وهو ذا أنطلق معك إلى مكة؟ قال: فوالله ما زال يجيء بهذا، حتى قلت: فلعله مكذوبٌ عليه. ثم قال: يا أبا سعيد، والله لأخبرنك خبرًا حقًّا، والله إني لأعرفه، وأعرف والده، وأين هو الساعة (أي: الآن) من الأرض؟ فقلت له: تبًّا لك سائر اليوم.
٨٠٧ - * روى أبو داود عن نافع - مولى عبد الله بن عمر - أن ابن عمر ﵄ كان يقول: والله ما أشك أن المسيح الدجال ابن صياد.
٨٠٨ - * وروى أحمد عن أبي ذرٍّ، أنه كان يقول - في ابن صياد - هو الدجال. وقال: قالت أمه: حملته اثنى عشر شهرًا، فلما وقع، صاح صياح ابن شهرين، وكان يشب في اليوم الواحد شباب الصبي لشهرٍ.
روى الطبراني (٤) عن أبي ذر؛ لأن أحلف عشر مراتٍ أن ابن صائد هو الدجال أحب إلى من أن أحلف مرة واحدة أنه ليس به.
أقول: وعلى الفرض أن ابن صياد هو الدجال، فهذه الفترة التي قضاها تمثل ظاهرة لها صلة بالجن والشياطين، لأنها فترة ما قبل خروجه. وإنما جزمت بأن ابن صياد غير الدجال لحديث تميم الداري الذي أقول: وعلى الفرض أن ابن صياد هو الدجال، فهذه الفترة التي قضاها تمثل ظاهرة لها صلة بالجن والشياطين، لأنها فترة ما قبل خروجه. وإنما جزمت بأن ابن صياد غير الدجال لحديث تميم الداري الذي سيمر معنا والذي فيه أنه رأى الدجال في جزيرة من الجزر، فكيف يجتمع ذلك مع أن ابن صياد الدجال، خاصة وقد أقر الرسول ﷺ تميمًا الداري على رؤيته؟.
стр. 708
قال ابن كثير في النهاية:
(قال بعض العلماء: إن ابن صياد كان بعض الصحابة يظنه الدجال وهو ليس به إنما كان رجلًا صغيرًا).
(وقد كان ابن صياد من يهود المدينة ولقبه عبد الله ويقال صاف وقد جاء هذا وهذا وقد يكون أصل اسمه صاف ثم تسمى لما أسلم بابن عبد الله وقد كان ابنه عمارة بن عبد الله من سادات التابعين وروى عنه مالك وغيره وقد قدمنا أن الصحيح أن الدجال غير ابن صياد وأن ابن صياد كان دجالا من الدجاجلة ثم تاب بعد ذلك فأظهر الإسلام والله أعلم بضميره وسيرته).
(والأحاديث الواردة في ابن صياد كثيرة، وفي بعضها التوقف في أمره هل هو الدجال أو لا؟ فالله أعلم ويحتمل أن يكون هذا قبل أن يوحى إلى رسول الله ﷺ في شأن الدجال وتعيينه، وقد تقدم حديث تميم الداري في ذلك وهو فاصل في هذا المقام).
[وقال:] (وسنورد من الأحاديث ما يدل على أنه ليس بابن صياد والله تعالى أعلم وأحكم).
(والمقصود أن ابن صياد ليس بالدجال الذي يخرج في آخر الزمان قطعًا وذلك لحديث فاطمة بنت قيس الفهرية فإنه فيصل في هذا المقام والله أعلم) ا. هـ. من النهاية.
* * *
стр. 709
الوصل الثاني
في:
تحضير الأرواح
стр. 710
أخذت ظاهرة تحضير الأرواح حيزًا كبيرًا من تفكير الناس في عصرنا وفي القرن الماضي وذلك أن الناس أرادوا أن يتعلقوا بشيء غيبي بعد أن وصلت موجة الدعوة المادية إلى ذروتها وموجة التشكيك إلى غايتها، ولو أن الناس عرفوا حقيقة النبوة والرسالة وعرفوا القرآن والسنة وما فيهما من معجزات وعرفوا الولاية لأهل الولاية لما احتاجوا إلى التمسك بالظنيات والوهميات ولكن وضع العصر وما جرى فيه جعل الكثيرين يهتمون بالظواهر التي تدحض فرية المادية ومن ههنا أقبلوا على تتبع ظاهرة التلباثي وظاهرة التنويم المغناطيسي وظاهرة الأحلام وظاهرة تحضير الأرواح، وكلها ظواهر تثبت أن في الإنسان وفي الكون خفايا غيبية وإن اختلفت في الناس منازع التحليل والتعليل. والذين تحدثوا عن ظاهرة تحضير الأرواح اختلفوا فمنهم: من نفاها كلية واعتبروها شعوذة وكذبًا، ومنهم: من أثبتها وأخذ يتلقى عنها وكأنها وحي معصوم، وهؤلاء وهؤلاء أفرطوا فمن أعطى العصمة في أمر الغيب لغير الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام فقد كفر، ومن اعتبر أن هناك جهة يتلقى عنها تشريعًا غير الوحي وما بني عليه باجتهاد من أهله فقد كفر. والظاهر أن مجموع ما يجري في حوادث تحضير الأرواح يثبت أن هناك شيئًا غير عادي يحدث فما هو التعليل الصحيح؟.
يذهب الشيخ حسن أيوب في رسالته: (مع رسل الله وكتبه واليوم الآخر) أن كل ما يظهر من ظواهر في عمليات تحضير الأرواح يمكن أن تعلل بأنها من آثار عمل الجن والشياطين وينفي إمكانية أن تكون روح من أرواح الإنس يمكن أن يكون لها علاقة بهذا الشأن، والذي ذهب إليه هو الذي ترتاح له النفس ويطمئن القلب، ومن كلامه:
(يمكن للجني أن يقلد أية شخصية حية أو ميتة بعد موتها، لأن أعمار الجن تصل أحيانًا إلى مئات السنين، كما ثبت ذلك في بعض الأحاديث والآثار، كما أن تكليم الجني للإنسان على لسان إنسان آخر أمر ثابت وتحريك الجني لقلم يكتب، أو سلسلة ترسم بوساطة قلم، أو لأثاث حجرة ليكسر أو لغير ذلك مما نسمع عنه أمر ممكن وواقع فيما مضى ويقع الآن كثيرًا، والمتتبع لهذا الأمر يجد الغرائب التي لا شك فيها) ا. هـ.
ومن كلام الشيخ سعيد رمضان البوطي في كبرى اليقينيات عن تحضير الأرواح:
стр. 711
(وكما أن في الناس أشرارًا دأبهم الكذب والتلاعب بعقول الناس، فإن في الجن أيضًا كذلك، فمن أين لك أن الذي يناجيك أو يكتب لك جواب أسئلتك من قاع السلة، ليس شيطانًا مريدًا جاء ليلبس عليك دينك ويلهو بمخادعتك ويلتذ بالكذب عليك؟ أو لم تقرأ أن أكثر أسباب الحاقة في المنحرفين أو المجانين الذين ادعوا أنهم أنبياء أو عظماء إنما هو هواجس من هؤلاء الشياطين، إذ هتفوا في أعماق أفئدتهم أو على طبلة آذانهم أنهم أحباء الله وعظماؤه .. وأن الله قد أكرمهم بإسقاط تكاليفه عنهم، فربا الغرور في أوداجهم وثقلت رؤوسهم الفارغة بالخديعة وراحت تهتز منهم الأعطاف). اهـ.
* * *
стр. 712
الفصل السادس
في:
الإيمان بالكتب
وفيه:
مقدمة ووصل
стр. 713
المقدمة
- الإيمان بالكتب التي أنزلها الله هو الركن الثالث من أركان الإيمان، والكتب التي أنزلها الله غير محصورة بعدد معروف، لكن القرآن الكريم نص على أربعة منها، ونص على صحف إبراهم وموسى، فكا أن الرسل عليهم الصلاة والسلام غير محصورين بعدد على القول الراجح، لكنه - أي القرآن - حدثنا عن خمسة وعشرين منهم تفصيلًا فكذلك الكتب، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ (١).
قال الفخر الرازي عند هذه الآية نقلًا عن القاضي: (ظاهر الآية يدل على أنه لا نبي إلا معه كتاب منزل فيه بيان الحق طال ذلك الكتاب أم قصر، ودون ذلك الكتاب أم لم يدون، وكان ذلك الكتاب معجزًا أم لم يكن، كذلك لأن كون الكتاب منزلًا معهم لا يقتضي شيئًا من ذلك). ا. هـ.
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ - أي بالمعجزات على القول الراجح - ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (٢). وأخبرنا ﷻ عن المسيح ﵇: ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ (٣)، فسر بعض العلماء الكتاب في الآية الأخيرة بالكتابة والخط واحتل لها تفسيرًا آخر أنه المفروض؛ أخذًا من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (٤): أي فريضة مؤقتة بوقت، فالكتاب يأتي بمعنى المكتوب وهو المفروض، والحكمة معناها وضع الأمور في مواضعها، فقد آق الله المسيح علم المفروضات على العباد، وأوتي الحكمة في الأقوال والأفعال، وأوتي التوراة حفظًا وفهمًا، وأنزل عليه الإنجيل كتابًا متميزًا.
والرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام كلهم يعرفون فرائض الله بتعريف الله إياهم،
стр. 714
وكذلك كتابهم سواء دون أو لم يُدوّن، كبيرًا كان أو صغيرًا، تقل إلى الناس باللفظ والمعنى أو بالمعنى دون اللفظ.
لكن القرآن خص بالذكر التوراة والإنجيل والزبور والقرآن وصحف إبراهم وموسى؛ فهذه لفظها ومعناها من الله ، وخص القرآن من بينها بأنه معجز، كما خص بخصائص أخرى، منها أن الله تولى حفظه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١). وقامت هذه الأمة بتوفيق الله لها بحفظ كتابها، بينما كلف أهل الكتب الأخرى بأن يتولوا حفظها فلم يقوموا بحق الله : ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ (٢).
- والظاهر أن الأسفار الخمسة الأولى من أسفار العهد القديم - وهي تعتبر عند اليهود التوراة - قد اختلطت فيها صحف موسى مع التوراة مع السيرة الذاتية لموسى ﵇ مع قومه ومع فرعون، وهذا واضح من أدنى قراءة لهذه الأسفار، هذا مع التبديل والتحريف والزيادة والنقص مما تدل عليه أدلة كثيرة، وفي كتابنا الرسول ﷺ ، وفي تفسيرنا برهنا على ذلك من خلال نصوص هذه الأسفار، ويكفينا ما شهد به القرآن عنهم: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ (٣)، ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ (٤)، ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (٥) وهناك شيء آخر غير التوراة أنزل بمناسبات أخرى.
- والظاهر أن الأناجيل الحالية قد أختلط فيها كذلك ما هو من الإنجيل وما هو سيرة ذاتية للمسيح ﵊ مع التحريف والتبديل، فالأناجيل المعتمدة عند نصارى اليوم مكتوبة بأقلام مدرسة بولس الذي حرف دين المسيح، وهناك أناجيل أخرى لم تُعقد واندرست، وكل ما وصلنا مما يسمى إنجيلًا نجده وكأنه سيرة ذاتية للمسيح ﵊ فيه مقاطع؛ نحس بأنه بالإمكان أن تكون من الإنجيل، ولكنا لا نستطيع الجزم.
стр. 715
- والظاهر أن الزبور الحالي قد اختلط فيه ما هو وحي رباني هو إنشاد لداود بما هو قصائد أخرى قالها غير داود، يظهر ذلك بأدنى تأمل، فهنا مزامير لا تذكر نسبتها وهناك مزامير تذكر أن داود قالها بمناسبات، وهناك مزامير أخرى تنسب لقائليها.
- والراجح أن هناك بقية من صحف موسى في الأسفار الخمسة مخلوطة بغيرها.
ومن ههنا نعرف ﵀ إذ خص محمدًا ﷺ بكتابه الحاكم والمهيمن والمعجز والمحفوظ لتفيء البشرية إليه، ويكون حجة على المكلفين، وجعل فيه من الخصائص مالا يحاط به.
وتوجد عند أمم كثيرة غير اليهود والنصارى أسفار دينية قد تكون بعض أصولها مروية عن الأنبياء، ولكن ذلك لا نستطيع الجزم به، وإن كنا نجزم أنه ما من أمة إلا وقد أرسل لها من يلفها دعوة الله: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (١). وهؤلاء الرسل جميعًا بعثوا بتبيان المفروض على الناس، وتعليم الحكمة في التعامل مع الخالق والخلوق، وبعثوا بتزكية الأنفس: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ (٢)، ﴿وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ (٣).
وهذا كله يتم عبر تبليغ الوحي؛ سواء أشبه هذا الوحي الأحاديث القدسية في شريعتنا، أو أشبه السنة النبوية ثم سجله الناس عن أنبيائهم وحرفوه فيا بعد، ويحتمل أن يكون الله قد أنزل كتبًا أخرى غير الذي ذكره لنا؛ فقد قال الله : ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ (٤)، قال الفخر الرازي: (وللوحي خصائص وللكتب السماوية خصائص وسمات وخص القرآن بمزيد من هذه الخصائص والسمات)، وقد ذكرت في القرآن الكريم خصائصه وصفاته فهو: محكم، مثاني، حق، عدل، مفصل، يفرق بين الحق والباطل، يبين كل شيء يحتاجه المكلف في أمر دنياه وأخراه وفيه الهداية والرحمة، وآياته على نوعين: محكمة ومتشابهة، وفيه عرض لآيات الله في الكون والنفس، وفيه علم الساعة، وهو أعلى كتاب، وأحكم كتاب، وفيه الإنذار
стр. 716
والتبشير، وهو الحكم الفصل لكل ما أختلف فيه الناس، وهو شفاء لما في الصدور من أمراض وشكوك وأسئلة وحَيْرةٍ، وهذا وغيره تجده في القرآن الكريم مما وصف الله كتابه، كما سنرى ذلك.
وكلمة الإنجيل تعني البشارة، والنصوص القرآنية تذكر أن عيسى ﵇ جاء مبشرًا برسول اسمه أحمد، وقد وصف الله رسالة عيسى بصفات تنطبق ضرورة على الإنجيل، كما وصف الإنجيل بصفات، ومن خلال ذلك تتحدد معالم الإنجيل: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (١)، ﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢)، ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٣).
وأما الزبور فلم يأت له وصف قرآني ولكن اسمه يوحي بأنه أقرب إلى الأنشودة والتذكير، قال ﷺ : (لقد أوتي مزمارًا من مزامير آل داود) (٤). والمراد بالمزمار هنا: الصوت الحسن.
﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (٥).
والمزامير الموجودة الآن في العهد القديم منها ما هو منسوب لداود ومنها ما هو منسوب لغيره، ويظهر من قراءتها وكأن بعضها عليه طابع الوحي، وبعضها نشيد لداود، نفسه وبعضها نشيد لغيره، والله أعلم.
стр. 717
وأما التوراة فقد وصفت في القرآن بأوصاف جامعة:
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ (١)، ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ (٢).
وأما صحف إبراهم وموسى فقد ذكر بعض ما فيها بقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ (٣).
وقد وردت إشارة إلى بعض ما في صحف إبراهيم بقوله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٤).
ولم تصلنا كل أخبار الرسل السابقين وما أنزل عليهم وما بلغوه أقوامهم إلا ما جاء في القرآن والسنة، أما ما سوى ذلك فالأدلة الواضحات والتحقيقات القاطعات تشهد على التحريف والتبديل، ومن ههنا تكفل الله بحفظ القرآن الكريم ليبقى الحجة القطعية على الخلق في كل ما بعث به الرسل عليهم الصلاة والسلام، فقد تضمن ذلك كله الآيات والمفروض والحكمة وتزكية النفس وزاد على ذلك، وقد جعله الله معجزًا لتقوم به الحجة على الخلق جيعًا: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (٥).
وقد جاء بالأحكام التي تسع الزمان والمكان وخفف فيه عن المكلفين ما شدد على أمم سابقة عقوبة لهم: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (٦).
* * *
стр. 718
والإيمان بالقرآن يدخل فيه الإيمان بحروفه وقراءاته ومضمونه، ويدخل فيه الإيمان بالسنة شارحة الكتاب: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١).
- وأسهل طريقة لنتعرف على خصائص القرآن أن نعرف ما وصف الله به كتابه، أو ما سماه به، أو ما وصف به رسول ﷺ الله كتاب الله وسماه به، وقد أحصى الإمام الزركشي في كتابه (البرهان) ثمانية وأربعين اسمًا؛ من ذلك أنه روح: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ (٢)، ومن ذلك النور: ﴿جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ (٣)، ومن ذلك الذكر: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٤)، ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ (٥)، ومن ذلك الهدى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٦)، ومن ذلك حبل الله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (٧)، ومن ذلك الحق: ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾ (٨)، ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ (٩). ومن ذلك الشفاء: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ (١٠)، ومن ذلك الموعظة والرحمة: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (١١)، ومن ذلك المبين: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا﴾ (١٢)، ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (١٣) ومن ذلك أحسن الحديث: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (١٤)، ومن ذلك المحكم: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ
стр. 719
خَبِيرٍ﴾ (١). فكتاب اجتمعت فيه هذه الخصائص وغيرها مع عجز البشر أن يأتوا بأقصر سورة من سوره أو ثلاث آيات من آياته ففيه دليل أنه من الله .
- إنك عندما تنظر إلى القرآن ككل تجده مدهشا بما اجتمع فيه من تناسق وتوافق وتكامل وبما فيه من كل في الأسلوب والفصاحة والمعاني: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (٢).
- والقرآن فيه إعجاز ومعجزات، فإعجازه قدر مشترك فيه، وذلك وحده معجزة محسة قامت بها الحجة على العالمين، إذ عجز الخاطبون وهم عاجزون إلى الأبد أن يأتوا بسورة من مثله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (٣). فالعجز عن الإتيان بأدنى سورة من سوره هو مظهر إعجازه، وهناك زيادة على الإعجاز معجزات تظهر حيثما وجدت شيئًا يستحيل أن يكون مصدره بشريًا كالآيات التي تتحدث عن كونيات لم يكتشفها الإنسان إلا مؤخرًا، وكإخباره عن الغيوب السابقة واللاحقة، وأسرار وحدته إلى غير ذلك من أمور أطنب الكتاب في شرحها وتحدثنا عن بعضها في كتابنا (الرسول) ﷺ وفصلنا الكثير منها في التفسير.
- والحديث عن أسباب الإعجاز يطول وقد لا يدرك كل إنسان هذه الأسباب ولكن الحجة قائمة على البشر بالعجز وفي ذلك الكفاية، والأسهل على الخلق أن يتعرفوا على معجزاته، فقيام الحجة بها على العرب والعجم وكل مكلف لا يتمارى فيه، فمن معجزاته أنه قدم للمكلفين هداية كاملة في العقائد والعبادات والتشريع والأخلاق والآداب ومن معجزاته أنه قدم تصورًا عجيبًا عن الكون والحياة وعن الزمان والكان بما لم تعرف أبعاده إلا في عصرنا: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ (٤)، ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا
стр. 720
لَمُوسِعُونَ﴾ (١)، ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ (٢)، ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ (٣) ومن معجزاته ما حدثنا به عن كونيات لم تعرف إلا في عصرنا، ومن معجزاته ما أخبر به عن مستقبلٍ ووقع، ومن معجزاته ما أخبر به عن أمم سالفة ولم يكن العرب يعرفونها، ومن معجزاته تضمنه لكل ما في كتب أهل الكتاب من معان مع أن محمدًا ﷺ كان أميًا، ومن معجزاته التناسب في جميع ما تضنه ظاهرًا وباطنا من غير اختلاف فيه، ومن معجزاته وفاؤه بحاجات البشر في الهداية في كل شيء، ومن معجزاته التصرف في الأمثال والتصوير مما لا يخطر على قلب بشر: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ (٤).
- ولا شك أن لمعاني القرآن دخلًا في إعجازه، ومع المعاني اجتمعت فصاحة لا مثيل لها، وبلاغة لا مثيل لها، وأسلوب لا مثيل له، ونظم لا مثيل له، وجزالة لا تصح من مخلوق بحال، وحسن بيان بالغ ذروة الكمال، وتصرف في لسان العرب على وجه لا يستقل به عربي حتى يقع منهم الاتفاق على إصابته في وضع كل كلمة وكل حرف في موضعه، هذا مع ما اجتمع فيه من خصائص وصفات مع ما وجد فيه من روح وحياة كل ذلك عوامل في الإعجاز، والأمر أوسع من ذلك.
وبعد، فالإيمان بالكتب يشمل:
- الإيمان الإجمالي بكل كتاب أنزله الله على كل نبي ورسول، والإيمان التفصيلي بما سماه الله لنا وذكره، وهي: القرآن وهو أفضلها ثم التوراة وهي تالية له بالفضل ثم الإنجيل ثم الزبور ثم صحف إبراهيم وموسى.
- ومقتضى الإيمان بالكتب الاعتقاد بأنها وحي من الله للرسل الذين أنزلت عليهم هذه الكتب.
стр. 721
- وأن الكتب السابقة على القرآن ضاعت أو خرقت أو بدلت أو غيرَت أو اختلطت بغيرها وجاء القرآن مؤكداً لثوابتها وذاكرًا التكليفات المستمرة وناسخا للأحكام الخاصة.
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (١).
﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ (٢).
﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (٣).
- الإيمان بالقرآن يقتضي الإيمان بعموم الخطاب فيه للمكلفين من الإنس والجن جميعًا ويقتضي الإيمان بخلود هذا الخطاب وأن المكلفين من الإنس والجن مخاطبون به حتى يرث الله الأرض ومن عليها وأنه شامل كامل، وأنه الكتاب الوحيد الذي لم يداخله تغيير ولا تبديل، وأنه حاكم وناسخ لكل كتاب سابق.
هذا وقد مرت معنا نصوص في القسم الأول من هذا الكتاب عن القرآن وستأتي نصوص في أقسام لاحقة في سياقاتها فلنكتف بما ذكرناه هنا كي لا يخلو هذا القسم من تذكير بكل ما يلزم في باب العقائد.
* * *
стр. 722
الوصل
في:
التعريف على كتب بعض أهل الأديان
وفيه:
مقدمة وتعريفات ونصوص
стр. 723
المقدمة
لقد رأينا فيما مر اتجاها نقله الفخر الرازي ﵀ يفيد أنه ما من رسول إلا وأنزل معه كتاب، وذلك قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ (١).
كما أن ظاهر قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (٢)؛ فإذا أخذنا بظاهر هذا القول وعرفنا أنه ما من أمة إلا وقد أرسل لها رسول أو أكثر، فالمفروض أن تكون هناك كتب كثيرة ذات أصل سماوي، وقد خص القرآن بالذكر التوراة والإنجيل والزبور والقرآن وصحف إبراهم وصحف موسى، فكان القول الذي ذكره الفخر الرازي إن تخصيص هؤلاء بالذكر لا ينفي أن تكون هناك كتب أخرى، هذا مع أن الآيتين اللتين صدرنا بها هذا الوصل يمكن أن يحملا على محامل أخرى، كأن يراد بالكتاب المكتوب بمعنى المفروض، فيكون المعنى: وأنزل معهم المفروضات على أمهم، إلا أن المتتبع للدراسات المقارنة الحديثة يرجح أن تكون هناك كتب أخرى ذات أصول سماوية، ولكن هل هي كتب أنزلت من السماء ككتب، أو أنها الوحي الذي أنزل على رسل جمعه أقوامهم في كتب، فيكون المعنى الثاني هو المراد؟ الأمر يحتمل.
وأيا كان الأمر فليس هناك كتاب ديني في العالم يستطيع أصحابه أن يدّعوا أنه منقول تواترًا من هذا العصر إلى صاحب رسالة إلا القرآن الكريم، ومن ههنا كان القرآن هو الحجة على كل التراث المنسوب إلى الله ورسله عليهم الصلاة والسلام.
ولا شك أن كل كتاب قام عليه دين بعد القرآن الكريم فإنه مكذوب على الله لأن محمدًا ﷺ خاتم النبيين بنص القرآن: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٣)، وإذ جعل الله القرآن مفصلًا لكل شيء، ومصدقًا للوحي الحق الذي سبقه، ومهيمنًا عليه، فإنه يغني عن كل كتاب سابق، ويشهد ببطلان كل ما خالفه من أخبار، وينسخ
стр. 724
كل تشريع لم يقره، أما الأخبار التي لا تعارضه فليس على المسلم أن يصدقها أو يكذبها إذا كان مما يدخل في دائرة إمكانية القبول، أما التشريعات السّابقة على تشريعنا حتى ولو صحت نسبتها إلى نبي - وأنى يكون ذلك - فلا تدخل ضمن دائرة التكليف ولو سكت عنها شرعنا، إلا إذا نص عليها، وحتى في ذلك فإن الأصوليين مختلفون فيا لو قصر الله علينا شرع غيرنا دون أن ينسخه، هل يعتبر شرعًا لنا أو لا؟ والقول المشهور أن شرع من قبلنا شرع لنا مالم ينسخه شرعنا ولكن بشرط أن يأتينا عن طريق الوحي المنزل على رسولنا ﵊.
ولكي يكون عند المسلم تصور عن الكتب الدينية القديمة فإننا نذكر شيئًا عنها:
أ - التعريف بكتب الهند الدينية
١ - كتب (الفيدا)، وهي أقدم الكتب الدينية عند اليهود، وهي أربعة كتب: (الريج فيدا) و (الياجور فيدا) و (الساما فيدا) و (أنار فيدا) وهذه الكتب هي أصول الديانة الهندوسية، ولا يعرف من وضعها، وهذا نموذج مترجم عن السنسكريتية من الكتاب الأول يتحدث عن الإله الأعلى:
(هو الأعلى من كل شيء وهو الأسنى إله الآلهة ذو القوة العليا الذي أمام قدرته الغالبة ترتعد الأرض والسماوات العالية أبها الناس استمعوا لشعري إنما هو إندرا إله الكون. هو الذي قهر الشياطين في السحاب، وأجرى الأقمار السبعة الصافية الكبار، واقتحم كهوف الكآبة والأكدار، وأخرج البقرات الجميلة من الأرحام، وأضاء النار القديمة من البرق في الغمام. ذلك هو إندرا البطل الجسور الجيش المتقدم للهيجاء يناديه للنصرة يوم الحرب الأعزاء بصيته الذائع يهتفون، والأذلاء يذكرون اسمه بشفاههم وهمسون. وقائد الجيش على العجلة الحربية يدعو ويستنصر إندرا إله الحرب. الأرض والسماء تعترفان بسلطانه وكله، والجبال المرتعدة تخرُ له وتسجد لجلاله. هو الذي يرسل صواعق السماء على أعدائه فلتهد إليه السكائب المقدسة فإنه يقبل هذه الخمر: خمر سوما ويستمع للشعر وأغاني الولاء له. البقرات وأفراس الوغي له القرى والمساكن وعجلات الحرب هو يرفع الشمس بيده
стр. 725
اليمنى ويفتح الأبواب الحر من شفق الفجر فيزق السحاب الأحمر تمزيقًا ويرسل شآبيب المطر لنصدق به تصديقًا) (١) ا. هـ.
ويعتقد الباحثون أن (الفيدا)، جاءت مع الشعوب الآرية التي غزت الهند، وهناك خلاف بين الباحثين حول منشأ الآريين الغزاة للهند، هل هو تركستان أو أوربا، وفي كلا الحالتين فإن الاحتمال الأكبر أن تكون الأصول السماوية الصحيحة للفيدا قد نزلت على هذه الجازم فيمن هو رسول وفيما هو وحي سماوي.
٢ - (قوانين مانو) وهي التي سجل فيها أقسى نظام طبقي في العالم، وهذا نسقة (بوذا) بعد ذلك في ديانته.
٣ - (المهابهارتا) وهي قصيدة طويلة، ومؤلفها شخص اسمه (وياس)، وهي أشبه بالإلياذة والأوديسة عند اليونان.
٤ - (كينا) وهو منسوب إلى رجل اسمه (كرشنة) وكرشنة عند الهنود كالمسيح عند المسيحيين بعد تحريف ديانتهم، حتى إن كثيرًا مما وصف به المسيح ﵇ موصوف به كرشنة مما يعتقد معه أن أحد الجانبين أخذ من الآخر، ومن كلام كرشنة في هذا الكتاب:
(لقد أضلت كلمات ويدا عقلك، فصرت لا تفهم قيمة الفرض وما يتبعه من الواجبات، والذين يتمسكون بألفاظ ويدا واحدها، ويرونها كل شيء، يركبون شططًا، نهم إنما يجرون وراء أهوائهم النفسية، يمنون أنفسهم بالجنة، لأنهم حريصون على لذائذ الحياة، فيقومون بطقوس يرونها تضمن لهم الجنة، ولذلك تبلبلت عقولهم، وتشعبت سُبلهم، وضلت أعمالهم، فهم في حيرة وارتباك، يجرون وراء شهواتهم، ولا يستطيعون حصر أفكارهم في نقطة واحدة).
(أما أنت، فكن فوق القشور الويدية. لا تقلقك أفكار الراحة أو التعب، النجاح أو الخيبة، بل كن مطمئنًا منشرحًا في روحك، والعاقل الذي وصل إلى الحقيقة، ليست
стр. 726
الكتب الويدية له إلا كبير في مكان ذي أنهار، فعليك أن تقوم بواجبك، لأنه واجب عليك، واجمع عقلك على هذه النقطة وحدها ..).
(اعلم أن أشد أعداء الإنسان اثنتان: الشهوة والغضب. وهما اللذان يدفعانه إلى الذنوب، وكما يغطي الدخان النار، ويكدر الغبار صفاء المرأة؛ كذلك الشهوة والغضب يغطيان عقل الإنسان، فعلى الإنسان أن يقتل هذين العدوين).
(والذي يقوم بواجبه كما قلت، يبزغ نور العرفان في داخله كما تبزغ الشمس في السماء، فيرى ربه بعين قلبه، ويسعد بالنجاة بعد أن تذهب ذنوبه وتحل محلها الحسنات) ا. هـ.
٥ - (بوجاواسفسها) ولا يعرف مؤلف هذا الكتاب، وهو منظومة شعرية تحتوي على أربعة وسبعين ألفًا من الأبيات.
٦ - (رامابانا) ولا يعرف مؤلفه ولا تاريخ تأليفه، وهو أقرب إلى أن يكون كتابا في أنظمة الحك. هذه هي أهم كتب الديانة الهندوسية (٢).
أما الديانة البوذية، فالمعروف أنها لم تسجل في حياة بوذا، وقد ظهر الاختلاف الكبير بين أتباعه فعقدوا مجلسا كبيرا بعد زمن من وفاته عام (٤٨٣ ق م)، وطلبوا من ثلاثة من أكبر تلامذته أن يتحدثوا عن موضوع رئيسي من تعاليم بوذا، فتحدث أحدهم عن العقائد وآخر عن الشريعة وآخر عن الحكايات، وهي مع ذلك بقيت تتناقل شفهيا حتى عهد الإمبراطور آسوكا عام (٢٤٢ ق م) ومن ههنا فإننا لا نستطيع الثقة بما سجل بعد هذه السنين الطويلة، وكان التحريف والتبديل والجهل عوامل انتقلت بالبوذيين من اعتبار بوذا حكيا ابتداء إلى تأليهه في النهاية، فحدث عندم ما حدث عند النصارى بينا يروى اتباعه عنه هذه الحكاية: (أن أحد تلاميذه قال له مرة: إنني أيها السيد أؤمن بكل قلبي أنه لم يوجد قط، ولا يوجد الآن، ولن يوجد إلى آخر الدهر مرشد أعظم قدرًا وأكثر عقلا من مرشدنا المبارك.
стр. 727
فأجاب بوذا: هل أنت قد عرفت كل العارفين الذين سبقوني؟ وهل عرفت كل العارفين الذين يأتون بعدي؟
- فأجاب التلميذ: لا يا سيدي فلم يتيسر لي ذلك.
قال بوذا: هل عرفتني كل المعرفة؟ وتوغلت في نفسي كل التوغل؟
فقال التلميذ: لا يا سيدي وكيف لي ذلك؟
فقال بوذا: فلم إذًا أسرفت في قولك وجعلتني خير الناس وأنت لا تعرفني ولا تعرف الناس؟) (١) ا. هـ.
ب- التعريف ببعض كتب الصين الدينية
لانعرف شيئًا عن أديان الصين القديمة إلا عن دينين لازالا موجودين حتى الآن: الطاوية المنسوبة لـ (لوتس) والكونفوشيوسية المنسوبة (لكونفوشيوس)، وقد جُمِعَت آراء لوتس وأحاديثه في كتاب اسمه (كتاب الأخلاق) وهو يدعو إلى القناعة والزهد والتسامح المطلق ومقابلة السيئة بالحسنة، وقد اجتمع به كونفوشيوس في أخريات حياته، ويدعي أنه لم يوافقه على بعض آرائه، والكونفوشيوسية أكثر انتشارًا وقد جمع تلاميذ كونفوشيوس آراءه في كتاب (الحوار) وهو مترجم إلى اللغة العربية.
والمعروف عنه أنه لخص كثيرا من الكتب الصينية القديمة، ولا نعرف أنه ترجم منها شيء إلى اللغة العربية، فلربما استطاع الدارس أن يلمح فيها شيئًا يوصل إلى استئناس في شأن أديان الصين القديمة.
ج- التعريف ببعض كتب الفرس الدينية
المشهور من كتب الفرس الدينية كتاب (الزندافستا) المنسوب إلى (زردشت)، ويذكر أبو الكلام أزاد في رسالته عن ذي القرنين أن الرواية الفارسية تذكر أن صحيفة زرادشت
стр. 728
الدينية دونت في جلود اثني عشر ألف ثور بحبر من الذهب، واحترقت أيام حرب الإسكندر، فيقول أبو الكلام:
(ولما تأسست الإمبراطورية الساسانية بعد خمسمائة سنة من الإسكندر، حاول الفرس لم شعث الدين الزرادشتى من جديد، فكما جمع عزرا التوراة بعد أسر بابل، كذلك يقال إن أردشير بايكان أمر يجمع كتاب أوستا من جديد إلا أن خصوصيات الدين الحقيقية كانت قد تحرفت بتغيرات وإضافات كثيرة، ومسخت حقيقتها، فالدين الزرادشتى في شكله الجديد، لم يكن دينا خالصا، بل أصبح خليطا من المجوسية القديمة، واليونانية، والزردشتية. وقد زاد الطين بلة الموبذون والمفسرون بحواشيهم وشروحهم وتفاسيرهم التي ذهبت بالدين بعيدا عن أصله) (١) ا. هـ.
ويقول البستاني في دائرة معارفه: (ولزرادشت كتاب آخر في الرؤيا صنعته علماء القرن الثاني والأول قبل الميلاد). اهـ.
أقول: وفيما تبقى من (الزندافستا) الحالية بشارة واضحة برسولنا ﵊ ذكرها العقاد في كتابه مطلع النور ونقلناها في كتابنا (الرسول ﷺ وهذا يشهد لرسالة زرادشت والله أعلم.
د- التعريف ببعض الكتب اليهودية الدينية
الكتب الدينية لليهود قبل المسيح ﵇ تتألف من قسمين رئيسيين:
أولًا: أسفار العهد القديم .
ثانيًا: التلمود ، وتختلط في أسفار العهد القديم السير الذاتية للأنبياء بنصوص الوحي بالتاريخ اليهودي. ويكاد المؤرخون والمحققون يجمعون أن أكثر أسفار العهد القديم كتبت بعد مئات السنين من تاريخ أحداثها أو وجودها يقول (ويل ديورانت): (ويبدو أن أسفار التوراة الخمسة قد أخذت صورتها الحاضرة حوالي عام ٣٠٠ ق - م)، ويقرر (ويلز)
стр. 729
(أن أسفار العهد القديم جمعت لأول مزة في بابل وظهرت في القرن الخامس قبل الميلاد).
وقد جمعت هذه الأسفار من الروايات الشفهية المتوارثة ولذلك داخلها الخلط والخبط وأكبر مثال على ذلك أنك تجد زبور داود مختلطا بما هو وحي ليس منسوبا لأحد وبما هو قصائد منسوبة لداود قالها في مناسبات وبما هو قصائد منسوبة لغير داود.
وأما التلمود فهو الروايات الشفهية التي تناقلها الحاخامات جيلًا بعد جيل وقد ابتدأ تدوين التلمود بعد مائة وخسين سنة من عهد المسيح نم تكامل تدوينه من بعد ويعتبره بعض اليهود أقوى إلزامًا من التوراة ومن هذا كله ندرك صعوبة معرفة ما هو وحي صحيح من مجموع هذا التراث (١).
هـ- التعريف ببعض كتب النصارى الدينية
أنزل الله على المسيح ﵇ إنجيلًا واحدًا، وكان للمسيح ﵇ سيرة ذاتية، والأناجيل الحالية المعتمدة عند النصارى يختلط فيها ما هو سيرة ذاتية للسيح بعظاته بما يمكن أن يعتبر من الإنجيل بما زاده المحرفون وكل ذلك من خلال رواية مدرسة بولس الذي حرف دين المسيح واختلف مع الحواريين وخالفهم ويكن هو من تلاميذ السيح ﵇. وهذه الأناجيل الأربعة كتبت بعد سنة ٦٣ ميلادية، وكانت هناك أناجيل أخرى ورسائل للحواريين وكل ذلك ألغاه جمع نيقية عام ٣٢٥ ميلادية حيث تغلب فكر بولس ومدرسته القائلين بألوهية المسيح، جاء في كتاب المسيحية لأحمد شلي عن أسفار العهد الجديد بما في ذلك الأناجيل الأربعة:
(إن هذه السبعة والعشرين سفرا أو الرسالة الموضوعة من قبل ثمانية كتاب لم تدخل في عداد الكتب المقدسة باعتبار مجموعة هيئتها بصورة رسمية إلا في القرن الرابع بإقرار جمع نيقية العام وحكمه (سنة ٣٢٥ م) لذلك لم تكن أي من هذه الرسائل مقبولة ومصدقة لدى الكنيسة وجميع العالم العيسوي قبل التاريخ المذكور، ثم جاء من الجماعات العيسوية في الأقسام المختلفة من كرة الأرض ما يزيد على ألفي مبعوث روحانيٍّ ومعهم عشرات الأناجيل
стр. 730
ومئات الرسائل إلى نيقية لأجل التدقيق، وهناك تم انتخاب الأناجيل الأربعة من أكثر من أربعين أو خمسين إنجيلًا وتم انتخاب الرسائل الإحدى والعشرين من رسائل لا تعد ولا تحصى وصودق عليها، وكانت الهيئة التي اختارت العهد الجديد هي تلك الهيئة التي قالت بألوهية المسيح. وكان اختيار كتب العهد الجديد على أساس رفض الكتب المسيحية المشتملة على تعاليم غير موافقة لعقيدة نيقية وإحراقها كلها حتى عمل بهذه الأناجيل الأربعة، مع أنه لو صح نسبة الأناجيل إلى أصحابها لكانت أسبق من الرسائل، ويؤكد هذا الكاتب: أن الأناجيل الأربعة لم تكن موجودة في زمن الحواريين الخمسة أو الستة الذين كتبوا تلك الرسائل لأن الرسائل لا تبحث عن محتويات هذه الأناجيل قطعًا ولا تشير إليها) (١) ا. هـ.
و- التعريف ببعض كتب الصابئة الدينية
وعند صابئة العراق الحاليين كتاب يتكتمون عليه ويدعون نسبته إلى شيث بن آدم وإدريس ﵈.
هذا العرض السريع لبعض الكتب الدينية المعروفة في العالم ترينا أنه لا يوجد غير القرآن كتابًا إلهيّا قطعي النسبة إلى الله ومنقول لنا نقلًا قطعيّا، قال تعالى عن القرآن: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٢) فقد تعهد ﷻ بحفظ القرآن وكلف بحفظه المسلمين، أما غير القرآن فقد كلف أصحابه بحفظه ولم يتعهد بحفظه فقصر أصحابي ذلك بالحفظ بل بدلوا وغيروا.
فائدة:
ذكر القرآن الكريم صحف إبراهم ﵇ وقد تعرض لذلك الشيخ عبد الرحمن حبنكة في كتابه العقيدة الإسلامية فذكر ما يلي:
(لقد أخبرنا القرآن بأخباره الصريحة عن الصحف الأولى وذكر منها صحف إبراهم عليه
стр. 731
السلام ولكن هذه الصحف مفقودة فلا يعرف منها شيء إلا بعض حقائق في الدين، أشار القرآن إلى أنها مما تضمنته هذه الصحف.
أ - فمن ذلك قوله تعالى في سورة (النجم):
﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى * وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا * وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى * وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى * وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى * وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى * وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى * وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى * وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى * فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ (١). أقنى: أعطى من الرزق والأموال ما يقتنى ويدخر، الشعرى: نجم وضاء يقال له: قرى قوم لوط، وسميت هذه القرى مؤتفكة لأنها ائتفكت بأهلها، أي انقلبت. أهوى: أي أوقعها وأسقطها - بعد رفعها عن أماكنها - من الأرض إلى الفضاء.
فهذه الحقائق الدينية التي أعلنتها هذه الآيات مما أنزله الله في صحف إبراهم وموسى؛ كما هو ظاهر في مدلول الآيات.
ب- ومن ذلك قوله تعالى في سورة (الأعلى):
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ (٢).
وننهي هذا الوصل بذكر نصوص تحدد الوقف من روايات اليهود والنصارى ومن باب أولى غيرهم ونذكر فيها بأدب المسلم في التمسك بالقرآن الكريم وإهمال ما عداه إلا لضرورة الخدمة الإسلامية:
стр. 732
(النصوص)
٨٠٩ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا تُصَدّقوا أهل الكتاب بما يُحَدّثونكم عن الكتاب، ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وما أنزل إلينا، لأن الله تعالى أخبر أنهم كتبوا بأيديهم، وقالوا: هذا من عند الله).
وفي رواية (٢) قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسّرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال النبي ﷺ : (لا تصدّقوا أهل الكتاب ..) وذكر الحديث.
٨١٠ - * روى البخاري عن عبد الله بن عباس ﵂ قال: يا معشر المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء؟ وكتابك الذي أنزل الله على نبيّكم أحدث الكتُب بالله، تقرؤونه محضًا لم يشب، وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله، وغيرُوه، وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا: هذا من عند الله، ليشتروا به ثمنًا قليلًا؟ أفلا ينهاك ما جاءك من العلم عن مَسألتهم؟ ولا والله، ما رأينا منهم رجلًا قط يسألك عن الذي أنزل عليكم.
٨١١ - * روى البخاري عن خميد بن عبد الرحمن ﵀، قال: سمعت معاوية ﵁ يحدّث رهطًا من قريش بالمدينة - وذكر كعب الأحبار - فقال: إن كان لمن أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن الكتاب، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب.
أقول: إن كعبًا من الثقات إلا أن الكذب يطرأ على رواياته عن أهل الكتاب بسبب كذبهم هم. لا أنه كان يتعمد الكذب عليهم أو على غيرهم.
стр. 733
٨١٢ - * روى أحمد عن ابن أبي نملة الأنصاري، أن أباه أبا نملة الأنصاري أخبَرَهُ أنه بَيْنَما هُوَ جالس عند رسول الله ﷺ جَاءه رجلٌ من اليهود، ومر بجنازةٍ، فقال: يا مُحمد هل تتكلم هذه الجنازة؟ فقال رسول الله ﷺ : (الله أعلمُ). فقال اليهودي: إنها تتكلم، فقال رسول الله ﷺ : (ما حدثكم أهل الكتاب، فلا تصدقوهم، ولا تُكذِّبُوهُمْ، وقولوا: آمنا بالله وكتُبهِ وَرُسُله، فإن كان باطلًا لم تُصَدَّقُوه، وإن كان حقًا لم تكذبوه).
قال البغوي: وهذا أصل في وجوب التوقف عما يشكل من الأمور والعلوم. فلا يقضى فيه بجواز ولا بطلان، وعلى هذا كان السلف. ا. هـ.
٨١٣ - * روى أحمد عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ حين أتاه عمر، فقال: إنا نسمع أحاديث من يهود تعجبنا، أفترى أن نكتب بعضها. فقال: (أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى، لقد جئتكم بها بيضاء نقيةً، ولو كان موسى حيًّا ما وسعه إلا اتباعي).
قال البغوي: قوله: (أمتهوكون) أي: متحيرون أنتم في الإسلام، لا تعرفون دينكم حتى تأخذوه من اليهود والنصارى!!
وقوله: (بيضاء نقية) أراد الملة، لذلك جاء بالتأنيث، كقوله :
стр. 734
﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (١) أي: تفسير الملة القيمة الحنيفية.
وروي (٢) أن كعب الأحبار جاء إلى عُمَرَ بمصحف، فقال: يا أمير المؤمنين في هذا التوراة، أفأقرؤها؟ فقال: إن كنت تعلم أنها التوراة التي أنزلت على موسى يوم طور سيناء فاقرأها، وإلا فلا.
أقول:
لم ننقل هاهنا كثيرًا من النصوص الحديثية المتعلقة بالقرآن لأنها ستأتي معنا في القسم اللاحق: قسم العبادات الرئيسية أثناء الكلام عن تلاوة القرآن وتفسيره فلتراجع هناك.
* * *
стр. 735
الفصل السابع
في:
الإيمان بالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام
وفيه:
مقدمة ونصوص ومسائل وفوائد ووصلان
стр. 736
المقدمة
معرفة الرسل هي التي تتحقق بها معرفة الله فالم يعرف الإنسان الرسل عليهم الصلاة والسلام ويؤمن بهم ويسلم لهم ويطيعهم فإنه لا يعرف الله ، ولا يقوم بحقوقه، ولذلك نجد آية في كتاب الله أقامت بيعة الرسول مقام بيعة الله، كما نجد آية أخرى أقامت طاعة الرسول ﷺ مقام طاعة الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ (١). ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٢).
لقد ذكرنا أن الله له الصفات العليا والأسماء الحسنى وله الربوبية والألوهية والمالكية ولا نعرف مقتضيات وتفصيلات حقوق هذه المعاني إلا من خلال الرسل عليهم الصلاة والسلام:
فالعبادة والعبودية، والتشريع، والطريق إلى رضوان الله تعالى لا سبيل إلى معرفتها إلا بالرسل عليهم الصلاة والسلام:
﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ (٣).
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٤).
ومن ههنا وغيره فإن الذين لا يؤمنون برسل الله ليسوا مؤمنين، بل الكفر بواحد من الرسل كفر بالله وكفر بالرسل بأن واحد:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ (٥).
ولذلك كان الإيمان بالرسل هو الركن الرابع من أركان الإيمان وكان الدخول في الإسلام بالنطق بمجموع الشهادتين، وإنما يعرف الرسول ﷺ بصفاته وبالمعجزات التي يظهرها الله
стр. 737
على يديه والتي قد يكون منها النبوءات التي تتحقق، وبالثمرات الطيبة الخيرة، ورسولنا ﷺ كان له من الصفات أرقاها ومن المعجزات أكثرها وأخلدها وأظهرها ومن النبوءات ما يتحقق في الجيل بعد الجيل ومن الثمرات أحلاها وأطيبها وأعذبها، وقد بشرت به الرسل السابقون وقد تعرضنا لذلك تفصيلا في كتابنا (الرسول) صلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
وقد أعطانا القرآن الكريم تصورًا كاملًا عن موضوع الرسل عليهم الصلاة والسلام.
- مما ذكره أن النبوة والرسالة قائمة على الاصطفاء فليس للكسب فيها مدخل، وإن كان الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام أصفى الناس قلبًا وأعلام استعدادًا قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (١)، ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ (٢)، ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ (٣). وقال في حق إبراهيم وإسحاق ويعقوب ﵈: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ (٤) وقال في حق إبراهيم ﵇: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٥)، وقال في حق موسى ﵇: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ (٦) ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ (٧).
- وبما ذكره القرآن أنه ما من أمة إلا وقد أرسل لها رسول ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٨) ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (٩)، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ (١٠)، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ (١١).
стр. 738
وقد ختم الله النبوة والرسالة بمحمد ﷺ وجعله رسولًا للعالمين من الإنس والجن ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (١)، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٢)، وكما أنه رسول الله إلى كافة الإنس فهو رسول إلى الجن: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ (٣) ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ (٤) ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (٥) ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (٦).
- ومما ذكره القرآن أنه لم يقصص علينا نبأ المرسلين فقال: ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ (٧).
﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (٨).
والقول الراجح عند العلماء أن عدد الرسل الذين ذكروا في القرآن خمسة وعشرون على خلاف في ذي الكفل والراجح أنه رسول.
والرسل الذين ذكرهم القرآن هم:
آدم - إدريس - نوح - هود - صالح - إبراهم - لوط - إسماعيل - إسحاق - يعقوب - يوسف - أيوب - شعيب - موسي - هارون - يونس - داود - سليمان - إلياس - اليسع - ذو الكفل - زكريا - يحيي - عيسي - محمد - عليهم الصلاة والسلام جميعًا.
- وصف القرآن بعض الرسل بأنهم أولوا عزم لكثرة ما صبروا وتحملوا وما قاموا به قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ (٩) وهم المخصوصون بالذكر في سورة الأحزاب: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى
стр. 739
ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ (١).
وهم في الفضل عند أهل العلم على الترتيب التالي:
محمد - إبراهيم - موسي - عيسي - نوح عليهم الصلاة والسلام.
ومما ميز الله به الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام الوحي:
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ (٢).
﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (٣).
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ (٤).
- والوحي الذي خص به النبيون والمرسلون هو كلام الله المنزل على نبي من أنبيائه مخاطبًا به ذلك النبي بأنه نبي، وطرائق ذلك ما ذكره القرآن: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ (٥)، فهناك الإلقاء المباشر في قلب الرسول ﷺ وهناك الكلام المباشر من الله من وراء حجاب وهناك الوحي بواسطة الملك، وصور الملك بالوحي كثيرة والرسول الرئيسي المكلف بالوحي هو جبريل ﵇: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (٦).
- والعقل والنقل متضافران على أن الرسل عليهم الصلاة والسلام لابد أن يتصفوا بأربع صفات رئيسية: الصدق والأمانة والتبليغ والفطانة.
والصدق هو مطابقة الخير للواقع، قال تعالى: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ (٧).
وقال: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ (٨).
стр. 740
﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (١).
وأما الأمانة فهي العصمة ومعناها حفظ ظواهرهم وبواطنهم عن التلبس بمعصية فهي في اصطلاح العلماء القيام بالتكليف وهو الأمانة بمعناها العام: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ (٢).
واتصافهم بالأمانة هو مقتضى التكليف الإلهي باتباعهم والاقتداء بهم:
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (٣).
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (٤).
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٥).
﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ (٦).
﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ (٧).
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ (٨).
ومعنى الفطانة القدرة على إقامة الحجة وما يستتبع ذلك من وفور عقل وقوة فهم وسرعة بديهة لأن مهمتهم إقامة الحجة بدين الله على المكلفين من خلق الله:
﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (٩).
﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ (١٠).
﴿يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ (١١).