← Акыда

Акыда · id 18338

الأساس في السنة وفقهها - العقائد الإسلامية

سعيد حوى

Полный текст (1 514 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

المقدمة معرفة الرسل هي التي تتحقق بها معرفة الله فالم يعرف الإنسان الرسل عليهم الصلاة والسلام ويؤمن بهم ويسلم لهم ويطيعهم فإنه لا يعرف الله ، ولا يقوم بحقوقه، ولذلك نجد آية في كتاب الله أقامت بيعة الرسول مقام بيعة الله، كما نجد آية أخرى أقامت طاعة الرسول ﷺ مقام طاعة الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ (١). ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٢). لقد ذكرنا أن الله له الصفات العليا والأسماء الحسنى وله الربوبية والألوهية والمالكية ولا نعرف مقتضيات وتفصيلات حقوق هذه المعاني إلا من خلال الرسل عليهم الصلاة والسلام: فالعبادة والعبودية، والتشريع، والطريق إلى رضوان الله تعالى لا سبيل إلى معرفتها إلا بالرسل عليهم الصلاة والسلام: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ (٣). ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٤). ومن ههنا وغيره فإن الذين لا يؤمنون برسل الله ليسوا مؤمنين، بل الكفر بواحد من الرسل كفر بالله وكفر بالرسل بأن واحد: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ (٥). ولذلك كان الإيمان بالرسل هو الركن الرابع من أركان الإيمان وكان الدخول في الإسلام بالنطق بمجموع الشهادتين، وإنما يعرف الرسول ﷺ بصفاته وبالمعجزات التي يظهرها الله

стр. 737

على يديه والتي قد يكون منها النبوءات التي تتحقق، وبالثمرات الطيبة الخيرة، ورسولنا ﷺ كان له من الصفات أرقاها ومن المعجزات أكثرها وأخلدها وأظهرها ومن النبوءات ما يتحقق في الجيل بعد الجيل ومن الثمرات أحلاها وأطيبها وأعذبها، وقد بشرت به الرسل السابقون وقد تعرضنا لذلك تفصيلا في كتابنا (الرسول) صلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. وقد أعطانا القرآن الكريم تصورًا كاملًا عن موضوع الرسل عليهم الصلاة والسلام. - مما ذكره أن النبوة والرسالة قائمة على الاصطفاء فليس للكسب فيها مدخل، وإن كان الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام أصفى الناس قلبًا وأعلام استعدادًا قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (١)، ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ (٢)، ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ (٣). وقال في حق إبراهيم وإسحاق ويعقوب ﵈: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ (٤) وقال في حق إبراهيم ﵇: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٥)، وقال في حق موسى ﵇: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ (٦) ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ (٧). - وبما ذكره القرآن أنه ما من أمة إلا وقد أرسل لها رسول ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٨) ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (٩)، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ (١٠)، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ (١١).

стр. 738

وقد ختم الله النبوة والرسالة بمحمد ﷺ وجعله رسولًا للعالمين من الإنس والجن ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (١)، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٢)، وكما أنه رسول الله إلى كافة الإنس فهو رسول إلى الجن: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ (٣) ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ (٤) ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (٥) ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (٦). - ومما ذكره القرآن أنه لم يقصص علينا نبأ المرسلين فقال: ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ (٧). ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (٨). والقول الراجح عند العلماء أن عدد الرسل الذين ذكروا في القرآن خمسة وعشرون على خلاف في ذي الكفل والراجح أنه رسول. والرسل الذين ذكرهم القرآن هم: آدم - إدريس - نوح - هود - صالح - إبراهم - لوط - إسماعيل - إسحاق - يعقوب - يوسف - أيوب - شعيب - موسي - هارون - يونس - داود - سليمان - إلياس - اليسع - ذو الكفل - زكريا - يحيي - عيسي - محمد - عليهم الصلاة والسلام جميعًا. - وصف القرآن بعض الرسل بأنهم أولوا عزم لكثرة ما صبروا وتحملوا وما قاموا به قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ (٩) وهم المخصوصون بالذكر في سورة الأحزاب: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى

стр. 739

ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ (١). وهم في الفضل عند أهل العلم على الترتيب التالي: محمد - إبراهيم - موسي - عيسي - نوح عليهم الصلاة والسلام. ومما ميز الله به الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام الوحي: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ (٢). ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (٣). ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ (٤). - والوحي الذي خص به النبيون والمرسلون هو كلام الله المنزل على نبي من أنبيائه مخاطبًا به ذلك النبي بأنه نبي، وطرائق ذلك ما ذكره القرآن: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ (٥)، فهناك الإلقاء المباشر في قلب الرسول ﷺ وهناك الكلام المباشر من الله من وراء حجاب وهناك الوحي بواسطة الملك، وصور الملك بالوحي كثيرة والرسول الرئيسي المكلف بالوحي هو جبريل ﵇: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (٦). - والعقل والنقل متضافران على أن الرسل عليهم الصلاة والسلام لابد أن يتصفوا بأربع صفات رئيسية: الصدق والأمانة والتبليغ والفطانة. والصدق هو مطابقة الخير للواقع، قال تعالى: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ (٧). وقال: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ (٨).

стр. 740

﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (١). وأما الأمانة فهي العصمة ومعناها حفظ ظواهرهم وبواطنهم عن التلبس بمعصية فهي في اصطلاح العلماء القيام بالتكليف وهو الأمانة بمعناها العام: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ (٢). واتصافهم بالأمانة هو مقتضى التكليف الإلهي باتباعهم والاقتداء بهم: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (٣). ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (٤). ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٥). ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ (٦). ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ (٧). ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ (٨). ومعنى الفطانة القدرة على إقامة الحجة وما يستتبع ذلك من وفور عقل وقوة فهم وسرعة بديهة لأن مهمتهم إقامة الحجة بدين الله على المكلفين من خلق الله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (٩). ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ (١٠). ﴿يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ (١١).

стр. 741

ومعنى التبليغ إيصال رسالات الله إلى من أمروا بتبليغهم إياها: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ (١). ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (٢). ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٣). - ومن قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ (٤) أخذ العلماء أنه لم تكن نبوة ولا رسالة في جنس الإناث، أما خطاب الملائكة لمريم ﵍ فلم يكن بوصف النبوة بل كان كرامة لها من الله بوصف الصديقية، قال تعالى: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ (٥)، وأما قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ (٦)؛ فيحتمل أنه إلهام أو خطاب بواسطة ملك ولكن ليس بوصف النبوة بل هو كرامة وولاية. - وقد جعل الله العلامة على صدق الرسول هي المعجزة الخارقة للعادة التي يعجز المخاطبون عن الإتيان بمثلها قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ (٧) فما من رسول إلا وقد أوتي معجزة تقوم بها الحجة على المخاطبين برسالته وقد يكون للرسول معجزة واحدة وقد تكون له معجزات كثيرة، والمعجزة الرئيسية لرسولنا ﷺ هي القرآن، وهي معجزة فيها معجزات، ولكنه مع القرآن أوتي معجزات أخرى كثيرة ﵊. ومن وظائف الرسل عليهم الصلاة والسلام: ١ - إقامة العدل: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (٨). ٢ - الدعوة إلى الله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (٩).

стр. 742

﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (١). ٣ - تعليم الكتاب والحكمة وتزكية الأنفس وتعليم الناس ما لا يعلمونه إلا بواسطة الوحي مما يحتاجون إليه: ﴿وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ (٢). ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ (٣). - شرح الكتاب للناس: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٤). ٥ - التبشير والإنذار: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (٥). - والرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام يتفاضلون عند الله، قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (٦). ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ (٧). - كما أن أمم المرسلين تتفاضل: فقد فضل الله بني إسرائيل على عالم زمانهم: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (٨). - وقد جعل الله أمة محمد خير الأمم:

стр. 743

﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (١). - وببعثة الرسل عليهم الصلاة والسلام تقوم الحجة على المكلفين فيطالبون بالأصول والفروع ويستحقون العذاب في الدنيا والأخرة إذا عاندوا: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (٢). ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٣). ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾ (٤). - ومن قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ * وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾ (٥). وأمثال ذلك بحث العلماء موضوع ما يجوز على الرسل عليهم الصلاة والسلام من أحكام البشرية: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ (٦). ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ (٧). - ودعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام واحدة هي الدعوة إلى التوحيد والعبادة والعبودية والاستسلام لله فيما أوحاه إلى أنبيائه. ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (٨).

стр. 744

﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (١). ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٢). ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٣). ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (٤). ولكن تفصيلات العبودية لله قد تختلف من شريعة إلى شريعة والشريعة الخاتمة والناسخة لما خالفها هي شريعة محمد ﷺ : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ (٥). وأعظم مظاهر الرحمة الإلهية إرسال الرسل عليهم الصلاة والسلام وأعظم ما تمثلت به هذه الرحمة بعثته لمحمد ﷺ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٦). ومن مظاهر هذه الرحمة تخليص الإنسان من عبودية غير الله وتعريفه للناس كيف يتعاملون وتعريفه للناس على الحق والعدل ومكارم الأخلاق وتعريفه للناس على ما يصلحهم ويذرون ما يضرهم وتعريفه للإنسان على مكانته وعلى ظواهر الوجود وبواطنه وعلى ما غاب عنه وتحقيقه بما يستأهل به الجنة ويقيه عذاب النار وبمحمد ﷺ وجدت القدوة الكاملة للإنسان. - ونصوص الكتاب والسنة التي تتحدث عن الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام كثيرة

стр. 745

وهي تأتي في سياقات متعددة وقد ذكرنا لك أمهات من معاني القرآن وها نحن نعرض عليك بعض نصوص السنة الواردة في الرسل عليهم الصلاة والسلام، وهناك نصوص أخرى تأتي في سياقاتها من هذا الكتاب. * * *

стр. 746

النصوص النبوية في ذكر الأنبياء ٨١٤ - * روى أحمد عن أبي ذر قال: أتيت النبي ﷺ وهو في المسجد فجلست فقال: (يا أبا ذر هل صليت؟) فقلت: لا: قال: (قم فصل). قال: فقمت فصليت ثم جلست. فقال): (يا أبا ذر تعوذ بالله من شر شياطين الإنس والجن). قال: قلت: يا رسول الله للإنس شياطينٌ؟ قال: (نعم). قلت: يا رسول الله الصلاة؟ قال: (خيرٌ موضوعٌ، من شاء أقل ومن شاء أكثر). قال: قلت يا رسول الله فالصوم؟ قال: (فرضٌ مجزيٌّ وعند الله مزيدٌ). قلت: يا رسول الله فالصدقة؟ قال: (أضعافًا مُضاعفة). قال: قلت: فأيها أفضل؟ قال: (جُهدٌ من مقلٍّ أو سرٍّ إلى فقير). قلت؟ يا رسول الله: أي الأنبياء كان أول؟ قال: (آدم). قلت: يا رسول الله ونبي كان؟ قال: (نعم نبي مكلمٌ). قلت: يا رسول الله، كم المرسلون؟ قال: (ثلاثمائةٍ وبضعة عشرَ جما غفيرًا). أو قال مرة: (خمسة عشر). قلت: با رسول الله، آدم نبي؟ قال: (نعم مكلم). قال: قلت يا رسول الله! أيما أنزل عليك أعظم؟ قال: (آية الكرسي ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾) (١). ٥١٨ - * روى الطبراني عن أبي أمامة أن رجلا قال: يا رسول الله أنبيًا كان آدم؟ مجمع الزوائد (٨/ ٢١٠). وقال: رجاله رجال الصحيح غير أحمد بن خليد الحلبي وهو ثقة: قلت: ورواه ابن حبان (٢٠٨٥)، وقال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (١/ ١٠١): وهذا على شرط مسلم ولم يخرجه. وقال في المجمع (١/ ١٩٦): ورجاله رجال الصحيح. بعد أن نسبه إلى الأوسط. ا. هـ.

стр. 747

قال: (نعم). قال: كم كان بينه وبين نوح؟ قال: (عشرة قرون). قال: كم كان بين نوحٍ وإبراهيم؟ قال: (عشرة قرون). قال: يا رسول الله كم كانت الرسل؟ قال: (ثلاثمائةٍ وثلاثة عشر). أقول: هذا حديث آحاد، لا يكفي لتحديد ما أطلقه المتواتر أو سكت عنه، سواء في ذلك عدد الرسل، أو الزمن بين الرسل عليهم الصلاة والسلام، والقرن قد يراد به الجيل وقد يراد به مئة سنة، والظاهر أن المراد بالقرن هنا هو الجيل، لأن الناس كانوا يعمرون كثيرا في أول حياة البشرية كما رأينا من قبل، لذلك - وعلى كل حال - فالذي رجحه أئمة علماء العقائد وهم أئمة هذا الشأن أنه لا يحد الرسل ولا الأنبياء بعدد، كي لا نرتكب خطيئة إدخال أحد من الرسل ليس منهم، أو إخراج أحدٍ وهو منهم بحديث آحاد قد يكون وهم راويه أو نسي إلى غير ذلك مما يحتمل في حديث الآحاد. ٨١٦ - * روى البزار عن أبي موسى رفعه: (لما أخرج الله آدم من الجنة زوده من ثمار الجنة، وعلمه صنعة كل شيء، فثماركم هذه من ثمار الجنة غير أن هذه تغير، وتلك لا تغير). ٨١٧ - * روى الطبراني عن عمران بن حصين وسمرة بن جندب أن الني ﷺ قال: (ولد نوحٍ ثلاثةٌ؛ فسامٌ أبو العرب، وحامٌ أبو الحبشة، ويافث أبو الروم). ٨١٨ - * روى البخاري ومسل عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسولا الله ﷺ : (اختتن إبراهيم بالقدوم). وقال بعضهم: مخففًا، وقال أبو الزناد: (القدوم) مشددة: موضع

стр. 748

وزاد في رواية (١)، قال: (اختتن إبراهيم وهو ابن ثمانين سنة). ٨١٩ - * روى البزار عن أبي هريرة رفعه: (إن في الجنة قصرًا من درةٍ، لا صدع فيه ولا وهن، أعده الله لخليله إبراهيم نزلًا). ٨٢٠ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن إبراهيم ﵇ يرى أباه يوم القيامة، عليه الغبرة والقترة). وفي رواية (٢): قال: (يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترةٌ وغبرةٌ، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك: لا تعصني؟ فيقول له أبوه: فاليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم: يا رب، إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، فأي حزيٍ أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول الله: إني حرمت الجنة على الكافرين، ثم يقال: يا إبراهيم، ما تحت رجليك؟ فنظر، فإذا هو بذيخٍ متلطخ، فيؤخذ بقوائمه، فيلقى في النار). ٨٢١ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (رحم الله لوطًا، لقد كان يأوي إلى ركنٍ شديدٍ، ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف، ثم أتاني الداعي، لأجبت). وللبخاري (٣) أيضًا أنه ﷺ قال: (يغفر الله للوطٍ، إن كان ليأوي إلى ركنٍ شديدٍ).

стр. 749

٨٢٢ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعود، قال أعطي يوسف وأمه ثلثي حسن الناس في الوجه والبياض وغير ذلك. فكانت المرأة إذا أتته غطى وجهه مخافة أن تفتتن. ٨٢٣ - * روى أحمد عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (ليس الخبر كالمعاينة إن الله أخبر موسى ﵇ بما صنع قومه في العجل فلم يلق الألواح فلما عاين ما صنعوا ألقى الألواح فانكسرت). ٨٢٤ - * روى البخاري عن أبي بن كعب أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (إن موسى ﵇ قال لفتاه: آتنا غداءنا. قال: أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره. ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمر الله به). ٨٢٥ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أرسل ملك الموت إلى موسى، فلما جاءه صكة ففقأ عينه، فرجع إلى ربه، فقال: أرسلتني إلى عبدٍ لا يريد الموت، فرد الله إليه عينه، فقال: ارجع إليه، فقل له: يضع يده على متن ثورٍ فله بكل ما غطت يده من شعرةٍ سنةٌ، قال:

стр. 750

أي ربّ، ثم ماذا؟ قال: ثم الموت، قال: فالآن، فسأل الله أن يدنيه من ألأرض المقدسة رميةً بحجرٍ). قال رسول الله ﷺ : (فلو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر). ولمسلم (١) قال: (جاء ملك الموت إلى موسى، فقال له: أجب ربك، قال: فلطم عين ملك الموت، ففقأها ...) ثم ذكر معناه. قال الحافظ في الفتح: قال ابن خزيمة: أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث، وقالوا: إن كان موسى عرفه فقد استخفا به، وان كان لم يعرفه فكيف لم يقتص له من فقأ عينه، والجواب أن الله تعالى لم يبعث ملك الموت لموسى وهو يريد قبض روحه حينئذ، وإنما بعثه إليه اختبارًا، وإنما لطم موسى ملك الموت، لأنه رأى آدميًا دخل داره بغير إذنه، ولم يعلم أنه ملك الموت، وقد أباح الشارع فقاء عين الناظر في دار المسلم بغير إذن ا. هـ وانظر بقية كلام الحافظ في (الفتح). ٨٢٦ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إنما سمي الخضر، لأنه جلس على فروةٍ بيضاء، فإذا هي تهتز من خلفه خضراء). أقول: ذكرنا هذه الرواية هنا لأن هناك من يذهب إلى أن الخضر ﵇ كان نبيًا، والخلاف في شأنه معروف، فهناك من رجّح ولايته وهناك من رجح نبوته وهناك من يرى أنه لا زال حيًا وهناك من يرى أنه لا تصح هذه الدعوة والبخاري من هؤلاء وبنى ذلك على بعض النصوص العامة التي تنفي بقاء أحد ممن على وجه الأرض بعد فترة حددها

стр. 751

رسول الله ﷺ . ٨٢٧ - * روى البزار عن أبي الدرداء قال وكان رسول الله ﷺ إذا ذكر داود ﷺ قال: (كان أعبد البشر). ٨٢٨ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (خفف على داود القرآن، فكان يأمُرُ بدوابه أن تسرج، فيقرؤه قبل أن تسرج دوابه، ولا يأكل إلا من عَمَل يديه). وفي رواية (١) مختصرًا قال: (إن داود ﵇ كان لا يأكل إلا من عمل يديه). قوله (خفف على داود القرآن): قال ابن حجر: قيل المراد بالقرآن القراءة، والأصل في هذه اللفظة الجمع وكل شيء جمعته فقد قرأته، وقيل المراد الزبور وقيل التوراة، وقراءة كل نبي تطلق على كتابه الذي أوحي إليه، ... وإنما ترددوا بين الزبور والتوراة لأن الزبور كله مواعظ، وكانوا يتلقون الأحكام من التوراة. قال قتادة: كنا نتحدث أن الزبور مائة وخمسون سورة كلها مواعظ وثناء، ليس فيه حلال ولا حرام ولا فرائض ولا حدود، بل كان اعتماده على التوراة، أخرجه ابن أبي حاتم وغيره. وفي الحديث أن البركة قد تقع في الزمن اليسير حتى يقع فيه العمل الكثير ا. هـ. (الفتح). (لا يأكل إلا من عمل يده): دليل على أنه أفضل المكاسب، فكان ينسج الدروع ويبيعها ولا يأكل إلا من ثمن ذلك مع كونه كان من كبار الملوك. ٨٢٩ - * روى الطبراني عن أبي الدرداء أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه: (لقد قبض

стр. 752

الله روح داود ﵇ من بين أصحابه فما فتنوا ولا بدّلوا ولقد مكث أصحاب المسيح على سننه وهديه مائتي سنةٍ). أقول: قوله: (من بين أصحابه) لا يشترط فيها أنه أثناء القبض كان أصحابه حوله بل يفيد أن أصحابه لم يغيروا بعد أن قبض من بينهم. وقوله (مكث أصحاب المسيح على سننه وهديه مائتي سنة): هذا يفيد أن الغلبة بقيت للدين الصحيح للمسيح ﵇ عند المنتسبين إليه مائتي سنة بعد رفعه إلى السماء ثم بعد ذلك تغلبت مدرسة بولس الذي حرف دين المسيح ومن يومها حتى الآن فإن الغلبة لمدرسة بولس، وقد فرضت ديانة بولس من خلال أباطرة الرومان على النصارى فرضًا. ولاحقوا مخالفيها حتى لم يبق منهم إلا القليل وقد لقي سلمان الفارسي آخرهم قبل أن يأتي إلى المدينة المنورة. ٨٣٠ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رَضي الله عنة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (كانت امرأتان معها ابناهما، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت هذه لصاحبتها: إنما ذهب بابنك. وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك. فتحاكمتا إلى داود، فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود، فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسكين أشقّه بينهما. فقالت الصغرى: لا تفعل رحمك الله، هو ابنها. فقضى به للصغرى). قال أبو هريرة: والله إن سمعت بالسكين إلا يومئذ، وما كنا نقول إلا المدية. ٨٣١ - * روى البخاري ومسلم عن أي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:

стр. 753

(قال الله تعالى: لا ينبغي لعبدٍ لي) - وفي رواية: (لعبدي أن يقول: أنا خيرٌ من يونس بن متى). وللبخاري (١): أن رسول الله ﷺ قال: (من قال: أنا خيرٌ من يونس بن متى. فقد كذب). قال ابن كثير عند تفسير قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾. يخبر تعالى أنه فضل بعض الرسل على بعض، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ وقال ههنا: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ يعني موسى ومحمدًا صلى الله عليهما وسلم وكذلك آدم كما ورد به الحديث المروي في صحيح ابن حبان عن أبي ذر ﵁ ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ كما ثبت في حديث الإسراء حين رأى النبي ﷺ الأنبياء في السماوات بحسب تفاوت منازلهم عند الله (فإن قيل) فما الجمع بين هذه الآية وبين الحديث الثابت في الصحيحين عن أي هريرة قال: استب رجل من المسلمين ورجل من اليهود، فقال اليهودي في قسم يقسمه: لا والذي اصطفى موسى على العالمين. فرفع المسلم يده فلطم بها وجه اليهودي فقال: أي خبيث؟ وعلى محمد ﷺ ؟ فجاء اليهودي إلى النبي ﷺ فاشتكى على المسلم فقال رسول الله ﷺ : (لا تفضلوني على الأنبياء فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فأجد موسى باطشًا بقائمة العرش فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور؟ فلا تفضلوني على الأنبياء). وفي رواية: (لا تفضلوا بين الأنبياء). فالجواب من وجوه (أحدها): أن هذا كان قبل أن يعلم بالتفضيل وفي هذا نظر. (الثاني): أن هذا قاله من باب الهضم والتواضع. (الثالث): أن هذا نهي عن التفضيل في مثل هذه الحال التي تحاكموا فيها عند التخاصم والتشاجر. (الرابع): لا تفضلوا بمجرد الآراء والعصبية. (الخامس): ليس مقام التفضيل إليك وإنما هو إلى الله وعليك الانقياد والتسليم له والإيمان به). ا. هـ. (تفسير القرآن العظيم).

стр. 754

٨٣٢ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة: بينا يهودي يعرض سلعته أعطي بها شيئًا كرهه، فقال: لا والذي اصطفى موسى على البشر، فسمعه رجلٌ من الأنصار فقام فلطم وجهه، وقال: تقول والذي اصطفى موسى على البشر، والنبي ﷺ بين أظهرنا؟ فذهب إليه فقال: يا أبا القاسم: إن لي ذمةً وعهدًا، فما بال فلانٍ لطمني؟ فقال: (لم لطمُت وجهه)؟ فذكره، فغضب ﷺ حتى رئي في وجهه، ثم قال: (لا تفضلوا بين أنبياء الله، فإنه ينفخ في الصور فيصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم يُنفَخ فيه أخرى، فأكون أول من يُبعث، فإذا موسى آخذٌ بالعرش، فلا أدري أحوسبة بصعقة الطور أم بعث قبلي؟ ولا أقول إن أحدًا أفضل من يونس بن متى). قال ابن كثير في النهاية: (فقوله أم جوزي [وفي رواية: أحوسب وهي عندنا] بصعقة الطور يدل على أن هذا الصعق الذي يحصل للناس يوم القيامة، سببه تجلي الرب تعالى لعباده لفصل القضاء؛ فيصعق الناس من العظمة والجلال، كما صعق موسى يوم الطور. حين سأل الرؤية. ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾؛ فموسى ﵊ يوم القيامة إذا صعق الناس، إما أن يكون جُوزي بتلك الصعقة الأولى فما صعق عند هذا التجلي، وإما أن يكون صعق أخف من غيره، فأفاق قبل الناس كلهم. والله أعلم.) ا. هـ. ٨٣٣ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (بينما أيوب يغتسل عريانًا خرّ عليه رجل جرادٍ من ذهب، فجعل يحثي في

стр. 755

ثوبه، فناداه ربه: يا أيوب، ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى يا رب، ولكن لا غنى لي عن بركتك). ٨٣٤ - * روى البزار، عن أنس بن مالكٍ أن رسول الله ﷺ قال: (إن نبي الله أيوب كان في بلائه ثماني عشرة سنة فرفضه القريب والبعيد إلا رجلان من إخوانه كانا يغدوان إليه ويروحان إليه. فقال أحدهما لصاحبه: تعلم والله لقد أذنب ذنبًا ما أذنبه أحدٌ. قال صاحبه وما ذاك؟ قال: منذ ثماني عشرة سنة لم يُرحَمُة الله فيكشف الله عنه. فلما راحا إليه لم يطير الرجل حتى ذكر ذلك له. قال أيوب: ما أدري ما تقول إلا أن الله يعلم كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله فأرجع إلى بيتي فأكفر عنها كراهية أن يُذكر الله إلا في حقٍّ). قال: (وكان يخرج إلى حاجته فإذا قضى حاجته أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ. فلما كان ذات يومٍ أبطأ عليها وأوحي إلى أيوب في مكانه أن ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ فاستبطأته فتلقته تنظرُ وأقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء وهو على أحسن ما كان، فلما رأته قالت: أي بارك الله فيك هل رأيت نبي الله هذا المبتلى، والله على ذلك ما رأيت أحدًا أشبه به مذ كان صحيحًا منك. قال: فإني أنا هو. وكان له أبدران أبدر القمح وأبدرُ الشعير، فبعث الله سحابتين فلما كانت إحداها على أبدر القمح فرغت فيه الذهب حتى فاض وأفرغت الأخرى على أبدر الشعير الورق حتى فاض). ٨٣٥ - * روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا أدري: تُبَعَ العين هو؟) - وفي نسخة: (اللعين هو - أم لا؟ ولا أدري عزيرٌ نبيٌّ هو، أم لا؟).

стр. 756

ومما نسبه ابن الأثير في جامعه إلى عبد الله بن عباس ﵂ هذا القول - الذي يدخل تحت قوله ﷻ : ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾: (إن أهل فارس لما مات نبيهم: كتب لهم إبليس المجوسية). وقد نسب ابن الأثير في جامعه هذا النص لأي داود والظاهر أنه موجود في نسخة من نسخ كتاب أبي داود ولا يوجد في كل نسخه. ٨٣٦ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : وما من بني آدم من مولود إلا نخسه الشيطان حين يولد، فيستهل صارخًا من نخسه إيّاه، إلا مريم وابنها). وفي رواية (١): (إلا والشيطان يمسه حين يولد، فيستهل صارخًا من مس الشيطان إياه، إلا مريم وابنها). ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (٢). وللبخاري (٣) قال: (كل ابن آدم يطعن الشيطان في جنبيه بإصبعيه حين يولد، غير عيسى ابن مريم، ذهب يطعن فطعن في الحجاب). ولمسلم (٤) قال: (كل بني آدم يمسّه الشيطان يوم ولدته أمه، إلا مريم وابنها). ٨٣٧ - * روى الترمذي عن آبى هريرة رضى الله عنه قال: يلقى عيسى حجته، لقاه

стр. 757

الله في قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال أبو هريرة عن النبي ﷺ : (فلقاه الله ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾) الآية كلها (١). ٨٣٨ - * روى مسلم عن أي هريرَة؛ قال: قال النبي ﷺ : (حين أسري بي لقيت موسى ﵇، فنعته النبي ﷺ (فإذا رَجُلٌ) حسبته قال: (مضطربٌ رجل الرّأس. كأنه من رجال شنوءة). قال: (وَلقيت عيسى) فنعته النبي ﷺ (فَإِذَا رَبعةٌ أحمرٌ كأنما خرج من ديماس) (يعني حمامًا) قال: (ورأيت إبراهيم صلوات الله عليه. وأنا أشبه ولده به. قال: (فأتيت بإناءين في أحدهما لبنٌ وفي الآخر خمرٌ. فقيل لي: خذ أيهما شئت. فأخذت اللبن فشربته. فقال: هديت الفطرة) أو (أصبت الفطرة، أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك). ٨٣٩ - * روى البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄ قال: لا والله، ما قال النبي ﷺ لعيسى أحمر، ولكن قال: (بينما أنا نائمٌ أطوف بالكعبة، فإذا رجل آدم سبط الشعر يهادى بين رجلين ينطف رأسه ماءً) أو (يهراق رأسه ماءً - فقلت: من هذا؟ قالوا: ابن مريم. فذهبت فإذا رجلٌ أحمر جسيمٌ جعد الرأس أعور عينه اليمنى كأن عينه عنبةٌ طافية، قلت: من هذا؟ قالوا: هذا الدجال. وأقرب الناس به شبهًا ابن قطن). قال الزهري: رجلٌ من خزاعة هلك في الجاهلية.

стр. 758

قال ابن حجر: قوله (رجل الشعر) بكسر الجيم أي قد سرحه ودهنه، وفي رواية مالك (له لمة قد رَجّلها فهي تقطر ماء) وقد تقدم أنه يحتل أن يريد أنها تقطر من الماء الذي سرحها به أو المراد الاستنارة وكنى بذلك عن مزيد النظافة والنضارة، ووقع في رواية سالم الآتية في نعت عيسى (أنه آدم سبط الشعر) وفي الحديث الذي قبله في نعت عيسى (أنه جعد) والجعد ضد السبط فيكن أن يجمع بينهما بأنه سبط الشعر ووصفه لجعودة في جسمه لا شعره والمراد بذلك اجتماعه واكتنازه، وهذا الاختلاف نظير الاختلاف في كونه آدم أو أحمر، والأحمر عند العرب الشديد البياض مع الحرة، والآدم الأسمر، ويمكن الجمع بين الوصفين بأنه أحمر لونه بسبب كالتعب وهو في الأصل أسمر، وقد وافق أبو هريرة على أن عيسى أحمر فظهر أن ابن عمر أنكر شيئًا حفظه غيره، وأما قول الداودي إن رواية من قال (آدم) أثبت فلا أدري من أين وقع له ذلك مع اتفاق أبي هريرة وابن عباس على مخالفة ابن عمر. وقد وقع في رواية عبد الرحمن بن آدم عن أبي هريرة في نعت عيسى (أنه مربوع إلى الحرة والبياض). والله أعلم .... قوله: (لا والله ما قال رسول الله ﷺ لعيسى أحمر) اللام في قوله (لعيسى) بمعنى عن وهي كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ وقد تقدم بيان الجمع بين ما أنكره ابن عمر وأثبته غيره، وفيه جواز البين على غلبة الظن لأن ابن عمر ظن أن الوصف اشتبه على الراوي وأن الموصوف بكونه أحمر إنما هو الدجال لا عيسى، وقرب ذلك أن كلا منهما يقال له المسيح وهي صفة مدح لعيسى وصفة ذم للدجال كما تقدم، وكأن ابن عمر قد سمع سماعًا جزمًا في وصف عيسى أنه آدم فساغ له الحلف على ذلك لما غلب على ظنه أن من وصفه بأنه أحمر واهم. ا. هـ. ٨٤٠ - * روى البخاري ومسلم، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رَسُول الله ﷺ : (لقد رأيتني في الحجر، وَقرَيش تسألني عَن مسراي، فسألتني عَنْ أشياء

стр. 759

من بيت المقدس لم أثبتها، فكربت كربةً م اكربت مثله قط). قال: (فرفعه الله لي أنظر إليه. ما يسألوني عن شيءٍ إلا أنبأتهم به. وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء. فإذا موسى قائمٌ يصلي. فإذا رجلٌ ضربٌ جعدٌ كأنه من رجال شنوءة وإذا عيسى ابن مريم ﵇ قائمٌ يصلي. أقرب الناس به شبهًا عروة بن مسعودٍ الثقفي. وإذا إبراهيم ﵇ قائمٌ يصلي. أشبه الناس به صاحبكم) (يعني نفسه) (فحانت الصلاة فأممتهم. فلما فرغت من الصلاة قال قائلٌ: يا محمد! هذا مالكٌ صاحب النار فسلم عليه. فالتفت إليه فبدأني بالسلام). ٨٤١ - * روى البخاري ومسلم، عن ابن عباسٍ ﵄ قال: قال النبي ﷺ : (رأيت عيسى وموسى وإبراهيم، فأما عيسى فأحمرٌ جعدٌ عريض الصدر، وأما موسى فآدم جسيمٌ سبطٌ كأنه من رجال الزط). ٨٤٢ - * روى البخاري ومسلم، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا مقسطًا، وإمامًا عدلًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحدٌ، وحتى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدنيا وما فيها). ٨٤٣ - * روى الطبراني، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (ينزل عيسى ابن مريم فيمكث في الناس أربعين سنة). ٨٤٤ - * روى أحمد، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (إني لأرجو إن طال بي

стр. 760

عمرٌ أن ألقى عيسى ابن مريم ﷺ فإن عجل بي موت فمن لقيه منكم فليقرئه مني السلام). ٨٤٥ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (أنا أولى الناس بابن مريم في الدنيا والآخرة، ليس بيني وبينه نبيٌّ، والأنبياء إخوةٌ، أبناء علاتٍ، أمهاتهم شتى ودينهم واحدٌ). ٨٤٦ - * روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد رفعه: (لا تخيروا بين الأنبياء). أقول: الإجماع منعقد على أن محمدًا ﷺ أفضل النبيين والمرسلين، والنصوص في ذلك كثيرة والقرآن نص على تفضيل بعض المرسلين على بعض: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ (١). وما ورد في المنع من ذلك فهو محمول على التواضع وهضم النفس أو على ما يفهم من انتقاص المفضل عليه أو على ما يفهم من عصبية للمفضل على المفضل عليه، أو عندما لا يكون هناك نص يذكر التفضيل أو ما يوهم نقص مرتبة المفضل عليه. ٨٤٧ - * روى البزار عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : (الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون).

стр. 761

المسائل والفوائد - بعض العلماء يعتبر مقام الرسالة والنبوة واحدًا، فكل نبي رسول وكل رسول نبي، وبعضهم جعل وصف الرسالة فيه معنى زائد على معنى النبوة فالنبوة تحصل بمجرد الوحي على إنسان اصطفاه الله للنبوة وأعلمه أنه نبي أما الرسالة فتكون بعد الأمر بالإنذار والتبليغ وهل هناك أنبياء يقتصر تكليفهم على أنفسهم؟ هناك من جوز ذلك. وهناك تعريفات أخرى تحدد صفات من ينطبق عليه وصف النبوة والرسالة بآن واحد فيتصف بالنبوة من كان تابعًا لرسول ولم يأت بإنذار جديد أو تبليغ جديد ولو نزل عليه وحي، فالنبي مهمته العمل والفتوى بشريعة رسول سابق له. - الوحي الذي تثبت به النبوة هو ما كان خطابًا مباشرًا من الملك أو من الله في حالة اليقظة أما ما كان من رؤى أو إلهامات قبل ذلك فلا تثبت به النبوة وأما بعد النبوة فالرؤى والإلهامات من جملة الوحي. - من مباحث علماء التوحيد: ما يجب للرسل وما يستحيل في حقهم وما يجوز عليهم. ويخصون بالذكر مما يجب عليهم: الصدق والأمانة والتبليغ والفطانة، ويخصون بالذكر مما يستحيل عليهم أضداد الصفات الكذب والمعصية والكتمان والغفلة والبلادة، ويذكرون من الجائزات في حقهم الأعراض البشرية التي لا تؤدي إلى نقص في مراتبهم العلية، مما لا يخالف شرعًا ولا مروءة معتبرة شرعًا ولا مما يتناقض مع مقامهم، فيجوز في حقهم الأكل والشرب وإتيان النساء الحلال والنوم بعيونهم لا بقلوبهم والأمراض غير المنفرة، ومما مر ندرك أن المراد بالأمانة العصمة عن التلبس بمنهيّ عنه ولو نهي كراهة أو خلاف الأولى فأفعالهم وأقوالهم وأحوالهم دائرة بين الواجب والمندوب وهم قبل النبوة معصومون عن كل ما ينفر عنهم، فهم معصومون عن الكبائر وعن المنفرات. من شروط النبوة والرسالة: الحرية فلم يعرف أن الله ابتعث نبياّ غير حر- والذكورة والبشرية: فلم يبعث الله رسلًا من الجن لا للبشر ولا للجن ولم يبعث رسولًا من الملائكة إلى البشر ليعيش معهم كما يشترط أن يكون النبي أو الرسول خاليًا من

стр. 762

الأمراض المنفرة لأن وجود هذه أو هذه يمنع من الإفادة منه ويمنع من القربى منه وذلك يتناقض مع الحكمة من إرسال الرسل وبعثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فلا يصح أن تتلبس امرأة نبي أو رسول بالزنى، وما ورد من اسرائليات في حق أيوب تصفه بالمرض المنفر فذلك غير صحيح، ومن شروط الرسالة أن يكون الرسول أعلم من جميع من بعث إليهم بأحكام الشريعة المبعوث بها أصلية أو فرعية: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ (١)، ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ (٢). - وإرسال الرسل ليس واجبا على الله كما زعم قوم ولا مستحيلًا كما زعم قوم، بل هو جائز في حقه وقد اختار أن يرسل فأرسل فوجب الإيمان. - وما ورد في الكتاب والسنة من كلام حول مؤاخذة الله الرسل عليهم الصلاة والسلام على بعض أعمال عملوها أو تصرفات فعلوها، فبعضها محمول على أنه كان قبل النبوة، وبعضها محمول على أنه من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين، وبعضها محمول على أنه كان اجتهادًا منهم حيث جاز لهم الاجتهاد ولم يوافقوا الصواب عند الله ، فأخبرهم الله بما هو الصواب عنده، وعلى هذا فالمسلم مكلف أن ينفي المعصية عن الرسل عليهم الصلاة والسلام بالمعنى الذي تحمل عليه في بقية الخلق، وأن يفهم النصوص على ضوء ذلك. - قد يخص بعض الأنبياء بخصوصية لا تقتضي أفضلية، وقد يخصون بخصوصية مع الأفضلية، ومما خص به رسولنا ﵊ أفضليته على جميع الخلق، وعموم رسالته إلى الإنس والجن، وأنه خاتم النبيين والمرسلين، وأن شريعته مهيمنة وحاكمة على الشرائع قبلها وناسخة لكل ما ناقضها، ومما خصه الله به نصره بالرعب مسيرة شهر بسير الإبل، وجعله الأرض له ولأمته مسجدًا وطهورًا، وحل الغنائم له ولأمته وإعطاؤه الشفاعة العظمى يوم القيامة. نزول المسيح ﵇ في آخر الزمان لا يتناقض مع ختم النبوة بمحمد ﷺ ؛ لأنه

стр. 763

عليه الصلاة والسلام يأتي تابعًا لشريعة محمد ﷺ ، فهو من هذه الحيثية واحد من أمته، ومن أهم الكتب التي ألفت في نزول المسيح ﵇ آخر الزمان كتاب "التصريح بما تواتر في نزول المسيح" للشيخ أنور الكشميري جمع فيه الشيخ (٧٥) حديثًا في رفع عيسى ونزوله، وأضاف محققه الشيخ عبد الفتاح أبو غدة عشرة أحاديث سكت عنها المؤلف وخمسة وعشرين أثرًا عن الصحابة، فمن أنكر نزوله ﵊ فقد كفر لأن نزوله متواتر. - التحقيق أن الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام أفضل من الملائكة بإطلاق بمن في ذلك رؤساء الملائكة كجبريل وميكائيل وإسرافيل ومالك ورضوان .... - المعجزة هي التي تثبت صدق الرسول ومن تعريفات العلماء للمعجزة: أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي الذي هو دعوى الرسالة أو النبوة مع عدم المعارضة وقال السعد: هي أمر يظهر بخلاف العادة على يد مدعي النبوة عن تحدي المنكرين على وجه يعجز المنكرين عن الإتيان بمثله فحقيقة الإعجاز إثبات العجز. وقال الشيخ أبو الحسن: هي فعل من الله أو قائمة مقام الفعل يقصد بمثله التصديق. فخرج بذلك السحر والكهانة والشعوذة والعاديات العجيبة لأنها من عالم الأسباب وخرج بذلك الكرامة للأولياء، والمعونة للعوام والاستدراج للفساق، والإهانة وهي ما يظهر على يد الفاسق أو الكافر تكذيبًا له، ويخرج بذلك الخارقة التي لا توافق دعوى النبوة بل ترافقها دعوى واضحة البطلان كما يحدث للدجال، ومن أخطاء أهل العصر وصف ما يجري على يد غير الرسل عليهم الصلاة والسلام بالمعجزات. - المعجزة الرئيسية لرسولنا ﵊ هي القرآن وله معجزات أخرى كثيرة منها: نبع الماء من بين أصابعه، وانشقاق القمر، وحنين الجذع، وتكثير الطعام القليل، وشفاء المرضى والمصابين واستجابة الدعاء والإخبار عن مغيبات كثيرة وقعت ومنها إسراؤه ومعراجه، ومعجزات أخرى كثيرة ذكرنا بعضها في قسم السيرة من هذا الكتاب وكثير منها مثبوت في هذا الكتاب أثناء سياقات أبحاثه فقد كانت أدلة رسالته وأعلام نبوته ظاهرة في أموره كلها ﵊.

стр. 764

الوصل الأول في: رفع خطأ التوهم بأن الرسل لم يبعثوا إلا في بقعة من الأرض وإلى بعض الأمم وفيه: مقدمة ونقول

стр. 765

المقدمة قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (١). لقد ذكرت الآية التي صدرنا بها هذا البحث أنه ما من أمة إلا بعث الله لها رسولًا، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ (٣). فدل هذا على أن الأمة ذات اللسان الواحد أرسل لها رسول بلسانها ثم ختم الله الرسالات بمحمد ﷺ الذي أرسله إلى الناس كافة بهذا القرآن المعجز ليكون حجة الله على العالمين ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٤)، ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (٥)، بعض هؤلاء الرسل قص الله علينا من أخبارهم وبعضهم لم يقصص علينا من أخبارهم، قال تعالى: ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ (٦). والأمم التي أرسل لها رسول كثيرة، قال ﵊: (إنكم تتمون سبعين أمة أنت خيرها وأكرمها على الله ((٧) وعلم الآثار والحفريات الحديثة ودراسة التاريخ القديم والتعرف على الأديان البائدة والباقية كشف لنا عن بقايا من أديان حق اختلط بها باطل كثير وضلال كثير. وليس عندنا ميزان نتعرف به على الحق في الأديان البائدة أو الباقية إلا هذا القرآن وإلا السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ ، فالقرآن منقول عن رسولنا تواترًا ينقله جيل عن جيل، وقد تولى الله حفظه، والسنة النبوية الثابتة منقولة لنا بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى رسول الله ﷺ دون انقطاع مع دقة في التحقيق تشمل السند والمتن، لذلك عرفوا

стр. 766

الحديث الصحيح بأنه: ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى رسول الله ﷺ ، وسلم من الشذوذ والعلة. والشذوذ: هو أن يخالف الثقة من هو أوثق منه أو أن يخالف الثقة الثقات، والعلة هي عيب خفي يدركه الحذاق في الرواية وذلك شيء انفرد به دين محمد ﷺ بأن نصوصه محفوظة منقولة بأسانيد متصلة، بينما لا يستطيع أهل أي دين أن يثبتوا أن لهم أسانيد متصلة إلى المصدر الأول لدياناتهم. فمن المعروف تاريخيًا أن اليهود أعادوا كتابة كتبهم من مروياتهم الشفهية بعد السبي إلى بابل، وأن الأناجيل المعتمدة عند النصارى لا يوجد منه واحد متصل السند إلى المسيح ﵇، وأن آثار بوذا سجلت حوالي سنة (٣٥٠) قبل الميلاد، بينما كان ميلاد بوذا على القول الراجح حوالي سنة (٥٦٠) قبل الميلاد (أبو زهرة - مقارنات الأديان). والمعروف أن آثار زرادشت أحرقها الإسكندر المقدوني: (دائرة معارف البستاني)، وليس عند البراهمة أسانيد متصلة إلى رسول، وهكذا قل في كل دين من الأديان، ومن ههنا نقول: إن الميزان الذي نعرف به ما إذا كان هناك بقية من حق في دين من الأديان إنما هو القرآن والسنة النبوية، ووجود شيء من ذلك في دينٍ لا يعني بالضرورة أن هذا الدين أصوله سماوية بل قد يكون تسلل إليه من دين سماوي، والملاحظ أن الدراسة المتعمقة لكثير من نصوص الديانات المندثرة أو الباقية تثبت وجود بعض الموافقات لبعض معاني القرآن والسنة وهذا يؤكد شيئين: الشيء الأول: أن أصول هذه الديانات كانت سماوية. والشيء الثاني: أن كل أمة قد أرسل لها رسول، إلا أننا لا نستطيع أن نجزم برسالة أحد ونبوته إلا إذا جاءنا ذلك عن طريق الكتاب والسنة، وذلك لاحتمالات أن يكون بعض من نسب إليهم بقايا الحق هذه من المجددين أو من المتأثرين بآثار الأنبياء أو من أهل الباطل الذين حاولوا إنشاء ديانات هي مزيج من أفكار ومن بقايا أديان متوارثة قديمة. ومن أجل أن يكون عندك تصور ما عن بقايا حق توافق بعض نصوص الكتاب والسنة في بعض الديانات المندثرة أو الباقية، فإننا ننقل لك بعض النقول عن الديانات المصرية والهندية والفارسية والصينية، أما النصرانية واليهودية فقد أكثرنا من أمثال هذه النقول عن كتبها في التفسير:

стр. 767

النقول ١ - الديانات المصرية القديمة نجد في الديانات المصرية القديمة فكرة الروح وخلودها وعودتها إلى الجسد مرة أخرى وفكرة اليوم الآخر والحساب. ومن كلام أحد المتتبعين لتاريخ الديانات المصرية القديمة وهو (ماسيبرو): (وكان إله المصريين واحدًا فردًا، كاملًا، عالمًا، بصيرًا، لا يدرك بالحس، قائما بنفسه، حيًا، له الملك في السموات والأرض، لا يحتويه شيء، فهو أب الآباء، وأم الأمهات، لا يفنى، ولا يغيب يملأ الدنيا، ليس كمثله شيء، ويوجد في كل مكان) اهـ (مقارنات الأديان للإمام أبي زهرة). ومما ورد في كتاب الموتى وهو كتاب مقدس عند المصريين القدماء: (... إنني حامل الحقيقة، إنني لم أخن أحدًا، ولم أغدر بأحد، ولم أجعل أحدًا من ذوي قرابتي في ضنك، ولم أقم بدنية في موئل الحقيقة، ولم أمازج عملي بشر قط، وجافيت الضر والأذى، ولم أعمل باعتباري رئيس أسرة ما ليس من عمل ربها، ولم أكن سببًا في خوف خائف، ولا إعواز معوز، ولا ألم متألم، ولا يؤس بائس، لم أقدم على ما لا يليق بالآلهة فلم أجع أحدًا، ولم أبك أحدًا، ولم أقتل نفسًا، وما حرضت أحدًا على قتل أو خيانة، ولم أكذب، ولم أسلب المعابد ذخائرها، ولا المومياء طعامها. ولم أرتكب أمرًا لا يليق مع كاهن في كهنوته، ولم أغل في الأسعار ولم أطفف الكيل والميزان، ولم أسرق الماشية من مرعاها، ولم أصد طير الآلهة، ولم أدفع الماء في عهد الفيضانات، ولم أحول مجرى ترعة، ولم أطفئ الشعلة في ساعتها، ولم أخدع الآلهة في قرابينها المختارة، فأنا نقي، أنا نقي، أنا نقي) اهـ (مقارنات الأديان لأبي زهرة). أقول: لاشك أن بعض الكلام الذي مر معنا عن الديانة المصرية القديمة لا يتفق مع الكتاب والسنة، ولكن قسمًا منه يتفق مع نصوص الكتاب والسنة من حيث المعنى، وهذا كافٍ للتدليل على ما ذكرناه ولقد حدثنا القرآن عن رسالتين في مصر: رسالة يوسف ورسالة

стр. 768

موسى ﵉، ومما قال في يوسف ﵇ على لسان مؤمن آل فرعون: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ (١) راجع (مقارنات الأديان لأبي زهرة). وواضح من نصوص القرآن أن الوثنية والشرك وادعاء الألوهية من قبل بعض حكام مصر كان موجودًا وواضح من الدراسات التاريخية والآثار وجود الشرك والوثنية في الديانات المصرية القديمة كما مر معنا من قبل، ولكن ما ذكرناه من موافقات مع نصوص الكتاب والسنة في الآثار المصرية وما نسب إلى "أخناتون" من كلمات توحيدية يشير إلى ما ذكرناه من وجود رسالات سماوية خوطبت بها مصر. ٢ - بعض الديانات الهندية أ- الديانة البرهمية: أقدم الديانات الهندية المعروفة ذات النصوص هي: (الديانة البرهمية) التي ترجع إلى القرن الخامس عشر قبل الميلاد، وفي أحد كتبها وهو (السامافيدا) بشارة برسولنا محمد ﷺ كما حقق ذلك (عبد الحق فديارتي) في كتابه: "محمد في الأسفار الدينية العالمية" ونقله "العقاد" في كتابه: (مطلع النور) ونقلناه في كتابنا: (الرسول ﷺ . ومن أشهر من تتبع الديانة البرهمية بحق وفهم ودراسة لنصوصها: "أبو الريحان البيروني" من المؤرخين المسلمين وهو حجة بإجماعٍ فيها، ومن تحقيقاته عن أصول الديانة البرهمية قبل أن يطرأ عليها ما طرأ ما ذكره بقوله: (واعتقاد الهند في الله أنه الواحد الأزلي، من غير ابتداء ولا انتهاء، المختار في فعله القادر الحكيم الحي المحيي المدبر. المنفرد في ملكوته عن الأضداد والأنداد، لا يشبه شيئًا ولا يشبهه شيء، ولنورد لك شيئًا من كتبهم لئلا تكون حكايتنا كالشيء المسموع فقط، قال السائل في كتاب باتنجل من هذا المعبود الذي ينال التوفيق بعبادته؟.

стр. 769

قال المجيب: هو المستغني بأزليته ووحدانيته عن فعل، لمكافأة عليه براحة تؤمل وترتجى، أو شدة تخاف وتتقى، والبريء عن الأفكار، لتعاليه عن الأضداد المكروهة والأنداد المحبوبة، والعالم بذاته سرمدًا، إذ العلم الطارئ يكون ما لم يكن بمعلوم، وليس الجهل بمتجه عليه في وقت ما أو حال، ثم يقول السائل بعد ذلك: فهل له من الصفات غير ما ذكرت؟ فيقول المجيب: العلو التام في القدر لا المكان، فإنه يجل عن التمكن، وهو الخير المحض التام الذي يشتاقه كل موجود، وهو العلم الخالص عن دنس الهوى والجهل. قال السائل: أفتصفه بالكلام، أم لا؟ قال المجيب: إذا كان عالمًا فهو لا محالة متكلم. قال السائل: فإن كان متكلمًا لأجل علمه، فما الفرق بينه وبين العلماء الحكماء الذين تكلموا من أجل علومهم؟ قال المجيب: الفرق بينهم هو الزمان فإنهم تعلموا فيه وتكلموا بعد أن لم يكونوا عالمين ولا متكلمين، ونقلوا بالكلام علومهم إلى غيرهم، فكلامهم وإفادتهم في زمان، إذ ليس للأمور الإلهية بالزمان اتصال، فالله عالم متكلم في الأزل، وهو الذي كلم براهم وغيره من ألأوائل على أنحاء شتى، فمنهم من ألقى إليه كتابًا، ومنهم من فتح له بواسطة بابًا، ومنهم من أوحى إليه فنال بالفكر ما أفاض عليه. قال السائل: فمن أين له هذا العلم؟ قال المجيب: علمه على حاله في الأزل، وإذ لم يجهل قط فذاته عالمة، لم تكتسب علمًا لم يكن له، كما قال في (بيذ) الذي أنزل على براهم: احمدوا وامدحوا من تكلم ببيذ، وكان قبل بيذ. قال السائل: كيف تعبد من لم يلحقه الإحساس؟ قال المجيب: تسميته تثبت أنيته فالخبر لا يكون إلا عن شيء، والاسم لا يكون إلا لمسمى، وهو إن غاب عن الحواس فلم تدركه، فقد عقلته النفس، وأحاطت بصفاته الفكرة. وهذه هي عبادته الخالصة، وبالمواظبة عليها تنال السعادة.). ا. هـ. (مقارنات الأديان لأبي زهرة). أقول: إن الكلام الذي مر معنا ما يعترض عليه، ولكن فيه الكثير مما يوافق الكتاب

стр. 770

والسنة، وفيه ما يدل على أن براهما قد أنزل عليه كتاب، فإذا صح النقل فإن براهما يكون رسولًا قد غلا فيه قومه، ألهوه كما فعل النصارى بالمسيح ابن مريم ﵇. ويؤكد (فريد وجدي) في دائرة معارفه ما ذكره (البيروني) مستدلًا بذلك على أن فكرة التثليث الموجودة حاليًا عند البراهمة ليس لها وجود في الكتب البرهمية القديمة. ب- الديانة البوذية: ومن الديانات الهندية القديمة: (الديانة البوذية) التي جاءت كما يبدو لتصحيح ما حدث من انحراف في الديانة البرهمية، والمتكلمون عن بوذا يصفونه بصفات الأنبياء ابتداء بنزول الوحي عليه، ثم يغلون فيه غلو النصارى في المسيح ابن مريم ﵇ حتى إن أبا زهرة في كتابه (مقارنات الأديان) أثبت التوافق بين كثير من عبارات البوذيين في بوذا وعبارات النصارى في المسيح ابن مريم ولا نستطيع أن نعتمد على الروايات المأثورة عن بوذا لأنها كما قلنا سجلت بعد وفاته بفترة طويلة ولا نستطيع أن نجزم بشيء في أمره لكن بعض ما نسب إليه يتفق مع الوحي الذي أنزله الله على رسولنا ومن ذلك مثلًا: أن من تعاليم بوذا: أن على الإنسان أن يكون مقيدًا نفسه بثمانية أمور:. (أ) الاتجاه الصحيح المستقيم: بأن يتجه إلى أي أمر يريده اتجاهًا صحيحًا مستقيمًا خاليًا من كل سلطان للشهوة واللذة وما تبعثه من أماني وأحلام فاسدة، فيجتهد عند الاتجاه إلى أي أمر في أن يخلص إرادته من شائبة اللذات أو الشهوات، وما يتصل بها من آمال تبعثها وأحلام تثيرها، وفي الجملة ينقي نفسه من كل ما يتصل باللذة عند الاتجاه. (ب) الإشراق الصحيح المستقيم: وذلك أن الإنسان عند الاتجاه إلى أمر من الأمور اتجاهًا مستقيمًا خاليًا من شوائب اللذات، تعتريه نورانية تجعله يستطيع الوصول إلى حقائق الأشياء من غير أن يرنق نظره أي درن من أدران اللذة، ولا يرين على عقله ما تثيره من أهواء. (ج) التفكير الصحيح المستقيم: وذلك أن العقل إن خلا من شوائب اللذة، ونال الإشراق الصحيح كان تفكيره مستقيمًا، وكانت العمليات العقلية التي يقوم بها في التفكير في

стр. 771

هذا الأمر مستقيمة لا تؤثر فيها نزعة هوى، ولا جموح شهوة، ولا اضطراب الأماني والأحلام في قلبه. (د) ولا شك أن هذه المستقيمات الثلاثة السابقة: الاتجاه المستقيم والإشراق المستقيم، والتفكير المستقيم يترتب عليها أمر رابع مستقيم، وهو اطمئنان العقل والقلب إلى فكرة خاصة من بين ما يعرض لها من الأفكار والآراء والأنظار. وذلك هو الإيمان المستقيم، أو الاعتقاد المستقيم الذي يصحبه ارتياح واطمئنان، وبه يصير القلب في روح وريحان من النعيم المعنوي. (هـ) والذي يتمم الأمور الأربعة السابقة لفظ مستقيم، وذلك بأن يكون نطق الإنسان بما انتهى إليه من فكره مطابقاً تمام المطابقة لاعتقاده، ولما ارتاح إليه، وعمر قلبه بالسرور به. (و) السلوك المستقيم: وذلك هو الأمر السادس الذي لابد منه لسلوك الممر الوسط، والسلوك المستقيم ما يكون مطابقاً لكل ما قام بالقلب من اعتقاد فيكون العمل على وفق العلم، فلا مجافاة بينهما، ولا مناقضة، بل يكون كل منهما مؤكداً للآخر أو متمماً له. (ز) الحياة الصحيحة: بأن يكون قوامها هجر اللذات هجراً تاماً وأن يكون كل ما يجري فيها متطابقاً مع السلوك القويم، والعلم الصحيح، ولا يشذ فيها شيء عن مقتضى هذا السلوك وأحكامه. (ح) الجهد الصحيح: وذلك بأن تكون كل الجهود التي يبذلها الإنسان في سبيل أن تكون الحياة مستقيمة سائرة على مقتضى السلوك، والعلم والحق، ومنع كل ما له صلة باللذات، أو من شأنه أن يثير دواعيها. ويحفز إليها. هذه هي الأمور التي لو تمت على وجه مستقيم سار الشخص على الجادة، وسلك الممر الوسط الذي يوصل إلى حياة سعيدة خالية من الآلام خلوها من دواعيها، وهي الشهوات واللذات. ا. هـ. (مقارنات الأديان لأبي زهرة).

стр. 772

ومن وصايا بوذا: (أ) لا تقتل أحداً؛ ولا تقض على حياة حي. (ب) لا تأخذ مالاً لا يقدم إليك، فلا تسرق ولا تغصب. (ج) لا تكذب، ولا تقل قولاً غير صحيح. (د) لا تشرب خمراً، ولا تتناول مسكراً ما. (هـ) لا تزن، ولا تأت أي أمر يتصل بالحياة التناسلية إذا كان محرماً. (و) لا ترقص، ولا تحضر مرقصاً ولا حفل غناء. أ. هـ (مقارنات الأديان - لأبي زهرة). ومن الروايات عنه كما نقل ذلك فريد وجدي في دائرة معارفه: (كما أنه لا فرق بين جسم الأمير وجسم المتسول الفقير كذلك لا فرق بين روحيهما كل منهما أهل لإدراك الحقيقة والانتفاع بها في تخليص نفسه ...). (ومما يريك مذهب البوذية في صورته الحقيقية ما حدث من المحاورة بينه وبين أحد تلامذته، وكان ذلك التلميذ أراد التحول إلى قبيلة (سرونا بارانتا) للمكث بين طهرانيهم ودعوتهم للبوذية، فعلم البوذة أن تلك القبيلة المشهورة بالشراسة وسوء الجوار لا يلينها إلا الثابت الضليع فأراد أن يحول تلميذه عن عزمه، فقال له: إن رجال قبيلة (سرونا بارانتا) الذين تود أن تسكن بين ظهرانيهم متحمسون قساة سريعو الغضب، وأهل حمية وجحود، فإذا اتفق يابورنا ووجه إليك أولئك الناس ألفاظاً بذيئة خشنة وقحة ثم غضبوا عليك وسبوك فماذا كنت قائلاً؟ فأجابه: أقول لا شك أن هؤلاء قم طيبون لينو العريكة لأنهم لم يضربوني بأيديهم ولم يرجموني بالأحجار. فقال البوذة: وإن ضربوك بأيديهم ورجموك بالأحجار فماذا كنت قائلاً؟

стр. 773

قال التلميذ: أقول إنهم طيبون لينون إذ لم يضربوني بالعصي ولا بالسيوف. فقال البوذة: وإن ضربوك بالعصي والسيوف فماذا كنت قائلاً؟ قال التلميذ: أقول إنهم طيبون لينون إذ لم يحرموني الحياة نهائياً. فقال البوذة: وإن حرموك الحياة فماذا كنت قائلاً؟ قال التلميذ: أقول إنهم طيبون لينون إذ خلصوا روحي من سجن هذا الجسد السيئ بلا كبير ألم. فقال له البوذة عند ذلك: أحسنت يا بورنا إنك تستطيع بما أوتيته من الصبر والثبات أن تسكن في بلاد قبيلة سرونا بارانتا فاذهب إليهم يا بورنا! وكما تخلصت فخلصهم وكما وصلت إلى الساحل فأوصلهم معك. وكما تعزيت فعزهم معك وكما وصلت إلى مقام النيرفانا الكاملة فأوصلهم إليها مثلك. فذهب بورنا إليهم وكانت النتيجة أن آمنوا كلهم بالبوذة واتبعوا مذهبه) ا. هـ. وجدي. أقول: وقد خالط الديانة البوذية ما خالطها ولكن الشذرات التي نقلناها توحي بأن لهذه التعاليم صلة برسالة سماوية. ٣ - الديانة الزرادشتية: يرجع (أبو الكلام أزاد) في كتابه عن (ذي القرنين) أن زرادشت قد عاصر ذا القرنين الذي يرجح أنه (قورش) الفاتح الفارسي المشهور، وأن قورش كان على ديانة زرادشت، وعلى هذا فإن ظهور زرادشت يكون في القرن السادس قبل الميلاد، ويفرق أبو الكلام أزاد بين الزرادشتية والمجوسية فالمجوسية أقدم من الزرادشتية، وقد جاء زرادشت ليخرج الناس من ضلالها، ولكنها في النهاية امتزجت مع الديانة الزرادشتية وأفسدتها، ويذكر أبو الكلام أزاد أن أساسا الدين الزرادشتي: (صدق النية وصدق القول وصدق العمل) وذلك يتفق مع الوحي الذي أنزله الله على

стр. 774

رسولنا ﵊ ومما يذكره أبو الكلام أزاد عن الدين الزرادشتي: الإيمان باليوم الآخر، ويذكر أبو الكلام شهادة المؤرخين على بعد الزرادشتية عن الوثنية، ويؤكد أبو الكلام أن الزرادشتية لا تقول بإلوهية اثنين بل تقول بإلوهية الله وتحارب الشيطان أما الثنوية فطرأت طروءاً بعد ذلك على الديانة الفارسية. وقد نقل أبو الكلام بعض الكتابات المنحوتة في الصخر والتي لازالت موجودة حتى الآن والتي سجلها دارايوش خليفة قورش وابن عمه والذي يعتقد أنه كان على دين زرادشت الصحيح ما نصه: (إن الإله العلي، أهورامزدا، هو الذي خلق الأرض، ورفع السماء، وفتح سبل السعادة على البشر، وهو الذي أقام دارايوش وحده حاكماً على الكثيرين، وجعله واضع الشرائع لهم). ويقول في كتابه أخرى: (يعلن دارايوش للناس قاطبة بأن أهورا مزدا، قد وهبني الملك بفضله ورحمته، وقد نجحت بتوفيقه تعالى في تدعيم الأمن والسلام في الأرض، وإني أبتهل إلى أهورامزدا إلهي، أن يرعاني أنا، وأسرتي، وجميع البلاد التي جعلني حاكماً عليها. يا رب، أهورامزدا، اسمع دعائي واستجبه!). الدعوة إلى الصراط المستقيم: وكذلك يقول الملك: (يأيها الإنسان، أمرك أهو رامزدا ألا تخوض قط في الشر، ولا تحيد عن الصراط المستقيم أبداً، واحذر الإثم في جميع الأحوال) ا. هـ. (ويسألونك عن ذي القرنين). ويدلل أبو الكلام على أن أصول الزرادشتية سماوية: أن المسلمين عاملوا المجوس معاملة أهل الكتاب باستثناء الزواج منهم وأكل ذبائحهم.

стр. 775

٤ - الديانات الصينية لا تزال في الصين ديانتان رئيسيتان هما الكونفوشيوسية والطاوية والكونفوشوسية نسبة إلى كونفوشيوس، والطاوية؛ نسبة إلى لوتس الذي أدركه كونفوشيوس في أخريات حياته ولا نستطيع الجزم بشيء حول الرجلين هل هما تابعان لرسالة سابقة أو لهما دور آخر، ولكن الثابت أن كثيراً مما روي عن كونفوشيوس يتفق مع معان إسلامية فهل كان ذلك أثراً عن دين سماوي استفاد منه كونفوشيوس أو كان هو له وضع ما؟ لا نستطيع الجزم بشيءٍ، والمعروف من سيرته تجواله لنشر دعوته والتزامه بالعبادة وتمسكه بالعدل والفضيلة ... وقد دون تلاميذه آراءه ولا ندري هل السند متصل أو لا، أو كانت هذه كل آرائه، وهل كان النقل دقيقاً وقد ترجم أهم الكتب التي تدرون آراءه تحت اسم الحوار إلى اللغة العربية، ترجمه محمد مكين، والمعروف أن كونفوشيوس لخص كثيراً من الكتب السابقة عليه التي تمثل معارف الصين، ومما نسب إلى كونفوشيوس: (انصرفت إلى طلب العلم، وأنا في الخامسة عشرة من سني، وفى الثلاثين التزمت جادة الفضيلة، وفي الأربعين لم يكن في نفسي أي ريب في حقائق الأشياء وعلمت القضاء والقدر وأنا في الخمسين، وأصغت أذني إلى كل الحق عارفاً فاهماً له وأنا في الستين، ولم أتجاوز حدود السلوك القويم وأنا في السبعين). (السياسة هي الإصلاح فإن جعلت صلاح نفسك أسوة حسنة لرعيتك، فمن الذي يجترئ على الفساد)؟. (إن أخلاق الرؤساء كالريح، وأخلاق المرءوسين كالعشب، وإلى أية جهة هبت الريح مال العشب). (من يعلم الحق دون من يولع بطلبه؛ ومن يولع بطلبه دون من يطمئن إليه دائماً) فالمراتب عنده ثلاث: (١) معرفة للحق مجردة (٢) وشوق إلى الحق ومحبة له (٣) وعمل به وارتياح النفس إلى العمل به، مهما يكتنفها في العمل به من صعاب وشدائد ثم يقسم الناس بالنسبة للمعرفة
следующие страницы →