هذا الأمر مستقيمة لا تؤثر فيها نزعة هوى، ولا جموح شهوة، ولا اضطراب الأماني والأحلام في قلبه.
(د) ولا شك أن هذه المستقيمات الثلاثة السابقة: الاتجاه المستقيم والإشراق المستقيم، والتفكير المستقيم يترتب عليها أمر رابع مستقيم، وهو اطمئنان العقل والقلب إلى فكرة خاصة من بين ما يعرض لها من الأفكار والآراء والأنظار. وذلك هو الإيمان المستقيم، أو الاعتقاد المستقيم الذي يصحبه ارتياح واطمئنان، وبه يصير القلب في روح وريحان من النعيم المعنوي.
(هـ) والذي يتمم الأمور الأربعة السابقة لفظ مستقيم، وذلك بأن يكون نطق الإنسان بما انتهى إليه من فكره مطابقاً تمام المطابقة لاعتقاده، ولما ارتاح إليه، وعمر قلبه بالسرور به.
(و) السلوك المستقيم: وذلك هو الأمر السادس الذي لابد منه لسلوك الممر الوسط، والسلوك المستقيم ما يكون مطابقاً لكل ما قام بالقلب من اعتقاد فيكون العمل على وفق العلم، فلا مجافاة بينهما، ولا مناقضة، بل يكون كل منهما مؤكداً للآخر أو متمماً له.
(ز) الحياة الصحيحة: بأن يكون قوامها هجر اللذات هجراً تاماً وأن يكون كل ما يجري فيها متطابقاً مع السلوك القويم، والعلم الصحيح، ولا يشذ فيها شيء عن مقتضى هذا السلوك وأحكامه.
(ح) الجهد الصحيح: وذلك بأن تكون كل الجهود التي يبذلها الإنسان في سبيل أن تكون الحياة مستقيمة سائرة على مقتضى السلوك، والعلم والحق، ومنع كل ما له صلة باللذات، أو من شأنه أن يثير دواعيها. ويحفز إليها.
هذه هي الأمور التي لو تمت على وجه مستقيم سار الشخص على الجادة، وسلك الممر الوسط الذي يوصل إلى حياة سعيدة خالية من الآلام خلوها من دواعيها، وهي الشهوات واللذات. ا. هـ. (مقارنات الأديان لأبي زهرة).
стр. 772
ومن وصايا بوذا:
(أ) لا تقتل أحداً؛ ولا تقض على حياة حي.
(ب) لا تأخذ مالاً لا يقدم إليك، فلا تسرق ولا تغصب.
(ج) لا تكذب، ولا تقل قولاً غير صحيح.
(د) لا تشرب خمراً، ولا تتناول مسكراً ما.
(هـ) لا تزن، ولا تأت أي أمر يتصل بالحياة التناسلية إذا كان محرماً.
(و) لا ترقص، ولا تحضر مرقصاً ولا حفل غناء. أ. هـ (مقارنات الأديان - لأبي زهرة).
ومن الروايات عنه كما نقل ذلك فريد وجدي في دائرة معارفه:
(كما أنه لا فرق بين جسم الأمير وجسم المتسول الفقير كذلك لا فرق بين روحيهما كل منهما أهل لإدراك الحقيقة والانتفاع بها في تخليص نفسه ...).
(ومما يريك مذهب البوذية في صورته الحقيقية ما حدث من المحاورة بينه وبين أحد تلامذته، وكان ذلك التلميذ أراد التحول إلى قبيلة (سرونا بارانتا) للمكث بين طهرانيهم ودعوتهم للبوذية، فعلم البوذة أن تلك القبيلة المشهورة بالشراسة وسوء الجوار لا يلينها إلا الثابت الضليع فأراد أن يحول تلميذه عن عزمه، فقال له:
إن رجال قبيلة (سرونا بارانتا) الذين تود أن تسكن بين ظهرانيهم متحمسون قساة سريعو الغضب، وأهل حمية وجحود، فإذا اتفق يابورنا ووجه إليك أولئك الناس ألفاظاً بذيئة خشنة وقحة ثم غضبوا عليك وسبوك فماذا كنت قائلاً؟
فأجابه: أقول لا شك أن هؤلاء قم طيبون لينو العريكة لأنهم لم يضربوني بأيديهم ولم يرجموني بالأحجار.
فقال البوذة: وإن ضربوك بأيديهم ورجموك بالأحجار فماذا كنت قائلاً؟
стр. 773
قال التلميذ: أقول إنهم طيبون لينون إذ لم يضربوني بالعصي ولا بالسيوف.
فقال البوذة: وإن ضربوك بالعصي والسيوف فماذا كنت قائلاً؟
قال التلميذ: أقول إنهم طيبون لينون إذ لم يحرموني الحياة نهائياً.
فقال البوذة: وإن حرموك الحياة فماذا كنت قائلاً؟
قال التلميذ: أقول إنهم طيبون لينون إذ خلصوا روحي من سجن هذا الجسد السيئ بلا كبير ألم.
فقال له البوذة عند ذلك: أحسنت يا بورنا إنك تستطيع بما أوتيته من الصبر والثبات أن تسكن في بلاد قبيلة سرونا بارانتا فاذهب إليهم يا بورنا! وكما تخلصت فخلصهم وكما وصلت إلى الساحل فأوصلهم معك. وكما تعزيت فعزهم معك وكما وصلت إلى مقام النيرفانا الكاملة فأوصلهم إليها مثلك.
فذهب بورنا إليهم وكانت النتيجة أن آمنوا كلهم بالبوذة واتبعوا مذهبه) ا. هـ. وجدي.
أقول: وقد خالط الديانة البوذية ما خالطها ولكن الشذرات التي نقلناها توحي بأن لهذه التعاليم صلة برسالة سماوية.
٣ - الديانة الزرادشتية:
يرجع (أبو الكلام أزاد) في كتابه عن (ذي القرنين) أن زرادشت قد عاصر ذا القرنين الذي يرجح أنه (قورش) الفاتح الفارسي المشهور، وأن قورش كان على ديانة زرادشت، وعلى هذا فإن ظهور زرادشت يكون في القرن السادس قبل الميلاد، ويفرق أبو الكلام أزاد بين الزرادشتية والمجوسية فالمجوسية أقدم من الزرادشتية، وقد جاء زرادشت ليخرج الناس من ضلالها، ولكنها في النهاية امتزجت مع الديانة الزرادشتية وأفسدتها، ويذكر أبو الكلام أزاد أن أساسا الدين الزرادشتي:
(صدق النية وصدق القول وصدق العمل) وذلك يتفق مع الوحي الذي أنزله الله على
стр. 774
رسولنا ﵊ ومما يذكره أبو الكلام أزاد عن الدين الزرادشتي: الإيمان باليوم الآخر، ويذكر أبو الكلام شهادة المؤرخين على بعد الزرادشتية عن الوثنية، ويؤكد أبو الكلام أن الزرادشتية لا تقول بإلوهية اثنين بل تقول بإلوهية الله وتحارب الشيطان أما الثنوية فطرأت طروءاً بعد ذلك على الديانة الفارسية.
وقد نقل أبو الكلام بعض الكتابات المنحوتة في الصخر والتي لازالت موجودة حتى الآن والتي سجلها دارايوش خليفة قورش وابن عمه والذي يعتقد أنه كان على دين زرادشت الصحيح ما نصه:
(إن الإله العلي، أهورامزدا، هو الذي خلق الأرض، ورفع السماء، وفتح سبل السعادة على البشر، وهو الذي أقام دارايوش وحده حاكماً على الكثيرين، وجعله واضع الشرائع لهم).
ويقول في كتابه أخرى: (يعلن دارايوش للناس قاطبة بأن أهورا مزدا، قد وهبني الملك بفضله ورحمته، وقد نجحت بتوفيقه تعالى في تدعيم الأمن والسلام في الأرض، وإني أبتهل إلى أهورامزدا إلهي، أن يرعاني أنا، وأسرتي، وجميع البلاد التي جعلني حاكماً عليها. يا رب، أهورامزدا، اسمع دعائي واستجبه!).
الدعوة إلى الصراط المستقيم:
وكذلك يقول الملك:
(يأيها الإنسان، أمرك أهو رامزدا ألا تخوض قط في الشر، ولا تحيد عن الصراط المستقيم أبداً، واحذر الإثم في جميع الأحوال) ا. هـ. (ويسألونك عن ذي القرنين).
ويدلل أبو الكلام على أن أصول الزرادشتية سماوية: أن المسلمين عاملوا المجوس معاملة أهل الكتاب باستثناء الزواج منهم وأكل ذبائحهم.
стр. 775
٤ - الديانات الصينية
لا تزال في الصين ديانتان رئيسيتان هما الكونفوشيوسية والطاوية والكونفوشوسية نسبة إلى كونفوشيوس، والطاوية؛ نسبة إلى لوتس الذي أدركه كونفوشيوس في أخريات حياته ولا نستطيع الجزم بشيء حول الرجلين هل هما تابعان لرسالة سابقة أو لهما دور آخر، ولكن الثابت أن كثيراً مما روي عن كونفوشيوس يتفق مع معان إسلامية فهل كان ذلك أثراً عن دين سماوي استفاد منه كونفوشيوس أو كان هو له وضع ما؟ لا نستطيع الجزم بشيءٍ، والمعروف من سيرته تجواله لنشر دعوته والتزامه بالعبادة وتمسكه بالعدل والفضيلة ... وقد دون تلاميذه آراءه ولا ندري هل السند متصل أو لا، أو كانت هذه كل آرائه، وهل كان النقل دقيقاً وقد ترجم أهم الكتب التي تدرون آراءه تحت اسم الحوار إلى اللغة العربية، ترجمه محمد مكين، والمعروف أن كونفوشيوس لخص كثيراً من الكتب السابقة عليه التي تمثل معارف الصين، ومما نسب إلى كونفوشيوس:
(انصرفت إلى طلب العلم، وأنا في الخامسة عشرة من سني، وفى الثلاثين التزمت جادة الفضيلة، وفي الأربعين لم يكن في نفسي أي ريب في حقائق الأشياء وعلمت القضاء والقدر وأنا في الخمسين، وأصغت أذني إلى كل الحق عارفاً فاهماً له وأنا في الستين، ولم أتجاوز حدود السلوك القويم وأنا في السبعين).
(السياسة هي الإصلاح فإن جعلت صلاح نفسك أسوة حسنة لرعيتك، فمن الذي يجترئ على الفساد)؟.
(إن أخلاق الرؤساء كالريح، وأخلاق المرءوسين كالعشب، وإلى أية جهة هبت الريح مال العشب).
(من يعلم الحق دون من يولع بطلبه؛ ومن يولع بطلبه دون من يطمئن إليه دائماً) فالمراتب عنده ثلاث:
(١) معرفة للحق مجردة (٢) وشوق إلى الحق ومحبة له (٣) وعمل به وارتياح النفس إلى العمل به، مهما يكتنفها في العمل به من صعاب وشدائد ثم يقسم الناس بالنسبة للمعرفة
стр. 776
إلى أربع درجات: الدرجة الأولى درجة رجل وهبته السماء المعرفة، وأوتي الإلهام، وهي أعلى الدرجات، والثانية درجة رجل لم يؤت إلهاماً ولكن فيه ذكاء؛ فتعلم ووصل إلى أقصى ما يتعلمه من لم يؤت إلهاماً، والدرجة الثالثة درجة الرجل الذي لم يؤت ذكاء، بل فيه غباء، يطلب المعرفة، وينال منها بمقدار طاقته، والدرجة الدنيا وهي الدرك الأسفل. رجل حائر بائر في غباء وبلادة فلم يعرف ولم يحاول معرفة).
(الرجل الكامل الخلق يطلب الفضيلة؛ والرجل الناقص الخلق يطلب اللذة، والرجل الكامل الخلق يفكر في اجتناب الرذيلة وأداء الواجب، والرجل الناقص يفكر في كسب المنافع ... والرجل الكامل الخلق واقف على البر، والرجل الناقص الخلق واقف على الربح).
(الرجل غير الفاضل لا يستطيع أن يبقى في الفاقة أو الثروة طويلاً، أما ذو الفضيلة فهو مستريح في فضيلته، حريص عليها).
(ذو الفضيلة يستبشر بالماء الجاري؛ وذو الفضيلة يستبشر بالجبل الراسي؛ وذو الفضيلة نشيط، ورزين، ومعمر. فالفضيلة عنده روضة فيها الراح والريحان، والسر والاطمئنان، أما ذو الرذيلة فهو في شقاء وبلبال مستمر؛ وينزل عليه غضب السماء جزاء ما قدمت يداه واقترفت نفسه؛ ولذا يقول: (يولد الإنسان مستقيماً فمن فقد الاستقامة واستمر حياً؛ فنجاته من الموت من حسن حظه).
(انظر إلى أعمال الناس، ولاحظ بواعثها، وراقب ما إليه يستريحون فأين يخفي الناس سرائرهم!! أين يخفي الناس سرائرهم!! ..).
ولقد قال أحد تلاميذه: (أراقب نفسي وأسألها كل يوم هل خانت عندما تولت شئون الناس؟ هل كذبت عندما عاملت؟ هل كانت غافلة عن العمل بما تلقته من العلوم؟).
(إذا عزم المتعلم على طلب الطريقة الموافقة للفطرة السليمة وهو يأبى الملبس الخَلِق، والمطعم الجشب فهو خليق بأن يُحاضرَ).
(... ثمرة الآداب حسن العشرة، وإنما تستحسن سنة السلف الصالح لاشتمالها على هذه
стр. 777
الصفة التي تراعى في جميع الشئون صغيرها وكبيرها، ولكن لو روعي حسن المعاشرة من غير أن يضبط بالفضيلة ما استقامت الأمور).
(الرجل الفاضل لا يتحيز، والرجل الفاضل لا يتعصب).
(واجب الولد البر بأبويه إذا كان داخل المنزل، والاحترام لذوي الأسنان إذا كان خارجه، والصدق في أقواله، والرحمة بالناس في كل أفعال، وأن يتقرب إلى الفضلاء وإذا كان لديه فراغ من الوقت زجاه في كتب الأخلاق).
(من الناس من نستطيع محادثته في العلم، ولا يمكن أن نحمله على السير معنا بمقتضى الفطرة، ومنهم من نستطيع أن نسير بهم على الفطرة من غير أن يكونوا ذوي قدم ثابتة فيها، منهم من يكون ذا خلق قويم شديد التمسك بالفطرة والكمال الإنساني، ولكن لا يمكننا مشاورته في تقدير الشئون).
(... يقول في وصف آراء أستاذه وأثرها في نفسه: (إذا رفعت إلى آراء الأستاذ النظر رأيتها أعلي مما كنت أعتقد، وهي ملء نفسي، وتحيط بي، وتستغرق كل حسي، والأستاذ يرشد الناس بالتدريج إرشاداً حسناً، وقد وسع بالعلوم مجال فكري. وضبط بالآداب سلوكي، حتى أني لو رغبت في ترك آرائه ما طاوعتني نفسي).
(أتظنون أني أخفي عليكم شيئاً، ما من أمر أعمله إلا فيه إرشادكم، وهذه هي طريقتي في التربية).
(لا يمكن أن أعاشر الطيور والوحوش، فلو لم أعاشر هذه الأمة، فمن الذي أعاشره؟ لو كانت البلاد تحت سيادة عادلة ما كنت في حاجة إلى محاولة لإعادة نظامها).
(إذا كان واجب كل شخص من آحاد الأمة أن يعتزل في كهف من الكهوف، فمن الذي يبقى في المدن يعمرها، وفى الأرض يفلحها ويزرعها، وفي الصنائع يمر فيها، ومن الذي ينسل ويعمل ليبقى الكون عامراً ببني الإنسان؟ وإذا كان الاعتزال مقصوراً على الحكماء والفضلاء فمن الذي يربي الإنسان ويؤدبه؟ أم يترك الناس حائرين لا هادي ولا مرشد).
стр. 778
(إن في الفصل بين المتخاصمين كغيري من الناس، ولكن السياسة الحكيمة أن تهذب الرعية، حتى لا تكون مخاصمة).
(إن الحاكم إذا شغف بالآداب الفاضلة لا يجترئ أحد من رعيته على إهانة غيره، وإذا شغف بالصدق لا يجترئ أحد على الكذب، ومن هذه حاله أقبل عليه الناس حاملين أولادهم على ظهورهم).
(إن كان سلوك الرئيس مستقيماً أطاعه المرءوسون من غير أن يأمرهم، وإن كان غير مستقيم لم يطيعوه ولو أمرهم ...).
(الرعية إذا قدتها بالأحكام الصارمة والعقوبات الزاجرة فستحاول التخلص منها وهي غير مستحية من مخالفتها، وإذا قدتها بالفضائل وأصلحتها بالآداب تستحي من ارتكاب الجرائم وهي صالحة).
سأله أحد تلاميذه عن ضروريات السياسة فقال: "من ضروريات السياسة الأقوات الكافية وذخائر الحرب الواقية، وثقة الرعية".
فقال التلميذ: (لو اضطررنا إلى حذف واحد من هذه الثلاثة فبأيها نبتدئ بالحذف؟ قال: (احذفوا ذخائر الحرب) قال: (لو اضطررنا إلى حذف أحد هذين الأمرين فأيهما تحذف؟ وأيهما تبقى؟).
قال: (احذفوا الأقوات، فإن الموت حظ الإنسان منذ الغابر من الأزمان، ولكن السياسة لا تقوم إلا بثقة الرعية).
سأله أحد تلاميذه قائلاً: كيف يجعل الحاكم رعيته يجلونه ويثقون به مخلصين ويتواصون بالخير فيما بينهم؟.
فقال مجيباً: (إذا قابلهم بالسمت والوقار أجلوه. وإذا كان باراً بوالديه شفيقاً على قومه أخلصوا له، وإذا رفع الصالحين وأعان العاجزين تواصوا بالخير).
ولقد سأله أمير مقاطعته قائلاً: (كيف تكتسب طاعة الرعية؟) فأجابه بقوله: (إذا أعلي الصالحون وأبعد الطالحون أطاعت الرعية، وإذا أقصى الصالحون، وأدنى الطالحون
стр. 779
عصت الرعية ...).
(... لو تداولت أيدي الصالحين شئون الدولة لمدن قرن واحد لتهذب الظالمون جميعاً، ولاستغنى الحاكم عن عقوبة الإعدام ...).
(آمن بالحق، وأحب العلم، واتبع الفطرة، ولا تقم في مملكة سادتها الفوضى واطلب المنصب إذا كانت البلاد محكومة بسياسة حكيمة، واعتزل إذا كانت تحت سياسة غاشمة، فمن العار أن تفتقر وتبتعد، والبلاد تحت سياسة عادلة، ومن العار أن تغنى وتعتز والبلاد تحت سياسة غاشمة).
(لا يكن همك أن تتولى المنصب، بل ليكن همك ما يؤهلك لهذا المنصب، ولا تهتم بجهل الناس قدرك، بل اهتم بالفضل الذي تريد أن يعرفوك به).
(من يخدم الأمراء فليجعل العناية بأداء الواجب في المحل الأول، وأمر الراتب في المحل الثاني).
ذكر أحد تلاميذه أن وزيراً من الوزراء تولى رياسة الوزارة ثلاث مرات، فلم يظهر على وجهه أمارة الابتهاج في واحدة منها، واستقال ثلاث مرات، فلم يبد في واحدة منها على وجهه الاكتئاب بل كان يخبر الوزير الجديد بجميع ما حصل في شئون الدولة في عهده، فقال كونفوشيوس: (قد كان مخلصاً).
ناقشته تلاميذه في اعتزاله مناصب الدولة قال لهم: (لماذا يهمكم أن يفقد أستاذكم منصبه!! إن البلاد قد خلت من العدل والاستقامة من زمن بعيد، وستتخذ السماء أستاذكم ناقوساً ...).
قال فيه أحد تلاميذه: (إن رتبة الأستاذ (كونفوشيوس) لا يمكن أن يصل إليها أحدكما، إن السماء لا يمكن أن يصعد إليها أحد: لو كان للأستاذ حظ من الإمارة أو الرياسة لصدق عليه قول القائل: إن أقام الرعية قاموا سراعا وإن هداهم سارعوا وإن أراحهم آووا منه إلى ظل وارف وإن عاش عاش جليلاً وإن مات لقيت بموته النفوس حسرات فكيف يمكن أن يصل إلى رتبته غيره!!) ا. هـ. (مقارنات الأديان لأبي زهرة).
стр. 780
٥ - ديانات ما بين الرافدين
لقد بعث نوح ﵇ في بلاد ما بين الرافدين، وبعث إبراهيم ﵇ في مدينة أور من بلاد الرافدين ثم هاجر إلي بلاد الشام، وقد بعث يونس ﵇ في الموصل من بلاد ما بين الرافدين، ولا زال في بلاد ما بين الرافدين أصحاب دين يسمون الصابئة، وهم يزعمون أنهم ينتسبون إلى إدريس ﵇، وإدريس كان قبل نوح ﵇ ولذالك فغن من المستبعد أن تسلم لهم هذه النسبة، على أن القرآن ذكر الصابئة القدماء في جملة أهل الأديان السماوية ابتداء، قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (١).
على أن العلماء التفسير مختلفون هل المراد بالصابئة هنا قدماء صابئة أهل العراق ممن كانوا على دين صحيح، أو المراد بهم كل من ترك الدين الباطل إلى الدين الحق، ولعله من المفيد استكمالاً لأخذ تصور عام أن نذكر شيئًا قدمته الحفريات الأثرية عن رسالة نوح علية السلام وعن بعض ما قيل في الصابئة كأهل دين:
أ- بعض ما تذكره الحفريات عن نوح ﵇ وقصة الطوفان:
إن كثيرًا من الكتب الدينية السابقة قد تحدثت عن قصة نوح ﵇ وقصة الطوفان، كما أن قصة الطوفان ذكرت في الكثير من الألواح التي عثر عليها أثناء التنقيب عن الآثار ولا زالت المحاولات حتى يومنا هذا جادة في محاولة الثور على بقايا سفينة نوح على جبل أرارات.
ولكن الألواح التي تحدثت عن الطوفان كتبت بعد آلاف السنين من حادثة الطوفان. وقد رأينا أن الحفريات تثبت أن بين ساراجون الملك ونوح ﵇ قد حكم بعض الأسر في بلاد الرافدين خمسة وعشرين ألفاً من السنين، ومع عدم الثقة فى دقة ما تقدمه لنا ألواح الحفريات، فإن هناك قاسماً مشتركاً بينهم وهو إثبات حادثة الطوفان، كنموذج على ذلك ننقل ما كتبه العقاد في كتابه إبراهيم ﵇ قال:
стр. 781
(وتؤلف قصة الطوفان البابلية من اثني عشر فصلاً على حسب البروج: وراوي القصة يسمى (اسدبار) وقد عبر بحر الموت ليصعد إلى السماء ويلقى زستور الذي ارتفع إليها بعد نجاته من الطوفان، والباقي من ألواح هذه القصة في المتحف البريطاني يحكيها على هذا المثال:
(ابن بيتاً واصنع سفينة تحفظ النبات والحيوان، واخزن البذور واخزن معها بذور الحياة من كل نوع تحمله السفينة، وليكن طولها ستمائة قدم في ستين عرضاً .. وتدخل السفينة وتحكم وإغلاقها، وتضع في وسطها الحبوب المتاع والأزواد والخدم والجند، وتضع فيها كذلك أجناس الوحش لحفظ ذريتها ...
وقال الله ليلاً: إني سأرسل السماء مدراراً، فادخل إلى جوف السفينة، وأغلق عليها بابها. وتغطي وجه الأرض وهلك كل ما عليه من الأحياء، وفار الماء حتى بلغ السماء، ولم ينتظر أخ أخاه ولم يعرف جار جاره. ستة أيام وست ليال، والرياح تعصف والأنواء تطغى، ثم كان اليوم السابع فانقطع المطر وسكنت العاصفة التي ماجت كموج الزلزال. سكنت العاصفة وانحسر البحر وانتهى الطوفان، وحج البحر بعد ذلك عجيجة، واستحال الناس طينا وطفت أجسادهم على وجه الماء.
ثم استوت السفينة على جبل نيزار .. وأرسلت أنا الحمامة فذهبت وعادت ولم تجد من مقر تهبط عليه، فأرسلت عصفور السمانة فعاد وما هبط على مكان، وأرسلت الغراب فراح ينهش الجثث الطافية فلم يرجع، ثم أطلقت الحيوانات في الجهات الأربعة وبنيت على رأس الجبل مذبحا فقربت لدية قربانا وفرقته في أنية سبعة وفرشت حوله الريحان ..).
وقد علم المنقبون أن هذه القصة منسوخة من مصدر قديم أقدم منها، فهذه الألواح لا يقل تاريخها عن ألفين وخمسمائة سنة، والمصدر الذي نقلت منه يرجع إلى أوائل الألف الثالثة قبل الميلاد.
وعلم المنقبون في جميع آثار الأرض التي كشفت في العالم القديم أو العالم الجديد إن قصة الطوفان عامة لا تنفرد بها الآثار البابلية، ولا يقل تاريخها في القدم عن تاريخه) اهـ. العقاد (إبراهيم أبو الأنبياء).
стр. 782
ب- الصابئة:
حاول الأستاذ عبد الرحمن حبنكة أن يعطينا تصورًا عن صائبة العراق في كتابه: (العقيدة الإسلامية) فقال.
(يقول المؤرخون: إن أمة السريان أقدم الأمم، وملتهم هي ملة الصابئين -نسبة لصابي أحد أولاد شيث-، ويذكر الصابئون أنهم أخذوا دينهم عن شيث وإدريس، وأن لهم كتابًا يعزونه إلى شيث ويسمونه: (صحف شيث)، ويتضمن هذا الكتاب على ما يذكرون الأمر بمحاسن الأخلاق، والنهي عن الرذائل.
وأصل دينهم التوحيد وعبادة الخالق جل وعلا. وتخليص النفوس من العذاب في الآخرة بالعمل الصالح في الدنيا، والحض على الزهد في الدنيا، والعمل بالعدل.
قالوا: وللصابئين عبادات منها: سبع صلوات في اليوم والليلة: خمس صلوات منهن توافق صلوات المسلمين، والسادسة صلاة الضحى، والسابعة صلاة يكون وقتها في الساعة السادسة من الليل. وصلاتهم تشبه صلاة المسلمين من حيث النية وعدم خلطها بشيء من غيرها.
ولهم صلاة على الميت بلا ركوع ولا سجود.
وعندهم صيام شهر قمري من السنة ويصومون من ربع الليل الأخير حتى غروب قرص الشمس.
ويعظمون بيت مكة.
قال ابن حزم: والدين الذي انتحله الصابئون أقدم الأديان على وجه الدهر، وقد كان الغالب على الدنية إلى أن أحدثوا فيه الحوادث) ا. هـ. (العقيدة الإسلامية).
وقد تحدث العقاد في كتابه: (إبراهيم أبو الأنبياء ﵇ عن الصابئة، وكان من كلامه:
تدين بعقائد الصابئة ملة يبلغ عدد أبناؤها ستة ألاف بين رجل وامرأة وطفل، ولا يجوز بها المبالغ في عددها عشرة آلاف.
وهي على قلة عددها تستقل بلغة (مقدسة) خاصة، [عندهم] ولهم كتابة أبجدية خاصة، وأحكام دينية في معيشتها ولا تشبه في جملتها دينًا واحدًا ولكنها تشبه في بعض
стр. 783
أجزائها كل دين.
ومن ثم كان لها شأن في الدراسات الدينية.
ففيها ولا شك عقائد سابقة لجميع الأديان الكتابية، وعقائد سابقة لدين الخليل. بل فيها - على رأي بعض الباحثين- بقية من الديانتين المختلفتين في عصر الخليل، لأن الصائبة يدينون بمذاهب مختلفة يرد بعضها على بعض، ولا سيما مذاهب الكواكب والأصنام، مما تواترت الأخبار بالاختلاف عليه بين قوم إبراهيم ومن حاربوهم واضطروهم إلى الهجرة من بلادهم ...
ويقول رايت wright صاحب كتاب المطالعة العربية إن حروفهم الأبجدية تشبه الحروف النبطية، وإن لغتهم تشبه لغة التلمود الذي كتب في بابل، ويقولون هم إن لغتهم الأولى سريانية وإنهم كانوا بمصر على عهد الفراعنة الأول وتلقوا ديانتهم الأولى عن أحبارهم ثم هجروها حين تحول أهلها عن الدين القويم.
والمحقق من أمرهم أنهم يرجعون إلى أصل قديم، لأن استقلالهم باللغة الدينية والكتابة الأبجدية، لم ينشأ في عصر حديث ولهذا يفهم الدارسون للأديان أن تحقيق لغتهم وكتابتهم يؤدي إلى جلاء الغوامض عن كثير من تاريخ الكلدان في الزمن الذي قام فيه الخليل بدعوته، ويؤكد هذا الفهم أن هؤلاء الصابئة يقيمون في الأقاليم الجنوبية من العراق حيث أقام الخليل في رواية العهد القديم، ومنهم فئة تحج إلى حاران التي هاجر إليها، وينسب إليها الصابئة الحرانيون ...
ومع استقلال الصابئة باللغة الدينية والكتابة الأبجدية، يشتركون مع أصحاب الأديان في شعائر كثيرة، ولا يعرف دين من الأديان تخلو عقيدة الصابئة من مشابهة له في إحدى الشعائر. . فهم يشبهون البراهمة والمجوس والأورفيين أصحاب النحل السرية، كما يشبهون اليهود والنصارى والمسلمين، أو كما يشبهون الفلاسفة وأصحاب المذاهب العقلية في تفسير الوجود والموجودات.
وهم كما يشبهون الجميع يخالفون الجميع.
فمن مشابهتهم للبراهمة أنهم يتحرجون من ملامسة غيرهم، ويتطهرون إذا لمسوا غريبًا في
стр. 784
حالة من حالات العبادة.
ومن مشابهتهم لأصحاب العقائد الأورفية - أو السرية - أنهم يكتمون كتبهم أشد الكتمان، ولا يباشرون شعائرهم مع الغرباء، ويتقاسمون الخبز المقدس علامة على الأخوة الروحية، ويعتقدون أن الكون كونان وأن الخلق خلقان. فالكون الظاهر غير الكون الباطن، ولكل مخلوق في العلانية صورة محجوبة في عالم الغيب .. حتى آدم وبنوه منهم أهل ظاهر وأهل باطن لا يراهم من يعيشون في العلانية.
ومن مشابهتهم للمجوس أنهم يتوجهون إلى قطب الشمال وإلى الكواكب عامة، ولكنهم لا يعبدونها، بل يحسبونها من مظاهر الروحانيات التي لا تبرز للعيان ..
ومن مشابهتهم للمسيحين أنهم يدينون بالعماد، ويبجلون يوحنا المعمدان أو يحي المغتسل. ولكن التعميد أعم عندهم من التعميد في المسيحية، ويندر منهم من يسكن بعيدًا من الأنهار لحاجتهم كل يوم إلى العماد، وإلى التطهر بالماء.
ومن مشابهتهم للمسلمين أنهم يقيمون الصلاة مرات في اليوم، ويقولون إنها فرضت عليهم سبعًا ثم أسقطها يوحنا عنهم وأدخل بعضها في بعض واكتفى منها بثلاث، ولكنهم لا يسجدون في صلاتهم بل يكتفون بالقيام والركوع، وهو يتوضأون قبل الصلاة ويغتسلون من الجنابة. ويعرفون نواقض الوضوء ولكنهم يغالون فيها.
وعندهم ذبائح كذبائح اليهود، ويوم في ختام السنة كيوم اليهود. ولكنهم يحرمون الختان ولا يبنون لهم هيكلًا قائمًا، بل يبنون الهيكل من القصب كما تبنى الخيام، موقوتًا عند الحاجة إليه في الأعياد. فكأنها بقية أو أصل لعيد الظلال وللهيكل المنقول.
ومنهم من يحرم الطعام الذي حرمه أتباع فيثاغورس كالبصل، ويضيفون إليه أنواعًا من الخضر كالكرنب ولحوم الحيوان ذي الذنب، لأنهم يستوحون الغيب في الرؤيا، وهذه الأطعمة تمنع الرؤيا الصادقة.
والمشهور عن الصابئة أنهم يوقرون الكعبة في مكة، ويعتقدون أنها من بناء هرمس أو إدريس ﵇، وأنها بيت زحل أعلى الكواكب السيارة، وينقل عنهم عارفوهم أنهم قرأوا صفة محمد ﵇ في كتبهم، ويسمونه عندهم ملك العرب، لأن الشائع فيهم أنهم
стр. 785
لا يؤمنون بالأنبياء إلا فرقة واحدة تذكر شيئًا وإدريس وإبراهيم ويحيى المغتسل، ويحسبونهم تارة من الأنبياء وتارة من عباد الله الخلص الذين وصلوا بالرياضة والعبادة إلى مقام الزلفى والإلهام.
وقد كان الباحثون يعجبون لتنويه القرآن الكريم بهذه الملة مع قلة عددها وخفاء أمرها، ولكن الدراسات الحديثة بينت للباحثين العصريين شأن هذه الملة في دراسات الأديان كافة، فعادوا يبحثون عن عقائدهم الآن وعقائدهم في عصر الدعوة الإسلامية، وثبت لهم أنها تؤمن بالله واليوم الآخر، وتؤمن بالحساب والعقاب، وأن الأبرار يذهبون بعد الموت إلى عالم النور (آلمي دنهورو) وأن المذنبين يذهبون إلى عالم الظلام (آلمي دهشوخا) ويلبثون فيه زمنًا على حسب ذنوبهم، ثم ينقلون منه إلى عالم النور ..
ولهم كتاب يسمونه (كنزة) ولعله من مادة الكنز التي تفيد معنى النفاسة والكتمان، لأنهم يقدسونه ويخفونه فلا يطلعون أحدًا على أسراره ..
إلا أن المتفق عليه أن اللغة التي كتب بها كتاب الكنزة وغيره من الكتب المقدسة عندهم هي لفة سامية الأصل قريبة من السريانية، وتكفي نظرة في مصطلحاتهم للجزم بهذه التقية ويوجبونها، ومن ذاك أنهم يحرمون الصيام باطنًا كما اشتهر عنهم، ولكنهم يصومون جهرًا، ويروي ابن النديم في الفهرست أنهم يصومون ثلاثين يومًا مفرقة على أشهر السنة، وقد يتنفلون بصيام أيام النسيء الخمسة، ويروى عنهم أنهم يصومون خمسة أسابيع يأكلون فيها الطعام نهارًا وليلًا ويجتنبون أكل اللحوم المباحة لهم وهي غير ذات الذنب، ويقال إن الصيام بنوعيه قديم عندهم ويرجع إلى أيام البابليين. ا. هـ. (إبراهيم أبو الأنبياء).
وبعد:
لقد ذكرنا هذا الوصل ليكون القارئ على بصيرة في فهم موضوع الرسالة، فلقد غلب على عض الناس فهم أن الرسالات لم تكن إلا في منطقتنا من هذا العالم، وهذا غلط، كما أن هناك ناسًا قد يسارعون في نسبة النبوة والرسالة إلى أحد دون تحقيق ودون عرض على
стр. 786
النصوص، كما أن هناك ناسًا يغالطون ويغلطون فيذكرون أن عقيدة التوحيد كانت نتيجة تطور، وهم بذلك ينفون رسالات الله إلى الأمم، وينسون أن أول رسول هو آدم ﵇، فالتوحيد هو الأصل دائمًا يحدث الانحراف.
ومما يذكر في هذا الوصل وغيره، ندرك رحمة الله ونعمته على البشرية إذ أرسل محمدًا ﵌ بهذا الكتاب، وبهذا الدين الكامل الذي أخرج الناس جميعًا بما في ذلك بقايا أهل الأديان من الظلمات إلى النور.
قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ * الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ (١).
لقد قلنا من قبل: إن الله قد بعث محمدًا ﷺ ليكسر استمرارية أهل الأديان وغيرهم على الكفر، كما جاء ذلك في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ (٢).
ومن هذا الإرسال وقيام الحجة به بهذا القرآن الخالد المعجز فإن الكثيرين لازالوا مستمرين على ما ورثوه من كفر وضلال، ولذلك حكمته.
ومن حكمته: أن الله خلق النار وخلق لها أهلها، وقال تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (٣).
ومن حكمته: أن يزداد أهل الإيمان يقينًا عندما يقارنون ويدرسون ويكتشفون أن حقائق القرآن هي التي ترجع الناس إلى فطرهم وحقائق أديانهم قبل التحريف والتبديل.
ولكن إذا كان في استمرارية أهل الكفر على كفرهم حكم فهذا شيء، وأن نقوم بحق الله في الدعوة إلى دينه الحق شيء آخر، فقد أوجب الله علينا أن ندعو وأن نبلغ،
стр. 787
وأعلمنا أن أهل الكتاب في شك من أمرهم ولذلك فإن علينا أن ندعوهم ونقيم الحجة عليهم، والشأن شأنهم أن يختاروا الجنة على النار، أو النار على الجنة. قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ * وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ * فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا﴾ (١).
* * *
стр. 788
الوصل الثاني
في:
وراثة الأنبياء وكرامات الأولياء
وفيه:
مقدمة ونصوص
стр. 789
المقدمة
إن قلب المؤمن يحتاج إلى تثبيت مستمر، ولقد قال الله : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ (١)، قال الله تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ (٢). وتثبيت فؤاد المؤمن إنما يكون بملازمة الذكر والطاعات، وبالاجتماع على القرآن والذكر، والكينونة مع أهل العلم والصدق، وتلقي الهداية على الأولياء المرشدين، ورؤية كرامات الأولياء وسيما الصالحين والانتساب لأهل الحق والعدل، إلى غير ذلك من وسائل جعلها الله أسباباً لتثبيت أفئدة المتقين.
ومن أهم ما يصلح به حال الإنسان. ويقوم به دين الله أن يوجد الوراث الكاملون للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، الذين أجتمع لهم علم وولاية وإرشاد، قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (٣)، وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ (٤)، فهذه الآية تدل على أن الغاية في الهداية هو الولي المرشد، فإذا ما وجد الوارث الكامل أصبح بالإمكان أن يتخرج على يديه النماذج العليا من البشر وهم الصديقون والشهداء والصالحون، وفي هذا الجو توجد كرامات والمعونات وتوجد الأجواء الإسلامية الصافية، ومن ههنا كان من أهم ما يحرص عليه المسلم أن يكون وارثاً نبوياً كاملا، بأن يكون عالما وليا مرشدا، ومن أهم ما يحرص عليه المسلم أن يتتلمذ على أمثال هؤلاء، وأن يعيش في أجوائهم وأن يحبهم هو وإخوانهم في الله، وقد حسن الهيثمي الحديث الذي يقول: "كن عالماً أو متعلماً أو محباً ولا تكن الخامسة فتهلك: أن تبغض العلم وأهله" (٥).
إن النبوة قد انقطعت وإنما يصلح حال البشر بوجود وراث الأنبياء وكرامات الأولياء، فبذلك تستمر أحوال الأنبياء ظاهرة في الأمة، وعن ذلك ينبثق كل خير، وبقدر ما يتولى وراث الأنبياء قيادة الأمة وريادتها وتلقين الناس آيات الله وتفهيمهم إياها، وتلقينهم
стр. 790
الحكمة، لأنفس الناس وتعليم الناس الفقهين الكبير والأكبر فإن الأمر يكون مستقيماً.
أما إذا آل أمر الدعوة والتعليم والإرشاد إلى من ليس له في الوراثة الكاملة قدم فإن أمر الإسلام ينقص بقدر نقصان مقام الوراثة، والوراثة الكاملة كما قلنا علم وولاية وإرشاد.
إن الأمة الإسلامية بحاجة إلى أن تجدد أمر الإسلام في حياتها وفي أنفسها وعلى كل مستوى، ومن تجديد أمر الإسلام أن نجدد حياة وحيوية كثير من المعاني التي ذكرها القرآن، ومفتاح ذلك كله هو وجود الوارث الكامل. فكما حدثنا القرآن الكريم عن الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام وعن معجزاتهم فقد حدثنا عن الصفوة المختارة من أتباعهم، فحدثنا عن الربانيين وعن الحواريين والسابقين، وعن أهل اليمين وعن الصديقين والمحسنين والشاكرين، كما حدثنا عن كرامات تجري لهؤلاء أو على أيديهم، وبالكلام عن هؤلاء تستكمل الصورة المضيئة للحياة البشرية ولحياة القدوة والصفوة.
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ (١).
﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (٢).
﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ (٣).
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ (٤).
стр. 791
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (١).
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾ (٢).
﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ (٣).
﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ (٤).
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (٥).
﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ (٦).
﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ (٧).
﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ (٨).
﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ (٩).
إن من علامات الإسلام وحيويته أن يوجد أمثال هؤلاء الذين ذكرتهم هذه الآيات، وكما قلنا من قبل فإن مفتاح وجودهم هو الوارث الكامل الذي اجتمع له علم وولاية وإرشاد، فعلم بلا ولاية ولا إرشاد لا يفترق فيه صاحبه كثيراً عن علماء القانون وهواة الدارسين إلا إذا صحت نيته فإنه مأجور، وعلم وإرشاد بلا ولاية مفيد ولكن لا تحيا به القلوب، وإرشاد بلا علم وولاية ضلال وتضليل، وولاية وعلم بلا إرشاد ولاية قاصرة إن كان
стр. 792
لصاحبها عذر في ترك الإرشاد، وإلا فلا ولاية في هذه الحالة.
ومقام الولاية مقام ذكره القرآن وذكرته السنة ولعله من المناسب أن نقف وقفة نتحدث فيها عن الأولياء - نفعنا الله بهم - وكراماتهم، والأولياء هم الذين تحققوا بسلامة اعتقاد وحسن عمل على ضوء علم صحيح واتباع صحيح.
وفي الحديث الذي رواه البخاري (١): "من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحيه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعادني لأعيذنه". فالذي يقوم بالفرائض الظاهرة والباطنة ويكثر من النوافل هو مظنة استجابة الدعاء وتلبية الحاجات ومظنة أن يعاقب مؤذيه في الدنيا والآخرة، وهو مظنة تنزل الرحمات عليه وعلى من يحبط به قال تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢)، ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ (٣)، وهم مكرمون بالبشارات ومؤيدون بالرؤى المبشرات ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (٤).
روى الطبراني، عن حذيفة بن أسيد قال: قال رسول الله ﷺ : "ذهبت النبوة فلا نبوة بعدس إلا المبشرات: الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له" (٥).
وفي رواية لابن ماجه (٦): "ذهبت النبوة وبقيت المبشرات".
وليس كل من ظهرت على يده خوارق العادة أو استجيب دعاؤه ولياً، فقد يستجيب
стр. 793
الله لكافر أو فاسق: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ (١)، ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ (٢)، وإنما نصف بالكرامة من اجتمع له صلاح واستقامة، فعندئذ إذا ظهرت على يده خارقة أو حدث توفيق خاص أو استجيب دعاؤه فذلك في حقه كرامة، فوصف الكرامة يتحقق إذا اجتمع بصاحبها صفات معينة ولذلك قالوا في تعريفها: (الكرامة هي أمر خارق للعادة يظهر على يد عبد ظاهر الصلاح يلتزم بمتابعة النبي ﷺ مصحوب بصحيح الاعتقاد والعمل الصالح).
والمعونة عندهم صفة لتوفيق إلهي أو تفريج كرب أو خرق لعادة إذا ظهرت على يد عبد مستور الحال، فإذا ما ظهرت الخارقة على يد فاسق أو كافر فعي استدراج، فالعبرة للموصوف في إعطاء الصفة للخارقة. وقد حدث لبس في موضوع الولاية، فإذا ظهرت خارقة على يد إنسان فهناك من يعطيه صفة الولاية، ويرتب عليها عصمة وطاعة ومتابعة بصرف النظر عن الالتزام الشرعي أو العلم بالشريعة، ولذلك نجد كثيراً من الناس طمحت أبصاره ليعرفوا بالولاية فيكون لهم احترام وتصدر جاه وإتباع، فالتبس الأمر على العامة، مع أنه في الأصل قد يكون الإنسان ولياً وليس كاملاً من كل الجهات، وقد يكون وليا ولكن لا يتجاوز به مقامه في العلم والمتابعة. ألا ترى إلى مالك ﵀ يقول: "إن من شيوخي من أستسقي الله به ولا أقبل حديثه".
وقال ابن عطاء: ليس كل من ثبت تخصيصه كمل تخليصه.
فالولاية ثابتة بنصوص الكتاب والسنة ولكن من هو الولي؟.
إنه الذي يتولى الله في العبادة والطاعة من غير تخلل معصية، مع جوازها عليه، ويتولاه الله بالرعاية والعناية، فهو عارف بالله وصفاته، مواظب على الطاعات مجتنب للمعاصي، غير منهمك باللذات والشهوات المباحة، وإذا ارتكب معصية أو حدثت له غفلة أحدث توبة.
والكرامة ثابتة بنصوص الكتاب والسنة، فهذا القرآن يذكر لنا عن مريم ﵍:
стр. 794
﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ (١).
ويذكر قصة صاحب سليمان إذ أتى بعرش بلقيس قبل أن يرتد طرف سليمان إليه، ويذكر قصة أصحاب الكهف ونومتهم الطويلة وبقاء حياتهم بلا طعام ولا شراب، وهذه السنة الثابتة تذكر حادثة عمر مع سارية، وإضاءة العصا لأسيد بن حضير وعباد بن بشر، وما رزق الله خبيثاً من الرزق وهو أسير بمكة، ولكن لا تصف أحداُ بالكرامة إلا إذا كان مظهراً للاستقامة.
ومع وجود الكرامة والولاية فلا يتجاوز بالولي مقامه ومؤهلاته، فإن كان أهلاً للإمامة قدم، وإن كان أهلاً للعلم أخذ منه، وما يظهر منه أو له يوزن بميزان الشريعة. فالشريعة معصومة، ومن سوى الأنبياء فليس بمعصوم: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢).
لقد كان للخضر مقامه العظيم في الولاية على رأي من يقول بولايته، ولكن الإمامة والرسالة كانت لموسى ﵇، فهو الذي طولب قومه بإتباعه والتلقي عنه والأخذ منه، وهذا شيء، وأن تقدم لمن عرفناه بالولاية أو من هو مظنتها الاحترام والأدب والتوقير شيء آخر، فأدبنا مع أمثال هؤلاء مؤكد واحترامنا لهم مطلوب، والمسلم الحكيم يضع كل شيء في محله.
وإذا فما نعرف به الولي: استقامته وظهور الكرامة على يده، وشيء آخر هو حب أهل الصلاح له وثناؤهم عليه.
ولنعد إلى ما بدأنا به هذا الوصل: فالمطلوب هو الوارث الكامل، الذي في صفاته الولاية، ومن صفاته الأخرى العلم والإرشاد، والقيام بمهام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وبذلك تستقيم الحياة البشرية.
стр. 795
النصوص
٨٤٨ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ قال: إن أصحاب الصفة كانوا ناساً فقراء، وإن النبي ﷺ قال مرة: "من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، ومن كان عنده طعام أربعة، فليذهب بخامس، بسادس" - أو كان قال - وإن أبا بكر جاء بثلاثة، وانطلق النبي ﷺ بعشرة، قال: فهو أنا وأبي وأمي - ولا أدري هل قال: وامرأتي - وخادم [بين] بيتنا وبيت أبي بكر، وإن أبا بكر تعشى عند النبي ﷺ ، ثم لبث حتى صلى العشاء، ثم رجع فلبث حتى تعشى رسول الله ﷺ وفي رواية: حتى نعس رسول الله ﷺ فجاء بعد ما مضى من الليل ما شاء الله، قالت له امرأته: ما حبسك عن أضيافك - أو قالت: ضيفك-؟ فقال أو ما عشيتيهم؟ قالت: أبوا حتى تجيء، وقد عرضوا عليهم [فغلبوهم]. قال: فذهبت أنا فاختبأت، فقال: يا غنثر. فجدع وسب، وقال: كلوا، لا هنيئا. وقال: والله لا أطعمه أبداً. قال: ويم الله، ما كنا نأخذ من لقمة إلا ريا من أسفلها أكثر منها، حتى شبعوا، وصارت أكثر مما كانت قبل ذلك، فنظر إليها أبو بكر، فإذا هي كما هي، أو أكثر، فقال لامرأته: يا أخت بني فراس، ما هذا؟ قالت: لا، وقرة عيني، لهي الآن أكثر منها قبل ذلك بثلاث مرات. فأكل منها أبو بكر وقال: إنما كان ذلك من الشيطان - يعني يمينه -. ثم أكل منها لقمة، ثم حملها إلى النبي ﷺ ، فأصبحت عنده. قال: وكان بيننا وبين قوم عهد، فمضى الأجل فتفرقنا اثني عشر رجلاً، مع كل رجلٍ منهم أناس - والله أعلم كم مع كل رجل؟ - فأكلوا منها أجمعون. أو كما قال.
стр. 796
وفي رواية (١) قال: جاء أبو بكر يضيف له - وأضاف له - فأمسى عند النبي ﷺ ، فلما جاء، قالت له أمي: احتبست عند ضيفك - أو أضيافك - الليلة. فقال: أما عشيتيهم؟ فقالت: عرضنا عليه - أو عليهم - فأبوا. (أو أبى). فغضب أبو بكر، فسب وجدع، وحلف لا يطعمه، فاختبأت أنا فقال: با عنثر، فحلفت المرأة لا تطعمه، فحلف الضيف - أو الأضياف - أن لا يطعمه - أو لا يطعموه - حتى يطعمه، فقال أبو بكر: هذه من الشيطان. فدعا بالطعام فأكل وأكلوا، فجعلوا لا يرفعون لقمة إلا ربت من أسقلها أكثر منها، فقال: يا أخت بني فراس، ما هذا؟ فقالت: وقرة عيني إنها الآن لأكثر [منها] قبل أن تأكل. فأكلوا، وبعث بها إلى النبي ﷺ ، فذكر أنه أكل منها.
وفي أخرى (٢): أنا أبا بكر تضيف رهطاً، فقال لعبد الرحمن: دونك أضيافك، فإني منطلق إلى النبي ﷺ ، فافرغ من قراهم قبل أن أجيء. فانطلق عبد الرحمن، فأتاهم بما عنده، فقال: اطعموا. فقالوا: أين رب منزلنا؟ قال: اطعموا. قالوا: ما نحن بآكلين حتى يجيء رب منزلنا. قال: اقبلوا عنا قراكم، فإنه إن جاء ولم تطعموا لنلقين منه. فأبوا، فعرفت أنه يجد علي، فلما جاء تنحيت عنه، قال: ما صنعتم؟ فأخبروه، فقال: يا عبد الرحمن فسكت، فقال: يا غنثر، أقسمت عليك إن كنت تسمع صوتي لما جئت. فخرجت فقلت: سل أضيافك. فقالوا: صدق، أتانا به. فقال: إنما انتظرتموني، والله لا أطعمه الليلة. فقال الآخرون: والله لا نطعمه حتى نطعمه. قال: لم أر في الشر كالليلة، ويلكم، ما لكم لا تقبلون عنا قراكم؟ هات طعامك. فجاء به فوضع يده، فقال: بسم الله، الأولى للشيطان. فأكل وأكلوا.
زاد في رواية (٣): فلما أصبح غدا على النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، بروا وحنثت. قال: وأخبره، فقال: "بل أنت أبرهم وأخيرهم" قال: ولم تبلغني كفارة.
стр. 797
وفي رواية أبي داود (١) قال: نزلنا بنا أضياف لنا، وكان أبو يتحدث عند رسول الله ﷺ ، فقال: لا أرجعن إليك حتى تفرغ من ضيافة هؤلاء، ومن قراهم. فأتاهم بقراهم، فقالوا: لا نطعمه حتى يأتي أبو بكر. فجاء فقال: ما فعل أضيافكم؟ أفرغتم من قراهم؟ قالوا: لا. قلت: قد أتيتهم بقراهم، فقالوا: لا نطعمه حتى يجيء. فقالوا: صدق، قد أتانا به، فأبينا حتى تجيء. قال: فما منعكم؟ قال: مكانك. قال: فوالله لا أطعمه الليلة. قال: فقالوا: ونحن، والله لأطعمه حتى تطعمه. قال: ما رأيت في الشر كالليلة قط. قال: قربوا طعامكم. قال: فقرب طعامهم، ثم قال: بسم الله، فطعم وطعموا، فأخبرت أنه أصبح، فغدا على النبي ﷺ ، فأخبره بالذي صنع وصنعوا، فقال: "بل أنت أبرهم وأصدقهم".
زاد في رواية (٢) قال: ولم يبلغني كفارة.
* * *
стр. 798
الفصل الثامن
في:
القصص النبوي
وفيه:
مقدمة وفقرتان
стр. 799
المقدمة
مناسبة هذا الفصل للذي قبله واضحة، وأما مناسبته لباب الإيمان بالغيب فلأن القصص النبوي يشبه القصص القرآني والله قال عن قصة نوح في القرآن: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ (١)، وقال تعالى عن قصة الاقتراع على كفالة مريم: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ (٢) فما قصه الله من أنباء الأولين هو من فصول الإيمان بالغيب، وكذلك ما قصه عليما رسول الله ﷺ ، وكما أن القصص القرآني تجتمع فيه الحقيقة والتربية والتثبيت والقدوة: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ (٣)، فإن القصص النبوي تجتمع فيه هذه المعاني كلها.
وسنذكر في هذا الفصل فقرتين:
الفقرة الأولى: في الموقف من القصص بإطلاق وما يراد به.
الفقرة الثانية: في القصص النبوي.
стр. 800
الفقرة الأولى
في:
الموقف من القصص بإطلاق وما يراد به
وفيه:
مقدمة ونصوص
المقدمة
تطلق كلمة القصص ويراد بها قص القصة أي التحديث بها، وهذا لا حرج فيه، قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ (١) وهناك خلاف بين الفقهاء حول جواز قراءة القصص المخترع، فقد أجاز فقهاء الحنفية قراءة قصة عنترة وأشباهها، وتطلق كلمة القصص في الاصطلاح الشرعي ويراد بها الوعظ، وتطلق ويراد بها التوجيه مطلقاً، وتطلق ويراد بها خطبة الجمعة، وتطلق ويراد بها التصدر للفتوى لأنها تستتبع محادثة وقصة.
ولا شك أن ضبط القصص بالمعاني الأربعة الأخيرة مطلوب شرعاً لما يترتب عليه من آثار حسنة أو شيئة، فقد يعظ الناس من هو مبتدع، وقد يوجه إنسان الناس إلى ما هو فتنة، وخطبة الجمعة قد يقوم بها مبتدع أو خطيب فتنة، وخطبة الجمعة قد يقوم بها مبتدع أو خطيب فتنة، وإذا لم يتعين الخطيب، فقد يؤدي ذلك إلى الفوضى، والتصدر لإفتاء الناس من غير أهله قد يؤدي إلى إضلالهم، وكل ذلك يجب أن يحتاط له ومن ههنا أوجب الشارع ألا يقص بهذه المعاني الأربعة إلا صاحب الحق في ذلك، وهو الأمير بحق أو من أمره الأمير بحق.
والأصل في الإمرة في الإسلام أن تكون عن فقه، قال عمر بن الخطاب ﵁: تفقهوا قبل أن تسودوا.
فإذا انفصلت الإمرة عن الفقه فمن الأمير حكما؟ هل هو الفقيه؟ أم ولي الأمر الجاهل؟
стр. 801
مذهب ابن عباس: أن أولي الأمر في الأمة الإسلامية حكما هم الفقهاء.
ولذلك تقول بمناسبة موضوعنا: إنه إذا ولي الأمر العالم الفقيه العادل، فإنه هو الذي يضبط أمر الوعظ والتوجيه وخطب الجمعة، والتصدر للإفتاء، يضبط ذلك: بأن يقوم هو بنفسه في هذه الشؤون أو يعين لها من يقوم بها، فإذا لم يوجد مثل هذا الأمير، فالأصل أن يقوم العلماء المجازون عن أشياخهم بهذا الشأن، ومن ثم وجدت الإجازة عند العلماء وهي بمثابة الأمر لمن يأخذها بالقيام بالوعظ والتوجيه، والخطبة والإفتاء، ومنذ فقدت الخلافة الراشدة تنازع هذا الحق أولياء الأمور والعلماء. فولي الأمر يعتبر أن من حقه التدخل في هذه الشؤون بسيف السلطة، والعلماء يعتبرون أن هذا الحق لهم بسيف الحق.
والذي نراه من وجهة النظر الشرعية أنه حيثما كان تدخل ولي الأمر في هذه الشؤون بالعدل والحق فهو نافذ الأمر، ولمن عينه أن يقوم بهذه الشؤون مبروراً مأجوراً.
ولمن أجيز من أشياخ الحق والعدل والعلم والعمل أن يقوم بهذه الشؤون إذا فتح لهم طريق ذلك، وإجازتهم له تكون من باب الأمر له من أهله.
وبذلك يدخل في الحديث: "لا يقص على الناس إلا أمير أو مأمور" (١)، فهو بعد الإجازة من شيوخه أمير ومأمور معاً.
وأما فيما سوى هذه الشؤون الأربعة فكل مسلم مجاز من الشارع نفسه، بل مأمور أن يعلم ما تعلمه من الحق، وأن يبلغ عن الشارع ولو آية، وأن يدعو إلى الله على بصيرة، وأن يأمر بمعروف وينهى عن المنكر ويدعو إلى الخير، فهذا كله مطلوب من المسلم لا يحتاج فيه إلى إذن ولا استئذان.
وحصر حق القصص بمعانية الأربعة بالأمير والمأمور في كل من المعاني التي ذكرناها نوع من التأديب للمجتمع الإسلامي، فلا يتطاول إنسان لغير مقامه فيسيء الأدب، ويعرف كل إنسان حدوده، وتضبط الأنفس فلا تدفعها الهوى إلى الكلام وما يجره ذلك من رغبة في التصدر والرياء، ويحال بذلك بين الغلط وتسربه إلى الناس.
стр. 802
النصوص
٨٤٩ - * روى أبو داود عن عوف عن مالك الأشجعي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يقص إلا أمير، أو مأمور، أو مختال".
قال ابن الأثير: (لا يقص إلا أمير أو مأمور الخ) أراد بهذا الخطب، وذلك: أن الأمراء كانوا يتولونها بأنفسهم، فيقصون فيها على الناس ويعظونهم، فأما المأمور: فهو من يقيمه الأمير ويختاره الأئمة، فينصبونه لذلك، ولا يكادون يختارون إلا رضيا من الناس، فاضلاً، وما سوى ذلك فلا يكاد ينتدب له من الناس إلا مراء مختال، فإن المختال ينصب نفسه لذلك من غير أن يأمره أحد من أولي الأمر، طلباً للرياسة، فهو يرائي بذلك ويختال وقيل: أراد به الفتوى في الأحكام. اهـ.
أقول: لقد قال : ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ (١) فهذا يدل على أن من فقه عليه أن يفقه، ولا يحتاج ذلك إلى إذن، ويدل عليه حديث الأشعريين الذي يأتي في جزء العلم: "ما بال أقوام لا يفقون جيرانه ... " (٢) كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ (٣). فقد أخذ الله العهد على العالم أن يعلم، وعلى الجاهل أن يتعلم وهذا لا يحتاج إلى إذن أحد، وقد يحتاج إلى إجازة من العلماء من أجل أن يعرف أن القائم بذلك ثقة مأمون، وكما أن العلم والتعليم من أهلها لا يحتاجان إلى إذن فإن الدعوة إلى الله لا تحتاج إلى إذن من أحد، قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٤)، وقال رسول الله ﷺ : "بلغوا عني ولو آية" (٥)، ولذلك فإن الكثير من شراح الحديث خصصوا هذا
стр. 803
الحديث بأن المراد به خطبة الجمعة أو التصدر للفتوى. أقول: وهذا التخصيص يحتاج إلى تخصيص؛ لأن ذلك إنما يكون عندما تكون حكومة إسلامية راشدة وعدل وقسط ورغبة في تعميم الإسلام صافياً تقياً، أما إذا اختلط الأمر فحتى هذا التخصيص يجب أن ينقل إلى ورثة الأنبياء من العلماء فعنهم تؤخذ الإجازة وعنهم يتلقى الأمر، لكن هذا قد يحدث فوضى، فما جاء من قبل السلطة الرسمية مما يدخل في باب المعروف الأصل أن تقبله، وما كان فيه شذوذ أو باطل أو دعوة إلى ضلالة وأمكن لعلماء الإسلام أن يقولوا كلمة الحق فهم أصحاب الأمر والإجازة في كل شيء، ومع أننا نرى أن العلم والدعوة لا يحتاجان إلى إذن بشر فإننا نفضل إحياء سنة العلماء في الإجازة فلا يتصدر أحد لعلم أو تربية أو دعوة أو إفتاء أو خطبة إلا بإجازة من عالم ثقة، ولا يدخل في ذلك الحالات العفوية والطارئة واليومية العابرة وحالات الضرورة وحالات وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحالات وجوب التبليغ، فالواجب لا يحتاج إلى إذن أو إجازة من أحد.
٨٥٠ - * روى الطبراني: عن عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ قال: "لا يقص إلا أمير أو مأمور أو متكلف".
٨٥١ - * روى أحمد عن عبد الجبار الخولاني، قال: دخل رجل من أصحاب النبي ﷺ المسجد فإذا كعب يقص، قال: من هذا؟ قالوا: كعب يقص. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يقص إلا أمير أو مأمور أو مختال". قال: فبلغ ذلك كعباً فما رئي بعد يقص.
أقول: كعب عالم ومن حقه أن يقص ولكن ترك اجتهاده خوف اللبس.
٨٥٢ - * روى ابن ماجه عن ابن عمر قال: لم يكن القصص في زمن رسول الله ﷺ ولا زمن أبي بكر ولا زمن عمر.
стр. 804
(القصص) المراد بالقصص هنا: الوعظ، فكأن مجالس الوعظ لم تكن في تلك العهود إلا ما كان يقوم به رسول الله ﷺ والخليفتان من بعده من توجيه.
٨٥٣ - * روى البخاري عن ابن عمرو أن النبي ﷺ قال: "بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي معتمداً فليتبوأ مقعده من النار".
٨٥٤ - * روى الطبراني عن ابن مسعود قال: لا تملوا الناس فيملوا الذكر.
٨٥٥ - * روى أحمد، عن الشعبي قال: قالت عائشة لابن أبي السائب قاص أهل المدينة: ثلاثاً لتتابعني عليهن أو لأناجزنك. قال: وما هن، بل أتباعك أنا يا أم المؤمنين. قالت: اجتنب السجع في الدعاء، فإن رسول الله ﷺ وأصحابه كانوا لا يفعلون ذلك. وقص على الناس في كل جمعة مرة، فإن أبيت فثنتين، فإن أبيت فثلاث ولا تملن الناس هذا الكتاب ولا ألفينك تأتي القوم وهم في حديثهم، ولكن اتركهم فإذا حدوك عليه وأمروك به فحدثهم.
стр. 805
الفقرة الثانية
في:
القصص النبوي
وفيها:
نصوص
٨٥٦ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي عنهما قال: كان نبي الله ﷺ يحدثنا عن بني إسرائيل حتى يصبح، ما يقوم إلا إلى عظم صلاة.
٨٦٧ - * روى أحمد عن عمران بن حصين قال: كان رسول الله ﷺ يحدثنا عامة ليله عن بني إسرائيل لا يقوم إلا إلى عظم صلاة.
ورواه ابن خزيمة وقال: "فالنبي ﷺ قد كان يحدثهم بعد العشاء عن بني إسرائيل ليتعظوا مما قد نالهم من العقوبة في الدنيا مع ما أعد الله لهم من العقاب في الآخرة لما عصوا رسولهم ولم يؤمنوا، فجائز للمرء أن يحدث بكل ما يعلم أن السامع ينتفع به من أمر دينه بعد العشاء، إذ النبي ﷺ قد كان يسمر بعد العشاء في الأمر من أمور المسلمين مما يرجع إلى منفعتهم عاجلاً وآجلاً، ديناً ودنيا، وكان يحدث أصحابه عن بني إسرائيل لينتفعوا بحديثه، فدل فعله ﷺ على أن كراهة الحديث بعد العشاء بما لا منفعة فيه دينا ولا دنيا، ويخطر ببالي أن كراهته ﷺ الاشتغال بالسمر لأن ذلك يثبط عن قيام الليل، لأنه إذا اشتغل أول الليل بالسمر ثقل عليه النوم آخر الليل فلم يستيقظ، وإن استيقظ لم ينشط للقيام" اهـ.
٨٥٨ - * روى البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "قال سليمان بن داود ﵉: لأطوفن الليلة بمائة امرأة، تلد كل امرأة غلاماً يقاتل في سبيل الله. فقال له الملك: قل إن شاء الله. فلم يقل ونسي، فأطاف بهن، ولم تلد
стр. 806
منهن إلا امرأة نصفه إنسان".
قال النبي ﷺ : "لو قال إن شاء الله لم يحنث، وكان أرجى لحاجته".
٨٥٩ - * روى مسلم عن صهيب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "كان ملك فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر، فلما كبر قال للملك: إني قد كبرت، فابعث إلي غلاماً أعلمه السحر. فبعث إليه غلاماً يعلمه، وكان في طريقه إذا سلك راهب، فقعد إليه وسمع كلامه، فكان إذا أتى الساحر مر بالراهب وقعد إليه، فإذا أتى الساحر ضربه، فشكا ذلك إلى الراهب، فقال: إذا خشيت الساحر فقل: حبسني أهلي. وإذا خشيت أهلك، فقل: حبسني الساحر، فبينما هو كذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس، فقال: اليوم أعلم: الساحر أفضل، أو الراهب أفضل؟ فأخذ حجراً، فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة، حتى يمضي الناس. فرماها، فقتلها، ومضى الناس، فأتى الراهب فأخبره، فقال له الراهب: أي بني، أنت اليوم أفضل مني، وقد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك ستبتلي، فإن ابتليت فلا تدل علي. وكان الغلام يبرئ الأكمة والأبرض، ويداوي الناس من سائر الأدواء، فسمع جليس للملك - كان قد عمي - فأتاه بهدايا كثيرة، فقال: ما هاهنا لك أجمع إن أنت شفيتني. قال: إني لا أشفي أحداً، إنما يشفي الله ، فإن آمنت بالله دعوت الله فشفاك. فآمنت بالله فشفاك. فآمن به، فشفاه الله، فأتى الملك، فجلس إليه كما كان يجلس، فقال له الملك: من رد عليك بصرك؟ قال: ربي. قال: ولك رب غيري؟ قال: ربي وربك الله. فأخذه، فلم يزل يعذبه، حتى دل على الغلام، فجيء بالغلام، فقال له الملك: أي بني، قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمة والأبرص، وتفعل وتفعل؟ قال: فقال: إني لا أشفي أحداً، إنما يشفي الله. فأخذه. فلم يزل يعذبه، حتى ذل على الراهب، فجيء بالراهب، فقيل له: ارجع عن دينك. فأبى، فدعا بالمنشار، فوضع المنشار على مفرق رأسه، فشقه به حتى وقع شقاه، ثم جيء بجليس الملك، فقيل له ارجع
стр. 807
عن دينك. فأبى، فوضع المنشار في مفرق رأسه، فشقه به حتى وقع شقاه ثم جيء بالغلام، فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فدفعه إلى نفر من أسحابه، فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا، فاصعدوا به الجبل، فإذا بلغتم ذروته، فإن رجع عن دينه، وإلا فاطرحوه. فذهبوا به، فصعدوا به الجبل، فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فرجف بهم الجبل فسقطوا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله. فدفعه إلى نفر من أصحابه، فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقور، وتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه، وإلا فاقذفوه. فذهبوا به، فقال: اللهم اكفينهم بما شئت. فانكفأت بهم السفينة، فغرقوا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله. فقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به. قال: ما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد، وتصلبني على جذع، ثم خذ سهماً من كنانتي، ثم وضع السهم في كبد القوس، ثم قل: بسم الله رب الغلام، ثم ارم، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني، فجمع الناس في صعيد واحد، وصلبه على جذع، وأخذ سهماً من كنانته، ثم وضع السهم في كبد القوس، ثم قال: بسم الله رب الغلام. ثم رماه، فوقع السهم في صدغه، فوضع يده في صدغه، في موضع السهم، فمات فقال الناس: آمنا برب الغلام. آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام، فأتى الملك، فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر؟ قد والله نزل بك حذرك، قد آمن الناش. فأمر بالأخدود بأفواه السكك، فخدت، وأضرم فيها النيران، وقال: من لم يرجع عن دينه فأقحموه فيها - أو قيل له: اقتحم. (١)
стр. 808
ففعلوا، حتى جاءت امرأة، ومعها صبي لها، فتقاعست أن تقع فيها، فقال لها الغلام: يا أمه، اصبري، فإنك على الحق".
وفي رواية الترمذي (١) قال: كان رسول الله ﷺ : إذا صلى العصر همس - والهمس في بعض قولهم: تحرك شفتيه، كأنه يتكلم - فقيل له: يا رسول الله، إنك إذا صليت العصر همست؟ قال: "إن نبيا من الأنبياء كان أعجب بأمته، قال: من يقوم لهؤلاء؟ فأوحى الله إليه: أن خيرهم بين أن أنتقم منهم، وبين أن أسلط عليهم عدوهم. فاختاروا النقمة، فسلط الله عليهم الموت، فمات في يوم سبعين ألفاً".
وكان إذا حدث بهذا الحديث الآخر، قال: "كان ملك من الملوك، وكان لذلك الملك كاهن يكهن له، فقال الكاهن: انظروا لي غلاماً فهما - أو قال: فطنا - لقنا فأعلمه علمي هذا، فإني أخاف أن أموت، فينقطع منكم هذا العلم، ولا يكون فيكم من يعلمه". قال: "فنظروا له على ما وصف، فأمروه أن يحضر ذلك الكاهن، وأن يختلف إليه، فجعل يختلف إليه، وكان على طريق الغلام راهب في صومعة" قال معمر [أحد رواة الحديث]: أحب أن أصحاب الصوامع كانوا يومئذ مسلمين - قال: "فجعل الغلام يسأل ذلك الراهب كلما مر به، فلم يزل حتى أخبره، فقال: إنما أعبد الله". قال: "فجعل الغلام ويمكث عند الراهب، ويبطئ عن الكاهن، فأرسل الكاهن إلى أهل الغلام: أنه لا يكاد يحضرني. فأخبر الغلام الراهب بذلك، فقال له الراهب: إذا قال لك الكاهن: أين كنت؟ فقل: عند أهلي. وإذا قال لك أهلك: أين كنت؟ فأخبرهم أنك كنت عند الكاهن". قال: "فبينما الغلام على ذلك، إذ مر بجماعة من الناس كثير، قد حبستهم دابة - فقال بعضهم: إن تلك الدابة كانت أسداً - فأخذ الغلام حجراً، فقال: اللهم إن كان ما يقول الراهب حقا فأسألك أن أقتله. ثم رمى به، فقتل الدابة، فقال الناس: من قتلها؟ فقالوا: الغان. ففزع الناس،
стр. 809
وقالوا: قد علم هذا الغلام علماً لم يعلمه أحد". قال: "فسمع به أعمى، فقال له: إن أنت رددت بصري، فلك كذا وكذا. قال: لا أريد منك هذا، ولكن أرأيت إن رجع إليك بصرك أتؤمن بالذي ررده عليك؟ قال: نعم". قال: "فدعا الله، فرد عليه بصره، فآمن الأعمى، فبلغ الملك أمرهم، فدعاهم، فأتي بهم، فقال: لأقتلن كل واحد منكم قتلة لا أقتل بها صاحبه. فأمر بالراهب والرجل الذي كان أعمى، فوضع المنشار على مفرق أحدهما فقتله، وقتل الآخر بقتلة أخرى، ثم أمر بالغلام، فقال: انطلقوا به إلى جبل كذا وكذا، فأبقوه من رأسه. فانطلقوا به إلى ذلك الجبل، فلما انتهوا إلى ذلك المكان الذي أرادوا أن يلقوه منه، جعلوا يتهافتون من ذلك الجبل، ويتردون، حتى لم يبق منهم إلا الغلام، ثم رجع، فأمر به الملك أن ينطلقوا به إلى البحر فيلقوه فيه، فانطلقوا به إلى البحر، فغرق الله الذين كانوا معه، وأنجاه، فقال الغلام للملك: إنك لا تقتلني حتى تصلبني وترميني، وتقول إذا رميتني: بسم الله رب هذا الغلام. قال: فأمر به فصلب، ثم رماه فقال: بسم الله رب هذا الغلام". قال: "فوضع الغلام يده على صدغه حين رمي، ثم مات، فقال الناس، لقد علم هذا الغلام علما ما علمه أحد، فإنا نؤمن برب هذا الغلام". قال: "فقيل للملك: أجزعت أن خالفك ثلاثة؟ فهذا العالم كلهم قد خالفوك". قال: "فخذ أخدودا ثم ألقى فيها الحطب والنار، ثم جمع الناس، فقال: من رجع عن دينه تركناه ومن ثم يرجع ألقيناه في النار. فجعل يلقيهم في تلك الأخدود" قال: "يقول الله ﵎: (قتل أصحاب الأخدود، النار ذات الوقود) حتى بلغ - (العزيز الحميد) (١). قال "فأم الغالم: فإنه دفن". قال: فيذكر أنه أخرج في زمن عمر بن الخطاب وإصبعه على صدغه، كما وضعها حين قتل.
أقول: قوله: "إذا خشيت الساحر فقل: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل: حبسني الساحر"؛ يفيد أنه في حالة قسوة الظروف وفي الأحوال الصعبة
стр. 810
الاستثنائية يتوسع في الكلام ليحمي الإنسان نفسه. وقوله: "فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب"، مع أن الراهب أوصاه ألا يدل عليه، يفيد أنه تحت العذاب يمكن أن يفشي أصدق الصديقين الأسرار المؤتمن عليها بما يؤدي إلى قتل الأولياء، وهو في ذلك معذور، بدليل أن الغلام لم ينقص مقامه عند الله فبقيت الكرامات تجري على يده بعد ذلك.
وفي الحديث عبر كثيرة في فقه الدعوة خاصة في مثل الظروف والأوضاع الموجودة في كثير من البلدان. اهـ.
٨٦٠ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال "لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى بن مريم، وصاحب جريج، وكان جريج رجلاً عابداً، فاتخذ صومعة، فكان فيها، فأتته أمه وهو يصلي، فقالت: يا جريج. فقال: يارب، أمي وصلاتي. فأقبل على صلاته، فانصرفت، فلما كان من الغد، أتته وهو يصلي، فقال: يا جريج. فقال: يارب، أمي وصلاتي. فأقبل على صلاته، فانصرفت، فلما كان من الغد أتته وهو يصلي، فقالت: يا جريج. فقال: يارب، أمي وصلاتي. فأقبل على صلاته، فقالت: اللهم لا تمته حتى ينظر إلى وجوه المومسات. فتذاكر بني إسرايل جريجاً وعبادته، وكانت امرأة بغي يتمثل بحسنها، فقالت: إن شئتم لأفتننه [لكم] ". قال: "فتعرضت له، فلم يلتفت إليها، فأتت راعياً كان يأوي إلى صومعته، فأمكنته من نفسها، فوقع عليها، فحملت، فلما ولدت قالت: هو من جريج. فأتوه، فاستنزلوه، وهدموا صومعته، وجعلوا يضربونه، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: زنيت بهذه البغي، فولدت منك. فقال: أين الصبي؟ فجاءوا به، فقال: دعوني أصلي. فصلى، فلما انصرف أتى الصبي قطعن في بطنه، وقال: يا غلام، من أبوك؟ فقال: فلان الراعي". قال: "فأقبلوا على جريج يقبلونه، ويتمسحون به،