الفقرة الرابعة
في:
بعض أحداث المرحلتين: الراشِدة والأمويَّة
مما أخبرنا عنه رسول الله ﷺ أنه كائن بين يدي الساعة.
٨٨٩ - روى البخاري ومسلم عن حذيفة بن اليَمانِ ﵄، قال: كنا عند عُمَر، فقال أَيُّكم يَحفظُ حديثَ رسول الله ﷺ في الفتنة؟ فقلت: أنا أَحْفَظُهُ كما قال. قال: هاتِ، إِنَّكَ لَجَرِيءٌ، وكيف قال؟ قلتُ: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "فِتْنَةُ الرجل في أهلِه ومالِه ونفسٍه وولدِه وجارِه، يكفِّرها الصيامُ والصلاةُ والصدقةُ، والأمرُ بالمعروفِ والنهي عن المنكرِ". فقال عُمَر: ليسَ هذا أريدُ، إنما أريدُ التي تموجُ كموج البحر. قال: قلتُ: مالكَ ولها يا أميرَ المؤمنين؟ إن بينك وبينها باباً مُغْلَقَاً. قال: فَيُكْسَرُ الباب أو يُفْتَح؟ قال: قلتُ: لا، بل يُكْسَر، قال: ذاك أَحْرَى أن لا يُغْلَق أبداً. قال: فقلنا لحُذَيْفة: هل عمر يَعْلَم مَنِ البابُ؟ قال: نعم، كما يعلم أن دُون غَدٍ الليلة، إنِّي حَدَّثته حديثاً ليس بالأغاليطِ. قال: فَهِبْنا أن نسألَ حذيفة: مَنِ البابُ؟ فقلنا لمسروقٍ: سَلْهُ. فسأله، فقال: عُمَر.
ورواه الترمذي (١) إلى قوله: بل يُكْسَرُ. قال: إذاً لا يُغْلَق إلى يوم القيامة. قال أبو وائل: فقلت لمسروق، سَلْ حُذَيْفة عن الباب. فسأله فقالَ: عُمَر.
أقول: هذا الحديث من معجزاته ﵊، إذ فيه تصريح باستشهاد عمر وما سيحدث بعد ذلك من فِتَن.
стр. 842
٨٩٠ - * روى الحاكم عن كعب بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا افْتَتَحْتُمُ مِصْرَ فاسْتَوْصُوا بالقِبْطِ". وفي رواية: "فَاستَوصُوا بِأَهلِهَا خَيْرَاً فإنَّ لهم ذِمَّة وَرَحِماً".
٨٩١ - * روى مسلم عن أبي ذر عن رسول الله ﷺ : "إنكم سَتَفْتَحُونَ أرضاً يُذكَر ُ فيها القِيراطُ فاسْتَوصوا بأهلها خيراً فإن لهم ذمةً ورحماً".
وقال ﷺ فيما ثبت عنه في الصحيحين (١): "إذا هَلَكَ قَيْصَرُ فلا قَيْصَرَ بعده وإذا هلك كِسْرَى فلا كسرى بعده والذي نفسي بيده ليُنْفِقُنَّ كنوزهما في سبيل الله".
أقول: استؤصلت دولة الأكاسرة سنة اثنتين وثلاثين للهجرة ولم تعد ولن تعود بإذن الله تعالى، واستؤصلت دولة القياصرة بفتح القسطنطينيَّة على يد محمد الفاتح ﵀، فبعد أن سقط كسرى لم يظهر كسرى بعده، وبعد أن سقط قيصر لم يظهر قيصر بعده.
٨٩٢ - * روى مسلم عن عامر بنِ سعدِ بنِ أبي وقَّاص: كتبتُ إلى جابرِ بن سَمُرةَ مع غلامي نافعٍ: أن أخبرني بشيءٍ سمعتَهُ من رسول اللهِ ﷺ . فكتب إليَّ: سمعتُ رسولَ الله ﷺ في يوم جمعة، عَشِيَّةَ رَجِمَ الأسلميُّ، قال: "لا يزال الدِّين قائماً حتى تقوم الساعةُ، أو أن يكونَ عليكُم اثنا عَشَرَ خليفةً؛ كُلُّهم مِن قُرَيشٍ". وسمعته يقول: "عُصَيبة من المسلمين يفتتحون البيتَ الأبيضَ: بَيْتَ كِسرى- أو آل كِسرى". وسمعتُه يقول: إنَّ بينَ يدي الساعة كذَّابِين، فاحذروهم". وسمعته يقول: "إذا أعطى اللهُ
стр. 843
أحدَكم خَيْرَاً فليبدأَ بنفسهِ وأهلِ بيته". وسمعته يقول: "أنا الفَرَطُ على الحوضِ".
وفي رواية سِماكِ بن حربٍ (١) عن جابرِ بنِ سَمُرةَ: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لَتَفْتَحَنَّ عِصابةٌ من المسلمين أو المؤمنين كَنْزَ آلِ كِسْرى الذي في الأبيض".
وفي رواية أخرى (٢) قال: "لَنْ يَبْرَح هذا الدِّين قائماً يقاتِل عليه عِصابةٌ من المسلمين حتى تقوم الساعةُ".
أقول: قد وجد من خلفاء أمته القريشين الكثير، فالخلفاء الراشدون والخلفاء الأمويون والخلفاء العباسيون كلهم قرشيون، وتخصيص الإثنى عشر خليفة بالذكر إشارة إلى خلفاء يكون لقيام الدين في عصرهم شان خاص، فإذا كان المراد بالحديث الإثنى عشر خليفة الأوَّل في تاريخ لأمَّة الإسلاميَّة، والذين يستكملون بعمر بن عبد العزيز ﵀، فالمراد بذلك قيامُ الدِّينِ بسبب من قوَّة اليقين عند الصحابة وكبار التابعين، وفي الرواية أكثر من مُعْجِزةٍ وقَعتْ كفتحِ المدائِن وبعضها قائمٌ، وهو أن هذا الدين لا تزال طائفة تحمله.
٨٩٣ - * روى البخاري ومسلم عن أَبي هُرَيرَة ﵁ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: "لَاتَقُومُ السَّاعةُ حَتَّى تَقْتَتِل فِئَتَانِ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَيَكُونَ بَيْنَهُمَا مَقتلَةٌ عَظِيمَةٌ دَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ".
أقول: الظاهر أن في الحديث إشارة إلى ما وقع بين علي ﵁ من جهة وبين عائشة وطلحة والزبير من جهة أخرى، فكل من الجهتين كانت دعواه نصرة الحق، فالجهتان مجتهدات والصواب مع علي ﵁، أو ما جرى بين علي ومعاوية ﵄
стр. 844
فكلاهما كان يدعي نصرة الحق، والصواب كان مع علي، وما جرى بين علي والآخرين وردت فيه نصوص كثيرة وكلها من معجزاته ﵊، وقد ذكرناها في القسم الأول من هذا الكتاب.
٨٩٤ - * روى الترمذي عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده لا تقومُ السَّاعةُ حتى تَقْتُلُوا إِمَامكم، وتَجتَلِدُوا بأَسْيَافكم، ويَرِثُ دُنياكم شِرارُكم".
أقول: في الحديث إشارة إلى قتل عثمان ﵁، وقد وردت في ذلك نصوص صريحة ذكرناها في القسم الأول، وكلها من معجزاته ﵊.
٨٩٥ - * روى أبو داود عن سعيد بنِ زيدٍ ﵁، قال: كنَّا عندَ رسول الله ﷺ ، فذكر فتنةٌ عَظُمَ أَمْرَهَا، فقلنا- أو قالوا-: يا رسولَ الله، لئن أّدْرَكَتْنَا هذه لَنَهْلِكنَّ. فقال رسول الله ﷺ : "كَلَّا إنّ بِحَسْبِكم القتل".
قال سعيد: فرأيت إخواني قُتِلوا.
٨٩٦ - * روى أبو يعلي عن معاوية قال: قال رسول الله ﷺ : "تَزْعُمون أني من آخِرِكم وفاةً ألا وإني من أولكم وفاة وَلَتتَّبِعُني أفناداً يَضْرِبُ بعضُكم رقابَ بعض".
وفي لفظ الطبراني عن معاوية بن أبي سفيان، قال: كنا جلوساً في المسجد إذ خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: "إنكم تتحدثون أني من آخركم وفاة ألا وإني من أولكم وفاة وَلَتتَّبِعُني أفناداً يَضْرِبُ بعضُكم بعضاً" ثم نَزَع بهذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ
стр. 845
يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ * وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ * لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (١). ثم قال: "لا تبرح عِصابة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين لا يبالون خُذلان من خَذَلهم ولا من خالَفهم حتى يأتي أمر الله على ذلك". ثم نَزَع بهذه الآية: ﴿يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (٢).
٨٩٧ - * روى مسلم عن نافع بن عتبة أن رسول الله ﷺ قال: "تغزون جزيرة العرب فيفتحُها الله ثم فارسَ فيفتحها الله ثم تغزون الرومَ فيفتحها اللهُ ثم تغزون الدجالَ فيفتحه الله".
أقول: في الحديث أكثر من معجزة، منها الإشارة إلى فتح قبرص، وقد كان ذلك، وافتتحها المسلمون في زمن عثمان ﵁.
٨٩٨ - * روى البخاري عن سعيد بن المسيِّب ﵀ قال: وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ الأولى- يعني مقتلَ عثمانَ- فلم يبقَ ن أصحاب بدرِ أحدٌ، ثم وقعت الفتنةُ الثانية- يعني الحرةَ، فلم يبق من أصحاب الحُديْبِيَّة أحدٌ، ثم وقعت الفتنة الثالثة، فلم ترتفعُ وبالناس طَبَاخٌ.
٨٩٩ - * روى أحمد عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: "تَدُورُ رَحَى الإسلام لخمسٍ وثلاثين- أو سِتٍّ وثلاثين، أو سبعٍ وثلاثين- فإن يَهْلِكُوا
стр. 846
فسبيلُ مَنْ هَلَكَ، وإن يَقُم لهم دينهم: يَقُمْ لهم سَبعين عاماً". قال: قلت: أَمِمَّا بقى، أو مما مضى؟ قال: "مما مضى".
قال ابن الأثير:
تدور رَحى الإسلام، يُقال: دارت رَحى الحرب: إذا قامت على ساقها، والمعنى فيما قيل: إن الإسلام عند قيام أمره على سُنن الإستقامة، والبعد من أحداث الظُّلمة إلى أن تنقضي هذه المدة التي ذكرها وهي خمس وثلاثون سنة، ووجهه: أن يكون قاله وقد بقي عمره ﷺ خمس سنين أو ست سنين، فإذا انضمَّت إلى مدَّة خلافة الخلفاء الراشدين- وهي ثلاثون سنة- كانت بالغة ذلك المبلغ، وإن كان أراد خمس وثلاثين سنة من الهجرة، ففيها خرج أهل مصر وحصروا عثمان، وإن كانت سنة ست وثلاثين، ففيها كانت وَقْعَة الجمل، وإن كانت سنة سبع وثلاثين، ففيها كانت وَقْعَة صِفِّين. أ. هـ.
أقول:
وأما قوله: (يقم لهم سبعين عاماً): فقد يكون المراد به قيام الدين على سنن الاستقامة، وغلبة أهل الحق على أهل الأهواء والبِدع، حتى تقوم الحجَّة وتوجد الأسس التي يستمر بها الدين الحق على كثرة أهل الضلالة والمنحرفين.
٩٠٠ - * روى أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "تعوذوا بالله من رأس السَّبعينَ ومن إمارةِ الصبيانِ". وقال: "لا تذهبُ الدنيا حتى تصيرَ لِلُكَعٍ ابنِ لُكَعٍ".
أقول:
وكان أبو هريرة ﵁ يستعيذ من أن تدركه سنة ستين وإمرة الصبيان، وسنة ستين هي السنة التي تأمَّر فيها يزيد بن معاوية، وبعد وفاته أمَّر ابنه معاوية وكان صغيراً
стр. 847
ولكنه استقال واعتزل، ثم كانت الفتنة والقتال بين ابن الزبير وبني أُميَّة، فسنة سبعين كانت سنة سبقتها إمرة الصبيان.
٩٠١ - * روى ابن ماجه عن أبي موسى؛ حدَّثَنَا رسول الله ﷺ : "إنَّ بَيْنَ يَدَي السَّاعة لَهَرْجَاً". قال: قلتُ: يا رسولَ الله، ما الهَرْجُ؟ قال: "القَتْلُ". فقال بعضُ المسلمين: يا رسول الله، إِنَّا نَقتُل الآن في العام الواحد من المشركين كذا وكذا. فقال رسول الله ﷺ : "ليس بقتل المشركين ولكن يقتل بعضكم بعضاً، حتى يقتل الرجل جاره وابن عمه وذا قرابته". فقال بعض القوم: يا رسول الله، ومعنا عقولنا، ذلك اليوم؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا. تنزع عقول أكثر ذلك الزمان. ويخلف له هباء من الناس لا عقول لهم".
ثم قال الأشعري: وأيْم الله، إنِّي لأظنها مدركتي وإيَّاكُم. وأيم الله، مَا لي ولكم مِنْها مخرج، إن أدركتنا فيما عَهِد إلينا نبينا ﷺ ، إلا أن نخرج كما دخلنا فيها.
أقول: في الحديث إشارة إلى وقعة الحرة، وما بعدها من قتال على الملك والعصبيَّة دون تعقُّل. والله أعلم.
٩٠٢ - * روى ابن ماجه عن أبي ذرِّ؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "كيف أنت يا أبا ذرّ، وموتاً يُصيب الناسَ حتى يقومَ البيتُ بالوصيفِ؟ ". (يعني القبر).
стр. 848
قُلْتُ: مَا خَارَ اللهُ لِي وَرَسُولُهُ. (أَوْ قَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ). قَالَ: "تَصَبَّرْ" قَالَ: "كَيْفَ أَنْتَ وَجُوعَاً يُصِيبُ النَّاسَ حَتَّى تَأْتِي مَسْجِدَكَ فَلَا تَسْتَطِيعَ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى فِرَاشِكَ، وَلَا تَسْتَطِيعَ أَنْ تَقُومَ مِن ْ فِرَاشِكَ إِلَى مَسْجِدِك؟ " قَالَ: قُلْتُ اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. (أَوْ مَا خَارَ اللهُ لِي وَرَسُولُهُ). قَالَ: "عَلَيْكَ بِالْعِفَّةِ". ثُمَّ قَالَ: "كَيْفَ أَنْتَ وَقَتْلَاً يُصِيبُ النَّاسَ حَتَّى تَغْرَقَ حِجَارَةُ الزَّيْتِ بِالدَّمِ؟ " قُلْتُ: مَا خَارَ اللهُ لِي وَرَسُولُهُ. قَالَ: "الحَقْ بِمَنْ أَنْتَ مِنْهُ". قَالَ؛ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا آخُذُ سَيْفِي فَأَضْرِبَ بِهِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ؟ قَالَ شَارَكْتَ الْقَوْمَ إِذَاً! فَإِنْ دَخَلَ بَيْتِي؟ قَالَ: "إِنْ خَشِيتَ أَنْ يَبْهَرَك شُعَاعُ السَّيْف، فَأَلْقِ طَرَف رِدَائِكَ عَلَى وَجْهِكَ فَيَبُوءَ بِإِثْمِه وإِثْمِكَ، فَيَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ".
أقول: في الحديث إشارة إلى الطاعون الذي أصاب جيش الصَّحابة في الشَّام، وفيه إشارة إلى المجاعة التي حدثت في زمن عُمَر وسُمِّي عامها عام الرمادة، وفيه إِشارة إلى وقعة الحرة. وكل ذلك قد وقع، ففي الحديث معجزات متعددة وفي الحديث التالي ذِكر لبعض مما مر في هذا الحديث.
٩.٣ - * روى أبو داود عن أبي ذر الغِفاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يا أبا ذَرٍّ". قلتُ: لَبَّيْك يا رسول الله وسعديك ... فذكر الحدث. كذا قال أبو داود، ولم يذكر لفظه، وقال فيه: "كيف أنت إذا أَصابَ الناسَ موتٌ يكون البيت فيه بالوَصيف؟ " قلتُ: الله ورسوله أعلم- أو قال: ما خارَ اللهُ لي ورسولُه- قال: "عليك بالصبر"- أو قال: "تَصَبَّر"- ثم قال لي: "يا أَبا ذَرٍّ". قلت: لبيك
стр. 849
وسعديك. قال: "كيف أنتَ إذا رأيتَ أحجارَ الزيت قد غَرِقَتْ بالدَّم؟ " قلت: ما خار الله لي ورسوله. قال: "عليك بمن أنتَ منه". قلتُ: يا رسول الله، أفلا آخذ سيفي فأضَعْهُ على عاتقي؟ قال: "شاركتَ القومَ إذاً". قلت: فما تأمُرْني؟ قال: "تَلْزَمُ بَيْتَكَ". قُلت: فإن دَخل عليَّ بيتي؟. قال: "إن خشيت أن يَبْهَرَك شعاعُ السَّيف، فألقِ ثوبك على وجهك، يبوء بإثمِكَ وإثمِهِ".
٩٠٤ - * روى البخاري عن سعيد بن عَمْرو بن سعيد ين العاص، قال: كنتُ مع مَرْوَانَ وأبي هُريرة في مسجد النبي ﷺ ، فسمعتُ أبا هُريرة يقول: سمعتُ الصادقَ الصدوقَ يقول: "هَلاكُ أُمَّتي على يَدَي أُغَلْلِمةٍ من قريش". فقال مروان: غِلْمَةٌ. قال أبو هريرة: إن شئت أن أُسَمِّهم بني فلانٍ وبني فلان.
وفي رواية (٢): قال عَمرو بن يحيى بنِ سعيد: أخبرني جدِّي قال: كنتُ جالساً مع أبي هُريرة في مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة ومَعَنا مروانُ، فقال أبو هريرة: سمعتُ الصادق الصدوق يقول: "هَلَكَةُ أُمَّتي على يَدَيِّ غِلْمَةٍ من قُرَيْشٍ". قال مروانُ: لعنةُ الله عليهم غِلْمَةً؟ فقال أبو هريرة: لو شئتُ أن أقولَ: بنو فلانٍ لَفَعَلْتُ. قال: فكنتُ أخْرُجُ مع جدي سعيد إلى الشام، حين مَلَكَهُ بنو مروانَ، فإذا رآهم غِلماناً أحداثاً، قال لنا: عسى هؤلاء الذين عَنى أبو هُريرة، فقلت: أنتَ أعلمُ.
٩٠٥ - * روى الطبراني عن عُمَيْرِ بنِ سعيدٍ، قال: كنا جلوساً مع ابن مسعود، وأبو موسى عندَه، وأخذ الوالي رجلاً فَضَرَبَهُ وحَمَلَهُ على جملٍ. فجعل الناسُ يقولون الجملُ الجملُ. فقال رجلٌ: يا أبا عبدِ الرحمن هذا الجملُ الذي كنَّا نسمعُ. قال: فأينَ البَارقةُ.
стр. 850
أقول:
تشير الرواية إلى أن الصحابة كان عندهم علم عن رسولهم ﵊ بأن أمراءَ سيستعملون أنواعاً من العقوبات؛ منها عقوبة التشهير بإركاب المعاقَب على جملٍ والتشهير به. والبارقة: السيوف.
٩٠٦ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "في ثَقِيفٍ كَذَّابٌ وَمُبِيرٌ".
قال الترمذي: ويقال: الكذَّاب: المختارُ بن أبي عُبَيْد، والمبير: الحجَّاج بن يوسفَ.
٩٠٧ - * روى البخاري عن الزبير بن عُدَي، قال: دَخَلْنا على أنس بن مالك فَشَكَوْنا إليه ما نَلْقي من الحَجَّاجِ، فقال: "اصْبِرُوا، لا يأتي عليكم زمانٌ إلا الذي بعدَه شرٌّ منه، حتى تَلْقَوْا ربَّكم". سمعتُ هذا من نبيكم.
أقول:
قوله: "حتى تلقوا ربكم": هل المراد جيل الصحابة أو المراد الأمة الإسلامية بإطلاق؟ أرجع الأول للحديث الحسن: "أُمَّتي كالمطر لا يُدرى أوَّله خيرٌ أم آخره".
وقد حمله بعضهم على العموم، واعتبر ما يحدث من تجديد في القرون، وما يحدث من انتعاشات وانتصارات للإسلام لا يتنافى مع إطلاق الحديث، فالحديث لا ينفي أنه لا يوجد خير بعد الزمن الأول، ولكن الخيريَّة نسبيَّة فهي تتضاءل بمجموعها في الزمن اللاحق بالنسبة للزمن السابق. وأرجح أن الحديث خاص بجيل الصحابة.
стр. 851
٩٠٨ - * روى أحمد عن الشعبي قال: سمعت عبد الله بن الزبير وهو مستند إلى الكعبة، وهو يقول: ورب الكعبة لقد لعن رسول الله ﷺ فلاناً وما ولد من صلبه.
أقول:
اللعنة تنصبُّ على الكافرين من أبناء الحكم، وهذا التخصيص لا بد منه؛ لأن من أسلم من ذريَّة الحكم لا تنصب عليه اللعنة إلا إذا كان في قلبه نفاق أو عمل أعمالاً يستحق بها اللعنة.
٩٠٩ - * روى البزار عن عبد الله البَهيِّ مولى الزبير قال: كنتُ في المسجد ومروان يَخطبُ فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: والله ما استخلف [أي رسول الله ﷺ ] أحداً من أهله. فقال مروان: أنت الذي نزلت فيك: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ (١). فقال عبد الرحمن: كَذّبْتَ ولكن رسول الله ﷺ لَعَنَ أباك.
٩١٠ - * روى احمد عن عبد الله بن عمرو قال: كنا جلوساً عند النبي ﷺ وقد ذهب عمرو بن العاص يلبس ثيابه ليلحقتي فقال ونحن عنده: "ليدخلن عليكم رجلٌ لعين". فوالله ما زلت وجلاً أتشوف خارجاً وداخلاً حتى دخل فلان (يعني الحكم).
وعن أبي هريرة (٢) أن النبي ﷺ رأى في منامِهِ كأنَّ بني الحكم يَنْزَونَ على مِنْبَرِهِ
стр. 852
ويَنزِلون، فأَصْبَحَ كالْمُتَغَيِّظِ، وقال: "مالي رأيتُ بني الحكم يَنْزَونَ على منبري نَزَوُّ القِرَدَةِ". فما رأيته ﷺ مُسْتَجْمِعَاً ضاحِكاً بعدَ ذلك حتى مات.
٩١١ - * روى الترمذي عن هشام بن حسَّان، قال: أُحْصِي ما قَتلَ الحجَّاج صَبْرَاً، فَوُجِدَ مائةَ ألفٍ وعشرين ألفاً.
٩١٢ - * روى أحمد عن عمر بن الخطاب قال: وُلِدَ لأخي أم سلمةَ زوج النبي ﷺ غلامٌ فسَمَّوْهُ الوليدَ فقال النبي ﷺ : "سميتُموه باسم فَراعِنَتِكُم لِيَكونَنَّ في هذه الأمة رجل يقال له الوليدُ لهو أشرُّ على هذه الأمةِ من فرعون لِقومِهِ"
أقول: لعل المراد بالحديث هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وكان من شأنه أن استغرق باللهو وظهرت عليه أمارات الجبروت، وقد قتله بنو أُميَّة أخيراً.
وكان الأوزاعي يحمل هذا الحديث على ما ذكرناه كما أورده ابن الحجر في الفتح. وذكر له ابن حجر شاهداً عن أم سلمة أخرجه إبراهيم الحربي في "غريب الحديث" من رواية محمد ابن إسحق عن محمد بن عمرو عن عطاء عن زينب بنت أم سلمة عن أمها قالت: دخل عليَّ النبي ﷺ وعندي غلام من آل المغيرة اسمه الوليد، فقال: "من هذا؟ " قلت: الوليد، قال: "قد اتخذتم الوليد حنانا، غيروا اسمه فإنه سيكون في هذه الأمة فرعون يقال له الوليد" (١).
стр. 853
٩١٣ - * روى أحمد عَنْ أَبِي بُرْدَةَ؛ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بنِ مَسْلَمَةَ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ وفُرْقَةٌ واخْتِلَافٌ. فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَاتِ بِسَيْفِكَ أُحُدا، فَاضْرِبْهُ حَتَّى يَنْقَطِعَ. ثمَّ اجْلِسْ فِي بَيْتِكَ حَتَّى تَأْتِيكَ يَدٌّ خَاطِئَةٌ، أَوْ مَنِيَّةٌ قَاِضيَةٌ".
فَقَدْ وَقَعَت. وَفَعَعلْتُ مَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ .
أقول: ما أخبر عنه رسول الله ﷺ قد وقع وشارك بعض الصحابة في قتال مجتهدين وبعضهم اعتزل، وكان ممن اعتزل محمد بن مسلمة، والسؤال كيف لم يعتزل بقية الصحابة مع وجود مثل هذه الروايات؟ والجواب أنه بالإمكان حمل مثل هذه الرواية على أنها فتوى خاصة لأناس مخصوصين.
٩١٤ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسولَ الله ﷺ يقول وهو على المنبر: "ألا إن الفتنةَ هاهُنا" ويُشِيرُ إلى المشرق. "من حيثُ يطلَع قَرْنُ الشَّيْطَانِ" وفي رواية قال- وهو مستقبِل المشرق: "هَا، إن الفتنة هاهنا" ثلاثاً- وذكره. وفي أخرى (١) أنه سمع النبي ﷺ وهو مستقبِل المشرق- يقول: "ألا إن الفتنة هاهنا من حيث يطلعُ قرنُ الشيطان".
وللبخاري (٢) قال: قام النبي ﷺ خطيباً، فأشار نحو مسكنِ عائشةَ، فقال: "هنا الفتنة- ثلاثاً- من حيث يطلع قرن الشيطان".
وللبخاري (٣) بزيادة في أوله: أن النبي ﷺ قال: "اللهم بارِكْ لنا في شامِنا، اللهم بارِك لنا في يَمنِنا". قالوا: وفي نَجْدِنا، قال: " اللهم بارِكْ لنا في شامِنا،
стр. 854
اللهم بارِك لنا في يَمنِنا". قالوا: وفي نجدِنا؟ قال: "اللهم بارِكْ لنا في شامِنا، اللهم بارِك لنا في يَمنِنا". قالوا: يا رسول الله، وفي نجدِنا؟ فأظنه قال في الثالثة: "هنالك الزَّلازِلُ والفِتَنُ، ومنها يطلِعُ قَرْنُ الشَّيطَان". وقد اختُلف على ابن عَوْنٍ فيهِ، فروى عنه مسنداً، وروى عنه موقوفاً على ابن عمر من قوله.
وله في رواية أخرى (١) قال: رأيت النبي ﷺ يشير إلى المشرق، ويقول: "ألا إن الفتنة ها هنا من حيث يطلع قرن الشيطان".
ولمسلم (٢) قال: خرج رسول الله ﷺ من بيت عائشة، فقال: "رأسُ الكُفْرِ من ها هنا، من حيث يطلع قرن الشيطان".
وفي أخرى له (٣) عن سالم: أنه قال: يا أهل العراق، ما أَسْأَلَكُم عن الصغيرة، وأَرْكَبَكُم للكبيرة!! سمعتُ أبي عبد الله بن عمر يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إن الفتنة تجيء من ها هنا"- وأومأَ بيده نحو المشرق- "من حيث يطلعُ قَرْنُ الشيطان". وأنتم يَضرِبُ بعضكم رِقابَ بعضٍ، وإنما قَتَل موسى الذي قَتَلَ من آل فرعون خطأً، فقال الله له: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ طه: ٤٠.
وفي أخرى (٤) له أنَّ رسول الله ﷺ قام عند باب حفصةَ- وقال بعض الرواة: عند باب عائشةَ- فقال بيده، نحو المشرق: "الفتنة ها هنا، من حيث يطلع قرن الشيطان"- قالها مرتين أو ثلاثاً.
٩١٥ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "رأسُ الكُفْرِ نَحْو المَشرقِ، والفَخْرُ والخُيلاءُ في أهل الخيْلِ والإبلِ: الفَدَّادينَ
стр. 855
أهلِ الوبرِ، السكينةُ في أهل الغنم".
ولمسلم (١) أنه قال: "الإيمانُ يمانٍ، والكفرُ قِبَلُ المشرق، والسكينةُ في أهل الغنم، والفخر والرياءُ في الفدَّادين أهلِ الخير والوبر".
٩١٦ - (٢) اري عن ابن مسعودٍ البَدْري ﵁، يبلُغُ به النبي ﷺ قال: "من ها هنا جاءتِ الفتنُ نحو المَشرقِ، والجَفاءُ والقسوةُ وغِلَظُ القلوبِ في الفدَّادين، أهلِ الوبَر عند أصولِ أذناب الإبل والبقر، في ربيعةَ ومُضَرَ".
أقول: في النصوص التي مرَّت آنفاً ذِكر المشرق بإطلاق، وذكرت نجد والعراق: إن كان المراد بنجد نجداً المعروفة ففي النص إشارة إلى مسليمة الكذَّاب وفتنة القرامطة وأمثال ذلك، وأمَّا العراق فقد ظهرت فيها الخارجيَّة وفتنة الحجَّاج، وفي كل الأحوال ففي النصوص معجزة وقعت.
تعقيب: لقد كثرت الأحاديث التي تتحدَّت عما سيكون بعده ﵊ في جيل الصحابة، وعن مرحلة الخلافة الراشدة والأمويَّة، فإنك تجد مئات المعجزات أخبر رسول الله ﷺ أنها كائنة ووقعت.
ولقد مرَّ معنا في هذا القسم الكثير منها أثناء الكلام عن الفرق والفتن خاصة فتنة الخوارج، أمَّا القسم الأكبر منها فقد مرَّ معنا في قسم السيرة النبويَّة أثناء الكلام عن النبوءات وعن تراجم الأزواج والآل والخلفاء الراشدين وبعض الصحابة مما يعتبر كله جزءاً من هذه الفقرة، فليراجع رسالته ﵊، فكيف وأعلام رسالته أكثر من أن يُحاط بها.
* * *
стр. 856
الفقرة الخامسة
حديث جامع
٩١٧ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم الساعةُ حتى يَقْتَتِل فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ، يكون بينهما مُقْتَلَةٌ عظيمةٌ دعواهما واحدةٌ، وحتى يُبْعَثُ دجَّالون كذَّابون، قريبٌ من ثلاثين، كلُّهم يزعم أنه رسولُ الله، حتى يُقْبَضَ العلمُ، وتكثُرَ الزلازلُ، ويتقاربَ الزمانُ، وتظهرَ الفِتَنُ، ويكثُرَ الهَرْجُ"- وهو القتْلُ القتْلُ- "وحتى يكثُرَ فيكم المالُ فَيَفيضَ حتى يُهِمَّ ربّ المال مَن يقْبَلُ صَدَقَتَه، وحتى يعرضَه، فيقولَ الذي عرَضَه عليه: لا أرَب لي فيه، وحتى يَتَطَاول الناسُ في البُنْيَان، وحتى تَطْلُعَ الشمسُ من مَغْرِبها، فإذا طلعتْ ورآها الناسُ آمنوا أجمعون، فذلك حينَ لا ينفعُ نفساً إِيمانُها لم تكنْ آمنتْ من قَبلُ، أو كسبَت في إيمانها خيراً، ولتقومنَّ الساعةُ وقد نَشَرَ الرجلان ثوبَهما بينهما، فلا يَتَبايَعانه، ولا يَطويانه، ولتقومنَّ الساعةُ وقد انصرفَ الرجلُ بَلبنِ لِقْحَتِهِ، فلا يَطعَمَهُ، ولتقومنَّ الساعةَ وهو يَليطُ حوضَهُ فلا يَسقِي فيه، ولتقومَنَّ الساعةَ وقد رَفَعَ أكلته إلى فِيهِ، فلا يطْعَمْها".
ولمسلم (١) في رواية: أن رسولَ الله ﷺ قال: "لا تقوم الساعةُ حتى يخرجَ قريبٌ من ثلاثين كذَّابينَ دجَّالين، كلهم يقول: إنه نبيّ. ولا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، ويؤمن الناس أجمعون، فيومئذٍ لا ينفع نفساً إيمانها لم تكنْ آمنتْ من قَبل أو كسبت من إيمانها خيراً، ولا تقوم الساعةُ حتى تقاتلوا اليهودَ، فيفرَّ اليهوديّ وراء الحجر، فيقولُ: يا عبدَ الله، يا مسلم، هذا يهوديٌّ ورائي.
* * *
стр. 857
ولا تقوم الساعةَ حتى تقاتلوا قوماً نِعالهم الشَّعَر".
وله (١) في أخرى قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقوم الساعةُ حتى يكثر فيكم المال ويَفيضَ، وحتى يَخرجَ الرجل بزكاة ماله، فلا يجدُ أحداً يَقبلها منه، وحتى تعود أرضُ العربِ مُرُوجاً وأنهاراً".
وفي أخرى (٢) قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى يكثُر فيكم المالُ ويفيضَ، حتى يَهِمُّ ربَّ المال منْ يقْبَلَهث منه صدقةً، يدعو إليه الرجلَ، فيقول: لا أرَبَ لي فيه".
أقول: في الحديث معجزات كثيرة ففيه شيء رأته الأمة وفيه شيء نراه الآن. ومما نرى بداياته الآن: قوله ﵊: "وحتى تعود بلاد العرب مروجاً وأنهارًا".
فنحن الآن نشهد بدايات ذلك.
وقوله ﵊: "حتى تعود" إشارة إلى أنها كانت كذلك، وهذا الذي تدل عليه الدراسات الحديثة كما يدل عليه وجود البترول. ففي هذه العبارة وحدها معجزتان من معجزاته، وعصرنا يشهد كثرة الزلازل، وشهد الحربين العالميتين، ولا زال يشهد كثرة القتل، كما يشهد عصرنا تطاول الناس في البنيان بأكثر مما شهده أي عصر سابق.
стр. 858
الفقرة السادسة
في:
فتح القسطنطينيَّة الأول
٩١٨ - * روى الدارمي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: بينما نحن عند النبي ﷺ نكتب، إِذ سُئِل: أي المدينتين تُفْتَحُ أوَّلاً: قسطنطينيَّة أو روميَّة؟ فقال: "لا بل مدينةُ هَرقَلَ أولاً".
أقول: في هذا الحديث بشارتان: بشارة بفتح القسطنطينيَّة، وبشارة بفتح روما، وقد فتحنا القسطنطينية ولم نفتح روما. وفي ذلك ما يُعْطينا أنه لا يزال بيننا وبين الساعة أمدٌّ نسبيَّاً. فهناك أمور أخبرنا رسول الله ﷺ عن حدوثها قبل قيام الساعة لم تقع بعد، ومن جملتها: ظهور الإسلام على العالم كله تحقيقاً لقوله ﵊ في الحديث.
٩١٩ - * روى أحمد عن المقداد بن الأسود يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يبقى على ظهر الأرض بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله كلمة الإسلامِ بعزِّ عزيزٍ أو ذُلِّ ذليلٍ إما يُعِزِّهم لله فيجعلهم من أهلها أو يُذِلَّهم فَيَدِنون لها".
وفي رواية لأحمد أيضاً (١): عن تميم الداري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بِعِزِّ عزيز أو بِذُلِّ ذليل عِزَّاً يُعِزّ الله به الإسلامَ وذُلَّاً يُذِلُّ الله به الكُفْر". وكان تميم الداري يقول: قد عرفت ذلك في أهل بيتي؛ لقد أصاب من أسلم منهم الخير والشرف والعزّ، وقد أصاب من كان منهم كافراً الذُّلّ والصغار والجزية.
فهذا الحديث يشير إلى أنَّ هذا الظهور يكون قبل نزول المسيح ﵇، لأن
стр. 859
المسيح لا يقبل الجزية، وفي الحديث إشارة إلى الجزية، وسنرى أن هناك نصوصاً تتحدَّث عن فتح آخر للقسطنطينيَّة يكون بين يدي ظهور الدَّجال مباشرة، وأنَّ القائمين بذلك من غير العرب، وسنرى نصوصاً تتحدَّث عن أنَّ العرب يوم ظهور الدَّجَّال يكونون قليلين، وأنَّ الخلافة الإسلاميَّة حين ظهور المسيح الدَّجَّال ونزول عيسى بن مريم تكون بالقدس، والقول المشهور عند العلماء إن المهدي ﵇ يكون في زمن عيسى ﵇، وكل ذلك يشير إلى أن بيننا وبين علامات الساعة الكبرى أمداً نسبيَّاً. والله أعلم.
كما أن هذه النصوص فيها إشارات ضمنيَّة من جملة إشاراتٍ كثيرة نجدها متفرقة في النصوص تدل، على أن اليهود الذين وفدوا إلى فلسطين وقامت لهم دولة في عصرنا ليسوا هم اليهود الذين يقاتلهم المسلمون عند نزول المسيح ﵇، إنما هم الذين يفدون مع المسيح الدَّجال. فعاصمة الخلافة وقت ذلك تكون القدسن وقبل ذلك ستكون دولة إسلاميَّة عالميَّة، وكل ذلك يتنافى مع بقاء السلطان الحالي لليهود في فاسطين.
* * *
стр. 860
الفقرة السابعة
في:
قتال التتار والمغول والأتراك قبل إسلامهم
٩٢٠ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هُريْرَة ﵁، أنَّ النبي ﷺ قال: "لا تقوم السَّاعة حتى تُقَاتِلوا قوْماً نِعالهم الشَّعَر، ولا تقُوم الساعةُ حتَّى تُقَاتلوا قوماً كأن وجوهم المجانُ للمطرقةُ".
قال سفيان: زاد فيهِ في روايةٍ (١): "صِغَارَ الأعينِ ذُلْفَ الأُنُوفِ، كأنّ وجوههم المجان المطرقة".
وفي رواية قال (٢): قال رسول الله ﷺ : "تقاتلون بين يدي الساعة قوماً نعالهم الشَّعَر، كأنَّ وجوههم المجان المطرقة، حُمْرُ الوجوهِ، صِغار الأعْيُنِ".
وللبخاري (٣) عن قيس بن أبي حازم قال: أتينا أبا هُرَيْرة، فقال: صحبتُ رسول الله ﷺ ثلاث سنين، لم أكن في سنِّي أحرص على أن أعي الحديثَ مِنِّي فيهنَّ، سَمِعتُه يقول- وقال هكذا بيده-: "بين يدي الساعةِ تقاتلون قوماً نعالهم الشعر، وهو هذا البارزُ". قال سفيان مرة: وهم أهلُ البازرِ، ويعني بأهل البازر أهلَ فارس، كذا هو بلغتهم.
وللبخاري أيضاً (٤): وزاد في آخره "وتجدن خيرَ الناس أَشدَّهم كراهيَّةً لهذا الأمر، حتى يقع فيه، والنَّاس معادنُ، خِيارُهم في الجاهليَّة خِيارُهم في الإسلام،
стр. 861
إذا فقهوا، وليأتِيَنَّ على أحدكم زمانٌ لأَن يراني أحبُّ إليه من أن يكون له مثلُ أهلِهِ ومالِه".
وله أيضاً (١): قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقومُ الساعةُ حتى تقاتلوا خُوزَاً وكِرمانَ من الأعاجم، حُمْرَ الوجوه، فُطْسَ الأنوفِ، صِغارٍ الأعين، وجوههم المجان المطرقة، نعالهم الشعر".
ولمسلم (٢): أنّ رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى يُقَاتِل المسلمون التُّركَ، قوماً وجوهمم كالمجان المطرقة، يلبسون الشعر، ويمشون في الشعر".
أقول: المراد من الترك هنا: ما هو أعمُّ من الشعب التركي بدليل الأوصاف، فكأن المراد: الترك ومن وراءهم من المغول والتتار الذين تنطبق عليهم الأوصاف التي وردت في الحديث.
٩٢١ - * روى البخاري عن عمرو بن تغلب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ من أشراط الساعة: أن تُقَاتِلوا قوماً يَنْتَعِلون نِعال الشَّعَرِ، وإنَّ من أَشراط الساعة: أن تقاتلوا قوماً عِراض الوجوهِ، كأَنَّ وجوههم المجان المطرقة".
قال في الفتح: قوله (ينتعلون نعال الشعر) ... [الظاهر من الحديث]:
أن الذين ينتعلون الشعر غير لترك. وقد وقع للإسماعيلي من طريق محمد بن عباد
стр. 862
قال: بلغني أن أصحاب بابك كانت نعالهم الشعر. قلت [أي ابن حجر]: بابك بموحدتين مفتوحتين وآخره كاف يقال له الخُرَّمي بضم المعجمة وتشديد الراء المفتوحة، وكان من طائفة من الزنادقة استباحوا المحرمات، وقامت لهم شوكة كبيرة في أيَّام المأمون، وغلبوا على كثير من بلاد لعجم كطبرستان والري، إلى أن قتل بابك المذكور في أيام المعتصم، وكان خروجه في سنة إحدى ومائتين أو قبلها، وقتله في سنة اثنتين وعشرين" أ. هـ ابن حجر.
أقول: لقد قاتل المسلمون زنادقة انطلقوا من بلاد فارس، وقاتلوا قبائل انطلقوا من أرض الترك، وقاتلوا الأتراك قبل دخولهم في الإسلام، وقاتلوا قبائل انطلقوا مما وراء بلاد الترك كالمغول والتتار، وفي أحاديث هذه الفقرة ما يشير إلى ذلك كله، وذلك من معجزاته ﵊.
٩٢٢ - * روى أحمد عن بريدة قال: كنت جالساً عند النبي ﷺ فسمعتُ النبي ﷺ يقول: "إن أمتي يسوقُها قومٌ عِراض الوجوه صِغار الأعين كأن وجوههم الجُحَفُ ثلاث مرات حتى يُلْحِقوكم بجزيرة العرب؛ أما السائقة الأولى فينجو مَنْ هرب منهم، وأمَّا الثانية فينجو بعضٌ ويهلِكُ بعضٌ، وأمَّا الثالثة فيصطلمون من بقي منهم". قالوا: يا رسول الله من هم؟ قال: "الترك، أمَّا والذي نفسي بيده لَيَربُطَنَّ خيولهم إلى سواري مساجد المسلمين". قال: وكان بريدةُ لا يفارقه بعيران أو ثلاثةٌ ومتاعٌ السفر والأسقيَّة، ويُعِدُّ ذلك للهرب مما سُمِع من النبي ﷺ من البلاء من الترك.
أقول: هذا الحديث أشبه بأن يكون محمولاً على قتال التتار والمغول، والظاهر أن كلمة الترك تطلق في النصوص بأوسع ممَّا هو متعارف عليه الآن في تعريف الأتراك، ولذلك حمل
стр. 863
شرَّاح السنّة بعض الروايات المذكورة في هذه الفقرة على المأساة التي وقعت للمسلمين على يدي المغول والتتار.
قال في عون المعبود شرح سنن أبي داود (المجلد الرابع):
قال النووي: معناه ينتعلون الشعر كما صرح به في الرواية الأخرى نعالهم الشعر، وقد وجدوا في زماننا هكذا- انتهى. قلت: رواية مسلم بلفظ يلبسون الشعر ويمشون في الشعر تدل دلالة واضحة على أنه يكون لباسهم أيضاً من الشعر، كما أن نعالهم تكون من الشعر، وهو الظاهر لما في بلادهم من ثلج عظيم لا يكون في عيرها على ما قال ابن دحية وغيره.
وقال القرطبي في التذكرة: والحديث الأوَّل، أي حديث أحمد على خروجهم وقتالهم للمسلمين وقتلهم، وقد وقع ذلك على نحو ما أخبر به ﷺ ، فخرج منهم في هذا الوقت أمم لا يحصيهم إلا الله ولا يردهم عن المسلمين إلا الله حتى كأنهم يأجوج ومأجوج، فخرج منهم في جمادى الأولى سنة سبع عشر وست مائة جيش من الترك يقال له الططر [أي التتر] عظم في قتله الخطب والخطر، وقُضِي له في قتل النفوس المؤمنة الوَطر، فقتلوا ما وراء النهر وما دونه من جميع بلاد خراسان ومحوا رسوم ملك بني سامان، وخربوا البنيان وأطلقوا الماء على المدينة من نهر جيجان، فغرق منها مباني الدار والأركان ثم وصلوا إلى بلاد نهشان، فخربوا مدينة الري وقزوين ومدينة أرديل ومدينة مراغة كرسي بلاد أذربيجان وغير ذلك، واستأصلوا ساقة من هذه البلاد من العلماء والأعيان واستباحوا قتل النساء وذبح الولدان، ثم وصلوا إلى العراق الثاني وأعظم مدنه مدينة أصبهان ودَور سورها أربعون ألف ذراع في غاية الارتفاع والإتقان، وأهلها مشتغلون بعلم الحديث فحفظهم الله بهذا الشأن أنزل عليهم مواد التأييد والإحسان فتلقوهم بصدور هي في الحقيقة صدور الشجعان، وحققوا الخبر بأنها بلاد الفرسان واجتمع فيها مائة ألف إنسان وأبرز الططر [أي التتار] القتل في مضاجعهم وساقهم القدر المحتوم إلى مصارعهم، فمرقوا عن أصبهان مروق السهم من الرمي منهم فرار الشيطان في يوم بدر وله حصاص ورأوا أنهم إن وقفوا لم يكن لهم
стр. 864
من الهلاك خلاص، ووصلوا السير بالسير إلى أن صعدوا جبل أربد فقتلوا جميع من فيه من صلحاء المسلمين وخربوا ما فيه من الجنات والبساتين، وكانت استطالتهم على ثلثي بلاد المشرق الأعلى وقتلوا وخربوا ما فيه من الخلائق ما لا يُحصى وقتلوا في العراق الثاني عدةً يبعد أن تحصى، ربط خيولهم إلى سواري المساجد والجوامع كما جاء في الحديث المنذر بخروجهم- إلى أن قال-: وقطعوا السبيل وأخافوها وجاسوا خلال الديار وطافوها، وملأوا قلوب المسلمين رُعباً وسحبوا ذيل الغلبة على تلك البلاد سحباً، ولا شكَّ أنهم هم المنذر بهم في الحديث وأن لهم ثلاث خرجات يصطلمون في الأخيرة منها. وقال القرطبي: فقد كملت بحمد الله خرجاتهم ولم يبق قتلهم وقتالهم فخرجوا عن العراق الثاني والأول كما ذكرنا، وخرجوا من هذا الوقت على العراق الثالث بغداد وما اتصل بها من البلاد وقتلوا من فيها من الملوك والعلماء والفضلاء والعباد، واستباحوا جميع من فيها من المسلمين وعبروا الفلاة إلى حلب وقتلوا جميع من فيها وخربوا إلى أن تركوها خالية، ثم أَوْغَلوا إلى أن ملكوا جميع الشام في مدة يسيرة من الأيام وفلقوا بسيوفهم الرؤوس والهام، ودخل رعبهم الديار المصريَّة ولم يبق إلا اللحوق بالديار الأخروية فخرج إليهم من مصر الملك المظفَّر الملقَّب بظفر ﵁ بجميع من معه من العساكر وقد بلغت القلوب الحناجر، إلى أن التقى بهم بعين جالوت فكأن له عليهم من النصر والظفر كما كان لطالوت، فقتل منهم جمع كثير وعدد غزيز وارتحلوا إلى الشام من ساعتهم ورجع جميعه كما كان للإسلام وعدوا الفرات منهزمين ورأوا ما لم يشاهدوه من زمان ولا حين، وراحوا خائبين وخاسئين مدحورين أذلاء صاغرين ... انتهى كلام القرطبي باختصار. وقال الإمام ابن الأثير في الكامل: حادثة التتار من الحوادث العظمى والمصائب الكبرى التي عمقت الدهور عن مثلها، عمَّت الخلائق وخصّت المسلمين فلو قال قائل: (إن العالم منذ خلقه الله تعالى إلى الآن لم يبتلوا بمثلها) لكان صادق فإن التواريخ لم تتضمَّن ما يقاربها .. انتهى. وقال الذهبي: وكانت بليَّة لم يُصَب الإسلام بمثلها .. انتهى.
قال النووي في شرح مسلم: وهذه كلها معجزات لرسول الله ﷺ ، فقد وجد قتال هؤلاء الترك بجميع صفاتهم التي ذكرها ﷺ ، فوجدوا بهذه الصفات كلها في زماننا وقاتلهم المسلمون مرات، وقتالهم الآن ونسأل الله الكريم إحسان العاقبة للمسلمين. انتهى مختصراً. أ. هـ.
стр. 865
نقلا عن (عون المعبود).
فائدة: يلاحظ أن النصوص التي تتحدَّث عن خوز وكرمان وعن الترك، تتحدَّث عن أقوام لهم صفات واحدة وهي الصفات التي تنطبق على المغول والتتار، وذلك أنه جرت العادة أن يُطلق اسم الترك على الشعوب التي تقطن وراء جبال القفقاس، وقد قاتل المسلمون بعض هذه الشعوب على أرضها، وأسلمت بعض هذه الشعوب، وبعض هذه الشعوب هربت أمام موجات التتار والمغول وهي مسلمة، فجاءت إلى الشرق كبني عثمان، والظاهر أن النصوص التي تصف الأقوام الغازية بأنهم من خوز وكرمان وتُرْك إنما تريد التتار والمغول، بل إن ابن كثير يذهب في كتابه "النهاية" إلى أن يأجوج ومأجوج هم من التُّرك كما سنرى، وذلك كما قلنا أّخْذٌ من الاصطلاح الذي أشرنا إليه، وينقل ابن كثير في مقطع من كتابه "النهاية" ثلاثة نصوص، نصّاً يتحدَّث عن قتال الترك ويصفهم، ونصّاً يتحدَّث عن خوز وكرمان ويصفهم، ونصّاً مطلقاً يذكر بعض الأوصاف، ثم يعلق ذلك بما يفيد أن هؤلاء جميعاً هم الترك.
وأقول: إن المراد بالترك هنا عندهم هم أهل منطقة ما وراء جبال القفقاس مع أن وراء هذه المنطقة شعوباً متعدِّدة، والذين تنطبق عليهم الأوصاف التي وردت في الأحاديث هم المغول والتتار وهو الذين فعلوا بالمسلمين الأفاعيل، بينما نجد شعوباً أُخرى ممن يُطلَق عليهم اسم الترك دخلوا في الإسلام وحملوه. صحيح أن المسلمين قاتلوا ابتداء هذه الشعوب، لكن لم يدم ذلك طويلاً، وعلى ضوء ما قلناه، فلنفهم من هذه الصفحة من كلام ابن كثير في "النهاية" ومرادنا من نقلها لنثبت ما ذكرنا آنفاً.
قال ابن كثير في النهاية: عن أبي هُرَيْرة أن النبي ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا خوزاً وكرمان من الأعاجم حمر الوجوه فطس الأنوف كأن وجوههم المجان المطرقة نعالهم الشعر" أخرجه الجماعة سوى النسائي.
عن أبي هريرة فذكر نحوه. قال سفيان بن عيينة: وهم أهل البارز- كذا يقول سفيان- ولعل البارز هو سوق الفسوق الذي لهم. وقال أحم حدَّثنا عفَّان حدَّثنا جرير بن حازم سمعتُ الحسن حدَّثنا عمرو بن ثعلب سمعتُ رسول الله ﷺ يقول:
стр. 866
"إن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قوماً عِراض الوجوه كأن وجوههم المجان المطرقة". ورواه البخاري من حديث جرير بن حازم، والمقصود أن الترك قاتلهم الصحابة فهزموهم وغنموهم وسبوا نساءهم وأبناءهم، وظاهر هذا الحديث يقتضي أن يكون هذا من أشراط الساعة، فإن كانت أشراط الساعة لا تكون إلا بين يديها قريباً، فقد يكون هذا أيضاً واقعاً مرَّة أخرى عظيمة بين المسلمين وبين الترك حتى يكون آخر ذلك خروج يأجوج ومأجوج كما سيأتي ذكر أمرهم، وإن كانت أشراط الساعة أعمُّ من أن تكون بين يديها قريباً منها، فإنها تكون مما يقع في الجملة ولو تقدَّم قبلها بدهر طويل إلا أنه مما وقع بعد زمن النبي ﷺ ، وهذا هو الذي ظهر بعد تأمل الأحاديث الواردة في هذا الباب). أ. هـ
(النهاية في الفتن والملاحم).
стр. 867
الفقرة الثامنة
في:
تمزقات الأمة الإسلاميَّة وصراعاتها
٩٢٣ - * روى الترمذي عن خبَّاب بن الأرَتّ ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاةً فأطالها، فقالوا: يا رسول الله، صليْتَ صلاةً لم تكن تُصلِّيها؟ قال: "أجل، إنها صلاةُ رغبةٍ ورهبةٍ، إنِّي سألتُ الله ثلاثاً، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدةً، سألتُه أنه لا يُهلك أمَّتي بِسَنَةٍ، فأعطانيها، وسألتُه أن لا يُسلِّط عليهم عدوَّاً من غيرهم، فأعطانيها، وسألتُه أن لا يُذيقَ بعضَهم بأسَ بعضٍ، فمنعنيها".
وفي رواية النسائي (١)؛ أنَّ خبايَّا رَقَبَ رسول الله ﷺ في ليلةٍ صلَّاها، فلمَّا فَرَغَ من صلاتِه جاءه خبَّابٌ فقال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمِّي، لقد صلَّيْتَ الليلة صلاةً ما رأيتُك صلَّيْتَ نحوها؟ قال رسول الله ﷺ : "أجل؛ إنها صلاةُ رَغَبٍ ورَهَبٍ، سألتُ ربِّي ثلاث خِصال، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدةً، سألتُ ربِّي: أن لا يُهلِكنا بما أَهْلَكَ به الأُممَ، فأعطانيها، وسألتُ ربِّي: أن لا يُظهِر علينا عدوَّاً من غيرنا، فأعطانيها، وسألتُ ربِّي أن لا يُلبِسَنا شِيَعاً، فَمَنَعَنِيها".
أقول: لقد بدأ الصراع بين المسلمين منذ الفتنة الكبرى التي وقعت زمن عثمان ﵁ وأدَّت إلى قتله، ومن يومها حتَّى يومنا هذا لم تهدأ الصراعات بين المسلمين، وفي عصرنا نجد
стр. 868
ذلك على أشُدِّه، فما ذكرته من نصوص هذه الفقرة من أعلام نُبُوَّته ﵊.
٩٢٤ - (١) راني عن نافع بن خالد الخَزَاعِي عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلَّى والناسُ حَوْله صلى صلاةً خفيفةً تامة الركوع والسُّجود، فجلسَ يوماً فأطال السجودَ حتى أَوْمأَ بعضنا إلى بعضٍ أن اسكتوا فإن رسول الله ﷺ يُوحَى إليه. فلمَّا فَرَغَ قال بعض القوم: يا رسول الله أطَلْتَ الجلوس حتى أومأ بعضنا إلى بعض أنَّه يُنَزَّل عليكَ. قال: "لا، ولكنها صلاةُ رغبةٍ ورهبةٍ سألتُ الله فيها ثلاثاً فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة؛ سألته أن لا يُعذِّبَكُم بعذابٍ عَذَّب به من كان قبلكم، وسألته أن لا يُسلِّط على عامتكم عدوَّاً يَستَبيحها، فأعطانيهما، وسألته أن لا يَلْبِسَكُم شيعاً ويُذيق بعضكم بأسَ بعضٍ فمنعنيها". قلتُ له: أبوك سَمِعها من رسول الله ﷺ . قال: نعم، سمعته يقول إنه سمعها من رسول الله ﷺ عدد أصابعي هذه العشرِ الأصابع.
٩٢٥ - * روى مسلم عن عامر بن سعد أبي وقَّاص ﵀ عن أبيه، أنَّه أقْبَل مع النبيّ ﷺ ذات يومٍ من العَاليةِ، حتى إذا مرَّ بمسجدِ بني معاويةَ دَخَلَ فركعَ فيه ركعتين، وصَلَّيْنا معه، ودعا ربَّه طويلاً، ثمّ انصرف إلينا فقال: "سألتُ ربِّي ثلاثاً، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدةً، سألتً ربي أن لا يُهلِكَ أُمَّتي بالسِّنَّة فأعطانيها، وسألته أن لا يُهلِك أمتي بالغَرق فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأْسَهم بينهم، فَمَنَعَنِيها".
أقول: الغرق الجزئي لأجزاء في الأرض الإسلاميَّة لا يدخل في الحديث، وكذلك المجاعة الجزئيَّة فالمنفى هو استئصال الأمَّة الإسلاميَّة كلها بغرق أو مجاعة أو غير ذلك، وكذلك التسليط على الأمَّة الإسلاميَّة من غيرها لا يكون شاملاً، أمَّا التسليط الجزئي فغير منفي في النصوص، ولو أنَّك تأمَّلت أشدَّ مراحل الضعف التي مرَّت بها الأمَّة الإسلاميَّة
стр. 869
فإنك لا تجد مرحلة تسلط بها الكافرون على كل شبر من الأرض الإسلاميَّة، ففي موجة التتار بقيت أقطار إسلاميَّة كمصر وما وراءها والجزيرة العربيَّة بعيدة عن سيطرتهم، وفي الحروب الصليبية لم تستعمر إلا أقطار محدودة، وفي مرحلة الإستعمار الحديث بقيت أقطار إسلاميَّة لم يستعمرها الكافرون كاليمن والحجاز ونجد. ففي النصوص بشارة وهي من أعلام نبُوَّته ﵊.
٩٢٦ - * روى مسلم عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله زَوَى لي الأرض، فرأيتُ مشارقها ومغاربها، وإن أُمَّتي سيبلُغُ مُلْكُها ما زوى لي منها، وأُعطِيتُ الكنْزين الأحمر والأبْيض، وإنِّي سألتُ ربِّي لأمَّتي؛ أن لا يُهلِكها بِسَنَةٍ عامَّةٍ، وأن لا يسلِّط عليهم عدوَّاً من سوى أنفسهم، فيستبيحَ بَيْضَتَهم، وإن ربي قال: يا محمد، إذا قضيتُ قضاءٌ فإنه لا يرَدُّ، وإني أعطيتك لأُمتك: أن لا أُهْلِكاهم بِسَنَةٍ عامَّةٍ، ولا أُسلِّط عليهم عدُوّاً [من] سوى أنفسهم يستبيحُ بيضتَهم، ولو اجتمع عليهم مَنْ بأقطارها- أو قال: مَن بين أقطارِها- حتَّى يكون بعضهم يُهلِكُ بعضاً، ويَسبي بعضهم بعضاً".
وفي رواية (١): أنَّ النبي ﷺ قال: "إن الله زَوَى لي الأرض حتى رأيتُ مشارقها ومغاربها، وأعطاني الكَنْزَين: الأحمر والأبيض" ثمَّ ذكر نحوه.
стр. 870
وزاد أبو داود (١): "وإنما أخاف على أمَّتي الأئمَّة المُضلِّين، وإذا وُضِع السَّيف في أمَّتي لم يُرفَع عنها إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى تَلْتَحِق قبائِلٌ من أمَّتي بالمشركين، وحتَّى تَعْبُدَ قبائل من أمَّتي الأوثان، وإنَّه سيكون في أُمَّتي كذَّابون ثلاثون، كُلُّهم يزعُم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين، ولا نبي بعدي ولا تزالُ طائفةٌ من أمَّتي على الحق ظاهرين لا يَضرُّهم من خالفهم حتَّى يأتي أمرُ الله".
وقد روى مسلم (٢) بعض هذه الزيادة عن ثوبان، وهي قوله: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين ... " إلى آخرها.
وروى الترمذي (٣) الزيادة كلها مفردة.
أقول: إنّ أعظم منابع الثروة في العالم موجود في العالم الإسلامي, وفي الحديث إشارة إلى ذلك، وذلك من أعلام نبوَّتِه ﵊، وفي الحديث بِشارة باستمرار وجود من يحمل الإسلام كلما وقع وذلك من أعلام نبوَّته ﵊، وفي الحديث بِشارة بالتوسُّع المطَّرِد للإسلام وهة حاصل، ونحن الآن نشهد بداية مدٍّ إسلامي جديد نرجو أن يكون مآله سيطرة الإسلام على العالم تحقيقاً لقوله تعالى:
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾، وتحقيقاً لبشارته ﵊ بذلك.
٩٢٧ - * روى أحمد عن شداد بن أَوسٍ أنّ النبي ﷺ قال: "إنَّ الله زَوَى لي الأرض فرأيت مَشارِقَها ومَغَارِبَها وإني أعطِيتُ الكنزين: الأبيضَ والأحمرَ،
стр. 871
وإني سألت ربي : أن لا يهلك أمتي بسنة بعامة، وأن لا يسلط عليهم عدوًا فيهلكهم بعامة، وأن لا يلبسهم شيعاً وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض. فقال: يا محمد إني إذا قضيت قضاء لا يرد، وإني قد أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلط عليهم عدوا بعامة فيهلكوهم بعامة، حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا وبعضهم يقتل بعضًا وبعضهم يسبي بعضًا". قال: وقال رسول الله ﷺ : "إني لا أخاف على أمتي إلا الأئمة المضلين. وإذا وضع السيف في أمتي لا يرفع عنهم إلى يوم القيامة".
٩٢٨ - * روى الطبراني عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "سألت ربي لأمتي أربع خلال فمنعني واحدة وأعطاني ثلاثا: سألته أن لا يكفر أمتي صفقةَ وحدةً فأعطانيها، وسألته أن لا يسلط عليهم هدواً من غيرهم فأعطاينها، وسألته أن لا يعذبهم بما يعذب به الأمم قبلهم فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها".
٩٢٩ - * روى الطبراني عن أبي بردة قال: خرجت من عند عبيد الله بن زياد فرأيته يعاقب عقوبة شديدة، فجلست إلى رجل من أصحاب النبي ﷺ فقال: قال رسول الله ﷺ : "عقوبة هذه الأمة بالسيف".
٩٣٠ - * روى أبو داود عن عوف بن مالك ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "لن يجمع لله على هذه الأمة سيفين: سيفاً منها، وسيفاً من عدوها".
أقول: في الحديث إشارة وبشارة، فعندما يكون المسلمون قائمين بالجهاد يقاتلون عدواً أو يقاتلهم عدو فيتحدون وتتوجه قلوبهم لجهاد غيرهم، فإذا ركد سوق الجهاد لأعداء الله
стр. 872
قاتلوا بعضهم.
ومن فقه أبي بكر ﵁ أنه بعد أن أنهى الردة حرك المسلمين باتجاه فارس والروم، وكذلك فعل عمر، فلما خفت المشاركة بالجهاد المشاركة بالجهاد زمن عثمان على كثرة الفتوح وقعت الفتنة.
* * *
стр. 873
الفقرة التاسعة
في:
التجديد والمجددين
٩٣١ - * روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها".
قال ابن الأثير: (من يجدد لها دينها) قد تكلم العلماء في تأويل هذا الحديث، كل واحد في زمانه، وأشاروا إلى القائم الذي يجدد للناس دينهم على رأس كل مائة سنة، وكأن كل قائل قد مال إلى مذهبه، وحمل تأويل الحديث عليه، والأولى أن يحمل الحديث على العموم، فإن قوله ﷺ : "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها" ولا يلزم منه أن يكون المبعوث على رأس المائة رجلاً واحداً، وإنما قد يكون واحداً، وقد يكون أكثر منه؛ فإن لفظة "من" تقع على الواحد والجمع، وكذلك لا يلزم منه أن يكون أراد بالمبعوث: الفقهاء خاصة، كما ذهب إليه بعض العلماء، فإن انتفاع الأمة بالفقهاء، وإن كان نفعاً عاما في أمور الدين، فإن انتفاعهم بغيرهم أيضاً كثير مثل أولي الأمر، وأصحاب الحديث والقراء والوعاظ، وأصحاب الطبقات من الزهاد، فإن كل قوم ينفعون بفن لا ينفع به الآخر، إذ الأصل في حفظ الدين حفظ قانون السياسة، وبث العدل والتناصف الذي به تحقن الدماء ويتمكن من إقامة قوانين الشرع، وهذا وظيفة أولي الأمر، وكذلك أصحاب الحديث ينفعون بضبط الأحاديث التي هي أدلة الشرع، والقراء ينفعون بحفظ القراءات وضبط الروايات، والزهاد ينفعون بالمواعظ والحث على لزوم التقوى والزهد في الدنيا، فكل واحد ينفع بغير ما به الآخر، لكن الذي ينبغي أن يكون المبعوث على رأس المائة: رجلاً مشهوراً معروفاً، مشاراً إليه في كل فن من هذه الفنون، فإذا حمل تأويل الحديث على هذا الوجه كان أولى، وأبعد من التهمة، وأشبه بالحكمة، فإن اختلاف الأئمة رحمة، وتقرير أقوال المجتهدين متعين، فإذا ذهبنا إلى تخصيص
стр. 874
القول على أحد المذاهب، وأولنا الحديث عليه، بقيت المذاهب الأخرى خارجة عن احتمال الحديث لها، وكان ذلك طعنا فيها.
فالأحسن والأجدر أن يكون ذلك إشارة إلى حدوث جماعة من الأكابر المشهورين على رأس كل مائة سنة، يجددون للناس دينهم، ويحفظون مذاهبهم التي قلدوا فيها مجتهد يهم وأئمتهم. اهـ. (جامع الأصول).
أقول: رأس القرن أوله، والظاهر المتبادر من الحدي أن القائم بالتجديد في كل قرن واحد، وهو الذي يغلب على كلام العلماء، ولكن كلام ابن الأثير وجيه، والموضوع يحتاج إلى تحقيق من خلال الواقع، وهذا بحث يستأهل أن يتفرغ له، فتحديد الذين أثروا في تاريخ الإسلام مجددين للهدى وعلى الهدى يضع بيد الأمة ثروة هائلة من القدوة والسوابق، وإذا كان التحديد لا يحتمل المقام هاهنا لكثرة الاختلاف في أهل التجديد، فإننا نكتفي بالقول؛ إن تجديد الإسلام قائم وحاصل يدل على ذلك: وصول هذا الدين إلينا نقياً صافياً، وانتشاره في الأرض طولاً وعرضاً على كثرة الكوارث والأعداء، ونحب أن نلفت نظر الراغبين في التجديد في هذا القرن إلى بعض الملاحظات:
إن على القائمين بالدعوة إلى الله أن يلحظوا ما يحتاجه كل قرن من تجديد، فتجديد كل قرن على حسبه، ولكل قرن جديده الذي يحتاج إلى عمل مكافئ ومناسب، فهناك تجديد علوم الإسلام وهناك التجديد في أساليب العمل لإحياء أسهم الإسلام ومقاماته ومفاهيمه وقيمة، وهناك التجديد الذي تحتاجه المستجدات، فإقامة الجهاد في عصرنا تحتاج من الوسائل والأساليب ما فرضته مستجدات العصر، وإقامة فروض العين وفروض الكفاية تحتاج من الجهد والأساليب والإحاطة والتعبئة ما تقضيه مستجدات كل عصر، وكثيرون من الناس يسيرون على معالم تجديد المجددين في قرون سابقة دون أن يلحظوا المتغيرات والمستجدات والزمان والمكان والبيئة والمعطيات والمتغيرات ونفسيات الناس.
وبعد هذه الملاحظات لابد من الإشارة إلى أن في الحديث معجزة ظاهرة، فلم يزل على رأس كل قرن يظهر من نوابغ الإسلام ومن الحركات الإسلامية والتحركات الجادة لنصرة الإسلام بتأييد الحق والرد على أهل الباطل وإضعافهم ما هو ظاهر واضح، ولكثرة ظهور
стр. 875
هذا الأمر في كثيرين، تجد العلماء يختلفون من هو المجدد الأول أو الأقوى أو الأوحد في كل قرن وما كان الاختلاف إلا بسبب الوجود، ومذهب ابن الأثير يقلل من الخلاف حتى يجعله في حده الأدنى.
* * *
стр. 876
الفقرة العاشرة
في:
نار الحجاز
٩٣٢ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز، تضيء أعناق الإبل ببصري".
قال الحافظ ابن حجر: "قوله (حتى تخرج نار من أرض الحجاز) قال القرطبي في "التذكرة": قد خرجت نار بالحجاز بالمدينة، وكان بدؤها زلزلة عظيمة في ليلة الأربعاء بعد العتمة الثالث من جمادي الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة واستمرت إلى ضحى النهار يوم الجمعة فسكنت، وظهرت النار بقريظة بطرف الحرة ترى في صورة البلد العظيم عليها سور محيط عليه شراريف وأبراج ومآذن، وترى رجالاً يقودونها، لا تمر على جبل إلا دكته وأذابته، ويخرج من مجموع ذلك مثل النهر أحمر وأزرق له دوي كدوي الرعد يأخذ الصخور بين يديه وينتهي إلى محط الركب العراقي، واجتمع من ذلك ردم صار كالجبل العظيم، فانتهت النار إلى قرب المدينة، ومع ذلك فكان يأتي المدينة نسيم بارد، وشوهد لهذه النار غليان كغليان البحر، وقال لي بعض أصحابنا: رأيتها صاعدة في الهواء من نحو خمسة أيام، وسمعت أنها رؤيت من مكة ومن جابل بصري. وقال النووي: تواتر العلم بخروج هذه النار عند جميع أهل الشام. وقال أبو شامة في "ذيل الروضتين": وردت في أوائل شعبان سنة أربع وخمسين كتب من المدينة الشريفة فيها شرح أمر عظيم حدث بها في تصديق لما في الصحيحين، فذكر هذا الحديث، قال: فأخبرني بعض من أثق به ممن شاهدها أنه بلغه أنه كتب بتيماء على ضوئها الكتب، فمن الكتب .. فذكر نحو ما تقدم، ومن ذلك أن في بعض الكتب: ظهر في أول جمعة من جمادى الآخرة في شرقي المدينة نار
стр. 877
عظيمة بينها وبين المدينة نصف يوم انفجرت من الأرض وسال منها واد من نار حتى حاذى جبل أحد. وفي كتاب آخر: انبجست الأرض من الحرة بنار عظيمة يكون قدرها مثل مسجد المدينة وهي براي العين من المدينة، وسال منها واد يكون مقداره أربع فراسخ وعرضه أربع أميال يجري على وجه الأرض ويخرج منه مهاد وجبال صغار. وفي كتاب آخر: ظهر ضوؤها إلى أن رأوها من مكة، قال ولا أقدر أصف عظمها، ولها دوي. قال أبو شامة: ونظم الناس في هذا أشعاراً، ودام أمرها أشهرا، ثم خمدت. والذي ظهر لي أن النار المذكورة في حديث الباب هي التي ظهرت بنواحي المدينة كما فهمه القرطبي وغيره، وأما النار التي تحضر الناس فنار أخرى. وقد وقع في بعض بلاد الحجاز في الجاهلية نحو هذه النار التي ظهرت بنواحي المدينة في زمن خالد بن سنان العبسي، فقام في أمرها حتى أخمدها ومات بعد ذلك في قصة له ذكرها أبو عبيدة معمر بن المثنى في "كتاب الجماجم" وأوردها الحاكم في "المستدرك" من طريق يعلى بن مهدي عن أبي عوانة عن أبي يونس عن عكرمة عن ابن عباس: أن رجلاً من بني عبس يقال له خالد بن سنان قال لقومه إني اطفي عنكم نار الحدثان فذكر القصة وفيها فانطلق وهي تخرج من شق جبل من حرة يقال لها حرة أشجع فذكر القصة في دخوله الشق والنار كأنها جبل سقر فضربها بعصاه حتى أدخلها وخرج. وقد أوردت لهذه القصة طرفاً من ترجمته في كتابي في الصحابة. قوله (تضيء أعناق الإبل ببصري) قال ابن التين: يعني من آخرها يبلغ ضوؤها إلى الإبل التي تكون ببصري وهي من أرض الشام.
وبصري بضم الموحدة وسكون المهملة مقصور بلد بالشام وهي حوران. وقال أبو البقاء: أعناق بالنصب على أن تضيء متعمد، والفاعل النار أي تجعل على أعناق الإبل ضوءاً، قال: ولو روي بالرفع لكان متجهاً أي تضيء أعناق الإبل به كما جاء في حديث آخر "أضاءت له قصور الشام" وقد وردت في هذا الحديث زيادة من وجه آخر أخرجه ابن عدي في الكامل من طريق عمر بن سعيد التنوخي عن ابن شهاب عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن جزم عن أبيه عن عمر بن الخطاب يرفعه: "لا تقوم الساعة حتى يسيل واد من أودية الحجاز بالنار تضيء له أعناق الإبل ببصري" وعمر ذكره ابن حبان في الثقات ولينه
стр. 878
ابن عدي والدارقطني، وهذا ينطبق على النار المذكورة التي ظهرت في المائة السابعة. وأخرج أيضاً الطبراني في آخر حديث حذيفة بن أسيد الذي مضى التنبيه عليه: وسمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من رومان أو ركوبة تضيء منها أعناق الإبل ببصري" قلت: وركوبة ثنية صعبة المرتقي في طريق المدينة إلى الشام مر بها النبي ﷺ في غزوة تبوك ذكره البكري، ورومان لم يذكره البكري ولعل المراد رومة البئر المعروفة بالمدينة، فجمع في هذا الحديث بين النارين وأن إحداهما تقع قبل قيام الساعة مع جملة الأمور التي أخبر بها الصادق ﷺ ؛ والأخرى هي التي يعقبها قيام الساعة بغير تخلل شيء آخر، وتقدم الثانية على الأولى في الذكر لا يضر والله أعلم" اهـ. (فتح الباري: ١٣/ ٧٩).
أقول: المراد بالنار الثانية التي أخبر عنها رسول الله ﷺ هي النار التي تخرج من حضرموت، وسيأتي الكلام عنها في فقرة لاحقة.
* * *
стр. 879
الفقرة الحادية عشر
في:
استقلالية أقطار الأمة الإسلامية عن بعضها
وانفراط عقد الوحدة الإسلامية
٩٣٣ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشام مديها ودينارها، ومنعت مصر إردبها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم". شهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه.
وفي رواية أبي داود (٢) قال: "منعت العراق قفيزها ودرهمها، ومنعت الشام مديها ودينارها، ومنعت مصر إردبها ودينارها، ثم عدتم من حيث بدأتم" ثم قالها زهير ثلاث مرات، شهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه.
قال ابن الأثير: " (منعت) وأما قوله: "منعت" فله معنيان، أحدهما: أن النبي ﷺ أخبر أنه سيسلمون وسيسقط ما وظف عليهم بإسلامهم، فصاروا بإسلامهم مانعين ما كان عليهم من الوظائف، واستدل على هذا بقوله: "وعدتم من حيث بدأتم" لأن بدءهم في علم الله وفي قضائه وقدره: أنهم سيسلمون، فعادوا من حيث بدؤوا، والوجه الثاني: أنهم يرجعون عن الطاعة، ويعضده الحديث الذي أورده البخاري في "صحيحه" عن أبي هريرة قال: كيف أنتم إذا لم تجبوا ديناراً ولا درهماً؟ فقيل: كيف ترى ذلك كائناً؟ قال: إي والذي نفسي بيده عن قول الصادق المصدوق قيل: عم ذاك؟ قال: تهتك حرمة الله، وذمة رسوله فيشد الله على قلوب أهل الذمة فيمنعون ما في أيديهم". اهـ
أقول: في الحديث إشارة إلى ماجد في زماننا حيث عادت الدعوة الإسلامية إلى بداياتها بعد الردة الهائلة وبعد أن لم تعد للمسلمين خلافة مركزية يخضعون لها وتقودهم وتسوسهم.
٩٣٤ - * روى مسلم عن جابر ﵁ قال: يوشك أهل العراق أن لا يجبى إليهم قفيز ولا درهم، قال أبو نضرة: قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قبل العجم يمنعون ذاك، ثم قال: يوشك أهل الشام أن لا يجبى إليهم دينار ولا مدي، قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قبل الروم، ثم سكت هنية، ثم قال: قال رسول الله ﷺ : "يكون في آخر أمتي خليفة يحثي المال حثياً، لا يعده عداً" قال: قلت لأبي نضرة، وأبي العلاء: أتريان أنه عمر بن عبد العزيز؟ قالا: لا.
стр. 880
أقول: لقد كان العراق حاضرة الأمة الإسلامية وعاصمتها أكثر من مرة واستعصت عليه جهات كثيرة من المعجم، ولقد كان الشام حاضرة للأمة الإسلامية وعاصمتها واستعصى عليه الروم الجيران الشماليون له وقتذاك أكثر من مرة ومنعوه الجزية، وفي الحديث إشارة إلى الخلافة الراشدة في آخر الزمان والتي تكون بعد الملك الجبري كما نصت على ذلك نصوص منها:
٩٣٥ - * روى أحمد عن حذيفة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً عاضاً فيكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكاً جبرياً فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء