الفقرة العاشرة
في:
نار الحجاز
٩٣٢ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز، تضيء أعناق الإبل ببصري".
قال الحافظ ابن حجر: "قوله (حتى تخرج نار من أرض الحجاز) قال القرطبي في "التذكرة": قد خرجت نار بالحجاز بالمدينة، وكان بدؤها زلزلة عظيمة في ليلة الأربعاء بعد العتمة الثالث من جمادي الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة واستمرت إلى ضحى النهار يوم الجمعة فسكنت، وظهرت النار بقريظة بطرف الحرة ترى في صورة البلد العظيم عليها سور محيط عليه شراريف وأبراج ومآذن، وترى رجالاً يقودونها، لا تمر على جبل إلا دكته وأذابته، ويخرج من مجموع ذلك مثل النهر أحمر وأزرق له دوي كدوي الرعد يأخذ الصخور بين يديه وينتهي إلى محط الركب العراقي، واجتمع من ذلك ردم صار كالجبل العظيم، فانتهت النار إلى قرب المدينة، ومع ذلك فكان يأتي المدينة نسيم بارد، وشوهد لهذه النار غليان كغليان البحر، وقال لي بعض أصحابنا: رأيتها صاعدة في الهواء من نحو خمسة أيام، وسمعت أنها رؤيت من مكة ومن جابل بصري. وقال النووي: تواتر العلم بخروج هذه النار عند جميع أهل الشام. وقال أبو شامة في "ذيل الروضتين": وردت في أوائل شعبان سنة أربع وخمسين كتب من المدينة الشريفة فيها شرح أمر عظيم حدث بها في تصديق لما في الصحيحين، فذكر هذا الحديث، قال: فأخبرني بعض من أثق به ممن شاهدها أنه بلغه أنه كتب بتيماء على ضوئها الكتب، فمن الكتب .. فذكر نحو ما تقدم، ومن ذلك أن في بعض الكتب: ظهر في أول جمعة من جمادى الآخرة في شرقي المدينة نار
стр. 877
عظيمة بينها وبين المدينة نصف يوم انفجرت من الأرض وسال منها واد من نار حتى حاذى جبل أحد. وفي كتاب آخر: انبجست الأرض من الحرة بنار عظيمة يكون قدرها مثل مسجد المدينة وهي براي العين من المدينة، وسال منها واد يكون مقداره أربع فراسخ وعرضه أربع أميال يجري على وجه الأرض ويخرج منه مهاد وجبال صغار. وفي كتاب آخر: ظهر ضوؤها إلى أن رأوها من مكة، قال ولا أقدر أصف عظمها، ولها دوي. قال أبو شامة: ونظم الناس في هذا أشعاراً، ودام أمرها أشهرا، ثم خمدت. والذي ظهر لي أن النار المذكورة في حديث الباب هي التي ظهرت بنواحي المدينة كما فهمه القرطبي وغيره، وأما النار التي تحضر الناس فنار أخرى. وقد وقع في بعض بلاد الحجاز في الجاهلية نحو هذه النار التي ظهرت بنواحي المدينة في زمن خالد بن سنان العبسي، فقام في أمرها حتى أخمدها ومات بعد ذلك في قصة له ذكرها أبو عبيدة معمر بن المثنى في "كتاب الجماجم" وأوردها الحاكم في "المستدرك" من طريق يعلى بن مهدي عن أبي عوانة عن أبي يونس عن عكرمة عن ابن عباس: أن رجلاً من بني عبس يقال له خالد بن سنان قال لقومه إني اطفي عنكم نار الحدثان فذكر القصة وفيها فانطلق وهي تخرج من شق جبل من حرة يقال لها حرة أشجع فذكر القصة في دخوله الشق والنار كأنها جبل سقر فضربها بعصاه حتى أدخلها وخرج. وقد أوردت لهذه القصة طرفاً من ترجمته في كتابي في الصحابة. قوله (تضيء أعناق الإبل ببصري) قال ابن التين: يعني من آخرها يبلغ ضوؤها إلى الإبل التي تكون ببصري وهي من أرض الشام.
وبصري بضم الموحدة وسكون المهملة مقصور بلد بالشام وهي حوران. وقال أبو البقاء: أعناق بالنصب على أن تضيء متعمد، والفاعل النار أي تجعل على أعناق الإبل ضوءاً، قال: ولو روي بالرفع لكان متجهاً أي تضيء أعناق الإبل به كما جاء في حديث آخر "أضاءت له قصور الشام" وقد وردت في هذا الحديث زيادة من وجه آخر أخرجه ابن عدي في الكامل من طريق عمر بن سعيد التنوخي عن ابن شهاب عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن جزم عن أبيه عن عمر بن الخطاب يرفعه: "لا تقوم الساعة حتى يسيل واد من أودية الحجاز بالنار تضيء له أعناق الإبل ببصري" وعمر ذكره ابن حبان في الثقات ولينه
стр. 878
ابن عدي والدارقطني، وهذا ينطبق على النار المذكورة التي ظهرت في المائة السابعة. وأخرج أيضاً الطبراني في آخر حديث حذيفة بن أسيد الذي مضى التنبيه عليه: وسمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من رومان أو ركوبة تضيء منها أعناق الإبل ببصري" قلت: وركوبة ثنية صعبة المرتقي في طريق المدينة إلى الشام مر بها النبي ﷺ في غزوة تبوك ذكره البكري، ورومان لم يذكره البكري ولعل المراد رومة البئر المعروفة بالمدينة، فجمع في هذا الحديث بين النارين وأن إحداهما تقع قبل قيام الساعة مع جملة الأمور التي أخبر بها الصادق ﷺ ؛ والأخرى هي التي يعقبها قيام الساعة بغير تخلل شيء آخر، وتقدم الثانية على الأولى في الذكر لا يضر والله أعلم" اهـ. (فتح الباري: ١٣/ ٧٩).
أقول: المراد بالنار الثانية التي أخبر عنها رسول الله ﷺ هي النار التي تخرج من حضرموت، وسيأتي الكلام عنها في فقرة لاحقة.
* * *
стр. 879
الفقرة الحادية عشر
في:
استقلالية أقطار الأمة الإسلامية عن بعضها
وانفراط عقد الوحدة الإسلامية
٩٣٣ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشام مديها ودينارها، ومنعت مصر إردبها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم". شهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه.
وفي رواية أبي داود (٢) قال: "منعت العراق قفيزها ودرهمها، ومنعت الشام مديها ودينارها، ومنعت مصر إردبها ودينارها، ثم عدتم من حيث بدأتم" ثم قالها زهير ثلاث مرات، شهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه.
قال ابن الأثير: " (منعت) وأما قوله: "منعت" فله معنيان، أحدهما: أن النبي ﷺ أخبر أنه سيسلمون وسيسقط ما وظف عليهم بإسلامهم، فصاروا بإسلامهم مانعين ما كان عليهم من الوظائف، واستدل على هذا بقوله: "وعدتم من حيث بدأتم" لأن بدءهم في علم الله وفي قضائه وقدره: أنهم سيسلمون، فعادوا من حيث بدؤوا، والوجه الثاني: أنهم يرجعون عن الطاعة، ويعضده الحديث الذي أورده البخاري في "صحيحه" عن أبي هريرة قال: كيف أنتم إذا لم تجبوا ديناراً ولا درهماً؟ فقيل: كيف ترى ذلك كائناً؟ قال: إي والذي نفسي بيده عن قول الصادق المصدوق قيل: عم ذاك؟ قال: تهتك حرمة الله، وذمة رسوله فيشد الله على قلوب أهل الذمة فيمنعون ما في أيديهم". اهـ
أقول: في الحديث إشارة إلى ماجد في زماننا حيث عادت الدعوة الإسلامية إلى بداياتها بعد الردة الهائلة وبعد أن لم تعد للمسلمين خلافة مركزية يخضعون لها وتقودهم وتسوسهم.
٩٣٤ - * روى مسلم عن جابر ﵁ قال: يوشك أهل العراق أن لا يجبى إليهم قفيز ولا درهم، قال أبو نضرة: قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قبل العجم يمنعون ذاك، ثم قال: يوشك أهل الشام أن لا يجبى إليهم دينار ولا مدي، قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قبل الروم، ثم سكت هنية، ثم قال: قال رسول الله ﷺ : "يكون في آخر أمتي خليفة يحثي المال حثياً، لا يعده عداً" قال: قلت لأبي نضرة، وأبي العلاء: أتريان أنه عمر بن عبد العزيز؟ قالا: لا.
стр. 880
أقول: لقد كان العراق حاضرة الأمة الإسلامية وعاصمتها أكثر من مرة واستعصت عليه جهات كثيرة من المعجم، ولقد كان الشام حاضرة للأمة الإسلامية وعاصمتها واستعصى عليه الروم الجيران الشماليون له وقتذاك أكثر من مرة ومنعوه الجزية، وفي الحديث إشارة إلى الخلافة الراشدة في آخر الزمان والتي تكون بعد الملك الجبري كما نصت على ذلك نصوص منها:
٩٣٥ - * روى أحمد عن حذيفة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً عاضاً فيكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكاً جبرياً فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء
стр. 881
أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة" ثم سكت.
أقول: إن أحاديث هذه الفقرة قد وقعت وذلك من أعلام نبوته ﵊، وعصرنا يشهد استقلالية الأقطار الإسلامية عن بعضها وذلك خلاف الأصل، فلابد أن تكون للمسلمين وحدتهم وخليفتهم، وعل علماء المسلمين أن يعلموا لذلك بالقدر المتاح والممكن، وأن يقترحوا الصيغ الأكثر تطويراً لتحسين العلاقات وتمتين أواصر الأخوة والوحدة وذلك من واجبات العصر.
* * *
стр. 882
الفقرة الثانية عشرة
في:
غربة الإسلام
٩٣٦ - * روى مسلم عن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الإسلام بدأ غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، وهو يأرز بين المسجدين كما تأرز الحية في جحرها".
٩٣٧ - * روى الطبراني عن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله ﷺ : "بدأ الإسلام غيراً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبي للغرباء". قالوا يا رسول الله ومن الغرباء؟ قال: "الذين يصلحون عند فساد الناس".
٩٣٨ - * روى أحمد عن سعد بن أبي وقاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الإيمان بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبي يومئذ للغرباء إذ فسد الناس والذي نفس أبي القاسم بيده ليأرزن الإيمان إلى بين هذين المسجدين كما تأرز الحية إلى حجرها".
٩٣٩ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ (رفعه): "إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبي للغرباء".
стр. 883
أقول: هذه الأحاديث من أعلام نبوته ﵊، ولقد شهدنا غربة الإسلام في عصرنا وما سبقه، وكانت مظاهر غربة الإسلام كثيرة، فقد طغت على أرض الإسلام الأفكار العلمانية والإلحاد وكثرت الأحزاب الكافرة والفلسفات والأفكار الفاسدة وظهرت أنواع من المؤسسات تنشر الكفر والتشكيك، ومرت فترات كنت لا تجد في الجامعات والمدارس من يصلي وإذا صلى صلى مستخفياً حتى لا يهزأ به أو يشكك في عقله، ونحن نشهد الآن في بداية القرن الخامس عشر الهجري شيئاً من التحسن في بعض الأقطار واستشراء للردة في أقطار أخرى، والمرجو من فضل الله وكرمه أن تنتهي موجة غربة الإسلام. (١)
* * *
стр. 884
الفقرة الثالثة عشرة
في:
مدعي النبوة والدجالين
٩٤٠ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى يبعث كذابون دجالون، قريباً من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله".
وفي رواية أبي داود (١): "حتى يخرج ثلاثون دجالون كلهم يزعم أنه رسول الله". وفي أخرى (٢) "حتى يخرج ثلاثون كذاباً دجالاً، كلهم يكذب على الله وعلى رسوله".
ويف رواية عبيدة السلماني بهذا الخبر (٣) .. ، فقلت له: أترى هذا معهم؟ يعني: المختار- فقال عبيدة: أما إنه من الرؤوس.
قال محقق الجامع: ليس المراد بالبعث الإرسال المقارن للنبوة، بل هو كقوله تعالى: ﴿أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (٤) وليس المراد أيضاً من ادعى النبوة مطلقاً، فإنهم لا يحصون كثرة، لكون غالبهم ينشأ لهم ذلك عن جنون أو سوداء، وإنما المراد من قامت له شوكة وبدت لهم شبهة. اهـ.
٩٤١ - * روى مسلم عن جابر بن سمرة ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن بين يدي الساعة كذابين". وفي رواية: "فاحذروهم" (٥).
стр. 885
٩٤٢ - * روى أحمد عن حذيفة أن نبي الله ﷺ قال: "في أمتي كذابون ودجالون سبعة وعشرون منهم أربع نسوة وإني خاتم النبيين لا نبي بعدي".
٩٤٣ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "سيكون في آخر أمتي أناس يحدثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم".
وفي رواية: (١) "يكون في آخر الزمان دجالون كذابون، يأتوكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنت ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم، لا يضلونكم ولا يفتنونكم".
٩٤٤ - * روى أحمد عن أبي بكرة قال: أكثر الناس في شأن مسيلمة قبل أن يقول رسول الله ﷺ فيه شيئاً فقام رسول الله ﷺ خطيباً فقال: "أما بعد ففي شأن هذا الرجل الذي قد أكثرتم فيه وإنه كذاب من ثلاثين كذاباً يخرجون بين يدي الساعة وإنه ليس من بلد إلا يبلغها رعب المسيح".
أقول: إن هذه الأحاديث من أعلام نبوته ﵊ فقد ابتدأت سلسلة مدعي النبوة بمسيلمة وسجاح والأسود العنسي وآخر من ظهرت له فتنة منتشرة منهم غلام أحمد القادياني الذي ادعى النبوة وأعلن نسخ الشريعة المحمدية.
٩٤٥ - * روى أبو يعلى عن أبي الجلاس قال: سمعت عليا يقول لعبد الله السبئي: ويلك والله ما أفضى إلى بشيء كتمه أحداً من الناس ولكن سمعته يقول: "إن بين يدي
стр. 886
الساعة ثلاثين كذاباً". وإنك لأحدهم.
أقول: عبد الله السبئي هو المشهور بابن السوداء، وهو يهودي أظهر الإسلام وقاد الفتنة الكبرى فكرياً وتخطيطاً ودعوياً ضد عثمان، ولم يزل يلقي بالأفكار المكفرة تحت شعار محبة علي ﵁، وتعتبر أفكار غلاة الشيعة والباطنيين منهم خاصة امتداداً لأفكاره، والرواية التي مرت معنا تحدثنا عن موقف علي ﵁ منه، وتشير الرواية إلى أن فهم علي ﵁ لقضية الكذابين والدجالين أنه لا يشترط حتى يطلق على واحد منهم هذا اللقب أن يدعي النبوة، وما أكثر الدجالين والكذابين في عصورنا المتأخرة الذين يدعون أنهم مسلمون ويدعون إلى الكفر البواح.
* * *
стр. 887
الفقرة الرابعة عشرة
في:
أعلام وأشراط متفرقة تكون بين يدي الساعة وقد وقعت
٩٤٦ - * روى البخاري ومسلم عن زينب بنت جحش أن رسول الله ﷺ قال: "لا إله إلا الله، ويل للعرب، من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه" وخلق بإصبعه الإبهام والتي تليها، فقلت: يا رسول الله: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم إذا كثر الخبث".
أقول: قد وقع هذا بموجتي التتار والمغول وما أحدثاه من آثار مدمرة في الأرض الإسلامية عامة والأرض العربية خاصة، وكارثة بغداد معروفة.
٩٤٧ - * روى الترمذي عن عمران بن حصين ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "في هذه الأمة خسف ومسخ وقذف". فقال له رجل من المسلمين: يا رسول الله، ومتى ذلك؟ قال: "إذا ظهرت القيان والمعارف وشربت الخمور".
٩٤٨ - * روى الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "يكون في آخر هذه الأمة خسف ومسخ وقذف" قالت: قلت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم، إذا ظهر الخبث".
أقول: قد وقع بعض هذا في الأمة، وأشهر أحداث الخسف في عصرنا خسف أغادير في المغرب إذ خسف بها كاملة خلال أربع ثوان، وما حدث في منطقة الأصنام في الجزائر وما حدث في منطقة ذمار في اليمن وأشهر أحداث القذف في عصرنا ما حدث في بعض القرى
стр. 888
التركية إذ جاءها عذاب من فوقها ومن تحتها.
أما المسخ الباطني فما أكثره فلقد شهدنا قلوب الشياطين في جثمان إنس، وقلوب الذئاب في لبوس الضأن، وكلها معان تحدثت عنها النصوص.
٩٤٩ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال -عند قرب وفاته: ألا أحدثكم حديثاً عن رسول الله ﷺ ، لا يحدثكم به أحد عنه بعدي؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تقوم الساعة" -أو قال: "إن من أشراط الساعة -: أن يرفع العلم، ويظهر الجهل، ويشرب الخمر، ويفشو الزنا، ويذهب الرجال، ويبقى النساء حتى يكون لخمسين امرأة قيم واحد".
وفي رواية (١): "يظهر الزنا، ويقل الرجال، ويكثر النساء".
أقول: قوله ﵊ (أن يرفع العلم): يفسره الحديث الذي يذكر أن رفع العلم يكون بموت العلماء فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا، وقد ظهر مثل هذا في عصرنا والمراد بالعلم: العلم الشرعي، ولكن المرجو أن نكون على أبواب نهضة علمية يتلافى فيها مثل هذا، وقد يتكرر ظهور مثل هذا الشأن.
وقوله ﵊ (حتى يكون لخمسين امرأة قيم واحد): ذكرنا أن مثل هذا وقع في بعض الأقطار أثناء الحرب العالمية الأولى ويحتمل أن ذلك كائن فيما بعد.
وقد قلت بمناسبة هذا الحديث بمناسبة ما يلي: لقد أصبح الخمر في أكثر بلدان الإسلام مرخصاً به من أكثر الحكومات وأصبحت قوانين أكثر البلدان الإسلامية تعتبر الزنا جريمة من النوع الثالث أو الرابع، وأصبح الزنا بالتراضي كثيراً شائعاً، بل وجد المتخصصون في المتاجرة بالزنا.
стр. 889
وفي الحرب العالمية الأولى لم يبق إلا القليل من الرجال في كثير من بلدان العالم الإسلامي حيث سحب الرجال إلى الحرب وشهدت تلك الفترة نفسها ندرة العلم حتى إنك لا تجد في الحي الواحد من يحسن الكتابة، ولا زالت الأمية بالإسلام وانتشار الزنا وشرب الخمر وفشو الربا مما نعاني منه حتى كتابة هذه السطور.
٩٥٠ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود وأبي موسى الأشعري ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : "إن بين يدي الساعة أياماً ينزل فيها الجهل، ويرفع فيها العلم، ويكثر فيها الهرج، والهرج: القتل".
وللبخاري (١)، أن أبا موسى قال لعبد الله: أتعلم الأيام التي ذكر فيها النبي ﷺ أيام الهرج؟ ... فذكر نحوه.
وقال عبد الله: سمعت رسول الله صلى الله علي وسلم يقول ... .
ورواه الترمذي (٢) عن أبي موسى وحده قال: قال رسول الله ﷺ : "إن من ورائكم أياماً يرفع فها العلم، ويكثر فيها الهرج" قالوا: يا رسول الله، وما الهرج؟ قال: "القتل".
أقول: قوله ﵊ (ويكثر فيها الهرج، والهرج: القتل): قد مر منه كثيراً، وفي كل عام تسمع عن مذابح المسلمين، لقد ذهب في عصرنا في الجزائر حوالي مليون شهيد، وفي أفغانستان لا نعرف إلى أي حد سيبلغ عدد القتلى، ومذبحة حماة وغيرها من المدن السورية ومذابح لبنان عامة وطرابلس خاصة، ومذابح الصراع في المغرب، ومن قبل صراعات المسلمين الكثيرة فيما بينهم، ومذابح التتار والصليبيين والمستعمرين.
٩٥١ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 890
"إن من أشراط الساعة أن يقارب الزمان، وينقص العلم، وتظهر الفتن، ويلقى الشح، ويكثر الهرج" قالوا: يا رسول الله، وما الهرج؟ قال: "القتل القتل".
وفي رواية (١) "أن يرفع العلم، ويثبت الجهل"- أو قال: "ويظهر الجهل".
وفي رواية أبي داود (٢) قال: قال رسول الله ﷺ : "يتقارب الزمان، وينقص العلم، وتظهر الفتن، ويلقى الشح، ويكثر الهرج" قيل: يا رسول الله أيم هو؟ قال: "القتل، القتل".
أقول: قوله ﵇ (يتقارب الزمان): قد يكون فيه إشارة إلى المواصلات الحديثة ووسائل الاتصال حتى ليقضى في الزمان القليل ما كان يحتاج إلى أزمنة متطاولة.
٩٥٢ - * روى الطبراني عن أبي أمية الجمحي رفعه: "إن من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر".
أقول: إن جيلنا شهد حالة عجيبة وهي أنه قد غلب اليأس على كثير من العلماء فلم يعودوا يتصدرون للدعوة والإرشاد والتعليم، ونشط للدعوة الشباب فأصبحوا هم الذين يتصدرون لمثل هذه الشؤون، والتف الكثيرون حولهم حتى إذا ما جلس كبار العلماء لم يجدوا من يسمع منهم، وللمسألة استثناءاتها.
٩٥٣ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال له رسول الله ﷺ : "يوشك إن طالت بك مدة أن ترى قوماً في أيديهم مثل أذناب البقر يغدون في غضب الله، ويروحون في سخط الله".
стр. 891
وفي رواية: (١) "إن طالت بك مدة أوشكت أن ترى قوماً يغدون في سخط الله ويروحون في لعنته، في أيديهم مثل أذناب البقر".
أقول: إن من عرف ما يجري في دوائر المخابرات في كثير من بلدان العالم الإسلامي عرف مضمون هذا الحديث.
٩٥٤ - * روى أحمد عن طارق بن شهاب قال: كنا عند عبد الله بن مسعود جلوسا فجاء رجل فقال: قد أقيمت الصلاة، فقام وقمنا معه فلما دخلنا المسجد رأينا الناس ركوعاً في مقدم المسجد فكبر وركع وركعنا ومشينا وصنعنا مثل الذي صنع، فمر رجل يسرع فقال: عليك السلام أبا عبد الرحمن فقال: صدق الله ورسوله وبلغت رسله. فلما صلينا ورجعنا ودخل إلى أهله جلسنا فقال بعضنا: أما سمعتم رده على الرجل: صدق الله ورسوله وبلغت رسله أيكم يسأله؟ فقال طارق: أنا أسأله فسأله حين خرج، فذكر عن النبي ﷺ : "إن بين يدي الساعة تسليم الخاصة وفشو التجارة حين تعين المرأة زوجها وقطع الأرحام وشهادة الزور وكتمان شهادة الحق وظهور العلم".
وفي رواية (٢) قال رسول الله ﷺ : "إن من أشراط الساعة أن يسلم الرجل لا يسلم إلا للمعرفة". والبزار (٣) ببعضه وزاد "وأن يجتاز الرجل بالمسجد فلا يصلي فيه" والطبراني (٤) إلا أنه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تقوم الساعة حتى يكون السلام على المعرفة" وإن هذا عرفني من بينكم فسلم علي "وحتى تتخذ المساجد طرقاً فلا يسجد لله فيها وحتى يبعث الغلام الشيخ بريداً بين الأفقين وحتى يبلغ التاجر بين الأفقين فلا يجد ربحاً" وفي رواية (٥) عنده: "وأن تغلو النساء والخيل ثم ترخص فلا تغلوا إلى يوم القيامة وأن يتجر الرجل والمرأة جميعاً".
стр. 892
أقول: في الحديث معجزات كثيرة منها: (حتى يبعث الغلام الشيخ بريداً بين الأفقين) وكأن في ذلك إشارة إلى الطيران واستخدام الأصغر سناً من هو أكبر منه.
ومنها:
(وفشو التجارة حين تعين المرأة زوجها).
(وأن يتجر الرجل والمرأة جميعاً).
ومن رأى في عصرنا كثرة المحلات التي تشارك في أعمالها المرأة رأى مصداق ذلك.
٩٥٥ - * روى أحمد عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: رسول الله ﷺ : "عصابتان من أمتي أحرزهما الله من النار عصابة تغزو الهند وعصابة تكون مع عيسى ابن مريم".
أقول: وقد غزا المسلمون الند وحكموها حوال ثمانمائة سنة وها هي دولة باكستان ودولة البنغال قائمتان والمسلمون في الهند كثيرون والحمد لله.
٩٥٦ - * روى البزار عن عمرو بن عوف قال: قال رسول الله صل الله عليه وسلم: "إن بين يدي الساعة سنين خداعة يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق ويؤمن فيها الخائن ويخون فيها الأمين وينطق فيها الرويبضة" قيل: يا رسول الله وما الرويبضة؟ قال: "الامرؤ التافه يتكلم في أمر العامة" قال ابن إسحاق وحدثني عبد الله بن دينار عن أنس عن النبي ﷺ قال بنحوه.
أقول: وهذا عصرنا يشهد ما ذكره رسول الله ﷺ تفصيلاً.
стр. 893
٩٥٧ - * روى الطبراني عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "إذا مشت أمتي المطيطاء وخدمتهم فارس والروم تسلك بعضهم على بعض".
٩٥٨ - * روى أحمد عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن بين يدي الساعة فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي فكسروا قسيكم وقطعوا أوتاركم واضربوا بسيوفكم الحجارة فإن دخل على أحدكم فليكن كخير ابني آدم".
أقول: إن دقة الوصف في هذا الحديث لمعجزة، فقد مرت عصور في الماضي كان الرجل يمسى مؤمناً ويصبح كافراً بسبب كثرة دعاة الباطل كالزنادقة والقرامطة والباطنية، ولقد شهد عصرنا كذلك مثل هذه المرحلة إذ تجد المسلم يصبح على إسلام ويمسى على مذهب حزب كافر وفكرة كافرة، وقد مر معنا من قبل موقف المسلم من الفتن، فالأحاديث التي تطالب المسلم بالاستسلام لقاتله أو بالعزلة الكاملة محمولة على أوضاع لها خصوصياتها كأن يكون القاتل مسلماً، والفتنة تدفعه إلى القتل.
أما إذا غزيت دار الإسلام فقد وجب على المسلم القتال، وعلى كل الأحوال فالمسلم تحكمه الفتوى البصيرة من أهلها في كل ظروفه وأحواله، فلا يصح لمسلم أن يعتمد على بعض النصوص العامة، فيعطل واجباً تفرضه الفتوى من أهلها.
٩٥٩ - * روى الطبراني عن عبد الله بن يزيد الحطمي قال: قال رسول الله ﷺ : "عذاب أمتي في دنياها".
стр. 894
٩٦٠ - * روى الطبراني عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من اقتراب الساعة أن ترفع الأشرار ويوضع الأخيار ويقبح القول ويخزن العمل وتتلى في القوم المثناة". قلت: وما المثناة؟ قال: "ما كتب سوى كتاب الله".
قال ابن الأثير في النهاية:
(المثناة): قيل: هي أن أحبار بني إسرائيل وضعوا كتاباً فيما بينهم على ما أرادوا من غير كتاب الله. ا. هـ.
أقول: والمعروف أن عند اليهود أكثر من كتاب ضم كلام علمائهم وأشهر هذه الكتب هو التلمود.
وقد ذكر العقاد في كتابه: "إبراهيم ﵇" أن أهم الراجع الإسرائيلية بعد التوراة هي كتب المشنا القديمة. ومن المشنا التلمود في نشأته الأولى.
وأصل مادة الكلمة من شنا: أي كرر. وهي تقابل في العربية مادة ثني أي: أعاد ثانية (١).
أقول: وفي الحديث أكثر من معجزة يشهدها عصرنا من علو الأشرار على الأخيار، ومن عرف ما يدعو إليه التقدميون عرف بعض مضمونات هذه المعجزة، ومن عرف تساتير الأحزاب الكافرة والمواثيق السياسية المحاربة للإسلام وكثرة الكتب المضللة التي تنشر في أرض الإسلام رأى مصداق ما ورد في الرواية:
وما المثناة؟ قال: ما كتب سوى كتاب الله.
стр. 895
٩٦١ - * روى أحمد عن حذيفة قال: ذكر الدجال عند رسول الله ﷺ فقال: "لأنا لفتنة بعضكم أخوف عندي من فتنة الدجال ولن ينجو أحد مما قبلها إلا نجا منها، وما صنعت فتنة منذ كانت الدنيا صغيرة ولا كبيرة إلا لفتنة الدجال".
٩٦٢ - * روى البزار عن سمرة أن رسول الله ﷺ كان يقول لنا: "إنكم توشكون أن تكونوا في الناس كالملح في الطعام ولا يصلح الطعام إلا بالملح".
٩٦٣ - * روى الترمذي عن حذيفة بن اليمان ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع بن لكع".
٩٦٤ - * روى الطبراني عن معاوية قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يزداد الأمر إلا شدة ولا يزداد الناس إلا شجاً ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس".
٩٦٥ - * روى البخاري عن واقد بن محمد ﵀ عن أبيه عن ابن عمر -أو ابن عمرو -قال: شبك النبي ﷺ أصابعه، وقال: "كيف أنت يا عبد الله بن عمرو، إذا بقين في حثالة قد مرجت عهودهم وأماناتهم، واختلفوا فصاروا هكذا"، قال: فكيف أصنع يا رسول الله؟ قال: "تأخذ ما تعرف، وتدع ما تنكر، وتقبل على خاصتك، وتدعهم وعوامهم".
стр. 896
وفي (١) حديث عاصم بن محمد بن زيد قال: سمعت هذا من أبي، فلم أحفظه، فقومه لي واقد عن أبيه، قال: سمعت أبي وهو يقول: قال عبد الله: قال رسول الله ﷺ : "يا عبد الله بن عمرو، كيف أنت إذا بقيت" .. وذكر الحديث.
وفي رواية أوردها رزين (٢)، أن رسول الله ﷺ قال: "كيف بكم وبزمان تغربل الناس فيه غربلة، ثم تبقى حثالة من الناس قد مرجت عهودهم وأماناتهم، واختلفوا هكذا" -وشبك بين أصابعه -قالوا: كيف بنا يا رسول الله؟ قال: "تأخذون ما تعرفون، وتذرون ما تنكرون، وتقبلون على أمر خاصتكم، وتذرون أمر عامتكم".
وفي أخرى (٣)، بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ ، إذ ذكر الفتنة، فقال: "إذا رأيتم الناس مرجت عهودهم، وخفت أماناتهم، وكانوا هكذا" -وشبك بين أصابعه -قال ابن عمرو: فقمت إليه، فقلت: كيف أفعل عند ذلك، جعلني الله فداك؟
قال: "ألزم بيتك، واملك عليك لسانك، وخذ ما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بأمر خاصة نفسك ودع عنك أمر العامة".
٩٦٦ - * روى الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "كيف أنت يا عبد الله بن عمرو وإذا كنت في حثالة من الناس" قال: فذاك ما هو يا رسول الله؟
стр. 897
قال: ذاك إذا مرجت أماناتهم وعهودهم فصاروا هكذا" وشبك بين أصابعه، قال: كيف أصنع يا رسول الله؟ قال: "تعمل بما تعرف وتدع ما تنكر وتعمل بخاصة نفسك وتدع عوام الناس".
أقول:
في عصرنا كل حزب يأخذ عهداً ومن يتصدر لإمرة الجماعات الإسلامية والمشيخة يأخذون عهوداً، وكل حكم جديد يأخذ عهداً وتختلط العهود ويصبح العهد وكأنه لا قيمة له، ففي الأحاديث معجزة وقعت وتقع، وفيها تعريف للمسلم كيف يتصرف في مثل هذه الأحوال وعلى علماء المسلمين أن يكثروا دائرة الخواص، وأن يكون فيما بينهم تواص وتواصل وتشاور فيما ينبغي.
٩٦٧ - * روى البزار عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله، وحتى يمطر الناس مطراً ولا تنبت الأرض وحتى يكون للخمسين امرأة القيم الواحد وحتى تمر المرأة بالنعل فتقول لقد كان لها مرة رجل".
أقول:
القسم الأول من الحديث يكون بعد وفاة المسيح ﵊ ووفاة المؤمنين جميعاً، ولقد مرت على بعض المسلمين في الحرب العالمية الأولى الصورة التي ذكرتها تتمة الحديث إذ حشر الرجال للحرب ولم يبق إلا النساء. وقوله ﵇: (وحتى تمر المرأة بالنعل): معناه أن المرأة ترى نعال الرجال ولا تجد أصحابها فتذكر أن هذه النعال كان يلبسها ناس ذهبوا.
٩٦٨ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 898
"ليست السنة بأن لا تمطروا، ولكن السنة أن تمطروا وتمطروا، ولا تنبت الأرض شيئاً".
أقول: من المظاهر التي شهدناها أن ينزل مطر غزير ثم يكون جفاف كثير ثم ينزل مطر غزير ثم يكون جفاف كثير، فلا كثير، فلا تستفيد الأرضون من هذا المطر.
٩٦٩ - * روى أحمد عن حذيفة قال: سئل رسول الله ﷺ عن الساعة، قال: "علمها عند ربي ولا يجعلها لوقتها إلا وهو ولكن أخبرك بمشاريطها وما يكون بين يديها إن بين يديها فتنة وهرجاً" قالوا يا رسول الله الفتنة قد عرفناها فما الهرج؟ قال: "بلسان الحبشة القتل" قال: ويلقى بين الناس التناكر فلا يكاد أحد يعرف أحداً".
أقول: من مظاهر التناكر في عصرنا أنك تجد أصحاب البناية الواحدة لا يعرف بعضهم بعضاً ولا يزور بعضهم بعضاً.
٩٧٠ - * روى مسلم عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة قال: دخلت المسجد، فإذا عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ جالس في ظل الكعبة، والناس مجتمعون إليه، فأتيتهم، فجلست إليه، فقال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فنزلنا منزلاً، فمنا من يصلح خباءه، ومنا من ينتضل، ومنا من هو في جشره، إذ نادى منادي رسول الله ﷺ : الصلاة جامعة، فاجتمعنا إلى رسول الله ﷺ ، فقال: "إنه لم يكن نبي قبلي، إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم، وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها، وتجيء فتنة فيزلق بعضها بعضاً، وتجيء الفتنة، فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف، وتجيء الفتنة، فيقول المؤمن: هذه هذه، فمن أحب أن يزحزح
стр. 899
عن النار، ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم والآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه، ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه، فليطعه ما استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر" قال: فدنوت منه، فقلت: أنشدك الله، أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ فأهوى إلى أذنيه وقلبه بيديه، وقال: سمعته أذناي، ووعاه قلبي، فقلت له: هذا ابن عمك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل وتقتل أنفسنا، والله تعالى يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] فسكت عني ساعة، ثم قال: أطعه في طاعة الله، واعصه في معصية الله.
(ينتضل) الانتضال: الرمي بالسهام.
(جشره) الجشر: المال بمن المواشي التي ترعى أمام البيوت والديار، وقال: "حشر يرعى في مكانه لا يراجع إلى أهله" يقال: جشرنا دوابنا: أخرجناها إلى المرعى نجشرها جشراً، ولا نروح إلى أهلنا.
(فيزلق) أزلقت بعضها بعضاً: دفع بعضها بعضاً، كأن الثانية تزحم الأولى، لسرعة ورودها عليها، ويزلق بعضها بعضاً: يعجلها، والإزلاق: الإعجال. اهـ.
٩٧١ - * روى أبو داود عن أبي البختري ﵀ قال: أخبرني من سمع النبي ﷺ -وفي رواية: حدثني رجل من أصحاب رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: "لن يهلك الناس، أو يعذروا من أنفسهم".
٩٧٢ - * روى ابن ماجه عن أبي الدرداء ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نذكر الفقر ونتخوفه. فقال "الفقر تخافون؟ والذي نفسي بيده لتصبن
стр. 900
عليكم الدنيا صباً حتى لا يزيغ قلب أحدكم إزاعة إلا هيه، وأيم الله لقد تركتكم على مثل البيضاء، ليلها ونهارها سواء".
قال أبو الدرداء: صدق، والله، رسول الله ﷺ تركنا، والله، على مثل البيضاء، ليلها ونهارها سواء.
٩٧٣ - * روى البزار عن بريدة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما نقض قوم العهد إلا كان القتل بينهم، ولا ظهرت فاحشة في قوم إلا سلط الله عليهم الموت، ولا منع قوم قط الزكاة إلا حبس الله عنهم القطر".
٩٧٤ - * روى أحمد عن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : "يوشك أن يملأ الله أيديكم من العجم ثم يكونون أسداً لا يفرون، فيقتلون مقاتلتكم ويأكلون فيئكم".
أقول:
لقد حدث هذا بعد موجات كثيرة من الفتح، يظهر ذلك في مثل معركة بواتيه التي قتل فيها عبد الرحمن الغافقي ﵀، وفي استعصاء أوروبا على الغزو العثماني، ثم مقاومة هذا الغزو حتى انحسر، ثم انتقال الكافرين من دور الدفاع إلى الهجوم فأخذوا إسبانيا، واستولوا على أقسام من الأرض في موجات، نشهد في هذا العصر منها الكثير.
٩٧٥ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمشي كافراً، ويسمي
стр. 901
مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا".
٩٧٦ - * روى الترمذي عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يكون بين يدي الساعة فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً، ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً، ويصبح كافراً، يبيع أقوام دينهم بعرض من الدنيا".
أقول:
إن ظهور ما ورد في هاتين الروايتين في عصرنا بين فإنك تجد الإنسان مؤمناً في الصباح ويمسي على شيوعية أو وجودية أو قومية جاهلية أو حزبية كافرة أو ولاء كافر أو انتساب لأنواع من الكفر وأهله، ونجده مؤمناً في المساء ويصبح على شيء مما ذكرناه في الصباح من أجل مصلحة أو منفعة لا تساويان شيئاً.
٩٧٧ - * روى البزار عن نهيك بن صريم السكوني قال: قال رسول الله ﷺ : "لتقاتلن المشركين حتى يقاتل بقيتكم الدجال على نهر الأردن أنت شرقيه وهم غربيه ولا أدري أين الأردن يومئذ".
أقوال: الظاهر أن الدجال الوارد في هذا الحديث ليس هو الدجال الأكبر، لأن الدجال الأكبر يقتله المسيح في باب لد بفلسطين نفسها وتكون القدس عاصمة الخلافة فلا يتصور وقتذاك أن يكون المسلمون شرقي النهر والدجال غربيه، فالحديث فيه إشارة إلى الوضع الحالي للمسلمين حيث سيطر اليهود وهم جند الدجاجلة على فلسطين فأصبحوا غرب النهر والمسلمون شرقية، وقد حدثت معركة الكرامة بين المسلمين واليهود عندما تجاوز اليهود النهر واندحروا.
стр. 902
٩٧٨ - * روى أحمد عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها" فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: "بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن" قيل: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: "حب الدنيا، وكراهية الموت".
٩٧٩ - * روى أحمد عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لثوبان: "كيف بك يا ثوبان إذا تداعت عليكم الأمم كتداعيكم على قصعة الطعام تصيبون منه". قال ثوبان: بأبي أنت وأمي يا رسول الله أمن قلة بنا؟ قال: "لا أنتم يومئذ كثير ولكن يلقى في قلوبكم الوهن" قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: "حبكم الدنيا وكراهيتكم القتال".
أقول: في هذا الحديث معجزة كبرى من معجزاته ﵊، ومن عرف مرحلة وقوع العالم الإسلامي في براثن الاستعمار حتى أصحبت لكثير من الدول الكافرة مستعمراتها، ولا زالت بعض البلدان الإسلامية مستعمرة، ومن عرف موقف الدول الكافرة مما أمسى بمسألة الرجل المريض ويريدون بذلك الدولة العثمانية أدرك مصداق ذلك، وقد ذكر الحديث العلاج، فالعلاج للخلاص من الغثائية: العلم والذكر والخصائص والتخصص، ومن أهم الخصائص الزهد في الدنيا وحب الشهادة في سبيل الله.
٩٨٠ - * روى أحمد عن أبي مويهبة مولى رسول الله ﷺ قال: بعثني رسول الله ﷺ فقال: "يا أبا مويهبة إني قد أمرت أن أستغفر لأهل البقيع فانطلق معي"،
стр. 903
فانطلقت معه فلما وقف بين أظهرهم قال: "السلام عليكم يا أهل المقابر ليهنكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه لو تعلمون ما نجاكم الله منه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها الآخرة شر من الأولى". ثم أقبل علي فقال: "يا أبا مويهبة: إني قد أوتيت خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة وخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة" قال: قلت بأبي أنت وأمي فخذ مفاتيح الدنيا والخلد فيها ثم الجنة قال: "لا والله يا أبا مويهبة: لقد اخترت لقاء ربي ثم الجنة" ثم استغفر لأهل البقيع ثم انصرف، فبدأ رسول الله ﷺ في وجعه النذي قبضه الله حين أصبح وفي رواية (١) عنه أيضاً قال: أمر رسول الله ﷺ أن يصلي على أهل البقيع فصلى عليهم رسول الله ﷺ ثلاث مرات فلما كانت الثالثة قال: "يا أبا مويهبة أسرج لي دابتي" قال فركب ومشيت حتى انتهى إليهم فنزل عن دابته وأمسكت الدابة.
٩٨١ - * روى مسلم عن حذيفة بن اليمان ﵄، قال: أخبرني رسول الله ﷺ بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، فما منه شيء إلا وقد سألته إلا أني لم أسأله: ما يخرج أهل المدينة من المدينة؟
أقول: لقد جلا أهل المدينة المنورة عنها في الحرب العالمية الأولى.
٩٨٢ - * روى الطبراني عن ميمونة قالت قال نبي الله ﷺ لنا ذات يوم: "ما أنتم إذا مرج الدين وسفك الدماء وظهرت الزينة وشرف البنيان واختلف الإخوان وحرق البيت العتيق" وفي رواية: "واختلف الأحبار" بدل الإخوان.
стр. 904
أقول:
إن بعضاً مما ورد في الحديث نراه في عصرنا عياناً. وقد رمي البيت العتيق يوم حاصر الحجاج ابن الزبير.
٩٨٣ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: كنا قعوداً عند رسول الله ﷺ ، فذكر الفتن، فأكثر في ذكرها، حتى ذكر فتنة الأحلاس، فقال قائل: يا رسول الله، وما فتنة الأحلاس؟ قال: "هي هرب وحرب، ثم فتنة السراء، دخنها من تحت قدمي رجل من أهل بيتي، يزعم أنه مني، وليس مني، وإنما أوليائي المتقون، ثم يصطلح الناس على جل كورك على ضلع، ثم فتنة الدهيماء، لا تدع أحداً من هذه الأمة إلا لطمته لطمةً، فإذا قيل انقضت تماذت، يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً، حتى يصير الناس إلى فسطاطين، فسطاط إيمان لا نفاق فيه وفسطاط نفاق لا إيمان فيه، فإذا كان ذاكم فانتظروا الدجال من يومه، أو من غده".
أقول: (الدهيماء): تصغير الدهماء، وقد أصبحت تطلق كلمة الدهماء على العامة، وبين كلمة العامة والدهماء صلة واضحة، فلم تزل كلمة سواد الناس تطلق على العامة.
الظاهر أن فتنة الدهماء هو ما نحن فيه، فإنها هي الفتنة التي لم يسلم أحد من ضربة من
стр. 905
ضرباتها بشكل من الأشكال، إما فكرياً وإما روحياً وإما اقتصادياً وإما سياسياً، وإما أخلاقياً وإما اضطهاداً إلى آخر ما يحسه كل فرد من أفراد هذه الأمة في هذا العصر أنه قد ضرب ضربة من هذه الفتنة. ولكن بعض الناس تكون ضربتهم مميتة وبعضهم تكون ضربتهم طويلة، وبعضهم يصحو بسرعة. وإني لأعرف خياراً من الناس قد فتنوا بشيء ما، ثم فاؤوا.
ولم أذكر شيئاً عن فتنة السراء مع غلبة الظن أنها وقعت، لأن تعيين القائم بها مختلف فيه. فقد كان شيخنا الحامد ﵀ يعينه، وكنت أرى رأياً آخر، وكلا الرأيين أحتفظ به لأسباب شتى.
٩٨٤ - * روى البخاري عن أسامة بن زيد ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء".
أقول:
لم تظهر فتنة النساء كما ظهرت في عصرنا، إذ ظهرت النساء الكاسيات العاريات المائلات المميلات اللواتي ذكرهن الحديث الصحيح الذي هو من أعلام نبوته ﵊.
٩٨٥ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "صنفان من أهل النار، لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر، يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا.
стр. 906
قال ابن الأثير: (كاسيات عاريات): المعنى: أنهن يكشفن بعض أجسامهن، ويسدلن الخمر من ورائهن، فيكشفن صدورهن، فهن كاسيات عاريات، إذ بعض ذلك منكشف، وقيل: هو أن يلبسن ثياباً رقاقاً تصف ما تحتها، فهن كاسيات في ظاهر الأمر، عاريات في الحقيقة.
(مائلات مميلات): مائلات، أي: زائغات عن طاعة الله وعما يلزمهن من حفظ الفروج، ومميلات: يعلمن غيرهن: الدخول في مثل فعلهن، وقيل: مائلات، أي: متبخترات في مشيهن، مميلات، أي: يملن أعطافهن وأكتافهن وقيل: مائلات إلى الشر، مميلات للرجال إلى الفتنة.
(رؤوسهن كأسنمة البخت): أراد تشبيه رؤوسهن بأسنمة البخت بما يكبرن رؤوسهن به من المقانع والخمر والعمائم، أو بصلة الشعور. ا. هـ.
أقول:
ما ذكرناه من شرح للحديث هو بعض ما شرحه به ابن الأثير ﵀، ولكن الشرح الحقيقي للحديث هو ما نراه في عصرنا هذا، سواء في ذلك وجود رجال مهمتهم تعذيب خلق الله بالباطل ووجود نساء يتصفن بما ذكره رسول الله ﷺ في الحديث حتى إن دقة الوصف في الحديث لما نشاهده عند كثير من نساء عصرنا لهو وحده معجزة من أكبر المعجزات فلقد تفنن كثير من النساء بأنواع من اللباس يظهر معه عري الجميل من الجسد، كما تفنن في أنواع تسريحات الشعر وتقليعات الرؤوس، حتى إن بعض التقليعات سميت في عصرنا بتسريحة السد العالي إشارة إلى نوع من تسريحات الشعور يرتفع بها شعر المرأة فوق رأسها كسنام الجمل، وكل ذلك تفعله الكثيرات وتخرج به أو تظهر به أمام أجهزة الإعلام.
أما المشاهد الأكثر ابتذالاً من ظهور المرأة "بالمايوه" الذي يكشف ما سوى السوأتين في كثير من الأحوال وعرض ذلك في وسائل الإعلام فحدث عنه ولا حرج، فالواقع: الأمر أكبر من أن يصور بالكلمة.
стр. 907
٩٨٦ - * روى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء".
٩٨٧ - * روى أحمد عن عبد الله بن بسر قال: لقد سمعت حديثاً منذ زمان إذا كنت في قوم عشرين رجلا أو أقل أو أكثر فتصفحت وجوههم فلم تر فيهم رجلاً يهاب في الله فاعلم أن الأمر قد رق.
٩٨٨ - * روى أحمد عن أبي أمامة الباهلي عن رسول الله ﷺ قال: "لتنتقضن عرى الإسلام عروة عروة فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها وأولهن نقضاً الحكم وآخرهن الصلاة".
٩٨٩ - * روى أحمد عن سلمة بن نفيل السكوني قال: كنا جلوساً عند رسول الله ﷺ إذ قال قائل: يا رسول الله هل أتيت بطعام من السماء؟ قال: "نعم، أنزل علي طعام في مسخنة". قال: فهل كان فيها فضل عنك؟ قال: "نعم". قال: فما فعل به قال: "رفع وهو يوحى إلى أني مكفوت غير لابث فيكم ولستم لابثين بعدي إلا
стр. 908
قليلاً حتى تقولوا متى وستأتوني أفناداً يفني بعضكم بعضاً وبين يدي الساعة موتان شديد وبعده سنوات الزلازل".
أقول:
قوله ﵊ (بين يدي الساعة موتان شديد وبعده سنوات الزلازل) يحتمل أن يكون فيه إشارة إلى الحربين العالميتين الأولى والثانية وما أعقبهما من كثرة الزلازل حتى إنك كثيراً ما تسمع عن وقوع زلزلة في مكان ما، وقد يكون فيه إشارة إلى حرب عالمية أخرى يكثر فيها الفناء والبلاء والاحتمال الأكبر إذا وقعت حرب عالمية ثالثة ألا يبقى في الأرض أحد إلا قليلاً.
٩٩٠ - * روى أحمد عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد".
٩٩١ - * روى أبو داود عن يزيد بن عميرة، وكان من أصحاب معاذ بن جبل ﵁ أنه قال: كان لا يجلس مجلساً للذكر، إلا قال حين يجلس: الله حكم قسط، هلك المرتابون، فقال معاذ بن جبل يوماً: إن وراءكم فتناً يكثر فيها المال، ويفتح فيها القرآن حتى يأخذه المؤمن والمنافق، والرجل والمرأة، والعبد والحر، والصغير والكبير، فيوشك قائل أن يقول: ما للناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن؟ وما هم بمتبعي حتى أبتدع لهم غيره، فإياكم وما ابتدع، فإنما ابتدع ضلالة، وأحذركم زيغة الحكيم، فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق، قال: قلت لمعاذ: وما تدري رحمك الله أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة، وأن المنافق يقول كلمة
стр. 909
الحق؟ قال: بلى: اجتنب من كلام الحكيم المشتهرات التي يقال: ما هذه؟ ولا يثنينك ذلك عنه، فإنه لعله يراجع، وتلق الحق إذا سمعته، فإن على الحق نورا.
وفي أخرى قال: بلى، ما تشابه عليك من قول الحكيم، حتى تقول: ما أراد بهذه الكلمة؟
٩٩٢ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁، قال: بينا رسول الله ﷺ في مجلس يحدث القوم، إذ جاءه أعرابي، فقال؛ متى الساعة؟ فمضى رسول الله ﷺ في حديثه، فقال بعض القوم: سمع ما قال، فكرة ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع، حتى إذا قضى حديثه، قال: "أين السائل عن الساعة؟ " قال: هاأنا ذا يا رسول الله، قال: "إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة" قال: وكيف إضاعتها؟ قال: "إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة".
٩٩٣ - * روى البخاري عن أبي مالك -أو أبي عامر -الأشعريين ﵄ قال عبد الرحمن بن غنم الأشعري: حدثني أبو عامر -أو أبو مالك الأشعري -والله ما كذبني، سمع النبي ﷺ يقول: "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم تروح عليهم سارحة لهم، فيأتيهم رجل لحاجة، فيقولن: ارجع إلينا غداً، فيبيتهم الله، ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة".
وفي رواية أبي داود (١): أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير" .. وذكر كلاماً، قال: "يمسخ منهم آخرين قردة
стр. 910
وخنازي إلى يوم القيامة".
أقول:
لقد ظهر استحلال الفروج والحرير والخمر والمعازف في هذه الأمة بأكثر من صورة، فالقائلون بسقوط التكليف يستحلون ذلك، وبعض طوائف الباطنية يستحلون ذلك، وكثير من العامة لا يبالون في ارتكاب هذه المحظورات، وبعضهم يتكلم كلام المستحل.
أما ما ورد من تهديد لأمثال هؤلاء فلا نعرف أنه وقع حتى الآن، وإن كان المسخ المعنوي حاصلاً.
٩٩٤ - * روى الطبراني عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : "يأتي على الناس زمان يتمنون فيه الدجال". قلت يا رسول الله بأبي وأمي مم ذاك قال: "مما يلقون من العناء والعناء".
أقول: لقد مرت على الأمة الإسلامية أحداث ولا زالت تمر تجعل المسلم يتمنى قيام الساعة، ولا تقوم الساعة قبل أن يظهر الدجال لذلك يتمنون ظهور الدجال وما يكون بين يديه من ظهور المهدي ﵇ وما يعقب ظهوره من نزول المسيح عيسى بن مريم ﵇، وهانحن اليوم نجد كثيراً من المسلمين يتطلعون إلى ظهور المهدي ﵇ كمخرج للإنقاذ، ولكن الظاهر من النصوص أن بيننا وبين ظهوره أمداً كما سنرى والله أعلم.
٩٩٥ - * روى ابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا وقعت الملاحم بعث الله بعثاً من الموالي هم أكرم العرب فرساً وأجوده سلاحاً يؤيد الله بهم الدين.
стр. 911
أقول:
الظاهر أن المراد بالملاحم هنا ما حدث من غزو الصليبيين والتتار، فلقد قام أيام هذه الملاحم وبعدها بنصرة الإسلام شعوب غير عربية كالأكراد والأتراك والبربر فيوسف بن تاشفين بربري وصلاح الدين كردي ونور الدين الشهيد تركي، ثم ظهرت دولة آل عثمان فقامت بدور كبير، وهؤلاء وأمثالهم قاموا بحق الله عليهم وبعضهم كان مقره دمشق وبعضهم كان مقره في غيرها، ولا ننسى أن قطزاً صاحب معكرة عين جالوت وبيبرس الذي كان له دور كبير في الجهاد من الموالى، ولا ننسى أن دمشق كانت حاضرة لنور الدين وصلاح الدين وبيبيرس.
٩٦٩ - * روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "تبلغ المساكن إهاب أو يهاب".
قال زهير: قلت لسهيل وكم ذلك من المدينة قال: كذا وكذا مثلاً.
٩٩٧ - * روى مسلم عن موسى بن علي عن أبيه، قال: قال المستورد القرشي عند عمرو ابن العاص سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تقوم الساعة والروم أكثر الناس" فقال له عمرو: أبصر ما تقول قال: أقول ما سمعت من رسول الله ﷺ : قال لئن قلت ذاك فإن فيهم لخصالاً أربعاً: إنهم لأحكم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة؛ وأوشكهم كرةً بعد فرة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف وخامسة حسنة جميلة: وأمنعهم من ظلم الملوك.
أقول: تطلق كلمة الروم ويراد بها النصارى، والمعروف أن روسيا القيصرية وأوروبا وأمريكا الشمالية والجنوبية كلها واستراليا كلها نصارى، ولا زالت خريطة العالم فيها أكثرية من الروم إذا اعتبرنا سكان أوروبا والقسم الآسيوي من الاتحاد السوفياتي وأمريكا الشمالية والجنوبية يشكلون بالنسبة للعالم حجماً لا بأس به.
стр. 912
الفقرة الخامسة عشرة
في:
أشراط صغرى لم تقع بعد
٩٩٨ - * روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده، لا تقوم الساعة حتى تكلم السباغ الإنس، وحتى تكلم الرجل عذبة سوطه وشراك نعله، وتخبره فخذه بما أحدث أهله بعده".
أقول: شهد عصرنا إمكانية تسجيل ما يجري من أحاديث بوسائل كهربائية دقيقة قد يبلغ حجمها حجم عذبة السوط أو أقل، وأصبح بالإمكان التنصت على ما يجري داخل الأبواب وفي الاجتماعات بوسائل دقيقة جداً ومع ذلك لا نستطيع حمل هذا الحديث على هذا الذي يجري لأن الظاهر أن ما أخبر عنه الحديث سيكون بشكل خارق للعادة والله أعلم.
٩٩٩ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى يقوم رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه".
أقول: يجمع النساب العرب على أن الأكراد أصولهن عربية قحطانية، وممن حكم من الأكراد ودان له الناس السلطان صلاح الدين الأيوبي العالم المجاهد العابد، فهل هو المراد بالحديث أو غيره؟ الله أعلم.
وقد ذهب بعضهم إلى أن الحديث لم يقع وإنما وقوعه قبيل قيام الساعة بعد وفاة المسيح ﵇.
стр. 913
١٠٠٠ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده، لا ترم الدنيا حتى يمر الرجل بالقبر فيتمرغ عليه، ويقول: يا ليتني مكان صاحب هذا القبر، وليس به الدين، ما به إلا البلاء".
وفي رواية (١): قال: "لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل، فيقول: يا ليتني مكانه".
١٠٠١ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تذهب الليالي والأيام حتى يملك رجل من الموالي، يقال له: الجهجاه" وفي نسخة: الجهجل.
١٠٠٢ - * روى مسلم عن أبي هريرة؛ أن النبي ﷺ قال: "سمعتم بمدينة جانب منها في البر وجانب منها في البحر؟ " قالوا: نعم. يا رسول الله! قال: لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفاً من بني إسحاق فإذا جاؤها نزلوا. فلم يقاتلوا بسلاح ولم يرموا بسهم قالوا: لا إله إلا الله والله أكبر. فيسقط أحد جانبيها".
قال ثور: لا أعلمه إلا قال: "الذي في البحر. ثم يقولوا الثانية: لا إله إلا الله والله أكبر فيسقط جانبها الآخر. ثم يقولوا الثالثة: لا إله إلا الله والله أكبر. فيفرج لهم. فيدخلوها فيغنموا. فبينما هم يقتسمون المغانم، إذ جاءهم الصريخ فقال: إن الدجال قد خرج. فيتركون كل شيء، ويرجعون".
أقول: في هذا الحديث كلام عن الفتح الثاني للقسطنطينية، وأن هذا الفتح سيكون
стр. 914
بخارق للعادة، وأن القائمين ليسوا عرباً في أصولهم بل أصولهم من بني إسحاق، والمعروف أن إسحاق له أكثر من ولد، فله غير يعقوب جد بني إسرائيل. وحول قوله من بني إسحاق قال القاضي:
كذا هو في جميع أصول مسلم: "من بني إسحاق". قال: قال بعضهم: المعروف المحفوظ: "من بني إسرائيل"، وهو الذي يدل عليه الحديث وسياقه لأنه إنما أراد العرب، وهذه المدينة هي القسطنطينية. ا. هـ.
١٠٠٣ - * روى الطبراني عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "إنكم ستفتحون مدينة هرقل أو قيصر وتقتسمون أموالها بالترسة ويسمعهم الصريخ أن الدجال قد خلفهم في أهاليهم فيلقون ما معهم ويخرجون فيقاتلون".
أقول:
لقد مر معنا إخبار رسول الله ﷺ بفتح القسطنطينية قبل روما، وقد حدث هذا الفتح، وههنا تشير النصوص إلى فتح آخر للقسطنطينية يكون قبل الدجال مباشرة، وهذا يفيد تغير ما سيطرأ على الوضع الدولي قبيل ظهور المسيح الدجال، تكون القسطنطينية فيه دار كفر، وكون القسطنطينية اليوم لا يحكمها الروم فذلك من جملة العلامات على أن بيننا وبين المهدي زمناً، لأن المهدي يجتمع والمسيح ابن مريم ﵇.
١٠٠٤ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق -أو بدابق -فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافوا، قالت الروم: خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم، فيقول المسلمون: لا والله، كيف نخلي بينكم وبين إخواننا، فيقاتلونهم؟ فيهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبداً، ويقتل ثلثهم
стр. 915
أفضل الشهداء عند الله، ويفتتح الثلث، لا يفتنون أبداً، فيفتتحون قسطنطينية، فبينما هو يقتسمون الغنائم، قد علقوا سيوفهم بالزيتون، إذا صاح فيهم الشيطان: إن المسيح الدجال قد خلفكم في أهاليكم، فيخرجون، وذلك باطل، فإذا جاءوا الشام خرج، فبينا هم يعدون للقتال، يسوون صفوفهم، إذ أقيمت الصلاة، فينزل عيسى ابن مريم، فأمهم، فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح في الماء فلو تركه لا نذاب حتى يهلك، ولكن يقتله الله بيده -يعني المسيح -فيريهم دمه في حربته".
قوله: (لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق) قال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة:
(الشك من الراوي. قال العلامة ياقوت الحموي في "معجم البلدان": "الأعماق جاء بلفظ الجمع، والمراد به العمق، وهي كورة -أي ناحية -قرب دابق بين حلب وأنطاكية". ثم قال: "دابق: قرية قرب حلب من أعمال عزاز، بينها وبين حلب أربعة فراسخ"). ا. هـ (التصريح بما تواتر في نزول المسيح).
(خلفكم) خلفت الرجل في أهله: إذا قمت فيهم مقامه، وخلفهم العدو: إذا طرقهم وهم غائبون عنهم.
قوله: (فإذا جاءوا الشام خرج): قال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة: (أي إذا جاءوا من قسطنطينية إلى بلاد الشام ودخلوا القدس -كما في رواية -خرج حينئذ المسيح الدجال. ا. هـ. (التصريح بما تواتر في نزول المسيح).
أقول:
قوله ﵇ (قد علقوا سيوفهم بالزيتون): يحتمل أن يكون المراد بالسيوف: الأسلحة، كما سيذكر نصاً في رواية ستأتي بعد قليل، ومن المعروف أن البندقية الحالية وهي أداة المقاتل الرئيسية لا تنفك عن الحربة التي هي سيف مصغر، ويحتمل أن يكون المراد بالسيوف: السيوف المعروفة، وهذا يقتضي أن طوارئ ستطرأ على الأوضاع الحالية