← Фикх общий

Фикх общий · id 18339

الأساس في السنة وفقهها - العبادات في الإسلام

سعيد حوى

Полный текст (3 246 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

يفعل منافياً عمداً كأن يحدث باختياره، ولا ما لحاجة له به كالذهاب لماء بعيد مع وجود القريب، وألا يتراخى قدر ركن بغير عذر كزحمة، وألا يتبين أنه كان محدثاً سابقاً قبل الدخول في الصلاة، وألا يتذكر فائتة إن كان صاحب ترتيب مطلوب منه (بأن خرج وقت الصلاة السادسة بعد الفائتة) لأنه تفسد الصلاة الوقتية التي يصليها بذلك السبب، والا يتم المؤتم في غير مكانه، فمن سبقه الحدث إماماً أو مأموماً وجب عليه أن يعود بعد الوضوء ليصلي مع الإمام إذا لم يكن قد فرغ إمامه من صلاته، فلو أتم في مكانه فسدت صلاته، أما المنفرد فله أن يتم في مكانه أو غيره، وألا يستخلف الإمام غير صالح للإمامة كصبي وامرأة وأمي، فإذا استخلف أحدهم فسدت صلاته وصلاة القوم. ثانيها- ألا يخرج الإمام من المسجد أو المصلى العام في الصحراء، أو الدار التي كان يصلي فيها قبل الاستخلاف، لأنه على إمامته ما لم يجاوز هذا الحد، فإن خرج بطلت الصلاة أي صلاة القوم والخليفة دون الإمام في الأصح، ما لم يتقدم أحد المصلين بنفسه ناوياً الإمامة ... ثالثها- ألا يجاوز الصفوف قبل الاستخلاف إن ذهب يمنة أو يسرة، وألا يجاوز السترة قدامه، أو موضع السجود إن لم تكن له سترة على المعتمد، إن كان يصلي في الصحراء. وإذا لم يحصل استخلاف، واتم القوم الصلاة فرادى، بطلت صلاة الجميع اهـ (انظر: (حاشية ابن عابدين ١/ ٤٠٣)، (الشرح الصغير ١/ ٤٦٥ - ٤٧٢)، (المهذب ١/ ٩٦)، (المغني ٢/ ١٠٢)، (الفقه الإسلامي ٢/ ٢٥٢ فما بعدها). - لابد عند الحنفية لصحة صلاة المرأة وراء الإمام أن ينوي الإمام إمامتها، أما إذا لم يكن من ورائه نساء فإن نوى الإمامة كان مأجوراً وإن لم ينو الإمامة صح الاقتداء به، أما المأموم فلابد أن ينوي الاقتداء. - إذا كان ارتفاع الإمام عن المأمومين يسيراً فلا كراهة فيه عند المالكية والحنابلة، أما إذا كان الارتفاع كثيراً فالمذاهب الأربعة على كراهة الارتفاع وقال الشافعية: إذا كان ذلك لضرورة أو بقصد التعليم فلا كراهة.

стр. 1017

اتفقت المذاهب الأربعة على إجازة الفتح على الإمام إذا أرتج عليه. - قال المالكية: إذا قال الإمام (ولا الضالين) فإن المأمومين يؤمنون ولا يؤمن الإمام وجمهور العلماء على أن الإمام يؤمن كما يؤمن المأموم. - في القراءة وراء الإمام ثلاثة مذاهب: مذهب الحنفية أنه لا يقرأ المأموم معه شيئاً. ومذهب الشافعية يقرأ المأموم فيما أسر الإمام الفاتحة وغيرها وفيما جهر يقرأ الفاتحة فقط. ومذهب المالكية والحنابلة أن المأموم يقرأ مع الإمام فيما أسر به ولا يقرأ فيما جهر به، وزاد الحنابلة: إن للمأموم أن يقرأ وراء الإمام في الجهرية إذا لم يكن يسمع صوت الإمام. - قال الحنفية: يتحمل الإمام سهو المأموم إلا إذا سها عن فريضة، فقد اتفق الفقهاء جميعاً على أن الإمام لا يحمل عن المأموم ما كان من فرائض الصلاة إلا أن هناك خلافاً بين الفقهاء حول ما هو فريضة في الصلاة. - قال الحنفية: إن دخل الإمام بالصلاة وهو محدث فإن صلاته باطلة وصلاة من وراءه باطلة، وإذا تذكر بعد انتهاء الصلاة يجب عليه أن يعلم المأمومين ليعيدوا صلاتهم، وإذا تذكر أثناء الصلاة أعلن عن بطلان الصلاة وقدم المأمومون غيره وبدأوا الصلاة من جديد، وإذا تذكر بعد ما انفض الناس فعليه أن يعلم من صلى وراءه قدر الإمكان ليعيدوا صلاتهم، أما إذا طرأ مفسد على صلاة الإمام وجاز له أن يتوضأ ويبني على صلاته فله أن يستخلف كما مر معنا ولا تبطل صلاة المأمومين، وقال المالكية: إذا صلى الإمام بجنابة أو على غير وضوء بطلت صلاته في العمد والنسيان وتبطل صلاة المأموم في العمد دون النسيان، ولا تبطل صلاة المأموم عند الشافعية في كل الأحوال إلا إذا صلى وراء امرأة أو كافر، وقال الحنابلة: كما قال الشافعية بالنسبة للصلاة وراء المرأة أو الكافر، وعند الحنابلة: إذا قضى الإمام والمأمومون الصلاة وكان الجميع يجهلون حدث الإمام أو نجاسة ثوبه

стр. 1018

وبدنه ثم تذكر الإمام أو علم المأمومون فصلاتهم جائزة وصلاته باطلة، أما إذا صلى إنسان يحدث أو نجس إماماً وهو يعلم ذلك وعلم من وراءه بحاله فصلاته باطلة وصلاتهم كذلك باطلة، وقد أكفر بعض الحنفية من صلى محدثاً وهو يعلم.

стр. 1019

الفصل الثالث في: صلاة الجمعة وما يتعلق بها وفيه: عرض إجمالي وفقرات ومسائل وفوائد الفقرة الأولى: في فضل يوم الجمعة وفي بعض خصائصه. الفقرة الثانية: في وجوب صلاة الجمعة على المكلفين بها إلا لعذر وفي الترهيب من تركها وفي بعض آدابها. الفقرة الثالثة: وقت الجمعة ونداؤها وخطبتها وآدابها. الفقرة الرابعة: راتبة الجمعة.

стр. 1020

العرض الإجمالي قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (١). فصلاة الجمعة فرض عين على المكلفين بها، يكفر جاحدها لثبوتها بالدليل القطعي فهي ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع وهي أفضل الصلوات، كما أنها فرض مستقل بالنسبة للمكلف بها، فليست بدلاً عن الظهر في حقه، وكما أن الجمعة فريضة في حق المكلفين بها فإن السعي إليها فريضة لأنه الوسيلة لتحقيق هذه الفريضة ويبدأ وجوب السعي إليها عند الجمهور بالأذان الذي يكون بين يدي الخطيب، وعند الحنفية بالأذان الأول عند الزوال، إلا إذا كان بعيد الدار عن المسجد فيجب عليه السعي بقدر ما يدرك الفريضة، والتبكير إليها فضيلة. وفي يوم الجمعة ساعة يستجاب الدعاء فيها وقد ذهب بعضهم إلى أنها بعد عصر يوم الجمعة وذهب آخرون إلى أنها عند جلوس الإمام للخطبة إلى نهاية الصلاة. قال الحنفية: ومن سعى يريد الجمعة وقضاء حوائجه وكان معظم مقصوده الجمعة نال ثواب السعي إليها ومتى وجب السعي إليها- بالأذان الأول عند الحنفية وبالأذان الثاني عند الجمهور- فقد حرم البيع وغيره من العقود وسائر الصنائع والأعمال وإذا وقع البيع وقت النداء فقد قال الحنفية البيع صحيح مكروه تحريماً وقال الشافعية البيع صحيح حرام. وتجب الجمعة على البالغ العاقل الحر الذكر المقيم غير المسافر الخالي من الأعذار التي تسقط وجوب الجمعة والذي يكون في مكان قريب من المكان الذي تصلي به الجمعة بحيث يسمع النداء، لكن إن حضر من لم تجب عليه الجمعة إليها وصلى مع الناس أجزأه ذلك عن فرض الوقت. ويجوز عند الحنفية والمالكية للمكلف بالجمعة السفر يوم الجمعة بعد الفجر. وقبل الزوال على أن يكون خارج عمران المصر قبل دخول وقت الظهر والصحيح من مذهب الحنفية: أنه يكره السفر بعد الزوال قبل أن يصلي الجمعة ولا يكره قبل الزوال، وقال الشافعية

стр. 1021

والحنابلة: يحرم على من تجب عليه الجمعة السفر قبل الزوال وبعده إلا إذا أمكنه أن يصلي الجمعة في طريقه أو يتضرر بتخلفه عن الرفقة أو كان السفر واجباً كالسفر لحج ضاق وقته وخاف فوته. وتسقط الجمعة عمن حضر العيد إلا الإمام عند الحنابلة. وللجمعة ركنان: الصلاة والخطبة، والصلاة ركعتان بقراءة جهرية إجماعاً، والخطبة فرض وهي خطبتان قبل الصلاة وهي شرط في صحة الجمعة على الأصح. ويشترط لصحة الجمعة: أن تؤدى في وقت الظهر وخالف الحنابلة في هذا الشرط فأجازوا أداءها قبل الزوال. ومن شروط صحة الجمعة: البلد أي كونها في مصر جامع وتعريفه عند الحنفية: هو كل موضع له أمير وقاض أو هو ما لا يسع أكبر مساجدها أهلها المكلفين بالجمعة. ومن شروط صحة الجمعة: الجماعة وأقلهم عند أبي حنيفة ومحمد في الأصح ثلاثة رجال سوى الإمام ولو كانوا مسافرين أو مرضى، وقال المالكية: لابد من حضور اثني عشر رجلاً للصلاة والخطبة على الأقل على أن يكونوا من أهل البلد وأن يستمروا مع الإمام من أول الخطبة حتى السلام من صلاتها وقال الشافعية والحنابلة: أقل عدد تجوز به صلاة الجمعة أربعون بالإمام على أن يكونوا من أهل القرية المكلفين الأحرار الذكور المستوطنين المستمرين في الإقامة. ومن شروط صحة الجمعة عند الحنفية: أن يأذن الإمام أو نائبه أو من له حكم الإمام بصلاة الجمعة وأن يكون هناك إذن عام يستطيع به كل من أراد صلاة الجمعة أن يدخل إلى الجامع ولم يشترط غير الحنفية هذين الشرطين، واشترط المالكية لصحة الجمعة أن تكون في مسجد جامع يجمع فيه على الدوام فلا تصح في البيوت ولا في رحبة دار ولا في خان ولا في ساحة من الأرض، كما اشترطوا أن تصلى بإمام مقيم وأن يكون هو الخطيب إلا لعذر يبيح الاستخلاف وتصح الجمعة عندهم في رحال المسجد، واشترط الشافعية لصحة الجمعة: عدم تعدد الجمع في المكان الواحد إلا إذا كان التعدد لحاجة، فإذا كان التعدد لحاجة سن عندهم صلاة الظهر احتياطاً، والفتوى عند الحنفية أنه يجوز تعدد الجمعة في العصر الواحد رفعاً للحرج.

стр. 1022

ومن شروط صحة الجمعة الخطبة قبلها وهي خطبتان قبل الصلاة اتفاقاً. ويدرك صلاة الجمعة من أدرك الإمام يوم الجمعة في أي جزء من صلاته، فيصلي معه ما أدرك ويكمل الجمعة عند أبي حنيفة وأبي يوسف وقال الجمهور: من أدرك الركعة الثانية مع الإمام أدرك الجمعة وأتمها جمعة وإن لم يدرك الركعة الثانية أتمها ظهراً. والترقية بين يدي الخطيب من مثل قراءة الفاتحة بعد أن يصعد الخطيب إلى المنبر مكروهة تحريماً عند أبي حنيفة وجائزة عند الصاحبين وبدعة حسنة عند الشافعية. ومن سنن الجمعة: الاغتسال والتطيب ولبس أحسن الثياب لمن يأتي الجمعة، والتبكير للجمعة ماشياً بسكينة ووقار والاقتراب من الإمام والاشتغال في طريقه بتلاوة أو ذكر، ومن سنن الجمعة تقليم الأظافر والشارب ونتف الإبط وحلق العانة وإزالة الرائحة الكريهة من الفم بالسواك وغيره وكذلك إزالة مواطن الرائحة الكريهة من الجسم، ويسن للإمام أن يزيد في حسن الهيئة والعمة والارتداء. ومن سنن الجمعة: قراءة سورة الكهف يوم الجمعة أو ليلتها والإكثار من الدعاء يومها وليلتها والإكثار من الصلاة على رسول الله ﷺ يومها وليلتها ويسن للإمام أن يقرأ بعد الفاتحة في الركعة الأولى سورة الجمعة وفي الثانية سورة المنافقون، أو سبح اسم ربك الأعلى في الأولى وهل أتاك حديث الغاشية في الثانية. وتسن قراءة ألم السجدة وهل أتى على الإنسان في صلاة صبح الجمعة، ولا تستحب المداومة عليهما خشية أن يظن افتراضهما ويسن صلاة أربع ركعات قبل الجمعة وأربع بعدها وأقل السنة بعد الجمعة ركعتان، وقال الحنفية: إذا دخل الإنسان المسجد فوجد الإمام قد خرج إلى مكان الخطبة فإنه يجلس ولا يصلي شيئاً وأجاز بعض العلماء أن يصلي الداخل ركعتين خفيفتين ولو خرج الإمام للخطبة، وتتأكد تلاوة أذكار الصلاة بعد الجمعة ويستحب لمن نعس يوم الجمعة أن يتحول عن موضعه. قال الحنفية: يكره تحريماً صلاة الظهر يوم الجمعة بجماعة في مكان إقامة الجمعة، وهو المصر للسجناء والمعذورين وقال الجمهور غير الحنفية: يجوز لمن فاتتهم الجمعة لعذر أو لمن لا تجب

стр. 1023

عليهم أن يصلوها ظهراً في جماعة، ولا يجوز لأحد أن يقيم إنساناً من مكانه ويجلس فيه لأن من سبق إلى مكان فهو أحق به وإذا وجد مكاناً مفروشاً خاصاً فليس لغير صاحبه عند الحنابلة أن يرفعه لما فيه من الافتيات على صاحبه وذلك ما لم تحضر الصلاة ويبقى صاحب المكان غائباً فلغيره حينئذ رفعه والصلاة مكانه، ومن كلام المالكية: يكره ترك العمل يوم الجمعة لأجله ويحرم السلام من داخل أو جالس على أحد ويحرم رد السلام ولو بالإشارة وتشميت عاطس والرد عليه ونهي لاغ أو إشارة له بأن ينكف عن اللغو متى خرج الخطيب للخطبة وقال الحنفية والشافعية والحنابلة: إذا كثر الزحام جاز سجود الإنسان على ظهر إنسان أمامه أو قدمه وقال المالكية: لا يجوز ذلك ولا تصح به الصلاة. ومن مفسدات الجمعة خروج وقت الظهر أثناء الصلاة عند الجمهور وقال المالكية: لا تفسد وكذلك الفتوى عند الصاحبين وقال الحنفية: من صلى الظهر في منزله يوم الجمعة قبل صلاة الإمام ولا عذر له حرم ذلك وجازت صلاته فإن بدا له أن يتوجه إلى الجمعة فبمجرد سعيه إليها ما دامت لم تقم بعد بطلت صلاة الظهر وصارت نفلاً وإن لم يدركها، وهذا مذهب أبي حنيفة وقال الصاحبان: لا تبطل حتى يدخل مع الإمام، والجمهور على أن صلاة الظهر قبل الجمعة لا تصح وتجب عليه الجمعة والسعي إليها، فإن كانت صلاة الجمعة قد انقضت يصلي الظهر ويجزئه ذلك على عصيانه وأكثر أهل العلم قالوا: إن من لا تجب عليه الجمعة كالمسافر والعبد والمرأة، له أن يصلي الظهر قبل صلاة الإمام يوم الجمعة وإذا خرج وقت الظهر يوم الجمعة ولم تصل الجمعة أو ضاق وقتها عن أدائها صلى أصحاب ذلك الظهر قضاء، وإذا لم يتوافر شرط من شرائط صحة الجمعة صلى الناس الظهر بدلاً عنها. وقد رأينا أن الخطبة قبل الصلاة ركن من أركان الجمعة وشرط من شروط صحتها وهي خطبتان قبل الصلاة اتفاقاً، بينهما جلسة خفيفة، قال الحنفية: وتكون الخطبتان بعد الزوال قبل الصلاة وتكون خفيفتين بقدر سورة من طوال المفصل يفصل بينهما بقعدة قدر قراءة ثلاث آيات ويخطب قائماً مستقبل الناس، ولو اختصر الخطيب على تحميدة أو تهليلة أو تسبيحة جاز عند أبي حنيفة مع الكراهة وقال الصاحبان: لابد من ذكر طويل يسمى خطبة أقله قدر التشهد ويشترط ألاي فصل فاصل كثير أجنبي بين الخطبة والصلاة كطعام

стр. 1024

مثلاً، ولا يشترط اتحاد الإمام والخطيب ولكن لا يصلي غير الخطيب إلا لعذر وأجازوا الخطبة بغير العربية، وكمال كل من الخطبتين أن يتعوذ سراً ثم يجهر بحمد الله ويثني عليه ويأتي بالشهادتين والصلاة على النبي ﷺ ثم يذكر ويعظ، ويندب في الخطبة الثانية ذكر الخلفاء الراشدين والعمين حمزة والعباس وذكر الحسن والحسين وذكر الصحابة بالخير إظهاراً لعقائد أهل السنة والجماعة، ومن شروط صحة الخطبة عند المالكية: أن تكون داخل المسجد فلو خطبهما خارجه لم يصحا، وللخطبة عند الشافعية خمسة أركان: حمد الله تعالى والصلاة على رسول الله ﷺ والوصية بالتقوى وتجب هذه الثلاثة في كل من الخطبتين وقراءة آية مفهمة في إحدى الخطبتين والدعاء للمؤمنين والمؤمنات بأمر أخروي في الخطبة الأخيرة، واشترط الكثير من الفقهاء أن تكون الخطبة بالعربية، ومن سنن الخطبة كونها على منبر وأن يكون المنبر على يمين المحراب فإن لم يتيسر المنبر فعلى موضع مرتفع والجلوس على المنبر قبل الشروع في الخطبة واستقبال القوم بوجهه دون الالتفات يميناً وشمالاً سنة بالاتفاق ولا يسن للخطيب أن يسلم على القوم عند الحنفية ويسن له ذلك عند الشافعية والحنابلة إذا صعد المنبر وواجه الناس قبل الجلوس، أما المالكية فقد قالوا يسلم حال خروجه للخطبة ومن السنة أن يؤذن مؤذن واحد بين يدي الخطيب إذا جلس على المنبر وقال الشافعية يسن أن يختم الخطبة الثانية بقوله: أستغفر الله لي ولكم ويسن أن يرفع صوته في الخطبة لإسماع الناس وأن يعتمد الخطيب بيساره على شيء أثناء الخطبة وأن يقصر الخطبتين وأن تكون الثانية أقصر من الأولى ويسن أن تكون الخطبة بليغة مفهومة واعظة وأن يكون الخطيب عاملاً بما يدعو إليه ويجب الإنصات من حين يأخذ الإمام في الخطبة عند المالكية والحنابلة وبمجرد صعود الإمام المنبر عند الحنفية ويحرم الكلام عند المالكية والحنابلة من غير الخطيب وقال الشافعية: إن الإنصات أثناء الخطبة سنة، وذكر الشافعية والحنابلة أنه يجوز أثناء الخطبة إنذار أعمى من الوقوع في خطر كما ذكروا أنه تستحب تحية المسجد للداخل بركعتين خفيفتين، وأجازوا تشميت العاطس، وأجازوا رد السلام وإن كان البدء به للداخل مكروهاً وأجازوا الصلاة على النبي ﷺ عند سماع ذكره ولا يحرم الكلام على الخطيب ولا على من سأله الخطيب ويسن عند الشافعية أن يبادر الخطيب بالنزول عن المنبر ليبلغ المحراب مع فراغ المؤذن من الإقامة،

стр. 1025

ويستحب للخطيب أن يصعد المنبر على تؤدة وأن يسرع في النزول من غير عجلة. ومن مكروهات الخطبة: تطويلها ويكره باتفاق العلماء تخطي الرقاب أثناء الخطبة لغير الإمام ولغير فرجة، وأجاز المالكية المشي بين الصفوف ولو حال الخطبة لأنه ليس من التخطي، ومن مكروهات الخطبة أن يشير الخطيب بيده أو غيرها وأن يدق درج المنبر ويكره الاحتباء للحاضرين في الخطبة ولا ينبغي للسامع ولا للإمام تغميض عينيه من غير حاجة حال الخطبة ومن المكروه عند الحنابلة استدبار الخطيب القوم أثناء الخطبة من أجل الدعاء ورفع يديه لدعاء الخطبة ووافقهم على ذلك المالكية والشافعية، وأجاز الحنابلة الاحتباء مع ستر العورة، ويكره عند الحنابلة والشافعية التشبك في المساجد ومن حين يخرج المصلي من بيته قاصداً المسجد، ويكره العبث حال الخطبة كما يكره الشرب ما لم يشتد عطشه ويكره عند الحنفية والحنابلة وغيرهم التخطي للسؤال بكل حال وأجاز بعض الفقهاء السؤال والإعطاء إن كان السائل لا يمر بين يدي المصلي ولا يتخطى الرقاب ولا يسأل إلحافاً ولا يتصدق على سائل وقت الخطبة وأجاز الحنابلة الصدقة حال الخطبة على من يسأل وعلى من سألها الإمام له والصدقة على دار المسجد عند الدخول والخروج لا حرج فيهما (١). ...

стр. 1026

الفقرة الأولى: في فضل يوم الجمعة وفي بعض خصائصه ١٦٨٦ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: "إن أول جمعة جمعت- بعد جمعة في مسجد النبي ﷺ في مسجد عبد القيس بجواثا من البحرين" وفي رواية (٢) أبي داود: أن أول جمعة في الإسلام- بعد جمعة جمعت في مسجد النبي ﷺ بالمدينة- لجمعة جمعت بجواثا من قرى البحرين. قال عثمان: -[وهو ابن أبي شيبة]- "قرية من قرى عبد القيس". أقول: هي قرية لم تزل آثارها باقية بجانب مدينة الهفوف في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية وكانت البحرين قديماً تطلق على ما يسمى الآن بالمنطقة الشرقية والإمارات العربية وجزيرة البحرين وقطر والكويت تقريباً. ١٦٨٧ - * روى ابن خزيمة عن ابن كعب بن مالك قال: كنت قائد أبي كعب بن مالك حين ذهب بصره، وكنت إذا خرجت به إلى الجمعة، فسمع الأذان بها صلى على أبي أمامة أسعد بن زرارة. قال: فمكث حيناً على ذلك لا يسمع الأذان للجمعة إلا صلى عليه واستغفر له، فقلت في نفسي: والله إن هذا لعجز بي حيث لا أسأله، ماله إذا سمع الأذان بالجمعة صلى على أبي أمامة أسعد بن زرارة؟ قال: فخرجت به يوم الجمعة كما كنت أخرج به، فلما سمع الأذان بالجمعة صلى على أبي أمامة واستغفر له، فقلت له، يا أبت مالك إذا سمعت الأذان بالجمعة صليت على أبي أمامة؟ قال: أي بني كان أول من جمع بالمدينة في هزم بني بياضة، يقال له نقيع الخضمات. قلت: وكم أنتم يومئذ؟ قال: أربعون رجلاً. هذا حديث سلمة بن الفضل.

стр. 1027

- الإكثار من الصلاة على رسول الله ﷺ في يوم الجمعة وما فيه من عظائم الأمور: ١٦٨٨ - * روى أحمد عن أوس بن أوس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي"، فقالوا: يا رسول الله، وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ - قال: يقولون: بليت- قال: "إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء". قال الشيخ أحمد البنا: الحديث يدل على أن يوم الجمعة له فضل كبير عند الله ومزايا عظمى، بل تدل بظاهرها على أنه أفضل الأيام، وبه جزم ابن العربي، ويشكل على ذلك ما رواه ابن حبان في صحيحه من حديث عبد الله بن قرط أن النبي ﷺ قال "أفضل الأيام عند الله يوم النحر" وما رواه ابن حبان أيضاً في صحيحه عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ "ما من يوم أفضل عند الله تعالى من يوم عرفة" وقد جمع العراقي فقال: المراد بتفضيل الجمعة بالنسبة إلى أيام الأسبوع وتفضيل يوم عرفة أو يوم النحر بالنسبة إلى أيام السنة، وصرح بأن حديث أفضلية يوم الجمعة أصح. وفي الحديث دليل على أن آدم عليه وعلى سائر الأنبياء الصلاة والسلام خلق في يوم الجمعة، وفيه دخل الجنة، وفيه أهبط منها، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وفيه تبعث الخلائق بعد الموت (قال القاضي عياض) الظاهر أن هذه الفضائل المعدودة ليست لذكر فضيلته، وإنما هو بيان لما وقع فيه من الأمور العظام وما سيقع ليتأهب العبد فيه بالأعمال الصالحة لنيل رحمة الله ودفع نقمته، وهذا كلام القاضي عياض ﵀ (وقال أبو بكر بن العربي) في

стр. 1028

كتابه الأحوذي في شرح الترمذي الجميع من الفضائل، وفي هذا الحديث فضيلة يوم الجمعة ومزيته على سائر الأيام. اهـ. وفيه استحباب الإكثار من الصلاة على النبي ﷺ في يوم الجمعة بل وفي ليلتها كما جاء في بعض الأحاديث وأنها تعرض عليه ﷺ والأحاديث في ذلك كثيرة مشهورة (منها) ما رواه الإمام الشافعي في مسنده أن رسول الله ﷺ قال: "إذا كان يوم الجمعة وليلة الجمعة فأكثروا الصلاة علي" [وهو حديث حسن] (ومنها) عن أبي الدرداء ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "أكثروا من الصلاة علي يوم الجمعة فإنه مشهود تشهده الملائكة، وإن أحداً لن يصلي علي إلا عرضت علي صلاته حتى يفرغ منها"، قال: قلت: وبعد الموت، قال: "إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام" رواه ابن ماجه بسند جيد (وعن ابن مسعود) ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام" رواه النسائي وابن حبان في صحيحه [وهو صحيح]، وكذلك رواه الإمام أحمد. وعن عمار بن ياسر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لله ﵎ ملكاً أعطاه أسماء الخلائق فهو قائم على قبري إذا مت فليس أحد يصلي علي صلاة إلا قال: يا محمد صلى عليك فلان بن فلان: قال فيصلي الرب ﵎ على ذلك الرجل بكل واحدة عشر، [رواه الطبراني وابن حبان وهو صحيح] وغير ذلك كثير "وقد ذكر الحافظ ابن القيم" رحمه الله تعالى في كتابه زاد المعاد [نحو ذلك] ... (وفيها) أن النبي ﷺ حي في قبره وأن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء والأحاديث في ذلك كثيرة قال الشوكاني وقد ذهب جماعة من المحققين إلى أن رسول الله ﷺ حي بعد وفاته وانه يسر بطاعات أمته؛ وأن الأنبياء لا يبلون مع أن مطلق الإدراك كالعلم والسماع ثابت لسائر الموتى، وورد النص في كتاب الله في حق الشهداء أنهم أحياء يرزقون، وأن الحياة فيهم متعلقة بالجسد، فكيف بالأنبياء والمرسلين، وقد ثبت في الحديث أن الأنبياء أحياء في قبورهم وصححه البيهقي، وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ قال: "مررت بموسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره". الفتح الرباني ٦/ ١٠ - ١٢.

стр. 1029

١٦٨٩ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها" زاد في رواية (١) "ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة". ساعة الإجابة يوم الجمعة: ١٦٩٠ - * روى الترمذي عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ﵀ عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال "إن في الجمعة ساعة لا يسأل الله العبد فيها شيئاً إلا آتاه الله إياه"، قالوا: يا رسول الله، أية ساعة هي؟ قال: "حين تقام الصلاة إلى الانصراف منها". ١٦٩١ - * روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ ذكر يوم الجمعة، فقال: "فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إليه، وأشار بيده- "يقللها". وفي رواية (٢): قال: قال أبو القاسم ﷺ : "إن في يوم الجمعة ساعة ... " وذكر نحوه- وقال بيده، قلنا: يقللها يزهدها؟. وفي أخرى (٣) نحوه، وفي آخره: وقال بيده، ووضع أنملته على بطن الوسطى والخنصر- قلنا: يزهدها؟.

стр. 1030

ولمسلم (١): عن في الجمعة لساعة ... وذكره، وفي آخره: وهي ساعة خفيفة. ١٦٩٢ - * روى مسلم عن أبي بردة ﵀ قال: قالت لي عبد الله بن عمر ﵄: "أسمعت أباك يحدث عن رسول الله ﷺ في شأن ساعة يوم الجمعة؟ قال: قلت: نعم سمعته يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "هي ما بين أن يجلس الإمام على أن تقضى الصلاة". ١٦٩٣ - * روى الترمذي عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "التمسوا الساعة التي ترجى في يوم الجمعة بعد صلاة العصر إلى غيبوبة الشمس". ١٦٩٤ - * روى أبو داود عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "يوم الجمعة ثنتا عشرة- يريد ساعة، وقال النسائي: ثنتا عشرة ساعة- لا يوجد مسلم يسأل الله شيئاً، إلا آتاه الله إياه، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر". ١٦٩٥ - * روى أحمد بن أبي سلمة قال: كان أبو هريرة يحدثنا عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إن في الجمعة لساعة لا يوافقها مسلم وهو يصلي يسأل الله خيراً إلا آتاه

стр. 1031

إياه"، قال وقللها أبو هريرة بيده. قال: فلما توفي أبو هريرة قلت: والله لقد جئت أبا سعيد فسألت عن هذه الساعة إن يكن عنده منها علم، فأتيته فوجدته يقوم عراجين فقلت: يا أبا سعيد ما هذه العراجين التي أراك تقوم؟ قال هذه عراجين جعل الله لنا فيها بركة، كان رسول الله ﷺ يحبها ويتخصر بها، فكنا نقومها ونأتيه بها، فرأى بصاقاً في قبلة المسجد وفي يده عرجون من تلك العراجين فحكه وقال: "إذا كان أحدكم في صلاته فلا يبصقن أمامه فإن ربه أمامه وليبصق عن يساره أو تحت قدمه". قال: ثم قال سريج: فإن لم يجد مبصقاً ففي ثوبه أو نعله. قال ثم هاجت السماء من تلك الليلة فلما خرج النبي ﷺ لصلاة العشاء الآخرة برقت برقة فرأى قتادة بن النعمان فقال: "ما السير أبا قتادة" قال علمت يا رسول الله أن شاهد الصلاة قليل فأحببت أن أشهدها، قال "فإذا صليت فاثبت حتى أمر بك". فلما انصرف أعطاه العرجون قال: "خذ هذا فسيضئ لك أمامك عشراً وخلفك عشراً فإذا دخلت البيت ورأيت سواداً في زاوية البيت فاضربه قبل أن تتكلم فإنه الشيطان". قال: ففعل، فنحن نحب هذه العراجين لذلك. قال: قلت: يا أبا سعيد إن أبا هريرة حدثنا عن الساعة التي في الجمعة فهل عندك علم فيها؟ فقال: سألنا رسول الله ﷺ عنها فقال: "إني كنت أعلمتها ثم أنسيتها كما أنسيت ليلة القدر". وزاد ثم خرجت من عنده- يعني من عند أبي سعيد- حتى أتيت دار رجل من أصحاب النبي ﷺ ، قال: قلت: هذا رجل قد قرأ التوراة وصحب النبي ﷺ ، قال: فدخلت عليه فقلت أخبرني عن هذه الساعة التي كان رسول الله ﷺ يقول فيها ما يقول في يوم الجمعة. قال: نعم خلق الله آدم يوم الجمعة وأسكنه الجنة يوم الجمعة وأهبطه إلى الأرض يوم الجمعة وتوفاه يوم الجمعة وهو اليوم الذي تقوم فيه الساعة وهي آخر ساعة من يوم الجمعة. قال: قلت ألست تعلم أن النبي ﷺ قال: في صلاة، قال: أولست تعلم أن النبي ﷺ قال: "من انتظر صلاة فهو في صلاة". قوله: (فإن ربه أمامه ...) وفي رواية (وإن ربه بينه وبين القبلة) وكذا (فإن الله

стр. 1032

قبل وجهه)، قال الحافظ ابن حجر: (قال الخطابي: معناه أن توجهه إلى القبلة مفض بالقصد منه إلى ربه فصار في التقدير: فإن مقصوده بينه وبين قبلته. وقيل هو على حذف مضاف أي عظمة الله أو ثواب الله. وقال ابن عبد البر: هو كلام خرج على التعظيم لشأن القبلة. اهـ. ١٦٩٦ - * روى أبو يعلى عن أنس بن مالك قال: عرضت الجمعة على رسول الله ﷺ : جاءه جبريل في كفه كالمرآة البيضاء في وسطها كالنكتة السوداء فقال: "ما هذا يا جبريل؟ " قال هذه الجمعة يعرضها عليك ربك لتكون لك عيداً ولقومك من بعدك، ولكم فيها خير تكون أنت الأول ويكون اليهود والنصارى من بعدك، وفيها ساعة لا يدعو أحد ربه فيها بخير هو له قسم إلا أعطاه أو يتعوذ من شر إلا دفع عنه ما هو أعظم منه، ونحن ندعوه في الآخرة: يوم المزيد .. " فذكر الحديث. ولأنس في رواية عنده قال: قال رسول الله ﷺ : "عرضت علي الأيام فعرض علي فيها يوم الجمعة فإذا هي كمرآة بيضاء فإذا في وسطها نكتة سوداء فقلت ما هذه؟ قيل الساعة". ١٦٩٧ - * روى مالك عن أبي هريرة ﵁ قال: خرجت إلى الطور، فلقيت كعب الأحبار، فجلست معه، فحدثني عن التوراة، وحدثته عن رسول الله ﷺ ، فكان فيما حدثته، أن قلت: قال رسول الله ﷺ : "خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أهبط، وفيه تيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة، من حين تصبح حتى تطلع

стр. 1033

الشمس، شفقاً من الساعة، إلا الجن والإنس، وفيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو يصلي، يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه"، قال كعب: ذلك في كل سنة يوم؟ فقلت: بل في كل جمعة، فقرأ كعب التوراة، فقال: صدق رسول الله ﷺ ، فقال أبو هريرة: فلقيت بصرة بن أبي بصرة الغفاري، فقال: من أين أقبلت؟ فقلت: من الطور، فقال: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه ما خرجت، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد: إلى المسجد الحرام، وإلى مسجدي هذا، وإلى مسجد إيلياء، أو بيت المقدس" يشك- قال أبو هريرة: ثم لقيت عبد الله بن سلام- فحدثته بمجلسي مع كعب الأحبار، وما حدثته في يوم الجمعة، فقلت له: قال كعب: ذلك في كل سنة يوم، قال عبد الله بن سلام: كذب كعب: فقلت: ثم قرأ كعب التوراة، فقال: بل هي في كل جمعة، فقال عبد الله بن سلام: صدق كعب، ثم قال عبد الله بن سلام: قد علمت أية ساعة هي؟ قال أبو هريرة: فقلت: أخبرني بها، ولا تكن عني- وفي نسخة ولا تضن علي- فقال عبد الله بن سلام: هي آخر ساعة في يوم الجمعة، قال أبو هريرة: فقلت: وكيف تكون آخر ساعة في يوم الجمعة، وقد قال رسول الله ﷺ : "لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي فتلك ساعة لا يصلى فيها"؟ فقال عبد الله بن سلام: ألم يقل رسول الله ﷺ : "من جلس مجلساً ينتظر فيه الصلاة فهو في صلاة حتى يصلي"؟ قال أبو هريرة: فقلت: بلى، قال: فهو ذلك. أقول: الأقوال في ساعة الاستجابة يوم الجمعة كثيرة تبلغ ثلاثين قولاً، أرجحها أنها تبدأ منذ إقامة صلاة الجمعة إلى انصراف الناس منها أو أنها قبيل الغروب بعد العصر، وفي هذين الوقتين مرت معنا روايات منها ما ناقش بعضهم في ثبوته ومنها ما كان بعضه من أهل الكتاب، ولذلك بقي الاختلاف فيها قائماً وسر ذلك أن يكثر الإنسان من الدعاء في كل

стр. 1034

ساعات الجمعة، لكن الترجيح أنها في أحد هذين الوقتين والأدلة على هذا وهذا قائمة. قال في (الفتح الرباني ٦ - ١٨): قال المحب الطبري: أصح الأحاديث فيها حديث أبي موسى وهو: ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تنقضي الصلاة وأشهر الأقوال فيها قول عبد الله بن سلام وهو: آخر ساعة يوم الجمعة اهـ قال الحافظ: وما عداهما إما موافق لهما أو لأحدهما أو ضعيف الإسناد أو موقوف استند قائله إلى اجتهاد دون توقيف، ولا يعارضهما حديث أبي سعيد في كونه ﷺ أنسيها بعد أن علمها لاحتمال أن يكونا سمعا ذلك منه قبل أن أنسي، أشار إلى ذلك البيهقي وغيره (وقد اختلف السلف) في أيهما أرجح، فروى البيهقي من طريق أبي الفضل أحمد بن سلمة النيسابوري أن مسلماً قال: حديث أبي موسى أجود شيء في هذا الباب وأصحه، وبذلك قال البيهقي وابن العربي وجماعة، وقال القرطبي: هو نص في موضع الخلاف فلا يلتفت إلى غيره (وقال النووي): هو الصحيح بل الصواب، وجزم في الروضة بأنه الصواب، ورجحه أيضاً بكونه مرفوعاً صريحاً وفي أحد الصحيحين (وذهب آخرون) إلى ترجيح قول عبد الله بن سلام، فحكى الترمذي عن أحمد أنه قال: أكثر الأحاديث على ذلك، وقال ابن عبد البر: إنه أثبت شيء في هذا الباب، وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح إلى أبي سلمة بن عبد الرحمن: أن ناساً من الصحابة اجتمعوا فتذاكروا ساعة الجمعة ثم افترقوا فلم يختلفوا أنها آخر ساعة من يوم الجمعة، ورجحه كثير من الأئمة أيضاً (كأحمد وإسحاق) ومن المالكية (الطرطوشي)، وحكى العلائي: أن شيخه الزملكان شيخ الشافعية في وقته كان يختاره ويحكيه عن الشافعي، وأجابوا عن كونه ليس في أحد الصحيحين بأن الترجيح بما في الصحيحين أو أحدهما إنما هو حيث لا يكون مما انتقده الحفاظ كحديث أبي موسى هذا فإنه أعل بالانقطاع والاضطراب، أما الانقطاع فلأن مخرمة بن بكير لم يسمع من أبيه، قاله أحمد عن حماد بن خالد عن مخرمة نفسه، كذا قال سعيد بن أبي مريم عن موسى بن سلمة عن مخرمة، وزاد إنما هي كتب كانت عندنا (وقال علي بن المديني) لم أسمع أحداً من أهل المدينة يقول عن مخرمة إنه قال في شيء من حديثه سمعت أبي، ولا يقال مسلم يكتفي بالمعنعن بإمكان اللقاء مع المعاصرة وهو كذلك هنا، لأنا نقول وجود التصريح عن مخرمة بأنه لم يسمع من أبيه كاف في دعوى الانقطاع، وأما الاضطراب

стр. 1035

فقد رواه أبو إسحاق وواصل الأحدب ومعاوية بن قرة وغيرهم عن أبي بردة من قوله وهؤلاء من أهل الكوفة وأبو بردة كوفي فهم أعلم بحديثه من بكير المدني وهم عدد وهو واحد، وأيضاً فلو كان عند أبي بردة مرفوعاً لم يفت فيه برأيه بخلاف المرفوع، ولهذا جزم الدارقطني بأن الموقوف هو الصواب (وسلك صاحب الهدى) مسلكاً آخر فاختار أن ساعة الإجابة منحصرة في أحد الوقتين المذكورين، وأن أحدهما لا يعارض الآخر لاحتمال أن يكون ﷺ دل على أحدهما في وقت وعلى الآخر في وقت آخر، وهذا كقول ابن عبد البر "الذي ينبغي الاجتهاد في الدعاء في الوقتين المذكورين" وسبق إلى نحو ذلك الإمام أحمد وهو أولى في طريق الجمع، قال ابن المنير في الحاشية: إذا علم أن فائدة الإبهام لهذه الساعة ولليلة القدر بعث الداعي على الإكثار من الصلاة والدعاء، ولو بين لا تكل الناس على ذلك وتركوا ما عداها، فالعجب بعد ذلك ممن يجتهد في طلب تحديدها. اهـ ما نقله الحافظ والله أعلم. ١٦٩٨ - * روى مسلم عن حذيفة بن اليمان ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا، فهدانا ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة، المقضي لهم يوم القيامة قبل الخلائق". ١٦٩٩ - * روى ابن خزيمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "ما تطلع الشمس بيوم، ولا تغرب أفضل أو أعظم من يوم الجمعة، وما من دابة لا تفزع ليوم الجمعة إلا هذين الثقلين: الجن والإنس". قال علي بن حجر وابن بزيع ومحمد بن الوليد: "على يوم أفضل"، ولم يشكوا. ١٧٠٠ - * روى أحمد عن أبي لبابة نحوه وفيه: وهو أي يوم الجمعة أعظم عند الله من

стр. 1036

يوم الأضحى ويوم الفطر. ١٧٠١ - * روى ابن حبان عن أبي سعيد الخدري أنه سمع النبي ﷺ يقول: "خمس من عملهن في يوم كتبه الله من أهل الجنة: من صام يوم الجمعة وراح إلى الجمعة وشهد جنازة وأعتق رقبة". ١٧٠٢ - * روى مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ : "لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي ولا تختصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم أحدكم". ففسر العلماء حديث أبي سعيد أنه إذا كان صوم أحدكم في يوم الجمعة اتفاقاً لا قصداً. والحكمة والله أعلم في النهي عن اختصاص ليلتها بقيام دون الليالي ليصبح نشيطاً في تأدية وظائفها من تبكير إلى الصلاة وانتظار ودعاء وذكر وعبادة واستماع الخطبة وإكثار الذكر بعدها لقوله ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا] (١) وغير ذلك من العبادات في يومها، وكذلك الحكمة في النهي عن صوم يومها، لأن الفطر فيه يكون أعون له على هذه الوظائف وأدائها بنشاط وانشراح لها والتذاذ بها من غير ملل ولا سآمة، وهو نظير الحاج يوم عرفة بعرفة، فإن السنة له الفطر، وقيل سبب النهي عن خوف المبالغة في تعظيمه بحيث يفتتن به كما افتتن قوم بالسبت، وقيل سبب النهي لئلا يعتقد وجوبه، أفاده النووي ورجح الأول والله أعلم.

стр. 1037

١٧٠٣ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "يحضر الجمعة ثلاثة نفر، فرجل حضرها يلغو، فذلك حظه منها، ورجل حضرها بدعاء، فهو رجل دعا الله، إن شاء أعطاه وإن شاء منعه، ورجل حضرها بإنصات وسكوت، ولم يتخط رقبة مسلم، ولم يؤذ أحداً، فهي كفارة إلى الجمعة التي تليها، وزيادة ثلاثة أيام، وذلك: أن الله يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (١).

стр. 1038

الفقرة الثانية في وجوب صلاة الجمعة على المكلفين بها إلا لعذر، وفي الترهيب من تركها وفي بعض آدابها وجوب صلاة الجمعة والترهيب من تركها لغير عذر: ١٧٠٤ - * روى البخاري عن يونس بن يزيد الأبلي قال: كتب رزيق بن حكيم إلى ابن شهاب وأنا معه يومئذ بوادي القرى: هل ترى أن أجمع؟ ورزيق عامل على أرض يعملها، وفيها جماعة من السودان وغيرهم يعملون فيها، ورزيق يومئذ على أيلة، فكتب ابن شهاب وأنا أسمع يأمره أن يجمع، يخبره أن سالماً حدثه: أن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته: الإمام راع، ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله، ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها، ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده، ومسؤول عن رعيته، قال: وحسبت أن قد قال: والرجل راع في مال أبيه، ومسؤول عن رعيته، فكلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته". ١٧٠٥ - * روى أحمد عن أبي قتادة أن رسول الله ﷺ قال "من ترك الجمعة ثلاث مرات من غير ضرورة طبع على قلبه".

стр. 1039

أقول: والحديث محمول على التغليظ والتحذير وعلى نوع من الطبع على القلب لا يصل إلى درجة الطبع في حق الكافر. ١٧٠٦ - * روى الطبراني عن أسامة بن زيد أن رسول الله ﷺ قال: "من ترك ثلاث جمعات من غير عذر كتب من المنافقين". ١٧٠٧ - * روى أبو يعلى عن ابن عباس قال: من ترك الجمعة ثلاث جمع متواليات فقد نبذ الإسلام وراء ظهره. ١٧٠٨ - * روى مالك عن صفوان بن سليم ﵁: قال مالك: لا أدري أعن النبي ﷺ ، أم لا، إلا أنه قال: من ترك الجمعة ثلاثاً من غير عذر ولا علة، طبع الله على قلبه. ١٧٠٩ - * روى أبو داود عن أبي الجعد الضمري ﵁ وكانت له صحبة-: أن رسول الله ﷺ قال: "من ترك ثلاث جمع تهاوناً بها طبع الله على قلبه". وعند الترمذي "من ترك الجمعة ثلاث مرات تهاوناً بها طبع الله على قلبه". ١٧١٠ - * روى أبو يعلى عن جابر قال قام رسول الله ﷺ خطيباً يوم الجمعة فقال: "عسى رجل تحضره الجمعة وهو على قدر ميل من المدينة فلا يحضر الجمعة، ثم

стр. 1040

قال في الثانية عسى رجل تحضره الجمعة وهو على قدر ميلين من المدينة فلا يحضرها وقال في الثالثة عسى يكون على قدر ثلاثة أميال من المدينة فلا يحضر الجمعة ويطبع الله على قلبه". ١٧١١ - * روى مسلم عن الحكم بن ميناء أن عبد الله بن عمر، وأبا هريرة حدثاه: أنهما سمعا النبي ﷺ يقول على منبره: "لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين". ١٧١٢ - * روى الطبراني عن كعب بن مالك عن رسول الله ﷺ قال: "لينتهين أقوام يسمعون النداء يوم الجمعة ثم لا يأتونها أو ليطبعن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين". ١٧١٣ - * روى ابن خزيمة عن جابر: أن النبي ﷺ كان يخطب قائماً فجاءت عير من الشام فانفتل الناس إليها حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلاً، فأنزلت هذه الآية التي في الجمعة ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ (١). ١٧١٤ - * روى مسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: "لقد هممت أن آمر رجلاً يصلي بالناس، ثم أحرق على

стр. 1041

رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم". ١٧١٥ - * روى مالك عن مالك بن أنس ﵀: أنه سأل ابن شهاب عن قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (١) فقال ابن شهاب: كان عمر بن الخطاب ﵁ يقرؤها: (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة، فامضوا إلى ذكر الله). أقول: قراءة فامضوا تعتبر بمثابة التفسير لأنها تخالف رسم القرآن فلا تعتبر قراءة متواترة واصطلح القراء على أن يسموها قراءة شاذة. - الترغيب في صلاة الجمعة: ١٧١٦ - * روى ابن خزيمة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن ما لم تغش الكبائر". ١٧١٧ - * روى أحمد عن عمر بن الخطاب ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول "إن الله ﵎ ليعجب من الصلاة في الجمع". ١٧١٨ - * روى الطبراني عن مسلم بن عياض قال: سألت الحسن بن علي عن ركعتي الجمعة قال هما قاضيتان مما سواهما. أي ركعتا الجمعة تقضيان فريضة الوقت.

стр. 1042

بعض آداب يوم الجمعة: التبكير إلى الصلاة ١٧١٩ - * روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية، فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة، فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة، فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة، فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر". وفي رواية (١) قال: قال النبي ﷺ : "إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة، يكتبون الأول فالأول، فإذا جلس الإمام طووا الصحف، وجاؤوا يستمعون الذكر". وفي أخرى (٢): "إذا كان يوم الجمعة وقفت الملائكة على أبواب المسجد يكتبون الأول فالأول: ومثل المهجر كمثل الذي يهدي بدنة، ثم كالذي يهدي بقرة، ثم كبشاً، ثم دجاجة، ثم بيضة، فإذا خرج الإمام طووا صحفهم، وجاؤوا يستمعون الذكر". ولمسلم (٣) أن رسول الله ﷺ قال: "على كل باب من أبواب المسجد ملك يكتب

стр. 1043

الأول فالأول، فالأول مثل الجزور، ثم نزلهم حتى صغر إلى مثل البيضة، فإذا جلس الإمام طويت الصحف، وحضروا الذكر". وأخرج الموطأ (١) والترمذي (٢) وأبو داود (٣) والنسائي (٤) الرواية الأولى، وزاد الموطأ، في الساعة الأولى. وللنسائي (٥) أيضاً: أن رسول الله ﷺ قال: "إنما مثل المهجر إلى الصلاة كمثل الذي يهدي بدنة، ثم الذي على إثره كالذي يهدي بقرة، ثم الذي على إثره كالذي يهدي الكبش، ثم الذي على إثره كالذي يهدي الدجاجة، ثم الذي على إثره كالذي يهدي البيضة". وللنسائي (٦) أيضاً نحو الأولى، وفيها: "ومثل المهجر إلى الجمعة كالمهدي بدنة، ثم كالمهدي بقرة، ثم كالمهدي شاة، ثم كالمهدي بطة، ثم كالمهدي دجاجة، ثم كالمهدي بيضة". وفي أخرى (٧) نحوها، وفيه بعد الدجاجة عصفور، وأسقط "البطة". ١٧٢٠ - * روى ابن خزيمة عن أنس، قال: كنا نبكر- يعني الجمعة- ثم نقيل. ١٧٢١ - * روى ابن ماجه عن علقمة خرجت مع عبد الله إلى الجمعة فوجد ثلاثة قد

стр. 1044

سبقوه فقال رابع أربعة وما رابع أربعة ببعيد إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الناس يجلسون من الله يوم القيامة على قدر رواحهم إلى الجمعات الأول والثاني والثالث ثم قال رابع أربعة وما رابع أربعة ببعيد". - الاغتسال للصلاة ومس الطيب ولبس أحسن الثياب والإنصات وعدم تخطي الرقاب: ١٧٢٢ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة، فاستمع وأنصت، غفر له ما بينه وبين الجمعة، وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصا فقد لغا". وفي رواية (١) قال: "من اغتسل، ثم أتى الجمعة، فصلى ما قدِّر له، ثم أنصت حتى يفرغ الإمام من خطبته، ثم صلى معه، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام". ولأبي داود (٢) عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا: قال رسول الله ﷺ : "من اغتسل يوم الجمعة، ولبس من أحسن ثيابه، ومس من طيب إن كان عنده، ثم أتى الجمعة فلم يتخط رقاب الناس، ثم صلى ما كتب الله له، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يفرغ من صلاته، كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة التي قبلها" قال: ويقول أبو هريرة: وزيادة ثلاثة أيام. ويقول: "عن الحسنة بعشر أمثالها". أقول: أجاز بعض الفقهاء للخطيب أن يسأل الناس أو أحداً منهم فإذا سئل واحد منهم فأجابه فلا يعتبر ذلك من اللغو.

стр. 1045

١٧٢٣ - * روى ابن خزيمة عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان يوم الجمعة فاغتسل الرجل، وغسل رأسه، ثم تطيب من أطيب طيبه، ولبس من صالح ثيابه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يفرق بين اثنين، ثم استمع للإمام، غفر له من الجمعة إلى الجمعة وزيادة ثلاثة أيام". ١٧٢٤ - * روى الطبراني عن عبد الرحمن بن عوف قال: افتقد رسول الله ﷺ رجلاً من أصحابه فقال: "أين كنت فإني لم أرك، ألم تشهد الصلاة؟ قال: بلى ولكني جئت وقد ثبت الناس، فكرهت أن أتخطى رقاب الناس قال: بلى". ١٧٢٥ - * روى البخاري عن سلمان الفارسي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من الطهور ويدهن من دهنه، ويمس من طيب بيته، ثم يخرج، فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب الله له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام، إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى". وفي رواية (١) النسائي قال: قال لي رسول الله ﷺ "ما من رجل يتطهر يوم الجمعة كما أمر، ثم يخرج من بيته حتى يأتي الجمعة، وينصت حتى يقضي صلاته، إلا كانت كفارة لما قبله من الجمعة". قال معلق (شرح السنة ٤/ ٢٦٨): قد فرق النووي بين التخطي والتفريق بين الاثنين، وجعل ابن قدامة في "المغني" التخطي: هو التفريق؛ قال العراقي: والظاهر الأول، لأن التفريق يحصل بالجلوس بينهما وإن لم يتخط، وقد اختلف أهل العلم في حكم التخطي يوم الجمعة: فقال الترمذي حاكياً عن أهل العلم: أنهم كرهوا تخطي الرقاب يوم الجمعة، وشددوا في ذلك، وحكى أبو حامد في تعليقه عن الشافعي التصريح بالتحريم،

стр. 1046

وقال النووي في زوائد الروضة: إن المختار تحريمه للأحاديث الصحيحة، واقتصر أصحاب أحمد على الكراهة فقط. أقول: الظاهر كراهة التخطي إلا إذا كان لإملاء محل فارغ قصر المتقدمون فلم يملؤوه. ١٧٢٦ - * روى أبو داود عن أوس بن أوس الثقفي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من غسل يوم الجمعة واغتسل، وبكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام، ولم يلغ واستمع: كان له بكل خطوة أجر عمل سنة: صيامها، وقيامها". وللنسائي (١) والترمذي (٢): "من اغتسل يوم الجمعة وغسل، وبكر وابتكر ودنا واستمع وأنصت، كان له بكل خطوة يخطوها أجر سنة، صيامها وقيامها". قال أبو داود: وسئل مكحول عن "غسَّل واغتسل" فقال: غسل رأسه وجسده، وكذلك قال سعيد بن عبد العزيز. ١٧٢٧ - * روى مالك عن نافع مولى ابن عمر "أن ابن عمر كان لا يروح إلى الجمعة إلا

стр. 1047

ادهن وتطيب، إلا أن يكون حراماً". ١٧٢٨ - * روى الطبراني عن سلمان قال: قال رسول الله ﷺ : "يا سلمان هل تدري ما يوم الجمعة؟ قلت: هو الذي جمع الله فيه أباك أو أبويك، قال: لا ولكن أحدثك عن يوم الجمعة: ما من مسلم يتطهر ويلبس أحسن ثيابه ويتطيب من طيب أهله إن كان لهم طيب وإلا فالماء ثم يأتي المسجد فينصت حتى يخرج الإمام ثم يصلي إلا كانت كفارة له بينه وبين الجمعة الأخرى ما اجتنبت المقتلة وذلك الدهر كله". ١٧٢٩ - * روى الطبراني في الأوسط والصغير عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ في جمعة من الجمع: "معاشر المسلمين إن هذا يوم جعله الله لكم عيداً فاغتسلوا وعليكم بالسواك". ١٧٣٠ - * روى أبو داود عن عمرو بن العاص ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من اغتسل يوم الجمعة، ومس من طيب امرأته- إن كان لها- ولبس من صالح ثيابه، ثم لم يتخط رقاب الناس، ولم يلغ عند الموعظة، كانت كفارة لما بينها، ومن لغا وتخطى رقاب الناس كانت له ظهراً". ١٧٣١ - * روى أحمد عن أبي أيوب الأنصاري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب إن كان عنده ولبس من أحسن ثيابه ثم خرج حتى يأتي المسجد فيركع إن بدا له ولم يؤذ أحداً ثم أنصت حتى يصلي كانت كفارة

стр. 1048

له لما بينها وبين الجمعة الأخرى، وفي رواية (١) ثم خرج وعليه السكينة حتى يأتي المسجد. ١٧٣٢ - * روى الشيخان عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "غسل الجمعة واجب على كل محتلم". وفي أخرى (٢) "الغسل يوم الجمعة واجب على كل مسلم". وفي أخرى (٣) قال: "الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، وأن يستن، وأن يمس طيباً إن وجد"، قال عمرو-[يعني ابن سليم راوي الحديث]- أما الغسل: فأشهد أنه واجب، وأما الاستنان والطيب فالله أعلم: أواجب هو، أم لا؟ ولكن هكذا في الحديث". ولمسلم (٤) قال: "غسل يوم الجمعة على كل محتلم، وسواك، ويمس من الطيب ما قدر عليه". وفي رواية (٥) قال في الطيب "ولو من طيب المرأة". أقول: الذي استقر عليه العمل عند جماهير المسلمين أن غسل الجمعة سنة كما سنرى أدلة ذلك. ١٧٣٣ - * روى مالك عن عبيد الله بن السباق المدني الثقفي ﵀ أن رسول الله

стр. 1049

صلى الله عليه وسلم قال في جمعة من الجمع: "يا معشر المسلمين، إن هذا يوم جعله الله عيداً، فاغتسلوا، ومن كان عنده طيب فلا يضره أن يمس منه، وعليكم بالسواك". ١٧٣٤ - * روى الجماعة عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من جاء منكم الجمعة فليغتسل". ١٧٣٥ - * روى ابن خزيمة عن عبد الله بن أبي قتادة قال: دخل علي أبو قتادة يوم الجمعة وأنا أغتسل. قال: غسلك هذا من جنابة؟ قلت نعم. قال: فأعد غسلاً آخر. إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من اغتسل يوم الجمعة لم يزل طاهراً إلى الجمعة الأخرى". أقول: هذا مذهب لأبي قتادة وهو مذهب صحابي إذا عارضته السنة فالسنة مقدمة والنصوص واضحة في أن غسل الجنابة يوم الجمعة ينوب عن غسل الجمعة والأفضل أن ينوي المغتسل إذا كان جنباً الغسل من الجنابة وغسل الجمعة. ١٧٣٦ - * روى الشيخان عن ابن عمر وأبي هريرة ﵄ أن عمر بينا هو يخطب الناس يوم الجمعة، غذ دخل رجل من أصحاب النبي ﷺ من المهاجرين الأولين

стр. 1050

- وفي رواية أبي هريرة من رواية الأوزاعي إذ دخل عثمان بن عفان- فناداه عمر: أية ساعة هذه؟ قال: إني شغلت اليوم، فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت التأذين، فلم أزد على أن توضأت، فقال عمر، والوضوء أيضاً، وقد علمت أن رسول الله ﷺ كان يأمر بالغسل؟ وفي حديث أبي هريرة أنه قال: ألم تسمعوا رسول الله ﷺ يقول: "إذا دخل أحدكم إلى الجمعة فليغتسل"؟ ١٧٣٧ - * روى أبو داود عن عكرمة مولى ابن عباس: أن ناساً من أهل العراق جاؤوا، فقالوا: يا ابن عباس، أترى الغسل يوم الجمعة واجباً؟ قال: لا، ولكنه أطهر، وخير لمن اغتسل، ومن لم يغتسل فليس عليه بواجب، وسأخبركم كيف بدء الغسل: كان الناس مجهودين، يلبسون الصوف، ويعملون على ظهورهم، وكان مسجدهم ضيقاً مقارب السقف، إنما هو عريش، فخرج رسول الله ﷺ في يوم حار، وعرق الناس في ذلك الصوف، حتى ثارت منهم رياح، آذى بذلك بعضهم بعضاً: فلما وجد رسول الله ﷺ تلك الريح قال: "أيها الناس، إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا، وليمس أحدكم أفضل ما يجد من دهنه وطيبه"، قال ابن عباس: ثم جاء الله تعالى ذكره بالخير، ولبسوا غير الصوف، وكفوا العمل، ووسع مسجدهم، وذهب بعض الذي كان يؤذي بعضهم بعضاً من العرق. ١٧٣٨ - * روى الشيخان عن عائشة ﵂ قالت: "كان الناس ينتابون الجمعة من منازلهم من العوالي، فيأتون في العباء، ويصيبهم الغبار والعرق، فيخرج منهم الريح،

стр. 1051

فأتى رسول الله ﷺ إنسان منهم وهو عندي، فقال النبي ﷺ : "لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا؟ ". وفي رواية (١) يحيى بن سعيد "أنه سأل عمرة عن الغسل يوم الجمعة؟ فقالت: قالت عائشة: كان الناس مهنة أنفسهم، فكانوا إذا راحوا إلى الجمعة راحوا في هيئتهم، فقيل لهم: لو اغتسلتم؟ ". وفي أخرى (٢) "كان الناس أهل عمل، ولم يكن لهم كفاة، فكانوا يكون لهم تفل، فقيل لهم: لو اغتسلتم يوم الجمعة؟ ". ١٧٣٩ - * روى أحمد عن سمرة بن جندب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل". ١٧٤٠ - * روى ابن خزيمة عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 1052

"من أتى الجمعة من الرجال والنساء فليغتسل، ومن لم يأت فليس عليه غسل من الرجال والنساء". أقول: قوله ﵊ ومن لم يأتها: أي لعذر من الأعذار التي تبيح ترك الجمعة. ١٧٤١ - * روى الطبراني في الأوسط عن علي قال: يستحب الغسل يوم الجمعة وليس بحتم. ١٧٤٢ - * روى البزار عن عبد الله بن مسعود قال: من السنة الغسل يوم الجمعة. - اتخاذ لباس خاص للجمعة: ١٧٤٣ - * روى مالك عن يحيى بن سعيد ﵀ بلغه أن رسول الله ﷺ قال: "ما على أحدكم لو اتخذ ثوبين لجمعته، سوى ثوبي مهنته". ١٧٤٤ - * روى أبو داود عن محمد بن يحيى بن حبان ﵀ أن رسول الله ﷺ قال: "ما على أحدكم إن وجد- أو ما على أحدكم إن وجدتم- أن يتخذ ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته". وفي رواية (٥) عنه عن ابن سلام: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول ذلك على المنبر.

стр. 1053

- متى تدرك الجمعة: ١٧٤٥ - * روى النسائي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "من أدرك من صلاة الجمعة ركعة فقد أدرك". - من نعس في صلاة الجمعة فليتحول من مكانه: ١٧٤٦ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "إذا نعس أحدكم يوم الجمعة فليتحول من مجلسه ذلك". الأمر بالتحول للندب، قال في (فيض القدير ١/ ٤٤٩): لأن الحركة تذهب الفتور الموجب للنوم فإن لم يكن في الصف محل يتحول له قام وجلس، قال في الأم: ولو ثبت في مجلسه وتحفظ من النعاس لم أكرهه والتحول الانتقال من موضع لآخر وهذا عام في جميع الأيام، وتخصيصه بالجمعة في خبر الترمذي إنما هو لإطالة مكث المبكر بل أجراه بعضهم في كل من قعد ينتظر عبادة في أي محل أي يوم كان، وفيه حث على استقبال الصلاة بنشاط وخشوع وفراغ قلب وتعقل لما يقرأه أو يدعو به والمحافظة على الإتيان بالأركان والسنن والآداب اهـ. - إذا اجتمع العيد والجمعة لا تسقط الجمعة به: ١٧٤٧ - * روى مالك عن ابن شهاب عن أبي عبيد مولى ابن أزهر أنه قال: شهدت العيد مع عثمان بن عفان، فجاء، فصلى ثم انصرف، فخطب، وقال: "إنه قد اجتمع لكم في يومكم هذا عيدان، فمن أحب من أهل العالية أن ينتظر الجمعة. فلينتظرها، ومن أحب أن يرجع فقد أذنت له". عن عمر بن عبد العزيز قال: اجتمع عيدان على عهد النبي ﷺ فقال: "من أحب

стр. 1054

أن يجلس من أهل العالية فليجلس في غير حرج". أخرجه الإمام الشافعي، قال في الإعلاء، وإسناده مرسل حسن. وشيخ الإمام ضعيف عند الجمهور، وثقة عنده وعند حمدان بن الإصبهاني، وقال ابن عقدة: "نظرت في حديث إبراهيم كثيراً، وليس بمنكر الحديث". قال ابن عدي: "وهذا الذي قاله كما قاله" اهـ (تهذيب) وإبراهيم بن عقبة من رجال مسلم ثقة (تهذيب) وعمر بن عبد العزيز أمير المؤمنين من خير التابعين، وإرسال مثله مقبول حجة عندنا، وله شاهد مرفوع موصول مقيداً بأهل العوالي. رواه البيهقي من حديث سفيان بن عيينة عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي صالح عن أبي هريرة، وإسناده ضعيف اهـ التلخيص الحبير (١/ ٤٦). والمرسل إذا تأيد بموصول ولو ضعيفاً، فهو حجة عند الكل، كما مر غير مرة .. اهـ. قال في (إعلاء السنن ٨/ ٧٤ - ٧٥): وأنما رخص عثمان في الجمعة لأهل العالية لأنهم ليسوا من أهل المصر. وهو قول أبي حنيفة اهـ. وكان عثمان قال ذلك بمحضر من الصحابة، فلو كانت الرخصة تعم أهل القرى، وأهل البلد جميعاً، كما زعمه أحمد بن حنبل ﵀ لأنكروا عليه تخصيصها بأهل العالية، فثبت أن الرخصة مخصوصة بمن لم تجب عليهم الجمعة، فلا تترك الجمعة بالعيد، كيف؟ وأن فريضة الجمعة ثابتة بالكتاب والإجماع، لازمة على أهل البلد، فلا يجوز إسقاطها عنهم بما هو دون إلا بنص قطعي مثله. ودونه خرط القتاد، فإن الآثار التي استدل بها أحمد ﵀ على سقوط الجمعة بالعيد عن أهل البلد من الآحاد مع احتمال اختصاصها بأهل القرى، والعوالي. ثم أورد الإمام التهانوي في الإعلاء أدلة الآخرين القائلين بسقوط الجمعة إذا اجتمعت مع صلاة العيد فقال: فمنها ما رواه ابن ماجة (ص- ٢٠٣) عن ابن عباس ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "اجتمع عيدان في يومكم هذا، فمن شاء أجزأه من الجمعة، وإنا مجمعون إن شاء الله. قال السندي وفي الزوائد: إسناده صحيح، ورجاله ثقات ورواه أبو داود في سننه عن أبي هريرة بهذا الإسناد اهـ. ثم قال بعد كلام حول سند الحديث: وإن سلمنا صحته مرفوعاً فنقول: كان أهل القرى يجتمعون لصلاة العيدين ما لا يجتمعون لغيرهما، كما هو العادة، وكان في انتظارهم الجمعة

стр. 1055

بعد الفراغ من العيد حرج عليهم، فلما فرغ رسول الله ﷺ من صلاة العيد نادى مناديه: "من شاء منكم أن يصلي الجمعة، فليصل، ومن شاء الرجوع، فليرجع". وكان ذلك خطاباً لأهل القرى المجتمعين هناك. والقرينة على ذلك بأنه قد صرح فيه بأنا مجمعون، والمراد به من جمع المتكلم أهل المدينة بلا شك وفيه دلالة واضحة على أن الخطاب بقوله: "من شاء منك أن يصلي" لأهل القرى، دون أهل المدينة، ويؤيده ما ذكرنا في المتن من مرسل عمر بن عبد العزيز قال: اجتمع عيدان على عهد النبي ﷺ ، فقال: "من أحب من أهل العالية أن يجلس فليجلس في غير حرج". وكذا هو في رواية عبد العزيز بن رفيع عن أبي صالح عن أبي هريرة مقيداً "بأهل العوالي". وقد ذكرنا أن مجموع المرسل، والموصول صالح للاحتجاج به حتماً على أن إبداء الاحتمال يجوز بالضعيف أيضاً، فلا يصح الاستدلال بظاهر ما في رواية ابن ماجة، وأبي داود من العموم في قوله: "فمن شاء أجزأه من الجمعة" على سقوط الجمعة بالعيد عن أهل البلد، لاحتمال كونه مختصاً بأهل القرى، بقرينة قوله: "وإنا لمجمعون". وبقرينة مرسل عمر بن عبد العزيز وموصول أبي هريرة مقيداً لهم وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال. واندحض بما ذكرنا ما قاله العلامة الشوكاني في النيل: "إن قول عثمان لا يخصص قوله ﷺ " اهـ (١ - ١٦٤). فقد رأيت أنا لم نخصص المرفوع إلا بالمرفوع، وإذا جاز تخصيص خبر الواحد بدلالة العقل، والعرف، والقياس، كما تقرر في الأصول، فجواز تخصيصه بقول الصحابي أولى، لكونه أعرف الناس بمراد الرسول ﷺ ، لاسيما عند من يجعل أقوال الصحابة حجة. فافهم. وهذا هو الجواب عما رواه الخمسة إلا الترمذي، وصححه ابن خزيمة عن زيد بن أرقم ﵁ قال: صلى النبي ﷺ العيد ثم رخص في الجمعة، فقال: "من شاء أن يصلي فليصل" كذا في بلوغ المرام (١ - ١٨٣). فإن قوله: "من شاء أن يصلي فليصل" مختص بأهل القرى والعوالي، بدليل ما ذكرناه. وفي التلخيص الحبير: وصححه ابن المديني. وقال ابن المنذر: "هذا الحديث لا يثبت. وأياس بن أبي رملة راويه عن زيد مجهول" اهـ (١ - ١٤٦). قلت: وصححه الحاكم في المستدرك، والذهبي في تلخيصه (١ - ٢٨٨).
следующие страницы →