١٦١٩ - * روى النسائي عن أبي الدرداء ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ : أفي كل صلاة قراءة؟ قال: "نعم".
قال رجل من الأنصار: وجبت هذه، فالتفت إلي وكنت أقرب القوم منه، فقال: "ما أرى الإمام إذا أم القوم إلا قد كفاهم" قال النسائي: هذا عن رسول الله ﷺ خطأ، إنما هو قول أبي الدرداء.
١٦٢٠ - * روى أبو داود عن عبادة بن الصامت ﵁، قال نافع بن محمود بن الربيع الأنصاري: "أبطأ عبادة بن الصامت عن صلاة الصبح، فأقام أبو نعيم المؤذن الصلاة، فصلى أبو نعيم بالناس، وأقبل عبادة بن الصامت وأنا معه، حتى صففنا خلف أبي نعيم وأبو نعيم يجهر بالقراءة، فجعل عبادة يقرأ بـ (أم القرآن)، فلما انصرف قلت لعبادة: سمعتك تقرأ بـ (أم القرآن) وابو نعيم يجهر؟ قال: أجل، صلى بنا النبي بعض الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة، قال: فالتبست عليه القراءة، فلما انصرف أقبل علينا بوجهه، وقال: هل تقرؤون إذا جهرت بالقراءة؟ فقال بعضنا: إنا لنصنع ذلك، قال: فلا تفعلوا، وأنا أقول: مالي أنازع القرآن؟ فلا تقرؤون بشيء من القرآن إذا جهرت إلا بـ (أم القرآن) "، وفي رواية الترمذي (٣) وأبي داود (٤) قال: صلى رسول الله ﷺ الصبح، فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: إني أراكم تقرؤون وراء إمامكم، قال: قلنا: يا رسول الله، إي والله، قال: فلا تفعلوا، إلا بـ (أم القرآن) فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها" وفي رواية النسائي (٥) قال: صلى رسول الله ﷺ بعض الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة، فقال: "لا يقرأن أحد منكم إذا جهرت بالقراءة إلا بـ (أم القرآن) ".
стр. 982
١٦٢١ - * روى مالك عن أبي هريرة ﵁ "أن رسول الله ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: هل قرأ معي أحد منكم آنفاً؟ فقال رجل: نعم، فقال رسول الله ﷺ : أنا أقول: مالي أنازع القرآن؟ قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيما يجهر فيه حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ "، وفي أخرى (٢) لأبي داود قال: "صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة- نظن أنها الصبح- بمعناه- إلى قوله: مالي أنازع القرآن؟ " قال أبو داود: قال معمر: "فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر به رسول الله ﷺ " وفي أخرى (٣) قال أبو هريرة: "فانتهى الناس". وفي أخرى (٤): أن قوله: "فانتهى الناس" من كلام الزهري.
أقول: أخذ بعض الفقهاء بهذه الرواية فلم يروا القراءة وراء الإمام فيما يجهر به الإمام ورأوا القراءة وراءه فيما يسر به الإمام، والأمر واسع، وما دام الإنسان على مذهب إمام من أئمة الاجتهاد، فهو على خير، ولكن عليه أن يتفقه في مذهبه لأن هناك دقائق في فقه المذاهب لا تعرف إلا من خلال التفقه الجيد في المذهب.
١٦٢٢ - * روى مسلم عن عمران بن حصين ﵁ "أن النبي ﷺ صلى الظهر، فجعل رجل يقرأ خلفه بـ (سبح اسم ربك) فلما انصرف قال: أيكم قرأ، أو أيكم القارئ؟ قال رجل: أنا، فقال: قد ظننت أن بعضكم خالجنيها" وفي رواية (٦):
стр. 983
صلاة الظهر- أو العصر- بالشك"، وفي رواية أبي داود (١) والنسائي (٢) قال: قد عرفت أن بعضكم خالجنيها.
أقول: هذا النص دليل لمن ذهب إلى أنه لا قراءة وراء الإمام في سرية ولا جهرية. ومن قال بالقراءة قال هذا نهي عما سوى الفاتحة أو نهي عن التشويش في القراءة.
١٦٢٣ - * روى مالك عن عبد الله بن عمر ﵄ "كان إذا سئل: هل يقرأ أحد خلف الإمام؟ قال: إذا صلى أحدكم خلف الإمام فحسبه قراءة الإمام، وإذا صلى وحده فليقرأ، قال: وكان ابن عمر لا يقرأ خلف الإمام".
أقول: إنما أوردنا هذه النصوص والآثار ههنا في القراءة خلف الإمام استكمالاً لأبحاث أحكام الإمام والمأموم وكنا قد تعرضنا لهذا الموضوع في الباب الثالث في أركان الصلاة وأفعالها في مبحث القراءة باستيفاء أشمل.
- التأمين خلف الإمام:
١٦٢٤ - * روى الترمذي عن وائل بن حجر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ "قرأ: (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) فقال: آمين، ومد بها صوته- وفي رواية (٣): وخفض بها صوته". وفي رواية (٤) أبي داود "كان رسول الله ﷺ إذا قرأ (ولا الضالين) قال: آمين: ورفع بها صوته". وفي رواية (٥) "أنه صلى خلف رسول الله ﷺ فجهر بآمين، وسلم عن يمينه، وعن شماله، حتى رأيت بياض خده".
وقد تكلم العلماء على رواية وخفض بها صوته قال في (الإعلاء ٢/ ٢١٦): قال
стр. 984
الدارقطني: هكذا قال شعبة وأخفى بها صوته ويقال إنه وهم فيه لأن سفيان الثوري ومحمد بن سلمة بن كهيل رووه عن سلمة فقالوا ورفع بها صوته وهو الصواب اهـ. وطعن صاحب "التنقيح" في حديث شعبة هذا بأنه قد روي عنه خلافه كما أخرجه البيهقي في "سننه" عن أبي الوليد الطيالسي ثنا شعبة عن سلمة بن كهيل سمعت حجراً أبا عنبس يحدث عن وائل الحضرمي "أنه صلى خلف النبي ﷺ فلما قال: ولا الضالين قال: آمين رافعاً بها صوته". قال: فهذه الرواية توافق رواية سفيان. وقال البيهقي في "المعرفة": إسناد هذه الرواية صحيح وكان شعبة يقول سفيان أحفظ، وقال يحيى القطان ويحيى بن معين إذا خالف شعبة سفيان فالقول قول سفيان. قال: وقد أجمع الحفاظ البخاري وغيره على أن شعبة أخطأ فقد روى من غير أوجه فجهر بها انتهى.
ثم قال في (الإعلاء ٢/ ٢١٩) بعد كلام طويل: فنقول: حديث الخفض عندنا أرجح رواية ودراية أما بحسب الرواية فلكون شعبة أحفظ من سفيان وأبعد من التدليس وهو أمير المؤمنين في الحديث، وأما بحسب الدراية فلأن آمين دعاء والأصل في الدعاء الإخفاء، قال تعالى: (ادعوا ربكم تضرعاً وخفية) وقال البخاري في "صحيحه" وقال عطاء: آمين دعاء اهـ.
ثم قال: قال الطبري: وروي ذلك عن ابن مسعود ﵁ وروي عن النخعي والشعبي وإبراهيم التيمي: كانوا يخفون "بآمين" والصواب أن الخبرين بالجهر والمخافتة صحيحان وعمل بكل من فعليه جماعة من العلماء وإن كنت مختاراً خفض الصوت بها إذ كان أكثر الصحابة والتابعين ﵃ على ذلك اهـ. فتلك وجوه تقتضي ترجيح حديث شعبة من حيث الدراية. وحديث سفيان بلفظ "مد بها صوته" عندنا محمول على أنه تكلم بها على لغة المد دون القصر من جهة اللفظ لأن مذهب سفيان الثوري خفض الصوت بآمين دون الجهر بها، وما قال بعضهم أن رواية من قال "رفع بها صوته" تبعد هذا الاحتمال اهـ ففيه أن هذه الروايات كلها لا يخلو من كلام كما سنبين ذلك ولو سلم صحتها فهي محمولة على أن الجهر كان تعليماً للمأمومين كما جهر عمر بن الخطاب ﵁ بالثناء عند الافتتاح تارة وأبو هريرة بالتعوذ أورد في (الإعلاء ٢/ ٢٢٠ - ٢٢٣) أدلة من قال بالجهر
стр. 985
بالتأمين وناقشها جميعاً فانظره.
١٦٢٥ - * روى أحمد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قال الإمام غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين فإن الملائكة تقول آمين وإن الإمام يقول آمين فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه".
قال في "إعلاء السنن": فيه قوله ﷺ : "وإن الإمام يقول آمين". قلت: فيه دلالة ظاهرة على الإخفاء بآمين للإمام وإلا لم يحتج إلى إظهار فعله بقوله وإن الإمام يقول آمين كما يخفي. قلت: وفي قوله ﷺ "إذا قال الإمام غير المغضوب عليهم" إلخ. دلالة على أن المأموم لا يقرأ الفاتحة وإلا كان الأنسب أن يقول: إذا قال أحدكم غير المغضوب عليهم إلخ. واورد عليه الحافظ في "الفتح" بأنه قد يدل على أن المأموم لا يقرأ الفاتحة حال قراءة الإمام لها لا أنه لا يقرؤها أصلاً اهـ. قلت: وفيه ما فيه فتأمل. وقال: الأمر في قوله "فأمنوا" للندب عند الجمهور صرح به الحافظ في "الفتح" وثبتت السنية بمواظبته ﷺ عليها ودليل المواظبة مرسل ابن شهاب ومراسيله وإن كانت ضعيفة ولكنه اعتضد بالموصول.
١٦٢٦ - * روى أبو داود عن بلال بن رباح ﵁ قال "يا رسول الله لا تسبقني بآمين".
استمهل بلال الرسول ﷺ في التأمين ليوافق تأمينه تأمين رسول الله ﷺ حتى ينال
стр. 986
بركة موافقة النبي ﷺ في التأمين.
١٦٢٧ - * روى الستة عن أبي هريرة رفعه: "إذا أمن الإمام فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه".
وفي رواية (٢): إذا قال الإمام: "غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا: آمين" بنحوه.
١٦٢٨ - * روى أحمد عن عائشة رفعته: ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم، على الإسلام والتأمين.
- الاستخلاف في الصلاة وتقديم الأولى:
١٦٢٩ - * روى الشيخان عن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ بلغه: "أن بني عمرو بن عوف كان بينهم شر، فخرج رسول الله ﷺ يصلح في أناس معه، فحبس رسول الله ﷺ ، وحانت الصلاة، فجاء بلال إلى أبي بكر، فقال: يا أبا بكر، إن رسول الله ﷺ قد حبس وحانت الصلاة، فهل لك أن تؤم الناس؟ قال: نعم، إن شئت، فأقام بلال، وتقدم أبو بكر فكبر وكبر الناس وجاء رسول الله ﷺ يمشي في الصفوف حتى قام في الصف، فأخذ الناس في التصفيق، وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته، فلما أكثر الناس التصفيق التفت فإذا رسول الله ﷺ ، فذهب يتأخر، فأشار
стр. 987
إليه رسول الله ﷺ أن امكث مكانك، فرفع أبو بكر يده، فحمد الله، ورجع القهقرى وراءه، حتى قام في الصف، فتقدم رسول الله ﷺ ، فصلى للناس، فلما فرغ أقبل على الناس، فقال: يا أيها الناس ما لكم حين نابكم شيء في الصلاة أخذتم في التصفيق، إنما التصفيق للنساء، من نابه شيء في صلاته فليقل: سبحان الله، فإنه لا يسمعه أحد حين يقول: سبحان الله، إلا التفت، يا أبا بكر، ما منعك أن تصلي بالناس حين أشرت إليك؟ فقال أبو بكر: ما كان ينبغي لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله ﷺ " وفي أخرى (١) مختصراً "أن أهل قباء اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة، فأخبر رسول الله ﷺ ، فقال: اذهبوا بنا حتى نصلح بينهم"، وليس عند مسلم في هذه الرواية الآخرة قول النبي ﷺ ولأبي داود (٢) "كان قتال بين بني عمرو بن عوف، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فأتاهم ليصلح بينهم بعد الظهر، فقال لبلال: إن حضرت صلاة العصر ولم آتك، فمر أبا بكر فليصل بالناس، فلما حضرت العصر أذن بلال، ثم أقام، ثم أمر أبا بكر فتقدم" وقال في آخره: "إذا نابكم شيء في الصلاة فليسبح الرجال، وليصفح النساء".
أقول: في تأخر أبي بكر ﵁ عن الإمامة وتقديمه لرسول الله ﷺ أساس بنى عليه الفقهاء موضوع الاستخلاف في الصلاة، وسنتعرض لهذا الموضوع في آخر هذا الفصل أثناء الكلام عن المسائل والفوائد.
قال النووي في شرح مسلم: (فيه أن الإمام إذا تأخر عن الصلاة تقدم غيره إذا لم يخف فتنة وإناراً من الإمام وفيه أن المقدم نيابة عن الإمام يكون أفضل القوم وأصلحهم لذلك الأمر وأقومهم به وفيه أن المؤذن وغيره يعرض التقدم على الفاضل وأن الفاضل يوافقه وفيه أن الفعل القليل لا يبطل الصلاة لقوله صفق الناس وفيه جواز الالتفات في الصلاة للحاجة واستحباب حمد الله تعالى لمن تجددت له نعمة ورفع اليدين بالدعاء وفعل ذلك الحمد والدعاء
стр. 988
عقب النعمة وإن كان في صلاة وفيه جواز مشي الخطوة والخطوتين في الصلاة وفيه أن هذا القدر لا يكره إذا كان لحاجة وفيه جواز استخلاف المصلي بالقوم من يتم الصلاة لهم وهذا هو الصحيح في مذهبنا وفيه أن التابع إذا أمره المتبوع بشيء وفهم منه إكرامه بذلك الشيء لا تختم الفعل فله أن يتركه ولا يكون هذا مخالفة للأمر بل يكون أدباً وتواضعاً وتحذقاً في فهم المقاصد وفيه ملازمة الأدب مع الكبار وفيه أن السنة لمن نابه شيء في صلاته كإعلام من يستأذن عليه وتنبيه الإمام وغير ذلك أن يسبح إن كان رجلاً فيقول سبحان الله وأن تصفق وهو التصفيح إن كان امرأة فتضرب بطن كفها الأيمن على ظهر كفها الأيسر ولا تضرب بطن كف على بطن كف على وجه اللعب واللهو فإن فعلت هكذا على جهة اللعب بطلت صلاتها لمنافاته الصلاة وفيه فضائل كثيرة لأبي بكر ﵁ وتقديم الجماعة له واتفاقهم على فضله عليهم ورجحانه وفيه تقديم الصلاة في أول وقتها وفيه أن الإقامة لا تصح إلا عند إرادة الدخول في الصلاة لقوله أتصلي فأقيم وفيه أن المؤذن هو الذي يقيم الصلاة فهذا هو السنة ولو أقام غيره كان خلاف السنة ولكن يعتد بإقامته عندنا وعند جمهور العلماء وفيه جواز خرق الإمام الصفوف ليصل إلى موضعه إذا احتاج إلى خرقها لخروجه لطهارة أو رعاف أو نحوهما ورجوعه وكذا من احتاج إلى الخروج من المأمومين لعذر وكذا له خرقها في الدخول إذا رأى قدامهم فرجة فإنهم مقصورون بتركها واستدل به أصحابنا على جواز اقتداء المصلي بمن يحرم بالصلاة بعده فإن الصديق ﵁ أحرم بالصلاة أولاً ثم اقتدى بالنبي ﷺ حين أحرم بعده هذا هو الصحيح في مذهبنا) (٤/ ١٤٤ - ١٤٦).
١٦٣٠ - * روى ابن خزيمة عن عائشة: أن أبا بكر صلى بالناس، ورسول الله ﷺ في الصف.
- ما يقول المأموم إذا رفع رأسه من الركوع:
١٦٣١ - * روى أبو داود عن مطرف بن طريف بن الحارثي عن عامر قال: "لا يقول
стр. 989
القوم خلف الإمام: سمع الله لمن حمده، ولكن يقولون: ربنا لك الحمد".
قال الخطابي في "معالم السنن": اختلف الناس فيما يقوله المأموم إذا رفع رأسه من الركوع، فقالت طائفة: يقتصر على "ربنا لك الحمد" وهو الذي جاء به الحديث، لا يزيد عليه، وهو قول الشعبي، وغليه ذهب مالك وابن حنبل، وقال أحمد: إلى هذا انتهى أمر النبي ﷺ ، وقالت طائفة: يقول: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد، يجمع بينهما، هذا قول ابن سيرين وعطاء، وإليه ذهب الشافعي، وهو مذهب أبي يوسف ومحمد.
- حكم من أدرك ركعة خلف الإمام:
١٦٣٢ - * روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة". وقال في رواية (٢): "من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام". وفي أخرى (٣) "فقد أدرك الصلاة كلها". وفي رواية (٤) صحيحة للنسائي: "من أدرك ركعة من صلاة من الصلوات فقد أدركها، إلا أنه يقضي ما فاته".
أقول: بعض الفقهاء أخذ بظاهر هذه الروايات فلم يعتبر إدراك أجر الجماعة كائناً إلا بإدراك ركعة مع الإمام وبعضهم حمل هذه الروايات على الإدراك الكامل لأجر الجماعة أما أصل الجماعة فيدركها الإنسان بأن يصلي مع الإمام ما لم يخرج الإمام من الصلاة حتى لو أدركه في سجود السهو فإنه يدرك فضيلة الجماعة إلا أنه ليس له من الكمال في الأجر كذلك الذي يدرك ركعة أو أكثر مع الإمام.
стр. 990
١٦٣٣ - * روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام فقد أدرك الصلاة كلها". وفي رواية (٢) أبي داود قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا، ولا تعدوها شيئاً، ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة" وفي رواية (٣) الموطأ قال: كان أبو هريرة يقول: "من أدرك الركعة فقد أدرك السجدة، ومن فاتته قراءة أم القرآن فقد فاته خير كثير".
١٦٣٤ - * روى مالك عن عبد الله بن عمر ﵄ كان يقول: "إذا فاتتك الركعة فقد فاتتك السجدة".
١٦٣٥ - * روى الطبراني في الكبير عن علي وابن مسعود قالا: من لم يدرك الركعة فلا يعتد بالسجدة.
١٦٣٦ - * روى الطبراني عن ابن مسعود في الذي يفوته بعض الصلوة مع الإمام قال يجعل ما يدرك مع الإمام آخر صلواته.
١٦٣٧ - * روى الطبراني عن زيد بن وهب قال: دخلت أنا وابن مسعود المسجد والإمام راكع فركعنا ثم مضينا حتى استوينا بالصف فلما فرغ الإمام قمت أقضي فقال قد أدركته.
стр. 991
- جواز صلاة القائم خلف القاعد، وعدم جواز جلوس المقتدي بجلوس إمامه .
١٦٣٨ - * روى البخاري عن عائشة في حديث مرض النبي ﷺ : ثم إن النبي ﷺ : وجد من نفسه خفة، فخرج بين رجلين أحدهما العباس لصلاة الظهر وأبو بكر يصلي بالناس، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر، فأومأ إليه النبي ﷺ بأن لا يتأخر، فقال: أجلساني إلى جنبه، فأجلساه إلى جنب أبي بكر. قال: فجعل أبو بكر يصلي وهو يأتم بصلاة النبي ﷺ ، والناس بصلاة أبي بكر، والنبي ﷺ قاعد. ولمسلم (٢): وكان النبي ﷺ يصلي بالناس، وأبو بكر يسمعهم التكبير اهـ وفي حديث الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة: فجاء رسول الله ﷺ حتى جلس عن يسار أبي بكر، قالت: فكان رسول الله ﷺ يصلي بالناس جالساً، وأبو بكر قائم يقتدي بصلاة رسول الله ﷺ ، والناس يقتدون بصلاة أبي بكر اهـ. ذكره الحازمي في الاعتبار، وصححه. وفي رواية عنها: وأبو بكر قائم يصلي بصلاة النبي ﷺ وهو وراءه قيام. علقه الإمام الشافعي في رسالته عن إبراهيم النخعي، وقد نوقش في ذلك. انظر (الإعلاء ٤/ ٣٣٩ - ٢٤٢).
- الصلاة على المكان المرتفع:
١٦٣٩ - * روى أبو داود عن همام بن الحارث النخعي الكوفي قال: "إن حذيفة أم الناس بالمدائن على دكان، فأخذ أبو مسعود بقميصه فجبذه، فلما فرغ من صلاته قال: ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك؟ قال: بلى، تذكرت حين مددتني.
فائدة: يكره تميز الإمام عن المصلين بأني قوم على شيء مرتفع، لذا قالوا لا يصلي الإمام في داخل الطاق (المحراب) لكن يجعل السجود فيه. (وهبي).
١٦٤٠ - * روى مسلم عن أبي حازم بن دينار "أن نفراً جاؤوا إلى سهل بن سعد رضي
стр. 992
الله عنه قد تماروا في المنبر: من أي عود هو؟ فقال: أما والله إني لأعرف من أي عود هو، ومن عمله، ورأيت رسول الله ﷺ أول يوم جلس عليه قال: فقلت له يا أبا عباس، فحدثنا، فقال: أرسل رسول الله ﷺ إلى امرأة- قال أبو حازم: إنه ليسميها يومئذ- انظري غلامك النجار يعمل لي أعواداً أكلم الناس عليها، فعمل هذه الثلاث درجات، ثم أمر بها رسول الله ﷺ فوضعت هذا الموضع، فهي من طرفاء الغابة، ولقد رأيت رسول الله ﷺ قام عليه فكبر، وكبر الناس وراءه وهو على المنبر، ثم رفع فنزل القهقرى حتى سجد في أصل المنبر، ثم عاد حتى فرغ من آخر صلاته، ثم أقبل على الناس فقال: يا أيها الناس، إنما صنعت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي". وفي رواية (١): "ولقد رأيته أول يوم وضع، وأول يوم جلس عليه رسول الله ﷺ .. " وذكر نحوه في أعواد المنبر، ثم قال: "رأيت رسول الله ﷺ صلى عليها وكبر وهو عليها، ثم ركع وهو عليها، ثم نزل القهقرى وسجد في أصل المنبر، ثم عاد، فلما فرغ أقبل على الناس فقال ... الحديث". وفي رواية (٢) "أنه سئل: من أي شيء المنبر؟ فقال: من أثل الغابة، عمله فلان مولى فلانة لرسول الله ﷺ ، وقام عليه رسول الله ﷺ حين عمل ووضع، فاستقبل القبلة وكبر، وقام الناس خلفه، فقرأ، وركع وركع الناس خلفه، ثم رفع رأسه، ثم رجع القهقرى فسجد على الأرض، ثم عاد إلى المنبر، ففعل مثل ذلك، فهذا شأنه" قال البخاري: قال علي بن عبد الله: سألني أحمد بن حنبل عن هذا الحديث؟ وقال: إنما أردت أن النبي ﷺ كان أعلى من الناس، فلا بأس أن يكون الإمام أعلى من الناس بهذا الحديث، قال: فقلت له: إن سفيان بن عيينة كان يسأل عن هذا كثيراً فلم تسمعه منه؟ قال: لا، قال الحميدي: ففي هذا استفادة أحمد من ابن المديني، ورواية البخاري عن رجل عن أحمد.
стр. 993
قال الحافظ في "الفتح" (٢/ ٣٣١): ويستفاد من الحديث أن من فعل شيئاً يخالف العادة أن يبين حكمته لأصحابه، وفيه مشروعية الخطبة على المنبر لكل خطيب خليفة كان أو غيره، وفيه جواز قصد تعليم المأمومين، أفعال الصلاة بالفعل، وجواز العمل اليسير في الصلاة، وكذا الكثير إن تفرق، وكذا في جواز ارتفاع الإمام، وفيه استحباب اتخاذ المنبر لكونه أبلغ في مشاهدة الخطيب والسماع منه، واستحباب الافتتاح بالصلاة في كل شيء جديد، إما شكراً، وإما تبركاً.
أقول: يستفاد من الحديث أن الإمام إذا ارتفع عن المأمومين مرة لتعليمهم، فلا بأس بذلك على ألا يكون عادة، واعتبر بعضهم أن هذا الحديث منسوخ بالنهي عن ارتفاع الإمام على المأمومين.
١٦٤١ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعود أنه كره أن يؤمهم على المكان المرتفع.
- تأخر الرجال عن النساء في الخروج من المسجد:
١٦٤٢ - * روى البخاري عن أم سلمة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يمكث في مكانه يسيراً، قالت: فنرى- والله أعلم- لكي ينصرف النساء قبل أن يدركهن الرجال" وفي رواية (٣) "أن النساء في عهد رسول الله ﷺ كن إذا سلمن من المكتوبة قمن، وثبت رسول الله ﷺ ومن صلى من الرجال ما شاء الله، فإذا قام رسول الله ﷺ قام الرجال"، وأخرج النسائي (٤) الثانية، وفي رواية (٥) أبي داود قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا سلم مكث قليلاً، وكانوا يرون أن ذلك كيما ينفذ النساء قبل الرجال".
стр. 994
الفقرة الثالثة
في
أحكام الصفوف
- فضل الصف الأول:
١٦٤٣ - * روى أحمد عن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول- أو الصفوف الأول".
١٦٤٤ - * روى أحمد عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول، قالوا: يا رسول الله وعلى الثاني، قال: إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول، قالوا يا رسول الله وعلى الثاني، قال: وعلى الثاني، وقال رسول الله ﷺ : سووا صفوفكم، وحاذوا بين مناكبكم ولينوا في أيدي إخوانكم، وسدوا الخلل، فإن الشيطان يدخل فيما بينكم بمنزلة الحذف"- يعني أولاد الضأن الصغار.
١٦٤٥ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "لو تعلمون- أو يعلمون- ما في الصف الأول لكانت قرعة" وفي أخرى (٤). "ما كانت إلا قرعة".
١٦٤٦ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا،
стр. 995
ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبواً".
وفي رواية (١): أن رسول الله ﷺ قال: "بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق، فأخره، فشكر الله له فغفر له، ثم قال: الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغريق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله، وقال: لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ... ثم ذكر الحديث إلى آخره- مثل ما تقدم".
١٦٤٧ - * روى النسائي عن العرباض بن سارية ﵁ "أن رسول الله ﷺ كان يصلي على الصف الأول ثلاثاً، وعلى الصف الثاني واحدة". ولفظ الحاكم وابن خزيمة:
أن رسول الله ﷺ كان يستغفر للصف المقدم ثلاثاً، وللثاني مرة.
١٦٤٨ - * روى أبو داود عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف".
من أولى بالصف الأول:
١٦٤٩ - * روى مسلم عن أبي مسعود البدري ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ
стр. 996
يمسح مناكبنا في الصلاة، ويقول: "استووا، ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، ليلني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، قال أبو مسعود: فأنتم اليوم أشد اختلافاً".
١٦٥٠ - * روى مسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ليلني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم- ثلاثاً- وإياكم وهيشات الأسواق"، وزاد الترمذي وأبو داود "ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم" قبل قوله: "وإياكم" قال الترمذي (٢): وقد روي عن النبي ﷺ "أنه كان يعجبه أن يليه المهاجرون والأنصار ليحفظوا عنه".
١٦٥١ - * روى ابن خزيمة عن قيس بن عباد قال: بينما أنا بالمدينة في المسجد في الصف المقدم قائم أصلي، فجبذني رجل من خلفي جبذة، فنحاني وقام مقامي. قال: فو الله ما عقلت صلاتي، فلما انصرف، فإذا هو أبي بن كعب، فقال: يا فتى لا يسؤك الله، إن هذا عهد من النبي ﷺ إلينا أن نليه، ثم استقبل القبلة فقال: هلك أهل العقد ورب الكعبة ثلاثاً، ثم قال: والله ما عليهم آسى، ولكن آسى على من أضلوا، قال: قلت: من تعني بهذا؟ قال: الأمراء.
إذا كان مع الإمام رجل واحد يقوم على يمينه:
١٦٥٢ - * روى الجماعة عن ابن عباس ﵄ قال: "صليت مع رسول الله
стр. 997
صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فقمت عن يساره، فأخذ بذوائبتي فجعلني عن يمينه: وفي رواية (١) قال: "بت عند خالتي ميمونة، فقام رسول الله ﷺ يصلي من الليل، فقمت ... وذكر الحديث". وفي رواية (٢) "برأسي: وفي أخرى (٣) "بيدي" وفي أخرى (٤) "بعضدي"، وفي أخرى (٥) لمسلم قال: "بعثني العباس إلى النبي ﷺ وهو في بيت خالتي ميمونة، فبت معه تلك الليلة، فقمت عن يساره، فتناولني من خلف ظهره، فجعلني عن يمينه".
١٦٥٣ - * روى البزار عن أنس قال صليت مع النبي ﷺ فأقامني عن يمينه.
١٦٥٤ - * روى أبو داود عن البراء بن عازب ﵁ قال: "كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ أحببنا أن نكون عن يمينه، فيقبل علينا بوجهه".
١٦٥٥ - * روى مالك عن نافع- مولى ابن عمر- ﵃ قال: "قمت وراء ابن عمر في صلاة من الصلوات، وليس معه أحد غيري، فخالف عبد الله بيده، فجعلني حذاءه عن يمينه".
стр. 998
١٦٥٦ - * روى مالك عن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: "دخلت على عمر ابن الخطاب بالهاجرة، فوجدته يسبح، فقمت وراءه، فقربني حتى جعلني حذاءه عن يمينه، فلما جاء يرفأ تأخرت فصففنا وراءه".
- ترتيب الصفوف:
١٦٥٧ - * روى أبو داود عن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: "ألا أحدثكم بصلاة رسول الله ﷺ ؟ قال: فأقام الصلاة، فصف الرجال، وصف خلفهم الغلمان، ثم صلى بهم، فذكر صلاته، ثم قال: هكذا صلاة- قال عبد الأعلى: لا أحسبه إلا قال-: أمتي".
١٦٥٨ - * روى النسائي عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: "صليت إلى جنب رسول الله ﷺ وعائشة خلفنا تصلي معنا، وأنا إلى جنب النبي ﷺ أصلي معه".
١٦٥٩ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: "صليت أنا ويتيم في بيتنا خلف رسول الله ﷺ ، وأم سليم خلفنا" وفي رواية (٥): "أنه صلى به وبأمه أو خالته، قال: فأقامني عن يمينه، وأقام المرأة خلفنا"، وفي رواية (٦) أبي داود قال: "إن رسول الله ﷺ دخل على أم حرام، فأتوه بسمن وتمر، فقال: ردوا هذا في وعائه، وهذا في سقائه، فإني صائم، ثم قام فصلى بنا ركعتين تطوعاً، فقامت أم سليم، وأم حرام خلفنا، قال ثابت: ولا أعلمه إلا قال: أقامني عن يمينه على بساط" وفي أخرى (٧)
стр. 999
"أن رسول الله ﷺ أمه وامرأة منهم، فجعله عن يمينه، والمرأة خلف ذلك". وفي أخرى (١) للنسائي قال: "دخل علينا رسول الله ﷺ ، وما هو إلا أنا وأمي وأم حرام خالتي، فقال: قوموا فلأصل لكم، قال: في غير وقت الصلاة، قال: فصلى بنا".
١٦٦٠ - * روى الترمذي عن سمرة بن جندب قال: "أمرنا النبي ﷺ إذا كنا ثلاثة: أن يتقدمنا أحدنا".
قال في (الإعلاء ٤/ ٢١٧): دلت الأحاديث على أن الواحد يقوم عن يمين الإمام. قال الحافظ في "الفتح": وقد نقل بعضهم الاتفاق على أن المأموم الواحد يقوم عن يمين الإمام إلا النخعي، فقال: إذا كان الإمام ورجل، قام الرجل خلف الإمام، فإن ركع الإمام قبل أن يجيء أحد قام عن يمينه. أخرجه سعيد بن منصور. ووجهه بعضهم بأن الإمامة مظنة الاجتماع، فاعتبرت في موقف المأموم حتى يظهر خلاف ذلك، وهو حسن لكنه مخالف للنص، وهو قياس فاسد، ثم ظهر لي أن إبراهيم إنما كان يقول بذلك حيث يظن ظناً قوياً مجيء ثان، وقد روى سعيد بن منصور أيضاً عنه قال: ربما قمت خلف الأسود وحدي حتى يجيء المؤذن اهـ (٢/ ١٩١). قال الحافظ: وقال أصحابنا: يستحب أن يقف المأموم دونه قليلاً. اهـ (٢: ١٩٠).
قال التهانوي: وكذلك استحبه أصحابنا، فروي عن محمد أنه يضع أصابعه عند عقب الإمام، كذا في الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ١٧٧). واختاره الشرنبلالي فقال: يقف الواحد عن يمين الإمام مساوياً له متأخراً بعقبه اهـ. والذي في شروح الهداية، والقدوري، والكنز، والبرهان، والقهستاني أنه يقف مساوياً له بدون تقدم، وبدون تأخر من غير فرجة في ظاهر الرواية كذا في الطحطاوي. ولعل ما في ظاهر الرواية هو الأصل، وإنما استحبوا التأخر قليلاً لئلا يتقدم أحد من العوام على إمامه بشيء، فهو الأحوط لهم.
стр. 1000
١٦٦١ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها".
١٦٦٢ - * روى ابن خزيمة عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : "وخير صفوف الرجال المقدم، وشرها المؤخر، وخير صفوف النساء المؤخر، وشرها المقدم. يا معشر النساء إذا سجد الرجال، فاحفظن أبصاركن".
قلت لعبد الله: مم ذاك؟ قال: من ضيق الإزار.
قال في (الفيض ٣/ ٤٨٧): (خير صفوف الرجال أولها) لاختصاصه بكمال الأوصاف كالضبط عن الإمام والتبليغ عنه [عند الحاجة] ونحو ذلك (وشرها آخرها) لاتصاله بأول صفوف النساء فهو شرها من جهة قربهن والمراد أن الأول أكثرها أجراً والآخر أقلها ثواباً وأبعدها عن مطلوب الشرع (وخير صفوف النساء آخرها) لبعده عن مخالطة الرجال وقربهم وتعلق القلب بهم عند رؤية حركاهم وسماع كلامهم ونحو ذلك (وشرها أولها) لكونها بعكس ذلك قال النووي وهذا على عمومه إن صلين مع الرجال فإن تميزن فهن كالرجال خيرها أولها وشرها آخرها قال الطيبي والخير والشر في صفي الرجال والنساء للتفضيل لئلا يلزم من نسبة الخير إلى أحد الصفين شركة الآخر فيه ومن نسبة الشر إلى أحدهما شركة الآخر فيه فيتناقض. ونسبة الشر إلى الصف الأخير وصفوف الصلاة كلها خير إشارة إلى أن تأخر الرجل عن مقام القرب مع تمكنه منه هضم لحقه وتسفيه لرأيه فلا يبعد أن يسمى شراً.
стр. 1001
- تسوية الصفوف:
١٦٦٣ - * روى الشيخان عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "سووا صفوفكم، فإن تسوية الصف من تمام الصلاة". وفي رواية (٢) قال: قال رسول الله ﷺ : "أتموا الصفوف، فإني أراكم من وراء ظهري" ومنهم من قال فيه: "أقيموا الصفوف". وللبخاري (٣) قال: أقيمت الصلاة، فأقبل علينا رسول الله ﷺ بوجهه، فقال: "أقيموا صفوفكم وتراصوا، فإني أراكم من وراء ظهري"- زاد في رواية (٤) - وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه بقدمه" وفي رواية (٥) أبي داود: أن رسول الله ﷺ قال: "رصوا صفوفكم، وقاربوا بينها، وحاذوا بالأعناق، فو الذي نفسي بيده، إني لأرى الشيطان يتخللكم ويدخل من خلل الصف كأنها الحذف" وله في أخرى (٦) قال محمد بن السائب: "صليت إلى جانب أنس يوماً، فقال: هل تدري: لم جعل هذا العود في القبلة؟ قلت: لا والله، قال: كان رسول الله صلى الله عليه سولم يضع يده عليه، فيقول: "استووا، وعدلوا صفوفكم" وفي أخرى (٧): "أن رسول الله ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة أخذ بيمينه، ثم التفت، فقال: اعتدلوا، سووا صفوفكم، ثم أخذه بيساره، وقال: اعتدلوا، سووا صفوفكم" وفي أخرى (٨) له: أن رسول الله ﷺ قال: "أتموا الصف المقدم، ثم الذي يليه، فما كان من
стр. 1002
نقص فليكن في الصف المؤخر" وفي رواية (١) للنسائي: أن النبي ﷺ كان يقول: "استووا، استووا، استووا، فو الذي نفسي بيده، إني لأراكم من خلفي كما أراكم من بين يدي".
أقول: من تصورنا لحجم الحذف نعرف أن ما ينبغي أن يكون بين قدم الرجل والرجل أقل من ذلك، وأن إلصاق القدم بالقدم نوع من المبالغة في تحقيق ذلك ولكنه لا يلزم بالتحديد إذا ما تحقق تضييق الفرجة، ولكن محاذاة الكعب للكعب مطلوبة كمحاذاة المنكب للمنكب.
قال في "الفتح" (٢/ ٢١١): قوله (باب إلزاق المنكب بالمنكب والقدم بالقدم في الصف المراد بذلك المبالغة في تعديل الصف وسد خلله، وقد ورد الأمر بسد خلل الصف والترغيب فيه في أحاديث كثيرة أجمعها حديث ابن عمر عند أبي داود وصححه ابن خزيمة والحاكم ولفظه "أن رسول الله ﷺ قال: "أقيموا الصفوف وحاذوا بين المناكب وسدوا الخلل ولا تذروا فرجات للشيطان، ومن وصل صفاً وصله الله، ومن قطع صفاً قطعه الله".
واستدل بحديث النعمان [رايت الرجل منا يلزق كعبه بكعب صاحبه] على أن المراد بالكعب في آية الوضوء العظم الناتئ في جانبي الرجل- وهو عند ملتقى الساق والقدم- وهو الذي يمكن أن يلزق بالذي بجنبه، خلافاً لمن ذهب أن المراد بالكعب مؤخر القدم، وهو قول شاذ ينسب إلى بعض الحنفية ولم يثبته محققوهم وأثبته بعضهم في مسألة الحج لا الوضوء، وأنكر الأصمعي قول من زعم أن الكعب في ظهر القدم. اهـ.
قال في الإعلاء وتسوية الصفوف سنة وإن وقع فيه لفظ الأمر وأصله الوجوب ولكنه
стр. 1003
محمول على الندب لما جاء في الباب أحاديث بألفاظ مختلفة ففي البخاري عن ابي هريرة مرفوعاً "وأقيموا الصف في الصلاة فإن إقامة الصف من حسن الصلاة"، وفيه أيضاً عن أنس مرفوعاً "سووا صفوفكم، فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة" اهـ. قال الحافظ في الفتح: قوله "من إقامة الصلاة" هكذا ذكره البخاري عن أبي الوليد، وذكره غيره عنه بلفظ "من تمام الصلاة" كذلك أخرجه الإسمعيلي عن ابن حذيفة، والبيهقي من طريق عثمان الدارمي كلاهما عنه، وكذلك أخرجه أبو داؤد عن أبي الوليد وغيره، وكذا مسلم وغيره من طريق جماعة عن شعبة اهـ (٢: ١٧٤). قال الحافظ: وقد استدل ابن حزم بقوله: "إقامة الصلاة" على وجوب تسوية الصفوف، قال: لأن إقامة الصلاة واجبة، وكل شيء من الواجب واجب، ولا يخفى ما فيه، لاسيما وقد بينا أن الرواة لم يتفقوا على هذه العبارة. وتمسك ابن بطال بظاهر حديث أبي هريرة فاستدل به على أن التسوية سنة قال: لأن حسن الشيء زيادة على تمامه، وأورد عليه رواية من تمام الصلاة، وأجاب ابن دقيق العيد، فقال: قد يؤخذ من قوله: "تمام الصلاة" الاستحباب.
أقول: يبالغ بعض الناس بإلصاق كعبه بكعب مصل آخر لدرجة أن يوجد بين رجليه من الفرجة الكثير وبهذا يكون قد خالف الحكمة من الأمر بإلصاق الكعب بالكعب.
١٦٦٤ - * روى مالك عن أبي سهيل [نافع] بن مالك [الأصبحي] عن أبيه قال: "كنت مع عثمان، فقامت الصلاة وأنا أكلمه في أن يفرض لي، فلم أزل أكلمه وهو يسوي الحصباء بنعليه، حتى جاءه رجال قد كان وكلهم بتسوية الصفوف، فأخبروه أن قد استوت، فقال: استو في الصف، ثم كبر".
١٦٦٥ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ "لما قدم المدينة، قيل له: ما أنكرت مما عهدت رسول الله ﷺ ؟ قال: ما أنكرت شيئاً، إلا أنكم لا تقيمون الصفوف".
стр. 1004
١٦٦٦ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أقيموا الصف، فإن إقامة الصف من حسن الصلاة" وفي أخرى (٢): "أن الصلاة كانت تقام لرسول الله ﷺ ، فيأخذ الناس مصافهم قبل أن يقوم النبي ﷺ مقامه".
١٦٦٧ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "أقيموا الصفوف، وحاذوا بين المناكب، وسدوا الخلل، ولينوا بأيدي إخوانكم، ولا تذروا فرجات الشيطان، ومن وصل صفاً وصله الله، ومن قطعه قطعه الله".
قال في "عون المعبود: ١/ ٢٥١): (وصله الله) أي برحمته (ومن قطع) أي بالغيبة أو بعدم السداد أو بوضع شيء مانع (قطعه الله) أي من رحمته الشاملة وعنايته الكاملة.
١٦٦٨ - * روى ابن خزيمة عن عائشة: عن رسول الله ﷺ ، قال: "إن الله وملائكته يصلون على الذين يصلون الصفوف".
١٦٦٩ - * روى ابن خزيمة عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ "خيركم ألينكم مناكب في الصلاة".
١٦٧٠ - * روى الطبراني عن بلال قال: كان النبي ﷺ يسوي مناكبنا في الصلاة.
стр. 1005
١٦٧١ - * روى أحمد عن عبد الله بن مسعود قال لقد رأيتنا وما تقام الصلاة حتى تكامل بنا الصفوف.
١٦٧٢ - * روى أبو داود عن البراء بن عازب ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يتخلل الصفوف من ناحية إلى ناحية، يمسح صدورنا ومناكبنا، ويقول: لا تختلفوا فتختلف قلوبكم، قال: وكان يقول: "إن الله وملائكته يصلون على الصفوف الأول"، وعند (٣) النسائي "الصفوف المقدمة" وفي أخرى (٤) لأبي داود قال كهمس [بن الحسن]: "قمنا بمنى إلى الصلاة والإمام لم يخرج، فقعد بعضنا، فقال لي شيخ من أهل الكوفة: ما يقعدك؟ قلت: ابن بريدة، قال: هذا السمود، فقال لي الشيخ: حدثني عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء بن عازب قال: كنا نقوم في الصفوف على عهد رسول الله ﷺ طويلاً قبل أن يكبر، قال: وكان رسول الله ﷺ يقول: "إن الله وملائكته يصلون على الذين يلون: الصفوف الأول، وما من خطوة أحب إلى الله من خطوة يمشيها العبد، يصل بها صفاً".
أقول: (قلت: ابن بريدة): أي إن ابن بريدة هو الذي أقعده بوصفه القيام قبل خروج الإمام بأنه السمود، وقوله: إن الله وملائكته يصلون على الذين يلون الصفوف الأول: الصفوف الأول ههنا: بدل عن الذين يلون، لأن الصفوف الأول مختصة بنوع من الرحمة أكثر من غيرها.
ورواية البراء لا تتعارض مع الإنكار على السمود، لأن رواية البراء تفيد أن الإمام
стр. 1006
خارج للناس لكنه مشغول بترتيب الصفوف، والحادثة التي هي محل الإنكار أن يقوم الناس منتظرين الإمام قبل خروجه.
١٦٧٣ - * روى ابن خزيمة عن البراء بن عازب يحدث، قال: كان رسول الله ﷺ يأتينا إذا قمنا إلى الصلاة فيمسح عواتقنا وصدورنا ويقول: "لا تختلف صدوركم فتختلف قلوبكم، إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول". وقال رسول الله ﷺ : "زينوا القرآن".
قال عبد الرحمن بن عوسجة: كنت نسيت: "زينوا القرآن بأصواتكم"، حتى ذكرنيه الضحاك بن مزاحم.
١٦٧٤ - * روى البزار عن أبي جحيفة أن النبي ﷺ قال: "من سد فرجة في الصف غفر له".
١٦٧٥ - * روى أبو داود عن جابر بن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم؟ قلنا: وكيف تصف الملائكة عند ربهم؟ قال: يتمون الصفوف المقدمة، ويتراصون في الصف".
- الصلاة بين السواري:
١٦٧٦ - * روى الطبراني عن ابن مسعود قال: لا تصطفوا بين السواري ولا تأتموا بقوم وهم يتحدثون.
стр. 1007
١٦٧٧ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعود: قال: إنما كرهت الصلاة بين السواري للواحد والاثنين.
أقول: قول ابن مسعود: (لا تأتموا بقوم وهم يتحدثون) معناه: أي لا تصلوا وأمامكم قوم يتحدثون، لأن ذلك يشغل المصلي ويزعج المتحدثين ويوافق أن يتوجه المصلي إلى وجوه بعض المتحدثين إذا كانوا متحلقين وكل ذلك مكروه، وفي تقييد ابن مسعود كراهية الصلاة بين السواري للواحد والاثنين فيها فسحة حين يضيق المسجد بالمصلين فيضطرون للصلاة بين السواري.
١٦٧٨ - * روى الطبراني عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ "إياكم والفرج يعني في الصلاة".
١٦٧٩ - * روى الترمذي عن عبد الحميد بن محمود قال: "صلينا خلف أمير من الأمراء، فاضطرنا الناس، فصلينا بين الساريتين، فلما صلينا قال أنس: كنا نتقي هذا على عهد النبي ﷺ "، وفي رواية (٤) أبي داود قال: "صليت مع أنس بن مالك يوم الجمعة، فدفعنا إلى السواري، فتقدمنا وتأخرنا، فقال أنس ... وذكر الحديث".
أقول: مذهب أنس يخالف مذهب ابن مسعود الذي مر معنا، فالصحابة حين ضيق المكان وكثرة المصلين مذهبان في الصلاة بين السواري.
قال في (إعلاء السنن ٤/ ٣٣٩): قال العيني في العمدة: إذا كان منفرداً لا بأس في الصلاة بين الساريتين إذا لم يكن في جماعة، وقيد بغير جماعة لأن ذلك يقطع الصفوف، وتسوية الصفوف في الجماعة مطلوبة اهـ (٢/ ٤٧٨). وقال الحافظ في "الفتح": قال المحب
стр. 1008
الطبري: كره قوم الصف بين السواري للنهي الوارد عن ذلك، ومحل الكراهة عند عدم الضيق، والحكمة فيه إما لانقطاع الصف أو لأنه موضع النعال اهـ. وقال ابن سيد الناس: والأول أشبه لأن الثاني. محدث وقال ابن العربي: ولا خلاف في جوازه عند الضيق، وأما عند السعة، فهو مكروه للجماعة، وأما الواحد فلا بأس به، وقد صلى ﷺ في الكعبة بين سواريها اهـ كذا في النيل (٣: ٢٣٥). وذكر في النيل أيضاً أنه رخص في الصف بين السواري أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وابن المنذر قياساً على الإمام، والمنفرد اهـ. والظاهر من كلام العيني المار أنه مكروه عند الحنفية لما فيه من قطع الصف، وقد تقدم أن قطع الصف مكروه عندنا تحريماً، وكرهه أبو حنيفة للإمام أيضاً، كما ذكره في رد المحتار عن معراج الدراية: الأصح ما روي عن أبي حنيفة أنه قال: أكره للإمام أن يقوم بين الساريتين أو زاوية أو ناحية المسجد أو إلى سارية لأنه بخلاف عمل الأمة اهـ (١: ٦٧٥) ففسد قياس المأموم على الإمام كما عزاه الشوكاني إلى أبي حنيفة، فلم يبق إلا القياس على المنفرد، وهو قياس مع الفارق فافهم.
١٦٨٠ - * روى ابن خزيمة عن قرة، قال: "كنا ننهى عن الصلاة بين السواري، ونطرد عنها طرداً".
- النهي عن التأخر عن الصف الأول بلا وجه شرعي:
١٦٨١ - * روى أبو داود عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يزال قوم يتأخرون عن الصف الأول حتى يؤخرهم الله في النار".
١٦٨٢ - * روى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ رأى في
стр. 1009
أصحابه تأخراً، فقال لهم: "تقدموا فائتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم، لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله".
١٦٨٣ - * روى الشيخان عن النعمان بن بشير ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "لتسون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم" ولمسلم (٢) أيضاً قال: كان رسول الله ﷺ يسوي صفوفنا، حتى كأنما يسوي بها القداح، حتى رأى أنا قد عقلنا عنه، ثم خرج يوماً، فقام حتى كاد أن يكبر، فرأى رجلاً بادياً صدره، فقال: "عباد الله، لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم" وأخرج أبو داود (٣) أيضاً قال: "أقبل رسول الله ﷺ على الناس بوجهه، فقال: أقيموا صفوفكم- ثلاثاً- والله لتقيمن صفوفكم، أو ليخالفن الله بين قلوبكم، قال: فرأيت الرجل منا يلزق منكبه بمنكب صاحبه، وركبته بركبته، وكعبه بكعبه" وله في أخرى (٤) قال: "كان رسول الله ﷺ يسوي صفوفنا إذا قمنا للصلاة، فإذا استوينا كبر".
قوله "أو ليخالفن الله بين وجوهكم" أي إن لم تسووا والمراد بتسوية الصفوف اعتدال القائمين بها على سمت واحد ويراد بها أيضاً سد الخلل الذي في الصف واختلف في الوعيد المذكور فقيل هو على حقيقته والمراد تشويه الوجه بتحويل خلقه عن موضعه بجعله موضع القفا أو نحو ذلك وفيه من اللطائف وقوع الوعيد من جنس الجناية وهي المخالفة. ومنهم من حمل الوعيد المذكور على المجاز قال النووي معناه يوقع بينكم العداوة والبغضاء واختلاف القلوب كما تقول تغير وجه فلان أي ظهر لي من وجهه كراهة لأن مخالفتهم في الصفوف مخالفة في ظواهرهم واختلاف الظواهر سبب لاختلاف البواطن ويؤيده رواية أبي
стр. 1010
داود بلفظ "أو ليخالفن الله بين قلوبكم" وقال القرطبي معناه تفترقون فيأخذ كل واحد وجهاً غير الذي يأخذه صاحبه لأن تقدم الشخص على غيره مظنة للتكبر المفسد للقلب الداعي إلى القطيعة اهـ انظر (النيل ٣/ ٢٣)، (عون المعبود ١/ ٣٥٠).
وقال في "الفتح" في تعليقه على قول البخاري باب إثم من لم يتم الصفوف: ويحتمل أن يكون البخاري أخذ الوجوب من صيغة الأمر في قوله "سووا صفوفكم" ومن عموم قوله "صلوا كما رأيتموني أصلي" ومن ورود الوعيد على تركه، فرجح عنده بهذه القرائن أن إنكار أنس إنما وقع على ترك الواجب وإن كان الإنكار قد يقع على ترك السنن، ومع القول بأن التسوية واجبة فصلاة من خالف ولم يسو صحيحة لاختلاف الجهتين، ويؤيد ذلك أن أنساً مع إنكاره عليهم لم يأمرهم بإعادة الصلاة. وأفرط ابن حزم فجزم بالبطلان، ونازع من ادعى الإجماع على عدم الوجوب بما صح عن عمر أنه ضرب قدم أبي عثمان النهدي لإقامة الصف، وبما صح عن سويد بن غفلة قال "كان بلال يسوي مناكبنا ويضرب أقدامنا في الصلاة" فقال: ما كان عمر وبلال يضربان أحداً على ترك غير الواجب، وفيه نظر، لجواز أنهما كانا يريان التعزير على ترك السنة اهـ (٢/ ٢١٠).
- حكم الصلاة منفرداً خلف الصف:
١٦٨٤ - * روى أبو داود عن هلال بن يساف قال: "أخذ زياد بن الجعد بيدي ونحن بالرقة، فقام بي على شيخ يقال له: وابصة بن معبد من بني أسد، فقال زياد: حدثني هذا الشيخ وهو يسمع: أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً يصلي خلف الصف وحده، فأمره أن يعيد الصلاة"، وأخرج أبو داود منه المسند، وفيه "فأمره أن يعيد" قال سليمان بن حرب "الصلاة".
١٦٨٥ - * روى أحمد عن علي بن شيبان صلينا خلفه يعني النبي ﷺ ، فقضى نبي الله
стр. 1011
صلى الله عليه وسلم الصلاة، فرأى رجلاً فرداً يصلي خلف الصف، فوقف عليه نبي الله ﷺ حتى قضى صلاته، ثم قال له: "استقبل صلاتك، فلا صلاة لفرد خلف الصف".
أقول: الأمر بإعادة الصلاة لمن صلى وحده جماعة خلف الصفوف، لأن صلاته مكروهة لا باطلة، فالصلاة المكروهة تجب إعادتها قبل خروج الوقت لحديث أبي بكرة السابق، ومن وجد نفسه منفرداً وراء الصفوف فإنه يدخل في الصلاة بتكبيرة الإحرام ثم يشد واحداً من أمامه إليه ليخرج من الانفراد وراء الصف، فإذا لم يفهم من أمامه ولم يأت أحد يصلي معه فقد سقط عنه الحرج.
قال في "الإعلاء": وحديث وابصة: محمول على الاستحباب، لأن حديث أبي بكرة المتقدم دل على صحة الصلاة، وعدم وجوب إعادتها. قال الحافظ في الفتح: واستدل الشافعي وغيره بحدييث أبي بكرة على أن الأمر في حديث وابصة للاستحباب لكون أبي بكرة أتى بجزء من الصلاة خلف الصف، ولم يؤمر بالإعادة لكن نهي عن العود إلى ذلك، فكأنه أرشد إلى ما هو الأفضل اهـ. وفيه أيضاً: وجمع أحمد وغيره عن الحديثين بوجه آخر، وهو أن حديث أبي بكرة مخصص لعموم حديث وابصة، فمن ابتدأ الصلاة منفرداً خلف الصف ثم دخل في الصف قبل القيام من الركوع لم تجب عليه الإعادة كما في حديث أبي بكرة، وإلا فيجب على عموم حديث وابصة وعلي بن شيبان اهـ.
(الإعلاء ٤/ ٣١٠). وقال في (٤/ ٣٢٢) هذا وعيد شديد، ومقتضاه في الظاهر وجوب التقدم إلى الصف الأول، كما زعمه بعض الناس ولكن لم يقل به أحد من الأئمة، والمذهب استحباب ذلك، كما في الهندية عن القنية، والقيام في الصف الأول أفضل من الثاني، وفي الثاني أفضل من الثالث اهـ (١: ٥٦). والذي ظهر لي في معنى الحديث أن الوعيد ليس على التأخر من الصف الأول بخصوصه، كما يتبادر من ظاهر لفظه، بل الوعيد على منشأ هذا التأخر الذي هو أمر باطني وهو تقاعد باطن المرء عن السبق إلى الخيرات والمبرات،
стр. 1012
واعتياده لذلك حتى يظهر أثره في التأخر عن الصف الأول أيضاً.
وفي "الدر المختار": وإن سبق أحد إلى الصف الأول، فدخل رجل أكبر منه سناً أو أهل علم ينبغي أن يتأخر ويقدمه تعظيماً له اهـ قال: فهذا يفيد جواز الإيثار بالقرب بلا كراهة خلافاً للشافعية، وقال في الأشباه: لم أره لأصحابنا أقول: - أي صاحب الإعلاء- وينبغي تقييد المسألة بما إذا عارض تلك القربة ما هو أفضل منها كاحترام أهل العلم، والأشياخ كما أفاده الفرع السابق، أما لو آثر على مكانه في الصف مثلاً من ليس كذلك يكون أعرض عن القربة بلا داع، وهو خلاف المطلوب شرعاً اهـ ملخصاً.
стр. 1013
مسائل وفوائد
- يستحب للإمام بعد أن ينتهي من صلاة الفريضة أن يتحول عن مكانه قليلاً إذا أراد أن يتنفل ويستحب للمأمومين كسر الصفوف بعد صلاة الجماعة إذا أرادوا أن يتنفلوا بتقدم على الصف أو بتأخر حتى لا يشتبه الحال على الداخل الجديد بأن القوم ما زالوا في جماعة، ولابن حجر في "فتح الباري" تحقيق ذكر فيه بعض الأدلة على هذا الذي ذكرناه ومن كلامه:
روى ابن أبي شيبة بإسناد حسن عن علي قال: من السنة أن لا يتطوع الإمام حتى يتحول من مكانه، وحكى ابن قدامة في "المغني" عن أحمد أنه كره ذلك، وقال: لا أعرفه عن غير علي، فكأنه لم يثبت عنده حديث أبي هريرة ولا المغيرة، وكأن المعني في كراهة ذلك خشية التباس النافلة بالفريضة، وفي مسلم عن السائب بن يزيد أنه صلى مع معاوية الجمعة فتنفل بعدها، فقال له معاوية: إذا صليت الجمعة فلا تصلها بصلاة حتى تتكلم أو تخرج، فإن النبي ﷺ أمرنا بذلك، ففي هذا إرشاد إلى طريق الأمن من الالتباس، وعليه تحمل الأحاديث المذكورة، ويؤخذ من مجموع الأدلة أن للإمام أحوالاً، لأن الصلاة إما أن تكون مما يتطوع بعدها، أو لا يتطوع، الأول اختلف، هل يتشاغل قبل التطوع بالذكر المأثور ثم يتطوع، وهذا الذي عليه عمل الأكثر، وعند الحنفية: يبدأ بالتطوع، وحجة الجمهور حديث معاوية، ويمكن أن يقال: لا يتعين الفصل بين الفريضة والذكر، بل إذا تنحى من مكانه كفى، فإن قيل: لم يثبت الحديث في التنحي، قلنا: قد ثبت في حديث معاوية: "أو تخرج" ويترجح تقديم الذكر المأثور بتقييده في الأخبار الصحيحة بدبر الصلاة.
- من أقوال الحنفية في أحكام الجماعة: صلاة الجماعة سنة للرجال الأحرار بلا عذر، وصح اقتداء قائم بقاعد يركع إيماءً ويسجد، ولا يصح الاقتداء بمومئ لا يسجد، وصح اقتداء متوضئ بمتيمم وغاسل بماسح ومومئ بمثله ومتنفل بمفترض ولا يصح اقتداء مفترض بمتنفل.
- قال الحنفية: يسقط حضور الجماعة بواحد من ثمانية عشر شيئاً: مطر وبرد وخوف وظلمة وحبس وعمى وفلج وقطع يد ورجل وسقام وإقعاد ووجل وزمانة وشيخوخة
стр. 1014
وتكرار فقه- أي اشتغال لعلوم شرعية ولو لم تكن مفروضة فرض عين- وحضور طعام تتوقه نفسه وإرادة سفر وقيامه بمريض وشدة ريح ليلاً لا نهاراً وإذا انقطع عن الجماعة بعذر من أعذارها المبيحة للتخلف يحصل له ثوابها.
ومثل الفقه عندهم العلوم الشرعية في إسقاطه الجماعة وطلاب العلوم الكفائية ولو كانت دنيوية يحاولون أن يصلوا جماعة بعد خروجهم من مدارسهم أو صفوفهم ما أمكنهم ذلك وإلا جازت صلاتهم بلا إثم لأن صلاة الجماعة سنة عند الحنفية.
- إذا سلم الإمام قبل فراغ المقتدي من التشهد يتمه ثم يسلم.
- من أبحاث الفقهاء أثناء الكلام عن الجماعة بحث الاستخلاف وهو أن ينيب الإمام غيره من المقتدين إن كان صالحاً للإمامة لإتمام الصلاة بدل الإمام فيصير الثاني إماماً ويخرج الأول عن الإمامة ويصبح في حكم المقتدي بالثاني، وعند الحنفية يجوز الاستخلاف إن سبق الإمام حدث واستئناف الصلاة في حق جميع المصلين أفضل خروجاً من الخلاف لمن منعه.
وشرط صحة الاستخلاف سبق حدث اضطراري لا اختيار للإمام فيه ولا في سببه، ومنه الحدث من نحو عطاس أو عجز عن قراءة قدر المفروض ولا يصح الاستخلاف في كل حالة تفسد بها صلاة القوم بسبب فساد صلاة الإمام كانكشاف عورة الإمام في صلاة بقدر ركن.
ومن دخل في الصلاة ثم تبين له أنه في الأصل كان محدثاً فلا صلاة له وبطلت صلاته وصلاة من خلفه، نص على ذلك الحنفية وغيرهم.
والأعذار التي تبيح الاستخلاف عند المالكية ثلاثة.
١ - الخوف على مال له أو لغيره أو خاف على نفسه من التلف.
٢ - أن يطرأ على الإمام ما يمنعه من الإمامة كالعجز عن ركن أو حصول رعاف مانع للإمام أو تذكره لنجاسة على جسمه أو ثوبه.
٣ - أن يطرأ على الإمام ما يبطل الصلاة من بول أو ريح أو يتذكر أنه كان محدثاً قبل الصلاة.
стр. 1015
وقال الشافعية في المذهب الجديد: يجوز الاستخلاف للإمام إذا أصابه حدث أو رعاف.
وعند الشافعية يجوز للمصلين أنفسهم أن يستخلفوا إذا لم يستخلف الإمام.
وقال الحنابلة يجوز الاستخلاف لخوف ومرض شديد وعجز عن ركن قولي أو واجب قولي ولا يجوز الاستخلاف لسبق الحدث للإمام لأن صلاته تبطل به ويلزمه الاستئناف.
ويحمل كثير من الفقهاء ما فعله أبو بكر حين تراجع عن الإمامة واستخلف رسول الله ﷺ على أنه فعل ذلك لأنه دخل في حالة لا يستطيع معها القيام بأقوال الصلاة وأفعالها إجلالاً لرسول الله ﷺ وهيبته له.
والفقهاء متفقون على أن الإمام إذا أراد الاستخلاف والانسحاب يمسك بأنفه مشعراً إياهم بأنه قد رعف لرفع الحرج عنه، كما أن الجمهور يرون أني ستأنف الإمام والمأموم الصلاة إذا طرأ طارئ بسبب كثرة الشروط التي يحتاج إليها الاستخلاف وبناء الإمام الأول على صلاته الأولى وكذلك من أصابه حدث سماوي فإنه وإن أجاز له بعض الفقهاء أن يذهب ويتوضأ ويبني على صلاته الأولى فالأفضل في حقه الاستئناف لكثرة الشروط التي ينبغي مراعاتها.
وموضوع جواز البناء على الصلاة بسبب عذر طارئ في استخلاف الإمام موضوع دقيق يحتاج فيه صاحب كل مذهب أن يدرسه في كتب الفقه الموسعة في مذهبه لإدراك حيثياته الدقيقة، وإنما أشرنا إليه ههنا كي لا يخلو الكتاب من بحث مهم اعتاد الفقهاء أن يتوسعوا فيه بمناسبة الكلام عن الجمعة والجماعة.
وإليك ما ذكره الحنفية في هذا الموضوع منقولاً من كتاب الفقه الإسلامي وأدلته:
ويشترط لصحة الاستخلاف عند الحنفية شروط ثلاثة:
أولها- توافر شروط البناء على الصلاة السابقة؛ لأن الاستخلاف في الحقيقة بناء من الخليفة على ما صلاه الإمام، وهي ثلاثة عشر شرطاً:
كون الحدث قهرياً، من بدنه لا من نجاسة غيره، وكونه غير موجب للغسل كإنزال بتفكر، وغير نادر كالإغماء والجنون والقهقهة، وألا يؤدي ركناً مع الحدث، أو يمشي، ولم
стр. 1016
يفعل منافياً عمداً كأن يحدث باختياره، ولا ما لحاجة له به كالذهاب لماء بعيد مع وجود القريب، وألا يتراخى قدر ركن بغير عذر كزحمة، وألا يتبين أنه كان محدثاً سابقاً قبل الدخول في الصلاة، وألا يتذكر فائتة إن كان صاحب ترتيب مطلوب منه (بأن خرج وقت الصلاة السادسة بعد الفائتة) لأنه تفسد الصلاة الوقتية التي يصليها بذلك السبب، والا يتم المؤتم في غير مكانه، فمن سبقه الحدث إماماً أو مأموماً وجب عليه أن يعود بعد الوضوء ليصلي مع الإمام إذا لم يكن قد فرغ إمامه من صلاته، فلو أتم في مكانه فسدت صلاته، أما المنفرد فله أن يتم في مكانه أو غيره، وألا يستخلف الإمام غير صالح للإمامة كصبي وامرأة وأمي، فإذا استخلف أحدهم فسدت صلاته وصلاة القوم.
ثانيها- ألا يخرج الإمام من المسجد أو المصلى العام في الصحراء، أو الدار التي كان يصلي فيها قبل الاستخلاف، لأنه على إمامته ما لم يجاوز هذا الحد، فإن خرج بطلت الصلاة أي صلاة القوم والخليفة دون الإمام في الأصح، ما لم يتقدم أحد المصلين بنفسه ناوياً الإمامة ...
ثالثها- ألا يجاوز الصفوف قبل الاستخلاف إن ذهب يمنة أو يسرة، وألا يجاوز السترة قدامه، أو موضع السجود إن لم تكن له سترة على المعتمد، إن كان يصلي في الصحراء.
وإذا لم يحصل استخلاف، واتم القوم الصلاة فرادى، بطلت صلاة الجميع اهـ (انظر: (حاشية ابن عابدين ١/ ٤٠٣)، (الشرح الصغير ١/ ٤٦٥ - ٤٧٢)، (المهذب ١/ ٩٦)، (المغني ٢/ ١٠٢)، (الفقه الإسلامي ٢/ ٢٥٢ فما بعدها).
- لابد عند الحنفية لصحة صلاة المرأة وراء الإمام أن ينوي الإمام إمامتها، أما إذا لم يكن من ورائه نساء فإن نوى الإمامة كان مأجوراً وإن لم ينو الإمامة صح الاقتداء به، أما المأموم فلابد أن ينوي الاقتداء.
- إذا كان ارتفاع الإمام عن المأمومين يسيراً فلا كراهة فيه عند المالكية والحنابلة، أما إذا كان الارتفاع كثيراً فالمذاهب الأربعة على كراهة الارتفاع وقال الشافعية: إذا كان ذلك لضرورة أو بقصد التعليم فلا كراهة.
стр. 1017
اتفقت المذاهب الأربعة على إجازة الفتح على الإمام إذا أرتج عليه.
- قال المالكية: إذا قال الإمام (ولا الضالين) فإن المأمومين يؤمنون ولا يؤمن الإمام وجمهور العلماء على أن الإمام يؤمن كما يؤمن المأموم.
- في القراءة وراء الإمام ثلاثة مذاهب:
مذهب الحنفية أنه لا يقرأ المأموم معه شيئاً.
ومذهب الشافعية يقرأ المأموم فيما أسر الإمام الفاتحة وغيرها وفيما جهر يقرأ الفاتحة فقط.
ومذهب المالكية والحنابلة أن المأموم يقرأ مع الإمام فيما أسر به ولا يقرأ فيما جهر به، وزاد الحنابلة: إن للمأموم أن يقرأ وراء الإمام في الجهرية إذا لم يكن يسمع صوت الإمام.
- قال الحنفية: يتحمل الإمام سهو المأموم إلا إذا سها عن فريضة، فقد اتفق الفقهاء جميعاً على أن الإمام لا يحمل عن المأموم ما كان من فرائض الصلاة إلا أن هناك خلافاً بين الفقهاء حول ما هو فريضة في الصلاة.
- قال الحنفية: إن دخل الإمام بالصلاة وهو محدث فإن صلاته باطلة وصلاة من وراءه باطلة، وإذا تذكر بعد انتهاء الصلاة يجب عليه أن يعلم المأمومين ليعيدوا صلاتهم، وإذا تذكر أثناء الصلاة أعلن عن بطلان الصلاة وقدم المأمومون غيره وبدأوا الصلاة من جديد، وإذا تذكر بعد ما انفض الناس فعليه أن يعلم من صلى وراءه قدر الإمكان ليعيدوا صلاتهم، أما إذا طرأ مفسد على صلاة الإمام وجاز له أن يتوضأ ويبني على صلاته فله أن يستخلف كما مر معنا ولا تبطل صلاة المأمومين، وقال المالكية: إذا صلى الإمام بجنابة أو على غير وضوء بطلت صلاته في العمد والنسيان وتبطل صلاة المأموم في العمد دون النسيان، ولا تبطل صلاة المأموم عند الشافعية في كل الأحوال إلا إذا صلى وراء امرأة أو كافر، وقال الحنابلة: كما قال الشافعية بالنسبة للصلاة وراء المرأة أو الكافر، وعند الحنابلة: إذا قضى الإمام والمأمومون الصلاة وكان الجميع يجهلون حدث الإمام أو نجاسة ثوبه
стр. 1018
وبدنه ثم تذكر الإمام أو علم المأمومون فصلاتهم جائزة وصلاته باطلة، أما إذا صلى إنسان يحدث أو نجس إماماً وهو يعلم ذلك وعلم من وراءه بحاله فصلاته باطلة وصلاتهم كذلك باطلة، وقد أكفر بعض الحنفية من صلى محدثاً وهو يعلم.
стр. 1019
الفصل الثالث
في: صلاة الجمعة وما يتعلق بها
وفيه: عرض إجمالي وفقرات ومسائل وفوائد
الفقرة الأولى: في فضل يوم الجمعة وفي بعض خصائصه.
الفقرة الثانية: في وجوب صلاة الجمعة على المكلفين بها إلا لعذر وفي الترهيب من تركها وفي بعض آدابها.
الفقرة الثالثة: وقت الجمعة ونداؤها وخطبتها وآدابها.
الفقرة الرابعة: راتبة الجمعة.
стр. 1020
العرض الإجمالي
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (١). فصلاة الجمعة فرض عين على المكلفين بها، يكفر جاحدها لثبوتها بالدليل القطعي فهي ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع وهي أفضل الصلوات، كما أنها فرض مستقل بالنسبة للمكلف بها، فليست بدلاً عن الظهر في حقه، وكما أن الجمعة فريضة في حق المكلفين بها فإن السعي إليها فريضة لأنه الوسيلة لتحقيق هذه الفريضة ويبدأ وجوب السعي إليها عند الجمهور بالأذان الذي يكون بين يدي الخطيب، وعند الحنفية بالأذان الأول عند الزوال، إلا إذا كان بعيد الدار عن المسجد فيجب عليه السعي بقدر ما يدرك الفريضة، والتبكير إليها فضيلة.
وفي يوم الجمعة ساعة يستجاب الدعاء فيها وقد ذهب بعضهم إلى أنها بعد عصر يوم الجمعة وذهب آخرون إلى أنها عند جلوس الإمام للخطبة إلى نهاية الصلاة.
قال الحنفية: ومن سعى يريد الجمعة وقضاء حوائجه وكان معظم مقصوده الجمعة نال ثواب السعي إليها ومتى وجب السعي إليها- بالأذان الأول عند الحنفية وبالأذان الثاني عند الجمهور- فقد حرم البيع وغيره من العقود وسائر الصنائع والأعمال وإذا وقع البيع وقت النداء فقد قال الحنفية البيع صحيح مكروه تحريماً وقال الشافعية البيع صحيح حرام.
وتجب الجمعة على البالغ العاقل الحر الذكر المقيم غير المسافر الخالي من الأعذار التي تسقط وجوب الجمعة والذي يكون في مكان قريب من المكان الذي تصلي به الجمعة بحيث يسمع النداء، لكن إن حضر من لم تجب عليه الجمعة إليها وصلى مع الناس أجزأه ذلك عن فرض الوقت.
ويجوز عند الحنفية والمالكية للمكلف بالجمعة السفر يوم الجمعة بعد الفجر. وقبل الزوال على أن يكون خارج عمران المصر قبل دخول وقت الظهر والصحيح من مذهب الحنفية: أنه يكره السفر بعد الزوال قبل أن يصلي الجمعة ولا يكره قبل الزوال، وقال الشافعية