فأتى رسول الله ﷺ إنسان منهم وهو عندي، فقال النبي ﷺ : "لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا؟ ".
وفي رواية (١) يحيى بن سعيد "أنه سأل عمرة عن الغسل يوم الجمعة؟ فقالت: قالت عائشة: كان الناس مهنة أنفسهم، فكانوا إذا راحوا إلى الجمعة راحوا في هيئتهم، فقيل لهم: لو اغتسلتم؟ ".
وفي أخرى (٢) "كان الناس أهل عمل، ولم يكن لهم كفاة، فكانوا يكون لهم تفل، فقيل لهم: لو اغتسلتم يوم الجمعة؟ ".
١٧٣٩ - * روى أحمد عن سمرة بن جندب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل".
١٧٤٠ - * روى ابن خزيمة عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 1052
"من أتى الجمعة من الرجال والنساء فليغتسل، ومن لم يأت فليس عليه غسل من الرجال والنساء".
أقول: قوله ﵊ ومن لم يأتها: أي لعذر من الأعذار التي تبيح ترك الجمعة.
١٧٤١ - * روى الطبراني في الأوسط عن علي قال: يستحب الغسل يوم الجمعة وليس بحتم.
١٧٤٢ - * روى البزار عن عبد الله بن مسعود قال: من السنة الغسل يوم الجمعة.
- اتخاذ لباس خاص للجمعة:
١٧٤٣ - * روى مالك عن يحيى بن سعيد ﵀ بلغه أن رسول الله ﷺ قال: "ما على أحدكم لو اتخذ ثوبين لجمعته، سوى ثوبي مهنته".
١٧٤٤ - * روى أبو داود عن محمد بن يحيى بن حبان ﵀ أن رسول الله ﷺ قال: "ما على أحدكم إن وجد- أو ما على أحدكم إن وجدتم- أن يتخذ ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته".
وفي رواية (٥) عنه عن ابن سلام: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول ذلك على المنبر.
стр. 1053
- متى تدرك الجمعة:
١٧٤٥ - * روى النسائي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "من أدرك من صلاة الجمعة ركعة فقد أدرك".
- من نعس في صلاة الجمعة فليتحول من مكانه:
١٧٤٦ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "إذا نعس أحدكم يوم الجمعة فليتحول من مجلسه ذلك".
الأمر بالتحول للندب، قال في (فيض القدير ١/ ٤٤٩): لأن الحركة تذهب الفتور الموجب للنوم فإن لم يكن في الصف محل يتحول له قام وجلس، قال في الأم: ولو ثبت في مجلسه وتحفظ من النعاس لم أكرهه والتحول الانتقال من موضع لآخر وهذا عام في جميع الأيام، وتخصيصه بالجمعة في خبر الترمذي إنما هو لإطالة مكث المبكر بل أجراه بعضهم في كل من قعد ينتظر عبادة في أي محل أي يوم كان، وفيه حث على استقبال الصلاة بنشاط وخشوع وفراغ قلب وتعقل لما يقرأه أو يدعو به والمحافظة على الإتيان بالأركان والسنن والآداب اهـ.
- إذا اجتمع العيد والجمعة لا تسقط الجمعة به:
١٧٤٧ - * روى مالك عن ابن شهاب عن أبي عبيد مولى ابن أزهر أنه قال: شهدت العيد مع عثمان بن عفان، فجاء، فصلى ثم انصرف، فخطب، وقال: "إنه قد اجتمع لكم في يومكم هذا عيدان، فمن أحب من أهل العالية أن ينتظر الجمعة. فلينتظرها، ومن أحب أن يرجع فقد أذنت له".
عن عمر بن عبد العزيز قال: اجتمع عيدان على عهد النبي ﷺ فقال: "من أحب
стр. 1054
أن يجلس من أهل العالية فليجلس في غير حرج". أخرجه الإمام الشافعي، قال في الإعلاء، وإسناده مرسل حسن. وشيخ الإمام ضعيف عند الجمهور، وثقة عنده وعند حمدان بن الإصبهاني، وقال ابن عقدة: "نظرت في حديث إبراهيم كثيراً، وليس بمنكر الحديث". قال ابن عدي: "وهذا الذي قاله كما قاله" اهـ (تهذيب) وإبراهيم بن عقبة من رجال مسلم ثقة (تهذيب) وعمر بن عبد العزيز أمير المؤمنين من خير التابعين، وإرسال مثله مقبول حجة عندنا، وله شاهد مرفوع موصول مقيداً بأهل العوالي. رواه البيهقي من حديث سفيان بن عيينة عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي صالح عن أبي هريرة، وإسناده ضعيف اهـ التلخيص الحبير (١/ ٤٦). والمرسل إذا تأيد بموصول ولو ضعيفاً، فهو حجة عند الكل، كما مر غير مرة .. اهـ.
قال في (إعلاء السنن ٨/ ٧٤ - ٧٥): وأنما رخص عثمان في الجمعة لأهل العالية لأنهم ليسوا من أهل المصر. وهو قول أبي حنيفة اهـ. وكان عثمان قال ذلك بمحضر من الصحابة، فلو كانت الرخصة تعم أهل القرى، وأهل البلد جميعاً، كما زعمه أحمد بن حنبل ﵀ لأنكروا عليه تخصيصها بأهل العالية، فثبت أن الرخصة مخصوصة بمن لم تجب عليهم الجمعة، فلا تترك الجمعة بالعيد، كيف؟ وأن فريضة الجمعة ثابتة بالكتاب والإجماع، لازمة على أهل البلد، فلا يجوز إسقاطها عنهم بما هو دون إلا بنص قطعي مثله. ودونه خرط القتاد، فإن الآثار التي استدل بها أحمد ﵀ على سقوط الجمعة بالعيد عن أهل البلد من الآحاد مع احتمال اختصاصها بأهل القرى، والعوالي.
ثم أورد الإمام التهانوي في الإعلاء أدلة الآخرين القائلين بسقوط الجمعة إذا اجتمعت مع صلاة العيد فقال: فمنها ما رواه ابن ماجة (ص- ٢٠٣) عن ابن عباس ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "اجتمع عيدان في يومكم هذا، فمن شاء أجزأه من الجمعة، وإنا مجمعون إن شاء الله. قال السندي وفي الزوائد: إسناده صحيح، ورجاله ثقات ورواه أبو داود في سننه عن أبي هريرة بهذا الإسناد اهـ.
ثم قال بعد كلام حول سند الحديث: وإن سلمنا صحته مرفوعاً فنقول: كان أهل القرى يجتمعون لصلاة العيدين ما لا يجتمعون لغيرهما، كما هو العادة، وكان في انتظارهم الجمعة
стр. 1055
بعد الفراغ من العيد حرج عليهم، فلما فرغ رسول الله ﷺ من صلاة العيد نادى مناديه: "من شاء منكم أن يصلي الجمعة، فليصل، ومن شاء الرجوع، فليرجع". وكان ذلك خطاباً لأهل القرى المجتمعين هناك. والقرينة على ذلك بأنه قد صرح فيه بأنا مجمعون، والمراد به من جمع المتكلم أهل المدينة بلا شك وفيه دلالة واضحة على أن الخطاب بقوله: "من شاء منك أن يصلي" لأهل القرى، دون أهل المدينة، ويؤيده ما ذكرنا في المتن من مرسل عمر بن عبد العزيز قال: اجتمع عيدان على عهد النبي ﷺ ، فقال: "من أحب من أهل العالية أن يجلس فليجلس في غير حرج". وكذا هو في رواية عبد العزيز بن رفيع عن أبي صالح عن أبي هريرة مقيداً "بأهل العوالي". وقد ذكرنا أن مجموع المرسل، والموصول صالح للاحتجاج به حتماً على أن إبداء الاحتمال يجوز بالضعيف أيضاً، فلا يصح الاستدلال بظاهر ما في رواية ابن ماجة، وأبي داود من العموم في قوله: "فمن شاء أجزأه من الجمعة" على سقوط الجمعة بالعيد عن أهل البلد، لاحتمال كونه مختصاً بأهل القرى، بقرينة قوله: "وإنا لمجمعون". وبقرينة مرسل عمر بن عبد العزيز وموصول أبي هريرة مقيداً لهم وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال.
واندحض بما ذكرنا ما قاله العلامة الشوكاني في النيل: "إن قول عثمان لا يخصص قوله ﷺ " اهـ (١ - ١٦٤). فقد رأيت أنا لم نخصص المرفوع إلا بالمرفوع، وإذا جاز تخصيص خبر الواحد بدلالة العقل، والعرف، والقياس، كما تقرر في الأصول، فجواز تخصيصه بقول الصحابي أولى، لكونه أعرف الناس بمراد الرسول ﷺ ، لاسيما عند من يجعل أقوال الصحابة حجة. فافهم.
وهذا هو الجواب عما رواه الخمسة إلا الترمذي، وصححه ابن خزيمة عن زيد بن أرقم ﵁ قال: صلى النبي ﷺ العيد ثم رخص في الجمعة، فقال: "من شاء أن يصلي فليصل" كذا في بلوغ المرام (١ - ١٨٣). فإن قوله: "من شاء أن يصلي فليصل" مختص بأهل القرى والعوالي، بدليل ما ذكرناه. وفي التلخيص الحبير: وصححه ابن المديني. وقال ابن المنذر: "هذا الحديث لا يثبت. وأياس بن أبي رملة راويه عن زيد مجهول" اهـ (١ - ١٤٦). قلت: وصححه الحاكم في المستدرك، والذهبي في تلخيصه (١ - ٢٨٨).
стр. 1056
والعجب منهم كيف صححوه؟ وفيه أياس بن أبي رملة وهو مجهول. اهـ بكما قال الذهبي في الميزان وابن حجر في التقريب].
ثم قال في الإعلاء بعد كلام حول حديث أياس وجهالته (٨/ ٧٧):
واحتجت الحنابلة أيضاً بما رواه مسدد والمروزي في العيدين، وصحح، كما في كنز العمال (٤ - ٣٣٧)، والحاكم في المستدرك، وصححه على شرطهما، وأقره الذهبي (١ - ٢٩٦) عن وهب بن كيسان قال: "اجتمع عيدان على عهد ابن الزبير فأخر الخروج حتى تعالى النهار، ثم خرج، فخطب فأطال ثم نزل، فصلى ركعتين، ولم يصل الناس الجمعة. فعاب ذلك عليه ناس، فذكر ذلك لابن عباس، فقال: أصاب السنة. فذكروا ذلك لابن الزبير، فقال: رأيت عمر بن الخطاب إذا اجتمع على عهده عيدان صنع هكذا. اهـ. وقد رواه النسائي: وسكت عنه إلى قوله: السنة (١ - ٢٣٦). وفي النيل: "رجاله رجال الصحيح، وقد رواه أبو داود (١/ ٤١٧) وسكت عنه. وقال النووي: "إسناده حسن" كما في نصب الراية. وعن عطاء بن أبي رباح عند أبي داود أيضاً قال: "صلى بنا الزبير في يوم عيد في يوم جمعة أول النهار ثم رحنا إلى الجمعة، فلم يخرج إلينا فصلينا [أي الظهر] وحدانا وكان ابن عباس بالطائف، فلما قدم ذكرنا ذلك له، فقال: أصاب السنة" اهـ قال الزيلعي: قال النووي: "إسناده على شرط مسلم" (١ - ٣٢٦). وفي رواية له "فجمعهما جميعاً، فصلاهما ركعتين بكرة لم يزد عليهما حتى صلى العصر" اهـ. وفي النيل: رجاله رجال الصحيح (٣ - ١٦٤).
قلت: لا حجة لهم في ذلك أصلاً، فإن الناس كلهم أنكروا على ابن الزبير، ولم يوافقه على فعله من الصحابة غير ابن عباس، وأمر لا يعرفه أكثر الناس في عهد الصحابة، بل ينكرونه لا يجوز به إسقاط فريضة قد أجمع عليها، ولا يخفى أن ابن الزبير، وابن عباس كان صغيرين في عهد النبي ﷺ ، فلعلهما سمعا منادي النبي ﷺ ينادي: "من شاء منكم أن يصلي فليصل ومن شاء الرجوع فليرجع"، وكان ذلك خطاباً لأهل القرى، فلم يفهما المراد به، وظناه عاماً لأهل البلد أيضاً. فجمع ابن الزبير الجمعة والعيد، وقال فيه ابن عباس: "إنه أصاب السنة" أي أصاب ما سمعه من منادي النبي ﷺ من قوله: "من شاء
стр. 1057
فليصل" بالمعنى الذي فهمه، وأما قول ابن الزبير: "رأيت عمر بن الخطاب إذا اجتمع عيدان صنع هكذا" فلعل عمر ﵁ فعل ذلك بعذر عرفه الناس، ولم يعرفه ابن الزبير ولذا أنكروا عليه، ولم ينكروا على عمر وإلا فيبعد كل البعد أن يصنع ابن الزبير مثل ما صنعه، فعرفه الناس من عمر وأنكروه منه.
وأيضاً مجموع ما روي في ذلك عن ابن الزبير لا يدل على ترك الجمعة بالعيد، بل غايته أنه صلى الجمعة قبل الزوال إذا اجتمع العيدان؛ بدليل تقديمه الخطبة على الصلاة حينئذ وخطبة العيد بعد الصلاة إجماعاً، كما سيأتي، وبدليل ما في رواية لأبي داود "فجمعهما جميعاً فصلاهما ركعتين". فلا يصح الاستدلال به على الرخصة في ترك الجمعة بصلاة العيد، بل غاية ما يؤخذ منه جواز تقديم الجمعة عن الزوال في يوم العيد، فيؤل البحث إلى وقت صلاة الجمعة وقد فرغنا منه في الباب المتقدم قبل أبواب، وقد أثبتنا أن لا حجة للحنابلة فيما استدلوا به على جواز الجمعة قبل الزوال، بل الثابت عن النبي ﷺ توقيتها بما بعد الزوال (سيأتي البحث في ذلك) ولا حجة لهم في أثر ابن الزبير أيضاً، فإنه يفيد أن تقديم الجمعة على الزوال مختص بما إذا اجتمع العيدان لا غير وهم لا يقولون بالتخصيص.
وأيضاً، فلا حجة بقول الصحابي، وفعله في معارضة قول النبي ﷺ . وفعله لا سيما وقد ثبت أن الناس أنكروا على ابن الزبير ما صنعه، وعاتبوه عليه. فافهم. على أن الحنابلة يقولون: إنه إذا اتفق عيد في يوم جمعة سقط حضور الجمعة عمن صلى العيد إلا الإمام، فإنها لا تسقط عنه إلا أن لا يجتمع له من يصلي به الجمعة لقول النبي ﷺ "وإنا لمجمعون"، ولأنه لو تركها لامتنع فعل الجمعة في حق من تجب عليه، ومن يريدها ممن سقطت عنه. ذكره ابن قدامة في المغني (٢/ ٢١٢ و ٢١٣). فصنع ابن الزبير وقع خلاف الإجماع لكونه لم يزد على الركعتين قبل الزوال بكرة حتى صلى العصر مع أنه قد اجتمع له من يصلي به الجمعة. قال عطاء: "ثم رحنا إلى الجمعة، فلم يخرج إلينا، فصلينا وحدانا"، كما تقدم.
أقول: وفي كل الأحوال لا يدل عدم خروج ابن الزبير إلى الجمعة أنه لم يصل الظهر وإنما أشرنا إلى ذلك لأنه وجد من استند على فعل ابن الزبير فاسقط الجمعة والظهر بأن واحد على من صلى العيد.
стр. 1058
قال التهانوي: ولا يخفى أن عطاء أخبر أنه لم يخرج ابن الزبير لصلاة الجمعة، وليس ذلك بنص قاطع أنه لم يصل الظهر في منزله فالجزم بأن مذهب ابن الزبير سقوط صلاة الظهر في يوم الجمعة [الذي] يكون عيداً لهذه الرواية غير صحيح لاحتمال أنه صلى الظهر في منزله. بل في قول عطاء أنهم صلوا وحداناً أي الظهر ما يشعر بأنه لا قائل بسقوطه، ولا يقال: إن مراده صلوا الجمعة وحداناً، فإنها لا تصح إلا جماعة إجماعاً. ثم القول بأن الأصل في يوم الجمعة صلاة الجمعة، والظهر بدل عنها قول مرجوح، بل الظهر هو الفرض الأصلي المفروض ليلة الإسراء والجمعة متأخر فرضها. ثم إذا فاتت وجب الظهر إجماعاً، فهي البدل عنه، وقد حققناه في رسالة مستقلة اهـ (١ - ١٦٤).
وقال الإمام الشافعي في (الأم) بعد ما ذكر مرسل عمر بن عبد العزيز، وأثر عثمان ﵁ ما نصه: قال الشافعي: وإذا كان يوم الفطر يوم الجمعة صلى الإمام العيد حين تحل الصلاة، ثم أذن لمن حضره من غير أهل المصر في أن ينصرفوا إن شاؤوا إلى أهلهم، ولا يعودون إلى الجمعة، والاختيار لهم أن يقيموا حتى يجمعوا، أو يعودوا بعد انصرافهم إن قدروا حتى يجمعوا، وإن لم يفعلوا فلا حرج إن شاء الله تعالى. قال: ولا يجوز هذا لأحد من أهل المصر أن يدعوا أن يجمعوا إلا من عذر يجوز لهم به ترك الجمعة وإن كان يوم عيد. قال: وهكذا إن كان يوم الأضحى، ولا الجمعة لأنها ليست بمصر اهـ (١ - ٢١٢).
وفي شرح الهداية للعيني: قال ابن عبد البر: سقوط الجمعة والظهر بصلاة العيد متروك مهجور، ولا يعول عليه. وتأويل ذلك [أي سقوط الجمعة] في حق أهل البادية، ومن لا تجب عليه الجمعة اهـ (٣ - ١٠١٩). والله تعالى أعلم، وعلمه أتم وأحكم. انظر إعلاء السنن (٨/ ٧٤ - ٨٠).
- أعذار ترك الجمعة والسفر يوم الجمعة:
١٧٤٨ - * روى أبو داود عن أبي المليح عن أبيه "أنه شهد مع رسول الله صلى الله عليه
стр. 1059
وسلم زمن الحديبية يوم الجمعة، وقد أصابهم مطر لم يبل أسفل نعالهم، فأمرهم أن يصلوا في رحالهم" وفي رواية (١) "أن يوم حنين كان يوم مطر، فأمر النبي ﷺ مناديه: أن الصلاة في الرحال" زاد في رواية (٢) "أن ذلك كان يوم الجمعة".
١٧٤٩ - * روى الشيخان عن عبد الله بن عباس ﵄ قال عبد الله بن الحارث البصري- وهو ابن عم محمد بن سيرين- قال: "خطبنا ابن عباس في يوم ذي ردغ، فأمر المؤذن- لما بلغ حي على الصلاة- قال: قل: الصلاة في الرحال، فنظر بعضهم إلى بعض، كأنهم أنكروا، فقال: كأنكم أنكرتم هذا؟ إن هذا فعله من هو خير مني- يعني النبي ﷺ إنها عزمة، وإني كرهت أن أحرجكم- وفي رواية (٣) - أن أؤثمكم- فتجيؤون فتدوسون في الطين إلى ركبكم" وفي أخرى (٤) "أن ابن عباس قال لمؤذنه في يوم مطير- وكان يوم جمعة- إذا قلت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، فلا تقل: حي على الصلاة، قل: صلوا في بيوتكم، فكأن الناس استنكروا، فقال: فعله من هو خير مني، إن الجمعة عزمة، وإني كرهت أن أحرجكم فتمشون في الطين والدحض والزلل".
١٧٥٠ - * روى أبو داود عن محمد بن كعب أنه سمع رجلاً من بني وائل يقول: قال
стр. 1060
النبي ﷺ : "تجب الجمعة على كل مسلم، إلا امرأة أو صبياً أو مملوكاً".
قال النووي في الخلاصة: وهذا غير قادح في صحته فإنه يكون مرسل صحابي وهو حجة والحديث على شرط الصحيحين. كذا في نصب الراية.
قال البغوي في (شرح السنة ٤/ ٢٢٦ - ٢٢٧) عن الجمعة: هي واجبة على كل من جمع: العقل، والبلوغ، والحرية، والذكورة، والإقامة، إذ لم يكن له عذر.
أما الصبي والمجنون، فلا جمعة عليهما لأنهما ليسا من أهل أن يلزمهما فروض الأبدان، لنقصان أبدانهما، واتفقوا على أن لا جمعة على النساء.
وذهب أكثرهم إلى أن لا جمعة على العبيد، وقال داود: تجب عليهم الجمعة، وقال الحسن وقتادة: تجب الجمعة على العبد المخارج (١)، وهو قول الأوزاعي، ولا تجب على المسافر، وذهب النخعي والزهري إلى أن المسافر إذا سمع النداء، فعليه حضور الجمعة.
وكل من لا يجب عليه حضور الجمعة، فإذا حضر وصلى سقط عنه فرض الظهر بأداء الجمعة، ولكن لا يكمل به عدد الجمعة، إلا من له عذر من مرض، أو تعهد مريض، أو خوف، أو منعه مطر، أو وحل، فإنه لا يجب عليه حضور الجمعة، غير أنه حضر يكمل به العدد.
قال عبد الله بن مسعود للنساء يوم الجمعة: إذا صليتن مع الإمام فصلين بصلاته، فإذا صليتن وحدكن فصلين أربعاً.
قال ﵀: وكل من لا يلزمه حضور الجمعة، فلو صلى الظهر قبل فوات الجمعة جازت صلاته، ومن يلزمه الحضور لا يصح ظهره قبل فوات الجمعة. اهـ.
١٧٥١ - * روى الترمذي عن ابن عباس قال: بعث النبي ﷺ عبد الله بن رواحة في
стр. 1061
سرية، فوافق ذلك الجمعة، فغدا أصحابه وقال: أتخلف فأصلي مع رسول الله ﷺ ، ثم ألحقهم، فلما صلى مع النبي ﷺ رآه، فقال: "ما منعك أن تغدو مع أصحابك؟ " قال: أردت أن أصلي معك، ثم ألحقهم، فقال: "لو أنفقت ما في الأرض ما أدرك فضل غدوتهم".
قال البغوي وهو شافعي: وكل من تلزمه الجمعة لا يجوز له أن يسافر بعد الزوال قبل أن يصلي الجمعة، وإن سافر قبل الزوال بعد طلوع الفجر، فلا بأس، غير أنه يكره إلا أن يكون سفره سفر طاعة من غزو أو حج، فالأولى أن يخرج، وذهب بعضهم إلى أنه إذا أصبح يوم الجمعة فلا يسافر حتى يصلي الجمعة.
وقال أصحاب الرأي: يجوز أن يسافر بعد الزوال إذا كان يفارق البلد قبل خروج الوقت.
وروي أن عمر بن الخطاب سمع رجلاً عليه هيئة السفر يقول: لولا أن اليوم يوم الجمعة لخرجت، فقال عمر: اخرج فإن الجمعة لا تحسب عن السفر. أخرجه الشافعي في مسنده (١/ ٥٤). قال الشيخ شعيب: سنده قوي.
١٧٥٢ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﵌ قال: "الجمعة على من سمع النداء". وقال فيه "إنما الجمعة على من سمع النداء".
قال في النيل (٣/ ٢٧٦): الحديث قال أبو داود في السنن رواه جماعة عن سفيان مقصوراً على عبد الله بن عمرو ولم يرفعوه وإنما أسنده قبيصة انتهى. وفي إسناده محمد بن سعيد الطائفي قال المنذري: وفيه مقال وقال في التقريب: صدوق.
وقال في (٣/ ٢٧٧ - ٢٧٨): (يدل على أن الجمعة لا تجب إلا على من سمع النداء
стр. 1062
وإليه ذهب الشافعي وأحمد وإسحق، حكى ذلك الترمذي عنهم وحكاه ابن العربي عن مالك وروي ذلك عن عبد الله بن عمرو راوي الحديث. وحديث الباب وإن كان فيه المقال المتقدم فيشهد لصحته قوله تعالى ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ الآية. قال النووي في الخلاصة: إن البيهقي قال: له شاهد فذكره بإسناد جيد.
وقد حكى العراقي في شرح الترمذي عن الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل أنهم يوجبون الجمعة على أهل المصر وإن لم يسمعوا النداء وقد اختلف أهل العلم فيمن كان خارجاً عن البلد الذي تقام فيه الجمعة فقال عبد الله بن عمرو وأبو هريرة وأنس والحسن وعطاء ونافع وعكرمة والحكم والأوزاعي والإمام يحيى: إنها تجب على من يؤويه الليل إلى أهله، والمراد أنه إذا جمع مع الإمام أمكنه العود إلى أهله آخر النهار وأول الليل واستدلوا بما أخرجه الترمذي عن أبي هريرة: "أن النبي ﵌ قال الجمعة على من آواه الليل إلى أهله" قال الترمذي: وهذا إسناد ضعيف.
وقال العراقي: إنه غير صحيح فلا حجة فيه. وذهب الهادي والناصر ومالك إلى أنها تلزم من سمع النداء بصوت الصيت من سور البلد. وقال عطاء: تلزم من على عشرة أميال. وقال الزهري: من على ستة أميال. وقال ربيعة: من على أربعة وروي عن مالك: ثلاثة. وروي عن الشافعي: فرسخ وكذلك روي عن أحمد. قال ابن قدامة: وهذا قول أصحاب الرأي. وروي في البحر عن زيد بن علي والباقر والمؤيد بالله وابن أبي حنيفة: أنها لا تجب على من كان خارج البلد وقال أيضاً: والمراد بالنداء المذكور في الحديث هو النداء الواقع بين يدي الإمام في المسجد لأنه الذي كان في زمن النبوة اهـ.
أقول: وهذا الحكم لمن كان خارج المصر أما من كان داخل المصر فإن الصلاة تجب عليه ولو لم يسمع النداء والأرجح أن من كان خارج المصر يسمع النداء لا بالمكبرات فإنه تجب عليه أما من كان لا يسمع إلا بالمكبرات للصوت فلا تجب عليه.
стр. 1063
الفقرة الثالثة: وقت الجمعة ونداؤها وخطبتها وآدابها
- وقت صلاة الجمعة:
١٧٥٣ - * روى البخاري عن أنس ﵁ "أن النبي ﷺ كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس".
أقول: هذا دليل على أن وقت الجمعة هو وقت الظهر كما هو قول الجمهور لا كما رأى أحمد أنه يجوز قبل الزوال. قال صاحب (الإعلاء ٨/ ٤٦): دلالتها على مواظبة النبي ﷺ وأجله الصحابة على أدائهم الجمعة بعد الزوال ظاهرة. وقال الحافظ في الفتح: فيه- أي في حديث أنس- إشعار بمواظبته ﷺ على صلاة الجمعة إذا زالت الشمس. وأما رواية حميد التي (أخرجها البخاري) بعد هذا عن أنس ﵁ "كنا نبكر بالجمعة، ونقيل بعد الجمعة" فظاهره أنهم كانوا يصلون الجمعة باكرة النهار، لكن طريق الجمع أولى من دعوى التعارض. وقد تقرر فيما تقدم أن التبكير يطلق على فعل الشيء في أول وقته أو تقديمه على غيره، وهو المراد ههنا والمعنى أنهم كانوا يبدؤون بالصلاة قبل القيلولة بخلاف ما جرت عادتهم في صلاة الظهر، فإنهم كانوا يقيلون ثم يصلون لمشروعية الإبراد اهـ (٢ - ٣٢٢).
١٧٥٤ - * روى البخاري عن أنس ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا اشتد البرد بكر بالصلاة، وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة- يعني الجمعة.
قال الزين ابن المنير: إذا تقرر أن الإبراد يشرع في الجمعة أخذ منه أنها لا تشرع قبل الزوال، لأنه لو شرع لما كان اشتداد الحر سبباً لتأخيرها، بل كان يستغنى عنه بتعجيلها قبل الزوال. واستدل به ابن بطال على أن وقت الجمعة وقت الظهر، لأن أنساً سوَّى بينهما
стр. 1064
في جوابه (أي السائل عن الوقت) خلافاً لمن أجاز الجمعة قبل الزوال اهـ (٢ - ٣٢٤).
واحتج بعض الحنابلة بقوله ﷺ : "إن هذا يوم جعله الله عيداً للمسلمين" قال: فلما سماه عيداً جازت الصلاة فيه في وقت العيد، كالفطر، والأضحى. وتعقب بأنه لا يلزم من تسمية يوم الجمعة عيداً أن يشتمل على جميع أحكام العيد، بدليل أن يوم العيد يحرم صومه مطلقاً سواء صام قبله أو بعده بخلاف يوم الجمعة باتفاقهم اهـ (٢/ ٣٢٢).
قال في (الإعلاء ٨/ ٤٨): وأيضاً فالخطبة في العيد بعد الصلاة، وتجب في الجمعة مقدمة عليها، ويكره التنفل في العيد قبل الصلاة، وبعدها في المصلى، ولا كذلك الجمعة، ولا يشرع النداء لصلاة العيد، والجمعة بخلافها. اهـ.
١٧٥٥ - * روى الشيخان عن سهل بن سعد ﵁ قال: "كنا نصلي مع النبي ﷺ الجمعة، ثم تكون القائلة" وفي رواية (١) قال: "ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة" زاد في رواية (٢) "في عهد رسول الله ﷺ ".
قال في (الإعلاء ٨/ ٤٧): واستدل بهذا الحديث لأحمد على جواز صلاة الجمعة قبل الزوال وترجم عليه ابن أبي شيبة "باب من كان يقول: الجمعة أول النهار" وأورد فيه حديث سهل هذا، وحديث أنس ﵁ الذي بعده: وعن ابن عمر ﵁ مثله، وعن عمر ﵁، وعثمان ﵁، وسعد ﵁، وابن مسعود ﵁ مثل قولهم، وتعقب بأنه لا دلالة فيه على أنهم كانوا يصلون الجمعة قبل الزوال بل فيه أنهم كانوا يتشاغلون عن الغداء، والقائلة بالتهيؤ للجمعة، ثم بالصلاة، ثم ينصرفون، فيتذاكرون ذلك. بل ادعى الزين ابن المنير أنه يؤخذ منه أن الجمعة تكون بعد الزوال، لأن العادة في القائلة أن تكون قبل الزوال، فأخبر الصحابي أنهم كانوا يشتغلون بالتهيؤ
стр. 1065
للجمعة عن القائلة، ويؤخرون القائلة حتى تكون بعد صلاة الجمعة اهـ (٢ - ٣٥٦).
١٧٥٦ - * روى الشيخان عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: "كنا نصلي مع رسول الله ﷺ الجمعة، ثم ننصرف وليس للحيطان فيء" وفي أخرى (١) "ظل نستظل به" وفي أخرى (٢) "كنا نجمع مع رسول الله ﷺ إذا زالت الشمس، ثم نرجع نتتبع الفيء".
أقول: في هذا النص إشارة إلى عدم إطالة الجمعة وخاصة في شدة الحر ويقاس عليه البرد وسنورد مناقشة ذلك بعد قليل.
١٧٥٧ - * روى مالك عن أبي سهيل بن مالك عن أبيه قال: "كنت أرى طنفسة لعقيل بن أبي طالب يوم الجمعة تطرح إلى جدار المسجد الغربي، فإذا غشي الطنفسة كلها ظل الجدار خرج عمر فصلى الجمعة، قال: ثم نرجع بعد صلاة الجمعة فنقيل قائلة الضحى".
في النص إشارة إلى أنهم كانوا يؤخرون نومة القيلولة التي هي قبل صلاة الظهر إلى ما بعد الجمعة يوم الجمعة لاهتمامهم بصلاة الجمعة ولا يفيد النص أنهم كانوا يصلون قبل الزوال بدليل أن الظل كان يغشى الطنفسة مع أنها في جهة الغرب. وانظر (شرح السنة ٤/ ٢٣٩).
١٧٥٨ - * روى مسلم عن جابر ﵁ سأله محمد بن علي بن الحسين: "متى كان رسول الله ﷺ يصلي الجمعة؟ قال: كان يصلي، ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حين تزول الشمس- يعني النواضح".
أقول: في النص إشارة إلى الإسراع من الانتهاء من صلاة الجمعة وليس فيه أن صلاة
стр. 1066
الجمعة تقام قبل دخول وقت الزوال، فإن جماهير علماء المسلمين كما قلنا على أن وقت صلاة الجمعة هو وقت الظهر بعد الزوال وأنه لا تجوز قبل زوال الشمس.
لكن قال أحمد وإسحاق وابن راهويه بأنه يجوز أن تؤدى قبل الزوال، وقد قدمنا بعض الأدلة في ذلك وفيما يلي مزيد بيان، قال صاحب (الإعلاء ٨/ ٤٥): إن رسول الله ﷺ قد بين لجميع الصلوات أول الوقت وآخره، كما ورد في رواية جبريل وحديث السائل عن وقت الصلاة فلو كان للجمعة وقت قبل الزوال لبينه قولاً أو فعلاً، ولم يثبت أنه صلى الجمعة قبله يوماً أو أجاز ذلك لأحد قولاً. بل الثابت عنه خلافه أنه أمر ابن عمير لأول جمعة جمعت في الإسلام أن يصليها بعد الزوال، ولم يزل رسول الله ﷺ كذلك يصليها، لم يجمع قبله قط، فهذا مما يفيد العلم بأن وقتها إنما هو بعد أن تزول الشمس عن شطر النهار. كيف؟ وأن الجمعة أقيمت مقام الظهر بالنص، فيصير وقت الظهر وقتاً لها، وما أقيمت مقام غيرها من الصلوات، فلم تكن مشروعة في غير وقته والله تعالى أعلم.
قال النووي: وقد قال مالك وأبو حنيفة، والشافعي، وجماهير العلماء من الصحابة، والتابعين فمن بعدهم: لا تجوز الجمعة إلا بعد زوال الشمس. ولم يخالف في هذا إلا أحمد بن حنبل، وإسحاق، فجوزاها قبل الزوال. قال القاضي: وروي في هذا أشياء عن الصحابة لا يصلح منها شيء إلا ما عليه الجمهور. وحمل الجمهور هذه الأحاديث على المبالغة في تعجيلها، وأنهم كانوا يؤخرون الغداء، والقيلولة في هذا اليوم إلى ما بعد صلاة الجمعة، لأنهم ندبوا إلى التبكير إليها، فلو اشتغلوا بشيء من ذلك قبلها خافوا فوتها أو فوت التبكير إليها اهـ (١ - ٢٨٣).
احتجت الحنابلة بما رواه مسلم عن أياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: "كنا نصلي مع رسول الله ﷺ الجمعة، فنرجع؛ وما نجد للحيطان فيئاً نستظل به". قالوا: وقد ثبت أن النبي ﷺ كان يخطب خطبتين، ويجلس بينهما، ويقرأ القرآن، ويذكر الناس كما في مسلم من حديث أم هشام بنت حارثة أنها قالت: "ما حفظت ق والقرآن المجيد إلا من في رسول الله ﷺ وهو يقرؤها على المنبر كل جمعة". وعند ابن ماجة من حديث أبي بن كعب، "أن النبي ﷺ قرأ يوم الجمعة تبارك وهو قائم". وكان يصلي الجمعة بسورة الجمعة،
стр. 1067
والمنافقين، كما ثبت ذلك عند مسلم من حديث علي وأبي هريرة وابن عباس. ولو كانت خطبته وصلاته بعد الزوال لما انصرف منها إلا وقد صار للحيطان ظل يستظل به. كذا في النيل (٣ - ١٣٨).
قلنا: إنما كان كذلك لأن الجدران كانت في ذلك العصر قصيرة لا يستظل بظلها إلا بعد توسط الوقت، (لاسيما في زمان تكون فيه الشمس على سمت الرأس، ويطول النهار) فلا دلالة في ذلك على أنهم كانوا يصلون قبل الزوال (بل كانوا يصلون إذا زالت الشمس مع الخطبتين والقراءة والذكر الذي ذكرتموه، وينصرفون عن الصلاة قبل توسط الوقت، وليس للحيطان ظل يستظل به) كذا في النيل أيضاً (٣ - ١٣٧) يدل على ذلك ما رواه مسلم عن أياس بن سلمة عن أبيه أيضاً قال: "كنا نجمع مع رسول الله ﷺ إذا زالت الشمس ثم نرجع نتتبع الفيء" (١ - ٢٨٣) ففيه تصريح بأنهم كانوا يجمعون بعد الزوال، ومع ذلك لا يجدون للحيطان فيئاً يستظل به بعد انصرافهم عن الصلاة، لقصر الحيطان، والجدران. قال النووي: قوله: "نتتبع الفيء" إنما كان ذلك لشدة التبكير، وقصر حيطانه، وفيه تصريح بأنه كان قد صار فيء يسيراً. وقوله: "وما نجد فيئاً نستظل به" موافق لهذا فإنه لم ينف الفيء من أصله، وإنما نفى ما يستظل به، وهذا مع قصر الحيطان ظاهر في أن الصلاة كانت بعد الزوال متصلة به اهـ (١ - ٢٨٣) انظر تفصيل ذلك في (الإعلاء ٨/ ٤٥ - ٤٩).
١٧٥٩ - * روى ابن خزيمة عن الزبير بن العوام، قال: كنا نصلي الجمعة مع رسول الله ﷺ نبتدر الفيء فما يكون إلا قدر قدم أو قدمين.
- مشروعية الأذان الثالث وهو الأول الآن:
١٧٦٠ - * روى البخاري عن السائب بن يزيد ﵁ قال: "كان النداء يوم
стр. 1068
الجمعة: أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، فلما كان عثمان- وكثر الناس- زاد النداء الثالث على الزوراء". وزاد في رواية (١): "فثبت الأمر على ذلك"وفي أخرى (٢) قال: "ولم يكن للنبي ﷺ غير مؤذن واحد"، وهذا لفظ الترمذي، قال: "كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر: إذا خرج الإمام أقيمت الصلاة، فلما كان عثمان نادى النداء الثالث على الزوراء" وفي رواية (٣) لأبي داود قال: "كان يؤذن بين يدي النبي ﷺ إذا جلس على المنبر يوم الجمعة على باب المسجد، وأبي بكر وعمر، ... ثم ساق نحو ما تقدم.
أقول: إذا جلس الخطيب على المنبر كان الأذان بين يديه فإذا أنهى خطبته كانت الإقامة للصلاة وهي الأذان الثاني وقد أضاف عثمان وهو خليفة راشد عمله سنة الأذان الثالث وهو الأول الذي يعلم فيه الناس أن وقت الجمعة قد دخل.
قال الحافظ (٢/ ٣٩٤):
والذي يظهر أن الناس أخذوا بفعل عثمان في جميع البلاد إذ ذاك لكونه خليفة مطاع الأمر ثم قال: وروى ابن أبي شيبة من طريق ابن عمر قال "الأذان الأول يوم الجمعة بدعة" فيحتمل أن يكون قال ذلك على سبيل الإنكار، ويحتمل أنه يريد أنه لم يكن في زمن النبي ﷺ وكل ما لم يكن في زمنه يسمى بدعة، لكن منها ما يكون حسناً ومنها ما يكون بخلاف ذلك. وتبين بما مضى أن عثمان أحدثه لإعلام الناس بدخول وقت الصلاة قياساً على بقية الصلوات فألحق الجمعة بها وأبقى خصوصيتها بالأذان بين يدي الخطيب، وفيه استنباط معنى من الأصل لا يبطله، وأما ما أحدث الناس قبل وقت الجمعة من الدعاء إليها بالذكر والصلاة على النبي ﷺ فهو في بعض البلاد دون بعض، واتباع السلف الصالح أولى. اهـ.
- من هدي النبي ﷺ في الخطبة:
١٧٦١ - * روى أبو داود عن الحكم بن حزن الكلفي قال: "وفدت إلى رسول الله ﷺ
стр. 1069
سابع سبعة- أو تاسع تسعة- فدخلنا عليه، فقلنا: يا رسول الله، زرناك، فادع لنا لنا بخير، فدعا، وأمر بنا- أو أمر لنا- بشيء من التمر، والشأن إذ ذاك دون، فأقمنا بها أياماً، وشهدنا فيها الجمعة مع رسول الله ﷺ فقام ﷺ متوكئاً على عصا- أو قوس- فحمد الله وأثنى عليه بكلمات خفيفات طيبات مباركات، ثم قال: "أيها الناس، إنكم لن تطيقوا- أو لن تفعلوا- كل ما أمرتم به، ولكن سددوا وقاربوا، وأبشروا ويسروا".
١٧٦٢ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا خطب: احمرت عيناه وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش، يقول: "صبحكم ومساكم"، ويقول: "بعثت أنا والساعة كهاتين"، ويقرن بين إصبعيه: السبابة والوسطى، ويقول: "أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة"، ثم يقول: "أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، من ترك مالاً فلأهله، ومن ترك ديناً أو ضياعاً فإلي وعلي"، وفي رواية (١) قال: "كانت خطبة النبي ﷺ : يحمد الله، ويثني عليه، ثم يقول على إثر ذلك، وقد علا صوته ... وذكر نحوه" وفي أخرى (٢) "كان يخطب الناس: يحمد الله، ويثني عليه بما هو أهله ثم يقول: من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وخير الحديث كتاب الله ... ثم ذكر نحو ما تقدم"، وفي رواية (٣) النسائي قال: "كان
стр. 1070
رسول الله ﷺ يقول في خطبته: "نحمد الله ونثني عليه بما هو أهله"، ثم يقول: "من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، إن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار"، ثم يقول: "بعثت أنا والساعة كهاتين"، وكان إذا ذكر الساعة احمرت وجنتاه، وعلا صوته، واشتد غضبه، كأنه نذير جيش، يقول: "صبحكم ومساكم"، ثم قال: "من ترك مالاً فلأهله، ومن ترك ديناً أو ضياعاً فإلي، أو علي، وأنا أولى بالمؤمنين".
١٧٦٣ - * روى أحمد عن علي أو عن الزبير قال: كان رسول الله ﷺ يخطبنا فيذكرنا بأيام الله حتى يعرف ذلك في وجهه وكأنه نذير قوم يصبحهم الأمر غدوة وكان إذا كان حديث عهد بجبريل لم يتبسم ضاحكاً حتى يرتفع.
١٧٦٤ - * روى أحمد عن النعمان قال سمعت رسول الله ﷺ يخطب يقول: "أنذركم النار أنذركم النار"، حتى لو أن رجلاً كان بالسوق لسمعه من مقامي هذا قال: حتى وقعت خميصة كانت على عاتقه عند رجليه، وفي رواية وسمع أهل السوق صوته وهو على المنبر.
١٧٦٥ - * روى ابن خزيمة عن جرير بن عبد الله: قال: لما دنوت من مدينة رسول الله ﷺ ، أنخت راحلتي وحللت عيبتي، فلبست حلتي، فدخلت ورسول الله ﷺ ، يخطب، فسلم علي رسول الله ﷺ ، فرماني الناس بالحدق، فقلت لجليس لي: يا عبد الله هل ذكر رسول الله ﷺ من أمري شيئاً؟ قال: نعم ذكرك بأحسن الذكر بينما هو يخطب إذ عرض له في خطبته،
стр. 1071
قال: "إنه سيدخل عليكم من هذا الباب أو من هذا الفج من خير ذي يمن، وإن على وجهه لمسحة ملك". قال: فحمدت الله على ما أبلاني.
أقول: حديث جرير مع جليسه أثناء الخطبة لا يقتدى به لأن جريراً كان حديث عهد بإسلام ويحتمل أن السؤال كان بعد الفراغ من الخطبة أو الصلاة.
١٧٦٦ - * روى أبو داود عن زيد بن أرقم ﵁ أن رسول الله ﷺ خطبهم، فقال: "أما بعد".
١٧٦٧ - * روى أبو داود عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا تشهد قال: "الحمد لله، نستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً".
وفي رواية (١): أن يونس بن يزيد سأل ابن شهاب عن تشهد رسول الله ﷺ يوم الجمعة؟ ... فذكر نحوه، قال: "ومن يعصهما فقد غوى، ونسأل الله ربنا أن يجعلنا ممن يطيعه، ويطيع رسوله، ويتبع رضوانه، ويجتنب سخطه، فإنما نحن به وله".
قال في النيل (٣/ ٣٢٦): اختلف أهل العلم في حكم خطبة الجمعة فذهبت العترة والشافعي وأبو حنيفة ومالك إلى الوجوب ونسبه القاضي عياض إلى عامة العلماء واستدلوا على الوجوب بما ثبت عنه ﷺ بالأحاديث الصحيحة ثبوتاً مستمراً أنه كان يخطب في كل جمعة ... وذهب الحسن البصري ورواه الظاهري إلى أن الخطبة مندوبة مع
стр. 1072
وقوع الاتفاق على وجوب الصلاة. اهـ.
١٧٦٨ - * روى مسلم عن عدي بن حاتم ﵁ "أن رجلاً خطب عند رسول الله ﷺ ، فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال له رسول الله ﷺ : "بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله".
وفي رواية (١) أبي داود "أن خطيباً خطب عند النبي ﷺ ، فقال: من يطع الله ورسوله، ومن يعصهما، فقال: قم- أو قال: اذهب- بئس الخطيب أنت".
وأخرج النسائي (٢) قال: "تشهد رجلان عند النبي ﷺ فقال أحدهما: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال له رسول الله ﷺ : "بئس الخطيب أنت".
أفاده ابن الأثير وهو شافعي ولا يرى الحنفية أن مراد العطف بالواو يفيد الترتيب.
أقول: قال النووي بعد أن أورد هذا الرأي (٦/ ١٥٩): والصواب أن سبب النهي أن الخطب شأنها البسط والإيضاح واجتناب الإشارات والرموز ولهذا ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ كان إذا تكلم أعادها ثلاثاً ليفهم وأما قول الأوليين فيضعف بأشياء منها أن مثل هذا الضمير قد تكرر في الأحاديث الصحيحة من كلام رسول الله ﷺ كقوله ﷺ : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وغيره من الأحاديث وإنما ثنى الضمير ههنا لأنه ليس خطبة وعظ وإنما هو تعليم حكم فكلما قل لفظه كان أقرب إلى حفظه بخلاف خطبة الوعظ فإنه ليس المراد حفظه وإنما يراد الاتعاظ بها ومما يؤيد هذا ما ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح عن ابن مسعود ﵁ قال:
стр. 1073
علمنا رسول الله ﷺ خطبة الحاجة: الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً والله أعلم.
أقول: وذهب بعضهم إلى أن سبب اللوم كان الوقوف على يعصهما مع عطفه على ما قبله فأخل المعنى وهذا سبب قوله ﵊ بئس الخطيب أنت، وفي ذلك إشارة على استحسان معرفة علم الوقوف وإلى استحسان علم الترقيم الذي استحدثه العلماء فيما بعد ليدللوا على أنواع الجمل ونهاياتها.
- اتخاذ المنبر:
١٧٦٩ - * روى ابن خزيمة عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ كان يقوم يوم الجمعة فيسند ظهره إلى جذع منصوب في المسجد فيخطب فجاء رومي فقال: ألا نصنع لك شيئاً تقعد وكأنك قائم؟ فصنع له منبراً، له درجتان، ويقعد على الثالثة، فلما قعد نبي الله ﷺ على المنبر خار الجذع خوار الثور؛ حتى ارتج المسجد بخواره حزناً على رسول الله ﷺ ، فنزل غليه رسول الله ﷺ من المنبر فالتزمه وهو يخور، فلما التزمه رسول الله ﷺ سكت، ثم قال: "والذي نفسي بيده لو لم ألتزمه ما زال هكذا حتى تقوم الساعة حزناً على رسول الله ﷺ "، فأمر به رسول الله ﷺ فدفن يعني الجذع.
وفي خبر جابر فقال النبي ﷺ : "إن هذا بكى لما فقد من الذكر".
أقول: حنين الجذع منقول بروايات كثيرة عن الصحابة تكاد تبلغ مبلغ التواتر.
стр. 1074
- القيام في الخطبة:
١٧٧٠ - * روى مسلم عن جابر بن سمرة ﵁ قال: "كان النبي ﷺ يخطب قائماً، ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب قائماً، فمن نبأك أنه كان يخطب جالساً فقد كذب، فقد والله صليت معه أكثر من ألفي صلاة" وفي أخرى (١) قال: "كانت للنبي ﷺ خطبتان، يجلس بينهما، يقرأ القرآن، ويذكر الناس".
حول قوله (أكثر من ألفي صلاة)، قال الإمام النووي: المراد الصلوات الخمس لا الجمعة. اهـ. قال (الشوكاني ٣/ ٣٣٠): ولابد من هذا لأن الجمع التي صلاها ﷺ من عند افتراض صلاة الجمعة إلى عند موته لا تبلغ ذلك المقدار ولا نصفه.
١٧٧١ - * روى أحمد عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه كان يخطب يوم الجمعة قائماً ثم يقعد ثم يقوم فيخطب. وفي البزار (٢) أن النبي ﷺ كان يخطب يوم الجمعة خطبتين يفصل بينهما بجلسة.
١٧٧٢ - * روى أبو داود عن ابن عمر ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يخطب خطبتين، كان يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ المؤذن، ثم يقوم فيخطب، ثم يجلس فلا يتكلم، ثم يقوم فيخطب". وفي رواية البخاري (٣) ومسلم (٤) "كان النبي ﷺ يخطب خطبتين، يقعد بينهما، وفي أخرى (٥) لهما: كان يخطب يوم الجمعة قائماً، ثم يجلس، ثم
стр. 1075
يقوم فيتم، كما تفعلون الآن".
في الأحاديث أن القيام حال الخطبة مشروع، قال ابن المنذر: وهو الذي عليه عمل أهل العلم من علماء الأمصار. اهـ. واختلف في وجوبه فذهب الجمهور إلى الوجوب ونقل عن أبي حنيفة: أن القيام سنة وليس بواجب واستدل الجمهور بأحاديث الباب.
ولا شك أن الثابت عنه ﷺ وعن الخلفاء الراشدين هو القيام حال الخطبة ولكن الفعل بمجرده لا يفيد الوجوب. انظر (النيل ٣/ ٣٢٩).
١٧٧٣ - * روى مسلم عن كعب بن عجرة ﵁ "أنه دخل المسجد وعبد الرحمن ابن أم الحكم يخطب قاعداً فقال: انظروا إلى هذا الخبيث يخطب قاعداً! وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ (١).
- قصر الخطبة وإطالة الصلاة:
١٧٧٤ - * روى مسلم عن جابر بن سمرة ﵁ قال: "كنت أصلي مع النبي ﷺ الصلوات، فكانت صلاته قصداً، وخطبته قصداً". وفي رواية (٢) أبي داود قال: "كانت صلاة النبي ﷺ قصداً، وخطبته قصداً يقرأ بآيات من القرآن، ويذكر الناس" وله في أخرى (٣) "كان رسول الله ﷺ لا يطيل الموعظة يوم الجمعة، إنما هن كلمات يسيرات" وفي رواية (٤) للنسائي قال: كان رسول الله ﷺ يخطب قائماً، ثم يجلس، ثم
стр. 1076
يقوم ويقرأ آيات، ويذكر الله، وكانت خطبته قصداً، وصلاته قصداً".
١٧٧٥ - * روى مسلم عن أبي وائل قال: "خطبنا عمار، فأوجز وأبلغ، فلما نزل قلنا: يا أبا اليقظان، لقد أبلغت وأوجزت، فلو كنت تنفست؟ فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه، فاقصروا الخطبة وأطيلوا الصلاة، وإن من البيان سحراً". وفي رواية (١) أبي داود عن عمار قال: "أمرنا رسول الله ﷺ بإقصار الخطب".
- التشهد والحمدلة في الخطبة:
١٧٧٦ - * روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء".
١٧٧٧ - * روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم".
وروى (٢) بلفظ: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع".
стр. 1077
- الخطيب لا يرفع يديه بالدعاء:
١٧٧٨ - * روى مسلم عن عمارة بن رويبة "أنه رأى بشر بن مروان على المنبر رافعاً يديه، فقال: قبح الله تينك اليدين، لقد رأيت النبي ﷺ ما كان يزيد على أن يقول بيده هكذا- وأشار بإصبعه المسبحة".
أقول: رفع الخطيب يديه في الدعاء في خطبة الجمعة مما اعتبره الصحابة بدعة وهذا النص يبين ذلك ويبين أن الخطيب إذا أراد الدعاء اكتفى بالإشارة بالسبابة.
١٧٧٩ - * روى ابن خزيمة عن حميد، قال: سئل أنس هل كان نبي الله ﷺ يرفع يديه؟ قال: قيل يوم الجمعة يا رسول الله قحط المطر، وأجدبت الأرض، وهلك المال. قال: فرفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه فاستسقى، وما نرى في السماء سحابة. قال: فما قضينا الصلاة حتى إن الشاب القريب المنزل ليهمه الرجوع إلى أهله من شدة المطر، فدامت جمعة. فقالوا: يا رسول الله، تهدمت البيوت، واحتبست الركبان، فتبسم رسول الله ﷺ ، فقال بيده: "اللهم حوالينا ولا علينا" فكشطت عن المدينة.
أقول: هذا الرفع في اليدين في صلاة الجمعة كان لعارض الاستسقاء والسنة الدائمة لرسول الله ﷺ في خطبة الجمعة عدم رفع اليدين للدعاء.
قال (النووي ٦/ ١٦٢): فيه- أي في حديث عمارة- أن السنة أن لا يرفع اليدين بالدعاء في الخطبة وهو قول مالك وأصحابنا وغيرهم وحكى القاضي عن بعض السلف وبعض المالكية إباحته لأن النبي ﷺ رفع يديه في خطبة الجمعة حين استسقى وأجاب الأولون بأن
стр. 1078
هذا الرفع كان لعارض. اهـ (وانظر شرح السنة ٤/ ٢٥٧) و (نيل الأوطار ٣/ ٣٣٣).
- استقبال الناس الخطيب:
١٧٨٠ - * روى الترمذي عن ابن مسعود ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا استوى على المنبر استقبلناه بوجوهنا.
قال ابن حجر في بلوغ المرام: وله شاهد من حديث البراء عند ابن خزيمة فالحديث حسن بشواهده. قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، يستحبون استقبال الإمام إذا خطب، وهو قول سفيان الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وذكر البخاري تعليقاً فقال: واستقبل ابن عمر وأنس ﵃ الإمام، قال الحافظ في "الفتح": أما ابن عمر، فرواه البيهقي من طريق الوليد بن مسلم قال: ذكرت لليث بن سعد، فأخبرني عن ابن عجلان أنه أخبره عن نافع أن ابن عمر كان يفرغ من سبحته يوم الجمعة قبل خروج الإمام، فإذا خرج لم يقعد الإمام حتى يستقبله، وأما أنس، فرويناه في نسخة نعيم بن حماد بإسناد صحيح عنه أنه كان إذا أخذ الإمام في الخطبة يوم الجمعة يستقبله بوجهه حتى يفرغ من الخطبة، ورواه ابن المنذر من وجه آخر عن أنس أنه جاء يوم الجمعة فاستند إلى الحائط واستقبل الإمام، قال ابن المنذر: لا أعلم في ذلك خلافاً بين العلماء.
- استحباب الدنو من الإمام:
١٧٨١ - * روى أحمد عن سمرة بن جندب ﵁ أن نبي الله ﷺ قال: "احضروا الذكر، وادنوا من الإمام، فإن الرجل لا يزال يتباعد حتى يؤخر في الجنة وإن دخلها".
стр. 1079
وفي رواية (١) عن سمرة مرفوعاً: "احضروا الجمعة وادنوا من الإمام فإن الرجل ليتخلف عن الجمعة حتى إنه يتخلف عن الجنة وإنه من أهلها".
- التحدث أثناء الأذان والإمام على المنبر:
١٧٨٢ - * روى أحمد عن موسى بن طلحة قال: سمعت عثمان بن عفان وهو على المنبر والمؤذن يقيم وهو يستخبر الناس يسألهم عن أخبارهم وأسعارهم.
١٧٨٣ - * روى مالك عن محمد بن شهاب الزهري ﵀ قال: قال ثعلبة بن مالك القرظي: "إنهم كانوا في زمان عمر بن الخطاب يصلون يوم الجمعة، حتى يخرج عمر، فإذا خرج عمر وجلس على المنبر وأذن المؤذن، قال ثعلبة: جلسنا نتحدث، فإذا سكت المؤذنون، وقام عمر يخطب أنصتنا، فلم يتكلم منا أحد" قال ابن شهاب: فخروج الإمام يقطع الصلاة، وكلامه: يقطع الكلام.
قال في (النيل ٣/ ٣٣٩): فيه جواز الكلام حال قعود الإمام على المنبر قبل شروعه في الخطبة لأن ظهور ذلك بين الصحابة من دون نكير يدل على أنه إجماع لهم.
- الإنصات للخطبة:
١٧٨٤ - * روى مالك عن نافع مولى ابن عمر ﵄ "أن ابن عمر رأى رجلين يتحدثان والإمام يخطب يوم الجمعة، فحصبهما: أن اصمتا".
١٧٨٥ - * روى مالك عن عثمان بن عفان ﵁ كان يقول في خطبته- قل ما يدع ذلك إذا خطب-: "إذا قام الإمام يخطب يوم الجمعة فاستمعوا له وأنصتوا، فإن
стр. 1080
للمنصت الذي لا يسمع من الحظ مثل ما للمنصت السامع، فإذا قامت الصلاة فاعدلوا الصفوف، وحاذوا بالمناكب، فإن اعتدال الصفوف من تمام الصلاة، ثم لا يكبر حتى يأتيه رجال قد وكلهم بتسوية الصفوف، فيخبرونه أن قد استوت فيكبر".
١٧٨٦ - * روى الجماعة عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت- والإمام يخطب- فقد لغوت".
١٧٨٧ - * روى أبو يعلى عن جابر قال: دخل عبد الله بن مسعود المسجد والنبي ﷺ يخطب فجلس إلى جنبه أبي بن كعب فسأله عن شيء أو كلمه بشيء فلم يرد عليه أبي فظن ابن مسعود أنها موجدة فلما انفتل النبي ﷺ من صلاته قال ابن مسعود: يا أبي ما منعك أن ترد علي، قال: إنك لم تحضر معنا الجمعة قال: ولم؟ قال تكلمت والنبي يخطب فقام ابن مسعود فدخل على النبي ﷺ فذكر ذلك له فقال رسول الله ﷺ : "صدق أبي أطع أبياً".
١٧٨٨ - * روى أحمد عن أبي الدرداك قال: جلس رسول الله ﷺ يوماً على المنبر فخطب الناس وتلا آية وإلى جنبي أبي بن كعب فقلت له يا أبي متى أنزلت هذه الآية؟ قال: فأبى أن يكلمني، ثم سألته فأبى أن يكلمني حتى نزل رسول الله ﷺ
стр. 1081
فقال أبي: مالك من جمعتك إلا ما لغيت، فلما انصرف رسول الله ﷺ جئته فأخبرته فقلت أي رسول الله إنك تلوت آية وإلى جنبي أبي بن كعب فقلت له: متى أنزلت هذه الآية؟ فأبى أن يكلمني حتى إذا نزلت زعم أُبي أنه ليس لي من جمعتي إلا ما لغيت، فقال: "صدق أبي إذا سمعت إمامك يتكلم فأنصت حتى يفرغ".
ويشهد له ما أخرجه أبو يعلى والطبراني عن جابر قال: دخل ابن مسعود والنبي ﷺ يخطب فجلس إلى جنبه أُبي فذكر نحو حديث أبي الدرداء، قال العراقي: ورجاله ثقات (الفتح الرباني ٦/ ١٠٠).
١٧٨٩ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعود قال: كفى لغواً أن تقول لصاحبك أنصت إذا خرج الإمام في الجمعة.
١٧٩٠ - * روى الطبراني عن إبراهيم النخعي قال: استقرأ رجل عبد الله بن مسعود والإمام يخطب يوم الجمعة، فلم يكلمه عبد الله، فلما قضى الصلاة قال له عبد الله: الذي سألت عنه نصيبك من الجمعة.
- الصلاة والإمام يخطب:
١٧٩١ - * روى أحمد عن السليك قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا جاء أحدكم والإمام يخطب فليصل ركعتين خفيفتين".
١٧٩٢ - * روى ابن خزيمة عن أبي سعيد، قال: كان مروان يخطب فصلى أبو سعيد، فجاءت إليه الأحراس ليجلسوه، فأبى حتى صلى، فلما قضى الصلاة أتيناه، فقلنا له:
стр. 1082
كادوا يفعلون بك، غفر الله لك. فقال: لن أدعهما أبداً بعد أن سمعته من رسول الله ﷺ .
١٧٩٣ - * روى الخمسة عن أبي سعيد ﵁ "أن رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة ورسول الله ﵌ يخطب على المنبر فأمره أن يصلي ركعتين".
١٧٩٤ - * روى الجماعة عن جابر ﵁ قال "دخل رجل يوم الجمعة ورسول الله ﵌ يخطب فقال: "صليت" قال لا قال: "فصل ركعتين". وفي رواية (١) "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما" .. وفي رواية (٢) "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة وقد خرج الإمام فليصل ركعتين".
قال الشوكاني: والأحاديث المذكورة في الباب تدل على مشروعية تحية المسجد حال
стр. 1083
الخطبة وإلى ذلك ذهب الحسن وابن عيينة والشافعي وأحمد وإسحق ومكحول وأبو ثور وابن المنذر وحكاه النووي عن فقهاء المحدثين. وحكى ابن العربي: أن محمد بن الحسن حكاه عن مالك. وذهب الثوري وأهل الكوفة إلى أنه يجلس ولا يصليهما حال الخطبة حكى ذلك الترمذي وحكاه القاضي عياض عن مالك والليث وأبي حنيفة وحكاه العراقي عن محمد بن سيرين وشريح القاضي والنخعي وقتادة والزهري. ورواه ابن أبي شيبة عن علي وابن عمر وابن عباس وابن المسيب ومجاهد وعطاء بن أبي رباح وعروة بن الزبير ورواه النووي عن عثمان اهـ.
وفي الموضوع نقاشات كثيرة منها أن ما في قصة سليك واقعة عين لا عموم لها وأن الأمر معارض لقوله تعالى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (١).
١٧٩٥ - * روى الشيخان عنه ﷺ "إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب فقد لغوت". وبقوله ﷺ للذي دخل يتخطى رقاب الناس قد آذيت فأمره بالجلوس ولم يأمره بالتحية، ومنها أن عمل أهل المدينة خلفاً عن سلف من لدن الصحابة إلى عهد مالك: أن التنفل في حال الخطبة ممنوع مطلقاً.
واستدلوا أيضاً بالمعقول إذ أن الإنصات إلى الخطبة واجب وتحية المسجد سنة فيقدم الواجب على السنة، لكن علق النووي على حديث إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين ... قال: لا أظن عالماً يبلغه هذا اللفظ صحيحاً فيخالفه، واعتبر القائلون بالسنية هذا النص مخصصاً للعمومات التي استدل بها المانعون. انظر (نيل الأوطار ٣/ ٣١٤ - ٣١٧).
١٧٩٦ - * روى مالك عن محمد بن شهاب الزهري ﵀ قال: قال ثعلبة بن مالك القرظي: "إنهم كانوا في زمان عمر بن الخطاب يصلون يوم الجمعة، حتى يخرج عمر، فإذا
стр. 1084
خرج عمر وجلس على المنبر وأذن المؤذن، قال ثعلبة: جلسنا نتحدث، فإذا سكت المؤذنون، وقام عمر يخطب أنصتنا، فلم يتكلم منا أحد" قال ابن شهاب: فخروج الإمام يقطع الصلاة، وكلامه: يقطع الكلام فحمل بعض العلماء الأمر بالصلاة والإمام يخطب على أنها حوادث لها تأويلها.
- قطع الخطبة للحاجة:
١٧٩٧ - * روى مسلم عن أبي رفاعة العدوي ﵁ قال: "انتهينا إلى رسول الله ﷺ وهو يخطب، قال: فقلت: يا رسول الله، رجل غريب جاء يسأل عن دينه، لا يدري ما دينه؟ قال: فأقبل علي رسول الله ﷺ ، وترك خطبته، حتى انتهى إلي، فأتي بكرسي حسبت قوائمه حديداً، قال: فقعد عليه رسول الله ﷺ وجعل يعلمني مما علمه الله، ثم أتى الخطبة، فأتم آخرها".
قال في النيل (٣/ ٣٣٨): فيه جواز الكلام في الخطبة للأمر يحدث. وقال بعض الفقهاء إذا تكلم أعاد الخطبة قال الخطابي والسنة أولى ما اتبع.
١٧٩٨ - * روى الترمذي عن أنس بن مالك ﵁ قال: "كان النبي ﷺ يكلم بالحاجة إذا نزل من المنبر". وفي رواية أبي داود (١) والنسائي (٢): "رأيت النبي ﷺ ينزل من المنبر؛ فيعرض له الرجل في الحاجة فيقوم معه حتى يقضي حاجته ثم يقوم فيصلي". قال أبو داود: الحديث ليس بمعروف عن ثابت، وهو مما تفرد به جرير بن حازم، وعند النسائي (٣): "يقضي حاجته، ثم يتقدم إلى مصلاه فيصلي".
стр. 1085
قال في (النيل ٣/ ٣٣٨): فيه أنه لا بأس بالكلام بعد فراغ الخطيب من الخطبة وأنه لا يحرم ولا يكره، ونقله ابن قدامة في المغني عن عطاء وطاووس والزهري وبكر المزني والنخعي ومالك والشافعي وإسحق ويعقوب ومحمد، قال: وروي ذلك عن ابن عمر انتهى. وإلى ذلك ذهبت الهادوية. وروي عن أبي حنيفة أنه يكره الكلام بعد الخطبة قال ابن العربي: والأصح عندي أن لا يتكلم بعد الخطبة لأن مسلماً قد روى أن الساعة التي في يوم الجمعة هي من حين يجلس الإمام على المنبر إلى أن تقام الصلاة فينبغي أن يتجرد للذكر والتضرع والذي في مسلم أنها: ما بين أن يجلس الإمام وإلى أن تقضى الصلاة. ومما يرجح ترك الكلام بين الخطبة والصلاة الأحاديث الواردة في الإنصات حتى تقضى الصلاة كما عند النسائي بإسناد جيد من حديث سلمان بلفظ "فينصت حتى يقضي صلاته" وأحمد بإسناد صحيح من حديث لبيشة بلفظ "فاستمع وأنصت حتى يقضي الإمام جمعته وكلامه" وقد تقدما، ويجمع بين الأحاديث بأن الكلام الجائز بعد الخطبة هو كلام الإمام لحاجة أو كلام الرجل للرجل لحاجة.
١٧٩٩ - * روى ابن خزيمة عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ يخطب، فأقبل الحسن ولاحسين، عليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان، فنزل، فأخذهما، فوضعهما بين يديه، ثم قال: "صدق الله ورسوله، إنما أموالكم وأولادكم فتنة رأيت هذين فلم أصبر" ثم أخذ في خطبته.
عنون صاحب (الإعلام ٨/ ٨٠) لهذا الحديث بقوله: باب جواز الكلام والعمل للخطيب عند الضرورة وكراهتهما لغيرها. وقال: فإن قطع الخطبة بكلام غيرها والعمل فيها إن كان جائزاً مطلقاً لم يعتذر عنه رسول الله ﷺ بما اعتذر به، فافهم.
- النهي عن تخطي الرقاب:
١٨٠٠ - * روى ابن خزيمة عن أبي الزاهرية قال كنت جالساً مع عبد الله بن بسر يوم
стр. 1086
الجمعة، فما زال يحدثنا حتى خرج الإمام، فجاء رجل يتخطى رقاب الناس، فقال لي: جاء رجل يتخطى رقاب الناس ورسول الله ﷺ يخطب، فقال له: "اجلس فقد آذيت وآنيت".
- النهي عن أن يقيم الرجل الرجل من مقعده:
١٨٠١ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة، ثم ليخالف إلى مقعده فيقعد فيه، ولكن يقول: افسحوا".
١٨٠٢ - * روى الشيخان عن نافع قال: سمعت ابن عمر يقول: "نهى رسول الله ﷺ أن يقيم الرجل الرجل من مقعده ثم يجلس فيه، قيل لنافع: في الجمعة؟ قال: في الجمعة وغيرها".
- النهي عن الاحتباء:
١٨٠٣ - * روى أبو داود عن معاذ بن أنس ﵁ "أن رسول الله ﷺ "نهى عن الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب".
قال الترمذي: وقد كره قوم من أهل العلم الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب، ورخص في ذلك بعضهم، منهم عبد الله بن عمر وغيره، وبه يقول أحمد وإسحاق، لا يريان بالحبوة والإمام يخطب بأساً، وحديث معاذ بن أنس يؤيد من قال بكراهته.
أقول: من لم ير بالحبوة بأساً حمل النص الذي مر معنا على الاحتباء الذي يرافقه انكشاف عورة.
стр. 1087
- النهي عن الحلق:
١٨٠٤ - * روى أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أن النبي ﷺ نهى عن التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة".
أقول: إذا دخل الإنسان المسجد لصلاة الجمعة فحق الجمعة عليه أن يتفرغ للصلاة والذكر وتلاوة القرآن؛ وتحلق الناس قبل الجمعة يستدعي الأحاديث، والحديث يجر بعضه بعضاً، وقد يؤدي التحلق إلى اللغو أو الغيبة وهذا يتنافى مع مقاصد الذهاب إلى المسجد لصلاة الجمعة، ومما اعتاده الناس في بعض المساجد في عصرنا أن يقيموا درساً عاماً قبل صلاة الجمعة يكسبون فيه اجتماع الناس لإيصال المعاني لأن همم الناس انصرفت عن طلب العلم والاشتغال به، ولم ير كثير من العلماء في ذلك بأساً بل حبذوه ولم يعتبروه من باب التحلق المنهي عنه.
القراءة في صلاة الجمعة:
١٨٠٥ - * روى مسلم عن عبد الله بن أبي رافع قال: "استخلف مروان أبا هريرة على المدينة، وخرج إلى مكة، فصلى لنا أبو هريرة الجمعة فقرأ- بعد الحمد لله- (سورة الجمعة) في الأولى، و (إذا جاءك المنافقون) في الثانية، قال: فأدركت أبا هريرة حين انصرف، فقلت له: إنك قرأت بسورتين كان علي بن أبي طالب يقرأ بهما في الكوفة، قال أبو هريرة: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بهما".
١٨٠٦ - * روى مسلم عن أم هشام بنت حارثة بن النعمان ﵂ قال: "لقد كان تنورنا وتنور رسول الله ﷺ واحداً سنتين- أو سنة وبعض سنة- ما أخذت (ق، والقرآن المجيد) إلا عن لسان رسول الله ﷺ يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس" وفي رواية (١) "أخذت (ق، والقرآن المجيد) من في رسول الله ﷺ ، يقرأ بها على
стр. 1088
المنبر في كل جمعة".
١٨٠٧ - * روى الشيخان عن يعلى بن أمية ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقرأ على المنبر (ونادوا يا مالك) (١).
١٨٠٨ - * روى أبو داود عن سمرة بن جندب ﵁ "أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في الجمعة: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ ".
١٨٠٩ - * روى مسلم عن النعمان بن بشير ﵁ كتب الضحاك بن قيس إلى النعمان بن بشير يسأله: "أي شيء قرأ رسول الله ﷺ يوم الجمعة، سوى (سورة الجمعة)؟ فقال: كان يقرأ (هل أتاك) ". وفي رواية قال: "كان رسول الله ﷺ يقرأ في العيدين وفي الجمعة: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ قال: وإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد يقرأ بهما في الصلاتين".
١٨١٠ - * روى عبد الله بن أحمد عن أُبي بن كعب أن رسول الله ﷺ قرأ يوم الجمعة براءة وهو قائم يذكر بأيام الله.
стр. 1089
الفقرة الرابعة: راتبة الجمعة
١٨١١ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعاً".
وفي رواية (١) قال: "من كان مصلياً بعد الجمعة فليصل أربعاً".
وفي أخرى (٢) "من كان منكم مصلياً ... الحديث".
وفي أخرى (٣) "إذا صليتم بعد الجمعة فصلوا أربعاً".
وزاد في رواية (٤): قال سهيل: "فإن عجل بك شيء فصل ركعتين في المسجد، وركعتين إذا رجعت".
١٨١٢ - * روى الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة قال: أوصاني خليلي ﷺ بثلاث لا أدعهن في سفر ولا حضر: نوم على وتر، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتين بعد الجمعة، ثم إن أبا هريرة جعل بعد ركعتين بعد الجمعة ركعتي الضحى.
أقول: الظاهر أن رسول الله ﷺ أوصاه مرة بالضحى وأوصاه مرة بسنة الجمعة البعدية، فكان يحدث عن هذا تارة وعن هذا تارة فمجموع الوصايا أربع.
١٨١٣ - * روى أبو داود عن نافع مولى ابن عمر ﵃ "أن ابن عمر رأى رجلاً يصلي ركعتين يوم الجمعة في مقامه، فدفعه وقال: أتصلي الجمعة أربعاً؟! قال: وكان عبد الله يصلي يوم الجمعة ركعتين في بيته، ويقول: هكذا فعل رسول الله ﷺ ".
стр. 1090
وفي رواية (١) "أن النبي ﷺ كان يصلي بعد الجمعة ركعتين".
وفي أخرى (٢) "كان ابن عمر إذا صلى الجمعة انصرف فسجد سجدتين في بيته، ويحدِّث: أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك".
وفي أخرى (٣) "أن ابن عمر كان يطيل الصلاة قبل الجمعة، فإذا صلى الجمعة ... وذكر الحديث".
وفي أخرى (٤) "أن رسول الله ﷺ كان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلي ركعتين".
أقول: الأصل في النوافل أن تكون في البيت ولكن ليس هذا بمحتم، وفعل أبي هريرة يدل عليه، ومن كلام ابن عمر نعرف أنه كان يخشى من صلاة ركعتين بعد الصلاة في المسجد أن يظن ظان أن هذا إكمال لفريضة الجمعة. وفعل ابن عمر في إطالة الصلاة قبل فريضة الجمعة واستمراره في الصلاة كما مر معنا من قبل حتى يصعد الخطيب إلى المنبر دليل على أنه لا حرج في الصلاة قبل فريضة الجمعة، والنصوص كثيرة في الندب إلى الصلاة قبل أن يخرج الإمام للخطبة، ولهذا كله وللنصوص التي ستمر معنا وقياساً للجمعة على الظهر اعتبر العلماء أن لصلاة الجمعة سنة قبلية كسنة الظهر القبلية، وقد درج العامة والخاصة على أن يصلوا سنة الجمعة القبلية بين الآذان الأول والآذان الثاني، وليس للإنكار على من فعل ذلك محل، ثم إنه جرت عادة أكثر الناس أن يصلوا سنة الجمعة البعدية في المسجد دون نكير وقد سكت العلماء على ذلك لأن التخوف لم يعد له كبير محل ولأنهم رأوا أن أكثر الناس إذا لم يصلوا السنة في المسجد لم يفعلوها في بيوتهم، فلضعف همة الناس سكتوا عن كثير مما هو